Полный текст (746 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذ الحُجَّةُ أيضًا مِمَّا اعتمدَ عليها الفُقَهَاء ويقرِّرُونَها إجماعًا، فيقولون: لم يَزَلِ الصحابَةُ، والتابعون ومَن بَعدَهُم -وهَلُمَّ جَرًّا- يَحتَجُّونَ بِعُمُومِيَّاتِ الكتابِ العزيزِ، مع أَنَّها مخصوصةَ إِلا ما ذُكِرَ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣].
وحَضرُهُمُ الاستثناءَ في هذه الآية غَيرُ مُسَلَّم، فَمِنَ العُمُومِيَّاتِ الباقيةِ على عُمُومِهَا قولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٨٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ [الأعراف ٦٥] إلى غير ذلك.
تَتِمَّةٌ:
اختلفوا في جواز التمسك بالعامّ قبل البَحثِ عنِ المُخَصِّصِ:
قال ابن سريج: لا يَصِحُّ إلَّا بعد الاستقصاءِ في طَلَبِ المُخَصِّصِ وَعَدَمِهِ.
стр. 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومعنى الاستقصاء: أَنْ يَجِدَ مِن نَفْسِهِ سُكُونًا تامًّا في عَدَم المُخَصِّص؛ كَمَنْ يطلب متاعًا يَعْرِفُ مَظَانَّهُ ولا يَجِدُه؛ لأنه وإنْ كان الأصلُ عَدَمَ المُخَصِّصِ إلّا أَنَّه يجب على المجتهد غايَةَ الإِمكانِ كما في البينات.
وقال أبو بكرٍ الصَّيرَفِيُّ: لا يَجِبُ، بل يُكتَفَى بِأَن الأَصلَ عَدَمُ المُخَصِّصِ؛ بِنَاءَ على الأصلِ، كما يُحمَلُ اللفظُ على حقيقته بدون بَحْثٍ عن عدم إِرادة المجازِ؛ بناء على الأَصْلِ.
وفرق بينهما: بأَنَّ التخصيصَ، وإن كان على خلاف الأَصلِ، إلّا أَنَّ أكثرَ العُمُومَاتِ مُخَصَّصَة، فقد عارض هذا الأصل الغالِبَ بخلاف المجاز؛ فإنه وإن كان على خلاف الأصل، إِلَّا أنَّ أكثر الألفاظِ محمولَةٌ على حَقَائِقِها؛ فقد وافق الاستعمال فيها الأصل، والله أعلم.
стр. 318
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
الْمُختَارُ -عِنْدَنَا-: أَنَّ الاسْتِثنَاءَ مِنَ النَّفْيِ، لَيسَ بِإِثْبَاتِ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وَجْهَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى الصُّوَرِ الْمُرْتَسِمَةِ فِي الأَذْهَانِ، وَالأحْوَالُ الذهْنِيَّةُ مُطَابِقَةٌ لِلأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ، وَالاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّفْظِ: إِنْ صَرَفْنَاهُ إِلَى الْحُكْمِ، أَفَادَ زَوَال الحُكْمِ، وَإِنْ صَرَفْنَاة إِلَى ذلِكَ الْعَدَمِ، أَفَادَ زَوَال الْعَدَمِ؛ فَحِينَئِذٍ: يُفِيدُ الثُّبُوتَ، إِلَّا أَنَّ
===
[المسألة السابعة]
اتفقوا على أنَّ الاستثناءَ من الإِثْبَاتِ نَفْيٌ وإنِ اختلفوا في الاستثناء من النفي، هو إثباتٌ أم لا؟
فالجمهور: على أنه إثبات.
وقال أبو حنيفة: ليس بإثباتٍ، بل مُقْتَضَاهُ خروجُ المُسْتَثْنَى من الحكم لَا غَير، وساعده الفَخْرُ ها هنا.
قوله: "ويدل عليه وجهان: الأول: أن الألفاظ تدل على الصور المُرْتَسِمَةِ في الأذهان" يعني: أنها حقيقةٌ بالوضع الأَوَّل فيها.
قوله: "والأحوال الذِّهْنِيَّةُ مطابقة للأمور الخارجية" يعني: إِنِ اسْتُعمِلَت فيها فهي بطريقِ المجاز.
وقد احتجَّ على هذه القضية في "المحصول" من وجهين:
أَحَدُهُمَا: أَن الألفاظَ تَتَغَيَّرُ عند تَغَيَّرُ الصُّوَرِ الذهنية، وإن لم تتغيرْ في الخارج، كما لو رأى شخصًا من بعيدٍ فَتَوَهَّمَهُ فَرَسًا، فقال: هذا فَرَسٌ، فإذا تَحَقَّقَ أنه إِنسان قال: هذا إنسان.
والثاني: أنَّ الألفاظ لو كانت موضوعةٌ للخارج لكانَ قَوْلُ القائِلِ: قام زيد لا يَحْتَمِلُ الكَذِبَ؛ لأنه موضوعٌ لِلنسْبَةِ الخارجة، ولا يحتملُ غَيرَهُ.
أَمَّا إذا كان للنسبةِ الذِّهْنِيَّةِ فقد يُطَابِقُ الخارجَ، وقد لا يُطَابِقُ، فَيَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ.
وجوابُ الأَوَّلِ: أن اختلافَ الصورِ الذِّهنِيَّةِ إنما كان لاختلافِ الخَارِجِيِّ، والغَلَطِ في الحِسَّ، فهو إنما أَخْبَرَ أنه فَرَسٌ؛ لتوهم أنه أدركه محسوسًا فرسًا.
стр. 319
الأَوَّلَ أَوْلَى؛ لأَنَّ تَعَلُّقَ اللَّفْظِ بِالْحُكمِ الذِّهْنِيِّ بِغَيرِ وَاسِطَةٍ، وَتَعَلُّقَهُ بِالأَحْوَالِ الثَّابِتَةِ فِي الْخَارجِ: بِوَاسِطَةِ الأَحْكَامِ الذِّهْنِيَّةِ؛ فَكَانَ الأَوَّلُ أَوْلَى.
===
وعنِ الثاني: أن الكَذِبَ هو الخَبَرُ غيرُ المُطَابِقِ: فتارَةً يكونُ غير مطابق لما في الخارجِ كالإخبارِ عن قيامِهِ، وليس بقائم، لا سيما مع علمه بذلك، وتارَةً يكون لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ ما في النَّفْسِ، وإن طابق ما في الخارج؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]:
كَذَّبَهُمْ؛ لإِخبَارِهِمْ على خلاف ما في نُفُوسِهِمْ، وإن كان الأمر من خارج مطابقًا.
وقد تناقض قولُه في هذه المُقَدَّمَةِ؛ فإنه ادَّعَى أن تَسْميَةَ الحقيقةِ حَقِيقَةٌ مَجَازٌ في رابع درجةٍ؛
قال: فإنَّ أصْلَها مِنْ حَق الشَّيءُ: إذا ثَبَتَ في نَفْسِهِ، ثم اسْتُعْمِلَ في الثابت ذِهْنًا؛ لِمُطَابَقَتِهِ الخَارجَ، ثم في اللَّفْظِ، لمطابقته الصُّوَرَ الذهنيةَ المطابقة للخارِج، ثم في اللفظة المخصوصَةِ المُسَمَّاةِ: بالحقيقة المِقابلةِ للمجاز.
وهو في هذا المَوْضِعِ يَدَّعِي أَن الألفاظَ حَقَائِقُ في الأعيانِ، مَجَازٌ في الصُّوَرِ الذهنية.
وفي مسألة الاستثناءِ ادَّعَى عَكْسَهُ: فما أَسرَعَ ما نَسِيَ الناسُ؟ !
ومِمَّا يُبْطِلُ ما ذكره: أَنَّ أسماءَ الإِشارةِ، والأعلامِ موضوعَةٌ لِلْمُعَيَّنِ الخارِجِيِّ.
وأمَّا النَّكِرَاتُ فهي الموضوعاتُ لشيءٍ في الخارجِ، ولكُلِّ ما شابَهَهُ، بخلاف عَلَمِ الجِنْسِ؛ فإنه موضوع للْمَاهِيَّةِ الذهنية كأسامةَ للأسد.
والذي يُحَقِّقُ، أَنَّ أكثرَ الوضعِ باعتبارِ الخارجِ -أَن الاسمَ إذا كان شائعًا، يَسْتَعْمِلُة الخَاصُّ والعَامُّ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُهُ على معنى لا يُدْرِكُهُ إلَّا الخواصُّ، والماهِيَّاتُ الذهنيةُ لا يُدْرِكُهَا إلَّا الخواصُّ، ، ولَفظُ الإِنْسَانِ والفَرَسِ والبعيرِ وما أشبههما يستعمله الخاصُّ والعامُّ.
والحَقُّ أن الوَضْعَ بحسب الحَاجَةِ، وقد يُحْتَاجُ إلى الإِخبارِ عن أحوالِ الكُلِّيِّ والجُزْئِيِّ معًا، فدعوى اختصاصِ الوَضْعِ الأَوَّلِ بأحدهما تَحَكُّمٌ.
قوله: "والاستثناء المذكور في اللفظ إن صرفناه إلى الحكم، أفاد زوال ذلك الحكم، وإن صرفناه إلى العدم أفاد زوال ذلك العدم"، يعني بأَنَّ النفيَ والإثباتَ في نفس الأمر وَاسِطَةٌ بينهما، فَرَفع كُلَّ واحِدٍ منهما يَستَلزِمُ ثُبُوتَ الآخر.
أَمِّا عند الناظِرِ فبينهما وَاسِطَة، وهي الوَقْفُ عن الحُكمِ، إلَّا أنَّ ما ذكره يَنْتَقِضُ بما سَلَّمَهُ مِنَّ أَن الاستثناءَ من الإثبات نَفْيٌ.
قوله: "إلَّا أَن الأَوَّلَ أولى؛ لأَنَّ تعلُّقَ الحكم بالذِّهْنِيِّ بغيرِ وَاسِطَةٍ، وتعلُّقَهُ بالأحوالِ الثابتة في الخارج بواسطة الأحكام الذِّهنِيَّة؛ فكان أولى".
هذا الترجيحُ مَبنِيٌّ على ما قَرَّرَهُ من أَن الألفاظَ حقيقةٌ في الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، وقَدْ أبطلناهُ، وَبيَّنَّا أنه لا تَصِحٌ دعواه مطلقًا.
стр. 320
الثانِي: أَنَّنَا لَوْ قُلْنَا: "إِنَّ الاسْتِثنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثبَاتٌ"-: فَحَيثُ لَا يُفِيدُ الإِثْبَاتَ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : "لَا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ"، وَ"لَا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيِّ"- يَلْزَمُ مُخَالفَةُ الدَّليلِ.
===
- قوله: "الثاني: لو قلنا إِن الاستثناءَ من النفي إِثبات، فحينئذ: لا يفيد الإثباتُ؛ كما في قوله ﵊: "لَا صَلاةَ إِلا بِطُهُورٍ"، "وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ" - يَلْزَمُ منه مُخَالفَةُ
стр. 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الدَّليلِ" يعني: أنه لو أفاد لَلَزِمَ من وُجُودِ الطهارة صِحَّةُ الصلاة مُطلَقًا، ومن وُجُودِ الوَليِّ صِحَّةُ النكاحِ مطلقًا، وليس كذلك؛ فيلزمُ مُخَالفَةُ الدليلِ.
стр. 322
أَمَّا إِذَا قُلْنَا: "إِنَّهُ لَا يُفِيدُ الإِثبَاتَ"- فَحَيثُ يَحْصُلُ الإِثبَاتُ، لَمْ تَحْصُل مُخَالفَةُ الدَّلِيلِ" بَلْ يَحْصُلُ حُكْمٌ زَائِدٌ، لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الأَوَّلُ عَلَيهِ لَا بالثُّبُوتِ، وَلَا بالانْتِفَاءِ؛ فَكَانَ الثانِي أَوْلَى.
فَإِنْ قَالُوا: "فَعَلَي هذَا التَّقْدِيرِ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا: "لَا إِلهَ إِلَّا الله"- لَا يُفِيدُ الإِقْرَارَ بِثُبُوتِ الإِلهِ! ":
قُلْنَا: الإِقْرَارُ بِثُبُوتِ الإِلهِ مَوْجُودٌ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ كَمَا قَال الله تَعَالي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هذِهِ الْكَلِمَةِ: نَفْيُ الشُّرَكَاءِ وَالأَنْدَادِ.
===
هذا هو الدليل الذي اعتمد عليه الحَنَفِيَّةُ.
قوله: "أما إذا قلنا: لا يفيد الإثبات فحيث يحصل الإِثبات لم تَحْصُل مخالفَةُ دليلٍ، بل يحصل حكم زائد لم يدل عليه اللفظَ لا بالثبوت، ولا بالانتفاء".
والاعتراضُ عليه من وجهين:
الأَوَّلُ: أَن قوله ﵊: "لا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ" لا يَحْسُنُ نَفْيُ الصلاةِ لِنَفْي الطهارةِ، إلَّا عند تحقيق سَائِرِ الأركانِ، والشَّرَائِطِ وتَخَلُّفِ الطهارة فقط، وإلَّا فالنفيُ لا يُنْفَى، وَإذا كان كذلك، لَزِمَ من ثُبُوتِ الطهارةِ الصِّحَّةُ، لا مَحَالةَ.
الثَّاني: أَنَّا إنَّمَا ادَّعَينا أن الاستثناءَ من النفي إِثباتٌ، والإثباتُ أَعَمُّ من الإثبات العامِّ.
وإذا قال: "لَا صَلاةَ إلَّا بِطُهُورٍ: اقتض نَفيَ كُلّ صلاةٍ عند عَدَمِ الطهَارَةِ مطلقًا، وقوله: "إلَّا بطهور": يستلْزَمُ من الثُّبُوتِ ولو في صورة، فَيَصْدُقُ أنّ الاستثناءَ من النفي إِثباتٌ.
قوله: "فإن قالوا: على هذا التقدير وجب أن يكون قولنا: لا إله إلَّا الله لا يفيد الإِقرارَ بثبوت الإله"، يعني: أنه إذا لم يقتض إلَّا خُرُوجَه من النفي- لم يكن منفِيًّا، ولا جازمًا بثبوت الإلهِيَّةِ لله تعالى، فلا يكونُ إيمانًا.
وهذا هو الدليلُ الذي اعتمد عليه الفُقَهَاءُ؛ فَإِن تَفريعَهُم في الفقه على ذلك في مَسأَلة: له عندي عَشَرَةٌ إلا تسعة إلَّا ثمانية إلَّا سبعة إلَّا ستة إلّا خمسة إلَّا أربعة إلَّا ثلاثة إلَّا اثنينِ إلَّا واحدًا، فإنه تَلزَمُهُ خَمسَةٌ، وكذلك غَيرُهَا.
قوله في الاعتراض على هذه الحُجَّةِ: "قلنا: الإقرارُ بثبوت الإلهِ موجودٌ في بديهة العَقلِ لِكُلّ أَحَدٍ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥].
والمقصودُ من هذه الكلمة نَفيُ الشرِيكِ والأضدادِ".
والاعتراضُ: أنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ هذهِ القَضيَّةَ بَدهية في العقلِ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّ عن الكفَّارِ الدَّهرِيَّةِ وقد قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾، [الجاثية ٢٤] وَمَن يقولُ بالعِلَّةِ أو الطبيعَةِ يَنفِي الإلَهَ الذي نُثبِتُهُ نَحنُ، فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥] هنا - في حَقِّ
стр. 323
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة الاستِثنَاءُ المَذكُورُ عَقِيبَ الْجُمَلِ
الْمُختَارُ -عِنْدَنَا-: أنَّ الاسْتِثنَاءَ الْمَذْكُورَ عَقِيبَ الْجُمَلِ مُخْتَصٌّ بِالْجُملَةِ الأَخِيرَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ الْمُقتَضِيَ لِثُبُوتِ الحُكْمِ فِي كُلِّ تِلْكَ الجُمَل قَائِمٌ، وَمَا لأَجلِهِ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِي الْجُملَةِ الوَاحِدَةِ- فَمَقْصُودٌ فِي سَائِرِ الجُمَلِ؛ فَوَجَبَ أَن يَبقَى الحُكْمُ فِي سَائِرِ الجُمَلِ عَلَى الأَصلِ.
===
طائِفَةٍ اعترفت بالإِلهِ، وعبدتِ الأصنامَ أو الملائكة، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]؛ وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم ١٠]، يعني: أنه لا شَكَّ فيه، مع العلم بأنه فَاطِرُ السمواتِ والأَرضِ، وهذا عِلْمٌ حاصِلٌ بالنظر والاستدلالِ، لا بِبَدَاهَةِ العَقْلِ.
[المسأَلَةُ الثَّامِنَةُ]
الاستثناءُ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا معطوفةً بالواو: لم يختلفِ الأصوليون في جوازِ عَودِ الاستثناءِ إلى الجميع، أو قَصرِهِ على بَعضِهَا، مُتَقَدِّمَةً كانت الجملة، أو متأخرة.
وقد جاء عودُها إلى الجميعِ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
وَجَاءَ عَودُهُ إِلَى الأَخِيرَةِ باتِّفَاقٍ في قَولِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤] هذِهِ جُملَةٌ أَمرِيَّةٌ ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور ٤]: هذه جملة
стр. 324
أَمَّا بَيَانُ الأَوَّلِ: [فَـ] هُوَ أَنَّهُ أَخبَرَ عَنْ ثُبُوتِ الحُكمِ فِي كُلِّ تِلكَ الجُمَلِ، وَأخبَارُ الشَّرعِ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
===
نَهيِيَّةٌ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]: هذه جملة خَبَرِيَّةٌ:
ولم يَعُدِ الاستثناءُ إلى الأُولَى بالإِجماعِ؛ لأنَّ الجَلْدَ حَقٌّ آدَمِيٌّ لا يَسْقُطُ بالتوبة، ويَعَودُ إِلَى الأخيرة بالاتفاقِ.
وقال الشافعيُّ: ويعود أيضًا إلى الثانية؛ فَتُقْبَلُ شهادَتُه إِذا تاب التَّوْبَةَ المُعْتَبَرَةَ.
ومنع أبو حنيفة: عَوْدَه إلى الثانية.
وقال القاضي: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيطَانَ إلا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]- إنه يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلى الجملةِ الأخيرةِ؛ لأن مَنْ لم يُصِبهُ فَضْلُ الله، فلا بُدَّ أنَّ يكونَ مُتَّبِعًا للشيطان، فيعودُ إلى الأَوَّلِ، فيكون تقديرُهُ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يستنبطونه منه إلَّا قليلًا.
وما ذكره مُحْتَمَل، ويمكنُ عَوْدُهُ إلى الجملة الأخيرة، على معنى. ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته ببعثَةِ محمد ﷺ لاتَّبَعْتُمُ الشيطانَ؛ لعدمِ التوفيقِ إلى الإيمانِ إلَّا قليلًا؛ كقس بن ساعدةَ، وأويس القرني، وأمثالهما.
وإنما اختلفوا في الظهور عند عدم القرائن:
فقال الشافعي: إنه ظاهِرٌ في التعميم.
وقال أبو حنيفةَ: إنَّهُ ظَاهِرٌ في الاختصاصِ بالأخيرة، وهو اختيارُ الفَخْرِ.
وقال المرتضى من الشيعة بالوقفِ بالاشتراك.
وقال القاضي والغزاليُّ بالوقف بلا أدري.
وقال أبو الحسين البَصْرِيُّ: إنْ يَتَبَيَّنِ استقلالُ الأُولَى عنِ الثانية -باختلافِ نوعها، أو تبايُنِ جزئيها- فَإِلَى الأخيرةِ، وإلَّا فإلى الجميع.
стр. 325
أَمَّا بَيَانُ الثَّانِي: فَهُوَ أَن الاسْتِثْنَاءَ كَلامٌ غَيرُ مُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَة؛ حَتَّى لَا يَصِيرَ لَغْوًا، فَإِذَا عَلَّقْنَاهُ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ -فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ؛ فَتَعْلِيقُهُ بِسَائِرِ الْجُمَلِ يَقْتَضِي مُخَالفَةَ الدَّلِيلِ مِنْ غَيرِ حَاجَةٍ؛ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
===
احتَّج الشافعيُّ بوجوه:
الأول: أَنَّ احتمال عودِهِ إلى الجميع جَائِزٌ، ولا أَوْلَويَّةَ؛ فَيَعُمُّ؛ كاللَّفْظِ العَامِّ بالنسبة إلى مُسَمَّياتِهِ.
ورُدَّ: بمنع سلب الأولوية، بل عوده إلى الأخيرة أَوْلى؛ لِقُرْبه.
الثاني: أَنَّ الوَاوَ العاطفةَ تُصَيرُ المُتَعدِّدَ في حكم المُتَّحِدِ إذا فرق بين قولهم: رأيتُ زيدًا وزيدًا، ورأيت الزيدين.
واعْتُرِضَ: بأَن هذا مُسَلَّمْ في عطف المُفْرَدِ، والكلامُ في عطف الجُمَلِ.
الثالِثُ: أنه لو قال: له عندي خمسة وخمسة إلَّا سِتَّةً- عاد إلى الجميع.
وَأُجِيبَ: بأنه عَطْفٌ في المُفْرَدِ، وبامتناعِ عودِهِ إلى الأخيرة فقط.
واحتَجَّ المرتضى: بأنه إذا اسْتُعْمِلَ تارَة مع التعميم، وتارَةً مع الاختصاص، والأَصْلُ في الإِطلاقِ الحقيقة- لَزِمَ الاشتراكُ.
ورُدَّ: بأن الاشتراكَ على خلاف الأصلِ أيضًا.
واحتج أيضًا: بِحُسْنِ الاستفهامِ، وهو دليلُ الاستبهامِ.
واعْتُرِضَ بأْنه لِطلَبِ تعيينِ الحقيقة وَلِقطعِ الاحتمال.
واحْتَّجَ القَاضِي بِأَنَّهُ إِذَا تَكَافَأَتِ الأَدِلةُ تَعينَ الوَقْفُ.
وَرد بمنع التَّكافؤ وَبَيَان التَّرْجِيحِ.
واحتجَّ أبو حنيفةَ بوجوهِ:
الأَوَّلُ: ما أشار إليه الفَخْرُ، وهو قوله: "إنَّ المُقْتَضِي لِثُبُوتِ الحُكْمِ في كل تلك الجملَ قائم ... " إلى آخره.
يعني: أَنَّ الجُمَلَ ظاهرة في العُمُومِ، والاستثناءُ إخراجٌ وتخصيصٌ، وكلاهما على خلافِ الأَصْلِ، والاستثناءُ لا يَسْتَقِلُّ بنفسه، ولا بُدَّ من ربطهِ بجملة، وربطهُ بواحدةٍ يَدْفَعُ الضرورةَ، وما يَثْبُتُ للضرورة يُقَدَّرُ بحسبها، فيتعيَّنُ عَوْدُهُ إلى واحدةٍ، ويختصُّ بالأخيرة لِلْقُرْبِ، فيبقى فيما عداها على الأصل.
واعْتُرِضَ: بأنَّا لا نُسَلِّمُ ظهورَ العُمُومِ مع الاستثناءِ وحرتِ العطفِ، والكلامُ إِنَّما يُعْتَبَرُ بِجُمْلَتِهِ، ولا يقينَ مع احتمالِ العَوْدِ.
ولا نُسَلِّمُ أَنَّ الاستثناءَ إِخرَاجٌ بعدَ الحُكْمِ؛ بل هو إِخْرَاجٌ قَبْلَ الحُكْمِ، وإِلَّا كان قولُنا: لا إله إلَّا الله إيمانًا بعد كُفْرٍ، وقولُهُ: له عليَّ عَشَرَة إلَّا درهمًا رجوعًا بعد الإقرار.
стр. 326
فَإِنْ قِيلَ: هذَا الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَزتُمُوهُ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ يُسَلِّمُ أَنَّ الاسْتِثنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالى يَعُودُ إِلَي كُلِّ الجُمَلِ؛ فَالشرْطُ الْمَذكُورُ عَقِيبَ الْجُمَلِ يَعُودُ إِلَى الكُلِّ.
ثَمَّ نَقُولُ: هَبْ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الاسْتِثنَاءِ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَا السَّبَبُ فِي تَعَلُّقِهِ بِالْجُمْلَةِ الأخَيرَةِ؟ !
فالْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ: أَنَّا نَمْنَعُ الحُكْمَ فِي الإِلْزَامَينِ.
وَأَمَّا السَّبَبُ فِي تَعَلُّقِ الاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ- فَفِيهِ طَرِيقَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ تَعَلُّقُهُ بِالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ- وَجَبَ تَعَلُّقُهُ بِالْجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ؛ كَيلا يَحْصُلَ قَوْلٌ ثَالِثٌ خَارِقٌ لِلإِجْمَاعِ.
===
واحتجَّ أيضًا: بأنَّ الاستثناءَ لو عادَ إلى الجميع فإما أن يُضْمَرَ عَقِيبَ كُلِّ جملة، وهو خلافُ الأصل.
أو يُكْتَفَى بالأُخْرَى، والعَامِلُ في المُسْتَثْنَى هو العَامِلُ في المُسْتَثْنَى مِنْه بواسطة "إلَّا"؛ فيلزمُ اجتماعُ العواملِ الكثيرةِ على معمولِ واحدٍ، وقد نَصَّ سيبويهِ على مَنْعِهِ.
واعْتُرِضَ عليه: بأَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ العَامِلَ ما ذكره؛ بلْ للنحاة فيه مَذَاهِبُ.
ولو سُلِّمَ، فلا نُسَلِّمُ امتناعَ [اجتماع] عامِلَينِ في مَعْمُولٍ واحد؛ فإِنَّهَا مُعَرِّفَاتٌ لا مُؤَثِّرَات.
وقول سيبويهِ يُعَارِضُهُ قَوْلُ الكسائيِّ.
قوله: "فإن قيل: هذا القول الذي اخترتموه هو قول أبي حنيفة، وأنه سلم أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى يعود إلى الجميع والشرط المذكور عقيب الجمل" مِثَالُ ذلك قول القائل: نساؤُهُ طوالِقُ، وعَبِيدُهُ أحرارٌ، ودُورُهُ حَبْسٌ إلَّا أن يشاء الله، أو إنْ جاءَ زيد، في الأَوَّلَين.
وقد سَلَّمَ أبو حنيفةَ عَوْدَهَا إلى الجميعِ، ومَنَعَ الفَخْرُ عودها في الجميع، ومَنْ سَلَّمَ فَرَّقَ بأنَّ هذا شرط، وقياسُ الاستثناءِ عليه قياسٌ في اللغة، وهو ممنوع ولو سُلِّمَ؛ فلا بُدَّ من جامع، ثم الفَارِقُ أنَّ الشَّرطَ يُقَدَّرُ تَقَدُّمُهُ، بخلاف الاستثناء.
وَللْخَصْم أَنْ يُقَرِّرَ الجَمْعَ بِأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما مُخَصَّصٌ غيرُ مُسْتَقِلٍّ، ولا فرقَ بين قوله: "إلَّا مَنْ تاب" أَو: إنْ لم يَتُبْ، والفَرْقُ ضعيف، فإنَّ الشرطَ إنما يقتضي تقديمه فيما هو شَرْطٌ فيه، ولا نُسَلْمُ أنه شرطٌ في الجميعِ.
قوله: "وأَمَّا السبب في تعلقه بالجملة الأخيرة- ففيه طريقان: الأول: أنه لما ثَبَتَ تَعَلُّقُه بالجملة الواحدة، وَجَبَ تَعَلُّقُهُ بالجملة الأخيرة؛ لِئَلَّا يَحْصُلَ قولٌ ثالث خارق للإِجماع".
هذا إنما يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّ.
وأما المرتضى والقاضي: فلم يُسَلِّما الانحصارَ في القولينِ.
стр. 327
الثانِي: أَنَّ الْقُرْبَ يُوجِبُ هذَا الاخْتِصَاصَ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ:
الأَوَّلُ: اتَفَاقُ الْبَصْرِيينَ عَلَي أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الْمَعْمُولِ الْوَاحِدِ عَامِلانِ- فَإِعْمَالُ الأقرَبِ أَوْلَى.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي: "ضَرَبَ زَيدٌ عَمْرًا وَضَرَبْتُهُ": إِنَّ هذَا الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إِلَى الأَقْرَبِ؛ لأَن الْقُرْبَ يُوجِبُ هذِهِ الأولَويَّةَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِنَا: "ضَرَبَتْ سَلْمَى سُعْدَى": إِنَّهُ لَيسَ فِي إِعْرَابِ اللَّفْظِ وَلَا فِي مَعْنَاهُ: مَا يَجْعَلُ أَحَدَهُمَا بِالْفَاعِلِيَّةِ أَوْلَى، فَاعْتَبَرُوا الْقُرْبَ، وَقَالُوا: تَعَلُّقُ الْفِعْلِ بِالْفَاعِلِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْمَفْعُولِ؛ فَوَجَبَ أَن يَكُونَ الأقرَبُ هُوَ الْفَاعِلَ.
وَالرَّابعُ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِمْ: "أَعْطَى زَيدٌ عَمْرًا بَكْرًا": إِنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ "عَمْرو" وَ"بَكْر": أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا أَوَّلَ، وَلَيسَ فِي اللَّفظ ما يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ؛ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْقُرْبِ.
===
قوله: "الثاني إنَّ القُربَ يُوجِبُ الأولويَّةَ، ويَدُلُّ عليه أربعة وُجُوهٍ: الأول: اتِّفَاقُ البصريين على بيان كونه أَولوية بِإعمال الثاني لِقُربِهِ الثاني: أنهم قالوا في قولهم: ضَرَبَ زَيدٌ عمرًا، وَضَرَبْتُهُ: إنَّ الضمير يَعودُ إلى الأخيرِ".
هذان الوجهانِ ظاهرانِ في اعتبارِ القُرْبِ.
قوله: "الثالث: إنَّهم قالوا في قولهم: ضربت سَلْمَى سُعْدى: إنه ليس في إِعرابِ اللفظ، ولا في معناه ما يَجْعَلُ أَحَدَهُمَا بالفاعِلِيَّةِ أولى؛ فَاعتُبِرَ القُرْبُ":
ويرَدُّ عليه: أَنَّ تقديمَ المفعولِ من باب المجازِ، ولا يَصِحُّ المجازُ إلَّا مع القرينةِ، ومتى عُدِمَتْ فقد فات شَرْطُهُ فلا يَصِحُّ، وهو الجوابُ عن الرابع، وهو حِفْظُ المراتِبِ في المفعولينِ اللَّذَينِ يَصِحُّ الاقتصارُ على أحدهما عند اللبس، نحو: أعطيتُ زيدًا عمرًا.
стр. 328
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ
الاستِثْنَاءَاتُ إِذَا تَعَدَّدَتْ: فَإِنْ كَانَ البَعضُ مَعطُوفًا عَلَى البَعضِ بِحَرْفِ الْعَطفِ - كَانَ الكُلُّ عَائِدًا إِلَى المُسْتَثنى مِنهُ؛ كَقَوْلِكَ: "لِفُلانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلا خَمْسَةَ وَإِلَّا أَربَعَةً".
===
لا بُدَّ من تقديم تَؤطِئَةٍ لهذه المسألة وهي:
أَنَّ الاستثناءَ المُستَغرَقَ لا يَصِحُّ بالإجماع؛ لأنه نَقضٌ، واستثناءُ الأَقَلِّ صحيحٌ بالإِجماعِ.
واستثناءَ المُسَاوي صحيحٌ عند الأكثرين، خلافًا لابن درستويه من النحاة، وأحمد بن حنبل، وعبد الملك بن الماجشون من الفقهاء، والقاضي من الأُصوليين.
واستثناءُ الأكثرِ بَاطِلٌ عند النُّحَاةِ، صحيحٌ عند جمهورِ الفقهاءِ.
وَمَن مَنَعَ المُسَاويَ، مَنَعَ الأكثرَ بطريق الأولى.
واحتجَّ المانِعون للمساوي وللأكثر: بأنه لم يُوجَدْ في كلام العَرَب، وما لا يوجد في كلامهم لا يكون من لُغَتِهِم.
قال القاضي: ولأنَّ الاستثناءَ على خلافِ الأصل، خالفناه في الأَقَلِّ؛ لأنه في مَظِنَّةِ النسيان لحاجة الاستدراك.
стр. 329
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ -فَالاسْتِثنَاءُ الثانِي: إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الأوَّلِ، أَوْ مُسَاويًا لَهُ- عَادَ أَيضًا إِلَى الأَوَّلِ؛ كَقَوْلِكَ: "لِفُلانٍ عَلَى عَشَرَةْ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا خَمْسَة".
===
وهذا المعنى لا يتحقق في المساوي؛ فوجب البقاءُ على الأَصل.
احتج المُجَوِّزُونَ: بأنه لو قال: له على عشرةُ دراهمَ إلَّا تسعةً- لزمه دِرْهَمٌ واحد بإجماع علماءِ الأمصارِ.
ورُدَّ: بأنه تفريعٌ على هذا المَذهَبِ، واستَبعَدَ دعْوى الإجماع مع خلافِ أَحمَدَ وَغَيرِهِ.
قوله: لو صحَّ تخصيصُ الأكثر فيصحُّ استثناؤه؛ لأنَّ معناهما واحد.
ورُدَّ: بأنه قياسٌ في اللُّغَةِ.
قالوا: قد سُمِعَ من العرب قولُ الشاعر [من البسيط]
أَدُّوا الَّتِي نَقَصَت تِسعِينَ مِن مائَةٍ ... ثُمَّ ابعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّالًا
هو في معنى الاستثناء.
ورُدَّ: بأَنهُ قياس، وأيضًا فلا تَثْبُتُ هذه القاعِدَةُ ببيتِ شعرٍ غيرِ صريح.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢ - ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ [الحجر: ٤٢]؛ حيث استثنى الغاوين مَرَّةً والمُخْلَصِينَ مَرَّةً.
وأيَّامًا كان أكثر لَزِمَ استثناءُ الأكثرِ من الأَقَل، كيف والغاوون أَكْثَرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
ورُدَّ عليه: أن قوله تعالى: ﴿وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] المُرَادُ منه ذُرِّيَّهُ آدَمَ ﵇؛ بدليل قوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]، وأن المخلصين إما المَعصُومُونَ وهم الأنبياءُ، وإما الصالحون.
وأيًّا ما كان، فهو استثناءُ الأَقَلِّ.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، فظاهِرٌ أَنَّ إضافَةَ العِبَادِ ها هنا: إضافَةُ تشريف، وهم المخلصون.
وحينئذ: يتعيَّنُ أن يكونَ قوله: ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ [الحجر ٤٢] استثناء مُنقَطِعًا؛ كقولك: مِن أَين أتيت؟ .
فإن قيل: فقد مَنَعَ قَوْمٌ وقوعَ الاستثناءِ المُنْقَطِعِ في القرآن والشِّعْرِ، ورَدُّوا جَمِيعَ ذلك إلى المُتَّصِلِ.
стр. 330
وإنْ [كَانَ] أَقَلَّ مِنَ الأَوَّلِ؛ كَقَولِكَ: "لِفُلانٍ عَلَى عَشَرَةَ إلا خَمسَةَ إلا أَربَعَةَ" - فَالاستِثنَاءُ الثَّانِي: إِمَّا يَكُونُ عَائِدًا إِلَى الاستِثْنَاءِ الأوَّلِ فَقَط، أَوْ عَائِدًا إِلَى الْمُستَثْنَى مِنْهُ فَقَطْ، أَو إِلَيهِمَا مَعًا، أَو لا إلى وَاحِدٍ مِنهُمَا:
===
قلنا ذلك تَعَسُّفٌ وتَكَلُّفٌ، ولا نزاعَ في أنه وَرَدَ بعد "إلَّا" ما لا يَندَرجُ فيما قبلها.
وإنما الخلاف في أمور:
منها: أنه هل يكونُ استثناءَ حقيقةٍ أو مجازٍ؟ : والصَّحِيحُ أنه مجازٌ؛ لأنهُ مُشْتَقٌّ إمَّا من التَّثَنِّي تقول: ثَنَيت من عنان الفَرَسِ إذا رَدَدتَهُ ومنعته عن صَوبهِ، ولا يَتَحَقَّقُ هذا المعنى إلَّا مع الاتصال.
أو مشتق من التثنية وذلك لتثنية الخبر ولا يتحقق ذلك أيضًا إلا بتقدير دُخُوله في الخَبَرِ الأَوَّلِ بالإثبات مثلًا وبالنفي في الثاني، وبالعكس.
ومنها: أن حُكمَهُ النَّصبُ أو البَدَلُ فيما يَتبَعُ الجنس عند بني تميم، وهذا بَحثٌ نَحويٌّ.
ومنها: أنه إذا قال: له عليَّ مائة دينار إلا ثوبًا فأبو حنيفةَ يُلْزِمُهُ المائَةَ، وقوله: "إلَّا ثوبًا، لاغٍ، والشَّافِعِيُّ ينظر إلى قِيمَةِ الثوبِ، فإِن كانت مُسَاويَة للمائة أو أكثر أَلغَاهُ، وإن كانت أَقَلَّ استثنى القيمةَ من المائةِ.
فَوَجْهُ المجازِ فيه: أنه بتقدير حرفٍ مضافٍ كأنه قال: له عَلَيَّ مائةُ دينارٍ إلَّا قيمةَ ثوبٍ، والمَصِيرُ إليه أولى من التعطيلِ.
وما ذكره أبو حنيفةَ: قياس الاستثناء من غير الجِنسِ فهو مُقَدَّرٌ بـ"لكن"، إلَّا أنه ناقضه في استثناء الموزون من المَكِيلِ، والمَكِيل من الموزون.
عدنا إلى المسألة:
قوله: "إذا تَعَدَّدَت فإن كان البعضُ معطوفًا على البعضِ بحرف العطف، كان الكُلُّ عائدًا إِلَى المُستَثنَى منه"- ظاهِرٌ؛ فإنَّ مُقتَضَى العَطفِ جَعلُ المُتَعَدِّد كالواحد، فَيَعُودَانِ معًا إلى الأَوَّلِ بشرط عَدَمِ الاستغراق.
قوله: "كقولك: لفلان عليَّ عشرة إلَّا خمسة وإلا أربعة" يعني: فيلزمه واحد؛ وهذا تقريع على صِحَّةِ استثناءِ الأكثرِ، ومَن مَنَعَ كان الجَمِيعُ عنده لاغيًا، أو الثاني.
قوله: "وإن لم يكن كذلك فإنَّ الاستثناءَ الثاني إن كان أكثرَ من الأَوَّل أو مساويًا- عاد أيضًا إلى الأول؛ كقولك: لفلانٍ على عشرة إلَّا أربعة إلَّا خمسة" يعني: لِتَعَذُّرِ استثناءِ الخمسة من الأربعة.
قوله: "وإن كان أَقَلَّ منه؛ كقولك: عليَّ عشرةٌ إلَّا خمسة إلَّا أربعةَ، فالاستثناءُ الثاني إمَّا أَن يكونَ عائدًا إلى الاستثناءِ الأول فقط ... " إلى آخره.
يعني: أنَّ الأصلَ اعتبارُ القُرب، وإخراجُ الأَربعةِ من الخمسة مُمكِنٌ؛ فقد استَثنَى بخمسةٍ أَخرَجَ منها أربعةً، فيكونُ الاستثناءُ بوَاحدٍ، فتبقى تسعةٌ.
стр. 331
وَالأوَّلُ: هُوَ الْحَقُّ.
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقُرْبَ يُوجِبُ الرُّجْحَانَ.
وَالثَّالِثُ: بَاطِلٌ أَيضًا؛ لأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعَ الاسْتِثْنَاءِ الأَوَّلِ -لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا نَفْيًا وَالآخَرُ إِثْبَاتًا، فَالاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي لَوْ عَادَ إِليهِمَا مَعًا- وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَمِنَ الإِثْبَاتِ نَفْيٌ-: فَيَكُونُ الاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي قَدْ نَفَى عَنْ أَحَدِ الأَمْرَينِ
===
قوله: "إن عوده إليهما باطل " يعني بالوجهين المُشَارِ إليهما:
أحدهما: أن الاستثناءَ من النفي إِثباتٌ، ومن الإِثباتِ نَفْيٌ، ولو عَادَ إِليهما لَزِمَ أَنْ يكونَ نفيًا وإثباتًا معًا.
ورُدَّ عليه: بأنه لا مانِعَ من ذلك بالنسبة إلى أمرين.
والثَّانِي: أنَّه إذا نفى عن أحدهما عين ما أثبته الآخر، فينجبر النقصان بالزيادة، وصار الاستثناء لغوًا.
ومِمَّا يَتَّصِلُ بالتخصيص:
التخصيص بالشرط وقد اخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ:
قال الغزاليُّ: "هو ما يَتَوقَّفُ المشروطُ عليه، ولا يَلْزَمُ من وُجُودِهِ وُجُوده".
واعْتُرِضَ عليه: بأن أَخْذَ المشروطِ فِي بيانِ الشرط دَوْرٌ، وبأنه ينتقض بجزء المَاهِيَّةِ، وجُزْءِ السَّبَبِ.
وقال الفَخْرُ: هو ما يَتَوَقَّفُ تأثيرُ المُؤَثِّرِ عليه، لا ذاتِهِ.
واحْتَرَزَ بقوله: "لا ذاته" من جزء الماهية.
وما ذكره لا ينعكس، فَإنَّ الحياةَ شَرْطٌ فِي وجودِ العلم ولا تأثيرَ.
والأَوْلَى أنْ يُقَال: هو ما يلزم من انتفائه انتفاءُ الشيءِ وليس بمقوم.
وينقسم إلى: عَقلِيٍّ: كالحياةِ فِي العلم، وشرعِيٍّ: كالطهارة فِي الصلاة، ولُغَويٍّ: وهو ما
стр. 332
السَّابِقَينِ عَلَيهِ، عَينَ مَا أَثْبَتَهُ الآخَرُ؛ فَيَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِالزِّيَادَةِ، وَيَبْقَى مَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ الاسْتِثْنَاءِ؛ فَيَصِيرُ [الاسْتِثْنَاءُ] الثَّانِي لَغْوًا.
وَاعْلَمْ: أَنَّ هَذَا الكَلَامَ جَيِّدٌ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
الرَّابعُ -وهُوَ أَلَّا يَرْجِعَ الاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي لَا إِلَى الاسْتِثْنَاءِ الأوَّلِ، وَلَا إِلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ-: فَهُوَ بَاطِل بِالاتِّفَاقِ.
الْمَسْألَة الْعَاشِرَةُ
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حِكَايَةَ الْحَالِ لَا تُفِيدُ الْعُمُومَ؛ وَهذَا هُوَ الْحَقُّ؛ لأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: "إِنَّ فُلَانًا فَعَلَ كَذَا"- يَكْفِي فِي صِدْقِهِ كَوْنُ ذلِكَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ آتِيًا بِذلِكَ الفِعْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَيفَ يَثْبُتُ الْعْمُومُ؛ فَهذَا الكَلَامُ حَقٌّ، وَفِيهِ بَحْثٌ:
وَهُوَ: أَنَّ جُمْهُورَ الأُصُولِيِّينَ أَثْبَتُوا إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ؛ لِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِخَبَرِ مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ، وَبِأَنَّهُمْ قَاسُوا.
فَنَقُولُ: هذِهِ حِكَايَةُ حَالٍ، فَيَكْفِي فِي صِدْقِهِ ثُبُوتُهُ فِي صُوَرةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ، وَأَنَّ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ حُجَّةٌ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ خَبَرًا وَاحِدًا فَهُوَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ قِيَاسًا فَهُوَ حُجَّةٌ.
===
يَتَوقَّفُ عليه أمْرٌ ما، بصيغة "إن" وما فِي معناها، وهو المقصود ها هنا.
وأكثر أحكامِهِ كأحكام الاستثناء، مِنْ عَدَمِ الاستقلالِ، ووجوب الاتصال، وجوازِ تَعَدُّدِهِ، واتحادِ المشروط والعكس، وَيصِحُّ أنْ يكونَ وجودًا وعدمًا.
ويُخَالِفُ الاستثناءَ فِي وجوب التقدم، أو أنَّه الأصل على رأي، بخلافِ الاستثناء. وإذا تَعَقَّبَ جملًا، فقدِ اتَّفَقَ الجمهورُ على عَوْدِهِ إلى الجميع، ومنع الفخر ذلك، وتوقف الواقفية.
[المسألة العاشرة]
[قوله]: "اتَّفَقُوا على أَنَّ حكايةَ الأحوال لا تُفِيدُ العمومَ، وهذا هو الحَقُّ؛ لأنَّ قولَ القائل: إِنَّ فلانًا فعل كذا يكفي فِي صِدْقِهِ كونُ المُخْبَرِ عنه آتيًا بذلك الفعلِ مَرَّةً واحِدَةً".
صوابُ التمثيل أنْ نقولَ: كان يفعل كذا وهذا ليس على إطلاقِهِ؛ فإنَّ مِثْلَ ذلك إذا اسْتُعْمِلَ فِي مَعْرِضِ المدح، أو الذَّمِّ، اقتضى العُرْفُ أَن ذلك مِمَّا يَكْثُرُ منه فِعْلُهُ؛ كقوله تعالى فِي المدح: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، وفي الذَّمِّ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩].
وقوله: "هذا كلام حق وفيه بحث ... إلى قوله وحينئذ خرج دليلهم عن كونه حجة- أي إلى آخر ما ذكره المصنف فِي المسألة:
стр. 333
إِذَا ثَبَتَ هذَا- فَنَقُولُ: ذلِكَ النَّوْعُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ أَيُّ الأَنْوَاعِ، وَعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَلَا نَوْعَ يُشَارُ إِلَيهِ أَوَّلًا، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ هَلْ هُوَ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ أَوْ لَا؟ وَحِينَئِذٍ: يَخْرُجُ دَلِيلُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي إِثْبَاتِ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ.
===
والاعتراضُ عليه: أَنْ يُقَال: إِنَّ الجمهورَ لم يعتمدوا فِي تقدير الإِجماعِ المذكورِ على مُجَرَّدِ كونهم كانوا يَعْملُون بهما؛ بل على أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ من الصحابة قَدْ عَمِلَ بِخَبَرِ الواحِدِ والقياسِ فِي وقائِعَ عديدةٍ من غير تكبر مع تكرارِ ذلك منهم، وَدَوَامِهِ إلى انقراضهم عن جملتهم، وقريب من مائة سنة؛ وذلك يمنع أن يكون السُّكُوتُ من الباقين إلا عن موافقة.
ومثل ذلك: إِجْمَاعٌ قاطعٌ على العَمَلِ بالقَدْرِ المشترك فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، وهو خَبَرُ العَدْلِ، أو معقولُ النَّصَ والإِجماعِ.
خَاتمَةٌ لهذا البابِ
بذكر مسألة وهي: حَمْلُ المُطْلَقِ على. . . . . . ...
стр. 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المُقَيَّدِ:
стр. 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وله أحوال:
أَحَدُها: اتحادُ الواقِعَةِ، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ؛ كقوله ﵊:
стр. 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"لَا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ"، وقوله مرة: "إلا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَي عَدْلٍ"، فإِنَّهُ تقييدٌ لِلشَّهَادَةِ بالعدالة، وجَمْعُ الشهود فِي الأول؛ لاشتراطه فِي الجنس.
الحالة الثانية:
اختلافُ المُوجَبِ واتحادُ المُوجِبِ؛ كتقييد الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ القتل بالإِيمَانِ، وإطلاقها فِي الظِّهَارِ:
فمذهبُ الشافعيَّةِ: حَمْلُ المطلق على المقيد واختلفوا فيه:
فمنهم: مَن شَرَطَ الجَامِعَ.
ومنهم مَنْ قال: لا يُحْتَاجُ إليه؛ وكأنه يقول: إِذا قَيَّدَ الشَّارعُ الرَّقَبَةَ أوَّلًا بصفة من سلامة أو إيمان، ثم ذَكَرَهَا مَرَّةَ أُخْرَى فَكَأَنَّ المُتَقَدِّمَ صار معهودًا فَيُحْمَلُ عليه.
أَوْ أَنَّ الأولَ قدِّرَ عُرْفًا للشرع، وهنا يَقْوَى إذا تَكَرَّرَ المُقَيَّدُ أوَّلًا مرارًا.
وقد قَيَّدَ الرقبةَ بالإيمان ثلاثَ مراتٍ فِي آية القَتْلِ، واختيارُ المُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لا بُدَّ من جامعٍ.
الحالة الثالثة:
اتحاد الموجب واختلاف الموجب، كاشتراط الإيمانِ فِي الرَّقَبَةِ، وإطْلَاقِ طعام المسكينِ مع اتحادِ السَّبَبِ: كالظِّهَارِ مثلًا، فهل يُقَيَّدُ المسكينُ بالإِيمانِ؟ الخلافُ فيها كالَّتِي قبلها.
وكذلك تقييدُ الإِطْعَامِ بأقلِّ المُيَسَّرِ، لتقييدِ الإِعْتَاقِ به والصِّيَامِ.
стр. 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأبو حنيفةَ يَزْعُمُ أَنَّ تقييدَ المُطْلَقِ زِيَادَةٌ على نَصِّ القرآن، وأَنَّ بين المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ تنافيًا، فيكونُ نسِخًا؛ والقرآنُ لا ينْسَخُ بالقياسِ.
والحقُّ: أنَّ إِجْزَاءَ الرَّقَبَةِ الكافرةِ عند الإطلاقِ لم يكن من إِشعارِ اللفظ؛ وإنما كان من عَدَمِ دليلٍ، فَرَفْعُهُ لا يكونُ نسخًا، ثم لو سُلِّمَ إِشعارُهُ بإجزَاءِ كُلِّ رقبة، وأَنَّ تقييدَهُ بالإِيمانِ- يُخْرِجُ بَعْضَ الرقابِ عن الإِجْزَاءِ، فلا يَزِيدُ إشعارُهُ على إشعارِ العامِّ بأفرادِهِ، وقد جُوِّزُ تخصيصُهُ بخبر الواحِدِ، والقياسِ، وقد نَاقَضَ ما أَصَّلَهُ؛ فإنه قَيَّدَ الرقبةَ بالسلامة، وقيد: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] فِي آية الغنيمة بالفقر.
فرع:
إِذا قُيِّدَ فِي مَحَلَّينِ بمتقابلينِ، ثم أُطْلِقَ فِي موضع آخرَ، فلا يُقَيَّدُ فِي أَحَدِهِمَا لا بترجيح؛ كما قَيَّدَ الشارعُ الصومَ فِي الظهارِ بالتتابُعِ، وقَيَّدهُ فِي التَّمَتُعِ بالتفريقِ، وأطلقه فِي كَفَّارَةِ اليمينِ، فلا يُحْمَلُ على أحَدِهِمَا إلَّا بِمُرَجِّحٍ.
الحالة الرابعة:
اختلاف المُوجَب والمُوجِب، فلا خِلَافَ على أَنَّ أَحَدَهُمَا لا يُحْمَلُ على الآخر إلَّا بجامعٍ، والله أعلم.
ومِمَّا يَعْرِضُ لألفاظِ الكتاب العزيز والسُّنَّةِ: الإِجمالُ، والبَيَانُ، وقد اختلف الأصوليون فِي حَدِّ البيانِ:
فقال الصيرفيُّ: هو إِخراجُ الشيءِ من حَيِّزِ الإِشْكَالِ إلى حَيزِ التَّجَلِّي والوُضُوحِ.
واعْتُرِضَ عليه: بأنه غَيرُ جامع؛ فإنَّهُ لا يَتَنَاوَل إلَّا بيانَ ما سبق إِشكالُه.
ونُوقِشَ أيضًا: باستعمال الخروجِ والحَيِّزِ فِي المعاني، وهو مَجَازٌ، لا سيما مع اختلافِ المُتَكَلِّمِينَ فِي حقيقة الحَيِّزِ ما هو؟ وبأنه اشتملَ على زيادَةٍ مُسْتَغْنًى عنها، وهي قوله: والوضوح، وهو التجلي.
وقيل فِي حده: إِنَّهُ العِلْمُ.
стр. 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَرُدَّ: بِأَنَّهُ ثمرةُ البيانِ لا نَفْسُهُ.
وقال القاضي: هو الدَّلِيلُ.
ونُوقِشَ: بِأَنَّ الدليلَ فِي عُرْفِ العلماءِ يَخْتَصُّ بما يُفِيدُ التصديقَ، فيخرجُ منه بيانُ التَّصَوُّرِ، وحملُ قولِهِ على الدليلِ اللُّغَويِّ، وهو المرشد.
والأولى أنْ يقال: البَيانُ هو الخِطَابُ المُسْتَقِلُّ بإِفادَةِ المُرَادِ منه.
والإجمالُ: مُقَابَلَةٌ مع استواءِ الاحتمالِ. وهما بالحقيقة حَدُّ المُبَيَّنِ والمُجْمَلِ، لا البيانِ والإِجمالِ.
ومنهم من حَدَّ الإجمال، بأنه: اللَّفْظُ الَّذي لا يُفْهَمُ منه شَيءٌ.
ونقض بالمهمل.
ثم الإجمالُ قد يكونُ بسبب الاشتراكِ؛ كالقُرْءِ لِلطُّهْرِ والحَيضِ، أو التصريفِ كالمُخْتَارِ للفاعل والمفعول أو التركيبِ؛ كقَوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، لِتَرَدُّدِهِ بين الوَلِيِّ الخاصِّ والزوجِ والإضمارِ؛ كقولهِ تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الضميرُ مُتَرَدِّدٌ بين القرآن العزيز والنبي ﷺ .
أو لاستواءِ جِهاتِ المجازِ عند تَعَذُّرِ إرادَةِ الحقيقة.
أو لِغَلَبَةِ استعمالِ المجازِ، بحيث ساوى الحقيقةَ؛ كلفظِ النكَاحِ؛ فإنه حقيقةٌ فِي الوطءِ، مجازٌ فِي العَقدِ الَّذي هو سَبَبُهُ إلَّا أنَّه كثيرٌ، ولم يَتَرَجَّحْ على الحقيقةِ.
ومن وجوه الإجْمَالِ: تخصيصُ العَامِّ بصفة مجهولةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ [المائدة: ١] قبل البيان.
стр. 339
شرح المعالم في أصول الفقه
تأليف
ابن التلمساني عبد الله بن محمد علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري
(٥٦٧ هـ - ٦٤٤ هـ)
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الشيخ علي محمد معوض
[الجزء الثاني]
стр. 340
الباب الرَّابِع في الْمُجْمَلِ وَالمُبَينِ
الخِطَابُ الْمُحتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ- ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أُرِيدَ خِلافهُ.
وَالثانِي: مَا لَا يَكُونُ كَذلِكَ؛ وَهُوَ كَالاسمِ الْمُتَوَاطِئ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ، وَكَالاسمِ الْمُشتَرَكِ إِذَا كَانَ المُرَادُ أحَدَ مَفهُومَاتِهِ.
وَلِلأوَّلِ أَقسَامٌ:
أَحَدُهَا: تَأخِيرُ بَيَانِ التخْصِيصِ.
ثَانِيهَا: تَأخِيرُ بَيَانِ النَّسخِ.
ثَالِثُهَا: تَأخِيرُ بَيَانِ الأَسْمَاءِ الشرْعِيةِ، وَقَدْ نُقِلَتْ عَنْ مَوْضُوعَاتِهَا اللُّغَويةِ إلى مَوضُوعَاتِهَا الشرْعِيةِ.
===
قوله: "الخطاب المُحتَاجُ إلى البيان ضربانِ: أَحدهما: ماله ظاهر، وقد أُرِيدَ خِلافهُ: الثاني: ما لا يكونُ كذلك، وهو الاسمُ المُتَوَاطِئ إذا كان المُرادُ بَعضَ أنوَاعِهِ، والاسم المُشتَرَكُ إِذا كان المُرَادُ أحَدَ مفهوماتِهِ".
ما ذكره من مثال المُشتَرَكِ حَقٌّ.
وما ذكره من مثال المتواطئ، ليس من هذا القسم، بل من القسم الأَوْلِ؛ فإنهُ من المُطلَقِ، والمُطْلَقُ إِذَا أرِيدَ به مُقَيدٌ، كان تركًا لظاهره؛ إذ مُقتَضَاهُ التَّعْيِينُ، والتقييدُ قاطِع له.
قوله: "الأول أقسام: أحدها: تأخير بيان التخصيص"، هذا؛ لما قررَ من ظُهُورِ صِيَغِ العُمُومِ في الاستغراقِ؛ فَقَصرها على بعض مُسَميَاتِهَا: تَرْكٌ للظاهر.
قوله: "وثانيها: تأخيرُ بيانِ النسخ"؛ لأن اللفْظَ المنسوخَ مقتضى حكمة الاستمرارِ، والنسخُ قَاطِعٌ له.
قوله: "وثالثها: تأخير بيان الأسماء الشرعية، وقد نقلت من موضوعاتها اللغوية"؛ لأَن استعمالها في الموضوع اللغَوي حقيقةٌ، وفي المنقولِ مجازٌ راجِح على خلاف الأصل.
стр. 341
رَابِعُهَا: تَأْخِيرُ بَيَانِ النَّكِرَةِ، إِذَا أُرِيدَ بِهَا شَيء مُعَين.
فَمَذْهَبُنَا: أنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ، في كُل هذِهِ الأقسَامِ، إلى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَأما أَبُو الْحُسَينِ الْبَصْرِيُّ: فَإِنّهُ مَنَعَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ فِيمَا لَهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أُرِيدُ بِهِ خِلافُهُ، ثُمّ زَعَمَ: أنَّ الْبَيَانَ الإِجْمَالِيَّ كافٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْخِطَابِ: اعْلَمُوا أَن الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ، وَأن هذَا الْحُكْمَ سَيُنْسَخُ، وَأما الْبَيَانُ التفْصِيليُّ: فَإِنّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. وَأَمَّا الّذِي لَا يَكُونُ لَهُ ظَاهِرٌ؛ كَالألفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ - فَقَدْ جَوزَ فِيهِ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
أمَّا أَبُو عَلِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ: فَقَدْ مَنَعَا مِنْهُ.
لَنَا وُجُوهٌ:
الأولُ -وَهُوَ الدلِيلُ الْعَامُّ-: أَنَّا بَينَّا في "عِلْمِ الْكَلامِ": أَن تَحْسِينَ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحَهُ لَا
===
قوله: "ورابعها تأخير بيانِ النكرة إذا أُرِيدَ بها شيء مُعَينٌ".
والأَوْلَى أن: يقولَ: وتقييدُ المُطْلَقِ؛ لِيَدخُلَ فيه وَصْفُ النَّكِرَةِ وَتَعَينُهَا معًا.
قوله: "فمذهبنا أنه يجوزُ تأخيرُ البيانِ في كل هذه الأقسام إلى وقت الحاجَةِ": لم يَخْتَلِفوا في أَنَّ تَأخِيرَ البيانِ عن وقت الحاجة لا يجوزُ، إلَّا على تقديرِ التكليفِ بالمُحَالِ، والظاهِرُ أنه غَيرُ وَاقِع.
وأما التأخِيرُ عن مَوْرِدِ الخطاب إِلى وقت الحاجة فهو في مَحَل النزاع، والمَذَاهِب فيه كما ذَكَرَ.
قوله: "لنا وجوه: الأول: وهو الدليل العَامُّ" يعني: أنه شامِلُ لجميع المسائلِ المُتَنَازَعِ فيها.
قوله: "ما ثبت في علم الكلام، أن تحسين العقل وتقبيحه لا يجري في أفعالِ الله تعالى، ولا في أحكامِهِ، فوجب ألا يقبحَ من الله تعالى شيء":
стр. 342
يَجْرِي في أَفْعَالِ الله تَعَالى، وَفِي أَحْكَامِهِ؛ فَوَجَبَ أَلا يَقْبُحَ مِنَ الله تَعَالى شَيءٌ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] فَكَلِمَةُ "ثُم" لِلتَرَاخِي.
الثالِثُ: أَنْ نَقُولَ: الدلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ في النَّكِرَةِ: أَنَّهُ تَعَالى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِذَبْحِ بَقَرَة مَوْصُوفَة بِصِفَة مُعَينَة، ثُمّ إِنهُ تَعَالى لَمْ يُبَينْهَا لَهُمْ؛ حَتَّى سَأَلُوا سُؤَالا بَعْدَ سُؤَالٍ:
إِنما قُلْنَا: "إِن الْمَأْمُورَ بِهِ كَانَ بَقَرَة مَوْصُوفَةً بِصِفَةٍ مُعَينَةٍ"؛ مِنْ وَجْهَينِ:
الأوَّلُ: أَن قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] , وَقَوْلَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] وَقَوْلَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾
===
حاصِلُهُ أَن الخَصمَ عَوَّلَ في مَنْعِ ما له ظاهِرٌ على أنه تَجهِيل لِلْمُخَاطَبِ، وهو قُبحٌ من الحكيم، وفيما ليس له ظاهر أنه خطاب بما لا فَائِدَةَ فيه، وهو عَبَثٌ.
وكلا الدليلينِ مَبْنِي على التحسينِ والتقبيحِ العقلى، فَإِذا أَبطَلَهُ بَطَلَ مَأخَذُ الخَصْمِ، وليس فيه ما يَدُل على صحة مذهبه، وإنما هو أمر جَدَلِي في إِبطالِ ما عَولَ عليه الخَصمُ.
قوله: "الثاني يعني: من الدَّلِيلِ العَامِّ - قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩]: "ثُمَّ" للتراخي".
اعْترِضَ عليه: بأنهَا قد تَرِدُ لا للتراخي؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] , وبقول الشاعر [من الطويل]:
لَا يَكشِف الغَماءِ إلا ابْنُ وَحرَةٍ ... يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَذُوقهَا
وأجيب: بأن ااستعمَالهَا في ذلك مَجَازٌ، ولا يلزم تَرْكُ الحَقِيقَةِ من غير ضَرُورَة.
قوله: "الثالث: أن نقول: الدلِيلُ على أنه يَجُوزُ تَأخِيرُ البَيانِ في النكرة -يعني: إذا أريد بها المعين- أنه -تعالى- أمر بَنِي إِسرَائِيلَ بذبح بَقَرَةٍ موصوفة معينة، ثم إنه -تعالى- ما بَينَهَا حتى سألوا سُؤَالا بعد سؤال .. " إلى آخره:
الحَاصِلُ: أَن قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] يَدُل على طلب ذَبْحِ بقرة مُطْلَقَةٍ بظاهره.
ثم تَبَيَّنَ بعد المُرَاجَعَةِ أن المراد بها البَقَرَةُ. المَوصُوفَةُ بالأَوصَافِ المَذكُورَةِ.
[لا] يقال: كان الوَاجِبُ أولًا ذبحَ مُسَمى البَقَرَةِ والتقييد بالأَوْصَافِ، إنما وَجَبَ عند المُرَاجَعَةِ؛ كما نُقِلَ عن ابن عَباسٍ ﵄ قال: "لو أنهم عَمَدُوا إلى أَيةِ بَقَرَةٍ كانت، فَذَبَحُوهَا - لكفتهم، ولكن شَددُوا على أنفسهم، فَشددَ اللهُ عليهم":
стр. 343
[البقرة ٦٩]، وَقَولَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١]-: يَدُل عَلَى أن مُتَعَلقَ الأمرِ الأوَّلِ- وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]- هِيَ الْبَقْرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِهذِهِ الصِّفَاتِ الْمُعَينَةِ؛ وإن هذِهِ الضمَائِرَ عَائدَة إِلَيهَما لَا إلى غَيرِهَا.
الثانِي: وَهُوَ: أن الصفَاتِ الْمذْكُورَةَ فِي الْجَوَابِ عَنِ السّؤَالِ الثانِي: إما أن يُقَال: إِنهَا صِفَاتُ الْبَقَرَةِ الّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا، أَوْ يُقَال: إِنَّهَا صِفَاتُ بَقَرَة وَجَبَتْ عَلَيهِمْ عِنْدَ ذلِكَ السؤَالِ، وَصَارَ مَا وَجَبَ عَلَيهِمْ قَبْلَ ذلِكَ مَنسُوخا بِهذَا الثانِي.
وَالأوَّلُ: هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالثانِي: يُوجِبُ أَنْ يَقَعَ الاكْتِفَاءُ بِالصفَاتِ الْمَذْكُورَة آخِرًا؛ وَألا يَجِبَ تَحْصِيلُ الصفَاتِ الْمَذكُورَةِ قَبْلَ ذلِكَ، إلا أَن هذَا بَاطِلٌ؛ وإن الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَن تَحْصِيلَ كُل تِلْكَ الصفَاتِ مُعْتَبَرٌ؛ فَعَلِمْنَا فَسَادَ هذَا الْقِسْمِ.
الْحُجةُ الرَّابِعَةُ في الْمَسْألَةِ: أَنْ نَقُولَ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأمُرَ الله تَعَالى الْمُكَلفَ بِالْفِعْلِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ ذلِكَ الْمُكَلفُ قَبلَ حُضُورِ وَقْتِ ذلِكَ الْفِعْلِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَدُل مَوْتُهُ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ مُرَادًا بِذلِكَ الْخِطَابِ؛ فَهذَا تَخْصِيصٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيَانُهُ.
===
لأنا نَقُولُ: هذا لا يَصح لوجهين:
أحدهما: إِلْزَامِي، والآخر: برهَاني:
أما الإلزامي: فإنه يَلْزَمُ منه النسخ قبل الامتِثَالِ، وهم لا يَقُولُونَ به.
وأما البرهاني: فلأن الضمَائِرَ عَائِدَة إلى البقرة، فَيَدُل على أنها هي الواجبة فيجب أن يقال: إن قوله: "إنها" عائدة إلى البقرة والجوابُ: راجِعٌ إلى ما وقع عليه السؤال.
وقوله: في الثاني: "إن ذلك يُوجِبُ الاكتفاءَ بالصفَاتِ المذكورة آخرًا" غَيرُ صحيحِ؛ لأن الضميرَ يَعودُ إِلى الأقربِ:
فقوله أولًا: "مَا هِيَ" يَعُودُ إِلَى "البقرة"، وقوله ثانيًا: "مَا لَونُهَا" يَعُودُ إِلَى البقرة المَوصُوفَةِ بالوصفينِ المُتَقَدمَينِ؛ فيتعين الإتيانُ بالجميع.
لكن لِقَائِلٍ أَنْ يقولَ: لا حُجةَ في الآية؛ إذ جازَ أن تكونَ المُرَاجَعَةُ في مجلس الخطابِ تَعقُبُهُ بالبيانِ ومِثل ذلك لا يُعَدُّ تأخيرًا في العُرْفِ.
وَتَحَققُ ذلِكَ: أَنَّهُ لو كان تأخيرًا لكان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة؛ لحاجتهم لفصل الخُصُومَةِ، وهو باطل بالاتفاق.
قوله: "الحجةُ الرابعة في المسألة: أجمعنا على أنه يجُوزُ أنْ يموتَ قبل حُضُورِ ذلك الوقت، وحينئذٍ: يَدُل موتُهُ على أنه ما كان مُرادا بذلك الخطابِ، وهذا تخصيص لم يَتَقَدمْ بيانُهُ":
стр. 344
احتَج المُخَالِفُ: بِأنهُ لَوْ جَازَ أن يَذكُرَ الشارعُ لَفظا، ويرِيدَ بِهِ غَيرَ ظَاهِرِهِ؛ فَحِينَئِذٍ: لَا يَبقَى لَنَا وُثُوقٌ بشَيء من الشرَائِعِ، فَلَعَلهُ تَعَالى كَلفَنَا بِالصَّلاةِ وَالمُرَادُ غَيرُهَا، فَإِذَا قَال: "صَلوا غَدًا" فَلَعَل الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: "غَدًا" -: بَعْدَ غَدٍ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ الشك في جَمِيعِ الشرَائِعِ.
الْجَوَابُ: أَنكُم وإنْ أَوجَبتُمْ حُصُولَ الْمُخَصِّصِ مَعَ حُصُولِ هذَا اللفظِ؛ إلَّا أَنهُ لَا نِزَاعَ في أَن المكَلفَ قَدْ يَسمَعُ العام، مَعَ أَنهُ لَا يَصِلُ إِلَيهِ ذلِكَ المُخَصصُ؛ وَحِينَئِذٍ: يَلزَمُكُم مَا أَلزَمتُمُوهُ عَلَينَا.
وَأَيضًا: نَقُولُ: إِن مُجَردَ هذِهِ الألفَاظِ يُفِيدُ ظَنًّا غَالِبا بِأن الْمُرَادَ ظَاهِرُهَا؛ فَلَا جَرَمَ: يَحصل لَنَا هذَا الظن الغَالِبُ. فأَما القَطعُ: فَقَد بَينَا أَن اللَّفْظَ لَا يُفِيدُهُ أَلْبَتةَ؛ إلَّا إذَا حَصَلَ مَعَه قَرَائِنُ تَدُل عَلَيه.
===
والاعتراضُ عَلَيه أَن يُقَال قوله: "أجمعنا على أَن ... " الخَصمُ لا يُسَلم ذلك؛ فَإن التكليفَ المُعَلقَ على شرطِ يَعْلَمُ الآمِرُ أَن المُكَلفَ لا يَبلُغُهُ- يَأبَاهُ المُعتَزِلي؛ بِنَاءً على أن المأمورَ به لا بُد وأَن يَكونَ مرادًا للآمر.
ثم لو سُلِّمَ تَحقِيقُ التكليفِ بمثله، فالفَرقُ أَن المُكَلفَ به مَعلُومْ ها هنا، فَصَح اعتقادُ وُجُوبهِ والعَزمُ عليه والشرُوعُ فيه، ثم إِذا طرأ العُذرُ سَقَطَ، بخلافِ التكليف بِخِلافِ الظاهِرِ؛ فَإِنّهُ تجهيل.
وهذا البيانُ كبيانِ النسخ؛ لأنَّهُ قاطع للاستمرارِ، ومِثلُة لا يَمتَنِعُ عندهم أو يُكتَفَى فيه بالبيان الإِجمالي، وقد عُلِم من قاعدة الشرع أنَّ استمرار التكليفِ مشروطٌ بالإِمكانِ وَعَدَمِ وُرُودِ الناسخ فهو كالبيان المقَارِنِ لَفظًا.
قوله: "احتج المُخَالِفُ بأنه لو جاز أن يَذكرَ الشارعُ لفظًا، ويريدَ به غَير ظاهِرِهِ -فحينئذ لا يبقى وثوق بالشارع ... " إلى آخره- ظاهر.
قوله: "والجواب أنكم وإنْ أوجبتم حُصُولَ المُخَصصِ مع حُصُول هذا اللفظ إلَّا أنه لا نِزَاعَ أن المُكَلَّفَ قد يَسمَعُ العَامِ مع أَنهُ لا يَصِلُ إليه المخصص؛ وحينئذٍ يلزمكم ما ألزمتمونا":
يرد عليه: أن التقصيرَ في هذا يُنسَبُ إلى المُكَلفِ لا إلى الشارعِ، والأَولُ تجهيل.
قوله: "وأيضًا نقول: إِن مُجَرَّدَ هذه الألفاظِ يُفِيدُ ظَنًّا غالبًا بأن المُرَادَ ظاهِرُها".
هذا هو الحَق؛ فَإِنا نَعتَقِدُ عند وُرُودِ العَامِّ أَن المُرَادَ ظَاهِرُهُ إنْ لم يَرِد مُخَصصٌ عند الحاجة.
فإذا لم يَرِد بقينا على الأَصلِ، وكذلك في المُطلَقِ وَتُقَيِّدهُ الأمثلةُ المذكورة.
стр. 345
وَأَمَّا الْخِطَابُ الذِي لَا ظَاهِرَ لَهُ -وَهُوَ: الاشمُ الْمُشتَرَكُ؛ كَالقُرءِ المُشتَرَكِ بَينَ الطهْرِ وَالحَيضِ-: فَنَقُولُ: هذِهِ الألفَاظُ لَهَا ظَاهِرٌ مِن وَجهٍ دُونَ وَجهٍ: أما الْوَجْهُ الذِي تَكُونُ هذِهِ الألْفَاظُ ظَاهِرَةَ فِيهِ -فَهُوَ: أَنهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُتَكَلمَ أَرَادَ: إما الطُّهْرَ، وَإما الْحَيضَ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي تَكُونُ هذِهِ الألْفَاظُ فِيهِ غَيرَ ظَاهِرَةٍ- فَهُوَ: أنهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَن أَي الأَمْرَينِ هُوَ الْمُرَادُ.
فَنَقُولُ: الدلِيلُ عَلَى جَوَازِ وُرُودِ مِثْلِ هذَا الخِطَابِ عَارِيًا عَنِ البَيَانِ- وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَن الاسْمَ الْمُشْتَرَكَ يُفِيدُ: إما هذَا، وَإمَّا ذَاكَ، من غَيرِ تَعيِينِ؛ وَهذَا الْقَدرُ يَصْلُحُ أن يُرَادَ تَعرِيفُهُ مِن غَيرِ بَيَانِ التفصِيلِ.
الثانِي: أَنهُ يَحسُنُ مِنَ المَلِكِ أَنْ يَقُولَ لِبَعضِ خَدَمِهِ: "قَد وَليتُكَ البَلَدَ الْفُلانِي، فَاخرُجْ إِلَيهِ في الغَدِ، وَأَنا أَكتُبُ إِلَيكَ مُذَكرَة في تَفَاصِيلِ تِلْكَ الأَعمَالِ"، وَإِذَا كَانَ مِثلُ هذَا الكَلامِ حَسَنًا في الْعُرْفِ - ثَبَتَ أَنهُ عَارِ عَنْ جِهَاتِ القُبحِ.
واحتج الْمُخَالِفُ: بِأنهُ لَوْ حَسُنَ الخِطَابُ بِالاسْمِ الْمُشتَرَكِ مِنْ غَيرِ بَيَانٍ في الحَالِ- لَجَازَ خِطَابُ العَرَبِي بِالزنْجِيةِ مِنْ غَيرِ بَيَانِ في الْحَالِ.
وَالْجَوَابُ: أَن الْمُعتَبَرَ في حُسنِ الخِطَابِ: أن يَقْدِرَ السامِعُ عَلَى أن يَعرِفَ مَا هُوَ
===
قوله: "وأما الخطاب الذي لا ظاهر له، وهو الاسم المشترك، كالقرءِ المشترك بين الطهر والحيض، فنقول هذه الألفاظُ لها ظاهر .. " إلى آخره:
الحَاصِلُ: أَنَّ الاسمَ المُشتَرَكَ يُفِيدُ بيانًا إجمالِيًّا، وهو من مَقَاصِدِ المُخَاطَبِينَ.
قوله: "إنه يحسن مِنَ المَلِكِ أن يقولَ لبعض خَدَمِهِ: قد وَليتُكَ البَلَدَ الفُلانِي، فاخرج إليه من الغَدِ، وأنا أكتبُ إليك مُذكرة فيها تفاصيلُ تلك الأعمالِ، وإذا كان مِثلُ هذا حسنًا في العُرف، ثَبَتَ أنه عارٍ عن جِهَاتِ القُبحِ":
وهذا الوجه الثاني راجِع إلى بعض صُوَرِ الأَوْلِ؛ فإنهُ بيان إجمالي إلَّا أنَّهُ قصر فيه، وكان حَقهُ أن يقولَ: يأمره بأوامر جملية يحيل تفصيلها على ورود المذكرة؛ ليطابِقَ مَحَل النزاع.
قوله: "واحتج المُخَالِفُ بأنه لو حَسُنَ الخِطَابُ بالاسمِ المُشتَرَكِ من غير بيانِ في الحال- لجاز خطابُ العَرَبِي بِالزنجِية من غيرِ بيانِ في الحال".
وأجابَ بالفَرق بأن الخطابَ بمثل ذلك لا يَصِح؛ لأنه لا يُفهَمُ منه شَيءٌ، والخطابُ بالمُشتَرَكِ يُفْهَمُ منه أَن المرادَ أَحَدُ الشيئين، أو الأشياءِ.
والحَقُّ في الجوابِ أن يجوزَ ذلك أيضًا، ولا فَرْقَ بين ذلك، وبين خطابِ عُمُوم الخَلقِ الأحمر والأسودِ باللسان العَرَبِيِّ بشرط التفسير عند الحاجة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨].
стр. 346
المَفْهُومُ مِنَ الْخِطَابِ، وَهذَا الْمَعْنَى حَاصِل عِنْدَ سَمَاعِ اللفْظِ الْمُشتَرَكِ؛ لأنهُ وُضِعَ لإِفَادَةِ أَحَدِ هَذَينِ الْمَعنَيَينِ، فَالسامِعُ فَهِمَ مِنْهُ هذَا القَدْرَ، وَهذَا الْقَدرُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ يَقتَضِي تَعْرِيفَهُ، وَذلِكَ بِخِلافِ الْعَرَبِي إِذَا خُوطِبَ بِالزنجيةِ؛ فَإِنّهُ لَا يَفْهَمُ مِنْ ذلِكَ الخِطَابِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ بِإِزَائِهِ؛ فَظَهر الْفَرقُ.
===
ومِما يَلْحَقُ بهذا البابِ:
أنه يجوزُ البيانُ بِكل دَلِيل عَقلِيٍّ، أو سَمعِيٍّ، أو حسي، أو عُرفِي، أو قرينةِ حالٍ أو فعلٍ، لكن يُشتَرَطُ في الفعل ما يُشعِرُ بكونه بيانًا من قرينة قولية، أو حالية.
ومن المَشهُورِ بين الفقهاء: أَن بيانَ الواجب واجِبٌ، وبيان المندوبِ مندوب، وهذا ليس على إطلاقِهِ؛ بل قد يكونُ بيانُ المندوبِ واجبًا على الرسُولِ؛ تبليغًا كما يجب عليه بيانُ المُبَاحِ.
ومن تمام الباب:
التنبِيهُ على أمورٍ ظَنَّ قومٌ أنها مُجْمَلَةٌ، وليست مُجْمَلَةً:
منها: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
قال الكَرخِي: هي مُجْمَلَةٌ؛ لأنه أضاف التحريمَ إلى الذاتِ، وليست مُرَادَة؛ وإنما يُحَرمُ الفِعْلُ، والأفعالُ كثيرة، وليس إِضمارُ بعضِ بأولَى من بَعضٍ.
وجوابُهُ: أن العُرفَ يُعَيِّنُهُ؛ فَإِن التحريمَ إِذا أُضِيفَ إلى النساءِ، فُهِمَ منه تحريمُ الاستمتاع عرفًا، وإذا أُضِيفَ إلى الطعام والشرابِ، فُهِمَ منه تحريمُ التناوُلِ عرفًا.
ومن ذلك قوله ﵊: "لا عمَلَ إلا بِنِية" وقوله -عليه الصلاة
стр. 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والسلام- "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَم يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ".
стр. 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
زعم أبو عبد الله البَصرِي: أنها مُجمَلَة؛ لأنَّ الذَّاتَ المَنفِيَّةَ ليست مُرَادَة، وإنَّما المرَادُ الحكمُ وهو مُتَرَدِّدٌ بين نفي الكمالِ، ونفي الإجزاءِ.
والجواب من وجهين:
الأوَّل: أنَّه إذا كان للشَّارع التعيينُ، فلا مانِعَ من إضافَةِ النَّفي إلى المُسَمَّى الشَّرعِيِّ إن أمكن.
ثم لو سُلِّمَ عَودُهُ إلى الحُكمِ فَنَفيُ الصِّحَّةِ أظهرُ، لوجهين:
أَحَدُهُما: أن مِثلَ هذا يُستَعمَلُ في العرفِ لِنفي الجَدوَى والفائدة؛ كما يقال: لا عِلْمَ إلا بِعَمَل، ولا بَلَدَ إلا بسلطانٍ، ونَفي الصِّحَّةِ أظهرُ في بيانِ نفي الفائدة.
الثَّاني: أنَّه يُشعِرُ بالنفي العامِّ، ونَفيُ الصحة أَقرَبُ إلى العُمُومِ من نفي الكمالِ؛ لأنَّ البَاطِلَ لا اعتبارَ له بوجهٍ فساوى العَدَمَ" والله أعلم.
جَرَت عَادَةُ الأصوليينَ بتقديم مسألة على هذه المسألةِ، وهي:
стр. 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تَحقِيقُ عِصمَة الرُّسُلِ ﵈ لِتَوَقُّفِ الاقتداءِ بهم على نَفيِ المُخَالفَةِ منهم.
وبالجملة: فالنَّظَرُ فَي أَربَعةِ أطرافٍ:
стр. 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأوَّل: اتَّفَقَ العلماءُ على امتناع صُدُورِ الكُفرِ منهم إلا الفضيليةَ -وهم فِرقَة من الخوارج- فَإِنَّهُم جَوَّزُوا عليهم الذَّنبَ، وكُلُّ ذنب عندهم كُفرٌ وما نُقِلَ عن الرَّوافِضِ: أنهم يجيزون إِظهارَ الكُفُرِ؛ تَقِيَّة.
الثَّاني: ما يُبَلِّغُونَهُ عن الله تعالى، وهم معصومون فيه عن الكَذِبِ والتحريفِ عمدًا؛ فَإِنَّهُ مدلولُ المُعجِزَةِ.
واختلِفَ في جواز وُقُوعِهِ سهوًا، ولا يُقِرُّونَ عليه اتفاقًا.
الثالث: صُدورُ الكبائِرِ منهم:
قَطَعَ المُعتَزِلَة بامتناعها عقلًا؛ بِنَاءَ على التحسينِ والتقبيحِ العقليِّ؛ لما فيه من التنفيرِ عنِ المتابعة.
وقطع القاضي وأصحابُنَا بذلك سمعًا.
وَقَضَتِ الحَشَويَّة بجوازِها، وَوُقُوعِهَا.
الرابع: الصغائر:
وجُمهُورُ المُعتَزِلَةِ على جوازها عَمدًا، وسهوًا، وتأويلًا:
واختلف أَصحَابُنَا في ذلك، والأَظهَرُ عَدَمُ الوقوعِ، وتَأويلُ ما يُوهِمُ ذلك وُقُوعُهُ قبل النُّبُوَّةِ، أو تَركُ الأَولَى.
وذهبتِ الشِّيعَةُ: إِلَى امتناعِ الذَّنبِ مطلقًا عمدًا، وسهوًا، وتأويلًا، وهو اختيارُ الفَخرِ، إلا ما كان سهوًا من الصغائِرِ، وحُجَجُ ذلك مَذكُورَة في الكُتُبِ الكلامِيَّةِ.
стр. 351
الْبَاب الخَامِسُ فِي الأَفعَالِ، وَفِيهِ فَصْلانِ:
الْفَصْلُ الأوَّلُ فِي أَنَّ أَفْعَال النَّبِيِّ ﵇ حُجَّةٌ
وَالمُختَارُ -عِندَنَا-: أَن كُلَّ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ ﵇ وَجَبَ أَنْ نَأتِيَ بِمِثْلِهِ، إلا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلَى خِلافِهِ.
وَقَال قَومٌ: لَيسَ كَذلِكَ.
===
عُدنَا إلى المسألة، ولا بُدَّ من تنقيحِ مَحَلِّ النزاع، فنقول:
ما كان من أفعالِ الجِبِليةِ؛ كأصلِ القِيَامِ والقُعودِ، والأكل والشرب - فالاتفاقُ على أنَّه مُبَاحٌ مِنَّا ومِنهُمُ.
وما دَلَّ الدليلُ على اختصاصِهِ به ﷺ كوجوبِ الوتر، والتَّهَجُّدِ وغير ذلك- فالاشتراكُ فيه يُنَافِي الاختصاصَ.
وما وقع منه بيانًا: إمَّا بقولٍ؛ كقوله ﵊: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي".
"أو بقرينة حالٍ؛ كما إِذا أمَرَ بِقَطع السَّارِقِ، ثُمَّ قَطَعَهُ من الكُوعِ-: فلا نزاعَ في الاقتداءِ به.
وما عُلمَت صِفَتُهُ من أفعاله- علمه الصَّلاة والسلام- من وُجُوب، أو ندب، أو إِباحة-: فالجمهورُ على وجُوبِ اتباعِهِ فيه بحسبه: إنْ وجوبًا فوجوبٌ، وإن ندبًا فندبٌ، وإنّ إباحةً فإِباحةٌ.
وقال أبو علي بن خلاد المعتزلي بذلك في العِبَادَاتِ خَاصَّة.
وقال قومٌ: حُكمُهُ حُكمُ ما لم تُعلَم صِفَتُهُ، وسنذكره إِن شاء الله تعالى.
وأمَّا ما لم يُعلَم، فهو مَحَلُّ النزاعِ.
стр. 352
لَنَا وُجُوهٌ:
الأوَّل: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]؛ وَظَاهِرُ الأَمرِ لِلْوُجُوبِ، وَالْمُتَابَعَةُ عِبَارَة: عَنِ الإِتيَانِ بِمِثلِ مَا أَتَى بِهِ المَتْبُوعُ لأَجْلِ كَوْنِهِ آتِيًا بِهِ؛ وَذلِكَ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ.
فَإِنْ قَالُوا: بِأَنَّ قَولَهُ تَعَالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أَمرٌ بِتَكوينِ هذِهِ الْمَاهِيَّةِ؛ فَلَا يُفِيدُ الْعُمُومُ.
قُلْنَا: الأَمْرُ بِتَكْوينِ المَاهِيَّةِ يَقتَضِي الأَمرَ بِتَكْوينِ فَرْدٍ مِنْ أَفرَادِهَا: فَإِنْ كَانَ ذلِكَ الْفَردُ مُتَعَيِّنًا بِدَلِيل مُنفَصِل، كَفَى فِي العَمَلِ بِذلِكَ الأَمْرِ الإِتْيَانُ بِذلِكَ الفَردِ. وإن لَم يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، لَمْ يَكُن حَمْلُهُ عَلَى البَعضِ أَوْلَى مِن حَملِهِ عَلَى البَاقِي فإمَّا ألا يُحمَلَ عَلَى شَيء مِنهُمَا؛
===
وقدِ اختُلِفَ فيه:
فمذهبُ مالكٍ: أَنَّهُ على الإِباحة، وهو سَدِيدٌ فيما لم يكن واقعًا في محل القَرِينَةِ.
ومذهب الشَّافِعِي: أنَّه على النَّدبِ، وهو سَدِيدٌ فيما إذا كان في محل القرينةِ.
ومذهب أبي حنيفةَ، وابن سريج، والإصطخريّ، وابن خيران: أنَّه على الوجوب.
ومذهب الصَّيرفيُّ والقاضي: الوَقفُ؛ لأنَّ الفعل لا صِيغَةَ له والخُصُوصِيَّاتُ والأدِلَّةُ مُتَعَارِضَةٌ.
احتجَّ الفَخرُ للوجوبِ بوجوهٍ:
"الأَوَّلُ: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]: وظاهِرُ الأمرِ للوجوبِ: والمُتَابَعَةُ: عبارة عن الإِتيانِ بمثل ما أَتَى به المَتبوعُ؛ لأجلِ كونه أتَى بِهِ": وهذا احترازٌ عن مِثلِ نُطقِ اليهودِ بكلمة التوحيد كنطقنا، ولا يُعَدُّ مُتَابَعَة لنا.
واعتُرِضَ عليه: بأنَّ المتابعةَ لا تَتَحَقَّقُ إلَّا إِذا أَتَى به عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَتَى به من فَرْض أَوْ نَقل، أو إِباحَةٍ، وذلك في المعلومِ وَصفُهُ، فنقول به، وليس هو مَحَلَّ النِّزَاعِ.
قوله: "فإن قالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] أَمرٌ بتكوينِ هذه المَاهِيَّةِ ولا يفيد العمومَ- قلنا: الأمر بتكوين الماهِيَّةِ يقتضي تكوين فردٍ مِن أَفرَادِهَا؛ فَإن كان ذلك الفردُ مُعَيَّنًا بدليل مُنفَصِل، كَفَى في العَمَلِ بذلك الأمرِ الإتيانُ به وإن لم يكن مُعَيَّنًا: لم يكن حَملُهُ على بعضٍ أَوْلَى من حَملِهِ على بعضٍ: فإِمَّا [ألا] يُحَمَلَ على شيء فيقتضي تعطيلَ النَّصّ، أو يحملَ على الكُّلِّ إلا ما خَصَّهُ الدليلُ، وهو المطلوبُ".
стр. 353
فَيَقتَضِي تَعطِيل النَّصّ، أَوْ يُحمَلَ عَلَى الكُلِّ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ وَهُوَ المَطلُوبُ.
وَأَيضًا: الأَمرُ الوَارِدُ عَقِيبَ الوَصفِ المُناسِب يَقتَضِي كَونَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وَمُتَابَعَتُهُ فِي الأَفعَالِ وَالتُّرُوكِ يَقتَضِي صُدُورَ الأَفعَالِ الشَّرعِيَّةِ وَالتُّرُوكِ الشَّرعِيَّةِ عَنِ المُكَلَّفِ؛ وَذلِكَ مُنَاسِبٌ لِلأَمرِ بِهِ، وإذَا كَانَ كَذلِكَ كَانَ يَقتَضِي هذَا التَّكلِيفُ نَفسَ مُتَابَعَتِهِ؛ فَوَجَبَ أَن يَعُمُّ هذَا الحُكمُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ مِن لَوَازِمِ مَحَبَّةِ الله تَعَالى، ثُمَّ إِنَّ مَحَبَّةَ الله تَعَالى لازِمَة وَاجِبَةٌ بِالإِجمَاعِ، وَلازِمُ الوَاجِبِ وَاجِبٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَاجِبَة.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَهذَا الكَلامُ يَجرِي مَجْرَى الوَعِيدِ لِمَنْ تَرَكَ التَّأسِّيَ بِهِ، وَلَا مَعنَى لِلَتَّأسِّي بِهِ، إلا أَن يَأتِيَ الإنسَانُ بِمِثلِ مَا أَتَى بِهِ فِي الفِعلِ وَالتَّركِ.
===
والاعتراضُ عليه أن المُطلَقَ إنَّما يَدُلُّ على فرد شائع.
وقوله: "إنه يلزم من عَدَمِ التعميم الترجيحُ بلا مُرَجِّح، أو تعطيلُ اللَّفظِ"- غَيرُ لازِم؛ لعدم الحَصرِ فيهما، لإمكانِ قِسم ثالث، وهو تحصيلُ المُطلَقِ بإيقاعِ مُسَمَّاهُ كما في سَائِرِ المُطلَقَاتِ.
كيف، والمُطلَقُ يكفي العملُ به في صورة، وقد أَجمعنا على وجوب المتابعة في المعلوم وَصفُهُ، وأصل الدِّينِ؟ !
قوله: "وأيضًا الأمر الوارد عَقِيبَ الوَصفِ المُنَاسِبِ يقتضي كونه مُعَلَّلًا به ومتابعته في الأفعال، والتروك ... " إلى آخره.
حَاصِلُهُ: التعميمُ بطريقِ القِيَاسِ والمعنى، والجامع: أَنَّ وجوبَ مُتَابَعَتِهِ في صورة ما؛ إِنما كان توقيرًا له وتعظيمًا، وهذا موجودٌ في سائِرِ الأفعالِ؛ فَوَجَبَ التعميم.
واعتُرِضَ عليه في المناسبة: بِأنا لا نسَلِّمُ أَنَّ مُتَابَعَةَ العَبدِ لِسَيِّدِهِ في جميع أَفعَالِهِ، مثلُ أَن بَجلِسَ إِذا جَلَس، ويركَبَ إِذا رَكبَ، وَيَأكُلَ إِذا أكل- تكون توقيرًا وتعظيمًا.
قوله: "الثَّاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ... " إلى آخره:
يقال بِمُوجَبِهِ: فَإنَّ المُتَابَعَةَ هي الإِتيانُ به على الصِّفَةِ التِي أتَى بها: إِن وجوبًا فوجوبٌ، وإن ندبًا فندبٌ، وإن إِباحة فإباحة، وذلك في المَعرُوفِ الصِّفَةِ، ونَحنُ نقولُ به، والنزاع في الفعل المُجَرَّدِ.
قوله: "الثالث: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا يَجرِي مَجْرَى الوعيد لِمَنْ تَرَكَ التَّأسِّيَ، ولا معنى لِلتَّأسي إلا
стр. 354
فَإن قَالُوا: "إِنَّهُ بِتَقدِير أَن يَعتَقِدَ الرَّسُولُ ﵇ أَنَّ تِلْكَ الأَفعَال غَيرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الأُمَّةِ-: كَانَ اعتِقَادُ الأمَّةِ وُجُوبَهَا عَلَيهِم: مُخَالفَة لَهُ وَتَركًا لِمُتَابَعَتِهِ":
قُلْنَا: الاعتِقَادُ أَمرٌ خَفِيٌّ، وَهُوَ مُتَعَارِضٌ؛ لأَنَّهُ بِتَقدِيرِ أَنَّ يَعتَقِدَ الرَّسُولُ ﵇ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي الأَفعَالِ عَلَى الأُمَّةِ-: كَانَ اعتِقَادُهُم أَنَّهَا غَيرُ وَاجِبَةٍ: تَركًا لِمُتَابَعَتِهِ.
فَثَبَتَ: أَنَّا إِنِ اعْتَبَرنَا حَال الاعتِقَادِ جَاءَ التَّعَارُضُ؛ فَوَجَبَ طَرحُهُ وَالاقتِصَارُ عَلَى الأَفعَالِ الظَّاهِرَةِ.
الرَّابع: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَإِذَا حَمَلنَا لَفظَ "الأَمرِ" عَلَى الشَّأنِ المُطلَقِ، وَالطَّرِيقِ -دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أفعَالِهِ وَأَقوَالِهِ، وَيَجِبُ حَملُهُ عَلَى هذَا الْمَعنَى؛ لأَنَّهُ هُوَ الْقَدرُ المُشْتَرَكُ بَينَ الأَمرِ بِمَغنَى "القَولِ"، وَبَينَ الأَمْرِ بِمَعنَى "الْفِعلِ".
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]
===
أَن يَأتي بمِثلِ ما أتى بهِ في الفِعلِ، والتَّركِ": هذه الحُجَّةُ تمسَّكَ بها القائلون بالندب؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢١]: ولم يقل: عليكم، وقوله: في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] يَجرِي مجرى الوعيدِ" يعني: أَنَّ المرادَ به لِمَنْ كان يَخَافُ الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠].
فيقال له: هذا تَرْك لِلظَّاهِرِ؛ فلا بُدَّ له من دليل.
قوله: "فَإِنْ قالوا: إِنَّهُ بتقديرِ أَن يَعتَقِدَ الرسولُ أَن تلك الأفعال غيرُ واجِبَةِ على الأُمَّةِ كان اعتقادُ الأمةِ وُجُوبَهَا عليهم، مُخَالفَة
- قلنا: الاعتقادُ أَمرٌ خَفِيٌّ، ومُتَعَارِضٌ":
يعني: أَنَّ احتمال الخَطَإ فيه لا يُتَصَوَّر الاحترازُ عنه؛
فإنَّا لو اعتقدنا كونه ندبًا يحتملُ الوجوبَ أيضًا؛ كاحتمال العَكسِ فَيَتَعَيَّن الإِعرَاض عنه.
وما ذكره إنَّما يلزم من عيَّن للفعل محملًا، من ندب، أو إباحة، وأمَّا الواقفية فلا.
قوله: "الرابع: قولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] إِذا حملنا لَفظَ الأمرِ على الشَّأنِ والطَّريق- دخل فيه جميع أَقوالِهِ، وأفعالِهِ، ويجبُ حملُهُ على هذا المعنى؛ لأنَّه القَدرُ المُشتَرَكُ":
يرد عليه: أَنَّ السَّابِقَ إِلى الفهم من الأمرِ القولُ المخصوصُ، وأيضًا الإِجماعُ الذي نَقَلَهُ هو في مسألة الأوامر على أنَّهُ حقيقةٌ في القولِ، فَيَتَعَيَّنُ أن يكونَ مجازًا فيما سواه؛ دفعًا للاشتراكِ.
قوله: "الخامس: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
стр. 355
وَإِذَا فَعَلَ شَيئًا فَقَدْ أَتَانَا بِذلِكَ الفِعْلِ؛ فَوَجَبَ عَلَى الأُمَّةِ أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ.
السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]؛ بَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالى إِنَّمَا زَوَّجَهُ بِهَا؛ لِيَكُونَ حُكمُ أُمَّتِهِ مُسَاويًا لِحُكمِهِ في ذلِكَ؛ وَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاقْتِدَاءَ بِهِ وَاجِبٌ.
السَّابِعُ: أَنَّ الاقْتِدَاءَ بِهِ في بَعْضِ الأَعْمَالِ وَاجِبٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْكُلِّ وَإجِبًا؛ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ:
بَيَانُ الأَوَّلِ: قَوْلُهُ ﵇: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي"، وَقَوْلُهُ ﵇: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكُمْ".
بَيَانُ الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيهِ الاقْتِدَاءُ بِه فِي بَعْضِ التَّكَالِيفِ، وَجَبَ عَلَيهِ الاقْتِدَاءُ في سَائِرِهَا؛ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
الثَّامِن: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ مُشَاقَّةً لَهُ، وَمُشَاقَّةُ الرَّسُولِ مُحَرَّمَةٌ:
===
أَوْرَدَ عليه: منع أنَّه أتى به لنا، وإنما أَتَى به لنفسه، أو أنَّهُ محمولٌ على الأمر، لمقابلته بالنهي؛ هكذا ذكروا.
والحَقُّ: أنَّ: "آتاكم" ممدودٌ من العطاءِ، والآيةُ في النفي.
قوله: "السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧] بَيَّنَ تعالى أَنه إِنما زَوَّجَهَا منه؛ للاقتداء به؛ ليكونَ حكمُ الأُمَّةِ مساويًا لحُكمِهِ في ذلك" يعني لقوله تعالى: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب ٣٧].
يُقَالُ عليه: إنَّ ذلك قرينةٌ في التَّأسِي، ونحنُ نقولُ به.
قوله: "السابع: أَنَّ الاقتداءَ به في البَعْضِ واجبٌ؛ فيجبُ الاقتداءُ به في الكُلِّ، إلَّا ما خَصَّهُ الدليلُ".
يرد عليه: أنَّه يَنْقَلِبُ؛ فَإنَّا نقولُ: الاقتداءُ به في بعض الأحوالِ ليس بواجب بالإجماع، فَوَجَبَ أَنْ يكونَ الكُل كذلك إلا ما خَصَّهُ الدليلُ.
وجوابه: الترجيحُ بالأغلب.
قوله: "الثامن: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ مُشَاقَّةً لَهُ، وَمُشَاقَّةُ الرَّسُولِ: ﵊ مُحَرَّمَةٌ، وَإِنَّما قلنا: إِنْ تركَ مُتَابَعَةِ الرسولِ مُشَاقَّةٌ لَهُ؛ لأَنَّ المُشَاقَّةَ ... " إلى قوله: "وإنما قلنا أن مشاقة الرسول محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يشُاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنْ لَهُ الْهُدَى ... ﴾ الآية [النساء: ١١٥] ".
يرد عليه: أَنَّ حَملَ المُشَاقَّةِ على ما ذُكِرَ يَلْزَمُ منه أَنَّ كُلَّ مَن تركَ سُنَّةَ، أو مُبَاحًا فعله رسولُ الله ﷺ يكونُ مَتَوَعَّدًا بمضمونِ الآيةِ، وهو خلافُ الإِجماعِ فيتعينُ حَمْلُ المُشَاقَّةِ على
следующие страницы →