Полный текст (746 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الأَوَّلُ: خَبَرُ الله تَعَالى، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا؛ لأَنَّ الْكَذِبَ صِفَةُ نَقْصٍ، وَهُوَ عَلَى الله مُحَالٌ، وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ.
وَأمَّا الْقَائِلُونَ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْكَذِبُ قبيحٌ لِذَاتِهِ؛ وَهُوَ كَوْنُهُ كَذِبًا. وَالله تَعَالى عَالِمٌ بِقُبْحِ الْقَبَائِحِ وَبِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ؛ وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ، امْتَنَعَ صُدُورُ الْقُبْحِ مِنْهُ.
===
يقال له: لا نسلم أنَّه يَلْزَمُ من مُجَرَّدِ العِلْم بأن الكَذِبَ صِفَةُ نقص، وأن النَّقْصَ مُحَالٌ على الله تعالى- وجوب اتِّصَافِهِ بالصدق ضرورة ما لمَ يُفِدْ أولًا مَعْنَى الكَلَامِ المُضَافِ إلى الله -تعالى- ويتبين صحة اتِّصَافِهِ به، ووجوبه له، وأنه لا وَاسِطَةَ بين الصِّدْقِ والكَذِبِ؛ وحينئذ يَلْزَمُ من امْتِنَاعِ اتِّصَافِهِ بالكذب- وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بالصِّدْقِ، وهذه المَطَالِبُ الأَرْبَعَةُ نظرية.
أما الكَلَامُ المَوْصُوفُ بأنه وَاجِبُ الوجود:
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالأَشَعَرِيَّةُ تفسره بالقول النَّفسِيِّ، وسائر الفِرَقِ تَمْنَعُ ثُبُوتَهُ غائبًا، وشاهدًا، والحشوية تُفَسِّرُهُ بحروف وأَصْوَاتٍ قديمة قائمة بذاته -تعالى- وبلسان القارئ ولهاته.
والكرامية تقول: الكَلَامُ هو الحُرُوفُ والأَصْوَاتُ الحادثة، وهي قَائِمَةٌ بذاته ، ولا يَتَّصِفُ بها، وإنما يتصف بالقابلية، وهي القُدْرَةُ على القول.
والمعتزلة فَسَّرَتْ كَلَامَهُ بحروف وأَصْوَاتٍ يخلقها فِي جَمَادٍ، والنَّظَّامُ
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
زعم أَنَّ الكَلَامَ أَجْسامٌ لطيفة تَتَشَكَّلُ فِي الهَوَاءِ، وتقرع الأسماع، والصَّابئة والفلاسفة مَنَعَتْ وَصْفَ وَاجِبِ الوجود بشيء من ذلك، وَزَعَمَت أن الكَلَامَ المَنْسُوبَ إليه كلَامٌ اعتباري، وهو ما يفهم من آثارِ الصُّنْعِ؛ كقوله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وهو مجاز؛ كقوله: [من الرجز]:
امْتَلأَ الحَوْضُ وَقَال: قَطْنِي ... .....................
والجَاحِظُ يزعم أن بين الصِّدْقِ والكذب وَاسِطَةً، واحتج بقوله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨].
ومع هذا الاخْتِلَافِ العَظِيم كيف يدعى اتِّصَافه بالصِّدْقِ ضرورة، بمجرد أن الكَذِبَ صِفَةُ نَقصٍ، وأن النَّقْصَ مُسْتَحِيلٌ عليه؟ !
فإن قيل: أخذنا هذه المَطَالب مسلمة من عِلْمِ الكَلَامِ وبنينا عليها وجوب اتصافه بالصدق ضرورة.
فيقال: فهلا أخذ وجوب الصِّدْقِ لله -تعالى- مسلمًا من عِلْمِ الكلام أيضًا، فإنه من مَبَادِئ هذا العِلْمِ، ولا يبرهن عليه فيه؟ !
وقَد نقل عن الغزَّالي مَسْلَكَينِ وضعفهما:
الأول: إخبار الرسول بامْتِنَاع الكذب على الله -تعالى- وضعَّفه بأن صِدْقَ الرَّسُولِ مَبْنِيٌّ على دلالة المُعْجِزَةِ، ودلالة المعجَزة مُتَوَقِّفَةٌ على إثْبَاتِ الصدق لله -تعالى- فإنها تنزل مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بالقول، فما لم يثبت الصِّدق لله -تعالى- لا يَدُلُّ على صِدْقِ الرَّسُولِ، فإثباته به دَوْرٌ.
وقد أَجَابَ الأَصْحَابُ عنه بِجَوَابَينِ:
أحدهما: أن المعجزة تَدُلُّ على الصِّدْقِ والتصديق معًا؛ فلا دَوْرَ.
والثاني: أن دَلالةَ المُعْجِزَةِ على الرِّسَالةِ لا تَتَوقَّفُ على إثبات الكَلَامِ، والصدق لله تعالى.
قال الإمام: فإن من ادَّعَى الرِّسَالةَ فِي مَلأٍ من مَلِكٍ، وادعى صحة رِسَالتِهِ بأن الملك يغير عادته المَأْلُوفَةَ، ويوافقه فيما ادعاه ... المثال المشهور، فطابقه -علم الحاضرون صدقه، وإن كان فيهم من ينفي كلام النفس. ثم ما ذكره من الدَّوْرِ لَازِمٌ له على المسلك الَّذي اختَارَهُ؛ فإن حَاصِلَ دَلِيلِهِ رَاجِعٌ إلى وُجُوب نَفْي النَّقَائِصِ عن الله -تعالى- واعتمد جمهور الأَصْحَاب فِي نَفْي النَّقَائِصِ عنه بالإجماع، فإن الفِرَقَ مُجْمِعَةٌ على وُجُوب اتْصَافِهِ -تعالى- بالكمال، واستحالة اتِّصَافِهِ بالنَّقْصِ، وإن اخْتَلَفوا فِي تعيين ما هو الكَمَالُ: فإذا كان معتمدهم
стр. 460
الثاني: خَبَرُ الرَّسُولِ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّهُ ادَّعى كَوْنَهُ صَادِقًا وَأَثْبَتَ بِالْمُعْجِزَةِ صِدْقَهُ فِي دَعْوَاهُ؛ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ صَادِقًا.
===
الإجْمَاعَ، ونُوزِعُوا فِي نَفْي النَّقِيصَةِ المُضَادَّةِ للكمال، فَأَثْبَتُوهَا بِالإِجْمَاع، والإجماع من الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وجميع الأدِلَّةِ السَّمْعية تُبْنَى على صِدْقِ الرسول، وصدق الرَسول مَبْنِيٌّ على دَلالةِ المُعْجِزَةِ-: لزمه الدَّوْرُ بعين ما ذكر المُخَلِّصِ لَهُ أن يستدل على نَفْيِ النَّقَائِصِ بالعَقْلِ، فإن البَارِئَ وَاجِبُ الوُجُودِ، وكل ناقص جائز محتاج.
المَسْلَكُ الثَّانِي للغزالي: أن كَلَامَ الله -تعالى- قَائِمٌ بذَاتِهِ، والكلام النَّفْسِيُّ يَسْتَحِيلُ عليه الكَذِبُ فِي حَقِّ من يمتنع عليه الجَهْلُ.
واعترض عليه بِمَنْعِ المُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، فقال: لا أُسَلِّمُ أن الكَذِبَ على الكَلَامِ النَّفْسِيِّ فِي حق من يَمْتَنِعُ عليه الجَهْلُ مُحَالٌ؛ فإن ذلك ليس بَدهِيًّا.
وهذه الحُجَّةُ أَشَارَ إليها الإمَامُ، وقررها بأن الله -تعالى- عَالِمٌ بثبوت أَشيَاءَ أو نفيها، وكل عالم ففي نفسه حَدِيث مطابق لِمَعْلُومِهِ بالضَّرُورَةِ، ولا معنى للخبر الصادق إلا ذلك.
وإذا تَقَرَّرَ وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بالعلم القديم والصدق القديم، فالإخبار بالكَذِب إنما يُتَصَوَّرُ عن جهل بحال المُخْبَرِ عنه، أو بِفَرْضِ تَقْديرِ الحال بِخِلَافِ ما هو عَلَيهِ من العلمِ، وهو أيضًا جَهْلٌ؛ لعدم مُطَابَقَتِهِ للخارج؛ ولأن التَّقريرَ فعل المَقْدُورِ، ولا يكون إلا حَادِثًا، والبَارِئُ -تعالى- لا يوصف بِحَادِثٍ وفرض قيام الجَهْلِ به مُحَالٌ لوجهين:
أحدهما: أنَّه نَقْصٌ.
والثاني: أن قِيَامَهُ به إما مع اتِّصَافِهِ بالعلم، أو مع انْتِفَائِهِ، والأَوَّلُ جمع بين الضِّدَّينِ، والثاني يستلزم عَدَمَ القَدِيمِ؛ وكلاهما مُحَال.
قوله: "وأما القَائِلُونَ بتحسين العَقْلِ وتقبيحه، فإنهم يقولون: الكَذِبُ يُقَبَّحُ لكونه كذبًا، والله -تعالى- عَالِمٌ بالقَبِيح مع كونه غَنِيًّا عنه، وكل من كان كذلك امْتَنَعَ صُدُورُ القُبْحِ منه" يعني: مع كونه حَكِيمًا.
وما قالوه بِنَاء على مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الكَلَامَ من صفات الأَفْعَالِ، لا من صفات المعاني، وتقييده باسْتغنَائِهِ عَنْهُ احتراز من مثل كَذبَةٍ فيها نَجَاةُ نَبِيٍّ تَصْدُرُ من العَبْدِ؛ فإن أبا هَاشِم حَكَمَ بحسنها، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك من الله تعالى؛ لأنه لا يَتَعَيَّنُ طريقًا لِلنَّجَاةِ منه؛ فإنه قَادِرٌ على منعه منه، وقد أَلْزَمَهُمْ أَصْحَابُنَا على أصولهم أن الله -تعالى- إذا خَلَقَ على لسان متهم: سَرَقْتُ وَزَنَيتُ، وكان المتكلم مَن فعل الكلام، لا من قَامَ به - أن يَكُونَ الله- تعالى -هو المُتَّصِفَ بذلك، ونحن لا نَمْنَعُ أن يُطلَقَ على الله -تعالى- كونه مُتَكَلِّمًا بخلقه الكَلَامَ إذا وَرَدَ به سمع، ولكنا لا نَقُولُ: إنه يَعُودُ إليه من أفعاله صِفَات تَقُومُ به، وإنما تنسب إليه بالخلق، والاختراع، وإلا لزام أن يَكُونَ بِخَلْقِهِ الصَّوْتَ مصوتًا، وبخلقه الحركة مُتَحَرِّكًا؛ فالصدق إذن، فِي كلام الله -تعالى- النَّفْسِيِّ ثَابِتٌ؛ لمطابقته المَعْلُومَ على ما هو به، وفي الأَقوَالِ المَنْسُوبَةِ إليه الدَّلالةُ على كلامه النفسي؛ لمطابقتها الكَلَام المطابق للعلم.
قوله: "الثَّاني: خَبَرُ الرَّسُولِ ﷺ ؛ وذلك أنَّه ادَّعَى كَوْنَهُ صَادِقًا، وأثبتت المعجزة صِدْقهُ فِي
стр. 461
فَإِنْ قَالُوا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ ادَّعَى كَوْنَهُ صَادِقًا فِي ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ، وَثَبَتَ بِالْمُعْجِزَةِ كَوْنُهُ صَادِقًا فِي هذِهِ الدَّعْوَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ صَادِقًا فِي هذِهِ الدَّعْوَى- كَوْنُهُ صَادِقًا فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى"؟ !
===
دَعْوَاهُ، فوجب القَوْلُ بكونه صَادِقًا":
أورد عليه إِشْكَالٌ، فقيل له: إذا كان من مَذهَبِكُمْ أن الله -تعالى- يُضِلُّ من يَشَاءُ، ولا يقبح منه شيء، ولا مَانِعَ من ظُهُورِ المُعْجِزَةِ على يد الكَاذِب؛ وحينئذ لا يَثبُتُ صِدْقُهُ.
وَأُجِيبَ عنه بِجَوَابَينِ بِنَاءً على الاخْتِلَافِ فِي وَجْهِ دلالة المعجزة أنها عَادِيَّةٌ، أو عَقلِيَّةٌ:
فمن قال: إِنها عادية -وهو اختيار الإمَامِ- قال: وإن جَوَّزنَا ذلك عَقْلًا، إلَّا أن ذلك لا يمنع جَزْمَنَا بدلالتها على الصِّدْقِ، بناء على استمَرار العَادِيَّاتِ؛ كما أنَّا وإنْ جوَّزنَا أن يقلب الله -تعالى- الجبل ذَهَبًا لا يمنع جَزْمَنَا بأنه الآن بَاقٍ على صِفَتِهِ، ولو وقع لانْسَلَّت العُلُومُ من الصدور.
وأما من قال: إِن دلالتها عَقْلِيَّةٌ -وهو اختيار الأستاذ أبي إِسْحَاقَ- فإنه يقول: إن تَخْصِيصَ هذا المدعي بِخَلْقِ الخارق على وفْقِ دَعْوَاهُ وتحديه- دليل على إرادة الله -تعالى- لتصديقه؛ لما دَلَّ تخصيص المُمْكِنَاتِ بوجوه صَحَّ فِي العَقْلِ وقوعها على خِلَافِهَا على أنَّهُ -تعالى- مُريدٌ لذلك.
فنقول فِي جَوَابِهِ: إنه لا يصِحُّ على هذَا التَّقْدِيرِ صُدُورُهَا على يَدِ كَاذِبٍ؛ لأن الدَّلِيلَ العَقلِيَّ يدل بذاته ونفسه، فلو وجد غير دَال لا نْقَلَبَ الدَّلِيلُ شُبْهَةً، وقلب الأجناس محال.
وأما أن اللهَ -تعالى- يُضِلُّ من يَشَاءُ- فنقول: يضل من يَشاء، ولكن لا بالدَّلِيلِ من الوَجْهِ الَّذي كان به دَلِيلًا.
قوله: "فإن قَالُوا: لم لا يَجُوزُ أن يُقَال: إنه ادعى كَوْنَهُ صَادِقًا فِي ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ، وثبت بالمعجزة كونه صَادِقًا فِي هذه الدعوى، ولا يلزم من كونه صادقًا فِي هذه الدعوى: كونه صادقًا فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى":
حاصل هذا الاعتراض القول بِمُوجَبِ الدَّلِيلِ بأنه يَقُولُ بأنكم ادعيتم وُجُوبَ صِدْقِهِ فِي كل ما يخبر به، ودليلكم لا يَدُلُّ إلا على صِدْقِهِ فِي الإخبار عن نُبُوَّتِهِ.
[قوله]: "قلنا: لا معنى للنبوة، إلا كونه مُبَلِّغًا لِلأَحْكَامِ عن الله -تعالى- فإذا جَوَّزنَا كذِبَهُ فِي شيء، فقد بَطَلَتِ النُّبُوَّةُ، وإن لم نُجَوِّز ذلك، فهو المَقْصُودُ فيه":
[هذا] استدراك؛ فإن معنى النُّبُوَّةِ اصْطِفَاؤُهُ بأن يُوحَى إِلَيهِ، فإن أمر بعد ذلك بِتَبْلِيغِ ما أوحى إليه كان رَسُولًا، فكل رسول نَبِيٌّ، وليس كل نبي رَسُولًا، ومراد المُصَنِّفِ بالنبوة
стр. 462
قُلنَا: لَا مَعْنَى لِلنُّبُوَّةِ إلا كَوْنُهُ مُبَلغًا للأَحْكَامِ عَنِ الله تَعَالى، فَإِذَا جَوَّزنَا كَذِبَهُ فِي شَيءٍ مِن هذَا، فَقَدْ بَطَلَتِ النُّبُوَّةُ، وإنْ لَمْ نُجَوِّز ذلِكَ فَهُوَ الْمَقْصُودُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مَجْمُوعَ الأُمَّةِ مَعْصُومُونَ عَنِ الْكَذِبِ- كَانَ قَوْلُهُم صِدْقًا.
الرَّابِعُ: كُلُّ مَنْ أَخبَرَ الله تَعَالى عَنْهُ أَوْ أَخبَرَ رَسُولُ الله ﵇ أَوْ دَلَّ الإجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ صَادِقًا- ثَبَتَ الْحُكمُ فِيهِ.
===
الرِّسَالةُ؛ فوقعت العِبَارَةُ مستدركةً. ثم التبليغ لا يَختَصُّ بالأَحْكَام كما ذكر؛ فإن الرُّسُلَ -صلوات الله عليهم- مُبَشِّرُونَ مُنْذِرُونَ، وكما اشْتَمَلَ القُرآنُ على الأحْكَامِ، اشتمل على المَوَاعِظِ، والحكم، والأَمْثَالِ، والوَعْدِ، والوعيد، والإِنْبَاءِ عن قَصَصِ الأَوَّلين، والإخبار عما سَيَكُونُ.
وبالجملة: فإن المُعْجِزَةَ تَدُلُّ على الوَجْهِ الَّذي تحدى به؛ فإن ادعى النبوة فقط، وأقام المُعْجِزَةَ عليها، فلا بد من دَلِيلٍ زائد على عِصْمَتِهِ فيما يخبر به عن الله تعالى- بيان ادَّعى أنَّه رَسُول عن الله -تعالى- فِي جَمِيع ما يُبَلِّغُهُ عنه، فلا حَاجَةَ فِي عِصْمَتِهِ فِي ذلك إلى دَلِيلٍ زَائِدٍ على المُعْجِزَةِ.
قوله: "الثالث: أنَّه لما ثَبَتَ أن جَمِيعَ الأُمَّةِ مَعْصُومُونَ عن الكَذِبِ، كان قَوْلُهُمْ صدقًا":
هذا القَوْل حَقٌّ فِي نَفْسِهِ، لكنه لا يَصِحُّ منه دَعْوَاهُ مع اختياره أن دَلَائِلَ الإِجْمَاعِ ظنية.
قوله: "الرابع: كل من أَخْبَرَ الله عنه، وكل من أخبر رسول الله ﷺ ، أو دَلَّ الإِجْمَاعُ على كَوْنِهِ صَادِقًا- يثبت هذا الحكم فيه":
يعني: أن كُلَّ من ثبت صدقه فهو صَادِق، وقد قِيلَ: إنَّ من الأَنْبِيَاءِ من لم يَكُنْ له
стр. 463
الْخَامِسُ: الْقَرَائِنُ إِذَا حَصَلَت مَعَ قَوْلِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ يُفِيدُ العِلْمَ؛ كَمَا إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَرِيضًا، ثمّ إِنَّ وَلَدَهُ خَرَجَ حَافِيًا حَاسِرًا مَشقُوقَ الْجَيبِ مُنَادِيًا بِالْوَيلِ وَالثُّبُورِ- فَإنَّهُ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأَنَّ ذلِكَ الإنْسَانَ قَدْ مَاتَ. وَهذِهِ الْقَرَائِنُ غَيرُ مُطَّرِدَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ ذلِكَ الإنْسَانَ لَم يَمُتْ، وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْمَوْتَ لِغَرَضٍ آخَرَ؛ إلا أَنَّ ذلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْقَرَائِنِ مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ.
===
مُعْجِزَةٌ، بل اكتفى فِي صِدْقِهِ بتصديق نَبِيٍّ له ثبت صدقه.
قوله: "الخامس: إِذَا احتفت القَرَائِنُ مع القول الوَاحِدِ، فقد يفيد العلم؛ كما إذا عَلِمْنَا أنَّ رَجُلًا كان مَرِيضًا، ثم إن وَلَدَهُ خرج حَافِيًا حَاسِرًا مَشْقُوقَ الجَيب، مُنَادِيًا بالوَيل والجَزَع؛ فإنه يحصل لنا العلم بأن ذلك الإنْسَانَ قد مَاتَ- وهذه القَرَائِنُ غير مُطَّرِدَةٍ؛ فإنه يمكَن أن يظَهر أن ذلك الإنْسَانَ لم يَمُت، وأنه أَظهَرَ المَوْتَ لِغَرَضٍ آخر، إلا أن ذلك لا يَقْدَحُ فِي كون القَرَائِنِ تُفِيدُ العِلْمَ فِي الجُمْلَةِ":
زعم النَّظّامُ، والإمام، والغزالي أن مِثْلَ هذا الخَبَرِ يفيد العِلْمَ.
وقال القاضي وغيره: لا يفيد.
واحتج المُنْكِرُونَ بوجوه:
الأَوَّلُ: قالوا: لو أَفَادَتِ القَرَائِنُ العِلْمَ بما ظهر الأَمرُ بخلافه، وقد يَظهَرُ مع ما ذكره من القَرَائِنِ البُكَاة والندبة، والنِّيَاحَةُ، وتغيير الأحوال، وحضور الكَفَنِ، وخُرُوج الجَنَازَةِ، وغير ذلك- كونه مُغمى عليه أو مسكتًا أو خبل بذلك لغرض خوف سلطان أو غيره.
الثَّاني: لو أَفَادَتِ القَرَائِنُ العِلْمَ، لجاز إلَّا يدل خبر التَّوَاتُرِ؛ لانتفاء القَرَائِنِ؛ ولأنه لَوْ دَلَّ لَاطَّرَدَ فِي كلِّ خبر وَاحِدٍ.
وأجيب عن الأَوَّلِ بأن الظُّهُورَ على خِلافِ الأَمْرِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لا يمنع دلالتها مُطْلَقًا، ونحن لم نَدَّع وُجُوبَ إفَادَةِ القَرَائِنِ.
الثالث: ذلك فِي كلل صورة، وإنما ادَّعَينَا أنها قد تُفِيدُ على الجُمْلَةِ، وهذا يُضَاهِي قَوْلَ الفُقَهَاءِ: إن تَعْلِيلَ الثُّبُوتِ على الجملة لا ينتقض بانتفاء الحكم فِي صورة؛ كتعليل أصل البيع بالحاجة، ينتقض بِعَدَم شَرْعِهِ فِي بياعات نهي عنها بعينها مع الحَاجَةِ اليها، كيف وإِنَّ قَرَائِنَ الأَحْوَالِ قد تَستَقِلُّ بِإِفَادَة العِلْم؛ كما يعْلَمُ بها خَجَلُ الخَجِلِ، وخوف الخائف، وحال العَطْشَانِ، والمحب، ويكذب عند ادعاءَ خلافه.
وعن الثاني: أن التَّوَاتُر لا يَنْفَكُّ عن القَرَائِنِ، ولو سلم انْفِكَاكُهُ، فهو إِلْزَامُ عكس الدليل،
стр. 464
السَّادِسُ: التَّوَاتُرُ، وَفِيهِ أَبحَاثٌ:
الأَوَّلُ: فِي شَرائِطِ التَّوَاتُرِ؛ وَهيَ ثَلاثةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُخبَرُ عَنْهُ مَحسُوسًا، أَمَّا لَو أَخبَرَ أَهْلُ الشَّرقِ وَالغَربِ عَنْ حُدُوثِ العِلمِ وَوَحدَةِ الله تَعَالى، لَم يَحصُلِ العِلمُ بِمُجَرَّدِ ذلِكَ الْخَبَرِ.
===
وإنه غير لازِم؛ فإنا ادَّعَينَا أن احتفاف القرائن يخبر الوَاحِدِ قد يُفِيدُ العِلمَ، ولم ندَّعِ أنه لا يُفِيدُ العِلمَ إلا ذلك، فقد تَقِلُّ القَرَائِنُ وتجتمع مع إِخبَارَاتٍ، فيكون متواترًا، وقد يَكْثُرُ العَدَدُ، وينفرد بإفادة العِلمِ على رأي القاضي وأبي الحُسَينِ إن أمكن.
وعن الثالث: أنا نطرده في كل خَبَرٍ احتَفَّت به القَرَائِنُ المعلمة لا في مُطلَقِ خَبَرِ الواحد، ومثل هذا الخَبَرِ إذا أَفَادَ العلم لا يكون من المُتَواتِرَاتِ، بل من جنس الحدسيات.
قوله: "السَّادس الخَبَرُ المُتَوَاتِرُ":
التواتر في اللغة: تَتَابُعُ أمور شَيئًا فَشَيئًا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] وفي الاصطِلاحِ: عبارة عن خَبَرِ جَمَاعةٍ يفيد العلم بنفسه، وتقييدهم له بـ"نَفسِهِ" ليخرج منه خبر جَمَاعَةٍ عُلِمَ صِدْقُهُم بإخبار صَادِقٍ أنهم صَادِقُونَ، أو غيره. وهو مُفِيدٌ لِلعِلمِ عند اجتِمَاعِ شَرَائِطِهِ، سواء كان عن مَوجُودٍ في زَمَانِنَا، أو في زَمَانٍ مَاضٍ.
قوله: "وَفِيهِ أَبحَاثٌ: البَحْثُ الأَوَّلُ في شَرَائِطِ التَّوَاتُرِ، وَهِيَ ثَلاثةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ
стр. 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المُخبَرُ عَنهُ أَمرًا مَحسُوسًا، أمَّا لو أخبر أَهلُ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ عن حُدُوثِ العَالمِ، وَوَحِدَةِ الإِلَهِ، لم يحصُلِ العِلمُ بمجرد ذلك الخبر.
стр. 466
الثَّانِي: كَونُ المُخبِرِينَ بِحَالةٍ يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الكَذِبِ، وَتلكَ الحَالةُ المَانِعَةُ عَن
===
واشتراط كَونِ المُخبَرِ عَنهُ مَحسوسًا يَتَضَمَّنُ اشتِرَاطَ كونه مَعلُومًا لِلمُخبرَ، وشَرَطَ الإِمَامُ أن يكون عن اطِّرَادٍ، وهو أَعَمُّ من مَحسوسٍ، ومراده أن يَدْخُلَ فيه ما يُستَفَادُ من قَرَائِنِ الأَحوَالِ لا الأَوَّليَّات؛ فإن كُلَّ وَاحِدٍ يَعلَمُ ذلِكَ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ؛ فلا حَاجَةَ فيه إلى الخَبَرِ، وقد حَافَظَ على عَكسِهِ، فأبطل طرده.
قال الإِمَامُ: والفَرقُ بين حُصُولِ العِلم عن ذلك، وعَدَمِ حُصُولِهِ أَن الأَخبَارِ عن المستَند إلى النَّظَرِ- ليس مما يُحَاولُ المَرءُ فيه تَعلِيلًا، وفَرقًا، أو دَلِيلًا؛ بل المَرجِعُ فيه إلى العَادَةِ؛ فإنا رَأَينَا العَادَةِ مُستمِرَّة في النفي والإِثبَاتِ.
وقال الغَزَّاليُّ: وَلَعلَّ الفَرقَ أن المُخبِرَ عن حُدُوثِ العَالمِ قد يُخبِرُ عن اعتِقَادِهِ، ولا قَرِينَةَ تَمَيِّزُهُ عن العِلم، ويمكن الفَرْقُ بأنهم إذا أَخبَرُوا عن مَحسُوسٍ، فقد تَوَارَدُوا على مُخبَرٍ وَاحِدٍ بعينه، وإذا أخَبروا عن نَظَرٍ، فكُل وَاحِدٍ منهم إنما يُخبِرُ عن نَظَرِ نَفسِهِ؛ فلم يَتحِدِ المُخبَرُ عنه.
قوله: "وَالثانِي كون المُخبِرِينَ بحالةٍ تَمْنَعُ اتفَاقَهُم على الكَذِب، وتلك الحَالةُ المَانِعَةُ من إِمكَانِ الكذب قد تَكُونُ بِبُلُوغِ المُخْبِرِينَ في الكثرة إلى حَيثُ لا يمكنَ اتِّفَاقُهُم على الكَذِبِ، وقد
стр. 467
إِمْكَانِ الكَذِبِ قَد تَكُونُ بِبُلُوغِ المُخبِرِينَ في كَثرَتِهِم إِلَى حَيثُ يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُم عَلَى الكَذِبِ؛ وَقَد تكُونُ بِحصُولِ سَائِرِ القَرَائِنِ.
وَهذَانِ الشَّرطَانِ كَافِيَانِ في كَوْنِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، إِذَا كَانَ الْمُخْبِرُونَ
===
تكُونُ بِحُصُولِ سَائِرِ القَرَائِنِ، وهذان شَرْطَانِ كَافِيَانِ في كَونِ الخَبَرِ المتواتر يفيد العِلمَ".
قلت: اخْتَلَفَ النَّاسُ في شُرُوطِ خَبَرِ التَّوَاتُرِ، وقد اعتبروا شُرُوطًا منها ما يَصِحُّ، ومنها ما لا يَصِحُّ: فأما ما يَصِحُّ: فمنها ما يَعُودُ إلى المخبرين، وهو ما ذَكَرَهُ من الشَّرطَينِ.
ومنها ما يَعُودُ إلى السَّامِعِينَ، وهو ألا يكون مُوجبُ التَّوَاتُرِ مَعْلُومًا بالضرورة للسَّامِعِ؛ فإنه إذا كَانَ حَاصِلًا امتَنَعَ إِفَادَةُ الخَبَرِ له، وشَرَطَ المُرْتَضى من الشَّيعَةِ ألا يَكُونَ مُعْتَقِدًا نقيضِهِ عن شُبهَةٍ، أو تَقلِيدٍ، وإنما شرط ذلك؛ لِزَعْمِهِ تَوَاتُر النَّصِّ على إِمَامَةِ عَلِيٍّ - كرم الله وجهه - وإن كان لا يُفِيدُ العِلمَ عند خُصُومِهِم؛ لاعتقادهم نقيض ذلك.
قوله: "هذَا إِذَا كَانَ المُخبِرُونَ يخبرون عن مُشَاهَدَ، وأما إن اخبَرُوا أن قَومًا أَخبَرُوهُمْ بأن الأَمرَ كذلك، وَجَبَ اعْتِبَارُ الشَّرطَينِ المَذكُورَينِ في تلك الوَاسِطَةِ":
يعني: أنه يُشتَرَطُ في الطبَقَةِ الثانِيَةِ ما اشتُرِطَ في الأُولَى، وكذلك الثالِثَةُ، والرَّابعَةُ إلى أن يَصِلَ إِلَينَا؛ كَنَقلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ إِلَينَا.
وأما الشُّرُوطُ الفَاسِدَةُ: فِقد شَرَطَ قَوْمٌ ألا يَحويَهُم بَلَدٌ، ولا يحصرهم عَدَدٌ، وهو باطل؛ فإن أَهل جَامِعِ "بغداد" مَثَلًا لو أخبَرُوا عن سُقُوطِ مُؤَذِّنٍ عن المَنَارَة يوم الجُمُعَةِ، لأفاد العِلمَ.
ومنهم من شَرَطَ إلَّا يكونوا من أَهْلِ بَلَدٍ وَاحِدٍ ولا من أَبٍ وَاحِدٍ، وهو بَاطِلٌ؛ فإن أَهلَ "قسطنطينية" لو أَخبَرُوا بِمَوتِ مَلِكِهِم لأفَادَ العِلمَ.
وشرط اليَهود أَن يكونوا تَحتَ ذِلَّةٍ وصَغَارٍ؛ ليحاولوا بذلك القَدْحَ فيما نَنْقُلُهُ من مُعجِزَاتِ الرسول ﷺ وأُلْزمُوا ألَّا يَحْصُلَ لهم عِلمٌ بنقل شَرِيعَتِهِم قبل ذِلَّتِهِم، ولو شرط عكسه، لَكَانَ أَقرَبَ؛ لاستِغنَائِهِم عن الكَذِبِ.
وشرط الإِمَامِيَّةُ، ويُعزَى إلى ابن الرَّاوندي اشتِمَالهُمْ على الإِمَامِ المَعصُومِ، وقد سَبَقَ
стр. 468
يُخبِرُونَ عَنِ الْمُشَاهَدَةِ. فَأمَّا إِن أَخْبَرُوا أَن قَوْمًا أَخبَرُوهُم بِأَن الأَمرَ كَذلِكَ - وَجَبَ اعتِبَارُ الشَّرطَينِ المَذْكُورينِ في تِلْكَ الْوَاسِطَةِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: في أَنَّ الخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمِ؛ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَمَّا سَمِعنَا أَنَّ في الدُّنْيَا بَلْدَةً يُقَالُ لهَا: : "الصِّينُ" - وَجَدَّنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةً في وُجُودِ هذِهِ البَلْدَةِ، وَلَمَّا سَمِعْنَا أَنَّهُ كَانَ في الدُّنْيَا إِنْسَان يُقَالُ لَهُ: "مُوسَى" وَ"عِيسَى" - وَجَدْنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةَ؛ وَذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ المُتَوَاتِرَ، يُفِيدُ العِلمَ.
===
بُطلانُهُ، ويلزمهم ألَّا يحْصُلَ العِلمَ بقول دُعَاتِهِ، وَرُسُلِهِ، ولا بخبر أهل بلدة ليس هو منها.
ولا يُشتَرَطُ فيهم العَدَالةُ، ولا الإسلامُ؛ لحُصُولِ العِلمِ بدون الجميع.
قوله: "البَحثُ الثَّاني: في أنَّ الخَبَرَ المُتَوَاتِر يفيد العِلمَ، وتقريره: أنا لما سَمِعْنَا أن في الدُّنيا بَلدَةٌ يقال لها: "الصِّين" وَجَدْنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةٌ في وُجُودِ هذه البَلدَةِ، ولما سَمِعنَا أن في الدنيا إِنسَانًا يقال له: "موسى" و"عيسىى" وَجَدْنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةً، وذلك يَدُلُّ على أن الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ يفيد العِلمَ":
وقد أَشارَ بهذين المِثَالينِ إلى أنه يُفِيدُ العِلْمَ، سواء كان في زَمَانِنَا، أو في المَاضِي.
وقد أنكرت فِرقَةٌ من المُلحِدَة البَرَاهِمَةِ تعرف بـ "السُّمَنِيَّةِ" إِفَادَتَهُ العِلمَ عن الماضي؛ تَوَسُّلًا إلى القَدْحِ في النُّبُوَّاتِ؛ فإنه من مُقَدِّمَاتِهَا، ومنهم من مَنَعَ إِفَادَتَهُ لِلعِلْمِ مُطلَقًا؛ خشية المُنَاقَضَةِ.
ولنا: أنا نجِدُ من أَنْفُسِنَا العِلمَ الضَّرُورِيَّ بوجود البِلادِ النَّائِيةِ، والأمم السَّالِفَةِ بمجرد الإِخبَارِ، كما نجد العِلمَ بالأُمُورِ المُشَاهَدَاتِ من غير أن يُعَارِضَنَا فيه شَكٌّ ولا شُبهَة، وجميع ما يُورِدُونَهُ تَشكِيكٌ في الضروريات، لا يستحق الجَوَابَ لولا التَّنَزُّلُ، وقد تَمَسَّكُوا بأمور:
الأول: قالوا: التَّفَاوُتُ حَاصِل بين مُوجَبِ هذه الإخبارَاتِ، وبين قولنا: الواحد نصفُ الاثنين، والتفاوت دليل عَدَمِ العِلمِ؛ إذ لا تَفَاوُتَ في العُلُومِ.
الثاني: أن خَبَرَ كُل وَاحِدٍ يَتَطَرَّقُ إليه الكَذِبُ، والخَطَأ، والنسيان، والإجماع لا ينفيه؛ لأنه مَانِع منه في الاثنين، والثلاثة، والأربعة، والعَقلُ لا يَهتَدِي لتعيين عَدَد؛ فَوَجَبَ أن يبقى الجَوَاز.
قالوا: وَهذَا كَقَولِكُمْ في إِبطَالِ حَوَادِثَ لا أَوَّلَ لها: إنه لَمَّا كَانَ لكل حَادِث بذاته، كان للمجموع بذاته.
الثَّالِثُ: قالوا: لو أَفَادَ العِلمَ، لأفاد خَبَرُ اليَهُودِ العِلمَ ببقاء شَرِيعَةِ موسى ﵇، وهو عدد كثير، وكذلك خَبَرُ النَّصَارَى بِصَلبِ المَسِيحِ، ﵇.
стр. 469
الْبَحْثُ الثَّالِثُ:
قَال الكَعْبِيُّ: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِيبَ سَمَاعِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ نَظَرِيٌّ.
===
وأُجِيبَ عن الأَوَّلِ بأن التَّفَاوْتَ رَاجِعٌ إلى كثرة الاسْتِئنَاسِ بِتَصوُّرِ إحْدَى القضيتين دون الأُخْرَى.
وعن الثَّانِي: أَنَّا لا نُنْكِرُ تَطَرُّقَ الجَوَاز العَقلِيِّ، وإنما الاعْتِمَادُ في حُصُولِ العِلْمِ به على العَادَةِ، وللقرائن فيه مَدْخَلٌ عظيم، ولذلك يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المُخْبِرِينَ، والمخبر عنه.
وعن الثالث: أنا لا نُسَلِّمُ تحقق شَرَائِط التَّوَاتُرِ في أَخبَارِ اليَهُودِ؛ فإن من شَرَائِطِهِ اسْتِوَاءَ الطرفين والوَاسِطَةِ، والكثرة في اليَهُودِ تُخْبِرُ عن قِلَّةٍ، فإن بختنصر لم يُبْقِ من أَحبَارِهِمْ من تَقُومُ الحُجَّةُ بنقلهم.
وقيل: إن ابْنَ الرَّاونْدِيّ لَقَّنَهُمْ ذلك، ولا يعرف من غير جِهَتِهِ.
وأما خَبَرُ النَّصَارَى فالمُتَّفَقُ عليه صَلْبُ شَخص على شَبَهِ المَسِيحِ، وهو خَرْقُ عَادَةِ، والكلام في إِفَادَةِ التوَاتُرِ العِلمَ مَبْنِيٌّ على اسْتِقْرَارِ العادة.
قوله: "البَحْثُ الثالث: قال الكَعْبيُّ: العِلْمُ الحَاصِلُ عَقِيبَ سَمَاع الخَبَرِ المتواتر- نَظَريٌّ، وقال البَاقُونَ: ضَرُورِيٌّ، وهو المُختَارُ؛ لأن هذا العِلْمَ يَحْصُلُ للعَوَامِّ والأَطفَالِ، مع أن الدَّلِيلَ الذي يَذكُرُونَهُ في كَوْنِ التَّوَاتُرِ يفيد العِلْمَ- دقيق، على ما بَيَّنَّا في كتاب "المَحْصُولِ"، وبَيَّنَّا أن العِلْمَ الظَّاهِرَ الحاصل لكل أَحَدٍ على طَرِيقِ الخَفَاءِ- مُحَالٌ":
اعلم أن القَوْلَ بأن هذا العِلْمَ نَظَرِي مَكسُوبٌ بالاستدلال يُعْزَى إلى الكَعْبِيِّ، وأبي الحُسَينِ، وأبي بكر بن الدَّقَّاقِ، واعتذر له الإمام، وللغزالي صَغْوٌ إليه في بعض كُتُبِه، وتوقف فيه المُرْتَضَى من الشَّيعَةِ، والآمدي.
وقال الجمهور: إنه ضَرُورِيٌّ.
واحتجوا بما أَشَارَ إليه، وهو أن العِلْمَ النَّظَرِيَّ يَتَوَقَّفُ على أَهْلِيَّةٍ، وحصول العلم به بدون أَهْلِيَّةٍ من البُلْهِ والصِّبْيَانِ- دَلِيلٌ على أنه ليس بِنَظَرِيٍّ. واعتذروا عما أُلْزِمُوا بأنه قد يَلْتَبسُ العلم النظري بالضَّرُورِيِّ؛ لقرب مُقَدَّمَاتِهِ من الصورة، ولزومها في الذِّهْنِ، فَيَشتَرِكُ فيه الأَكَثَرُ، ويظن أنه ضَرُورِيٌّ؛ وليس كذلك، كَعِلْمِنَا بأن الوَاحِدَ نصْفُ الاثنين.
وأُجِيبَ عنه بأن حُصُولَ العِلْمِ بِأَمْرٍ مع عَدَمِ الشعُورِ به- مُحَالٌ، وفيه مغالطة؛ فإن الكَلامَ في صفته.
واحتج الكَعْبِيُّ بأنه لو كان ضَرُورِيًّا، لعلم كونه ضَرُورِيًّا.
وأجاب القاضي وغيره عنه بأَنَّهُ لا يَلْزَمُ من العِلْمِ بالشيء؛ ضَرُورَةً أن تعلم صِفَتُهُ بالضرورة.
وضعف الجواب بأن العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالعِلْمِ بالشيء، أما أن يَكُونَ نَفْسَ ذلك العِلْمِ المُتَعَلِّقِ
стр. 470
وَقَال الْبَاقون: إِنَّهُ ضَرُورِيٌّ؛ وَهُوَ الْمُختَارُ؛ لأَنَّ هذَا العِلْمَ يَحْصُلُ لِلْعَوَامِّ وَالأَطْفَالِ، مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يُذكَرُ فِي كَوْنِ الْخَبَرِ الْمُتَواتِرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ- دَلِيلٌ دَقِيقٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي "كِتَابِ الْمَحْصُولِ" [وبيَّنَّا: ] أَن العِلْمَ الظَّاهِرَ الْحَاصِلَ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالطَّرِيقِ الخَفِيِّ فحَالٌ.
الْبَحْث الرَّابعُ: أَنَّهُ لَيسَ لِلتَّوَاتُرِ عَدَدٌ يُسْتَدَلُ بِحُصُولِهِ عَلَى حُصُولِ العِلْمِ بِهِ؛ فَإِنَّ كُلِّ
===
بذلك الشَّيءِ، أو غيره: كان غَيرهُ، لَزِمَ التسلسل، وإن كان إِيَّاهُ، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون العِلْمُ الواحد ضَرُورِيًّا نظريًّا معًا.
واحتج له الغَزَّالِيُّ بما حاصله أن الضَّرُورِيِّ هو الذي يكفي في إِدْرَاكِ تَصَوُّرِ طَرَفَي القضية من غير وَاسِطَةٍ، والنظري عكسه، وإدْرَاكُ أنهم صَادِقُونَ لا يَكْفِي فيه تَصَوَّرُ مُجَرَّدِ الخَبَرِ، بل لا بد من النَّظَرِ في أَحْوالِ المُخْبِرِينَ بأنهم لا دَاعِيَ لهم إلى الكَذِبِ، وأحوال المخبر عنه، وهذه المُقَدِّمَاتُ نَظَرِيَّةٌ، والموقوف على النظَرِيِّ نَظَرِيٌّ، فنقول: هؤلاء لا دَاعِيَ لهم إلى الكَذِبِ، وكل من لا دَاعِيَ له إلى الكَذِبِ صَادِقٌ.
وأُجِيبَ عنه بأن مُجَرَّدَ نَظم الدَّلِيلِ لا يَمْتَنِعُ في غَيرِ ما ذكر من الضَّرُورِيَّاتِ، ولا ينكر أنه لا بد في حُصُولِهِ من تَأمُّل في حَال المُخْبِرِينَ والمخبر عنه، لكن ذلك ليس باسْتِدْلالٍ بِأَوْسْاطٍ ومقدمات، وإنما هو تَفَطنٌ لتحقق الأَسْبَاب العادية؛ فإن الضَّرُورِيَّ يَنْقَسِمُ إلى ما لا يَتَوَقَّفُ على سبب؛ كالأَوَّليَّاتِ، ومنها: ما يَتَوَقَّفُ على سبب؛ كالحِسِّيَات والتجريبيات وغيرها، فإن رُؤْيَةَ الهِلالِ الخفي لَا بُدَّ في العِلْمِ به من مَعْرِفَةِ الجِهَةِ؛ وتحديق البَصَرِ نحو المرئي وترديده في الجهة، وذلك لا يخرجه عن كونه ضَرُوريًّا، وكذلك العِلْم بِخَجَلِ الخجِلِ، وَوَجَلِ الوَجِلِ، وهذا مَنْشَأُ التَّرَدُّدِ في هذه المسألة، والله أعلم.
قوله: "البَحْثُ الرَّابعُ: المُخْتَارُ عندنا: أنه ليس لِلتَّوَاتُرِ عَدَدٌ يستدل به على حُصُولِ العِلْمِ، وإن كان عَدَدًا لفرض في القُوَّةِ والضَّعْفِ، بل متى علمنا حُصُولَ العِلْمِ به، عَلِمَنَا أن الأَحْوَال المُوجِبَةَ للعلم كَانَتْ حَاصِلَة على سبيل التَّمَامِ والكَمَالِ":
اختلف العُلَمَاء في أقل عَدَدِ التَّوَاتُرِ: فقيل: خمسة؛ لأن الأَرْبَعَةَ بَيِّنَةٌ تقبل التَّزْكِيَةَ.
قال القاضي: اعْلَمْ أَن قَوْل الأَرْبَعَةِ لا يفيد العِلْمَ أَصْلًا؛ إذ لو أَفَادَ، لَكَانَ قول كُلِّ أربعة صَادِقًا؛ لاسْتِوَاءِ حكم المِثْلَينِ، ولو كان كذلك، لَمَا وَجَبَ تزْكِيَةُ شهود الزِّنَا، وأتوقَّفُ في قول الخمسة.
وأورد عليه: أنه لا مَعْنَى لِتَوَقُّفِهِ في الخمسة؛ فإن ما قرره في أن الأَرْبَعَةَ لا تكون عَدَدَ التواتر- مُطَّرِدٌ فيها، فإن القاضي قد يَسْتَظْهِرُ بخامس وسادس، ويفتقر إلى التَّزْكِيَةِ، وإنما أبهم عليه؛ لأنه لا يشترط فيه القرائن، وإلا فقد يفيد مع الانْضِمَامِ.
стр. 471
عَدَدٍ يُفْرَضُ فِي القُوَّةِ وَالضَّغفِ- فَالعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ، إِنْ حَصَلَ ذلِكَ الْعَدَدُ بِنُقْصَانِ وَاحِدٍ أَو اثْنَينِ يُسَاويهِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَمَتَى عَلِمْنَا حُصُولَ الْعِلْمِ، عَلِمْنَا: أَنَّ الأَحْوَال الْمُوجِبَةَ لِلْعِلْمِ كَانَت حَاصِلَةً عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ.
الْبَحْثُ الْخَامِسُ: مَتَى سَمِعْنَا الْخَبَرَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَسْمَعُهُ غَيرُنَا، وَلَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ- عَلِمْنَا قَطعا أَنَّهُ غَيرُ مُتَوَاتِرٍ.
===
وقيل: أقله اثنا عشر؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢].
وقال أبو الهُذَيلِ: أقله عشرون؛ لقوله تَعَالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ﴾ [الأنفال: ٦٥].
وقيل: أربعون؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وكانوا أربعين.
وقيل: سبعون؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وإنما اختارهم ليخبروا قَوْمَهُمْ.
وقيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل "بَدْرٍ"؛ إذ بهم اسْتَقرَّ الدين.
وقيل: عدد بيعة الرِّضوانِ، وكانوا ألفًا وسبعمائة، ولا يخفى سقوط هذه التحكمات، ويكفي في ذلك عَدَمُ تعلقها بالمقصود، ومعارضة بعضها بعضًا.
قال الإمام: ولسنا نَجِدُ حَدًّا في القَلِيلِ والكثير؛ كما ورد تَحْدِيدُ الشهود، فإن رَامَ ذُو تَحْصِيلٍ في ذلك ضَبْطًا، فليفرض خبر واحد عن مَحْسُوسٍ، وخبر اثنين، ثم كذلك يَزِيدُ صَاعِدًا، وهو في ذلك يعلم ما يَزِيدُ إلى أن يَنْتَفِيَ الرَّيبُ، وَيحْصُلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ؛ فذلك عَدَدُ التَّوَاتُرِ.
قال: فإن اتَّفَقَ مِثلُ هذا العدد في صُورَةٍ أخرى غير مُوجِب للعلم، فذلك كتخلل كاذبين، وما ذكره قاله القَاضِي في بَعْضِ كُتُبِهِ؛ بناء على مَذْهَبِهِ أن العَدَدَ يستقل بِتَحْصِيلِ العلم دون القَرَائِنِ.
والذي ارتضاه المُحققون أن للقرائن فيه مَدْخَلًا عَظِيمًا في إِفَادَتِهِ للعلم، ولا يكاد يَتَجرَّدُ عنها وإن ظَنَّ المَرْءُ تَجْريدَ نَفْسِهِ عنها؛ وعلى هذا قَالُوا: لا ضَابِطَ له، إلا ما أَفَادَ العِلْم على ما ذكره المُصَنفُ، ورب سبب لشيء لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ سَبَبًا إلا بَعْدَ حُصُولِ أَثَرِهِ؛ كالقَدْرِ المُحَصَّلِ للشبَع من الطعام، والقدر المُحَصَّلِ للرِّيِّ من المَاءِ، ولا ينكر حُصُول العلم بخبرهم بِتَزَايُدٍ خَفِيٍّ، لكَن العَقْلَ لا يضبطه؛ كما يَحْصُلُ كَمَالُ العَقْل بتزايد، والقُوَى البَشَريَّةُ قَاصِرَةٌ عن دَرْكِ ذلك.
قوله: "البَحْثُ الخامِسُ: متى سَمِعْنَا الخَبَرَ على الحَدِّ الذي سمعه غَيرُنَا، ولم يَحْصُل لنا العِلْمُ، علمنا أنه غَيرُ متواتر":
تَصْويرُ هذا الفرع على رَأْي مَنْ يعتقد استقلال العدد بإفادة العلم واضح، وأما من يعتقد أن لِلْقَرَائِنِ فيه مَدْخَلًا؛ كالإِمَامِ والمصنف- ففيه عُسْرٌ؛ فإنها تَخْتَلِفُ بِاختِلافِ المُخْبِرِينَ وَالمُخْبَرِ
стр. 472
وَمِثَالُهُ: أَنَّ الرَّوَافِضَ يَدَّعُونَ التَّوَاتُرَ فِي النَّصِّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- فَلَمَّا سَمِعْنَا هذَا الْخَبَرَ المُتَوَاتِرَ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ فِي إِمَامَةِ عَلِيٍّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَمِعُوهُ، وَمَا أَفَادَ -أَلْبَتَّةَ- ظَنَّ الصِّدْقِ فَضْلًا عَنِ الْيَقِينِ-: فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ ذلِكَ الْخَبَرِ.
===
عنه، وإن من القَرَائِنِ ما لا يمكن تَجْرِيدُ النَّفْسِ عنها، وإن اعتقد تجريدها، ففرض تَسَاوي نُفُوسِ السَّامِعِينَ فيه عُسْرٌ.
قوله: "مِثَالُهُ: أن الرَّوَافِضَ يدعون التَّوَاتُرَ في إِمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁ على الوَجْهِ الذي سمعوه، فعلمنا أنا سَمِعْنَا هذا الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ الذي يَذْكُرُونَهُ في إِمَامَتِهِ على الوَجْهِ الذي ذَكَرُوهُ، وما أفاد ألْبَتَّةَ الظَّنَّ فَضْلًا عن اليقين؛ وذلك يَدُلُّ على كَذِبِ هذا الخَبَرِ":
هذا المثال ليس مُطَابِقًا؛ فإن خَبَرَ النصِّ انْضَافَ إليه أن العَادَةَ تقتضي بِكَذِبِهِ على ما سَيَأْتِي تَقرِيرُهُ.
وأما مَسْأَلَةُ دَعْوَى النَّصِّ، فاعلم أن من يَدَّعِي النَّصَّ على إِمَامَةِ عَلِى ثلاث فرق: فرقة تَزْعُمُ أن النبي ﷺ عليه باسْمِهِ، وعَيَّنَهُ، وعلى الحمسن بعده، والحسين، وهم الأكَثَرُونَ، وفرقة تَزْعُمُ أنه ﵇ نَصَّ عليه باسمه، وَعَيَّنَهُ، ونصَّ على وَلَدَيهِ بعده.
والفرقة الثالثة: تَزعُمُ أنه نَصَّ عليه بِصِفَاتِهِ لا باسمه، وبالجملة: فكل من ادَّعى نَصًّا على إِمَامَةِ شَخْصٍ بعينه من علي، أو أبي بكر، أو العَبَّاسِ -رضوان الله عليهم أجمعين- فالرد على الجَمِيع وَاحِدٌ؛ وهو أن هذا أَمْرٌ خطير تَتَشوَّفُ النُّفُوسُ إليه، لا سيما عند دُعَاءِ الحَاجَةِ إليه، وحَيثُ لم ينقل عند اشْتِوَارِهِمْ يوم السَّقيفَةِ، ولا عند عَهْدِ أبي بكر لعمر، ولا عند [ما] جَعَلَهَا
стр. 473
الْمَسْألةُ الثَّالِثَةُ فِي أَقْسَامِ الْخَبَرِ الَّذِي يُعْلَمُ كَوْنُهُ كَذِبًا
الأَوَّلُ: كُلَّ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِبَدِيهَةِ الْعَقلِ، أَوْ بِالْحِسِّ، أَوْ بِالدَّلِيلِ- فَالْخَبَرُ عَلَى خِلافِهِ
===
عمر شُوَرى في السِّتَّة، ونقل أبُو بَكْرٍ ما هو أَعَمُّ من ذلك؛ وهو قَوْلُهُ ﵇: "الأَئِمَّةُ من قُرَيشٍ" وتلقوه بالقبول- دَلَّ على عَدَم النصَّ المتواتر. وقد تقرر أن المحكم فيما يحصل العِلْمُ وما لا يحصله العَادَة.
واعتذار المُرْتَضى بأن المَانِعَ لخُصُومِهِمْ من حُصُولِ العلم اعْتِقَادُ نَقِيضِهِ عن تَقلِيدٍ أو شُبْهَةٍ- يعارضه أن يقال: أو لَعَلَّ مُوجب جَزْمِكُمْ بالصِّدْقِ اعتقادكم ذلك، أو انضمام شُبْهَةٍ في نُفُوسِكُمْ، وكيف لا مع اعتقادكم أنه يَصِحُّ أن يُنْسَبَ إلى رسول الله ﷺ كُل ما صَحَّ من قَوْلِ من تعتقدون إِمَامَتَهُ، وهو على زَعْمِكُمْ أنه مَعْصُومٌ؟ ! وهذا تصريح منكم بتَسْويغِ الكَذِب وتصديقه، أعنى: قول الراوي: قال رسول الله ﷺ ولم يَقُلُهُ.
وإذا عرفت خَبَرَ التَّوَاتُرِ، وأنه يُفِيدُ العِلْمُ، فهو ينقسم إلى لَفْظِيٍّ، ومعنوي، فاللفظي كَنَقْلِ القرآن، والمعنوي كَنَقْلِ العَدَدِ الكثير الذي يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ على الكَذِب- وَقَائِعَ مختلفة لم يَجْتَمِعُوا على آحَادِهَا مشتملة على قَدْرٍ مشترك؛ كالوقائع التي عُلِمَ بها شَجَاعَةُ عَلِيٍّ، وسَخَاء حَاتِمٍ، وإن لم يتفق الرُّوَاةُ على وَقَائِعَ بعينها.
ومن تَمَامِ مَبَاحِثِ هذا الأَصْلِ أن خَبَرَ التَّوَاتُرِ يستلزم العلم عادة، ولا يولده، خِلافًا لِقَوْمٍ؛ لِوُجُوب إِسْنَادِ جميع المُمْكِنَاتِ إلى الله -تعالى- خَلْقًا واختراعًا، والقول بالتَّوَلُّدِ من فُرُوع قَوَاعِدِ المعتزلَة، وهو أن العَبْدَ يَسْتَقِلُّ بفعله وأنه يفعل مباشرة في ذاته، ويفعل خارج ذاته بالتَّوَلُّدِ عن مقدور له في ذاته؛ فلهذا قالوا: التوَلُّدُ حَادِثٌ عن سَبَب مَقْدُورٍ بالقُدْرَةِ الحادثة.
[قوله]: "المَسْأَلَة الثالثة في أَقْسَامِ الخَبَرِ الذي يعلم كَوْنُهُ كَذِبًا: الأَوَّل: كل ما علم ثُبُوتُهُ ببديهة العَقْلِ، أو بالحِسِّ، أو بالدليل، فالخبر على خِلافِهِ يكون كَاذِبًا": وبالجُمْلَةِ فمما يعلم كَذِبُهُ كل خَبَرٍ مخالف لما علم صِدْقُهُ بمدرك من مَدَارِكِ العُلُومِ، وهي السابقة؛ لاسْتِحَالةِ اجْتِمَاعِ
стр. 474
يَكُونُ كَذِبًا. وَيتَفَرَّعُ عَلَيهِ: أَنَّ كُل خَبَرٍ نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِمَّا يُوهِمُ الْبَاطِلَ كَالتَّشْبِيهِ وَغَيرِهِ فَإنْ كَانَ يَحْتَمِلُ نَوْعًا مِنَ التَّأويلِ اللَّائِقِ لَمْ يُقْطَعْ بِكوْنِهِ كَذِبًا، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِل إلا التَّأويلَ الْبَعِيدَ- وَجَبَ الْقَطعُ: إِمَّا بِكَذِبِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ ﵇ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ
===
النَّقِيضَينِ على الصِّدْقِ، ومن جُمْلَةِ ذلك كَذِبُ من يَدَّعِي رِسَالة بغير مُعْجِزَةٍ ولا تصديق ممن ثَبَتَ صِدْقُهُ له؛ لأن العَادَةَ على خلافه.
قوله: "وَيتَفَرَّعُ عليه أن كُلَّ خَبَرٍ عن رسول الله ﷺ مما يوهم الباطل؛ كَالتَّشْبيهِ وغيره: فإن كان يحتمل نَوْعًا من التَّأويل اللَّائِقِ، لم يقطع بكونه كَذِبًا، فإان لم يَحْتَمِل إلا التَّأْويلَ البعيد، وَجَبَ القَطْعُ بكونه كَذِبًا، أوَ بأنه كان ﵇ تَكَلَّمَ قبله أو بَعْدهُ بِكَلام يُزِيلُ تلك الشُّبْهَةِ، والناقل لم ينقله؛ لأنا لو لم نَعْتَقِدْ ذلك، لَزِمَ أن يقال: إنه كان جَاهِلًا بالله تعالى، والجَاهِلُ بالله -تعالى- لا يكون نَبِيًّا":
هذا التَّفْرِيعُ يخرج على قَاعِدَةٍ؛ وهي أن كُلَّ مَا وَرَدَ في الكِتَاب والسُّنَّةِ مما يُوهِمُ التَّشْبيهَ في الأَسْمَاءِ والصفات، فيمتنع منه أن يَرِدَ مُتَوَاتِرًا لا يَقبَلُ التأويل؛ لأن الشَّرْع إنمَا يثبت بالعقل، وهو شَاهِدُهُ.
فلو جَاءَ بما يكذبه لم يثبت عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. وما وَرَدَ من ذلك في أَخبَارِ الآحَادِ، وكان لا يقبل التَّأويلَ أَلبَتَّةَ، أو التأويل الَّلائِقَ بِفَصَاحَتِهِ- قَطعنا بكذب راويه، أو يحمل على الغَلَطِ. وإن كان لِلتَّأويلِ الصَّحِيحِ فيه مَجَالٌ، فيتعين أن يُقْطَعَ بأن المَحمَلَ البَاطِلَ غير مُرَادٍ. ثم يُنْظَرُ بعد ذلك إلى اللَّفْظِ: فإن بقي له احْتِمَالٌ واحد، تعين أن يكون مرادًا لحكم الحال، فإن بقى أكثر من وَاحِدٍ، وكل واحد منها جائز الإرَادَةِ: فإن دَلَّ قَاطِعٌ شَرْعِيٌّ على تَعَيُّنِ أحدها - عَيَّنَاهُ؛ وإن لم يَدُلَّ قَاطِعٌ، فهل نعين بِمَسَالِكِ الظَنون؟ اختلفوا فيه: فَمَذهَبُ السَّلَفِ -رضوان الله عليهم- أنَّهُ لا يَجُوزُ التعيين بذلك خَشيَةَ الإِلْحَادِ في الأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ.
قالوا: وَيتَعَيَّنُ أن يعتقد أَنَّ له مَحْمَلًا صَحِيحًا في نَفْسِ الأَمْرِ يعلمه الله -تعالى- وعلى هذا يُحْمَل قَوْلُ بعض السلف.
ويقال: إن مالكًا لما سُئِلَ عن الاسْتِوَاءِ قال: الاستواء معلوم، والكَيفُ مَجْهُول، والإيمان به وَاجِبٌ، والسؤال عنه بدْعَةٌ؛ يعني: أن مَحَامِلَ الاستواء في اللغة تفيد القَطْعَ بأن الاسْتِقْرَارَ غير مُرَادٍ من القَهْرِ والاستعلاء، أو القصد، أو التَّنَاهِي في صفات الكَمَالِ.
стр. 475
قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، بِكَلام يُزِيلُ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وَالنَّاقِلُ أَخَلَّ بِنَقْلِهِ؛ لأَنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَقِدْ ذلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ ﵇ كَانَ جَاهِلًا بِالله تَعَالى؛ وَالْجَاهِلُ بِالله تَعَالى لَا يَكُونُ نَبِيًّا.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَنَاقِضًا فِي نَفْسِهِ؛ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: "كُلُّ كَلامِي كَذِبٌ"؛ فإنَّه بتَقْدِيرِ أنْ يُقَال: "إِنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِي كُل مَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي الزَّمَانِ المُتَقَدِّمِ": فَقَدْ كَانَ صَادِقًا في الإِخْبَارِ عَنْ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا، وَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي هَذَا الْكَلامِ: فَقَدْ كَانَ صَادقًا في كلِّ مَا تَقَدَّمَ، وَهذَا بِخِلافِ قَوْلِهِ: "كُلُّ كَلامِي صِدْقٌ": فَإِنهُ لَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي هذَا الكَلامِ أَيضًا.
الثَّالِثُ: الشَّيءُ الَّذِي يَتَقَدَّرُ وُقُوعُهُ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ: فَإِذَا لَمْ يَشْتَهِرْ -دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاءِ الْمَلْزُومِ؛ بِهذَا الطرِيقِ عَرَفْنَا: أنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُعَارَضْ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ النَّصُّ الجَلِيُّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁ وَسَائِرُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﵇ فَهِيَ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَيثُ تَتَوَفرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، إلا أَنَّهُ
===
وقوله والكيفُ مَجْهُولٌ؛ يعني: أن تعيين مَحْمَل من المحامل السَّابِقَةِ مَجْهُولٌ لنا.
وقوله: وَالإِيمَانُ به وَاجِبٌ؛ أي: التصديق بأن له مَجْمَلًا يَصِحُّ واجب.
وقوله: والسؤال عنه بِدْعَةٌ؛ أي: عن تعينه بالطرُقِ الظَّنِّيَّةِ؛ فإنه تصرف في صِفَاتِ الله وأسمائه بِرَجْمِ من الظُّنُونِ، ولم يُعْهَدْ من الصحابة؛ فهو بِدْعَةٌ، وإنما عملوا بالظُّنُونِ في الأَحْكَامِ الشرعية، وجوّز المتأخرون ذلك لرفع الخَبْطِ عن العقائد، والأَوَّلُ أَحْوَطُ، والله أعلم.
قوله: "الثاني: أن يَكُونَ مُتَنَاقِضًا في نفسه؛ كَقَوْلِ القائل: كل كَلامِي كَذِبٌ؛ فإنه بتقدير أَن يُقَال: إنه كان كَاذِبًا في كل ما تكلَّم به في الزمن المتقدم- كان صادقًا في الإخبار بأنه كان كاذبًا وبتقدير أن يكون كاذبًا في هذا الكلام، فقد كان صادقًا في كل ما تقدم، وفي هذا الكَلامِ أيضًا": هذا وَاضِحٌ.
قوله: "الثَّالث: إن الشَّيءَ إذا كان يتقدر وُقُوعُهُ تَتَوَافُرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهِ"، يعني: إما بكونه مُهِمًّا في الدين، أو لِغَرَابَتِهِ، أولهما.
قوله: "فإذا لم يَشتَهِرْ دَلَّ على أَنَّهُ لم يُوجَدْ؛ لأَنْ انتفاء اللازم يدل على انْتِفَاءَ المَلْزُومِ، وبهذا الطَّرِيقِ عَلِمْنَا أن القُرْآن لم يُعَارض وأنه لم يُوجَدِ النَّصُّ على إِمَامَةِ عَلِيٍّ":
هذا الذي ذكره مَقْطُوعٌ به عَادَةَ، إلا أنه يرد عليه إِشكَالات تَحْتَاجُ إلى الجَوَاب عنها:
منها: قوله: "وأما سَائِرُ مُعْجِزَاتِ النبي ﷺ وان كانت تَتَوَافَّرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهَا، إلا أنها حَصَلَتِ الغُنْيَةُ بثبوت نُبُوَّتِهِ ﵇ بأن القُرْآنَ عن نَقلِهَا يغني فلا يَرد نَقضًا لهذه القَاعِدَةِ": ويمكن أن يقال: أكثرها لم يَحْصُرْهَا العَدَدُ الكَثِيرُ، وإنما شَاهَدَهَا منه الآحاد؛ فلم يتم شَرْطُ التَّوَاتُر، ولا تحدى بها؛ فلم يتم شَرْطُ المُعْجزَةِ، وإنما هي آيَاتٌ.
стр. 476
حَصَلَتِ الْغُنْيَةُ عَنْ نقْلِهَا بِثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِالْقُرْآنِ؛ فَلِذلِكَ بَقِيَتْ سَائِرُ الْمُعْجِزَاتِ فِي مَرْتَبَةِ الآحَادِ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الصَّلاةِ؛ مِثلُ: قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَرَفْعِ الْيَدَينِ، وَكَوْنِ الإِقَامَةِ مَثْنَى أَوْ فُرَادَى- فَهِيَ لَيسَتْ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ.
===
قوله: "وأما أَعْمَالُ الصَّلاةِ مثل قراءة الفاتحة، ورفع اليَدَينِ، وكون الإِقَامَةِ مَثنَى أو فُرَادَى- فليست من الوَقَائِعِ العَظِيمَةِ":
هذه أيضًا مما أوردت نَقْضًا لِلْقَاعِدَةِ، وكذلك الاخْتِلافُ في أنه أحرم مفردًا أو قارنًا، وأنه ﷺ دخل "مكة" عَنْوَةً، أو صُلْحًا.
стр. 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والجواب: أن نشير إلى قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ فيما ينقل، وعليها يخرج الجَوَابُ، فنقول:
стр. 478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أما القُرْآنُ فلا يَثْبُتْ إلا بالتَّوَاتُرِ؛ لأنه أَصْلُ الشريعة، وأما أَرْكَانُ الإسْلامِ، وشرع أصل البَيعِ، والإجارة، والنكاح، والقصاص، والحدود - فإن ذلك مما تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي على
стр. 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نَقْلِهَا؛ فهي مَقْطُوعٌ بشرعة أصلها، وأما تَفَاصِيلُ أَحْكَامِ هذه الكُلِّيَّاتِ، فما كان رسول الله ﷺ -
стр. 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يُكَلَّفُ فيها بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ؛ لما فيه من التَّعَذُّرِ، أو العسر، والحاجة أن يرسل إِلَى كل الجِهَاتِ فِي
стр. 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تعلم تَفَاصِيلِ الأَحْكَام مع كَثْرَتِهَا عدد التواتر؛ وذلك مُتَعَذِّرٌ، أو مُتَعَسِّرٌ، فاكتفى فيها بالظَّوَاهِرِ والأقيسة فمن ثم وقع الاختِلَافُ، وأما النِّيَّةُ فِي الإِحْرَامِ، فهي من جِنْسِ ما يخفى، أو لعله
стр. 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كان نقل، ثم انْدَرَسَ، وأما دخول "مكة" عَنْوَةً، أو صلحًا، فالذي تَوَاتَرَ أنَّه ﷺ دخلها شَاكِيَ السِّلَاحِ مُتَهَيِّئًا لأسباب الحَرْب، ويروى أنَّه ﵇ قال: "مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَهُوَ آمِنٌ"، وإنما الخِلَافُ فِي أنَّه صَدَرَ منه أَمْنٌ عام، وهذا مما يخفى، ولا يبعد انفراد الآحَادِ به.
ومنشأ الشبهة أنَّه ﷺ وَدَى قومًا قتلهم خَالِدُ بْنُ الوليد.
стр. 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومن تمام البَحْثِ فِي هذا الأَصْلِ ذكر طرق اختلف العُلَمَاءُ فِي إِفَادَتِهَا لِصِدْقِ الخبر:
الأولى: إذا أخبر شَخْصٌ بحضرة رَسُولِ اللهِ ﷺ ولم ينكر عليه: قال قَوْمٌ: يكون صِدْقًا.
وقال الفَخْرُ: يمكن أن يَكُونَ سُكُوتُهُ عن الإنْكَارِ لأنه كان بَيَّنَةُ، وهو مما لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ،
فعلى هذا لا يفيد العِلْمَ بِصِدْقِهِ إلَّا بشرطينَ: ألا يكون قد تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وألا يكون جائز التغيير، هذا إذا كان فِي أَمْرٍ ديني.
فإن كان فِي أَمْرِ دنيوي، فيحتمل أن يكون سُكُوتُهُ لأنه ما عَلِمَهُ، أو لأنه لا تَدْعُو الحَاجَةُ إليه، فلا بد فِي صِدْقِهِ من عَدَمِ الأمْرَينِ.
الثَّانية: إذا أخبر شَخْصٌ بحضرة جَمْعٍ يفيد خَبَرُهُمْ العِلْمَ، وادعى عليهم العِلْمَ بما سمعوه، فلم ينكروا:
قال قوم: يُفِيدُ العِلْمَ، ومَثَّلُوهُ برواية بَعْض الصحابة: أنَّه كان ﵇ - فِي غزوة كَذَا، وأنه رَآهُ ﷺ يَتَوَضَّأُ والماء يَنْبُعُ من بين أَصَابِعِهِ، وتوضأ النَّاسُ من الماء اليَسِيرِ، وهم عدد كثير، فروايته لذلك ودَعْوَاهُ عليهم المشاهدة من غير نَكِيرٍ- دَلِيلٌ على صدقه.
وما ذكروه لا يَطَّرِدُ فِي كل صُورَةٍ؛ إذ لا يبعد السكوت فِي بَعْضِ الوقائع تَقِيَّةً، أو سياسة، أو مَهَابَةً، أو خوفًا؛ كخبر ذي شَكْوَةٍ ظالمًا فِي مجد سلطنته، والحق أنَّه يفيد الظن القوي.
الثالثة: ذَهَبَ أبو هَاشِمٍ، وجماعة إِلَى أن عَمَلَ الأُمَّةِ على وَفْقِ خَبَرِ الوَاحِدِ- دليل على صِدْقِهِ.
قال الفَخْرُ: وهو باطل؛ لوجوب العَمَلِ بخبر الواحد- وإن لم يقطع بِصِدْقِهِ؛ ولجواز أن يَكُونَ دَلِيلُ عملهم غَيرَهُ.
وزاد بَعْضُهُمْ: إن تَلقوهُ مع الفِعْلِ بالقَبُولِ قَوْلًا، لا يمتنع التَّصْدِيقُ؛ بِنَاءً على ظَاهِرِ العَدَالةِ.
الرابعة: قالت الزيدية: بقاء النَّقْل مع تَوفُّرِ الدَّوَاعِي على إِخْفَائِهِ- دَليلٌ على صدقه.
стр. 484
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
اعْلَمْ: أَنَّ الْمُرَادَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِـ "خَبَرِ الْوَاحِدِ": الْخَبَرُ الَّذِي لا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ.
===
قال الفَخْرُ: وهذا غَلَطٌ؛ فإنَّه يَجُوزُ أن يكون خَبَرَ آحاد، ثم اشتهر؛ بحيث لا يُقْدَرُ على إِخْفَائِهِ، والله أعلم.
[قوله]: "المسألة الرابعة: المراد فِي "أُصُول الفقه" بخبر الوَاحِدِ الذي لا يُفِيدُ العِلْمَ وَاليَقِينَ" يعني: أنَّهم لا يَقْصُرُونَ اسم "الآحَادِ" على ما يَرْويهِ الوَاحِدُ، كما هو حقيقة فيه، بل يريدون به ما لا يُفِيدُ العِلْمَ مع جَوَازِ الصِّدْقِ، وإن كان من عَدَدٍ، ولو أفاد خَبَرُ الوَاحِدِ العِلْمَ بانْضِمَامِ قَرَائِنَ إِلَيهِ، أو بالمعجزة - فليس منه اصْطِلَاحًا، فاصطلاحهم على خِلَافِ اللُّغَةِ طردًا وعكسًا، والمشهور انْقِسَامُ الخَبَرِ إِلَى قِسْمَينِ: متواتر وآحَاد.
وقال الأستاذ أبو إسْحَاقَ، وابن فورك، وجماعة:
الخبر ينقسم إِلَى ثَلاثةِ أقسام: متواتر، وآحاد، ومستفيض، وميزوا التَّوَاتُرَ بخبر جَمَاعَةٍ يفيد العِلْمَ ضَرُورَةً، والآحاد بما يفيد الظَّنَّ، والمستفيض بما أَفَادَ العِلْم بمخبره نَظَرًا، ومثلوه بما تَتَلقَّاهُ الأمة بالقَبُولِ، أو تعمل بمُقْتَضَاهُ؛ كقوله ﵇: "فِي الرقة ربع العشر"، و"لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ على عَمَّتِهَا وخَالتِهَا".
стр. 485
وَمَذهَبُ الجمهُور: أنَّ العَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ في الجُملَةِ خِلافًا لِقَوْمٍ.
===
وأنكره الإِمَامُ والغزالي، وقالا: ما لم يَتَوَاتَر، فيتصور فيه التوَاطُؤُ والغَلَط, وهذا منهما نِزَاعٌ في تَصَوُّرِهِ, والحق أنه لا يَمتَنِعُ تَصَورهُ في بعض الوَقَائِعِ، وإذا قيدوا المُتَوَاتِرَ بما أَفَادَ العِلمَ الضروري- بَقِيَ بَعضُ الصور التي يَحْصُلُ العلم بِصِدقِ خبرهم نظرًا؛ فيحتاج إلى تَميِيزِهِ باسم.
ومن الناس من قَال: المستفيض ما زاد ناقلوه على ثلاثة.
ومنهم من قال: المستفِيضُ ما يَعدهُ الناسُ شَائِعًا، وهؤلاء خَصوا بعض الآحَادِ باسم؛ لاشتماله على مَزِية, فالنزاع معهم يكون لفظيًّا.
قوله: "ومَذهَبُ الجمهور: أن العَمَلَ به وَاجِب في الجملة" يعني: بشرائط يأتي ذِكرُهَا، وإن اختلفوا في تفاصيل.
قوله: "خلافًا لقوم" , وعلى الجملة فقد اختلف الناس في جَوَازِ التَّعَبُّدِ به عَقلًا، فجوزه الجمهور، ومنعه قوم, والمُجوِّزونَ اختَلَفُوا في وقُوعِ التعَبدِ به شَرعا, والمُثبِتُونَ لذلك اتفَقُوا على دلالة السمع عليه. واختَلَفُوا في دَلالةِ العَقل: فذهب ابن سرَيج، والقَفالُ، وأبو الحسين إلى ذلك.
وأما المانعون له عَقلا، فَبَعضُ المبتدعة.
وأما المنكرون لوقوعه شَرعا، فقد اختَلَفوا: فمنهم من قال: لا دَلِيلَ عَلَيهِ, ومنهم من منعه سَمعًا، ويعزى إلى القاشاني، والنفرواني، وأبي بكر بن داودَ مِنَ الظاهِرِيةِ، وبَعضِ الشِّيعَةِ, وساعد الجميع على العَمَلِ بِقَوْلِ المُفتي، والشاهد، وعلى العمل به في الأُمُورِ الدنيوية.
وغلا قَومٌ من المحدثين، فقالوا: يفيد العِلمَ والعمل, وهؤلاء إن أَرَادُوا بالعِلم اليقين، فلا يخفى سُقُوطُهُ؛ فإن الوَاحِدَ يجوز عليه الخَطَأُ، والكَذِبُ. وإن أَطلَقُوا اسم العِلم على الظنِّ فَمَجَازٌ بَعِيدٌ, والمشهور في الاستعمال عكسه؛ قال الله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلا إِلَيهِ﴾ [التوبة: ١١٨].
ولا حُجَّةَ لهم في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنه يحتمل علمتم بِنُطقِهن
стр. 486
وَاحتجَّ المُثبِتُونَ بِأَشيَاءَ:
الحُجةُ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وَجهُ الاسْتِدلالِ: أَن الفِرقَةَ ثَلاثةٌ، وَالطائِفَةُ مِنَ الفِرقَةِ: إما اثنَانِ وإمَّا واحد، وَقَد أَوْجَبَ الله تَعَالى عَلَى كُل طَائِفَة أن يَتَفَقهُوا في الدِّينِ؛ لِغَرَضِ أن يُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم، ثُمَّ أَوجَبَ عَلَى أُولَئِكَ السامِعِينَ لِتِلْكَ الإِنْذَارَاتِ الحَذَرَ؛ لأَن قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾: كَلِمَةُ رجَاءِ، وَهُوَ عَلَى الله مُحَال؛ فَوَجَبَ حَملُهُ عَلَى الإِيجَابِ.
===
بكلمة الإِيمَانِ، أو علمتم حُكمَ الله -تعالى- عند النطقِ بذلك من جرَيَانِ أَحكَامِ الإيمان عليهن.
قوله: "واحتج المُثبتُونَ بحجج: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَجهُ الاستدلال أن "الفرقة" ثلاثة، والطائفة من الفرقة إما الاثنان أو الواحد، فقد أوجب الله -تعالى- على كُل طَائِفَة أن يَتَفَقهُوا في الدينِ بغرض أن يُنذِرُوا قومَهُم إذا رَجَعُوا إليهم، ثم أوجب على أولئك السَّامِعِينَ لذلك الإنذار الحذر؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ كلمة رجاء وهو على الله محال، فوجب حمله على الإيجاب".
قوله: "أن الفرقة ثلاثة" مُستدرَك؛ فإنه يوهم أنها لا تُطلَقُ إلا على الثلاثةِ، وليس كذلك؛ بل الثلاثة فرقة؛ فإن الفِرقةَ والطائِفَةَ من الناس بعضهم، وبعض الناس يَصدُقُ على الثلاثةِ، والاثنين، والواحد، وإذا صح إِطلاقُ الفِرقَةِ على الثلاثةِ، والطائفة من الفرقة بعضها - تَعَيَّن أن يكون الطائِفَةُ على هذا التقدير فيها اثنين، أو واحدًا كما ذكر.
قوله: "كلمة "لَعَل" لمة رجاء، وهو على الله -تعالى- مُحَال":
يعني: لأنه -تعالى- عَالِم بما سَيَكُونُ.
قوله: "فوجب حَملُهُ على مَجَازِهِ":
يعني: لِتَعَذُّرِ إرادة الحقيقة، فيحمل على ما يَستَلزِمُهُ الرَّجاء من الطلَبِ، ويتعين أن يكون الطلَبُ ها هنا لِلوُجُوبِ؛ لترتبِ الحَذَرِ عليه، وَالحَذَرُ إِنما يَتَحَققُ عِنْدَ سَبَبِ الخَوفِ، وَهُوَ من خَصَائِصِ الوُجُوب.
وَيرِدُ عليهَ أنه لا تَتَغَيَّرُ إِضَافَةُ الرجَاءِ في الآية إلى الله -تعالى- ليجب تأويله وحمله على الطلَبِ, بل جاز أن يُقَال: إِن ذلك حَثٌّ للفرقة النافرة على إنذار قَومِهِم إذا رَجَعُوا إليهم إنذَار من يرجو حذرهم؛ كقوله -تعالى- لمُوسَى وَهَارُونَ ﵉: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] أي: قول من يرجو تَذكُّرَهُ وخَشيَته مع عِلْمِ الله -تعالى- أن فِرعَونَ لا يَتَذَكرُ ولا يَخشَى, فلم قلتم: إن هذا غَيرُ مُرَادٍ؟ ! .
стр. 487
وَلقَائِلٍ أن يَقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أن يَكُونَ المُرَادُ من ذلِكَ الإِنذَارِ هُوَ الإنذَارَ بِالفَتوَى؟ !
وَهذَا أَوْلَى؛ لأنهُ تَعَالى رَتَّبَ هذَا الإِنذَارَ عَلَى التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وَالإِنذَارُ المَوقُوفُ عَلَى التفَقهِ في الدينِ هُوَ الْفَتوَى.
الحُجةُ الثانِيَةُ مَا رُويَ أَن النبِيَّ ﵇ كَانَ يَبعَثُ رُسُلَهُ إِلَى القَبَائِلِ؛ لِتَعلِيمِ
===
قوله: "ولقائل أن يَقُولَ: لم لا يَجُوزُ أن يكون المُرَادُ من الإِنذَارِ هو الإِنذَار بالفَتوَى؟ وهو أَوْلى؛ لأنه -تعالى- رَتَّبَ الإِنذَارَ على التفَقهِ في الدِّين, والإِنذَارُ المَوقُوفُ على التفَقهِ في الدينِ هو الفَتوَى":
يرد عليه أن مَضمُونَ الآية البَحْثُ على الخُروجِ مع رَسُولِ الله ﷺ للغزو بِإِظهَارِ ما تَرَتبَ عليه بعد ما علم من فَوَائِدِهِ من الأَغرَاضِ المُهِمةِ لِلعقَلاءِ من التفَقهِ في الدينِ، والإنذار، ولكل واحد منهما غَرَضٌ حَامِل على الخُرُوجِ، وليس في ذلك ما يَقتَضِي تَرتِيبَ أَحَدِهِمَا على الآخَرِ؛ فإنه عطف أحدهما على الآخر بـ "الواو" ولا إِشعَارَ لها بالترتِيبِ, والتفَقُّهُ لغَةً أَعَلم من التهَيؤِ لِلفُتيَا؛ فحمله على ذلك بَعِيدٌ, لكن لِقَائِلٍ أن يَقُولَ: لم قلت: إِنه يَلزَمُ من وُجُوبِ الإِنذَارِ وُجُوبُ العَمَلِ به، وغايته لزومُ القَبولِ بخبرهم، ولا يلزمْ من وُجُوبِ القَبُولِ بخبرهم استِقلالُ العَمَلِ به؛ كما لا يَلزَم من وجُوبِ أَدَاء شهادة العَدلِ ووجوب قَبُولِهَا، استِقلالُ الحُكمِ بها؟ !
قوله: "الثانية: ما رُويَ أنه ﷺ كَانَ يَبعَثُ رُسلَة إلى القَبَائِلِ لِتَعلِيمِ الأَحكَامِ؛ وذلك يَدُل على أن خَبَرَ الوَاحِدِ حُجة":
هذا المَسلَكُ احتج به الشافِعِيّ، واعتمد عليه جُمهُورُ الأَئِمةِ؛ فإنه علم قَطعًا ويقينًا من سِيرَتِهِ ﷺ أنه كان يَبعَثُ كتبه على أيدي الآحَادِ، وسُعَاتِهِ، ورسله، وَوُلاتِهِ, وقد بعث معَاذًا، وعَلِيًّا , وَعَمرَو بنَ حَزمٍ إلى "اليمن"، ومصعب بن عُمَيْرٍ إلى "المدينة"، وَعَتَّاب بن
стр. 488
الأَحكَامِ؛ وَذلِكَ يَدُلُّ أَن خَبَرَ الوَاحِدِ حُجَّةٌ.
===
أسيد إلى "مكة" وبعث عمر وأبي بن كَعبٍ، وأبا هُرَيرَةَ على الصدقات, وأمر مُنَاديًا أن يُنَادِيَ بتحريم الخَمرِ، ومناديًا بِتَحرِيمِ صِيَامِ أَيام "مِنى", وغير ذلك؛ وكان يُكلفُهُمُ
стр. 489
وَلقَائِل أن يَقُولَ: لَعَلَّهُ كَانَ يَبعَثُ أُولَئِكَ الآحَادَ لأَجلِ الفَتوَى، وَعِندَنَا: أَنَّ فَتوَى الْوَاحِدِ وَاجِبٌ العَمَلُ بِهَا، وإنَّمَا النِّزَاعُ في أَن المُجتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أن يُفْتِيَ بِنَاءً عَلَى خَبَرِ الوَاحِدِ؟ وَمَا ذَكَرتُمُوهُ لَا يَدُل عَلَيهِ.
===
العَمَلَ بأقوالهم، ولو تَوَقفُوا إلى التوَاتُرِ لَحُزَّت رِقابُهُم.
قوله: "ولقائل أن يَقُولَ: كان يَبعَثُ الآحَادَ لأجل الفُتيَا" ورَجحَهُ بأنه حُكم خَاصٌّ في زمان خَاصٌّ، بخلاف الخبر؛ فإنه يفيد حُكمًا عَامًّا دَائِمًا؛ ولأَن الحَاجَةَ إليها أَمَسٌ وأَقرَبُ مما ذَكَرَهُ أن أكثرهم وُلاة وحُكام.
وجَوَابُهُ: أن يقال: الإِخبَارُ بأن هذا كِتَابُ رَسُولِ الله ﷺ إِلَيكم، وأنه ألزمكم العَمَلَ بما فيه ليس من الفَتوَى, وكذلك تَفَاصِيلُ العِبَادَاتِ من الصلاةِ وَالصومِ وَالصدَقاتِ والجِزيَةِ مما لا يجوز الرأيُ والقياس فيها, ولا طريق فيها سوى النقلِ.
ثم ما ذكره من تَرجيح حَملِهِ على الفُتْيَا مُعَارَضٌ بأن ما ذَكَرنَاهُ أكثَرُ فائدة؛ لِعُمُومِ الإِنذَارِ بِالفَتوَى، والإخبار عن الأَحكَامِ، والقصص؛ لدعاء الحَاجَةِ إلى الجَمِيعِ.
стр. 490
وَالدلِيلُ عَلَى الفَرقِ بَينَ البَابَينِ: أَن الفَتوَى تَقتَضِي ثُبُوتَ حُكم في حَق شَخصٍ مُعَين، في زَمَان مُعَين. وَأَمَّا التمَسكُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، فَإنهُ يُوجِبُ شَرعًا بَاقِيا عَلَى كُل المُكَلفِينَ إلى قِيَامِ يوْمِ القِيَامَةِ، بَلِ الطاهِرُ أَن الحَق مَا ذَكَرنَاهُ؛ لان أُولَئِكَ القَبَائِلَ كَانُوا عَوَام، فَكَانُوا مُحتَاجِينَ إِلَى المُفتِي، وَلَمْ يَكُنْ بَينَهُم مُجتَهِد حَتى يُقَال: إِنهُ كَانَ يَجتَهِدُ بنَاءً عَلَى خَبَرِ الوَاحِدِ.
الحُجةُ الثالِثَةُ: أنَّ بَعضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِمُقتَضَى خَبَرِ الوَاحِدِ، وَسَكَتَ البَاقُونَ عَنِ الإنكَارِ، وَمَتى عَمِلَ البَعضُ، وَسَكَتَ البَاقُونَ عَنْهُ حَصَلَ الإجمَاعُ.
وَإنما قُلْنَا: إنهُ عَمِلَ بَعضُ الصَّحَابَةِ بِمُقتَضَى خَبَرِ الوَاحِدِ؛ لأنهُم عَمِلُوا عِند سَمَاعِ ذلِكَ الخَبَرِ عَلَى وَفقِ ذلِكَ الخَبَرِ؛ فَوَجَبَ أن يَكُونَ لأجلِهِ:
بَيَانُ الأولِ: بِالرِّوَايَاتِ.
وَبَيَانُ الثانِي: هُوَ أَن الظَّاهِرَ عَدمُ غَيرِهِ.
وَأَما أَنهُ سَكَتَ الباقونَ عَنِ الإنكَارِ، فَهُوَ أَنهُ لَوْ حَصَلَ ذلِكَ الإِنكَارُ لاشتَهَرَ، وَلَو أَشتَهَرَ لنُقِلَ، وَلَوْ نُقِلَ لَوَصَلَ إِلَينَا, ولَمَّا لَمْ يَصِل إِلَينَا؛ عَلِمنَا أَنهُ لَمْ يوجد.
===
ومما أورد على هذه الحُجةِ: أنه جَازَ أن يكون عملهم بذلك؛ لِعِلمِهِم بما أخبروا به؛ لاحتِفَافِهِ بِقَرَائِنَ.
وجوابه: أَنا لا ننكر اتفَاقَ ذلك في بَعْضِ الوَقَائِع على نُدُورٍ, أما وُقُوعُهُ في كل ما أخبروا به مع كثرتها، فنعلم بالعادة نَفيَهُ, والله أعلم.
قوله: "الحجة الثالثة: أَن بَعضَ الصَّحَابَةِ عمل بخبر الوَاحِدِ، وسَكَتَ البَاقُونَ عن الإِنكَارِ، وذلك يوجب الإجماع, وإنما قُلْنَا: إن بعض الصَّحَابَةِ عمل بخبر الوَاحِدِ؛ لأنهم عملوا عند سَمَاعِ ذلك الخَبَرِ على وَفقِ ذلك الخَبَرِ، فوجب أن يَكُونَ لأَجلِهِ: بَيَانِ الأول: بالروايات. وبيان الثاني: هو أَن الظاهر عدم غيره، وأما أنه سَكَتَ البَاقُونَ عن الإنكار، فهو أنه لو حصل ذلك الإنكار لاشتهر، ولنقل، ولوصل إلينا؛ ولما لم يصل إلينا، علمنا أنه لا يُوجَدُ. وأما أنه متى حَصَلَ عملُ البَعضِ، وسكت البَاقُون عن الإنكار حصل الإجماع؛ لأنه لو كان باطلًا لوجب إظهار الإنكَارِ، وإلا لكانت الأُمةُ مُجمِعِينَ على الخَطَأ، وذلك باطل؛ فَوَجَبَ أن يَكُونَ الحُكمُ حَقًّا، وهو المَطلُوبُ": وما ذكره من التقريرِ واضح لا ليس فيه، إلا أنه لم يَنقُل من الوقَائِع التي عملوا فيها بخبر الوَاحِدِ شَيئًا؛ طَلَبًا للاختِصَارِ.
وقوله في تَقديم أنهم عَمِلُوا لأجلها: "لأن الظاهِرَ عدَمُ غيرها" فإن المحتجين بها يَدعُون العَمَلَ بها؛ جَزمًا بِقَرَائِنِ الأحوَالِ لا ظاهرًا.
стр. 491
وَأَمَّا أَنهُ مَتَى حَصَلَ عَمَلُ البَعضِ وَسكَتَ البَاقُونَ عَنِ الإِنكَارِ؛ حَصَلَ الإجمَاعُ-: فَلأنهُ لَوْ كَانَ ذلِكَ بَاطِلا - لَوَجَبَ إِظهَارُ الإِنكَارِ؛ وإلا لَكَانَتِ الأمة مُجمِعِينَ عَلَى الخَطَأ؛ وَذلِكَ بَاطِل؛ فَوَجَبَ أن يَكُونَ ذلِكَ الحُكمُ حَقا؛ وَهُوَ المَطلُوبُ.
===
وأما مَوَاقِعُ العَمَلِ: فمنها عَمَلُ أبي بَكر الصديق ﵁ بخبر المغيرة ومحمد بن مسلَمَة في تَوْرِيثِ الجدة,
стр. 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعمل عمر بخبَرِ ابن عَوف في أَخذِ الجِزْيَةِ من المَجُوسِ، وبخبر حمل بن مالك بالغُرَّةِ
стр. 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في الجنين، وبخبر الضحاك بن سُفيَانَ بأنه كتب النبي ﷺ إليه أن وَرث امرَأَةَ أَشيَمَ الضبَابي
стр. 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من دية زَوجها، وبخبر عمرو بن حَزمِ أن فِي كلِّ إصبَع عَشَرَة مِنَ الإِبِلِ، وَعَمَلُ عثْمَانَ
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابنِ عَفَّان بخبر فُرَيْعَةَ بنت مالك في سُكنَى المُتَوَفى عنها زَوجُهَا، وعمل زَيد بن ثابت
следующие страницы →