← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 145168

شرح المعالم في أصول الفقه

ابن التلمساني

Полный текст (746 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مُحَمَّدٍ ﵇ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُقِرِّينَ بِنُبُوَّتِهِ، فَكَانَ قَوْلُنَا: "الأُمَّةُ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﵇" جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِنَا: كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ فَهُوَ مُقِرٌّ بِنُبُوَّتِهِ. === للموضوع، لا إسْنَادًا" - غير صَحِيحٍ؛ لأنَّ الأُمَّة في اللُّغَةِ: الجَمَاعَةُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨]. والإضافة لا تفيد تَخْصِيصًا، إلا في الوَجْهِ الذي وقَعَتْ فيه الإِضَافَةُ، فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ عبارة عن جَمَاعَةِ مُحَمَّدٍ، وكون أمة مُحَمَّدٍ لا يُفَارِقُهُمُ الإِقْرَارُ بِنُبُوَّتِهِ لا يمنع حَمْلَهُ عليهم؛ كما أن الثَّلاثَةَ لا تُفَارِقُهَا الفَرْدِيَّةُ، ويصح حَمْلُهَا عليها فنقول: الثلاثة فَرْدٌ، وهي قضية صَحِيحَةٌ، وكلام يَحْسُنُ السُّكُوتُ عليه، ولهذا فإن الله - تعالى - أَخْبَرَ عنهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بالله، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] والضمير في "كُنْتُمْ" إِشَارَةٌ إلى أُمَّةِ محمَّد ﷺ ؛ فلو كان الإِيمَانُ دَاخِلًا في مُسَمَّاهم، لما حَسُنَ الحَدِيثُ به عنهم.

стр. 422

وَأَمَّا قَوْلُنَا: "الأُمَّةُ مُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ"، فَنَقُولُ: هَبْ أَنَّا لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. فَأَمَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ فِيهِ؛ فَهُوَ بَعِيدٌ؛ فَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ مُقِرًّا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ وَمَعَ ذلِكَ: فَإِنَّهُ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلاةِ؛ لِشُبْهَةٍ رَكِيكَةٍ وَقَعَتْ فِي قْلِبِهِ، وَكَيفَ لَا نَقُولُ ذلِكَ، وَقَدْ رَأَينَا فِي كُتُبِ الْمَقَالاتِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أَنْكَرَ كَوْنَ الفاتحة مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَنِ الْخَوَارِجِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَجِبُ الصَّلاةُ إِلَّا فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]. الْحُجَّةُ الثَّانِيةُ: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الإِجْمَاعُ، لَثَبَتَ: إِمَّا بِدَليلٍ ظَنِّيٍّ، أَوْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ: وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنَ المَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمَطْلُوبِ الْقَطْعِيِّ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ؛ بَاطِلٌ؛ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ، لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَذلِكَ === وهذا نَقْصٌ وَاضِحٌ على قوله: "إِنَّ مَعْرِفَةَ أن هذا القَوْلَ قَوْلُ كُلِّ الأُمَّةِ يَتَوقَّفُ على مَعْرِفَةِ أشخاصهم"؛ فإنا قد عرفنا أن كلَّ واحد من أمة محمَّد ﷺ صدَّق بالله ورسوله، وإن لم نعرف أشخاصهم. قوله: "ربما أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ الصلاة"، هذا لا يمنع القَطْعَ؛ لأنه احتمال لا عن مثار، وكُلُّ احتمال لا عن مثار وَهْمٌ مَحْضٌ، ولو كان قادِحًا لم يَبْقَ لنا عِلْمٌ بِشَيءٍ من العاديات. قوله: "إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أَنْكَرَ كَوْنَ الفَاتِحَةِ من القُرْآنِ". قيل: إِنَّهُ لم يَصِحَّ عنه الإِنْكَارُ، وإنما نُقِلَ عنه أنَّه لم يُثبِتْهَا في مُصْحَفِهِ، فلعل ذلك لظهورها عنده، ثمَّ لا مَانِعَ من الإِنكَارِ في ذلك الزَّمَانِ قبل اسْتِقْرَارِ التَّوَاتُرِ عنده. ونقلُه عن بَعْضِ الخَوَارِجِ أَنَّ الصَّلاةَ لا تَجِبُ إلا في طَرَفي النَّهَارِ: لا اعتبار به مَعَ قَطْعِ السَّابقِينَ لَهُمْ واللَّاحِقِينَ - بخلافه، وهو كَنَقْلِ السُّوفسطائية للعلوم البَدهيَّةِ. قوله: الْثَّانِي: لو ثَبَتَ الإِجْمَاعُ، لثبت إمَّا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، أو قَطْعِيٍّ. . ." إلى آخره: هذا السُّؤَالُ وما بعده من أَسْئِلَةِ المقام الثالث لِمُنْكِرِي الإِجْمَاعِ، وهي من المُعَارضات، وحَاصِلُهُ: أنَّه لو ثَبَتَ لم يَثْبُتْ بغير مُسْتَنَدٍ؛ لأنه ضَلالٌ، والمستند إما ظَنِّي فلا يفيد القَطْعَ، والإِجْمَاعُ -على زَعْمِ مُثْبِتِهِ- حُجَّةٌ قاطعة، والقَطْعِيُّ إِما عقلي، ولا مَجَال له في الأَحْكَامِ الشرعية، وإما سَمْعِيّ، وهو النَّصُّ المتواتر، ولو كان لنقل إلينا، ولعرفه الكل؛ وارْتَفَعَ الخِلافُ. قوله: "الثالث: أن الله تعالى نهى كُلَّ الأُمَّةِ عن القَوْلِ البَاطِلِ، والفِعْلِ البَاطِلِ، فقال جَلَّ ذكره: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والنَّهْيُ عن الشَّيءِ إنما يَجوزُ عند جَوَازِ الإِتْيَانِ بهِ؛ وذلك يَدُلُّ على إِمْكَانِ إِتْيَانِ مَجْمُوع الأُمَّةِ بالباطل": وتقريره وَاضِحٌ على اشْتِرَاطِ الإِمْكَانِ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

стр. 423

الْقَطْعِيُّ: إِمَّا الْعَقْلُ، أَو النَّقْلُ: والأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ لَا مَجَال لِلْعَقْلِ فِي ذلِكَ. وَالثَّانِي -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ النَّقْلَ لَا يَكُونُ قَطْعِيًّا إِلَّا بِشَرْطَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَلْفَاظُ دَالَّةً عَلَى هذَا الْمَعْنَى دَلالةً قَطْعِيَّةً، لَا يَبْقَى لِلاحْتِمَالِ فِيهَا مَجَالٌ. وَلَوْ حَصَلَ مِثْلُ هذَا الدَّلِيلِ، لَعَرَفَهُ الْكُلُّ، وَلَوْ كَانَ كَذلِكَ، لارْتَفَعَ الْخِلافُ؛ وَحَيثُ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَذلِكَ، بَطَلَ الْقَوْلُ بِكَوْنِ الإِجْمَاعِ حُجَّةً. وَالْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله تَعَالى نَهَى كُلَّ الأُمَّةِ عن القَوْلِ الْبَاطِلِ والفِعْل الْبَاطِلِ؛ فَقَال - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وَقَال تَعَالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والنَّهْيُ عن الشَّيء لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ جَوَازِ الإتْيَانِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وذَلِك يَدُلُّ عَلَى جَوازِ إِتْيَانِ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ بِالبَاطِلِ. الرَّابعُ: أَنَّهُ لَمْ يَجْر ذِكْرُ الإِجْمَاعِ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ ﵁ وَلَوْ كَانَ حُجَّةً، لَمَا جَازَ الإِخْلالُ بِذِكْرِهِ عِنْدَ مَسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَيهِ؛ لأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. الْخَامِسُ: أَنَّ إِجْمَاعَ النَّاسِ عَلَى ذلِكَ الحُكْمِ الْمُعَيَّنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُمْ عَلَى صِحَّةِ ذلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ لأَمارَةٍ سَاقَتْهُمْ إِليهِ، أَوْ لَا لِذلِكَ وَلَا لِهَذَا: === قوله: "الرابع: إنه لم يَجرِ ذِكْرُ الإِجْمَاعِ في خَبَرِ مُعَاذٍ، ولو كان حُجَّةً لما جَازَ الإِخْلالُ بذكره عند مَسَاسِ الحاجة إليه لأَنَّ تَأْخِيرَ البَيَانِ عن وَقْتِ الحَاجَةِ لا يَجُوزُ": يعني بالاتفاق؛ إلَّا عند من جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بالمُحَالِ. قوله: "الخامس: أَنَّ إِجْمَاعَ النَّاسِ على ذلِكَ الحُكْمِ المعين، إما لدَلِيلٍ، أو لأَمَارَةٍ، أو لا لِوَاحِدٍ منهما، والأول بَاطِلٌ؛ لأنه لو كان لاشتهر؛ لأنَّ الوَاقِعَةَ العَظِيمَةَ تَتوَافَرُ الدَّوَاعي على نَقْلِ دليلها، ولو نقل لاسْتُغْنِيَ به عن الإِجْمَاعِ، فلا يَبْقَى في التَّمَسُّكِ بالإجماع فَائِدَةٌ، وإن كان إِجْمَاعُهُمْ عن أمارة فباطل أيضًا؛ لأنَّ الأَمَارَاتِ تَخْتَلِفُ باختلاف أَحْوَالِ الناظِرِينَ فيها؛ فيمتنع اتِّفَاقُ الخَلْقِ العَظِيم على مُوجبِهَا. أو لأنَّ كثيرًا من الأُمَّةِ أَنْكَرَ كَوْنَ الأَمَارَةِ حُجَّةً. وإن كان لا لِوَاحِدٍ منها، كان خَطَأً بالإِجْمَاعِ. والفرق بين هذا الوَجْهِ والثاني أن الثَّاني تقسيم في مُسْتَنَدِ صِحَّةِ الإجماع على الجُمْلَةِ، وهذا تقسيم في مستند اتِّفَاقِهِمْ على الحكم المعين، وإن كان تقرير الجميع راجعًا إلى نَفْي المدرك، وإن اختلفت العِبَارَاتُ.

стр. 424

فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: فَالْوَاقِعَةُ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيهَا عُلَمَاءُ الْعَالمِ، تَكُونُ وَاقِعَةً عَظِيمَةً، وَمِثْلُ هذِهِ الْوَاقِعَةِ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ دَلِيلِهَا الْقَاطِعِ؛ فَكَانَ يَجِبُ اشْتِهَارُ تِلْكَ الدَّلائِلِ وَبُلُوغُهَا إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ؛ وَحِينَئِذٍ: لَا يَبْقَى فِي التَّمَسُّكِ بِالإِجْمَاعِ فَائِدَةٌ. وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُهُمْ لأَمارَةٍ، فَهذَا بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الأَمَارَاتِ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وَالأُمُورُ الظَّنِّيَّةُ مِمَّا تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِيهَا؛ فَيَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ عَلَى مُوجَبِهَا، وَلأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأُمَّةِ قَالُوا: الأَمَارَةُ لَيسَتْ بِحُجَّةٍ؛ وَحِينَئِذٍ: لَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ بِالأَمَارَةِ. فَإِنْ كَانَ ذلِكَ الإِجْمَاعُ لَا لِدَلالةٍ وَلَا أَمَارَةٍ، كَانَ ذلِكَ خَطَأ بِالإِجْمَاعِ، فَلَوْ أَجْمَعُوا عَلَيهِ، لَكَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الْخَطَأ؛ وَذلِكَ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِجْمَاعِ. السَّادِسُ: أَنْ نَقُولَ: إِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذلِكَ الحُكْمِ: إِنْ كَانَ لَا عَنْ دَلِيلٍ، كَانَ ذلِكَ بَاطِلًا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الإِجْمَاعِ حُجَّةً. وَإِنْ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ، كَانَ ذلِكَ الدَّلِيلُ شَيئًا سِوَى الإِجْمَاعِ؛ لأَنْ الإِجْمَاعَ يَحْصُلُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلَى الْحُكْمِ؛ وَالدَّلِيلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ؛ فَهذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ إِنَّمَا أُمِرُوا بِذلِكَ الْحُكْمِ لِدَلِيلٍ آخَرَ سِوَى الإِجْمَاعِ، فَلَوْ كَانَ الإِجْمَاعُ حُجَّةً - وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى ذلِكَ الحُكْمِ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَى الإِجْمَاعِ - فَحِينَئِذٍ: يَلْزَمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَينَا إِثْبَاتُ هذَا الحُكْمِ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَى الإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ؛ فَحِينَئِذٍ: يَصِيرُ الإِجْمَاعُ ضَائِعًا؛ فَثَبَتَ: أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الإِجْمَاعِ حُجَّةً - يُفْضِي ثُبُوتُهُ إِلَى عَدَمِهِ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ بِهِ بَاطِلًا. السَّابعُ: أَنَّ الْمُجْمِعِينَ إِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى ذلِكَ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَهُمْ عَلَى صِحَّةِ ذلِكَ الحُكْمِ، وَقَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى ذلِكَ الدَّلِيلِ، كَانُوا مُجَوِّزِينَ لِثُبُوتِ ذلِكَ الحُكْمِ وَلِعَدَمِهِ، فَهذَا === قوله: "السادس. . ." حَاصِلُهُ: أن مُسْتَنَدَ الحكم المُجْمَعِ عَلَيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غير الإِجْمَاعِ؛ لأنَّ الإِجْمَاعَ عليه فَرْعُ ثُبُوتِهِ، وإذا وَجَبَ أن يكون غيره كَانَ الإِجْمَاعُ ضائعًا؛ فالقول بأنه حُجَّةٌ يفضي ثُبُوته إلى عَدَمِهِ. وهذا الوَجْهُ قريب من الخامس. قوله: "السَّابعُ: أنهم إنما أَجْمَعُوا لدليلٍ وَقَبْلَ وُصُولِهِمْ إلى ذلك الدَّلِيلِ كَانُوا مُسَوِّغِينَ لِلأَخْذِ بِخِلافِ مَا دَلَّ عَلَيهِ، وبعد الوُقُوفِ عَلَيهِ صَارُوا مَانِعِينَ لذلك، فلو كان إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً مَانِعَةً من المُخَالفَةِ، لَلَزِمَ تَنَاقُضُ الإِجْمَاعَينِ. لا يقال: الإجْمَاعُ الأَوَّلُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الثاني؛ لأنه يَلْزَمُ مِثْلُهُ في كُلِّ إِجْمَاعٍ؛ فيقال: هو حُجَّةٌ بِشَرْطِ ألَّا يَظْهَرَ دَلِيلٌ على نَقِيضِهِ أَقْوَى منه":

стр. 425

يَقْتَضِي انْعِقَادَ الإِجْمَاعِ بَينَهُمْ قَبْلَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِ ذلِكَ الحُكْمِ. عَلَى أَنَّهُ كَمَا جَازَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ هذَا الحُكْمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَوْلُ بِعَدَمِهِ، فَلَوْ صَارَ هذَا الإِجْمَاعُ مَانِعًا مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يُخَالِفُ ذلِكَ الْحُكْمِ - لَزِمَ تَنَاقُضُ الإِجْمَاعَينِ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ بُطْلانَ الإِجْمَاعِ. فَإِنْ قَالُوا: لِمَ يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّ الإِجْمَاعَ الأَوَّلَ كَانَ مَشْرُوطًا بَأَلَّا يُوجَدَ دَلِيلٌ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ، فَلَمَّا وُجِدَ الإِجْمَاعُ الثَّانِي، وَجَبَ الْقَطْعُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ، لَا جَرَمَ: زَال شَرْطُ الإِجْمَاعِ الأَوَّلِ؛ فَزَال بِزَوَالِ شَرْطِهِ. قُلْنَا: إِذَا جَوَّزْتُمْ كَوْنَ الإِجْمَاعِ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي هذَا الإِجْمَاعِ الثَّانِي أَنْ يُقَال: إِنَّمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ بِعَينِهِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَإِذَا وُجِدَ ذلِكَ الْمُعَارِضُ، لَمْ يَبْقَ هذَا الإِجْمَاعُ مُعْتَبَرًا؛ وعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ شَيءٌ مِنَ الإِجْمَاعَاتِ؛ وَخَرَجَ الْكُلُّ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً. الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الأُمَّةِ مُمْكِنَةٌ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ؛ فَلِهذَا قَال أَهْلُ الظَّاهِرِ: إِنَّهُ لَا حُجَّةَ إلا فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُمَكِنُ مَعْرِفَةُ حُصُولِ الإِجْمَاعِ إلا فِي ذلِكَ الزَّمَانِ؛ وَهذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا. === وهذه الأَسْئِلَةُ وَاضِحَةُ التقرير، وإنما ذَكَرْنَاهَا لإِكْمَالِ البَحْثِ في تحقيق أَجْوبَتِهِا إن شاء اللهُ تعالى. قوله: "وَالجَوَابُ عن الأَوْلِ: أن مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الأُمَّةِ كانت مُمْكِنَةً في زَمَنِ الصَّحَابَةِ؛ ولهذا قال أَهْلُ الظَّاهر: إنه لا يُمْكنُ حُصُولُ الإِجْمَاعِ، إلا في ذلِكَ الزَّمَانِ": والحق أننا لا نُنْكِرُ عُسْرَ الاطِّلاعِ عليه مع اتِّسَاعِ الخطة، لكنا مع ذلك نَعْلَمُ اتِّفَاقَ الأُمَّةِ في كل عَصْرٍ على أن الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ، والمغرب ثلاث، وعلى تَقْدِيمِ النص المَقْطُوعِ به من الطَّرَفَينِ على المَظْنُونِ، كما أَجْمَعَ الصحابة على جَمْعِ القرآن، وتدوين الجَيشِ، وأجمع السَّلَفُ في كل عَصْرٍ على جَوَازِ تَدْوينِ مَسَائِلِ الفِقْهِ، وَجَمْعِ الأَحَادِيثِ. قوله: "وهذا هو المُخْتَارُ عِنْدَنَا": إن عنى به أن أَدِلَّةَ الإِجْمَاع قاصرة على عَصْرِ الصَّحَابَةِ؛ كما زعم أَهْلُ الظَّاهِرِ؛ بِنَاءً على أن المُؤْمِنِينَ في الآية حَقِيقَةٌ تَتَنَاوَلُ الموجودينَ، وأن الخِطَابَ خِطَابُ مُوَاجَهَةٍ - فقد بَيَّنَّا أَنَّ الآيَة عَامَّةٌ، وإن عسر الاطلاع، مع أنَّه لو وَقَفَ عليه، لكان حُجَّةً في نَفْسِ الأَمْرِ، فالأمر كذلك.

стр. 426

وعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ الإِجْمَاعُ بِدَلائِلَ ظَنِّيَّةٍ، وَهذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا لَيسَتْ مِنَ الْقَطْعِيَّاتِ، بَلْ مِنَ الاجْتِهَادِيَّاتِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: ذلِكَ النَّهْيُ لَيسَ خِطَابًا مَعَ الْكُلِّ، بَلْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْفَرْقُ بَينَ الكُلِّ وَبَينَ كُلِّ وَاحِدٍ- مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَدَّعِي عِصْمَةَ الكُلِّ، لَا عِصْمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ. وَعَنِ الرَّابعِ: أَنَّهُ ﵇ إِنَّمَا تَرَكَ حُكْمَ الإِجْمَاعِ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ ﵁ لأَنَّ الإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ حُجَّةَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ، ﵇. وَعَنِ الخَّامِسِ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّ إِجْمَاعَهُمْ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ، لَكِنَّهُمْ مَا نَقَلُوهُ === قوله: "وعن الثَّانِي: أَنَّا نُثبِتُ الإِجْمَاعَ بدليل ظَنِّيٍّ، وهذه المَسْأَلَةُ عندنا لَيسَتْ من القَطْعِيَّاتِ، بل من المجتهدات": هذا الاخْتِيَارُ مَذْهَبُ أبي الحُسَينِ من المعتزلة، وقد تَقَدَّمَ أَن مَذْهَبَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ أن المسألة قَطْعِيَّةُ، وأدلتها قَاطِعَةٌ، وأن مُعْتَمَدَهُمْ في القَطْعِ. إما التَّمَسُّكُ بالنصوص، ورَدُّ تَأْويلِهِ بِمُعَاضَدَةِ بعضها إلى بعض، وتَضَافُر فَحْوَاهَا، وإما الأخبار المُتَوَاتِرَةُ المعنى، وإما التَّمَسُّكُ بالمَسْلَكِ العادي الذي ذَكَرَهُ الإِمَامُ، وقد تقدم ذِكْرُ الجميع. ثم الإِجْمَاعُ بعد ذلك يَنْقَسِمُ إلى مَقْطُوعٍ، ومَظْنُونٍ: فالمَقْطُوعُ: ما يكون عَدَدُ المُجْمِعِينَ فيه عَدَدَ التَّوَاتُرِ، والمحل المُجْمع عليه مما تَتَشْعَّبُ فيه الآرَاءُ، وتدقُّ الظُّنُونُ، وينقل عنهم بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، فهذا مقطوع المَتْنِ والنَّقْلِ. والمظنون: يَنْقَسِمُ إلى مَظْنُونٍ من الطَّرفَينِ، أو أحدهما، فيجب العَمَلُ به؛ لاسْتِنَادِهِ إلى الإِجْمَاعِ القَاطِعِ، ومحلُّ اسْتِعْمَالِهِ الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كأخبار الآحَادِ. قوله: "وعن الثَّالِثِ: لم لا يَجُوزُ أَنَّ ذلك النَّهْيَ ليس خِطابًا مع الكل، بل مع كل واحد؟ والفَرْقُ بينهما مَعْلُومٌ بالضرورة" وهذا وَاضِحٌ. ولو سلم أن النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ الكُلَّ لم يَضُرَّ؛ لأن شرْطَ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ الجَوَازُ العَقْلِي، ولا يمنع نفي الوُقُوعِ بالسَّمْعِ؛ فإنَّا لا نَدَّعِي عِصْمَتَهُمْ عَقْلًا، وإنما نَدَّعِيهَا سَمْعًا، أو عَادَةً. قوله: "وعن الرَّابعِ: أنه ﵇ إنما ترك الإِجْمَاعَ في خبر مُعَاذٍ؛ لأن الإِجْمَاعَ لا يكون حُجَّةً في زَمَنِ النبي ﷺ : يعني: لأن إجماعهم دُونَهُ ﵇ لا عِبْرَةَ به، ومع قَوْلِهِ لا حَاجَةَ إليهم. قوله: "وعن الخَامِسِ: لم لا يَجُوزُ أن يُقَال: إِجْمَاعُهُمْ كان عن دَلِيل، لكنه ما نُقِلَ عنهم؛ لحصول الإِجْمَاعِ؛ فإنه مَتَى حَصَلَ الثَّانِي، كان الأَوَّلُ لَغْوًا" هذا تَجَوَّرٌ في العِبَارَةِ، ومقصوده: أن الأَدِلَّةَ إنما تُورد لإثبات الحُكْمِ، فإذا حَصَلَ استغنى بنقله، وقولهم: "إنه لا يَنْعَقِدُ عن أَمَارَةٍ

стр. 427

إِلَينَا؛ اكْتِفَاءً مِنْهُمْ بِحُصُولِ الإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ مَتَى حَصَلَ الدَّلِيلُ ألثَّانِي كَانَ الْبَاقِي لَغْوًا. وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ بِطَرِيقٍ، لَا يَمْنَعُ إِثْبَاتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالتِ الشِّيعَةُ: دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ أَزْمِنَةِ التَّكْلِيفِ مِنْ إِمَامٍ مَعْصُوم؛ فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى قَوْلٍ، اشْتَمَلَ ذلِكَ الإِجْمَاعُ عَلَى قَوْلِ ذلِكَ المَعْصُومِ، وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ؛ فَيَكُونُ الإِجْمَاعُ حُجَّةَ بِهذَا الاعْتِبَارِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أمَّا دَلِيلُكُمْ فِي إِثْبَاتِ الإِمَامِ المَعْصُومِ فَقَدْ سَبَقَ الْكَلامُ فِيهِ فِي عِلْمِ === مَمْنُوعٌ؛ إذ العَادَةُ لا تحيل الاتِّفاقَ على الظَّنِّ الغَالِبِ، لا سيما مع وُجُوبِ العَمَلِ به. قوله: "وعن السَّادِسِ: أَنَّ إِثْبَاتَ الحُكْمِ بطربق لا يَمْنَعُ إِثْبَاتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ" يعني بالنِّسْبَةِ إلى من بَعْدَهُمْ. قوله: "كَانُوا مُجَوِّزِينَ لِثُبُوتِ الحُكْمِ، وعدمه قَبْل الوُقُوفِ على دَلِيلِ الإِجْمَاعِ، فوجوب الاتِّبَاع يلزم منه تَنَاقُضُ الإِجمَاعَينِ": جوابه: أن الأَوَّلَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الاتِّفَاقِ. قوله: "يَلْزَمُ مِثْلُهُ في كُلِّ إجْمَاعٍ": قلنا: نعم، ولكن انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ القَاطِعُ على عَدَمِ الاشْتِرَاطِ فيما عدا الإِجْمَاعَ على قَوْلَينِ؛ لابْتِدَارِ التَّابِعِينَ النَّكِيرَ على مَنْ خَالفَ الإجماع. فروع: منها ما يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِيَّةِ مَنْ يَنْعَقِدُ الإِجْمَاعُ به، ومنها ما يتعلق بطرد أدلة الإجماع وعكسها. الأول: لا يعتبر في الإجْمَاعِ مُوَافَقَهُ العَوَامِّ، خلافًا للقاضي؛ فإنهم لَيسُوا من أَهْلِ النَّظَرِ؛ ولأنه يَجِبُ عليهم اتِّبَاعُهُمْ، فلا يبطل قَوْلُهُمْ بمعصيتهم.

стр. 428

الْكَلامِ. سَلَّمْنَا بِثُبُوتِهِ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أنْ يُقَال: إِنَّ ذلِكَ الإِمَامَ الْمَعْصُومَ قَدْ أَفْتَى بِالْبَاطِلِ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ وَالْخَوْفِ؛ وَعِنْدَكُمْ أَنَّ ذلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ.

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الثاني: المُجْتَهِدُ الفَاسِقُ لا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادُهُ؛ كما لا يعتبر خَبَرُهُ، وشهادته، وفَتْوَاهُ. وقيل: يُعْتَبَرُ في نَفْسِهِ خَاصَّة. وقيل: مطلقًا، واختاره الغَزَّالِي؛ قال: لأنه مُسْتَجْمِعٌ لِخِصَالِ النظر، والنظر والتبصر في الأَحْكَامِ وصِدْقُهُ مُمْكِنٌ، والأَصْلُ عَدَمُ الإِجْمَاعِ، فلا يَنْعَقِدُ على تَرَدُّدٍ يَنْشَأُ من خِلافِ عَالِمٍ بالشَّرْعِ، ولا يقبل روَايتُهُ، وشهادته؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ ما يخبر عنه. الثالث: المجتهد المُبتدع المُكَفَّرُ بِبِدْعَتِهِ لا يعتبر، ولا يثبت كُفْرُهُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ عصره؛ لأنهم لا يَكُونُونَ كل الأُمَّةِ ما لم يكفر ولا يكفر حتى يكونوا كل الأمة، فهو دور، لكن يكفر بِإِجْمَاعِ من تقدمهم، أو بِقَاطِعٍ غير الإِجْمَاعِ، وإن لم يكفر بِبِدْعَتِهِ، فالأصح اعْتِبَارُهُ، وقبول شهادته، وروايته، إلا الخَطَّابِيَّةَ من الرَّوَافِضِ؛ لاسْتِبَاحَتِهِم الكَذِبَ لمن يوافقهم في اعتقادهم. الرابع: الفَقِيهُ المُبَرِّزُ في الفِقْهِ الذي لا يَعْلَمُ "أُصُولَ الفقه" والأُصُولِيُّ الذي لا يَتَعَمَّقُ في "الفُرُوعِ" فيهما أقوال: الأول: يُعْتَبَرَانِ؛ لأهْلِيَّتِهِمَا على الجُمْلَةِ.

стр. 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الثاني لا يُعْتَبَرَانِ؛ لأن كُلَّ غير عالم بِفَنِّ كالعامي فيه. والثالث: يُعْتَبَرُ الفُرُوعيُّ خَاصَّةً؛ لأنه المقصود. والرابع: يعتبر الأُصُوليُّ خاصة، وهو الأَصَحُّ؛ لأن له أَهْلِيَّةَ الوقوف على المَنْقُولِ، فيجتهد، ويحكم. الخامس: إذا بلغ عَدَدُ المُجْتَهِدِينَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، فهو النهاية، ولا يشترط عند الأْكَثَرِينَ؛ لأن أَدِلَّةَ الإِجْمَاعِ شَامِلَةٌ لهم. قالوا: لا يمكن بَقَاءُ التَّكْلِيفِ بدون عَدَدٍ تَقُوم به الحُجَّةُ، ولا تقوم إلّا بالنَّقْلِ المتواتر. وَأُجِيبَ: بأنه يَقُومُ بِأَخْبَارِ المجتهدين والعَوَامِّ، وعند نُقْصَانِ العَدَدِ بانْضِمَامِ القَرَائِنِ، فإن لم يَبْقَ من المُجْتَهِدِينَ إلا وَاحِدٌ، فقوله حُجَّةٌ لمضمون السمع، ولا يسمى إِجْمَاعًا. السادس: لا يَنْعَقِدُ الإِجْمَاعُ مع مُخَالفَةِ الاثنين والواحد، خِلافًا لِلْخَيَّاطِ، وابن جرير، وأبي بكر الرَّازِيِّ؛ لأَنَّ من عَدَاهُمْ بعض الأُمَّةِ، واحتجوا بقوله ﵇: "عَلَيكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ": وأُجِيبَ بأنه حَثُّ على مُتَابَعَةِ الإمام. السابع: إجْمَاعُ عُلَمَاءِ "المدينة" مع مُخَالفَةٍ غيرهم ليس بحُجَّةٍ في العُصُورِ كلها؛ خِلافًا لِمَالِكٍ، ونقل. . . . . . . . ...

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الغَزَّاليُّ عنه في "المَنْخُولِ" أنه يَحْصُلُ بِقَوْلِ الفقهاء السَّبْعَةِ، ولا يبالى بِخِلافِ مَنْ خَالفَهُمْ. قال: ويُقَدَّمُ مَذْهَبُهُمْ على النُّصُوصِ، ولا خَفَاءَ ببطلان هذا؛ فإنهم لَيسُوا كل الأُمَّةِ. قال: وإنما صَارَ إلى هذَا؛ لأن عَدَدَ التَّوَاتُرِ لا يعتبره، ومخالفة الأَقَلِّ لا تضر عنده، وكَانُوا أَكْثَرَ المُجْتَهدِينَ في زمَانِهِمْ. قال: وإنما قَدَّمَ قَوْلَهُمْ على النُّصُوصِ؛ لاعتقاده أن مَذْهَبَ الرَّاوي مُقَدَّمٌ على رِوَايَتِهِ، وانحصرت الرواية فيهم عنده. قال: وهذا مُجْمَلُ مَذْهَبِهِ مع إِحْسَانِ الظن به، ونقل غيره أنه يُئَوِّل إِجْمَاعَهُمْ على رِوَايَتِهِمْ لا على اجْتِهِادِهِمْ، ومنهم من حَمَلَهُ على اتِّفَاقِهِمْ فيما طَرِيقُهُ النَّقْلُ كالأذان والصاع. وقيل: مطلقًا، واحتج له بأن إِجْمَاعَهُمْ على المَرْجُوح مع أَنَّهُمْ أَحَقُّ العُلَمَاءِ بالاطِّلاعِ على الأَدِلَّةِ؛ فإنهم في مَهْبطِ الوَحْيِ والمُشَاهَدَةِ لأسباب الأَحْكَامِ- بَعِيدٌ، ولو اتفق ذلك في غَيرِ "المدينة"، لَكَانُوا كذلك. وبقوله ﵇ "إنَّ المَدينةَ لَتَنْفِيِ خَبَثَهَا"، والقول الباطل خَبِيثٌ؛ فكان مَنْفِيًّا.

стр. 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأجيب عن الأَوَّلِ بأن أَدِلَّةَ الإجماع غَيرُ شَامِلَةٍ لهم. وعن الثاني أنه مَحْمُولٌ على مَنْ كَرِهَ المُقَامَ بها، أو على الكُفْرِ والنِّفَاقِ. الثامن: إجْمَاعُ العِتْرَةِ وَحْدَهُمْ ليس بحجة، خلافًا للشِّيعَةِ. واحْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] والخطأ رجس، فَكَانَ ذَاهِبًا. قالوا: وأَهلُ البيت: عَلِيٍّ، وفاطمة، والحسن، والحسين ﵃ لأنه

стр. 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لما نَزَلَتْ هذه الآية لَفَّ ﵊ عليه وَعَلَيهِمْ كِسَاءً، وقال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيتِي"، وبقوله ﵊: "إِنِّي تَارِكٌ فيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي". وأجيب عن الأَوَّلِ بأن الآيَةَ في زَوْجَاتِهِ بدليل السِّيَاقِ، وذكَّر الضمير لانْدِرَاجِهِ ﷺ مَعَهُنَّ، وعن الحديث بأَنَّهُ آحَادٌ، وليس بِحُجَّةٍ عند الإمامية، وحمل العترة على المجتهدين منهم. التاسع: قال القاضي أبو حازم: إِجماع الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ. وقال بعضهم: إِجْمَاعُ الشَّيخَينِ. لنا: أنهم لَيسُوا كُلَّ الأُمَّةِ. واحْتَجَّ الأَوَّلُ بقوله ﵇: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي".

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والثاني: بقوله ﵇: "اقْتَدُوا باللَّذَينِ مِنْ بَعْدِي". والجَوَابُ: أنه خِطَابٌ لِلْعَوَامّ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بقوله ﵇: "أَصْحَابِي كَالنُّجْومِ بأَيِّهِمُ اقْتَدَيتُمُ اهْتَدَيتُمْ.

стр. 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === العاشر: الإِجماع المَنْقُولُ على لِسَانِ الآحَادِ في التكاليف حُجَّةٌ، خلافًا للغزالي. لنا: أنَّا إذا ظَنَنَّا كَوْنَ الحُكْمِ مَنْقُولًا عن أَهْلِ الإِجْمَاعِ، وعلمنا صِحَّة اتِّبَاعِ قولهم - صَارَ الحُكْمُ مَظْنُونَ العَمَلِ في محل الاجتهاد؛ فيجب العَمَلُ به؛ كَأَخْبَارِ الآحَادِ والأقْيسةِ، ولا يلزم عليه القرآن المنقول بالآحَادِ؛ فإنه لَيسَ في محلِّ الاجْتِهَادِ. الحادي عشر: إذا بلغ التابعيُّ رتبة الاجتهاد في عَصْرِ الصَّحَابَةِ قبل اتِّفَاقِهِمْ، فلا يَنْعَقِدُ الإجْمَاعُ بدونه؛ لأن إجماعهم دونه إِجْمَاعُ بَعْضِ الأمة، ونَعْتَقِدُ بأن الصَّحَابَة ردوا إلى التابعين؛ قال أنس: سلوا مَوْلانَا الحَسَن -يعني: البَصْرِيَّ- فإنه سَمِعَ كما سَمِعْنَا، وحفظ ونسينا، وسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ عن نَذْرِ ذَبْحِ الوَلَدِ، فأشار إلى مَسْرُوقٍ، فلما أتاه السَّائِلُ بجوابه، تَابَعَهُ. وإن نَشَأَ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ على الحُكْمِ، فيبنى على اشْتِرَاطِ انقراض العَصْرِ في صِحَّةِ

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الإِجماع، والصَّحِيحُ أنه لا يُعْتَبَرُ؛ لأن حُجَجَ الإِجْمَاعِ نَاهِضَةٌ بدونه؛ لتحقق مُسَمَّاهُ، ولو في لَحظَةٍ، وقال أحمد، وابن فورك: يشترط. وَفَصلَ قَوْمٌ بين الإِجْمَاعِ السُّكُوتي وغيره. وقال الإمام: يشترط إن كان عن قِيَاسٍ، حتى لو انْقَرضُوا عَقِيبَ إجماعهم لم يكن حُجَّة، واحتجاح المانع بأنه لو شرط لم يَحْصُل إجماع؛ لتَلاحُقِ البَعْضِ بالبَعْضِ- ضعيف؛ فإن الشَّرْطَ انقِرَاضُ عَصْرِ المجمعين. واحتج الشَّارِطُونَ بأنه لو لم يُعْتَبَر لامتنع على المُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ عند تَغَيُّرِ اجتهاده بظُهُورِ الخَطَإِ. وأجيب بالتزامه؛ لِقِيَامِ الإِجْمَاعِ. قالوا: لَو لَمْ يُعْتَبَرْ لم يُعْتَبَر مُخَالفَةُ من مات وقد خالف في المَسْأَلَةِ؛ لأن من بقي كُلُّ الأُمَّةِ. وأجيب بأنهم لَيسُوا كُلَّ الأُمَّةِ بالنسبة إلى المَسألةِ، والقول لا يَمُوتُ بِمَوتِ قَائِلِهِ. وقيل: بالتزامه. قالوا: الآثَارُ تَدُلُّ على ذلك. قال عَبيدةُ السَّلْمَانِيُّ لعلي لما رأى بَيعَ أُمِّ الوَلَدِ بعد أن وَافَقَ: رَأيُكَ مع الجَمَاعَةِ أَحَبُّ الينا، وخالف عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ في التسوية في العَطَاءِ، وحَدَّ في الخَمْرِ ثَمَانِينَ، وكان أَرْبَعِينَ.

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأُجِيبَ بِمَنْعِ تَحَقُّقِ الاتفاق من جميع مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ في المسائل كلها. الثاني عشر: إجماع الأمم السَّالِفَةِ هل يكون حُجَّةً في الأديان السالِفَةِ؟ : من رأى التمسُّكَ بالدليل العادي لَزِمَهُ، ومَنْ تَمَسَّكَ بالنُّصُوصِ، فيلزمه الوَقْفُ إلى أن يتحقق النقلُ. الثالث عشر: قال قَومٌ: لا يجري الإِجْمَاعُ في الآرَاءِ وَالحُرُوبِ. وتال قوم: يَجْرِي بَعْدَ استِقْرَارِ الرَّأي. وقيل: مُطلَقًا؛ لأن الأَدِلَّةَ شَامِلَةٌ. الرابع عشر: لا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بالإِجْمَاعِ فيما تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عليه؛ كَوُجُودِ البَارِي سُبْحَانَهُ، وصِحَّةِ الرسَالةِ، ودلالة المُعْجِزَةِ. وما لا يَتَوَقَّفُ عليه إن كَانَ دِينِيًّا، صَحَّ بالاتفاق، وإن كان عَقْلِيًّا؛ كخلق الأَعْمَالِ، وجَوَازِ الرؤية، والقَضَاءِ والقدر، فيصح أَخذُهُ من النَّصِّ. وهل يَصِحُّ أَخذُهُ من الإجماع؟ اختلف فيه: مَنَعَهُ الإِمَامُ، وخالفه الغزالي.

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومما يذكر أن ظن بعض الضُّعَفَاءِ أن قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بأن دِيَةَ الذِّمِّيِّ ثُلُثُ دِيَةِ المُسْلِمِ؛ أَخذًا بِالأَقَلِّ المتَيَقن- إِجْمَاعٌ مع قَوْلِ عمر ﵁: إنها كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وقول غيره: النِّصْفُ ليس بصواب؛ فإن الإجْمَاعَ على أنه وَاجِبٌ، لا على أنه كل الوَاجِبِ، وإنما اعتمد الشَّافِعِيُّ في نفي لزيادة على البَرَاءَةِ الأصلية، وضعف أدلة الزائد. المسألة الثانية: [قوله]: "قال الشيعة: دَلَّ الدليل على أنه لا بد في كل زمن من أزمنة التكليف من إمام معصوم" وعنوا بالدليل أَنَّ نصب الإِمَامِ المَعْصُومِ لُطْفٌ؛ لأنه يوضح لهم الدَّلائِلَ، ويدفع عنهم الشُّبَهَ، ويحثُّهُمْ على الوَاجِبَاتِ، وَيزجُرُهُمْ عن المُحَرَّمَاتِ، وإذا كان كَذَلِك كان حَالُهُمْ إلى الصَّلاحَ أَقْرَبَ، وهو معنى اللُّطْفِ، وخَلْقُ اللُّطْفِ من الله -تعالى- وَاجِبٌ؛ لأنه حَكِيمٌ، فلو جَازَ تَرْكُهُ، لجاز منه فِعْلُ المَفْسَدَةِ، والثاني مُحَالٌ، فالمُقَدَّمُ مثله، وأَمَّا وُجُوبُ عِضمتِهِ؛ فلأنه لو لم يَكُنْ كَذلِكَ، لم يأمن من الخَطَأ، وإلا لما افتقر الخلق إليه؛ ليؤمنهم من الخطأ فلو كان هو كَذَلِك، لافتَقَرَ إلى إِمَامٍ؛ ويتسلسل.

стр. 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قوله "فإذا أَجْمَعَت الأُمَّةُ دَلَّ حُصُولُ الإِجْمَاعِ على حُصُولِ قَوْلِ ذلك الإِمَامِ المَعْصُومِ، وقوله حُجَّة، فيكون الإِجْمَاعُ حُجَّةً بهذا الاعتبار". يعني: لتضمنه قَوْلَ الإمام الوَاجِبِ الاتِّبَاعِ. قوله: "فَيُقَالُ لهم: أما دَلِيلُكُم في إِثْبَاتِ الإِمَامِ المَعْصُومِ، فقد سَبَقَ الكَلامُ فيه في عِلْمِ الكَلَامِ": يعني: أن مُستَنَدَهُم ما ذكرناه آنِفًا، وقد اعترض عليه بِوُجُوهٍ جَدَلِيَّةِ؛ بناء على تَسْلِيمِ ما بَنَوْا عليه اسْتِدْلالهمْ من التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيح العَقْلِيِّ، ووجوب الصَّلاحِ والأصلح على اللهِ تعالى، وأَقرَبُ ما يبطل به على أصلهم أَنَّ كُلَّ ما يُوجِبُونَ به وُجُوبَ عِصْمةِ الإمام الأَعْظَمِ يلزمهم في نُوَّابهِ، وَوُلاتِهِ، وقُضَاتِهِ، ودُعَاتِهِ، لا سيما مع بعد الخطة، وتعذر المراجعة في وَقَائِعَ لا تقبل التَّأخَير، ولم يُوجِبُوهَا لهم. ثم إن المَصْلَحَةَ الحَاصِلَةَ به إنما تثبت رعايتها لو كان ظاهرًا قَاهِرًا، وليس الأَمْرُ كذلك. قال المُصَنِّف: "سلمنا ثُبُوتَهُ، لكن لم لا يَجُوزُ أن يُقَال: إن ذلك الإمَامَ قد أَفْتَى بِالبَاطِلِ على سبيل التَّقِيَّةِ والخوف، وعندكم أن ذلك جَائِزٌ منه؟ " وهذا واضح. والتحقيق أن هذه المَسْأَلَةَ مَبْنِيَّة على التَّحْسِينِ والتقبيح العَقْلِيِّ، ووجوب الصَّلَاحِ والأَصْلَحِ على اللهِ -تعالى- المُرَتَّب على ذلك، وهذه قَاعِدَةٌ بَاطِلَةٌ على أصلنا، إلا أن الفَخْرَ اعتمد في إبطالها على طَرِيقٍ ضَعِيفٍ، وهو نَفْيُ الاخْتِيَارِ في أَفْعَالِ العِبَادِ، وزعم أن جُمْلَةَ أَفْعَالِهِمْ إما ضَرُورِيَّةٌ، أو اتِّفَاقِيَّةٌ، وأيًّا ما كَانَ يَلْزَمُ منه نَفيُ الاختيار، ومتى كانت كذلك لَزِمَ نَفْيُ التحسين والتقبيح العَقْلِيِّ؛ قال إذ لا قائل بالتحسين والتقبيح العَقْلِيِّ مع نَفْيِ الاختيار. وأقرب ما يردُّ به عليه: أنه يَلْزَمُ منه نفي التَّحْسِينِ التقبيحَ الشرعي أيضًا؛ إذ لا قَائِلَ به مع نَفْيِ الاختيار، ثم ما ذكره خلاف إجماع الأَشعَرِيَّة والمعتزلة؛ فإنهم مُتَّفِقُونَ على انْقِسَامِ أَفْعَالِ العِبَادِ إلى اخْتِيَارِيَّةٍ واضطرارية، وإن اخْتَلَفُوا في تَفْسِير الاخْتِيَارِ، ومعنى الكَسْب؛ فإنهم يفرقون

стр. 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بالضَّرُورَةِ بين حَرَكَةِ المرتعش المشحوب، وبين من يوقع حركته على حَسَبِ دَوَاعِيهِ واعتماده في سَلْبِ الاختيار على أن القَادِرَ إن لم يَصِح منه التَّرْكُ، لَزِمَ الجَبْرُ، وإن صَحَّ، فإن تَرَجَّحَ الفِعْلُ على التَّرْكِ من غير ضَمِيمَةٍ، كان اتفاقيًّا، وإن افتقر إلى ضَمِيمَةٍ، فإن كانت من العَبْدِ لزم التَّسَلْسُلُ، وإن كانت من الله -تعالى- لَزِمَ الاضْطِرَارُ. يرد عليه أن خَلْقَ الله -تعالى- له الدَّاعِي الَّذِي يَتَرَتَّبُ عليه قَصْدُهُ لا يمنع من نِسْبَةِ الفِعْلِ إلى قَادِريَّتِهِ، ولزوم الفِعْلِ عند وُجُودِ نسبته لا يخرِجُهُ عن كونه مَفْعُولًا للقادر عليه والمريد تركه، وإلا لَزِمَ سَلْبُ الاخْتِيارِ عن أَفْعَالِ الله -تعالى- فإن ما تَعَلَّقَ عِلْمُهُ وإِرَادَتُهُ وقدرته بوُقُوعِهِ، فهو واقع لا مَحَالة، ولم يُخرِجْهُ لُزُومُ وقوعه عن كَوْنِهِ فعلًا اختياريًّا لله تعالى.

стр. 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والأولى أن نحرر محلَّ النِّزَاع قبل ذِكرِ طرق الأَصْحَابِ، فنقول: الحُسنُ والقُبْحُ يُطْلَقُ باعتبارات ثلاثة: الأول: الحُسْن عِبَارَةٌ عن الملاءمة، والقُبْحُ عبارة عن المُنَافَرَة، وهما بهذا التفسير عُرْفِيَّانِ يَخْتَلِفَانِ باختلاف الأُمَم والأَعْصَارِ، وهذا لا نِزَاعَ فيه، وإن كانت هذه القَضِيَّةُ هي مَنْشَأَ الغَلَطِ، فإن المعتزلة والبَرَاهِمَةَ اعتقدوها عقلية مُطَّرِدَةً. الثاني: أن يراد بالحُسْنِ ما هو صِفَةُ كَمَالٍ، وبالقبح ما هو صِفَةُ نقص كقولهم: العلم حَسَنٌ بنوعه؛ والجهل قُبْحٌ بنوعه، وهذا أيضًا لا نزاع في أنه عَقْلِيٌّ. الثالث: أن يُرَادَ به كَوْنُ الفِعْلِ بحالٍ يُمْدَحُ فَاعِلُهُ شَرْعًا، ويذم تاركه عَاجِلًا، ويُثَابُ عليه ويعاقب آجِلًا، وهذا محل النَّزاعِ، وللقاضي فيه عبارتان: إحداهما: قال: الحُسْنُ ما لفاعله أن يَفْعَلَهُ، فَيَنْدَرجُ فيه فعل الله -تعالى- والوَاجِبُ، والمندوب، والمباح، إلا أنه يَدْخُلُ فيه فِعْلُ البَهِيمَةِ، والذاهل. وقد حَرَّرَهُ بعضهم فقال: ما للقادر عليه العَالِمِ بِحَالِهِ أن يَفْعَلَهُ. العبارة الثانية: الحُسْن ما وَرَدَ الشَّرْعُ بالثَّنَاءِ على فَاعِلِهِ، فيندرج فيه فِعلُ الله تعالى، والواجب، والمندوب، ويخرج منه المُبَاحُ، وزعمت المُعْتَزِلَةُ الكرَّامِيَّة أن الحُسْنَ والقُبْحَ يرجعان إلى صِفَات في الأفعال. وقيل: صِفَةٌ نَفسِيَّةٌ، وصفة النفس عندهم ما ثبت للشَّيءِ وُجُودًا وعدمًا؛ بناء على تثبيت المعدوم.

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقيل: الحُسْنُ والقُبْحُ صِفَتَانِ تابعتان للحدوث. وقيل: وُجُوهٌ واعتبارات. وقيل: صِفَةٌ في القبح دون الحُسْنِ. ثم قسموا الأَفْعَال إلى ما تستقل العُقُولُ بِدَرْكِ الحُسْنِ والقُبْحِ فيها، وإلى ما لا تَسْتَقِلُّ إلا بتبينه من الشَّرعِ: وما تستقل به العُقُولُ قِسْمَانِ: ضروري، ونَظَرِيُّ. فالضروري كَحُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ، وقبح الكَذِبِ الضَّارِّ. والنظري: كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع. وما لا يستقل العَقْلُ بِدَرْكِهِ كَحُسْنِ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ من رَمَضَانَ، وقبح صَوْمِ أَولِ يَوْمٍ من شوال، والشارع عندهم مُخبِرٌ عن حَالِ المحلِّ، لا أنه مُنْشِئٌ فيه حُكمًا، ويعتبر على أُصُولِهِم جوَاز النسْخِ. وقد اعتمد الأَصْحَابُ في الرَّدِّ عليهم على أربعة مَسَالِكَ: الأول: المُنَاقَضَةُ العَادِيَّةُ. الثاني: المُنَاقَضَةُ الذِّهَنيَّةُ. الثالث: المناقضة العَقْلِيَّةُ. الرابع: البُرْهَانُ القَاطِعُ. أما المُنَاقَضَةُ العادية: فقالوا: ادَّعَيتُمْ أن بَعْضَ الأفعال يُدْرَكُ حُسنُهَا وقُبحُهَا بضرورة العَقلِ، وحكم العِلم الضروري ألَّا يختلف فيه العُقَلاءُ عَادَةً، ونحن جَمْعٌ كثير نُخَالِفُكُمْ، وإذا بَطَل الضَّرُوريُّ بَطَلَ النَّظَرِيُّ المُرَتَّبُ عليه، فإن نسبونا إلى العِنَادِ عَكَسْنَا عليهم دَعْوَاهُمْ، ثم العناد إنما يُتَصَوَّرُ عَادَةً من شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ مع رُجُوعِهِمْ عن قَرِيبٍ، وقد تَوَالتْ علينا العُصُورُ ونحن مُصرُّونَ على ذلك. فإن قَالُوا: نحن مُتَّفِقُونَ على التَّحْسِينِ والتَّقبِيحِ؛ فإنا نُحَسِّنُ كل ما تُحَسِّنُونَهُ، ونُقَبِّحُ كُل ما تُقَبِّحُونَهُ، وإنما اختلفنا في المَدْرك، والعَادَةُ لا تحيل الاخْتِلافَ في مِثْلِهِ؛ كاتفاق العُقَلاءِ غير الشُّذُوذِ على أن خَبَرَ التَّوَاتُرِ يُفِيدُ العِلْمَ مع اختِلافِهِمْ في كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا، أو نظريًّا؛ وذلك لا يَقْدَحُ في إِفَادَتِهِ العِلْمَ. قلنا: من أَصْلِنَا أنه يَحْسُنُ من الله -تعالى- إِيلام البَرَايَا من غير جَرِيمَةٍ سابقة، أو التزام عِوَضٍ لَاحق، وأنتم لا تُحَسِّنُونَ ذلك، لانا لم نَتَّفِق لا في اللَّفْظِ، ولا في المعنى؛ فإن معنى الحُسْنِ عندنا يَرْجِعُ إلى تَعَلُّقِ خِطَابِ الشَّرْعِ، وهو إِضَافَةٌ، والقول لا يُكسِبُ الفِعْلَ صِفَةً، وإلا لم يَتَعَلَّق بالمَعْدُومِ. ومعنى ذلك عندكم يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ في المحل، ونحن نَافُونَ لها في صورة فقط. وَأَمَّا المُنَاقَضَةُ الذِّهَنيَّةُ: فإنهم حَسَّنُوا الأمَ إذا اشتمل على مَصْلَحَة رَاجِحَةٍ، ولم يحسنوا الكَذِبَ وإن اشتمل على نَجَاةِ نَبِيٍّ، فالتزم أبو هاشم طَرْدَهُ، وقال: أُحَسِّنُهُ، فقيل له: من أَصْلكَ

стр. 443

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا قَال بَعضُ أَهْلِ الْعَصْرِ قَوْلًا، وَسَكَتَ الْبَاقُونَ عَنِ الإِنْكَارِ: فَمَذهَبُ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَنَّهُ لَيسَ بِحُجَّةٍ؛ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَال الْبَاقُونَ: إِنَّهُ حُجَّةٌ. لَنَا: أَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخْرَى سِوَى الرِّضَا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ سَكَتَ لِلتَّقِيَّةِ. === أَن كُلَّ حُسْنٍ يَصِحُّ من الله -تعالى- فِعْلُهُ، والمتكلم عِنْدَكَ من قبل الكلام، فيكون البَارِي -تعالى- مُتَكلِّمًا به قبله، ولم يحر جوابًا. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأنه لا يَلْزَمُ بالنِّسبَةِ إلى الله -تعالى- فإن له غُنْيَةً عنه، فإنه قَادِرٌ على مَنْعِهِ منه. وأما المُنَاقَضَةُ العقلية: فهو أن القتل قصاصًا كالقتل ابتداء في الصورة والصِّفَاتِ؛ بدليل أن الغَافِلَ عن المستند فيهما لا يُفَرِّق بينهما، وقد حكمتم بِقُبحِ أَحَدِهِمَا وَحُسنِ الآخر، وحكم المثلين وُجُوبُ اشْتِرَاكِهِما فيما يَجِبُ، ويجوز، ويمتنع. وأما البُرْهَانُ القَاطِعُ: فهو أن الحُكمَ بذلك حُكمٌ بالعقل بوقوع جَائز، وهو غَيبٌ عنَّا، والعقل لا جَرَيَانَ له في ذلك، بل حَظُّ العَقلِ في الجَائِزِ الحُكْمُ بجوازه، أما وُقُوعُهُ فلا يُعْرَفُ إلا بِحِسٍّ، أو وجْدَانٍ، أو عادة، أو إخبار صَادِقٍ، وإذا بَطَلَتْ قَاعِدَةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ العَقْليّ- بَطَلَ ما بَنَوْهُ من الإِيجَابِ العَقْلِيِّ، والصلاح والأصلح. وإنما ذكرنا هذه النبذة ها هنا؛ لأن هذِهِ القَاعِدَةَ ينبني عليها كَثِيرٌ من مَسَائِلِ الأصول عند الخُصُومِ، ولم يذكرها في هذا المُخْتَصَرِ، اكتفاء منه بِذِكرِهِا في "معالم أصول الدين" على وَجْهِ يكتفي به المحصل، والله أعلم. المسألة الثالثة: [قوله]: "إِذَا قَال بَعْضُ أَهْلِ العَصْرِ قَوْلًا، وسَكَتَ البَاقُونَ عن الإِنْكَارِ- فَمَذْهَبُ الشَّافِعيِّ أنه لَيسَ بِحُجَّةٍ، وهو المُخْتَارُ". اعْلَم أن لنا صُوَرًا ثَلَاثَةً:

стр. 444

ثَانِيهَا: أَنَّهُ حَضَرَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِإِظْهَارِ الإِنْكَارِ. ثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيرَهُ أَظْهَرَ ذلِكَ الإِنْكَارَ؛ فَسَقَطَ ذلِكَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ؛ لأَنَّ إِظْهَارَ الإِنْكَارِ عَلَى الْبَاطِلِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَإِذَا أَتَى بِهِ وَاحِدٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ. رَابِعُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؛ فَيَجُوزُ لِذلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيهِ === الأُولَى: أن يُفْتِيَ بَعضُهُمْ، ولا ينتشر لأَهْلِ عصره، ولكنه لا يُعْرَفُ له مُخَالِفٌ، فالأكثَرُونَ على أنه لَيسَ بإِجْمَاعٍ، ولا حُجَّةٍ؛ لأنه يَجُوزَ أن لا قَوْلَ لغيره فيها؛ لِعَدَم ظُهُورِهَا، أو له قَوْلٌ مُخَالِفٌ. الصورة الثانية: أن يَنْتَشِرَ ذلك القَولُ، وَيشْتَهِرَ، ويتكرر، وتَتَوَالى عليه الأَزْمِنَةُ من غَيرِ إِنْكَارٍ؛ كعمل الصَّحَابَةِ بأخبار الآحَادِ والقياس، فهذا حُجَّةٌ وإجماع، فإن العَادَةَ -والحَالةُ هذه- تُحيلُ السُّكُوتَ إلا عن مُوَافَقَةٍ، وجميع ما ذكر من الاحتمالات لا يبقى مع التَّكْرَارِ وتَوَالِي الأَزمِنَةِ. الثالثة: صورة مَسْأَلَةِ الكتاب، وهو إذا أَفْتَى بَعْضٌ، أو عمل وعرفوا ذلك، وسَكَتُوا، ولم ينكروا، ولم يَتَكَرَّرْ- فَمَذهَبُ الشافعي: أنه ليس بإجماع، ولا حجة. وقال أحمدُ وأكثر الحنفية وبعضُ أصحاب الشافعي: إنه إجماع وحجة. وقال الجبائي: إنه إجماع بشرط انْقِرَاضِ العَصْرِ. وقال أبو هَاشِمٍ: إنه حُجَّةٌ، وليس بإجْمَاع. وقال ابن أبي هريرة: إنه إِجْمَاعٌ في الفَتْوَى دُونَ الحُكْمِ. حجة أحمد وأكثر الحَنَفِيَّةِ: أن ظَاهِرَ السُّكُوتِ يَدُلُّ على المُوَافَقَةِ، والغالب من حَالِ الصَّحَابَةِ أنهم لا يَسْكُتُونَ مع المُخَالفَةِ؛ كقول عَلِيٍّ لعمر لَمَّا رأى جَلْدَ أبي بكرة: إِنْ جَلَدتَّهُ

стр. 445

اجْتِهَادُهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمِصيبَ وَاحِدٌ، لَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ، فَيُعفَى عَنْهُ. خَامِسُهَا: أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ الرَّجُلُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ، فَلَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ حَقًّا أَوْ بَاطِلا؛ فَلَا جَرَمَ: كَانَ فَرْضُهُ السُّكُوتَ. فَعُلِمَ أَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخْرَى سِوَى الْمُوَافَقَةِ، وَهذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: لَا يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. === فَارْحَمْ صَاحِبَكَ، وقول مُعَاذٍ لما هَمَّ عُمَرَ بِجَلْدِ الْحَامِلِ: مَا جَعَلَ الله لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا، فقال: لَوْلَا مُعَاذٌ لهلك عُمَرُ، وقول امرأة له لما نهى عن المُغَالاةِ في المُهُورِ: أيعطينا الله بقوله: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، ويمنعنا عمر؟ ! فقال: امْرَأَةٌ خَصَمَت عُمَرَ. وقول عَبِيدةَ السلماني لعلي لما قال: تجدد رأيي في بَيع أُمَّهَاتِ الأولاد-: رَأْيُكَ مع الجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَينَا من رأيك وَحْدَكَ: والجَوَابُ: أنا لا نُسَلِّمُ أن ظاهر سُكُوتِهِمْ المُوَافَقَةُ؛ لما سنذكره من الأَسْبَابِ المُتَعَدِّدَة للسكوت غَير المُوَافَقَةِ، ووقوع وَاحِدٍ من أشياء مُتَعَدُدَةٍ، أَقْرَبُ من وُقُوعِ وَاحِدٍ بعينه منها. وحجة الجبائي: أن الانقراض يؤكد احتمال الموافقة، وجوابه: منع ذلك مع عدم التكرار. وحجة من قال: هو حجة، وليس بإجماع أن الظاهر الموافقة، فيكون حُجَّةً: و[الجواب]: سلب القطع لما سنذكره من الاحتمالات. وحُجَّةُ ابْنِ أبي هُرَيرَةَ: أن العَادَةَ عَدَمُ الاعتراض على الحُكَّامِ دون المفتين، للزوم الطَّاعَةِ والاتِّبَاعِ: والجواب: مَنْعُ العَادَةِ قبل جَزْمِ الحُكْمِ. قوله: "لنا -يعني اختيار مَذهَبِ الشَّافِعيِّ- أَنَّ السُّكُوتَ يحتمل وُجُوهًا ... " إلى آخرها: واضحة، إلا أن الأَحْسَنَ في التَّرْتِيب أن يقدم احتمال مهلة النظر، ثم اعتقاد أن كُلَّ مجتهد مصيب، ثم اعْتِقاد أن غَيرَهُ أَظْهَرَ ذلك الإنكَار، فاكتفى به، ثم التَّقِيَّة.

стр. 446

ثُمَّ هَهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ: أنَّ الشَّافِعِيَّ عَوَّلَ فِي إِثْبَاتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْبَاقِينَ إِنْكَارٌ؛ فَكَانَ ذلِكَ إِجْمَاعًا؛ وَهذَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إِذَا اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ فِي مَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَينِ، كَانُوا مُطْبِقِينَ عَلَى أَن مَا يُغَايِرُهُمَا بَاطِلٌ؛ لَكِنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ يُغَايرُهُمَا؛ فَوَجَبَ كَوْنُهُ بَاطِلًا. === وأما إِلْزَامُ الشافعي المُنَاقَضَةَ: فإنه أثبت العمل بخبر الواحد، والقياس بمثل هذه الحُجَّةِ التي نَصَّ على إِبْطَالِهَا، وقال: لا ينسب إلى سَاكِتٍ قَوْلٌ - فغير لازِم؛ فإن السُّكُوتَ الذي تَمَسَّكَ به الشَّافِعِيُّ مع التكرار، ولم تَزَلِ الصَّحَابَةُ من حين وَفَاةِ رَسُولِ الله ﷺ يَحْتَجُّونَ بأخبار الآحَادِ، والأقيسة من غير نَكِيرٍ إلى حين انْقِرَاضِهِمْ، والعادة تَنْفِي جَمِيعَ ما ذكر من الاحْتِمَالاتِ سوى المُوَافَقَةِ والحالة هذه، والله أعلم. المسألة الرابعة: "إذا اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ في مَسْأَلَةٍ عَلى قَوْلَينِ، فقد كانوا مُطْبِقِينَ على أن ما يُغَايِرُهما بَاطِلٌ، لكن القَوْلَ الثَّالِثَ يغايرهما؛ فوجب أن يكون بَاطِلًا": المَذَاهِبُ في هذه المَسْأَلَةِ ثَلاثَةٌ: الأكثر من الأصوليين، والفقهاء: على أنه لا يَجُوزُ إِحْدَاثُ قول ثالث؛ قالوا: لأنهم أَجْمَعُوا على الحَصْرِ، فذهولهم عن الحق مع كَثْرَتِهِمْ على مَرِّ الأَيَّام مُحَالٌ؛ لأن فيه تَخْطِئَةَ كُلِّ فريق، وهو تخطِئَةٌ لكل الأُمَّةِ، ولأنه ذَهَبَ الجَمِيعُ عنه؛ فكان خطأ. وقال أَهْلُ الظَّاهِرِ: يجوز؛ لأنهم أَجْمَعُوا على تَسْويغِ الخِلافِ في المسألة، وفتحوا بابه. وفَصلَ آخَرُونَ، وقالوا: إن كان القَوْلُ الثالث يَرْفَعُ ما اتُّفِقَ عليه، لم يجز، وإن لم يَرْفَعْ، جاز: مثال الأول: مصير بعض الصَّحَابَةِ إلى أن الجَدَّ مع الإِخْوَةِ يَرِثُ المَال كله، وقول

стр. 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بعضهم: يقاسمهم. هذا إِجْمَاعٌ منهم على أَصْلِ استحقاق الجَدِّ، فالقَوْل بأن الأَخَ يَأْخُذ المَال كله فيه حِرْمَانٌ للجد، وهو مُجْمع على بُطْلانِه. ومثال الثاني: قَوْلُ زَيدٍ، وبعض الصحابة في زوج وأَبَوينِ، وزوجة وأبوين: للأم ثُلُث ما يَبْقَى. وقول ابن عَبَّاس: للأم ثلث الأصل، فقول ابن سِيرِينَ من التابعين بِقَوْلِ، ابن عَبَّاسِ في زَوْجَةٍ وأبوين، وبقول غَيرِهِ في زَوْجٍ وأبوين- لا يكون رافِعًا، بل مُوَافِقًا لكل فَرِيقٍ في صورة. قال قوم: هذا التَّفْصِيلُ هو الصَّحِيحُ؛ لأن الأول خَالفَ إِجْمَاعًا، فلم يَسُغْ، والثاني لم يُخَالِفْ إجماعًا، فَسَاغَ. ومما يلتحق بهدا الأَصْلِ، وهو مما يَتَرَدَّدُ في أنه خَرْقُ الإجماع أَوْ لا - مسائل: الأولى: إذا تَمَسَّكَ أَهْلُ العَصْرِ الأَوَّلِ بدليل، أَوْ صَارُوا إلى تَأْويلٍ، فَصَارَ من بعدهم إلى دَلِيل، أو تَأْويل غَيرِهِ- فلا يَجُوزُ إِبْطَالُ الأَوَّلِ؛ لأنه مُجَمَعٌ عليه، وأما الثَّانِي فإن كان يرفع الأَوَّلَ لم يجز؛ كما لو حَمَلُوا لفظًا مشتركًا على غير ما حَمَلَهُ الأَوَّلُونَ. وإن لم يَرْفَعْ، فالأكْثَرُونَ على جَوَازِهِ؛ لأن النَّاس في كل عَصْرٍ يَسْتَخْرِجُونَ دَلائِلَ واعتراضات من غَيرِ نكير. واحتج المَانِعُ بأن ذلك غَيرُ سَبِيلِ المؤمنين، وبقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولو كان مَعْرُوفًا لأمروا به. وأُجِيبَ عن الأول: بأن سَبِيلَهُمْ ما نقل عنهم لا ما سَكَتوا عَنْهُ. وعن الثَّانِي: بأنه مُعَارَضٌ بقوله تَعَالى: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولو كان مُنْكَرًا لنهوا عنه. المسألة الثانية: الفَصْلُ بين مَسْأَلَتَينِ لم تَفْصِلِ الأُمَّةُ بينهما، إن عمَّهما حُكْمٌ وَاحِدٌ، أو

стр. 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مَأْخَذٌ واحد -لم يَجُزْ، وإلَّا جَازَ، مثال الأول: تَحْرِيمُ الجمهورِ، فتحليل البَعْضِ خرق للإجماع، وهذا واضح. ومثال الثاني: قول البعض مثلًا بِإِرْثِ إحداهما دون الأُخْرَى يَكُونُ خَرْقًا؛ لأنهم أَجْمَعُوا على التَّسْويَةِ بينهما في المَأْخَذِ، وإنما اخْتَلَفُوا في تعيين حكمهما. ومثال الثالث: قَوْلُ فَرِيقٍ: لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يَصِحُّ بيع الغائب، كالشافعية مثلًا، وقول فريق: يقتل به ويصح، كالحَنَفِيَّةِ مثلًا- فقول الثالث: يقتُل، ولا يصح، لا يَكُونُ

стр. 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === خَرْقًا، بل يكون مُوَافِقًا لكل فَرِيقٍ في مسألة؛ إذ لم يجمعهما حُكْمٌ ولا مأخذ واحد. المسألة الثالثة: إذا أَجْمَعَ العَصْرُ الأول على قَوْلَينِ، ثم أجمع العَصْرُ الثاني على أحدهما - فهل يحرم الخِلافُ بعده، والأخذ بالقَوْلِ الأَوَّلِ: قال قوم: لا يَجُوز؛ لأن الثَّانِي صَارَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ، ومنع بأنهم لَيسُوا كُلَّ المُؤْمِنِينَ بالنسبة إلى المَسْأَلَةِ، والقَوْلُ يَمُوتُ بِمَوْتِ قائله. وقال الشافعي، والقَاضِي: يجوز؛ لأن الأَوَّلِينَ أَجْمَعُوا على تَسويغِ الخِلافِ، أما أهل

стр. 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === العَصْرِ الأول إذا رَجَعُوا إلى أَحَدِ القولين، فإن كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الخِلافِ، كان حجة. وإن رَجَعْوا بعد اسْتِقْرَارِ الخِلافِ، فمن اعتبر انْقِرَاضَ العَصْرِ جَوَّزَ وُقُوعَهُ، وقال: هو حُجَّةٌ. ومن لم يَعْتَبِرْهُ فمنهم من مَنَعَ وْقُوعَهُ، والحق أنه بَعِيدٌ، إلَّا أن تكون الفرْقَةُ الراجعة قليلة؛ لأن الرجوع من الجَمْعِ الكثير إنما يكون لظهور خَبَرٍ قَاطِعٍ، أو قياس جلي، وفَرْضُ ذُهْولِ العَدَدِ الكثير عنه بَعِيدٌ في العادة، والمُجَوِّزُونَ لِتَصَوُّرِ وقوعه اختلفوا فيه. واحتج المَانِعُ بأنه يَلْزَمُ تَعَارُضُ الإجماعين، ويلزم الاتفاق على الخَطَأ. وأجيب: بأن الإجماع الأَوَّلَ مَشْرُوطٌ بعدم الوُقُوفِ على قَاطِعٍ، ولا يقال: فيلزم مثله في كل إِجْمَاع؛ لأن الإجماع القاطع منع منه. خاتمة: إِنْكَارُ الإجْمَاعِ الظَّنِّي لا يُوجِبُ التَّكفِيرَ، وأما القَطْعيُّ فَكَفَّرَ به بَعْضُهُمْ، والتحقيق أن المتفق على ما يُكَفَّر به ثلاثة أمور: الأول: ما يكون نَفْسُ اعْتِقَادِهِ كفرًا؛ كاعتقاد أن صَانِعَ العَالمِ عِلَّةٌ، أو طبيعة. الثاني: ما تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنه ما يَصْدُرُ إلا من كَافِرٍ؛ كإلقاء المُصْحَفِ في القَاذُورَاتِ. الثالث: إِنْكَارُ ما عُلِمَ كَوْنُهُ من الدِّينِ ضَرُورَة من غَيرِ عُذْرٍ؛ كإنكار من لَيسَ قَرِيبَ العَهْدِ بالإسلام- وُجُوبَ الصَّلاةِ، وإنكار الإِجْمَاعِ القاطع من هذَا القِسْمِ. أما التَّكْفِيرُ بالمآل فاختلف فيه: فَذَهَبَ الأَشْعَرِيَّة إليه، وخالفه غيرهم، وإلى هذا مَيلُ الشافعي؛ فإنه قَال بِقَبُولِ شَهَادَةِ المبتدعة، إلا الخطابية. وسئل مَالِكٌ عن القدري فقال مرة: كافر يُقتَلُ وقال مرة: يُضْرَبُ ويُحْبَسُ حتى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وفرق بين تكذيب الله -تعالى- والكذب عليه، والأَوَّلُ يكفر به بالاتفاق، والثاني مُخْتَلَفٌ فيه.

стр. 451

الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الأَخْبَارِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى قَال الأَكْثَرُونَ: الْخَبَرُ: مَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ [لذاته]. وَعِنْدِي هذَا بَاطِلٌ؛ === [قوله: "الباب الثامن في الأخبار] وفيه مَسَائِلُ: المَسأَلَةُ الأولى: قال الأَكْثَرُونَ: الخَبَرُ ما يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ والتَّكْذِيبَ لذاته": اعلم أن الخَبَرَ قسم من أَقْسَامِ الكلام، ويُطلَقُ على النَّفْسِيِّ، واللفظي؛ كلفظ الكلام، وَهَلْ هو حَقِيقَةٌ فيهما، أو [حقيقة] في النفسي، مَجَازٌ في اللفظي أو بالعكس؟ الخِلافُ فيه كالخِلافِ في الكَلامِ. ويُطلَقُ مجازًا على ما يُفِيدُ الإِعْلامَ من الدَّلائِلِ المعنوية، والإشارات الحالية؛ كقوله: تُخَبِّرُكَ العَينَانِ ما القَلْبُ كَاتِمُ وقول المتنبي: [من الطويل] وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ... تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَويَّةَ تَكْذِبُ وقوله: "قَال الأَكْثَرُونَ" إِشَارَةٌ إلى أن من النَّاسِ من حده بغير هذا.

стр. 452

لأَنَّ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ هُوَ الإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِهِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا؛ فَهذَا يَقْتَضِي تَعْرِيفَ الْخَبَرِ === قال القاضي، والمعتزلة، وجماعة: الخَبَرُ هو الكَلامُ الذي يَدْخُلُهُ الصَّدْقُ والكذب. ورُدَّ بأن خَبَرَ الله -تعالى- ورسله لا يَدْخُلُهُ الكَذِبُ، وبأن خبر من أخبر عن وُقُوعِ المُسْتَحِيلاتِ لا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ، وبأنه يستحيل اجتماعهما في خَبَرٍ وَاحِدٍ. وَأُجِيبَ عن الأَوَّلِ بأن المَحْدُودَ مُطْلَقُ الخَبَرِ، وامتناع الكَذِبِ في خَبَرِ الله -تعالى- وَرُسُلِهِ باعتبار أنه خَبَرٌ خَاصٌّ، وكذا امْتِنَاعُ الصِّدُقِ في خَبَرِ من أَخْبَرَ عن وُقُوعِ المُسْتَحِيلاتِ، وهذا حق. وأُجِيبَ عن الثَّانِي بأن بَعْضَ الخَبَرِ؛ يَدْخُلُهُ الصَّدْقُ، وبعضه يدخله الكَذِبُ، فعمَّ، وزَعَمُوا أنه جَوَابٌ عن الأول أيضًا، ولا يَصِحَّ بِوَجْهٍ؛ فإن شرط المميز أن يُوجَدَ في جَميع أَفْرَادِ المحدود فَصْلًا كان أو خَاصَّة، وقد جعل هذا الحَادُّ المميز دُخُولَ الصِّدْقِ وَالكَذِب، ولا يَجْتَمِعانِ في خَبَرٍ مَا. وأورد عليه أيضًا: أن قَوْلَ القَائِل: مُحَمَّدٌ ﷺ ومَسَيلَمَةُ صَادِقَانِ، وقول من لم يَصْدُقْ قط: خَبَرِي كله كَذِبٌ- لا يدخلها صِدْقٌ ولا كذب. وأُجِيبَ عن الأَوَّلِ بأنه في تَقْدِيرِ خَبَرَينِ: أحدهما صدق، والآخر كذب، أو بأن الخَبَرَ عن المَجْمُوعِ بالصِّدْقِ كذب، وعن الثاني أنهما يَدْخُلانِهِ باعتبارين، والحق: أنه كَاذِبٌ. فعدل بعضهم من أجل هذه الأسئلة عن هذا الحد وقال: هو الكلام الذي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ أو الكذب، فخرج عن هذين السؤالين الأولين، ويجيب عن الثَّانِي بما ذكر. ونوقش في استعماله لكلمة "أوْ" فإنَّها مُمْتَنِعَةُ الاسْتِعْمَالِ في الحُدُودِ الحقيقية، فإن الشَّيءَ الواحد لا يَقُومُ بمختلفين على البَدَلِ، مُسْتَقْبحَة في الرسمية؛ لظهورها في التَّرَدْدِ المُنَافِي لِمَقْصُودِ الحَدِّ من البَيَانِ، فعدل الأَكْثَرُونَ لأَجْلِ هذا عن هذا الحَدِّ أيضًا. وقالوا: الخَبَرُ ما يحتمل التَّصْدِيقَ والتكذيب، ويعم، فإن مَعْنَى التَّصْدِيقِ: نِسْبَةُ المتكلم

стр. 453

بِنَفْسِ الْخَبَرِ؛ وَإِنَّهُ بَاطِلٌ. وَأَيضًا: الصِّدْقُ خَبَرٌ مُطَابِقٌ، وَالْكَذِبُ خَبَرٌ مُخَالِفٌ؛ فَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُمَا إِلَّا بِالْخَبَرِ؛ فَلَوْ عَرَّفْنَا الْخَبَرَ بِهِمَا، لَزِمَ الدَّوْرُ. وَقَال الْمَنْطِقِيُّونَ: إِنَّهُ الْقَوْلُ الَّذِي يُوجِبُ شَيئًا لِشَيءِ، وَيَسْلُبُ شَيئًا عَنْ شَيء. وَهذَا أَيضا ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ السَّلْبَ وَالإِيجَابَ نَوْعَانِ لِلْخَبَرِ، وَالنَّوْعُ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إِلَّا بِالْجِنْسِ، فَلَوْ عَرَّفْنَا الْجِنْسَ بِالنَّوْعِ، لَزِمَ الدَّوْرُ. وَأَيضًا: إِسْنَادُ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ قَدْ يَكْونُ عَلَى سَبِيلِ الإِخْبَارِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْوَصْفِ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ فِي حَدِّ الْخَبَرِ وَجَبَ دُخُولُ الْوَصْفِ فِيهِ. === إلى الصِّدْقِ ولا يمتنع نِسْبَتُهُ إلى الصدق، وإن كان كاذبًا، ومعنى التَّكْذِيبِ: نِسْبَتُهُ إلى الكَذِبِ، ولا يمتنع نِسْبَتُهُ إليه، وإن كان صَادِقًا. قوله: "وهذا عِنْدِي بَاطِلٌ؛ لأن التَّصْدِيقِ والتكذيب هو الإِخْبَارُ عن كونه كَذِبًا أو صِدْقًا، فقد اقتضى تَعْرِيفَ الخَبَرِ بنفس الخَبَرِ، وأنه باطل، وأيضًا الصدق خَبَرٌ مُطَابِقٌ، والكذب خَبَرٌ مُخَالِفٌ، فالصدق والكذب لا يمكن تعريفهما [إلا] بالخَبَرِ، فلو عرفنا الخَبَرَ بهما، لَزِمَ الدَّوْرُ": ويرد عليه: أنا لا نُسَلِّمُ أن الصِّدْقَ هو الخبر المطابق بل مُطْلَقُ المطابقة؛ ولذلك يُوصَفُ به العَقْدُ والظن، فيقال: هذا عَقْدٌ صِدْقٌ، وهذا ظَنٌّ صِدْقٌ، وكذلك الكَذِبُ، وإذا لم يتوقف فهمهما على فَهمِ الخبر، فيصح أن يميزهما عن سَائِرِ أَقْسَامِ الكلام من الأَمْرِ، والنهي، والاستفهام، والتنبيه وغير ذلك. قوله: "وقال المَنْطِقِيُّونَ: هو القَوْلُ الذي يُوجِبُ شيئًا لشيء، أو يسلب شَيئًا عن شَيء". وقد زاد أبو الحُسَينِ فيه قَيدًا، فقال: الخَبَرُ كَلامٌ يفيد بِنَفْسِهِ إضافة أَمْرٍ إلى أَمْرٍ بنفي، أو إثبات، وإنما قَيَّدَهُ بنفسه؛ لأن الكلمة عنده كَلامٌ، فلو اقْتَصَرَ على قَوْلِهِ: إِنه كلامٌ يفيد إِضَافَةً على الوجه المذكور، للزمه أن يكون مثل: "قَائِم" خبرًا؛ لأنه كلام عنده، وقد أفاد نسبة القيام، إلا أنه لم يُوضَعْ لِلدَّلالةِ على النِّسْبَةِ، لكن لِذِي النِّسْبَةِ؛ فإشعاره بها بالتضمن لا بنفس الوَضْعِ. قوله: "وهذا أَيضًا ضَعِيفٌ؛ لأن السَّلْبَ والإيجَابَ نَوْعَانِ للخبر، والنوع لا يمكن تَعْرِيفُهُ إلا بِالجِنْسِ، فلو عرفنا الجِنْسَ بالنَّوْعِ، للزم الدَّوْرُ": ويقال له: لا نُسَلِّمُ أن السَّلْبَ والإِيجَابَ نَوْعَانِ للخبر، بل بهما يَتَنَوَّعُ الخَبَرُ، ومفهوم السَّلْبِ والإيجاب بَدهِيٌّ لا يَتَوَقَّفُ على فَهمِ الخَبَرِ؛ فصح أخذهما في تَعْرِيفِه. وَقَوْلُهُ: "وأيضًا إسناد أَمْرٍ إلى أَمْرٍ قد يَكُونُ على سَبِيلِ الإخبار، وقد يكون على سبيل الوَصْفِ" يعني: كقولك في حَدِ الإِنْسَانِ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، تال: فما ذكره في حَدِّ الخَبَرِ يُوجِبُ دخُولَ الوَصْفِ فيه. وإذا قيل: الخَبَرُ كَلامٌ وُضِعَ لإِفَادَةِ نسبة أَمْرٍ إلى أَمْرٍ بنفي أو إثبات، وفسر الكلام بالجُمْلَةِ المُفِيدَةِ، فلا يَرِدُ عليه الوَصْفُ؛ فإن الصِّفَةَ والمَوْصُوفَ في تقدير المفرد، وإنما ورد ما ذَكَرَهُ؛

стр. 454

وَالْمُختَارُ -عِنْدَنَا-: أَن تَصَوُّرَ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ تَصَوُّرٌ بَدَهِيٌّ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ كُلَّ مَا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ صِدْقٌ، كَقَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الاثْنَينِ، وَهذَا خَبَرٌ خَاصٌّ، وَتَصَوُّرُ الْخَبَرِ الْخَاصِّ مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرِ أَصْلِ الْخَبَرِ؛ فَلَمَّا كَانَ تَصَوُّرُ الْخَبَرِ بَدَهِيًّا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ أَصْلِ الْخَبَرِ بَدَهِيًّا. الْمَسْألَةُ الثَّانِيَةُ الْخَبَرُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ صِدْقًا، وَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ كَذِبًا، وَإمَّا أَنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ: أَمَّا الَّذِي يُعْلَمُ كَوْنُهُ صِدْقًا، فَهُوَ عَلَى قِسْمَينِ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا حُصُولُ الْمُخبَرِ عَنْهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذلِكَ عَلَى كَوْنِ الْخَبَرِ صِدْقًا، وَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا كَوْنُ الْخَبَرِ صِدْقًا، ثُمَّ === لأنه جعل جِنْسَ الخَبَرِ القَوْلَ، وهو أَعَمُّ من الكَلَامِ الاصْطِلَاحِيِّ. ومن قال فِي حده: هُوَ الكَلَامُ المَحْكُوم فيه بنسبة خَارِجِيَّةِ؛ ليخرج التعجب، والطَلب، والاستفهام، وسائر الإنشاءات- فلا بَأْسَ به، وقد احترز فيه عن السؤالين. قوله: "وَالمُختَارُ: أَنَّ تَصَوُّرَ مَاهِيَّةِ الخَبَرِ تَصَوُّرٌ بَدهِيٌّ، والدليل عليه: أن كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بالضرورة صِدْقَ قَوْلِنَا: الوَاحِدُ نِصْفُ الاثنين، وهذا خَبَرٌ خَاصٌّ، وتصور الخَبَرِ الخاص مَوْقُوفٌ على تَصَوُّرِ أَصْلِ الخَبَرِ، فلما كان تَصَوُّرُ الخَبَرِ الخَاصِّ بدهيًّا، وَجَبَ أن يكون تَصَوُّرُ أصل الخَبَرِ بدهيًّا": يقال له: لا يَلْزَمُ من الحُكْمِ على الشَّيءِ بأنه ثابت بالضَّرُورَةِ، تصور مَاهِيَّتِهِ بالضَّرُورَةِ؛ لما علم أن الحُكْمَ على الشَّيءِ إنما يَتَوقَّفُ على الشُّعُورِ به من وَجْهِ ما، وقد تَمَيَّزَ الشَّيءُ عن غيره بالأمُورِ الخارجية الخَاصَّةِ به؛ فإنا نَعْلَمُ بالضرورة وُجُودَ أَرْوَاحِنَا، وإن لم نتصور مَاهِيَّتِهَا، ونُوقِشَ فِي دَعْوَى الضَّرُورَةِ، والاستدلال عليها. وأُجِيبَ عنه بأن ذلِكَ للتَّمْثِيلِ، أو بأنه لا يَلْزَمُ من العِلْمِ بالشيء ضَرُورَةَ العِلْمُ بكيفيته ضرورةً، ثم ما ذكره لا يَمْنَعُ من الحَدِّ اللفظي، فلعله مُرَادُ الأَصْحَابِ. فإن قيل: قد قررتم أن الخَبَرَ قِسْمٌ من أقسام الكلام، وأنه مُبَايِنٌ للأَمْرِ، والنهي، وغيرهما، وجميع السُّنَّةِ تسمى أخبارًا وإن اشتملت على الأَوَامِرِ والنَّوَاهِي. قلنا: إِطْلَاقُ ذلك عليها لَا بِاعْتِبَارِ إِشْعَارِهَا، بل من وَجْهَينِ آخرين: أحدهما: أن الرَّسُولَ ﷺ أَخبَرَ عن اللهِ -تعالى- أنَّه أَمَرَ بها، أو نهى عنها، أو لأنه أخبر بها. الثاني: أن طَرِيقَ وُصُولِهَا إلينا بِإِخْبَارِ من سَمِعَهَا منه، ﷺ . قوله: "المسألة الثانية: الخَبَرُ إما أن يعلم كَوْنُهُ صِدْقًا، أو يعلم كَوْنُهُ كذِبًا، أو يتوقف فيه".

стр. 455

يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُقُوعِ الْمُخبَرِ عَنْهُ: أَمّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فَهُوَ مَا إِذَا عُلِمَ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ أَوْ بِالحِسِّ أَوْ بِالدَّلِيلِ- حُصُولُ شَيءٍ؛ فَإِذَا أُخبِرَ عَن حُصُولِهِ؛ فَحِينَئِذٍ يُعْلَمُ كَوْن ذلِكَ الْخَبَرِ صِدْقًا. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا إِذَا عُرِفَ -أَوَّلًا- كَوْنُ الْخَبَرِ صِدْقًا، ثُمَّ يُستَدَلُّ بِذلِكَ عَلَى حُصُولِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ-: فَهذَا عَلَى أَقسَامٍ: === يعني بالتوقف: عدم الجَزْمِ بأحدهما، وهذا القِسْمُ يَنْقَسِمُ أَيضًا إلى ثلاثة أَقسَامٍ: إلى ما يتَرَجَّحَ فيه احْتِمَالُ الصِّدْقِ؛ كخبر العدل، وإلى ما يترجح فيه احْتِمَالُ الكَذِبِ؛ كخبر من عُرِفَ بالكَذِبِ، وإلى ما لا يَتَرجَّحُ فيه أَحَدُهُمَا؛ كخبر المَجْهُولِ الحَالِ. قوله: "أما الَّذي يعلم كونه صِدْقًا، فهو على قِسْمَينِ؛ لأنه إما أن يعلم أولًا حصول المُخْبَرِ عنه، فَيَستَدِلُّ بذلك على كون الخَبَرِ صِدْقًا، وإما أن يُعْلَمَ أَوَّلًا كون الخَبَرِ صِدْقًا، ثم يَسْتَدِلُّ به على وُقُوعِ المُخبَرِ عنه": يعني: أنَّه يعلم صِدْقَ الخَبَرِ أَوْلًا؛ لعلمه بِصِدْقِ المخبر؛ فإن بين صدق الخبر وصادقية المخبر ملازمة من الطرفين؛ فيستدل بِثُبُوتِ أحدهما على ثبوت الآخَرِ وبنفيه على نفيه؛ فصدق المُخْبِرِ يَسْتَلْزِمُ صِدْقَ الخَبَرِ، وصدق الخبر يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ المُخْبَرِ عنه. قوله: "أَمَّا الأَوَّلُ فإنه إذا علم بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أو بالحِسِّ أو بالدَّلِيلِ، حُصُولُ شَيءٍ- فإذا أخبر عنه؛ فحينئذ يُعْلَمُ كَوْن ذلك الخَبَرِ صِدْقًا: مثال الأَوَّلِ: الإِخْبَارُ بأن النَّفْيَ والإثبات لا يَجْتَمِعَانِ، ولا يرتفعان. ومثال الثاني: الإخْبَارُ بأن السَّمَاءَ فوقنا والأَرض تَحْتَنَا، وَيَقْرُبُ من هذا النَّوْعِ الإِخْبَارُ عن الوجدانيات؛ كالإِخْبَارِ بأن الإِنْسَانَ يَلِدُ، وَيألَمُ، ويفرح، ويحزن. ومثال الثالث: الإِخْبَارُ بأن العَالمَ حَادِثٌ، وصانعه قديم. ومن أَنْوَاعِهِ أَيضًا الإِخْبَارُ بالعُلُومِ عَادَةً؛ كالإِخبار عن إِنْسَانٍ نشاهِدُهُ بأنه مَخلُوقٌ من أبوين، أو بأن الموتى الآن لم يُنْشَرُوا. قوله: "وأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي -وهو ما إذا عرف أولًا كون الخبر صِدْقًا، ثم يستدلُّ بذلك على حُصُولِ المخبر عنه- فهذا على أقسام: الأول: خبر الله -تعالى- فإنه يَجبُ أن يكون صِدْقًا: يعني: فِي سائر الأَدْيَانِ، وإن اختلفت مآخذهم. قوله: "لأن الكَذِبَ صِفَةُ نَقصٍ، وهو على الله -تعالى- مُحَالٌ. والعلم به ضروري":

стр. 456

الأَوَّلُ: خَبَرُ الله تَعَالى، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا؛ لأَنَّ الْكَذِبَ صِفَةُ نَقْصٍ، وَهُوَ عَلَى الله مُحَالٌ، وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ. وَأمَّا الْقَائِلُونَ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْكَذِبُ قبيحٌ لِذَاتِهِ؛ وَهُوَ كَوْنُهُ كَذِبًا. وَالله تَعَالى عَالِمٌ بِقُبْحِ الْقَبَائِحِ وَبِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ؛ وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ، امْتَنَعَ صُدُورُ الْقُبْحِ مِنْهُ. === يقال له: لا نسلم أنَّه يَلْزَمُ من مُجَرَّدِ العِلْم بأن الكَذِبَ صِفَةُ نقص، وأن النَّقْصَ مُحَالٌ على الله تعالى- وجوب اتِّصَافِهِ بالصدق ضرورة ما لمَ يُفِدْ أولًا مَعْنَى الكَلَامِ المُضَافِ إلى الله -تعالى- ويتبين صحة اتِّصَافِهِ به، ووجوبه له، وأنه لا وَاسِطَةَ بين الصِّدْقِ والكَذِبِ؛ وحينئذ يَلْزَمُ من امْتِنَاعِ اتِّصَافِهِ بالكذب- وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بالصِّدْقِ، وهذه المَطَالِبُ الأَرْبَعَةُ نظرية. أما الكَلَامُ المَوْصُوفُ بأنه وَاجِبُ الوجود:

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فالأَشَعَرِيَّةُ تفسره بالقول النَّفسِيِّ، وسائر الفِرَقِ تَمْنَعُ ثُبُوتَهُ غائبًا، وشاهدًا، والحشوية تُفَسِّرُهُ بحروف وأَصْوَاتٍ قديمة قائمة بذاته -تعالى- وبلسان القارئ ولهاته. والكرامية تقول: الكَلَامُ هو الحُرُوفُ والأَصْوَاتُ الحادثة، وهي قَائِمَةٌ بذاته ، ولا يَتَّصِفُ بها، وإنما يتصف بالقابلية، وهي القُدْرَةُ على القول. والمعتزلة فَسَّرَتْ كَلَامَهُ بحروف وأَصْوَاتٍ يخلقها فِي جَمَادٍ، والنَّظَّامُ

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === زعم أَنَّ الكَلَامَ أَجْسامٌ لطيفة تَتَشَكَّلُ فِي الهَوَاءِ، وتقرع الأسماع، والصَّابئة والفلاسفة مَنَعَتْ وَصْفَ وَاجِبِ الوجود بشيء من ذلك، وَزَعَمَت أن الكَلَامَ المَنْسُوبَ إليه كلَامٌ اعتباري، وهو ما يفهم من آثارِ الصُّنْعِ؛ كقوله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وهو مجاز؛ كقوله: [من الرجز]: امْتَلأَ الحَوْضُ وَقَال: قَطْنِي ... ..................... والجَاحِظُ يزعم أن بين الصِّدْقِ والكذب وَاسِطَةً، واحتج بقوله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]. ومع هذا الاخْتِلَافِ العَظِيم كيف يدعى اتِّصَافه بالصِّدْقِ ضرورة، بمجرد أن الكَذِبَ صِفَةُ نَقصٍ، وأن النَّقْصَ مُسْتَحِيلٌ عليه؟ ! فإن قيل: أخذنا هذه المَطَالب مسلمة من عِلْمِ الكَلَامِ وبنينا عليها وجوب اتصافه بالصدق ضرورة. فيقال: فهلا أخذ وجوب الصِّدْقِ لله -تعالى- مسلمًا من عِلْمِ الكلام أيضًا، فإنه من مَبَادِئ هذا العِلْمِ، ولا يبرهن عليه فيه؟ ! وقَد نقل عن الغزَّالي مَسْلَكَينِ وضعفهما: الأول: إخبار الرسول بامْتِنَاع الكذب على الله -تعالى- وضعَّفه بأن صِدْقَ الرَّسُولِ مَبْنِيٌّ على دلالة المُعْجِزَةِ، ودلالة المعجَزة مُتَوَقِّفَةٌ على إثْبَاتِ الصدق لله -تعالى- فإنها تنزل مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بالقول، فما لم يثبت الصِّدق لله -تعالى- لا يَدُلُّ على صِدْقِ الرَّسُولِ، فإثباته به دَوْرٌ. وقد أَجَابَ الأَصْحَابُ عنه بِجَوَابَينِ: أحدهما: أن المعجزة تَدُلُّ على الصِّدْقِ والتصديق معًا؛ فلا دَوْرَ. والثاني: أن دَلالةَ المُعْجِزَةِ على الرِّسَالةِ لا تَتَوقَّفُ على إثبات الكَلَامِ، والصدق لله تعالى. قال الإمام: فإن من ادَّعَى الرِّسَالةَ فِي مَلأٍ من مَلِكٍ، وادعى صحة رِسَالتِهِ بأن الملك يغير عادته المَأْلُوفَةَ، ويوافقه فيما ادعاه ... المثال المشهور، فطابقه -علم الحاضرون صدقه، وإن كان فيهم من ينفي كلام النفس. ثم ما ذكره من الدَّوْرِ لَازِمٌ له على المسلك الَّذي اختَارَهُ؛ فإن حَاصِلَ دَلِيلِهِ رَاجِعٌ إلى وُجُوب نَفْي النَّقَائِصِ عن الله -تعالى- واعتمد جمهور الأَصْحَاب فِي نَفْي النَّقَائِصِ عنه بالإجماع، فإن الفِرَقَ مُجْمِعَةٌ على وُجُوب اتْصَافِهِ -تعالى- بالكمال، واستحالة اتِّصَافِهِ بالنَّقْصِ، وإن اخْتَلَفوا فِي تعيين ما هو الكَمَالُ: فإذا كان معتمدهم

стр. 460

الثاني: خَبَرُ الرَّسُولِ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّهُ ادَّعى كَوْنَهُ صَادِقًا وَأَثْبَتَ بِالْمُعْجِزَةِ صِدْقَهُ فِي دَعْوَاهُ؛ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ صَادِقًا. === الإجْمَاعَ، ونُوزِعُوا فِي نَفْي النَّقِيصَةِ المُضَادَّةِ للكمال، فَأَثْبَتُوهَا بِالإِجْمَاع، والإجماع من الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وجميع الأدِلَّةِ السَّمْعية تُبْنَى على صِدْقِ الرسول، وصدق الرَسول مَبْنِيٌّ على دَلالةِ المُعْجِزَةِ-: لزمه الدَّوْرُ بعين ما ذكر المُخَلِّصِ لَهُ أن يستدل على نَفْيِ النَّقَائِصِ بالعَقْلِ، فإن البَارِئَ وَاجِبُ الوُجُودِ، وكل ناقص جائز محتاج. المَسْلَكُ الثَّانِي للغزالي: أن كَلَامَ الله -تعالى- قَائِمٌ بذَاتِهِ، والكلام النَّفْسِيُّ يَسْتَحِيلُ عليه الكَذِبُ فِي حَقِّ من يمتنع عليه الجَهْلُ. واعترض عليه بِمَنْعِ المُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، فقال: لا أُسَلِّمُ أن الكَذِبَ على الكَلَامِ النَّفْسِيِّ فِي حق من يَمْتَنِعُ عليه الجَهْلُ مُحَالٌ؛ فإن ذلك ليس بَدهِيًّا. وهذه الحُجَّةُ أَشَارَ إليها الإمَامُ، وقررها بأن الله -تعالى- عَالِمٌ بثبوت أَشيَاءَ أو نفيها، وكل عالم ففي نفسه حَدِيث مطابق لِمَعْلُومِهِ بالضَّرُورَةِ، ولا معنى للخبر الصادق إلا ذلك. وإذا تَقَرَّرَ وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بالعلم القديم والصدق القديم، فالإخبار بالكَذِب إنما يُتَصَوَّرُ عن جهل بحال المُخْبَرِ عنه، أو بِفَرْضِ تَقْديرِ الحال بِخِلَافِ ما هو عَلَيهِ من العلمِ، وهو أيضًا جَهْلٌ؛ لعدم مُطَابَقَتِهِ للخارج؛ ولأن التَّقريرَ فعل المَقْدُورِ، ولا يكون إلا حَادِثًا، والبَارِئُ -تعالى- لا يوصف بِحَادِثٍ وفرض قيام الجَهْلِ به مُحَالٌ لوجهين: أحدهما: أنَّه نَقْصٌ. والثاني: أن قِيَامَهُ به إما مع اتِّصَافِهِ بالعلم، أو مع انْتِفَائِهِ، والأَوَّلُ جمع بين الضِّدَّينِ، والثاني يستلزم عَدَمَ القَدِيمِ؛ وكلاهما مُحَال. قوله: "وأما القَائِلُونَ بتحسين العَقْلِ وتقبيحه، فإنهم يقولون: الكَذِبُ يُقَبَّحُ لكونه كذبًا، والله -تعالى- عَالِمٌ بالقَبِيح مع كونه غَنِيًّا عنه، وكل من كان كذلك امْتَنَعَ صُدُورُ القُبْحِ منه" يعني: مع كونه حَكِيمًا. وما قالوه بِنَاء على مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الكَلَامَ من صفات الأَفْعَالِ، لا من صفات المعاني، وتقييده باسْتغنَائِهِ عَنْهُ احتراز من مثل كَذبَةٍ فيها نَجَاةُ نَبِيٍّ تَصْدُرُ من العَبْدِ؛ فإن أبا هَاشِم حَكَمَ بحسنها، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك من الله تعالى؛ لأنه لا يَتَعَيَّنُ طريقًا لِلنَّجَاةِ منه؛ فإنه قَادِرٌ على منعه منه، وقد أَلْزَمَهُمْ أَصْحَابُنَا على أصولهم أن الله -تعالى- إذا خَلَقَ على لسان متهم: سَرَقْتُ وَزَنَيتُ، وكان المتكلم مَن فعل الكلام، لا من قَامَ به - أن يَكُونَ الله- تعالى -هو المُتَّصِفَ بذلك، ونحن لا نَمْنَعُ أن يُطلَقَ على الله -تعالى- كونه مُتَكَلِّمًا بخلقه الكَلَامَ إذا وَرَدَ به سمع، ولكنا لا نَقُولُ: إنه يَعُودُ إليه من أفعاله صِفَات تَقُومُ به، وإنما تنسب إليه بالخلق، والاختراع، وإلا لزام أن يَكُونَ بِخَلْقِهِ الصَّوْتَ مصوتًا، وبخلقه الحركة مُتَحَرِّكًا؛ فالصدق إذن، فِي كلام الله -تعالى- النَّفْسِيِّ ثَابِتٌ؛ لمطابقته المَعْلُومَ على ما هو به، وفي الأَقوَالِ المَنْسُوبَةِ إليه الدَّلالةُ على كلامه النفسي؛ لمطابقتها الكَلَام المطابق للعلم. قوله: "الثَّاني: خَبَرُ الرَّسُولِ ﷺ ؛ وذلك أنَّه ادَّعَى كَوْنَهُ صَادِقًا، وأثبتت المعجزة صِدْقهُ فِي
следующие страницы →