← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 145168

شرح المعالم في أصول الفقه

ابن التلمساني

Полный текст (746 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأما التَّمسُّكُ بِإجمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ في غَايَةِ البُعْدِ. ثُمَّ نَقُولُ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقصُودِ من أَن الصَّحَابَةَ ﵃ أَجمَعُوا عَلَيهِ فَهُوَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِإقَامَةِ الدَّلالةِ عَلَى أَن الإِجمَاعَ حُجَّةٌ، وَتِلْكَ الدَّلآلةُ لَيسَتْ إِلَّا تِلْكَ الْعُمُومَاتِ البَعِيدَةَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وَسَائِرِ الآيَاتِ المَذكُورَةِ في هذِهِ المسألة فَثَبَتَ: أَن هذِهِ العُمُومَاتِ ضَعِيفَةُ الدَّلالةِ عَلَى إِثبَاتِ أَنَّ الإِجمَاعَ حُجَّةٌ، وَأَن الْقِيَاسَ حُجَّةٌ. === اشترط في صِحَّةِ العلةِ نقضها، وهو محالٌ. وهذا أورده بعضُ الحُذَّاقِ على أبي حنيفةَ، وهو غيرُ لازِم؛ فإنَّ له أنْ يَقُولَ: الشرْطُ وجودُ الوصفِ في غير مَحَل النَّص بلا قيدٍ، وهو أهم من قيدِ انتفاء الحُكمِ فيه أو ثُبُوتِهِ؛ ومذهَبُهُ باطلٌ بالعلَّة القاصرة المنصوصةِ؛ فإنه اعتَرَفَ بصحَّتها، وإذا صحَّ التعليل بالقاصرة، فهل تكونُ أقوَى من المتعدية، أو المتعديةُ أقوَى، أو يتساويان؟ فيه خلاف نَذكُرُ مأخذه في الترجيحِ، إن شاء الله تعالى. وشرط قوم اطرادَهَا، وسيأتي، واتحادَهَا , وليس بشيء؛ فإنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ معرِّفَات، وأكثَرُهَا ذواتُ أوصافٍ، والعِليَّة ليسَتْ صفة محقَّقة، فيمتنع قيامُها بالمتعدد، وإنَّما معناها قَوْلُ الشَّارع: "جَعَلْتُ هذا الشيء منشأ"، والقَوْلُ لا يكسبُ المَقُولَ صفةَ قيامه. وشَرَطَ قَوْمٌ إلَّا تكُونَ حُكمًا شرعيًّا , وليس بشَيءٍ؛ فإنا نعلِّل القصاص بالقتل العَمْدِ العدوانِ؛ فالعدوانيَّةُ حُكْمٌ شَرْعي. ونمنع البَيعَ، ونعلله بنجاسةِ المَحَل، ونعللُ وجود الحَدّ بالفعلِ المحرَّمِ. وليسَ من شرطها العَكسُ؛ لصحة تعليل الحُكمِ الشرعيّ بعلَّتَينِ؛ كما لو مَسَّ وبال معًا، أو خَلَطَ لبن أخته بلَبَنِ زَوجةِ أخِيهِ، وسَقَاه طِفلَة في الحولَينِ، وقد فعل ذلك خَمسَ مَرات؛ فإنها تحرم عليه بأنه عَمُّها وخالُها، وهَذَانِ المثالانِ يَقطَعَانِ عند مَن يقُولُ عند اجتماعِ العِلَلِ التي عُلِمَ تأثيرُها واستقلالُهَا في المَحَل الواحد: إن الحُكمَ يضاف إلى أسبقها وإلَى أقوَاهَا؛ فإنه لا يتصوَّر فيما فرضنَاهُ ذلك، وقولُ الإِمام في تحريمِ وطء الزوجَةِ المُحرِمَةِ الصائِمَةِ المعتدة: إنها تحريمات متعددة؛ بدليلِ اختلاف أَحكامِهَا وغاياتِهَا- بَعِيدٌ؛ وكذا إِباحةُ دمِهِ بالقَتلِ والزنا والرِّدة؛ فإن منع الوطء من حَيثُ إنه منع لا يختلف؛ وكذلك إباحةُ دَمِهِ، ولا يمتنع اقتضاءُ الشيءِ الواحدِ لأحكام عديدة، لكن الكلامَ فيه، اشتَرَكَا فيه؛ فإنه لا يُعقَلُ التعدد، مع اتحَادِ المُتَعَلق به. ولِقَائِل أن يقولَ: المُشتَرَكُ معلل بقدر مشتَرَك، إن أمكن تحقيقُهُ وبيانُ اعتباره من ذلك الوَجهِ. وما يعتمده الفخر في إبطال التعليل بعلتَينِ من أن الحُكمَ لو ثبت بِهِمَا، لاستغنى عنهما؛ عَلَى ما تقرر في دَلالة الوجدانيات أنها تَجرِي في العِلَل العقلية المؤثرة، أما الشرعيَّةُ،

стр. 667

وَأَمَّا العُمُومَاتُ التِي يُرَادُ تَخصِيصُهَا تَارَةَ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، وَتَارَةَ بِالقِيَاسِ -فَهِيَ عُمُومَات في غَايَةِ القُوَّةِ؛ فَكَيفَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أن يَقُولَ: الحُكمُ الْمُثبَتُ بِالْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ أَكثَرَ مُقَدِّمَاتِ؛ إلا أَنَّ تِلكَ الْمُقَدِّمَاتِ أَقوَى. وَأَمَّا الْحُكمُ الْمُثبَتُ بِالْعُمُومَاتِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ دَلِيلُهُ أَقَل مُقَدِّمَاتِ؛ إلا أَنَّها أَضعَفُ؛ فَظَهَرَ الفَرْقُ، وَظَهَرَ: أَنَّ هذَا الْكَلامَ لَا يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ الْمُتَسَائِلِ في غَوْرِ الْكَلامِ؛ فَلَا يَجِبُ ذِكرُهُ وَالالْتِفَاتُ إِلَيهِ في هذَا البَابِ. وَمَنْ تَأمَّلَ في القُرآنِ وَجَدَ مَا يَقرُبُ من مِائَتَي آيَةِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَقدِيمِ النَّص عَلَى الرَّأيِ. === فإِنها وضْعِيَّة بمعنى المعرِّف، ولا يمتنع اجتماع المعرفات، ولو فسرت بالداعي الدَّاعِي؛ فلا يمتنعُ اجتماعُ ذلك أيضًا. وشَرَطَ قومٌ ألا يُقطَعَ بانتفاءِ الحِكمَةِ عن الضَّابط؛ فإِنا إِنما أردنا الحُكمَ على الضَّابِط؛ لأنه مَظِنَّةُ الحكمة؛ إِذ يُظَن عند وجوده وُجُودُهَا غالبًا بالنسبة إلى جِنس الحُكم. ويُكتَفَى في بَعْض الصوَرِ باحتمالها, ولو عَلَى بُعْدٍ؛ فإنا لو شَرَطنا ظهورَهَا في كُل صورَةِ، للزَم العُسْرُ الذي لأجله عُدِلَ عن إنَاطَةِ الحُكمِ بها إلى ضابطها؛ ففَوَاتُ ظَن الحِكمة في بَعْضِ الصُّوَر فواتُ ما لَيسَ بشرط؛ فلا يَضرُّ. أما إذا قُطِعَ بانتفاءِ الحكمة عنه قطعيًّا في بعض الصُّورِ، فهل يثبت الحُكْم بناء على المَظِنةِ، أو ينتفي بناءَ على نَفي الحكمة؟ - فيه خلاف، أكثر الجدليينَ قالوا بالمَنعِ، واختار ابن يحيى الصَّحَّة، وللغَزاليِ ميل إلَيه؛ قال في "الوسيط" في مسألة الطَّلاقِ في الحَيض: "الحِكمَةُ: أنَّه يَدَّعِي تطويلَ العِدَّةِ". فَرْعٌ: لو قال لها: أنتِ طالق مع آخر جُزء من الحَيضِ، فهذا طلاق صادف الحَيضَ، والحكمةُ: أنه يدعي تطويل العدة. فَرعٌ: لو قال لها: إن صادف الحَيضُ، ولكن تستعقب العدَّة؟ فلا تطويلَ. ومنهم: مَنْ نظر إِلَى المَظِنَّة، وهي الحَيضُ؛ فقال: هو بدعى. وكذلك الخلاف فيما إِذا قال: مَعَ آخِرِ جُزء من الظّهْرِ، قال: ولعل النَّظَرَ إِلى المَظِنَّةِ أولَى، وعلى هذا يخرح كثيرٌ من المسائلِ؛ كشَرْع الاستنجاءِ من حصاة لا رطوبة معها، أو الغُسل من وضع الوَلَدِ الجَاف، ونظيرِ ذلك. وشَرَطَ قَوْمٌ في العِلةِ المستنبَطَةِ أَلَّا تَرْفَعَ حُكمَ ما استنبطت منه، فَتُعَكرَ عَلَى أصلها؛ كإخراج أبي حنيفةَ قيمة الشاةِ؛ قياسًا عَلَى وجوب إِخرَاجِ الشاةِ؛ لسد حاجة الفقير. وفي المثال نظرٌ؛ فإنَّ إِباحة المسح على الخُف ليس رفعًا لوجوبِ غَسلِ الرجلَينِ، وغايتُهُ

стр. 668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === إثبات بخبر، فكذلك ها هنا، والمُشكِل على أبي حنيفةَ: أنه يرى الزيادَةَ على النصّ نسخًا. فإذا تقرَّر معرفةُ شرائِطِ القيَاسِ، فنعودُ إلى ذِكرِ القوادِحِ والاعتراضاتِ، وقد رتَّبها الجدليُّونَ عَلَى مقدماتٍ ثلاثةٍ: الأولى: المناقَشَاتُ اللَّفظية. والثانية: المُؤَاخَذَاتُ الجَدَلِيَّةُ. والثالثة: المفاقهة المَعْنَويةُ والإلزَامَات الأحكامية. فأما المناقشَاتُ -ويسمُّونها استدراكات أيضًا- فهي: كُل ما يرجع إلى خَلَلِ في التعبيرِ؛ كاستعمالِ الألفاظِ المُجْمَلَةِ والغرِيبَةِ، والزيادة والنقصِ، واستعمالِ اللَّفْظِ في غَيرِ ظاهِرِهِ، أو مَا ظَاهِرُهُ يُوهِمُ مُنَاقَضَةً. قَال القاضِي: ما ثبت فيه الإبْهَامُ، وجَبَ عنه الاستفهامُ، وعلَى هذا فلا ينبغي أن يُعَدَّ سُؤَالُ الاستفسَارِ ولا سُؤَالُ التقسيم، من الاعتراضاتِ الفقهيةِ؛ وإن عدَّها قَوْمٌ؛ فإن مثارها من تَرَدُّد اللفظ بين جهات، وعَلَى المستَفْسِرِ لأجل الإِجمالِ أن يبين صلاحيَّة اللفظِ لاحتمالينِ فصاعدًا، ولَيس عليه بَيَانُ التساوي؛ فإنه يعسر، بل على المستدِل أن يبين مراده منها أو من غيرِهَا، وأنَّ ذلك الاحتمال ظاهرٌ بالوَضَع أو بعرفِ الاستعمالِ، أو بقرينةِ,, وأما الغرابة، فلا تسمع إلا إذا كان غريبًا عن الاصطلاحِ أوَ يكون من حوشِي اللغةِ، فإن استفسر عنه لعَدَمِ معرفتِهِ بالاصطلاحِ، فيقال له: "قُم فَتَعَلَّم، ثُم ارْجِع فَتَكَلَّم". وأما التقسيمُ، فهو أن يُبَينَ المُعتَرِضُ أَنَّ لِلفظِ احتمالينِ، ويمنع وجودَ أحَدِهما، ويسلِّم الثاني، وَيبنِي عليه غَرَضًا في القَدْحِ. وقد منع بَعضُهم من منع القسمَين معًا بعد التقسِيمِ، والصَّحيحُ أنَّ له ذلك إذا خَصَّ كلَّ تفسيرِ بتقدير، وإلا فلا فائدَةَ في التقسِيمِ، مثالُهُ قوْلُ الشَّافعيِّ في السَّفَرجَلِ: مَطعُومٌ؛ فلا يجوزُ بيعه مُتَفَاضِلًا كالزبيبَ. فيقول المعترضُ: ما تَعْنِي بمَطعُوم: إِن عَنَيتَ به ما له طعْمٌ يُدْرَك بحاسَّة الذوق، فيبطُلُ بالطينِ, وإن عَنَيتَ به ما يُعَدُّ للأكل؛ فيبطُلُ بالغنم والدَّجَاجِ؛ فإنها تعد للأكل، ولا يمتنع بَيعُ الشاةِ بشَاتَينِ عتدَكَ. ومما يُعَد من المناقَشةِ سؤالُ التقريرِ؛ وهو أن يكُونَ اللفْظُ ظاهرًا، لكن له احتمالٌ يقرب إرادَتُهُ عند قرينة، فيبني المعترض كلامَهُ علَيه؛ يقول الشافعي في مسألة إِزالة النجاسة: طَهَارَة تُعُبِّدَ بها؛ لأجل الصّلاة، فتختصٌّ بالماء؛ كالحدث. فيقولُ المعترِضُ: المفهوم مِنْ لَفْظٍ الطهارةِ المُضَافَةِ إِلى الثَّوْب نَقَاؤُهُ عن الخُبث الذي وَرَدَ عليه, وهذا المعنَى لا يشتَمِلُ عليه الأَصْلُ؛ فهو جمعٌ بمجرَّد تسميته، أو يقال: إِن المَفْهُومَ منه قضية حسيَّة لا تتلقى من قياسٍ. وأمّا المؤاخَذَاتُ الجدلية: فكلُّ ما يَرْجِعُ إِلَى خَلَلِ في تركيب أضلِ الدليل في زعم المعتَرِضِ؛ كترتيب قياس من سالِبَتَينِ، وكجعل المقدمة الصغرَى سالبة مِنَ الشكل الأول مثلًا؛

стр. 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فيجيبُ عنه بأنه من قُوَّة المثبتةِ بأن يكون المراد منه لازِمَ النَّقِيضِ؛ كما لو قال: ليس بمعْلُوم، فمعناه مَجهولٌ، أَو لَيس بحَي، فمعناه: ميِّت. وأمّا المفاقهات المعنويَّة: فهي المقصودَةُ، وهي كلُّ ما يرجع إلى ممانَعَة أو معارَضَةٍ أو إِلزام مناقضةٍ، أو بيانِ حَيدِ الحُجةِ عن المطلوب، وقد اختلَفَ النُّظَّار في عدد الصحيح منْهَا,, والأَقربُ أنها ترِجعُ إلى عَشَرَةِ أسئِلَةٍ: الأول: فَسَادُ الاعتبارِ، وحاصله النِّزَاع في صحة جنس الدَّليل؛ كما لو استدل الشافعي على الحنفي بالمَفْهُومِ، أو على الظاهري بالقياسِ، فيقول: لا نُسَلمُ أنه حُجة، وعلى المستَدل إِثباتُ أنه حُجَّةٌ، ولا يضره التطويلُ بالنَّقل إِلى مسألة أخرَى؛ إذ المقصود يَنبَنِي عَلَى صِحتها، والتطويلُ في المقصودِ مسمُوعٌ، وإلا فليس إِلزامُ المستَدِل المُعتَرِضَ بأصل لا يقولُ به- بأولى من منعِ المُعتَرِضِ المُستدِل لأصل يقولُ به، فيسوغ منه، لا سيما إِذَا لم يكُنْ للمستَدِل طريقٌ لإثبات الحُكم سِوَى هذا الأصلِ. الثاني: فسادُ الوَضعِ، والمشهورُ منه استعمالُ القياسِ في مقابَلَةِ النَّص أو الإجماعِ؛ فإِنه استعمال للقياس في غَيرِ مَوْضعه، وإن كان حُجة في الجُملَةِ؛ فإن المعتَمَدَ في العَمَلِ به سِيرَةُ الصحابةِ (رضوان الله عليهم) وكانوا لا يَعدِلُونَ إلى القياسِ إِلَّا عند اليأسِ عن النُّصوص، وعليه يدل حديثُ معاذ, وقد ذَمَّ الله -تعالى- قومًا قاسُوا في مقابلة النَّصِّ؛ حيث قالت ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ورد عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكذلك قياسُ إِبلِيسَ في مقابَلَةِ النص، وجوابه بالاعتراضِ على النص بما يعترضُ به على النصوصِ مِنَ الطعنِ أو الإِجمال أو التأويلِ، أو القَوْلِ بالموجِب أو بالمعارَضَةِ، ليسلم القياسُ أو يُرَجّحَ القياسُ على ظاهِرِ النَّصَّ، إنْ أَمْكَنَ، والجَمع بين الأدلةِ وَالتوفيقُ بحَسَبِ الإِمكان. وعند الحنفية من فَسَادِ الوَضع: القياس في الكفارات والحُدُودِ والمقدَّرَات والرُّخَص، وقدْ تَقَدَّم أنه إن تحقق صورة القياس بشَرَائطه، وجَب العملُ به، إِذ لا قَيدَ في الأَدِلَّةِ الموجِبَةِ للعَمَلِ به ببَاب دون باب, وإن لم يتحقق، فهو باطل؛ لفساد أركانه؛ وليس من فساد الوَضع في شيء, ولا يعد من ذلِكَ قولُهُم: "وَصفُكَ يشعِرُ بنَقِيضِ حُكمِكَ"؛ يقول الشافعي في تَكرَار مَسحِ الرأسِ: مَسْحٌ؛ فيشرع فيه التكرارُ؛ قياسًا على مَسْح الاستطابة، فيقولُ الحنفي: شَرْعُ المسح يُشعِرُ بالتخفيفِ، فاعتبارُهُ في التكرار اعتبارٌ له في التثقيل، وهو نقيضُ ما استَقَرَّ في الشَّرْع" وبالجملةِ فمن هذا النوع كل شيئين عُلِمَ من قواعِدِ الشَّرْع تباينهما في حِل الأحكامِ، فقياس أحدهما على الآخر يعد من فساد الوضع، وبعضهم يسمي هذا فساد اعتبارٍ، ولا يتميز هذا السؤال من غيره من

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأسئلة، إذا تبيَّن أن الوصف معتَبَرٌ بالنص أو الإجماع في نقيض الحُكمِ من ذلك الوجهِ، ويكون فساد وضعه في حُكمِ السببية، والأولُ في حُكم المَسألةِ، فإن تَبَينَ أنه مُعتَبَرٌ في نقيضِهِ من وَجه آخَرَ- فلا يَقدَحُ؛ لتعدد الجهة، إنّ أمكن الانفكاك؛ كالصلاة في الدّار المغصوبة, وإن كان من عَينِ تلكَ الجهة أو من غيرها, ولا يُتصوَّر الانفكاكُ بَينَهُ وبين الاجتهاد والمُنَاسَبَة- فهو قَدح في المناسَبَة بالمُعَارَضَةِ, وفي قبوله خلافٌ مشهور، والأصحّ قبولُهُ؛ فإن المناسبات قضايا عرفيَّة" وإن ردّه إلى أصلِ المستَدِل، ومن اعتبره بالاجتهادِ فهو القَلْبُ. السؤال الثالث: المنع، وهو أربَعَة: الأَوّل: مَنْعُ وجودِ الوَصفِ في الأَصْلِ. الثاني: منع وجُودِهِ في الفَرْعِ، ويسمى إثباتُهُ في الفرع "تحقيقَ المَنَاطِ"، وهو مسمُوعٌ، وعليه تحقيقُهُ بطريق مِنَ العَقل، أو العُرْف، أو الشرْعِ، فهل تُقبَلُ فيه العنايةُ؟ الصحيحُ قَبُولُها؛ إذا فَسَّره بما يحتملُهُ اللفظ، ولو عَلَى بُعد؛ فإن الألفَاظ لا تَكَادُ تفي بجملةِ المعانِي إلَّا لِمَجَازٍ، أو استعارة، وشرطه بعد التفسِيرِ: أن يكون ثابتًا باتفَاقِ الخَصمَينِ" أمَّا إِذا فَسرَّه بما يَحتملُهُ عَلَى بُعْدٍ، وهو غير ثابت باتفاقهما - فقد فَاتَهُ الأحْسَنُ لا إلى فائدةٍ. الثالث: منع كونه علة، ويسمى "سُؤَال المطالبَةِ" ويكفي فيه قَوْلُهُ: لِمَ قلتَ؟ ؟ ، ولا يُسمَع من المعتَرِضِ تقريرُ عَدَمِ الصلاحية على الأَصَح، بل عليه أن يَسمَعَ مُستَنَدَ المُستَدِل، وذلِكَ مِن مسالِكِ التعلِيلِ، ويعتَرَضُ عَلَيهِ بما تليق به معارضته حينذٍ، فإن السيل لا يَسبِقُ المَطَرَ. الرابعُ: مَنع حُكم الأَصلِ، وقد تقدّم ذكرُ الاختلافِ فيه، وأن المستَدِل هل ينقطعُ به، والأصحّ أنه لا ينقطعُ؛ إنَّ أثبته بنَص أو إجماع مظنون. السؤال الرابع: بيان عدم التأثير: قال المصنف: "فإذا حَصَلَ في المَحَل ما عُلِمَ كونُهُ موجِبًا للحُكمِ- فإن ذلك دليل على امتناعِ إسناده إلى وصف سواه": حاصلُ هذا السؤالِ: يرجعُ إلى بيان أَمر في الدليلِ لا تَأثِيرَ له ألبتة، وهو ينقسمُ إلى أربعةِ أقسام: الأول: عدم التأثيرِ في الأصلِ. مثالُهُ: قولُ الشافعي في مَنع بيعِ النائِب: مبيع اشتملَ على غَرَر يمكنُ الاحتراز عَنه؛ فلا يصحُّ؛ كبيع الطَّيرِ في الهواء والسمكِ في المَاءِ. فيقولُ المعترض: لا أَثَرَ لكونه مَبِيعَ غَرَرٍ في الأصلِ؛ فإن العَجزَ عَنْ تَسلِيمِهِ كافٍ في مَنعِهِ.

стр. 671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الثاني: عَدَمُ التَّأثيرِ في الوَصْفِ بأن يَكُون الجامِعُ وَصفًا طرديًّا إمَّا مُطلَقًا؛ كالسَّوَادِ والبَيَاضِ، أو بالنسبَة إلى الحُكمِ؛ كالذكُورة والأُنوثَةِ في العِتق، وأمثلتُهُ كَثيرَة. الثالثُ: عَدَمُ التأثِيرِ في الحُكم، وهو تَقييِدُ الحُكمَ بوصف لا أثر له فيه؛ يقول الحنفي: إِن المرتدّين إذا أَتلَفُوا أموال المسلمين، فلا ضَمَانَ علَيهِم؛ لأنهم مشركُونَ أَتلَفُوا في دار الحَربِ، فلا ضمان عليهم, ودارُ الحَربِ وغَيرُهَا عندهم سواء في عدم الضمَانِ؛ فلا فائدة بالتقييد بِهَا. الرابعُ: عَدَمُ التأثِيرِ في الفَرْعِ؛ يقول الشافعي في مسألة أن المَرأَةَ لا تَلي عَقْدَ النِّكَاحِ: لأنها زَوجَت نفسَهَا من غير كُفء؛ فلا يصح. والنِّزَاعُ في الكفء وغَيرِهِ؛ فلا أثر للتقييد بغير الكفء. والمحقِّقون لا يَعُدُّون هذا سؤالًا مستَقِلًّا بنَفْسِهِ على القياسِ؛ فإن الضَّربَ الأول يرجعُ إلى المُعَارَضَةِ في الأَصلِ, والثاني: إلى القدحِ في المناسَبَةِ" وسؤالُ المطالب مُغن عنه, والثالث: إلى القدح في المناسَبَة أيضًا؛ إنّ كان الوصفُ طرديًّا, وإلى الإِلغاء؛ إِن كان مناسِبًا، والرابعُ: يرجعُ إِلى المناقَشةِ في فَرْضِ الدَّلِيلِ في بَعْضِ صُورِ النَّزَاعِ. وفي صِحَّةِ الغَرَضِ في الفتوَى في صورة من صُوَرِ المَسألة مع عُمُوم الخلافِ في الجميعِ، أو فَرْضِ الدليلِ بَعْدَ تعميمِ الفتوَى- خِلافٌ بين النُّظَّار، ومَنَعَهُ أبو إِسحاق, والأقربُ جوازُهُ؛ فإِن المستَدِلِّ قد لا يساعِدُهُ دليل عام بأن يكون بعْضُ الصوَرِ ثابتة بالنَّصِّ وبعضها بالقياس على المَنْصُوصِ، أو يكون تقديرُ الدليلِ في بَعْضِ الصُّوَرِ أظهَرَ أو يتخلَّص بالغرض عن قائِلِه، ثم بَعْدَ صحَّةِ الدليل في تلك الصوَرِ المعيَّنة تعين الحُكمَ بأنَّه لا قائلَ بالفَرقِ، أو تبين عُمُومُ المأخذِ. قوله: "الثاني: النَّقضُ": وهو السؤَالُ الخاصُ على ما تقدَّم. قولُهُ: "وهو أن يوجَدُ ذلك الوصْفُ في بعض الصُّوَرِ مع تَخَلُّفِ الحُكمِ عنه": قال بعضُهمْ: إن ذلك يَقدَحُ في كون الوصف عِلَّة، وَهُمُ المنكِرُونَ لتخصيصِ العلةِ. وقال آخرونَ: إِنه يقدَحُ في كونِ الوصفَ علة بشَرْطِ إلَّا يُوجَدَ هناكَ ما يصلُحُ جَعلُهُ مانِعًا منَ الحكمِ. وَقال القائِلُ الثالثُ: إِنه لا يقدَحُ أَصلًا، سَواءٌ حَصَلَ هناكَ مَا يصلُحُ جَعْلُهُ مانعًا مِنَ الحُكم أَو لَمْ يحْصُل": اعلم أَنَّ هذَا بَحْثٌ في أحدِ شرائِطِ العلَّةِ الموعُودِ بِهِ، وَهُوَ الاطرَادُ، وَمَعنَى الاطرادِ: وُجُودُ الحكم أَينَما وُجِدَ الوصفُ، وتَخَلَّف الحُكمِ عَنهُ في صورةِ مُفَوت لِهذَا الشَّرْطِ, وَقَد اختَلفَ النُّظَّارُ في قدْحِهِ وَعَدَمِ قَدْحِهِ عَلى مذاهب: فَمِنهُمْ مَن زَعَمَ أَنَّه يقدحُ مُطلَقًا مُستنبطَةً كانتِ العلةُ أَوْ مَنصوصة، وَهُم لا يزعُمُون أَنَّ وُرُود النَّصِ الذِي لَا يحتملُ التأويلَ عن كَونِ الوَصفِ عِلَّة، مَعَ تخلُّفِ الحكمِ عَنْهُ في صورة - مُتَناقِضٌ؛ لاعتقادِهِم أَنَّ النصَّ على التعليل نصٌّ على التعميمِ, ومتَى ورد نقض بعد التنصيص

стр. 672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === على علَّة -والحالة هَذه- كان نسخًا لحكم السببية, والعلَّةُ عند هؤلاء هي المعنى المُثبَتُ التامُّ, ولا يثبت الحُكمُ إلَّا مَعَ نَفي الموانِعِ ووُجُودِ والشرَائِطِ؛ فيأخُذُونَ من صورة المَانِعِ قيدًا في التعلِيلِ؛ وَيستَلزِمُونَ التعليلَ بالعَدَمِ, واعتمادُ هؤلاءِ عَلَى أن العلةَ الشرعيةَ كالعقليَّة؛ مَتَى تخلَّف عنْها حُكمُها بَطَلَ كونُها علةً، وهذا جميع بمجرَّدِ اللفظِ؛ فإنَّ العلةَ العقليَّة: إن سلم التعليل العقليُّ، اقتضَى حُكمها كونَهُ علَّة، لنفسِها وذاتِها، وتخلَّفُ صفة النَّفسِ محال, والعلَّةُ الشرعيةُ بالوضع، وهي راجعة إلى قَوْلِ الشارعِ؛ فإِن كانت بخطابِ الإخبارِ والوضعِ، فمعناه أنَّ الشارع أخبر بنَصبها , ولا مَانِعَ من الإخبارِ بنَصبها بمعرفة في بعض محال وجودها، وإِن كان نَصبُها راجعًا إلى أَمْرِ المجتهد بإثباتِ الحُكمِ بها في بَعْضِ مجاريها أيضًا, ولو قدَّر فيها معنى البَاعِثِ، فلا مانعَ أن تكونَ القرابَةُ مثلًا باعثة على الإكرَام، ما لم يعارضهَا عداوة، والشِّدَّةُ المُطرِيةُ لم تكُنْ علة قَبْلَ تحْرِيمِ الخَمرِ، ثم صارَت علَّة، ولأَن القرابَةَ تُنَاسِبُ الميراثَ؛ للمصاهرة، ما لم يوجَد مانعُ الكُفْرِ الموجِبِ للعَدَاوَةِ الدينيَّة، أو القَتلِ أو غَيرِ ذلك. وقد حَسَمَ بعضُهم القَوْلَ بالتعليلِ العقلي على أصْلِ الشَّيخِ أبي الحَسَنِ؛ وقال: ما يتخيَّلُ فيه التعليلُ: إِما وجودٌ أو عَدَمٌ أو حَالٌ، والوجودُ ينقسم إلى واجب وجائز، والواجبُ يُستغْنى بوجوبه عن مؤثر، والجائزاتُ بأسرِهَا مُستنِدَة إِلى الله -تعالى- خَلقًا واختراعًا، والعَدَمُ لا يؤثر ولا يتأثَّر، وتعليلُ مِثلِ العالميَّةِ بالعِلم مبني على إثباتِ واسِطَة بَينَ الوُجودِ والعَدَمِ، وهو باطلٌ, وما يحصُلُ عِنْدَ بعضِ الامتزاجاتِ أوَ التقريباتِ مما يَعُدُّهُ الطباعيون عللًا- فأمورٌ أَجرَى الله -تعالى عادَتُهُ بخَلقِهَا عَقيبَ ذلك؛ كالشبع عند الأكلِ، والرِّيِّ عند الشرب. والمجوِّزون للتخصيصِ اختلَفُوا: فمنهم مَن جَوَّز ذلك مُطلَقًا، وزَعَمَ أن وضعَ التعليل مُعَرّفا للأحكام كَوَضعِ الألفَاظِ العامَّة، وكما يجوزُ تخصيصُ اللفْظ العام يجوزُ تخصيصُ دلالةِ العلةِ ببَعضِ المَحَال. وضُعفَ بأن استعمال اللفظِ لإِرَادَةِ بَعْضِ مُسَمَّاه من باب المَجَازِ, واللفظُ العَام وُضِعَ للدَّلالةِ على الكُلِّ حقيقة بمجردِ اللفظِ، وللبَعضِ مع القرينَةِ، أو بالاشتراكِ عنْدَ قوْمٍ. وأمَّا معرفةُ كَوْنِ الوصفِ علة: إِذا أَخَذنَا دلالتَهُ في المناسَبَةِ وَالقِرَانِ، فالمقارنةُ دليلٌ ظاهرٌ على الاعتبار؛ فإذا تخلَّفَ الحُكمُ عنهُ في صورة، فَقَد عارَضَ ذلك الاعتبارَ دليلُ الإهدَارِ؛ فلم تَبقَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بنصبه. ومن ها هنا فَرقَ قوم بين العلَّة المنصوصةِ والمستَنبَطَةِ، فقالُوا: الظَّنُّ الحاصِلُ من اللَّفظِ لا يَزُولُ بالتخلُّف؛ فإنَّ دلالةَ التخلُّفِ على الإهدَارِ استنبَاط؛ فلا يُعَارِضُ الدلالةَ اللفظيةَ؛ فيتعيَّن أن يكُونَ التخلُّفُ فيه لمانِع أو فواتِ شرْط. ومِنهُم مَن عَكَسَ، وقال: التخلُّف قادِحٌ في المنصوصةِ دون المُستَنبَطَةِ. وهذا أضعفُ المذاهِبِ.

стр. 673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومِنهم مَن فَرَقَ، فقال: إن كانَت صورةُ التخلُّف والاستثناءِ غَيرَ معقولةِ المَعنَى؛ كإيجابِ الدِّيَةِ على العاقلَةِ مثلًا- فلا يقدح, وإنّ ظَهَرَ في صُورَةِ الأَصلِ والنَّقض مَعنى فقهِيُّ- قَدَحَ؛ فإنه لا بُد من قَيد في العلَّةِ، والمذكررُ جزءُ العلةِ. وهذا اختيار الإمامِ. وضُعفَ هذا الإطلاقُ بأن الفَرْقَ قد يَرجع إلى معنى موجوب في الأصل، معدوم في صورةِ النَّقضِ؛ فيكون المذكورُ بعضَ العلةِ كما زعموا؛ فيقدَحُ, وقد يكُونُ الفَرقُ بأمر موجود في صورة النقضِ، معدوم في صورة الأصلِ؛ فلا يقدح، ويكون انتفاءُ الحكم في صورةِ النقضِ على هذا التقدير لمانِع، والعدمُ لا يكونُ علة ولا جزءًا من العلَّةِ، والأولون لَا يَمنَعونَ من أَخذِهِ جزءًا، وعِندَ هذا يرجِعُ الخلافُ إلَى عبارة؛ فإن من لا يرى التخصيصَ، ويأخذُ نقيضَ العلم المانِعِ، أو لازِمَ نقيضِهِ جزءًا من العلةِ. وجملة الشرائط في مسمى العلة تفسير العلَّة بالمثبَتِ التام، وإن سُمِّي بعضُهَا محلًا؛ كَمِلكِ النصابِ، وبَعضُهَا شَرطًا؛ كالحَولِ، وبعضها أَهلًا لكونِ المالِكِ حُرًّا، مسلمًا- فهو عندَهُ إشارةٌ إلَى اختلافِ جهة المناسبات, ومن يَرَى تخصيصَ العلةِ، ويقولُ: إنْ النقضَ لا يقدَحُ، إذا أمكَنَ حَملُ التخلُّف عَلَى وجودِ مانع أو انتفاءِ شرّط لا يفسر العلة بالمُثبَتِ التام الذي لا يتخلف عنه أثَرُهُ بحال؛ وإنّما يفسره بالباعِثِ، وبما هو مناطُ المصلحةِ؛ وعلى هذا، فلا يمتنعُ أن يتحقَّقَ مناطُ المَصلَحَةِ بشرَائِطِهِ وانتفاءِ موانِعِهِ في الأصلِ، ويتخلف الحُكمُ في صورةِ النقضِ لمعارِض يسيرُ بتَقدِيرِ ثُبُوتِ الحُكمِ فيها إلى حصولِ مَفسَدَة مساويه لمصلحةِ الحُكم، أو تترجح عليها أو ذوات مصلحةٍ أهَم في نَظرِ الشَّارع؛ كتعليلِ القِصَاصِ في المسلم بالمسَلم غير ذي الولادة بالقتل العمدِ العدوانِ، مع مَنع جريانه في قتل الوَالِدِ؛ للأبوَّةِ؛ فإنه كان أصلًا في وُجُوده؛ فلا يكونُ سببًا لعَدَمِهِ، وفي قتلِ المُسلم بالكافِر؛ لتفويتِ فضيلةِ الإِسلام, وتعليلِ تحريم أكلِ الميتةِ بالاستخباثِ، وإباحَةِ تنَاوُلها حَال المَخمَصَةَ لحفظ النفْسِ؛ فإن المحَافَظَةَ عَلَيها من الضّرُورِيات، وتحريم التناوُلِ لها من التزييناتِ، وهذا المذهب أعدلُ المذاهِب؛ وعليه يدورُ البَحثُ عند الأكَثَرِينَ في المناظَرَاتِ، فإن المستثنَيَاتِ من العِلَلِ المُجْمَعِ عليها شَرْعًا في الجملة لا تُنكَرُ؛ كجوازِ بيع العَرَايَا عَلَى كل علَّة، وضَرْبِ الدِّيَةِ على العاقلةِ، ولأَجلِ هذا قال قَوْمٌ: إن كانَت صورةُ النقضِ واردة على العِلَّتَينِ- لم تقدَح؛ كالعَرَايَا، وإلا قَدَحَتْ. وهذا الفَرْقُ لا حَاصِلَ له؛ فإنه يرجعُ إِلَى مقابلة الفَاسِدِ بالفَاسِدِ، وحاصله أن التخلف في مِثل هذه الصورَةِ مَحْمُولٌ على مانِع اتفِقَ علَيهِ في الجُمْلَة. قوله: "حجة القائل الأول": يعني المانعَ من التخصيصِ، قال: "وجوه", ولم يذكر ها هنا سوَى وجهَينِ، وكثيرًا ما يقعُ ذلك مِنْهُ، ولَعَلَّهُ يَعْني أن لهم وجُوهًا في الجملةِ، والأقوَى منها ما ذَكرَهُ. قولُهُ: "الأَوْل: أن كَوْنَ الوصفِ مؤثرًا في الحُكم: إِما أتى يكون من حيثُ هو هُوَ مِنْ غير أنْ يُعْتَبَرَ في حصول ذلك التأثيرِ قَيدْ آخَرُ سواه، أو لابُدَّ مع ذلك الوصُفِ في إدارةِ الحُكمِ عليه

стр. 674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مِنِ انضَمامِ قَيدٍ آخَرَ؛ فإن كان الأَوَّل وجَبَ أنْ يُقَال: حيثُ حَصَلَ ذلكَ الوصفُ فقد حَصَلَ ذلك الحُكم، فكان يَجِبُ أن يمتنع غير ذلِكَ الوصْفِ عَنْ ذلِكَ الحُكمِ، وإن توقَّف تأثيرُهُ على انضمامِ قَيدٍ آخَرَ كان المؤثر هو ذلك الوَصفَ مع ذلك القَيدِ، وذلك يقدَحُ في قولنا: إِن ذلك الوصف هو العلَّة": والاعتراضُ عليه أن يُقَال: لا نُسَلِّم أنه إن توقف علَيه التَّأثيرُ يكون جزءًا من العلَّةِ لا بُدَّ، بل قد يكونُ شَرْطًا، وشرطُ الشيءِ خارجٌ عَنه، والفارِقُ بينهما يرجعُ إلَى اختلافِ جهَةِ المُنَاسَبَةِ؛ فللجُزْءِ حَظُّ في تحصيل أصْلِ المَصْلَحَةِ، والشَّرْطُ أثَرُهُ في دَفْعِ ما يعارِضُهُ مما يمنع حُصُولَ حِكمَةِ السبب، ويسمَّى مثلُ هذا شَرْطَ السبب، أو يدفع مانعًا يستَلْزِمُ حصولَ مَفْسَدَة مساوية أو راجحةٍ، أو فواتَ مصلحة أهَمَّ، ويسمي مِثلُ هذا شَرْطَ الحُكمِ، وهذا معنَى قوْلِ المخصصة: وجُودُ الشرطِ مَظِنَّة انتفاءِ المَانِعِ الخَفِيّ، أو غيرِ الُمُنْضَبِطِ؛ فإنَّ المانع إذا كان ظاهِرًا مضبوطًا، فهُوَ معتبر بنَفْسِهِ في انتفَاءِ الحُكمِ، ويقُسِّمونه إلى مَانِع السَّبَبِ، ومانعِ الحُكمِ؛ فإن قال: أنا أعني بالجُزءِ كُلَّ ما يتَوقف عليه الثبوتُ، عادَ الخلافُ لفظيًّا؛ كما تقدَّمت الإشارة إلَيهِ. قوله: "فإن قالوا: إنّ ذلك القَيدَ قد يكون عَدَمًا، فكَيفَ يمكن جَعْلُهُ جزءًا من العلَّة؟ فنقولُ: ذَلِكَ العَدَم يَدل عَلَى حُصُولِ قَيد وُجُودِي انضَافَ إلى هذا الوَصْفِ الأَوْلِ؛ حتى صَارَ مجموعُهَا مؤثرًا في اقتِضَاءِ الحُكمِ": قد أشَرْنَا إلى جهةِ الفَرْقِ بَينَ جهتَي الاعتبَارِ، سواءٌ كان ذلك وُجُودا أَو عَدَمًا. قوله: "الحجةُ الثانيةُ: أنَّ هذا الوصْفَ حصل في مَحَلَّ الوفاقِ مع الحكم، والمعيةُ تدُل على العلَّيَّةِ، وحَصَلَ في صُورَةِ النَّقضِ مع عَدَم الحُكمِ، وَذلِكَ يَقْدَحُ في العلِّيَّة؛ فلَمْ يكُن الاستدلال بحصولِ تِلْكَ المَعِيَّةِ [على حصول العلَيَّة] بأوْلَى من الاستدلالِ بحُصُولِ هذا التَّخَلُّف على القَدْحِ في العِلِّيَّةِ": ما ذكَرَهُ من معارضة دليلِ الإهدَارِ لدليلِ الاعتبارِ ظاهرٌ؛ إذا لم تَظهَرْ إحالة النَّفيِ في صورة النقضِ على معارِض، أما مع ظهور المُعَارِضِ، فلا يستويان. قوله: "ويؤكد هذا أنَّ إحالةَ عَدَمِ الحُكمِ على عدم المُقْتَضِي أَوْلى من إحالتِهِ على المَانِعِ": يعني لأنه الأَصْلُ المستَصحَبُ؛ وكذلك الأصْلُ عَدَمُ المانِعِ وَعَدَمُ صلاحيتِهِ، والنفْيُ بوجودِ المانِع يستلزمُ مُخَالفَةَ دلالةِ الاقتضاءِ به، وهو عَلَى خلافِ الأصْلِ أيضًا. إلَّا أن ما ذكره يعارضه بعد ظهُور مناسبَة السَّبَب لِلاقتضاء وصلاحيتها للاستقلال، ووجود المانع في صورة النقض، وصلاحِيَتهُ للنفي-: أَنَّ إحالة النفي علَيه جَمعٌ بين الأدلةِ، وهو أولَى من تعطيل دلالتهما، وإحالةِ النفيِ على عدمَ المقتضِي، ولمَا فِيهِ أيضًا من كثرة الفوائِدِ، وأنَّ التَأسيس أولَى من التأكِيدِ.

стр. 675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لا يقالُ: إحالةُ النفْي على المانِعِ يلزَمُ منه الدَّوْرُ؛ فإن كونه مانعًا يستَدْعي سببًا أو يتوقف عليه، وكَوْنُ السبَب مسببًا يتوقَّف على اعتبارِهِ، واعتبارُه يتوقَّف على تحقُّق المانع في صورة النقْضِ، وإحالة النفْيِ عليه، فتتوفف المانعيَّةُ على السببية، والسببية على المانِعيَّة. لأنَّا نَقُولُ: هذا لَا يَقدَحُ؛ فإنه تَوَقُّفٌ مَعِيٌّ، مثله جارِ في معارَضَة كُلِّ عارضٍ خَاصٍّ لعامٍّ، ولم يمنع من العَمَلِ بالخَاصِّ والعَمَلِ بالعامِّ فيما عدا صُورَةَ التخصِيصِ؛ لما فيه من الجَمْعِ بين الأدلَّة بِحَسَب الإمْكَانِ، ووجْهُ الحل فيه أن إحالة الحُكمِ على المانِعِ لا يتوقَّف إلا علَى تَحْقيق المُنَاسِبِ لِلإِثباتِ، وصلاحيةُ المانِعِ للنفْي لا على الاعتبارِ، فلا دَوْرَ. فروعٌ: مِنْهَا ما يتعلَّق بأمورٍ جدليَّةٍ، ومنها ما يَرْجِعُ إِلى أمورٍ حقيقية: الأول: هل يُشتَرَطُ في توجُّه النقض أن يكون تخلُّف الحكم في صورة النقْضِ مُتَّفَقًا عليه بين الخَصْمَين، أو على أصْل المستدل حتى لا يمكن عنْدَ مَنْع المَستدلِّ له من الاسْتِدْلالِ عليه؟ اختلف الجدليُّون فيه على مذاهِبَ: الثاني: هل يُسْمَعُ الاستدلالُ علَيه؟ فيه أقوالٌ: الثالث: يُسْمَعُ من المستَدِلِّ؛ لأنه منصبه دون المعترض؛ لأن وظيفته الهَدْمُ، والمشهورُ أن النَّقْضَ المدلولَ عليه غَيرُ مَسْمُوع من السائِلِ والمسئولِ؛ فإنَّ المستَدِلَّ إنما يحتاجُ إِلَى ذلك إذا عُورِضَ قياسُهُ بقياسٍ آخَرَ، فينقُضُهُ عليه، فمنعه المعترضَ تخلّف الحُكْم في تلك الصورةِ؛ فيحتاجُ إلى الاستدلالِ علَى تخلُّفه، وهو في هذا المَقَام مُعْتَرِضٌ؛ فلا يسمع منه؛ لأن نقل الكلام إِلَى مسألة أخرَى قَدْ يُنْقَضُ عليها بنَقْضٍ ممنوعٍ، وذلكَ يُخْرِجُ المناظَرَةَ عن الضَّبْط. الثاني: إذا منع وجود العلَّة في صورة النقْضِ، فهل يستَدِلُّ على ثبوتها؟ فيه خلافٌ أيضًا بين الجدلِيِّين، والأقرَبُ إِنْ كان ذلك الجامِعُ حُكمًا شرعيًّا، لم يُمْكِنْ؛ لما فيه من الانتشارِ، وإِن كان عقليًّا أو عرفيًّا، فيسمع منه؛ لقُرْبِ المأخذِ فيه. الثالث: مَنْ يرى تخصيصَ العلَّةِ، هل يحتاج في التحْرِيرِ إِلَى ذِكْرِ ما يشيرُ إِلَى دَفْع النقْضِ؟ جرت عادَةُ المتقدِّمين بذلك؛ لما فيه من التنبيه على المسائِلِ المتضادَّة، وليكُونَ العذر بإبداء

стр. 676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المانِعِ مسموعًا بِالاتفاقِ، وعلَى هذا إنما يحتاجُ إِلَى بيان انتفاءِ ما هُوَ مانعٌ في مَحَلِّ الوفاقِ؛ فإنَّ ما عداه لا مَرَدَّ له، ومِنْهُمْ من يَكْتَفِي أوَّلًا ببيانٍ السَّبَبِ، فإذا وَرَدَ علَيه النَّقْضُ اعتَذَرَ عنه، فإن كان اعتمادُهُ على الظاهر والإيماءِ، فالظاهرُ أن التخلُّف لا يقَدَحُ؛ فإنَّ دليل العلية يرجعُ إلى اللفظ، ودلالة النقْضِ على الإبطال ترجع إلى الاستنباطِ، واللَّفْظُ مقدَّمٌ عليه، وإن كان اعتمَادُهُ على التخريج والاستنباط، فلا بُدَّ أن يبين أن تخلُّف الحكم كان لمانع أو انتفاءِ شَرْط، وإلا فالأصلُ انتفاءُ الحُكمِ؛ لانتفاءِ أسبابها، ويتعيَّن أن يكُونَ ما عَيَّنه عِلَّة جزءًا لعلَّةٍ. الرابع: هَل يصحُّ الاحترازُ عن النَّقْضِ بالطَّرْد؟ مَنْ جَوَّز التعليلَ به أَجَازَهُ، ومَنْ منع، فَهَلْ يكونُ دَفْعُهُ للنقْض فائدة تُسَوِّغ استعمالهُ؟ الأصحُّ أنه لا يَكْفِي؛ فإنَّ العلَّة منقوضَة حقيقة، والعاصم إنما هو في اللَّفْظِ فقطْ، لا في غَيرِهِ. الخامس: الكسر، هل يكُونُ قادحًا أَوْ لَا؟ وهو قسمان: الأوَّل: النَّقْضُ على الحِكْمة، والأصحُّ أنه لا يَقْدَحُ؛ فإنه راجع إلى اعتبارِ ما ألغاه الشَّارعُ، وتَرْكِ ما ظهر منه اعتبارُهُ من المَظِنَّة؛ فإن الشارعِ إنما عَدَلَ عن إرادة الحُكْم على الحكمة لعسر تتبع ظهورِهَا في آحادِ الصُّوَرِ، ولعدم انضباطِها فأعْرَضَ عنها، وعلَّق الحُكمَ على مَظِنَّتها الظاهِرَةِ المَضبُوطَةِ، وتتبُّعُ تحقُّقِهَا في جميع المواطِنِ بدُونِ ما هو ضَابِطٌ لها - خروجٌ عن ذلك. مثاله: أن الشارعَ جَوَّزَ الرُّخَص في السَّفَر بالقَصْر وَالْفِطرِ للمشقَّةِ، وإنها لا تنضبِطُ؛ فأناط

стр. 677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الشرْعُ دلك بما تُوجَدُ عنده المَشقَّةُ غالبًا، وهو السَّفَرُ المقيَّد بمرحلتَينِ أو يومَين أو بأربعةِ بُرُدٍ أو ثمانيةٍ وأربعِينَ مِيلًا؛ وذلك إعانَةٌ للمكلَّف على حصولِ غَرَضِهِ المُبَاحِ؛ فإذا قيلَ: ينتقضُ بالمشقَّة الحاصلَةِ في الحَضَرِ بمعاناةِ الصَّنَائِع الشاقَّة- لم يَقدَحْ؛ فإن الشارع مَا اعْتَبَرَ ذلك إلا بِضَابِطٍ مُعَيَّنٍ لم يوجد في صورةِ النقْضِ. القسْمُ الثاني: النَّقْضُ ببيانِ تخلُّف الحُكم عَنْ بَعْضِ أَجْزَاءِ العلَّةِ، وظاهرٌ أنه لا يَقْدَحُ؛ فإنَّ مِنْ ضرورةِ كَوْنِ الوصْفِ جزءًا توقُّفَ الحُكْمِ على حصول الجُزْءِ الثَّاني، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يُبَيِّن المعتَرِضُ أن الجزء الثاني لا أثَرَ لَهُ، فالعلَّةُ -والحالةُ هذه- هي الوضفُ الباقِي، وقد تأخَّر الحُكْمُ عنه؛ فيكونُ قادحًا. مثالُهُ: قولُ الشافعيِّ في مسألة مَسْحِ الرأس: مسح في الوضوء، فلا يُشْتَرَطُ فيه الاستيعابُ، كَمَسْحِ الخُفَّينِ. فيقولُ المالِكِيُّ: قولُكَ: "في الوضُوءِ" لا أَثَرَ له، والباقي ينتقضُ بمَسْحِ الوجه في التيمم. السادسُ: التعليلُ: إذا كان لإثباتِ الحُكْمِ على الجُمْلَةِ لا ينتَقضُ ببيانِ التخلُّف في آحاد الصُّوَرِ؛ فإنه لا يناقضُهُ. مثالُهُ: قولُ الحَنَفِيِّ في الرشيدة تَلي عَقْدَ النِّكَاحِ: تصرَّفت في مَحْضِ حَقِّها؛ فوجب أنْ يصحَّ كالمالِ. فيقول الشافعيُّ: ينتقض بالمعتدَّة. فهذا لا يَقْدَحُ؛ فإن الخَصْمَ لا يدعي الاعتبارَ إلا بعد وجودِ الشرائط المُتَّفَقَ عليها، ما عدا ما وقع فيه النِّزَاعُ، وما عدا ذَلِك تركه للعلم به. قوله: "المَسألَةُ الخامِسَةُ: التعليل بالمصلحةِ والمفسدةِ لا يجوز خلافًا لقوم": المبحثُ في هذه المسألة يرجعُ إِلَى سؤالِ القَدْحِ في صلاحِيَةِ المذكورِ للتَّعْلِيلِ، وليس بسُؤَالٍ مستقلٍّ على القياسِ، وإنَّما يرجِعُ إلى الاعتراضِ على بعْض مسالِكِ التعْلِيل، وهو التخريجُ خاصَّة، وهو إذا عُدَّ يكونُ سادسًا. قوله: "لنا: [أنه] لو صَحَّ التعليلُ بالمصلحة، لامْتَنَعَ التعليلُ بالوَصْفِ المشتَمِل على المَصْلحة، وبالإجماعِ هذا جائزٌ؛ فذلكَ باطلٌ": بيانُ الملازمة: أن التعْليل بالوصف إنما جاز لاشتماله على الحكمةِ، والحِكْمَةُ هي الأَصْلِ

стр. 678

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === في هذ العِلِّيَّةِ، والوصفُ هو الفَرْعُ، ومتَى كَان التعليلُ بالأَصْلِ ممكنًا، كان التعليلُ بالفَرْعِ تَطويلًا من غير فائدةٍ، فوجَبَ ألا يجوز": وما ذكره واضحٌ؛ فإن الأصل أَنْ تناط الأحْكَامُ بِالْحِكَمِ، وهي نفس المصالحِ والمفاسِدِ، إلا أنه يعسر تتبعها، ولعَدَمِ انضباطِهَا عَدَلَ الشارعُ عنها إلى ضوابِطَ تحصُلُ عندها غالبًا؛ دفعًا للعُسْرِ والخبط عن الأحكامِ، نعم إنْ تحقَّق وجود تلْكَ الحِكمَةِ في بعض الصُّوَرِ قطعًا بدُون الضَّابط، أو وُجِدَ الضابطُ في صورةٍ بدُونِ الحِكْمةِ قَطعًا- فهل الالتفات: إلى الحِكْمَةِ أو الضَّابط؟ فيه خلافٌ تقدَّم، ومَيلُ الشريفِ وغيره إِلَى أَنَّ النَّظَرَ إلى الحكمة أَوْلَى. ومَيلُ الغَزَّاليِّ إلى أنَّ النَّظَر إلى المَظِنَّة أَوْلَى. قوله: "المسألة السادسة: "التعليلُ إما أنْ يكُونَ تعليلًا للوجود بالوُجُودِ، أوْ لِلْعَدَمِ بالعدم، وهما جائِزَانِ": اعْلَمْ أنَّ الغرض من هذه المسألةِ منع تعليلِ الأمُورِ الثبوتيَّةِ بالعدمِ، وهو يرجعُ إِلَى سؤالِ القَدْحِ في الصلاحيةِ، وَهُوَ سَابِعُهَا وتعليلُ العدمِ بالعدم صحيحٌ عند الحكماءِ؛ فإِنهم يقولُونَ: عدم العلَّةِ عِلَّةٌ لعَدَمِ المعلولِ. وأمَّا المتكلِّمون فيمنعونَ كوْنَ العَدَمٍ أثرًا أو مؤثِّرًا في العقليَّاتِ، ويسلِّمون أنَّ عَدَمَ العلَّة يستلزمُ عدم المَعْلُولِ عقلًا وشَرْعًا، إن اتحدَت، وأنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ يدُلُّ على عدم المشروطِ؛ وفَرْقٌ بين ما يدرك وبين ما يُؤَثِّر ويقتضِي. قوله: "وإِما أن يكون تعليلًا للوجود بالعدمِ ... وذلك لا يجوز؛ لأن قولنا: "هذا علَّةٌ" نقيضُ: "لَيسَ بِعِلَّةٍ"، وقولنا: "لَيسَ بعلَّةٍ" عَدَمِيٌّ وَرَافِعُ العَدَمِ ثبوتٌ، وكونُهُ عِلَّةً صفَة ثابتة فلو جعلْنَاها للعدَم لَزِمَ قيامُ الصِّفَةِ الوجوديَّةِ بالعدم المَحْضِ، وهو مُحَالٌ". اعْلَمْ أنَّ النُّظَّار اخْتَلَفُوا في تعليل الأَحْكَام الشرعيَّة بالأمورِ العدميَّة، مع قولِهِمْ بصحَّة التعليلِ بالأمورِ الإضافيَّةِ؛ لكون المحلِّ مُسْتَقْذرًا أو مشتهى، أو كَوْنِ الشيءِ حرامًا أو حلالًا مع قولهم: "إِنَّ الإضافاتِ لَيسَتْ من الأعراضِ" خلافًا للحكماءِ، والعَدَمُ ينقسمُ إِلَى عَدَمٍ مُطْلَقٍ ومُضَافٍ، والأوَّلُ لا يصحُّ التعليلُ به اتفاقًا؛ لعدم اختصاصه، والثاني محلُّ النزاعِ، ومَنْ مَنَعَ تخصيصَ العلَّةِ، فلا يمتنع مِنَ التعْلِيلِ به، ويقولُ سَرَقَ نصابًا كاملًا مِنْ حِرْز مِثلِه لا شُبْهة له فيه.

стр. 679

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويقول في بيع الغائِبِ: "بَيعٌ اشتَمَلَ على غَرَرٍ من غير حاجةٍ"؛ ليحترز من أساسِ الجُدْرَان، وبُطُون الحيوان، وما بقاؤه في قِشْرِهِ من مصلَحَتِهِ، ويأخذ في صحَّة نكاحِ الحُرِّ للأَمَةِ: عَدَم الطَّوْل، وفَقْد الحُرَّة تحته، وفي صحة التيمُّم العَجْز عن استعمالِ الماءِ مما يعده المخصِّصة شروطًا. ومن يَرَى جَوَازَ تخصيص العلَّةِ، ويمنَعُ التعليلَ بالعدمِ يقولُ: العِلَّةُ الشرعيَّةُ، وإِنْ كانَتْ معرِّفةَ، فإن العَدَمَ لا يمتنعُ أن ينصب معرِّفًا إلَّا أن الواقع في الشَّرْع أنه لا ينصب علَّةً إلا ما كان مُنَاسِبًا أو مظنة لمعنى مناسب، والمناسِبُ ما تَحْصُلُ باعتبارِهِ مصلحةٌ، والمصلحةُ المنفعة، وهي شيءٌ، والعدَمُ لا شيء، ولم تَجْرِ العادةُ بِالانتفاعِ من لا شيء. وأورد علَيهِم: ما المانِعُ أَنْ يُعْتَبَرَ؛ لأَنَّه مَظِنَّةُ معنى مناسبٍ تعذَّر اعتبارُهُ بنفسه، فَأُقِيمَ العَدَمُ مُقَامَهُ في حَقِّ الاعتبار. وَأُجِيبَ عنه بأنه إنَّما يترجَّح نَصْبُ عَدَمِهِ عَلَى وجودِهِ؛ إِذا لم يجامِعْ وجودُهُ وجودَهُ، وذلك إنما يكون عند المناقضة، وشرْط المناقضةِ اتحادُ المَحَل، وإذا كان الوصْفُ المناسبُ إنما يحتاجُ إِلى مَظِنَّةٍ، إذا كان خفيًّا أعْنِي من أفعال القُلُوبِ، ونقيضُهُ يكونُ في محلِّه، فيكونُ العَدَمُ أيضًا خفيًّا، والخفيُّ لا يُعَرِّف الخَفِيَّ، وإذا فرضَ احتياجه للمظنَّةِ، لِعَدَمِ انضباطه من قلَّة أو كثْرَةٍ، فمقابله أيضًا غَيرُ منضبطٍ. وأجِيبَ عن ذلك بأنَّا لا نعتبرُ في الضابِطِ إلا ما يُظَنُّ وجودُ ذلك المناسِبِ عنده غالبًا، ولا يمنع لُزُومُ أمْرٍ خَفِيٍّ لأمر ظاهر؛ كما تعرف أحوال القلوب من خجلٍ أو وَجَلٍ أوَ خَوْفٍ أو غَضَبٍ بعلامات تظهر بالوجه. ومنهم من احتج على منع التعليل بالإجماعِ، وقَرَّره بأنَّه لم ينقلْ ذِكْرُهُ في السَّبْر. وهو ضعيفٌ؛ فإنَّ مَسْلِكَ السَّبْر مُخْتَلَفٌ في صِحَّة التمسك به، ولو سُلمَ فنقولَ مِثْلُ هذه التفاصيلِ لَيسَ مما تتوفَّر الدواعِي علَى نَقْلِها؛ ليستدل بعدم الوقوفِ علَيهِ علَى عدمه. ومنهم مَنِ احتجَّ بأن العدم المضافَ إِمَّا أنْ ينتسب إلى مكتسب أوْ لا: فإن انتسَبَ إِلَى مكتسب، فهو إعدامٌ لا عَدَمٌ، ويصحُّ التعليلُ به، وإن لم ينتسب، فلا ارتباطَ لَهُ بِفِعْلِ المكلَّف، وإذا لم يرتبط بفعله، فكيف يشرع الحُكْمُ لاقتناص حكمةٍ تحصلُ، باعتبارِهِ. وهذا ضعيفٌ؛ فإِنه إِذا سُلِّمَ اشتمالُهُ على حكمةٍ، وإِن لم تكنْ مِنْ كَسْب المُكَلَّف، فلا مانع من ربطِ فِعْلِهِ به؛ لتَوقُع الحِكْمَة منه بمجرى خلق الله -تعالى- ذلك عِنْدَهُ؛ كما يفعلُ الأكل والشرب

стр. 680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لأجْلِ خَلْقِ الله تعالى عندهما الشِّبَعَ والرِّيَّ. أما قولُ المصنِّف بأنَّ قولنا: "علَّة" نقيضُ "ليس بعلة"، وقولنا: "ليس بعلَّة" سَلْبٌ، فلا يصدُقُ أنه سلب ما لم يتحقَّق أن مسمَّى "علَّة" ثبوتٌ؛ فإِنه إِن كان مُسَمَّى العلَّةِ سَلْبًا، فَسَلْبُ السَّلْبِ إثباتٌ، فيكون دَوْرًا. قوله: "وكونه عِلَّةً صفةٌ وجوديةٌ، فلو جَعَلْنَاها للعدم، لَزِمَ قيامُ الصفةِ الوجوديَّة بالعَدَمِ"- لا يصح أيضًا: أما أوَّلًا فإنَّه ينتقضُ بما سُلِّمَ من أن العَدَمَ يَكون علَّةً للعَدَمِ؛ فقد وصف بالعلِّيَّة، وأما ثانيًا؛ فلأن كون الوصْفِ علةً ليسَ صفةً حقيقيةً قائمةً به لا نفسيَّةً ولا معنويَّةً، وإنما هو آيِلٌ إِلَى قولِ الشَّارع: "جَعَلْتُهُ سببًا لكذا" وهو راجعٌ إلى أنَّه متعلَّق القول، والقولُ لا يُكْسِبُ المقولَ صفةً حالَّةً فيه؛ كما أن العلْمَ لا يُكْسِبُهُ ذلك. قوله: "وأما أن يكون تعليلًا للعَدَمِ بالوجودِ، وهو الذي يسمِّيه الفقهاءُ مانعًا": يعني: كتعليلِ عَدَم الميراثِ بالرِّق والقَتْلِ وغَيرِ ذلك، وقد قدَّمنا انقسامَهُ إلَى مانعِ السَّبَبِ، ومانِعِ الحُكْمِ. قوله: "وذلك لا يتوقَّف على وجودِ المقتَضِي؛ خلافًا للجمهور": المشهورُ أنه لا يتحقَّق مسمَّى مانِعٌ ما لم يوجَدْ ممنوع؛ فإنه من الأُمُورِ الإِضافيَّةِ، ولا يحسن أن يُقَال: إِن القَفَصَ مَانعٌ للطائِرِ الميِّت من الطيرانِ، وإِنما يضاف إلى المانِع ما له غرضيَّةُ الثبوتِ؛ فإنَّ من لا داعِيَ له إلَى دخولِ دَارٍ لا يقالُ: منعه البَوَّاب، ولا يُنكر أنَّ النافي للحكم أعم من النافي بالمانع، وأن منه ما يُنْفَى بإشعار اللفْظِ؛ كقوله ﵇: "لَا صَلاةَ إلا بِطُهُورٍ"، أو لقيام منافٍ في المَحَلِّ لا يجامِعُهُ عقلًا أو شرعًا، وهو الذي يلقبونه بـ"المُنَافي"؛ كقولِهِم: مقتضى الدليلِ ألا يُشْرَعَ القِصَاصُ؛ لأنه على خلاف العاصم من الإسلام، أو الدَّار أو الإنسانيَّةِ، وهو ثابتٌ حَال شَرْعِ القصاصِ، أو للتنافِي الشرعيِّ ككونِ المحلِّ المتنجِّس إذا وَرَدَ عليه المائعُ لا يَخْلُو من نجس ومتنجِّس؛ وجميعُ هذا يدلُّ على نفي الحكمِ، ولا يتوقَّف علَى وُجُودِ المقتضِي. قولُهُ: "لنا: أنَّ المقتضِيَ للشَّيءِ والمانِعَ منه متضادَّان، وتوقف وجود الشَّيءِ على ضدَّه محالٌ؛ فوجب ألا يتوقَّف وجودُ المانِعِ علَى وجود المقتضِي": يَرِدُ عليه: أنه لا نزاع في صِحَّة اشتمالِ الشيءِ على جهتين: داعٍ وصارفٍ؛ كالولد الكافِرِ؛ فإِن قرابته تُنَاسِبُ الإرثَ؛ فإن القرابة مَظِنَّةُ المناصرةِ، وكونُهُ كافرًا يناسِبُ مَنْعَهُ منه؛ فإنه مظنة العداوة [من البسيط] كُلُّ العَدَاوَةِ [قَدْ] تُرْجَى مَوَدَّتُهَا ... إلا عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاك في الدِّينِ فلا مضادَّةَ ببن اشتمالِ الشَّيءِ الواحِدِ على الجهتَينِ، وإنما المنافَاة فِي اعتبارِهِما معًا،

стр. 681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والشرطُ في صحة إِضافة الحُكْمِ إلى المانِعِ والصارفِ- وجودُ جهة الداعِي، لا اعتبارُها فيه؛ فعنْدَ الاجتماعِ إنما يثبت حُكمٌ واحدٌ منهما: [من البسيط] لَوْلَا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... أَلجُودُ يُفْقِرُ وَالإِقْدَامُ قَتَّالُ وإلَى مثله أشار بقوله ﵇: "لَوْلَا أنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ". قَولُهُ: "وَلَو سلَّمنا أَن التعلِيلَ به يتوقَّف على وجودِ المقتَضِي، لكان لا حاجَةَ إلَى ذِكْرِ دليلٍ منفصلٍ علَى وجودِ المقتَضِي بل يكفي أن يقال: إن لم يكن المقتضى موجودًا في الفَرْع- وَجَبَ أنْ يكونَ الحُكمُ ثابتًا فيه، وهو المطلوبُ. وإن كان المقتضِي للحُكْمِ ثابتًا في الفَرْعِ، فهو إنما يثبت؛ تحصيلًا للمصلحة المرتَّبة عليه، وهذ المعنَى قائمٌ في الأصْلِ؛ فلَزِمَ (من) ثبوته في الأَصْلِ [ثبوته في الفرع]، وإذا ثبت ذلك، فقَدْ صَحَّ جوازُ التعليلِ بالمانِعِ": وإنما قال: يَكْفِي أن يقال -ما ذَكَرَهُ من هذه الطريقةِ الجدليَّة-: للمستدلِّ أن يبيِّن ثبوتَ المقتَضِي في الأصْل بطريقٍ تفصيليِّ، وأما ما ذكَرَهُ في الطريقِ الجُمَلِيِّ، وهو أن الخَصْمَ قائلٌ بالثبوتِ في الفرعِ، ولا بُدَّ له من علَّةٍ، والأصلُ مساوٍ لَهُ؛ فيَلْزَمُ اشتراكهما في المقتضِي، ويصير الأصل فرعًا بالنسبة إلى وجود المقتضى، وإن سَلَّمَ الخَصْمُ أن المقتضِيَ للثبوتِ لم يثبُتْ في الفرع -لَزِمَهُ نفْيُ الحُكْمِ، وهو المطلوبُ- فإن قيل: فلعلَّه يثبته بنصٍّ عنده، قيلَ: الثبوتُ بالنصِّ يستلزمُ اشتمالهُ علَى علَّةِ. بناءً على الأعمِّ الأغلبِ، وهو أن كُلَّ حُكْمٍ لا يخلو عن علَّةٍ، ومما يعترض به على القياسِ المعارَضَةُ في الأصْلِ، وهو في العددِ سابع، وهي دعوى الاشتراكِ في دلالة الاعتبارِ، ويسمُّونه بـ"المُزَاحَمَةِ في الأصل" وبـ"الفَرْق" أيضًا، وهو على قسْمَينِ: أحدهما: المعارضَةُ في أصْلِ الاعتبارِ بما يَصْلُحُ علةً مستَقِلَّةً، سواء أمكن الجَمْعُ بينهما في التعليلِ أو لم يُمْكِنْ. الثاني: المُعَارَضَةُ في الاستقلالِ بإبداءِ وصْفٍ يُشْعِرُ بزيادةِ مصلحةٍ أو أَنْقَصِيَّتها. ومن الجدليِّين من يَخُصُّ اسْمَ "الفَرْقِ" بهذا الثانِي. وقد اختلف في قَدْحِهِ: فزعم أَبو إسْحَاقَ أنه لا يقدح؛ فإن حاصله تعليلُ الحُكْمِ بعلَّتَينِ،

стр. 682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وَلَيسَ يمتنعُ في الحُكْمِ الشرعيِّ وَأَمَّا زيادةُ المصلحةِ، فَيكفِي فِي إثباتِ الحكم أَصْلُ المصلحةِ. وهذا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَصحُّ؛ فَإِنَّا إِنَّما نُسَلِّمُ صِحَّةَ التعليل بِعلَّتَينِ عُلِمَ اسْتقلالُ كُلِّ علةٍ منهما، وَأَمكن اجتماعُهُما في مَحَلٍّ؛ بحيث لا يمكنُ ترجيحُ إحداهما على الأخْرَى بسَبْقٍ أو قوةٍ، أما وَصْفَانِ صالحانِ لِلاعتبارِ لم يُعْلَمْ من الشرع اعتبارهما ولا إلْغَاؤُهُما وقد اقترنا بالحُكْم مع مناسبةِ كُلِّ واحدٍ واستقلالِهِ- فلا نسلِّم، وهو في المثَالِ كما لو شَاهَدْنا شَخْصًا أعْطَى قريبًا عالمًا؛ فإنَّ الاحتمالاتِ فيه ثلاثةٌ؛ فإنه يجوزُ أنه إنَّما أعطاه لِعِلْمِهِ فَقَط، أو لقرابته فقطْ، أو للمجموع، ولعلَّه الأَظهر؛ إذ لا يلزم من الاستقلالِ بالمناسبة- الاستقلالُ في الاعتبارِ، وإذا احتمل فتعيينُ أنَّ الحكم إنما ثَبَتَ لهذا دُونَ هذا - ترجيحٌ بلا مرجِّح. وكذلك إِذا اختص الأصْلُ بزيادةِ مصلحةٍ، جاز أن يَكُونَ الشارع أثْبَتَ الحكْمَ لأجل المصلحةِ، أولها بِقَيدِ الأكملية؛ فتخصِيصُهُ أنَّه إنما أثبته لأصْلِ المصلحةِ تَحَكُّمٌ، أو لَعَلَّ الظاهِرَ اعتبارُ المجموعِ، وهَلْ يَجِبُ على المعتَرِضِ بيانُ انتفاءِ ما فَرَقَ به في الفَرْعِ أَوْ لَا؟ فيه أقوال. الثالث: يُفْرَقُ فيه بين أن يَدْخُلَ فيه باسْمِ المعارضَةِ؛ فلا يلزمه، أو بلَفْظِ الفَرْقِ؛ فيلزمه لتحقيقِ مُسَمَّى الفَرْقِ. قال البَزْدَويُّ: ويكْفِيهِ بَعْدَ بيان تحقيقِهِ في الأصْلِ منْعُ وجودِهِ في الفَرْعِ، والجوابُ عنه بعد تسليمِ أَنَّه رَاجِعٌ في الأَصلِ إلى أمْرٍ وجوديٍّ، وتسليم مناسَبَتِهِ وظهورِهِ وانضباطِهِ بالإِلغاءِ بإيماءِ النَصِّ إلى استقلال ما ادَّعَاهُ علَّةً أو ببيانِ استقلالِهِ بالحُكْمِ في صُوَرَةٍ مع تخلُّف ما عُورض به. وطريقُ المعتَرِضِ في الاعتراضِ عليه بَيَانُ اختصاص الأصلِ الثانِي بفارقٍ آخَرَ، ويسمَّى "تَعْدَاد الوَضْعِ"، وجوابُ المستَدِلِّ: إلغاء الثاني إلا أنْ يبيِّن استقلال ما ادَّعَاهُ، ولا يكونُ ذلك انتقالًا من أصلٍ إلى أصلٍ؛ إذِ الغَرَضُ بذلك إبْطَالُ ما يُخَيَّل أن له تعلقًا بالحكم. ومِنَ الجوابِ عنه أيضًا: أن يُحَقِّقَ ما فَرَقَ به المعتَرِضُ في الفرع؛ فيلزَمُهُ القوْلُ بالحُكْمِ. وممَّا يُعْتَرَض به على القياس المعارَضَةُ في الفرع، والصحيحُ قَبُولُهَا، ومَنْ رَدَّها بأنَّها غَصْبٌ لِمَنْصِبِ الاستدلالِ، فلَيسَ بشيءٍ؛ فإِنها قادحة في حَقِّ النَّاظِر إجماعًا؛ والأصل: أن كل ما كان قادحًا في حقِّ الناظر فهو قادِحٌ في حَقِّ المُنَاظِرِ، إلا ما استثنى لأجْل ضَبْطِ الكلامِ والمعَارَضَةِ، وإِنْ كانت صورَةُ دليلٍ على النقيضِ إلَّا أنَّ المعتَرضَ لا يَنفي بها اسَتدْلالًا، وإنما ينفي بها اتفاقَ دليلِ المُسْتَدِلُ؛ ولذلك يكتفي بالمساوَاة، ولا يكلَّف ببيان أن قياسَهُ أرجَحُ. ثم المُعَارِضُ لا يَخلُو إِما أن يستَعْمِلَ أوصَافَ المُسْتَدِل أو بَعْضَهَا أو يستعملَ غَيرَهَا، والأخيرُ هو المشهورُ باسْمِ "المُعارَضَةِ"، والأول بـ"القَلْبِ"، وهما في العدد الثامن والتاسِع، قال

стр. 683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بعضهم وشرطهُ: استعمالُ غيرِ أوصافِهِ، وأصلِهِ، ويختص بأنه لا يُطَالبُ بتحقيقِ الوَصْف لا في الأصْلِ، ولا في الفرعِ، وقسَّموه إلى أربعة أقسامٍ: الأول: القَلْبُ بالحُكْمِ المقصودِ. والثاني: قَلْبُ الإبْهَامِ. والثالثُ: قلب التَّسْويَةِ. والرابع: القلب المَكْسُور. أما القَلْبُ المقصودُ بالحُكْم: فينقسم إلى القَلْبِ المقصودِ بالقيَاسِ، وإلَى القَلْبِ المقصودِ بالخلافِ، والأوَّلُ لا يُتصوَّر أَنْ يَرُدَّه إلى عين الأصْلِ؛ فإن الصورة لا تَشْتَمِلُ على النقِيضَينِ. أما الحكم المقصودُ بالخلافِ، وهو أَنْ يَقَعَ الخلاف في أمرَينِ متلازمَينِ ثبوتًا وانتفاءً، ويوجَدَ في الأصْلِ أحدُهُما فيستدلُّ المستدلُّ على إثبات ذلك الحُكْمِ بجامع، ويستلزمُ مِنْ ثبوته ثبوتُ الحُكْمِ الآخَرِ، فيقلبه المعتَرِضُ، ويستعملُهُ في انتفاءِ أَحَدِ الحُكْمَينِ المقصودينِ بالخِلافِ، ونفيه على الأصْلِ المُعَيَّن، وَيَستلزمُ من نَفْيِهِ نَفْيُ الآخِر؛ مثاله: بيع الغَائِبِ: قال الحَنَفِيُّ: ينعقد صحيحًا مَعَ الجَوَازِ، ونفاهما الشافعي. فيقول الحنفيُّ: عقد معاوضة، فيصحُّ مع عدم الرؤيةِ؛ كالنكاح. فيقلبه الشافعيُّ فيقول: عقد معاوضة، فلا ينعقد على الخيارِ؛ كالنكاح. وأما القلب المُبْهَمُ: فصورته: أنْ يأتِيَ بما يَلْزَمُ منه المناقضة في حكم القياسِ من غير تعرُّضٍ لخصوصِ النَّقِيضِ، بل يأخذه من جهة عامَّة؛ مثاله: قولُ الحنفِيِّ على الشافعيِّ في مَسْحِ الرأسِ: عُضْوٌ من أعضاء الوُضُوءِ، فلا يكتفَى فيه بأقَلِّ ما ينطلقُ عَلَيه الاسمُ؛ كسائر الأعضاء. فيقلبه الشافعيُّ، فيقول: عضو من أعضاءٍ، فلا يتقدَّر بالربع؛ كسائر الأعضاء. وأمَّا قلب التسوية: فكالقلب المبهم، إلا أنه يختص بذكر التسوية؛ مثاله: قول الحنفيِّ في مسألة عدم اشتراط النيَّة في الوضوء: طَهَارَةٌ تُرَادُ للصلاةِ؛ فلا تفتقر إِلَى نيةٍ؛ كطهارة الخَبَثِ. فيقول الشافعي: طهارةٌ تراد للصلاةِ، فاستَوى جامدها ومائعُهَا؛ كطهارةِ الخَبَثِ. ولا يمكنه التعرُّض لخصوصِ الحكْم؛ فإنَّ المراد بالتسويةِ في إزالةِ النجاسَةِ عدمُ اشتراطِ النيَّة في استعمالِ الماءِ والحَجَرِ، والمرادُ بالتسَويةِ في الحَدَثِ اشتراطُ النية فيهما؛ أَعْنِي: الوضوءَ والتَّيَمُّم؛ إِذْ لا يمكنُ التسويةُ فيهما بِعَدَمِ الاشتَرَاطِ؛ فإنه خلافُ الإجماعِ. وأما القَلْبُ المكسُورُ: فهو أنْ يستعملَ بَعْض أوصَافِ المُسْتَدِلِّ، وكسر العلَّة وإِن لم يكُنْ قادحًا في النَّقْضِ، فهو قادِحٌ في القَلْب؛ فإنَّه يبيِّن استعمالهُ بالاجتهادِ في النقيضِ؛ فلا يعتبر كُلًّا

стр. 684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === في النقيضِ الآخَرِ، وإلا فيلزمُ عند وجوده مَعَ الجُزءِ الآخَرِ اجتماع النقيضَينِ؛ لوجود عِلَّتهما معًا؛ مثالُة: قولُ الحنفي في مسألة مَسح الرأس على المالِكِيِّ: مَسحٌ في الوضوءِ؛ فلا يجبُ فيه التعميم؛ كَمَسحِ الخُفِّ. فيقول المالكيُّ: مَسحٌ في طهارةِ؛ فلا يَتَقَدَّرُ بالربُع؛ كَمَسحِ الخُفِّ. فقد قَلَبَهُ بعد حذف خصوصِ الوضوءِ والغرض المِثَالُ؛ فإنه يمكن قلبه بجمَيعِ أوصافِهِ، وقد رَدَّ القاضِي القَلبَ المبهم؛ من حيثُ إنه لم يعيِّن فيه الحُكمَ المقصودَ، وليس بشيءٍ؛ لأن المعتَرِضَ ألزَمَ المستَدِلَّ به مناقَضَةً، وإن كانَ مبهمًا. ورَدَّ قَومٌ قَلْبَ التسويةِ من حيث إنَّ التسويَةَ ليسَت حُكمًا شرعيًّا. وليس بشيء؛ لأنها تستلزمُ التَّسوية في حُكمٍ شرعيٍّ. وقد قال قَومٌ: لا يُسمَعُ أصلًا؛ فإِن القالِبَ إما أن يتعرَّض فيه لنقيضِ الحُكمِ، أو لأمرٍ خارج، فإِن تعرَّض فيه لنقيضِ الحُكمِ لم يجده في الأصلِ؛ فإن الأصلَ الواحدَ لا يجتمعُ فيه النقيضانِ، وإن تعرَّض لأمرٍ خارج، فليس بقَلبٍ، وليس بشَيء؛ فإنَّه وإن عدل إلى أمر خارج إِلا أنه علَى وجهٍ يستلزمُ عَدَمَ القَول بالحكمِ؛ فكان قادحًا. ومنهم مَن رَدَّهُ، وزعم أنَّ القَلبَ لا بُدَّ فيه من تَعيينِ العلَّة المروج إِلَيها الخَصم، والعلَّة لا بُدَّ وأن تكون مناسبة، ومعلومٌ أن الشَّيءَ الواحدَ لا يناسِبُ النقيضَينِ، وان أراد المعترضُ أن نسبة الوصفِ إلى الحكمِ ونقيضِهِ علَى حدٍّ سواء- كان قَادحًا في صلاحيَةِ الوَصفِ، فيكونُ ذكرُهُ الأصليُّ حَشوًا، وليس من القَلبِ في شيء. وهذا ضعيفٌ أيضًا؛ فإنه لا مانِعَ أن يناسِبَ الوَصف الشيءَ ونقيضَهُ بوجهَينِ، واعتبارين؛ ككون الشيءِ ملذوذًا يناسِبُ إِباحته قضاء لو طلبه المكلَّف، ويناسِبُ مَنعَهُ ابتلاءً، كالصلاة في الدَارِ المغصوبَةِ؛ فإن الكَونَ من حيثُ هو صلاةٌ يناسبُ الطَّلَبَ، ومن حَيثُ كونُهُ غصبًا يناسب المنع، وأكثر ما يقع القَلْبُ عند التعليلِ بالشَّبَهِ؛ كما مُثِّلَ. ومما يعترض به على القياس القَولُ بالموجبِ؛ وهو تسليمُ ما أشعَرَ به قياسُ المُستَدِل مع استيفاء الخلافِ؛ وهو أن يُرَتِّبَ على الوصفِ أمرًا ما، ليس هو عَينَ الحُكم، ولا مستلزمه، وَيقَعُ في الثبوت والنفيِ: وتارَةً يَرِدَ للخَلَلِ في إِشعارِ لَفظِ المستَدِل، وتارَة للسُّكوتِ عن تقديرِ المستَلزِمِ في محل النزاعِ، أمَّا ما يرد للخَلَلِ في طُرُقِ الإثباتِ فهو أن يقع النزاعُ في حُكم خاصٍّ؛ كالوجوب مثلًا؛ فيستنتج ما هُوَ أعَمُّ منه؛ كالجَوَازِ؛ مثالُهُ: قولُ الشافعي في القتل بالمُثَقَّلِ: قتل عمد من يكافئه بما هو الغالبُ حَتفُ أنفه فيه، فوجوب القِصَاصِ لا ينافِيهِ؛ كما لو أَجج نارًا في فِيهِ. فيقول الحنفي: مُسلم أنه لا ينافيه، فلِم قُلتَ: إنه نقيضه؛ فقد لا يُنَافِي الشَّيءُ الشَّيءَ ولا نقيضه. ومثاله في النفي وأكثَرُ ما يَرِدُ؛ إذا صَرَفَ المستَدِلُّ عنايتَهُ لإبطالِ مَأخَذٍ معيَّن للخَصمِ؛ فإِنه لا يلزم من إبطَالِ دليلٍ خاصٍّ إبطالُ المذاهِبِ، ولا صحَّةُ مذهبِ الخَصمِ؛

стр. 685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مثالهُ في مسألةِ المُثَقَّل قولُ الحنفيِّ: اختصاصُ وصفِ الخارجِ بقوَّة السَّرَيَانِ والفور يمنَعُ إِلحَاقَ المثقَّل به. فيقول الشافعيُّ: سَلَّمتُ أنه يمنع إلحاقَهُ به، فلِمَ قُلتَ: إنه يمنعُ من جَرَيَان القصاصِ؟ وقد يردُ بشمولِ لَفظِ المستدل وعمومِهِ لصورةٍ مِن صُوَرِ الوفاقِ، فيحمله المعتَرِضُ على تلك الصورَةِ، ويستَبْقِي النزاعَ؛ مثاله: قولُ الحنفيِّ في وجوبِ زكاةِ الخَيلِ: حَيَوَانٌ يُسَابَقُ عليه؛ فتجبُ فيه الزكَاةُ؛ كالإِبل فيقولُ المعترِضُ: أقُولُ به؛ إذا كانَتِ الخيلُ للتجارةِ. وهذا من أضعفِ أنواعِهِ؛ فإِنَّ حاصله مناقَشَةٌ في اللَّفظ، وتندفعُ بمجرَّد العنايةِ. هذا ما يَرِدُ بخلل في اللفظِ. أمَّا ما يَرِدُ للسُّكُوتِ عن ذِكرِ المقدِّمة الصُّغرَى؛ وهو عَدَمُ تقريرِ الدَّلِيلِ في مَحَلِّ النزاعِ -فمثالُهُ: قول الشافعي في مسألةِ النِّيَّة في الوضوءِ: ما ثَبَتَ وضعُهُ قربةً فيتعين فيه النِّية كالصلاة؛ ويسكت عن قوله والوضوء ثبت وضعه قربة، وعن تقرير ذَلِكَ، فيقول الحنفِي: نُسَلِّمُ أنَّ ما ثبت وضعُهُ قربة يفتقرُ إلى النيَّة، فَلِمَ قُلتَ: إِن الوضوءَ يفتقِرُ إلى النيَّةِ. وسبَبهُ عَدَمُ التصريح بأن وَضعَ الوضوءِ قُربَةٌ، فلو صَرَّح به، لم يَرِدِ القولُ بالمُوجِبِ، ولكن يَرِدُ عَلَيهِ المَنعُ. ولا يحسُنُ حذفُ إحدى المقدِّمَتَينِ من الدليلِ إلَّا إذا كانَت مشهورة، وضابِطُ الشُّهرةِ أن تكون ضروريَّة أو متَّفقًا عليها من الخَصمَين، وهذا آخر الأسئلة، وهو العاشر. قالُوا: وهو انقطاعٌ مِن أحد الجانِبَينِ قَطعًا؛ فإن المعترض قد يسلم مدلولَهُ، فلا تسمعُ منه بَعْدَ ذلك المنازَعَة في شَيء من أركانه؛ فإن تحقَّق أنه حائِدٌ، فقد انقطع المستَدِلُّ؛ لأنه لم يأت بدليل علَى ما ادَّعَاهُ. لا يقالُ: فجميع الأسئلة لا تَخلُو: إما أن تتحقَّق أَو لا: فإِن لم تتحقَّق، فقد انقطع المُعتَرِضُ في دعواه، وإن تحقَّقَت، فقد انقطَعَ المستَدِلُّ بما قرَّره المعترض من الخلل في دليلِهِ: لأنَّا نقولُ: للمعترض أن ينزل عما منعه، أو عارض به في مقام، ويحقق الخلل منْ وجهٍ آخَرَ، وللمستَدِل أن يسلِّم ورُودَ المَنعِ، ويستدلُّ عليه، ويسلم ما عارَضَ به في مقدِّمة أو في أصلِ المَسْأَلةِ، ويرجح دليله بما يقتضي الترجيح، وإذا سلَّم أنه حائدٌ، فكيف يمكنه الترجيحُ؟ ! . وإذا كان الترجيحُ طريقًا يخرج به عن أكثر الأسئلة؛ فيتعين التنبيه بما يَقَعُ به الترجيحُ،

стр. 686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والترجيحُ عبارةٌ عن تَغلِيبِ إِحدى الأمارَتَينِ على الأخرَى في سبيل الظُّنونِ، وحاصلُهُ يرجعُ إلَى اختصاصِ إحداهما لِمَزِيدِ قوَّةٍ، وإنما قيَّدناه بالأمارة؛ لأنه لا ترجيحَ في القطعيَّاتِ؛ إذْ ليس بعد القطْعِ مرتبةٌ، ولا تفاوُتَ في العلومِ. وزعَمَتِ الفلاسفةُ وبَعض الصوفيَّة أن العِلمَ يقبل الأشدَّ والأضعَفَ. واحتج لهم الغَزَّاليُّ في بعض كتبه بأنَّ عِلْمَ الواحد مِنَّا بالله تعالى لا يساوي عِلمَ النبيِّ - ﵇ وهذا فيه مغالطةٌ؛ فإنا لا نَدَّعِي أنَّا نَعلَمُ من صفاتِ الله تعالى ما يعلمه النبيُّ ﷺ ، وإنما نقولُ: إِذا تعلَّق عِلمُ الرسُولِ مثلًا بأنَّ الله تعالى موجودٌ، وتعلَّق عِلمُنَا بذلك- فلا تفاوُتَ بين هذَين العِلمَينِ، وإنما يفاوت علم النبي ﷺ عِلمَ غيره بكَثرَةِ متعلَّقاتِهِ، وإدراكِهِ من الله تعالى ما لم ندركهُ، أو بتوالى أمثالِه، وقلَّة أضدادِ علومِهِ من الغفلاتِ والشُّكُوكِ، أو في طريقه، بأن يُخلَقَ له علمٌ ضروريُّ بما هو نظري لغيرِه. والعلُوم كُلُّهَا بعد حصولها ضروريَّة، وإنما تتفَاوَتُ طرقُهُا بقربها من الضروريَّاتِ، وباختلافِ حال النَّاظِرِ في طلبها بحدَّة الذهنَ، وجودَةِ القَرِيحَةِ أو كَلالِ بعضها، وقلَّة الممارَسَةِ. أما العِلمُ نفسُهُ، فلا تفاوُتَ فيه ألبتَّةَ، ولو فرض نَصَّانِ قاطِعَانِ في النقلِ والدَّلالةِ، فلا يُتَصَوَّران إلَّا فيما يقبل النَّسخَ، والمتأخِّر منهما ناسخٌ، وليس مِن مواضِع الترجيحِ، وإن نُقِلَ تأخر أحدهما بطريقِ الآحَادِ، فالعمل به أَولَى؛ لأن احتمال كونِهِ ناسخًا راجحٌ؛ وعورِضَ الترجيحُ فيه لا من جهةِ مَا قَطَعنَا به، وإِنما من جهةِ دوامِهِ، وهو من هذا الوجهِ مظنونٌ، فجرى الترجيحُ فيه، وقد أجمَعَ السابقونَ واللَّاحِقُونَ علَى وجوب العملِ بالراجِحِ في مسالِكِ الظنُونِ، ولم يُنكِرهُ إلَّا من شَذَّ؛ كالبَصرِي الملقب بـ"جعل" وهو مسبوقَ بالإجماع، حتى من أَنكَرَ القياسَ اعترف بجريانِ الترجيحِ في الظَّاهر، ولا يَصِحُّ قياسه على الشهادةِ؛ فإِنها مسألة اجتهادية. وعن مالك في ترجيحِ البيناتِ بالأعدَلِ وكثرةِ العَدَدِ، ثلاثُ رواياتٍ: الثالثة: تُرَجَّحُ بالأعدلِ دون العَدَدِ، وهو المشهور. وللشافعى في القديم ميلٌ إِلى بعض ذلك، بتقدير تسليم امتناعِ الترجيحِ في الشهادةِ؛ فلا يصحُّ القياس عليها؛ لأن المقصود منها فضلُ الخصوماتِ على قربٍ، فَقَدَّرها الشارعُ على وجهٍ ينضبطُ مع أن لَهُ فيها تعبُّدات.

стр. 687

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وبعد وجوب اتِّباعِ الراجِح، فقد اختلَفَ الجدليُّون في أنه هَل يجبُ على المستَدِلِّ أن يُومئ في دليلِهِ إلى وجه الترجيحِ، أو لا: فزعم بعضهم: أنه لا بُدَّ منه؛ فإنَّه من جملة الدليلِ. ولم يوجبهُ قومٌ للعسر. وفَرَقَ الآمدي بين أن يرجح إِلَى نَفسِ الدليل أو أمرٍ خارج؛ فأوجَبَ الأوَّلَ دون الثانِي. وأعلى مراتِبِ الأدلَّة السمعيَّةِ الإجماعُ القاطعُ؛ فإنَّ النسخ مأمونٌ فيه؛ إذ لا يتحقَّق إلَّا بعد زمانِ الوحيِ، وبعده النصُّ من الكتابِ والسُّنة المتواتِرَةِ، والغَرَضُ من الترجيح يتمَهَّد بفصلَينِ: أَحَدِهِمَا: في تَرجِيحِ الألفَاظِ. والثاني: فِي تَرجِيحِ الأَقيسَةِ وَالمَعَانِي، مَعَ التَّنبِيهِ عَلَى أمُورِ اختَلَفَ فِيهَا الأصُولِيون. الفَصلُ الأَوَّلُ: في النُّصُوصِ: مَتَى تَعَارَضَ لَفظَانِ، فَلَا يَخلُو: إِمَّا أَن يَكُونَا مِن الكِتَابِ أَو مِن السُّنَّةِ، أَو أَحَدُهُمَا مِن الكِتَابِ والآخَرُ مِن السُّنَّةِ: فَإِن كَانَا مِن الكِتَابِ فَلَا جَرَيَانَ لِلتَّرجِيحِ فِيهِمَا بالنّسبَةِ إلَى النَّقلِ؛ لاستِوَائِهِمَا فِي التَّوَاتُرِ وَإنَّمَا يَقَعُ التَّرجِيحُ بِالنِّسبَةِ إِلَى المَتنِ أَو بِأَمرٍ خَارجٍ: فَمَا يَعُودُ إِلىَ المَتنِ أَن يَكُونَ أَحَدُهُمَا خَاصًّا، وَالآخَرُ عَامًّا؛ فَيُقَدَّمُ الخَاصُّ عَلَى العَامِّ؛ لأنَّ الخَاصَّ يَتَنَاوَلُ الحُكمَ عَلَى وَجهِ لَا يَحتَمِلُ التَّأويلَ، وَفِي العَمَل بِهِ وَصَرفتِ العَامِّ إِلَى مَا وَرَاءَ مَحَل التَّخصِيصِ جَمعٌ بَينَ الدَّلِيلَينِ مِن بَعضِ الوُجُوهِ. وَكَذلِكَ يقَدمُ المُقَيَّدُ على المُطلَقِ؛ لأن في العمل بالمقيَّدِ عملًا بهما على الجملةِ، وفي العَمَلِ بالمُطلَقِ إِلغَاءٌ للمُقَيَّدِ من كُل وجهٍ، فالأَوَّلُ أولى، والعامُّ المتأَصِّلُ راجحٌ على الوَارد على سَبَب خَاصٍّ. وما ظهر فيه قصدُ العموم أَولَى. وما لم يُخَصَّ والأَقَلُّ تخصيصًا أَولَى. وما سيق لبيان أولى. والمنطوق أولى من المفهوم. والعاري عن الإضمار أولى والحقيقة كذلك. وحمل كلام الشارع على الحكم الشرعي أو الأكثر فائدة أولى. وما يستقل بالإِفادةِ أَولَى من المفتَقِرِ إِلَى بيان. وما لا يحتملُ النسخَ أَولَى. وأما الترجيحُ بما يَرجِعُ إِلَى آمرٍ خارجٍ: فبموافقة أحَدِهِمَا للأصولِ أو اقترانِهِ بدلالةِ التعليلِ، أو بأَنه أَحْوَطُ أوْ أقَلُّ محظورًا، وهل الناقلَ أولَى من المقرَّر أوْ لَا؟ فيه خلافٌ: الأصحُّ: أنَّ الناقل أَوْلَى؛ لأنه أكْثَرُ فائدةً، والتأسيس أوْلَى من التأكيدِ. وأما إنْ كانا من السُّنَّة: فيقع الترجيحُ فيهما بما يَقَعُ به الترجيحُ في الكتابِ، وبأمورٍ أُخَرَ منها ما يَعُودُ إلَى السَّنَدِ، ومنها ما يعودُ إلى المَتْنِ، ومنها ما يَعُودُ إِلَى أَمْرٍ خارجٍ: فأما ما يعودُ إلى السَّنَدِ: فمنه ما يعودُ إِلى الرَّاوي، ومنه ما يعود إلى الرواية: فأما ما يعود إلى الراوي فيرجح بكَوْنِ راوي أحَدِهِمَا عالمًا أو أعْلَمَ، أو حافِظًا أو أَحْفَظَ، أو ورعًا أو أوْرَعَ، أو يكون أحدهما من عُدُولِ أهْلِ السُّنَّة، والآخَرُ من عُدُولِ أهْل البدعهِ عِنْدَ من يَقْبَلُهُ، أو بأنه صاحبُ الواقِعَةِ، أو بمعرفته في اللُّغَةِ، أو بمخالطته ومجالسَتِهِ العلماء والمحدِّثين،

стр. 688

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والمزكَّى بالخبرة أوْلَى من المُعَدَّل، والمصرَّح بسبب عدالتِهِ أَوْلَى من المعدَّل بالتعديلِ المُطْلَقِ، ويرجَّح بكثرةِ الرُّوَاةِ عِنْدَ الشافعيِّ، وهو الأصحُّ لقربه من التواتُرِ؛ وكذلك إِنْ عَارَضَ الثِّقَة، كَثْرَةُ الرواةِ أيضًا. وأَما ما يعودُ إِلى الروايةِ: فعلى ما رتَّبناه في كيفيَّة التحمُّل والأدَاءِ، والمُتَّصِلُ بالسَّنَدِ أولَي من المُرْسَلِ عند من يَقُولُ بأَنه حُجَّةٌ على الأصحِّ، ومنهم مَنْ زعم أن المُرْسَلَ أَوْلَى؛ لأنه التزم عهدته، وفي المصرَّح باسْمِهِ وُكلَ النَّظَرُ في عدالتِهِ إِلى غيره. وأما ما يرجع إِلَي مَتْنِهِ: فبأنْ يكونَ مَتْنُ أحدِهِمَا أسْلَمَ من الاضطراب في اللَّفظ أو المعنَي، أوْ أقرب إلى حال الرَّسُولِ ﷺ . وأمَّا ما يرجِعُ إِلَى أمْرٍ خارجٍ: فبأن يكون أحدهما موافِقًا للقياسِ، وقد رجَّح الشافعي به، وقال القاضِي: يتسَاقط الخبرانِ، ويجب العمل بالقياسِ. وكان القاضي يَرَى أَنَّ شَرْطَ الترجيحِ أنْ يكُونَ قوَّة في الدليلِ؛ والقياسُ دليلٌ مستَقِلُّ بنفسه؛ فلا يكونُ قوةٌ في غيرِهِ، والشافعِيُّ يرى أن الموافقة تُكْسِبُة قوَّة. وأمَّا البزدوي، فإنه فَرَقَ في الترجيح بالدَّلِيلِ بينَ أنْ يكون صالحًا للتمسُّك به في المسألة ابتداءً أَوْ لَا: فإِنْ كان صالحًا، لم يَجُزِ الترجيحُ به: مثاله: أن يستَدِلَّ بقياس، فيعارضه بقياس، فيرجح قياسه بنَصٍّ؛ فإنه لا يجوز؛ لأنه لو تمسَّك بالنصِّ ابتداءً لاستغنَى عن القياسِ. وإن لم يكن صالحًا لِلاستدلالِ به ابتداءً- جاز: مثاله: أن يستدلَّ بنصٍّ فيعارضُهُ بنصٍّ، فيرجح بالقياسِ؛ فإنه يصحُّ؛ لأن القياسَ لا يَصلُحُ دليلًا علَى هذا التقدِيرِ؛ لأنه لو تمسَّك به ابتداءً، لكان في مقابلة النصِّ، والقياسُ في مقابلة النصِّ يكونُ فاسِدَ الوضعِ؛ فلا يكون دليلًا. وما يثبت العَتَاق أو الطَّلاق مقدَّم على ما ينفيهما على الأصَحِّ، ونَافِي الحَدِّ مقدَّمٌ على مُثبِتِهِ على الأصحِّ، وما لم يخالفه الراوي أولَى، وما لَم يَتردَّدْ فيه راوي الأصلِ كذلك: وإن كان النَّصَّانِ أحدهما مِنَ الكتابِ والآخَرُ من السُّنَّةِ: فإنْ كانا متواتِرَينِ، ففيهما ثلاثة أوجُه: الأصَحُّ: أنَّهما سواءٌ من هذا الوجهِ، فيطلب الترجيحُ من وجه آخَرَ. وبالجملةِ فإذَا تعارَضَ نَصَّانِ، فإما أن يكونا عامَّينِ، أو خاصَّينِ، أو أحدهما أخَصَّ، أو كلُّ واحد منهما أخَصَّ من وجه: وعلى الأقسامِ الأربَعَةِ: فإما أنْ يكونا معلومَي النَّقلِ أو الدَّلالة أو مظنونَينِ أو أحدُهُما معلومًا والآخر مظنونًا: وعلى التقديراتِ كلها: فإِما أن يُعلَمَ المتأخر منهما، أو يُجهَلَ،

стр. 689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومجموع ذلك اثنا عشر قسمًا ولا يخفَى حكمُهُمَا في النسخِ والترجيحِ، وعند الاستواء في التساقُطِ أو التخييرِ. الفصل الثاني: في ترجيح بَعضِ الأقيسة علَى بعضِ، ومسالك الترجيح لا تنحصر آحادها؛ فنشير إلَى أنواعِهَا، وذِكرِ جُمَلِ منها، والترجيحُ في القياسِ مِن وجوهِ: الأول: بالنظر إِلَى طريقِ إِثباتِ حُكمِ الأَصلِ، والترجيحُ فيه يَقَعُ بجميع ما ذُكِرَ في تَرجِيحِ النصوص. الثاني: النَّظَرُ إِلَى دليلِ التَّعلِيلِ، والترجيحُ فيه على ما رتَّبنَاهُ في مسالِكِ التَّعلِيلِ. الثالث: بالنَّظَر إِلَى ذات العلَّة: والوَصفُ الحقيقي أولَى من العرفيِّ، والعرفي أَولَى من الشرعي، والوجوديُّ أَولَى من الإضافي، والإضافي أَوْلَى من العَدَميِّ عند من يرى صِحَّة التعليلِ به، والمُعتَبَرُ بنفسه أَولَى ممَا اعتُبِرَ بِمَظِنَّتِهِ، وذاتُ الوَصفِ الواحِدِ أَولَى من ذاتِ الوَصفَينِ. الرابع: باعتبارِ صلاحِيَتِها للحُكْم وإِشعارها به: وقياسُ المعنَى أَولَى من قياسِ الدَّلالةِ، وقياس الدلالةِ أَولَى من الشبه، والشَّبَهُ أَولَى من قياسِ الطَّردِ عند من يَرَاهُ حُجَّةَ، وإنَّما قُدِّمَ قياسُ الدلالة على الشَّبَهِ؛ لأنَّه يرجِعُ إِلَى الاستدلالِ بلازمِ العِلَّةِ، وقد تكونُ العلَّةُ التي هو لازمَها مُخِيلَةً. واختُلِفَ في تقديمِ قياسِ الشَّبَهِ الخاص بالحكم على القياسِ المعنويِّ العامِّ؛ كحمل العاقلةِ جناية الأطرافِ؛ قياسًا على حملها جنايةَ النَّفسِ؛ لاستوائهما في الصيانة بشرع القِصَاصِ والدِّيةِ؛ فيقدَّم على القياسِ العامِّ المقتَضِي لاختصاصِ الضمان بالجاني. والسَّالمَةُ من التخصيصِ أَولَى، والمنعكسة أولَى، والضروريُّ أولَى من الحاجِي، والحاجي من التزييني، وما اعتبر أصلًا أَولَى مما اعتُبِرَ تتمَّةَ وتكملة؛ كقتل الجماعة بالواحد وقطع الأيدي باليد الواحدة؛ لأن مراعاةَ المُسَاواةِ ها هنا تفضي إِلى اتخاذِ الاشتراكِ وسيلةً لفوات الأنفسِ والأعضاءِ؛ فيفضي إِلَى فوات أصلِ حِكمَةِ القصاصِ؛ ففي اعتبارِ مصلحةِ الوَصفِ المُكَمَّل ها هنا تفويتٌ لمصلحة الأصلِ والوصفِ جميعًا. والمؤَثِّرُ أولَى من الملائِمِ، ويقدِّم الأَقرَبُ فيه فالأقرَبُ، وأعَمُّ أجناسِ الوَصفِ كونُهُ مصلحيًّا، وأقرَبُ منه كونُهُ ضروريًّا، وأخصُّ منه كونُهُ حِفظَ نفسٍ مثلًا أو مَالٍ، وأعمُّ أجناسِ الحُكم كونُهُ حكمًا، وأقرَبُ منه كونُهُ وجوبًا مثلًا، وأقرَبُ منه كونُهُ عبادةَ، وأقربُ منه كَونُ العبادةِ صلاة، أو زكاةً أو غَيرَ ذَلك. الخامِسُ: ما يرجع إِلَى تحقيقِ وجودِ العلَّة في الأصلِ والفرعِ، ولا يَخفَى أنَّ ما يثبت بطريقٍ مقطوع أَوْلَى مما يثبت بطريقٍ مظنونٍ عند من يجوِّزُ ذلك، ثم تتفاوَت طرق الظَّن. السادِس: ما يرجِعُ إِلَى أمرٍ خارجٍ ككثرة الفائدة؛ وككون إِحدَى العِلَّتَينِ ناقلة، والأخرَى

стр. 690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مقرِّرةً، والناقلةُ أولَى على الأصَحِّ والموافِقَةُ للأصولِ أولَى، وما يقتضي احتياطًا أولى، وموافقة قول صحابي أولى، والأكثر أصولًا وفروعًا أَولَى. واختلف في المتعدِّية والقاصِرَةِ عِندَ من يُصَحِّحُ التعليلَ بها، فقيلَ: المتعديةُ أَولَى، وهو الأصحُّ؛ للإجماعِ عَلَى صحتها، وكَثرَةِ فوائِدِهَا. وقيل: القاصرةُ أولَى؛ لاعتضادها بالنصِّ أو الإجماع، أينما وُجِدَت، ولأن في اعتبارِ الأخص اعتبار الأعَمِّ، ولا ينعكس. وعُورِضَ بأنَّ المتعدَية أبسَطُ، فتحقيقُهَا أيسَرُ وأقَلُّ معارِضًا. وقيل: هما سواءٌ؛ لتقابُلِ جهاتِ القوَّةِ والضَّعفِ، وانجبارِ بَعضِها ببعضٍ. قوله: "المسأَلَةُ السابِعَة ... قد بَيَّنَّا فيما تقدَّم أن القرآن واف بِبيانِ جميع الأحكام التي لا نهاية لها": يقال له: إنما يفي ببيان السُّنة، وضَم معقوله إلى مظنونه؛ فإن أكثر الأحكام مشروعةٌ بأصلها في الكتَابِ دُونَ تفاصيلها؛ كالصلاةِ، والزكاةِ، والصَّوم، والحَجِّ، والجهادِ، والبَيع، والنِّكَاح، وغَيرِ ذلك. قوله: "فَلَو أن الفقهاءَ اقتصروا عَلَيهِ، لَخَفَّتِ المُؤنة": يقالُ له: كيف يمكنُ الاقتصارُ على العمل بالمُجمَلاتِ دُونَ بيانها، أو المُطلَقَاتِ المُرَادِ بها المقيِّدَاتُ، أو العمومَاتِ المرادِ بها بعضُ المستثنياتِ، مع أنه على خلافِ الظَّاهِرِ- بدونِ مُبَيِّنِ، وقد تقدَّم أنَّ إِطلاق الظاهر وإرادَةَ المُجمَلِ الخَفِي من المتشابه الذي لا يُمكِنُ المصيرُ إلَيه إلا بمبين، فكيفَ تَخِفُّ المُؤنة، والأمرُ كذلك؟ ! . قوله: "لكنَّهم ذكروا مَسلَكَينِ آخَرَينِ: أحدهما: تخصيصُ عمومِ القرآنِ بخبَرِ الواحدِ": إنما قُيِّدَ بخبرِ الوَاحِدِ للاتفاقِ علَى جواز تخصيص القُرآنِ بالسُّنةَ المتواتِرَةِ، وإن اختُلِفَ في نَسخِهِ بها. قولُهُ: "وثانيها: تخصيصُهُ بالقياسِ. ولأجلِ هذَين المسلَكَينِ عَظمَ الخَطبُ وكثُرَتِ المذاهبُ، واتسعَتِ الأقوالُ، وقَرُبَت من أن تَصِيرَ غَيرَ متناهية": يعني الأقوال في مَسَائِلِ الاجتهادِ، لا الوقائع؛ فإنه قد زَعَمَ أنَّ مجرَّد الكتاب وافٍ بالأحكام التي لا نِهَايَةَ لها. قوله: "والمختار عندنا أنَّهُ يجوزُ تخصيصُ عمومِ القرآن بخبرِ الواحدِ بشَرطِ أن يكُونَ سليمًا عن المطاعِنِ كلِّها. وأما تخصيصه بالقياسِ، فلا يجوز": ومذهَبُ الأئمَّة الأربَعَةِ، وأكثر الفقهاءِ والأصوليِّين أنَّه يجوزُ تخصيصُ القرآنِ بخَبَر الواحِدِ.

стр. 691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومنعه قومٌ، وبعضُ المعتزلةِ. وقال ابنُ أَبَان: إن كَانَ قد خُصَّ قبل ذلك بدليل قطعيٍّ- جاز؛ لأنه صَارَ مجازًا، فضعفت دلالتهُ، وإلَّا فلا. وقال الكَرخِيُّ: إن خُصَّ بدليل مُنفَصِلٍ- جاز، وإلا فلا، وإنما فرق بين المُتَصَّلِ والمنفصِلِ؛ لأنَّه يرى أن التخصِيصَ بالمنفصلِ كالصِّفَة والشرطِ لا يُخْرِجُ العامَّ عن تناوله حقيقة؛ لأن المخصِّصَ، إذا لم يستقِلَّ كان جزءًا من الكَلامِ كَالاستثناءِ، ويكون ذلك كتغييرِ الكلمةِ من بناء إِلَى بناء آخَرَ؛ كقولِكَ "مُسلم"، و"مُسلِمَان"، و"مسلمون"؛ فإن جميعها حقائق. وتوقَّف القاضي؛ لاشتمال كل واحدٍ منهما على جهتَينِ: قوة، وضعف. قوله: "لنا: أنَّا بيَّنا أن قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ ... [الحجرات ٦] إلَى قوله: "وَلَو رجحنا الخاصَّ على العامِّ، لم يكُن ذلك إِبطالًا للعمومِ بالكلِّيَّة": حاصلُ ما ذكره أنَّ خبر الواحدِ حُجَّة؛ للآية، وقد بيَّنَّا أنه حجةٌ بما تقدَّم من المسالِكِ، وأن الاعتمادَ فيه علَى ما عُلِمَ من سيرته ﵇ وسيرةِ الصحابة، وأن الاحتجاجَ بالآية التي ذكَرَهَا ليس بالقَويِّ، وإذا تقرَّر أنه حُجَّة على الجُملة وأن العام أيضًا حجة على الجملة، فعند الاحتجاجِ والتعارُضِ على أمر واحدٍ: فإِمَّا أن يُعمَلَ بهما معًا، وهو جَمعٌ بين النقيضين. أو لَا يُعمَلَ بهما، وإنه تعطيلٌ، وهو خلاف الأَصلِ. أو يَعمَلَ بالعامِّ؛ وفيه تركُ العَملِ بالخَاصِّ بالكلِّيَّةِ. أو يُعمَلَ بالخاصِّ، ويُصرَف العَامُّ إِلَى ما ورَاءَ ذلك، وهو جمع بين الدليلَينِ بِحَسَب الإمكَانِ؛ فإِن الأصل هو العَمَلُ بهما، فما كان أقرَب إِلَيهِ كان أَولَى. وَيرِدُ عَلَيهِ: أنا لا نُسَلم أنَّ في ذلك جَمعًا بين الدليلين؛ فإنَّ التعارُضَ إنَّما وقَعَ على أفرادِ الخَاصِّ، وما سواهُ لا تَعَارُضَ فيه، وإشعارُ العَامٍّ بغيره؛ كدليل آخر علَى غير المطلوب، فمتَى عمل بأحد الدليلين المتقابِلَينِ علَى هذا الفرد- كان في العَمَلِ بأحدهما تَركُ الآخرِ؛ فالأَولَى أن يُقَال: إنَّ إِشعار الخَاصِّ بالحُكم: إما نصَّ أو لنصِّ، فإشعاره به أقوَى، فكان العمل به أولَى.

стр. 692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واعتماد الجمهور في المَسأَلة على الإِجماعِ وقرَّروه بأنَّ الصحابة ﵃ خَصَّصَت عموماتِ الكتابِ بآحادٍ في وقائِعَ يُفِيدُ مجموعُهَا القطعَ: ومنها: تخصيصُ قولِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١] بروَايَةِ الصِّدِّيق: "نَحنُ -مَعَاشِر الأَنبِيَاءِ- لَا نُورَثُ؛ مَا تَرَكنَاة صَدَقَةٌ" وبِقَولِه ﵇: "لَا يَرِثُ القَاتِل"، وبقوله ﵇: "لَا يَتَوَارَث أَهلُ مِلَّتَينِ شَتَّى" وتخصيص قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، بتوريث الجدة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة. وتخصيصُ قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة ٢٧٥] بخبر أبي سعيدٍ في تحريم ربَا الفضلِ. وقولُهُ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٥] بخبر عبد الرحمن بنِ عَوفٍ في المَجُوسِ: "سُنُّوا بهِم سُنَّةَ أَهلِ الكِتَابِ". وتخصيصُ قولهِ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] بخبر أبي هريرة: "نَهَى ﷺ أَن تُنكحَ المَرأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالتِهَا". وقولُهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائده ٣٨] بقولِهِ ﵇: "لا قَطعَ إِلَّا فِي رُبعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا"، وذلك كثيرٌ من غيرِ نَكِيرٍ، وقد تقدَّم ذكرُ جِنسِ هذا الدليلِ في العمل بخبر الواحِدِ والقياسِ، والاعتراضُ عليه والانفصالُ، والذي يَخصَّ هذا قَوْلُهم: إِن لم يكُن هذا التخصيصُ المَنقولُ مُجمَعًا علَيه، فلا حُجَّةَ فيه. وإن أجمعوا عليه، فالإجماع هو المخصِّص لا الخبر، وبمعارضة النقلِ بِقَولِ عُمَرَ في حديثِ فاطمةَ بِنتِ قَيسٍ: إنَّه - عليه

стр. 693

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === السلام: "لَم يَجعَلْ لَهَا سكْنَى"؛ لما كان مُخَصِّصًا لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق ٦] فقال: كَيفَ نتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَولِ امرَأةٍ لَعَلَّهَا نَسِيَت أَو كَذَبَت"، من غير إنكارِ مِن أحدٍ، وبما روى أنه ﷺ قال: "إِذَا رويَ لَكُم عَنِّي حَدِيثٌ، فَاعرِضُوهُ عَلَى كِتَاب الله: فَإِن وَافَقَهُ، فَاقبَلُوهُ، وإن خَالفَهُ، فَرُدُّوهُ"، وبأنَّ كتاب الله مقطوعٌ به، والخبر مظنوَنٌ، وبأنَّه لو جاز تخصيصُهُ به، لجاز نسخُه به، وليس فليس. وأجيب عن الأوَّل: بأنهم أجمعوا على تخصيصها بأخبار الآحادِ، وعن رَد عُمَرَ: أنَّه رَد عليكم؛ لأنه عَلَّلَ الرَّدَّ بعدم الثِّقَةِ، ولو كان الكتاب لا يخصِّصُ بالسنَّة، لَبَطَل هذا التعليلُ، وأمَّا الحديث فالإِجماعُ علَى خلافِهِ في السُّنَّة المتواتِرَةِ، وبأنَّ التخصيصَ مُبَيِّنٌ لا مخالِفٌ. وقولهم: "الكتابُ مقْطُوعٌ به": قلنا: مقطوعُ النَّقلِ غَيرُ مقطوع التَّنَاوُلِ، ويبطُلُ برَفع البراءةِ الأصليَّة بخبر الواحِدِ، والرَّدُّ على القاضِي بأنَّ في التخصيصِ الجَمعَ أو العَمَلَ بالأقوَى، والحقُّ أن الترجيحَ بحسب خصوصِ الوقائِع لتقابلِ الدَّلِيلَينِ الظَّنِّيَّينِ، فيتبع المجتهِدُ في كُل واقعةٍ ما يَغلِبُ على ظَنِّهِ، والمقصودُ من هذه المسألةِ بَيَان الجوازِ على الجملةِ، وإلَّا فلأبي حنيفَةَ تفصيلٌ في بناء الخَاصِّ على العَامِّ، والفَرق بين مَعرِفَةِ التقدُّم والتأخُّر والالتباس. وأما عدم نَسخ القرآن به عند المحقِّقين؛ فلأن النسخ رفع حكم تحقّق ثبوتُهُ فاحتيج فيه إِلَى

стр. 694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مثله، أو أقْوَى منه، والتخصيصُ بَيَانُ قَطْعِ أَمْرٍ مُتَوَهَّم، والله أعلم. قوله: "المسألة الثامنةُ: قال الأكثَرُونَ: يجوزُ تَخصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بالقياسِ، والمختارُ عنْدَنَا أَنَّه لا يجوزُ": واختلفَ العلماءُ في جواز تخصيصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ المتواتِرَةِ بالقياسِ: فقال الشافعيُّ

стр. 695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومالكٌ وأبو حنيفة والأشعريُّ منا وأبو الحُسَينِ من المعتزلَةِ وأبو هاشمٍ آخرًا-: إنَّه يَجُوزُ. وقال عَبْدُ الجَبَّارِ وأبو هاشم أوَّلًا: لَا يَجُوزُ. وقال ابْنُ أَبَان: إِنْ كان قد خُصَّ مِنْ قَبْلُ بدليلٍ قطعيٍّ - جاز، وإلَّا لم يَجُز. وقال الكرخي: إن كان قد خص بدليل منفصل جاز، وإلا لم يجز. وقال ابْنُ سُرَيجٍ، وجماعةٌ من الفقهاء: إِنْ كان القياسُ جَلِيًّا، جاز، وإلا لم يجُزْ. واختلَفُوا في تفسيرِ الجَلِيِّ: فمنهم مَنْ قال: هو قياسُ المَغنَي دون الشَّبَهِ. وقال الإِصطخريّ: هو الذي ينقض قضاء القاضِي بخلافهِ. وتوقَّف القاضِي، والإمامُ. وقال الغَزَّالِي: الاعتبارُ بأغلبهما ظَنًّا ولعلَّه الأصحُّ:

стр. 696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فقَال بعضُ المتأخِّرين: إنْ ثبتت العلَّةُ بنصِّ أو إجماع، أو كان الأصْلُ مَحَلَّ تخصيصٍ - خُصَّ، وإِلَّا فالمعتبرُ القرائنُ في آحادِ الوقائِعِ، وهو يقارِبُ اختيار الغَزَّاليِّ معنى، وان اختلفا لفظًا. قوله: "واحْتَجَّ المجوزون بوجهين: أحدُهُما: أنَّ القياسَ ٤ وعُمُومَ القرآنِ دَلِيلانِ متعارِضَانِ، وأحدهما أخَصُّ من الآخر؛ فوجب تقديم الخَاصِّ على العامِّ"- قد تقدَّم تقريرُه. قوله: "واعْلَمْ أنَّ هذا ليس بشَيءٍ؛ لأنا حيث ذكرنا هذا الدليلَ في خَبَرِ الوَاحِدِ، فإنه إنما صَحَّ، لأنَّا بينا أنَّ الآيةَ دلَّتْ على أن خبر الواحِدِ حجةٌ مطلقًا، سواءٌ عارضه الكتابُ، أو لَمْ يعارضْهُ؛ فلا جرم: تم الدليلُ": قد ذكَرْنا في "باب الأخبارِ" أن الآيهً واردةٌ على سبَبٍ في شخْصٍ خاصٍّ، وهو الوليدُ بْنُ عُقبَةَ أرسله النبيُّ ﷺ لأخذ الصَّدَقَةِ من بني المُصْطَلِقِ فخرجوا ليلقوه فخاف منهم، فرجع إلى النبيِّ ﷺ وأخبره بأنَّهم ارتدُّوا فَهَمَّ ﵇ بغَزوهِمْ؛ فأنزل الله تعالي هذا الآية. وقد نمنع عمومَهَا، ولو سُلِّمَ أنَّ العبرة بعمومِ اللَّفْظِ لا بالسَّبَبِ، فهو عمومٌ ليسَ في قوَّةِ مَا لَمْ يَرِدُ علَي سَبَب، وليس في الآيةِ ما يُشعِرُ بأنه دليلٌ مُطلَقًا، عارَضَ الكتابَ، أو لم يعارضْهُ علَي ما زَعَمَ، بل إنما هو مُطلَقٌ، والمطلقُ تتأدَّى دلالتُهُ بالحَمْلِ على بعض الصور، فكَيفَ يَدَّعِي العموم في الأحوال؟ . قوله: "أما في مسألةِ القياسِ، فلا نُسَلِّمُ أن الدليلَ يَدُلُّ على أنَّ القِيَاسَ حُجَّة على جميعِ التقديراتِ": يقالُ له: القياسُ صالحٌ لكونه حُجَّةً في هذه المسألةِ، لولا ظاهِرُ النص المُعَارِضِ بالاتفاقِ، والمعارِضُ إنما هو الظَّاهِرُ، وهو دليلٌ ظَنِّيٍّ؛ فقد تعارضت الأمارتَانِ علَي هذا المطْلُوبِ، والاعتمادُ على تعيين العملِ به بالتَّقْسيم المَذْكُور، وإذا كان العَمَلُ به أرجَحَ، وجب العملُ به؛ لامتناعِ العَمَلِ بالمَرْجُوحِ بالإجماعِ، ولما في الوَقْف من إلغاءِ الدليلَينِ. قوله: "وقوله تَعَالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر ٢]، وقوْلُ معاذٍ: "أَجْتَهِدُ رأيي"- قد بيَّنَّا أنَّه لا يفيدُ العُمُومَ. وأما إجماعُ الصحابةِ، فهو حكايةُ حَالٍ، وإنه لا يفيد العمومَ. وقولُهُ: "القياسُ يقتضي دَفْعَ ضرر مظنونٍ" لا نسلِّم أنه إذا عارَضَ القُرْآنَ يكون مقتضيًا لدفْعِ ضَرَرٍ مظنونٍ، بل العملُ به يوجبُ حُصُولَ الضَّرَرِ؛ [لأن القرآن أقوى عند كل عاقل من القياس؛ فموافقة القرآن توجب دفع الضرر]؛ فثبت أن الدليلَ الدَّالَّ على صحَّةِ القياسِ لا يَدُلُّ علَي كَوْنِهِ حُجَّةً عندما يكُونُ معارضًا للقرآنِ، وإذا ظَهَرَ الفَرْقُ الذي ذكَرْنَاهُ لم يتمكَّن المستدِلُّ من أن يقولَ: "إِن عمومَ القرآنِ والقياسِ دليلانِ متعارضَانِ، وأحدهما أخصُّ من الآخر؛ فَيُقَدَّم الأخصُّ على الأعمِّ"؛ لأنه لم يَثْبُت بدليل أنَّ

стр. 697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القياسَ بقي حجَّةً عنْدَ معارضةِ القُرْآنِ؛ فظهر الفَرْق": والجوابُ عما ذَكَرَهُ: أمَّا مَنْعُهُ مِنْ عمومِ دَلَالةِ الآيَةِ على القياسِ، وعُمُومِ دلالة الخَبَرِ على العَمَلِ به- فَقَدْ تَقَدَّم بيانُ العمومِ فيهما بِطَرِيقِ الظُّهور فيما تقدَّم، ودَفْعُ جميع ما أُورِدَ عليهما بطريقٍ ظاهرةٍ على وجْهٍ ينفي ظهورَ دلالةِ العُمُوم، وأنَّ المسألة إِذا كانَتْ عمليَّةَ، كان الظنُّ كافيًا فيها. وأما الإجماعُ، فَقَد قَرَّرنا دلالتَهُ على العَمَلِ بالقياسِ بطريقِ القَطْعِ. ويجيبُ عن قوله: "إِنَّهُ حكايَةُ حَالٍ؛ فلا يَعُمُّ"- قولنا غير مَرَّةٍ بِأَنَّ حكايةَ الحالِ: إذا تكررت ودَامَتْ من غير إِنْكارٍ- أنه لا يحتملُ أنْ يكُونَ السُّكُوت لوجه مِنْ تلْكَ الوجوهِ سِوَى "المُوَافَقَةِ". وقوله على طريقة: "إن العمل بالقياسِ دَفْعُ ضَرَرٍ مظنونٍ"، وإِنْ لم يرتضيها علَي ما سبَقَ، لا نسلِّم بأَنه يكونُ دَفْعَ ضررٍ مظنونٍ، مع مقابلة القَرَائِنِ، بل دفع الضرر المظنونِ في العَمَلِ بعَكسِهِ دَعْوَى عريَّةٌ عن البرهانِ؛ فإن القطع في العمومِ في النَّقْلِ لا غير، والتَّنَاوُلُ ظاهرٌ، والقياسُ قد تَعْرِضُ فيه وجوهٌ من القَطْعِ؛ كالنَّصِّ على الأَصْلِ والعلَّةِ، وتحقيقِها قَطْعًا في مَحَلِّ النزاعِ مع ضَعْفِ دلالةِ العَامِّ؛ لكونِهِ لم يُسَقْ لقصْدِ الحكمِ، أوْ يكون بالقياسِ علَى المخرج بِعَينِ تلك العلَّة، أو بلا فارِقٍ أو بقياسِ الأَوْلَي؛ وحينئذٍ لا يُنْكِرُ مُنْصِفٌ أنَّ ظَن مُوجِبِ القياسِ -والحَالةُ هذِهِ- راجحٌ، وظَنُّ مُوجِب العمومِ مَرْجُوحٌ، والراجحُ واجبُ الاتباعِ؛ فلا يفيدُ ما ذَكَرَهُ مَنْعَ التخصيصِ به مُطلَقًا، والحَقُّ أن العبرة بخُصُوصِ الوقائعِ، فيتبع أغلَب الأمارَتَينِ؛ كما سُلِّم في تعارض العمومِ وخَبَرِ الآحادِ، وتعارُض العموماتِ وبَعْضِ الأخبارِ، أو الأقيسة وسَائِر الأماراتِ. قوله: "الحجة الثانية: أن الصحابة خصصوا بعض العمومات بخبر الواحد والقياس؛ فيكون حجة. وَقد عَرَفَتْ [ضعف] هذا الدَّلِيل، وجميع ما أورد عليه" فقد تقدَّم الجوابُ عنه، وما أُوردَ عليه. قوله: "ثم نقولُ ها هنا: إِنكم ادَّعَيتُمْ أن الصحابَة أجْمَعُوا على تخصيصِ تلك العمومَاتِ بتلك القياسَاتِ؛ فقد حصل هنالِكَ القياسَاتُ مع الإِجماعِ على تخصيص تلْكَ العموماتِ، وههنا إنما حَصَلَتِ القياساتُ مِنْ غير حصولِ الإجْماع علَي وجوب تخصيصِ العموماتِ بها؛ فقد ظَهَرَ الفَرْقُ العظيم": والجَوابُ عنه من وجْهَين: الأَوَّلُ: أن هذا لازم في عين ما سَلَّمَهُ من التخصيصِ بالخبر. والثاني: أنَّ الإجماعَ لم يَقَعْ على التخصيصِ؛ وإلا لجزم بالخلافِ، والمخصَّص به لم يَمْنَعْ من الخلافِ، ولا فسق ولا باع مخالفه، فالإجماعُ إِنما كان على العَمَلِ بِجِنْسِ القياسِ في جنْسِ التخصيصِ، لا على التخصيصِ بالقياسِ المعيِّنِ للعَامِّ المعيَّن. وإذا كان الإِجماعُ إِنما وَقَعَ على القَدْرِ المشتَرَكِ، وأَنَّ خُصُوصَ الوقائع لا أَثَرَ لها- لَزِمَ العَمَلُ به أينَمَا تحقَّقَ بشروطه،

стр. 698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والله أعلم. قوله: "ونقول: الذي يَدُلُّ علَي أنَّه لا يجوزُ تخصيصُ عمومِ القُرْآنِ بالقياسِ، وُجُوهٌ: الأَوَّلُ: قصَّةُ معاذٍ؛ فإنها تَدُلُّ على العمل بالقياسِ مُعَلَّقًا بكلمةِ "إِنْ" على عَدَم وجْدَانِ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ لأنه ﵇ قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ الله؟ " قَال: أَجْتَهَدُ رأْيي. والشرَطُ المذكورُ في السؤَالِ شَرْطٌ في الجوابِ، والمُعَلَّقُ على الشيءِ بكلمةٍ "إنْ" عدم عنْدَ عَدَمِ ذلك الشيءِ؛ فوجب ألا يَجُوزَ الاجتهادُ عند وجْدَانِ الكتابِ والسُّنةِ": وبيانُ الجواب عن هذه المعارَضَةِ من أوجُهٍ: الأوَّل أنَّه لازِمٌ له فيما سَلَّمَهُ من التخْصِيصِ بالخبرِ؛ فإن العمل به في خَبَرِ معاذٍ مشروطٌ بعَدَمِ الكتابِ بعَينِ ما ذَكَرهُ، وجوابُهُ عنه جوابُنَا. الثانِي: أن نقولَ: إِنَّا لم نَعْمَل في المسألةِ بالقيَاسِ؛ ليكونَ العمل به مع وجُودِ النَّصِّ مخالفًا، وإِنَّما للفظ محملان: حقيقةٌ ومجازٌ، والقياس الموافق للمجاز قرينة ترجح احتمال إرادة المجاز؛ كما أن الوضع الأوَّل أو غلبة الاستعمالِ مُرَجِّحٌ لإِرادة المحمل الآخَرِ؛ وهذا كما نقولُ: إذا تعارَضَتِ البَيِّنَتَانِ، واخْتصتْ إحداهُمَا باليَدِ، وقُلْنَا: نَقْضِي له بدون يمينٍ، فإِنَّ العمل بالبينة الرَّاجِحَةِ لا بمجرَّد اليد؛ بخلافِ اشتراطِ اليمينِ؛ فإن البينتين تتساقطان، والقضاء مستند إلى اليمين واليد. الثالث: أنَّ قوله "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ" مطلقٌ في تقديمِ الكتاب والسُّنَّة على القياسِ، وإذا قام الإجماعُ عَلَى أنَّ العَمَلَ به بأرجَحِ الأمارَتَينِ واجبٌ، كانَ ذلك مقيِّدًا لهذا المُطلَقِ؛ فصار كأنه قال: فَإِنْ لَمْ تجدْ في الكتاب والسنة ما يَجِبُ العَمَلُ به بشرطه، وهو سلامَتُهُ عن النَّسْخِ والمُعَارِضِ الراجِحِ؛ وحينئذ لَا يُسَلِّمُ أنَّه مع معارَضَةِ القياسِ الرَّاجِحِ واجبُ التَّقدِيمِ عَلَى هذا التقديرِ. قوله: "الحجة الثَّانيةُ: لَوْ جَازَ تخصيصُ النَّصِّ بالقياسِ، لكان قولُ إِبلِيسَ في قصَّة آدَمَ: ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]- صحيحًا؛ لأنَّه أَمَرَ الملائكةَ بالسُّجُودِ لآدَمَ، وهو خطابٌ عامٌّ، وأنَّ إِبليس قال هذا العُمُومُ أخصِّصُهُ في حَقِّ نفسِي بالقياسِ؛ لأنَّ النَّارَ خَيرٌ من الطينِ؛ لأن جوهَرَ النَّار مُشْرِقٌ عُلْويٌّ لطيفٌ مُؤَثِّرٌ، [والطين كثيف مظلم سفلي متأثر]؛ فتكون النارُ خَيرًا من الطِّينِ، والنارُ أصلي، والطِّينُ أصْلُ آدَمَ، ومَنْ كَانَ أصْلُهُ خَيرًا من أَصْلِ غيره- كان هو خَيرًا منه؛ نظرًا إلى هذه الجهة. اللَّهُمَّ: إِلا إذا ظهر قيامُ المُعَارِضِ، فمن ادَّعَاهُ فعليه إِثباتُهُ، هذا قياسٌ منتظمٌ جعلَهُ إبليسُ مخصِّصًا لعمومِ الأمْرِ بالسُّجودِ، فلو كان تخصيصُ النصِّ بالقياسِ جَائِزًا، لكان قولُ إِبليسَ صوابًا": والجوابُ عن هذه المعارَضَةِ بعد تسليمِ أوصافِ قياسِهِ؛ فإن من جملتها أنَّ جوهَرَ النَّارِ مُؤَثِّرٌ، على ما يزعمه الطبيعيون، ونَحْنُ إنما نعتقدُ أنَّه لا مُؤَثِّرَ إلا الله -تعالى- فنقول: إِنه لو

стр. 699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === سُلِّم صحةُ هذا القياسِ, لَكَانَ مُوجِبُه تَرْكَ العملِ بجميع النَّصِّ؛ فإِنَّ مَنْ عَدَّ إبليسَ من الملائِكَةِ، كان أصلُهُمْ إِما مثْلَهُ أوْ أشرَفَ منه؛ فإنهم من نُورٍ، ونحن نسلِّم أنَّ القياس المقابِل للنص باطلٌ وفاسدُ الوَضْعِ. والتحقيقُ في الجوابِ -وقد أومأ إليه بقوله: "إِلا إِذا ظَهَرَ قيامُ المعارِضِ"- يعني: أنَّ حق المفاضِلِ بين شَيئَين أن يجمَعَ جميعَ وجُوهِ الشَّرَفِ والكمال، ويقابل المَجْمُوعَ بالمجموعِ، وينظُرَ ما بَينَهُمَا مِنَ التفاوُتِ في الكيفيَّة والكمِّيَّةِ، وَيَعْلَمَ درجاتِ الزيَادَةِ والنقْصِ -كالمعدل في القَسْم- ثم يَحْكُمَ بعد الخبر بالرُّجْحَانِ، وقد أسقط إِبليسُ ما خَصَّ الله تعالي به آدَمَ من التكريمِ والاصطفاءِ، وتَعْلِيمِ الأسماءِ، ورجَّحَ من المادَّةِ بخاصَّة، فكَيفَ يَصِحُّ هذا القياسُ؟ ! قوله: "الحُجَّةُ الثالِثَةُ: أنَّ الله تعالى حكَى عن الكُفَّارِ أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥] ومعناه: أنه لا فرق بين أن يُشْتَرَى الكِرْبَاسُ بالدِّينَارِ، ثم يباع الكرباس بالدينارَينِ، وبين أنْ يُبَاعَ الدينارُ بالدينارَينِ، ثم إِن الله تعالى إِنما أجَابَ عن هذا السُّؤَالِ بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فلولا أنَّ النصَّ خَيرٌ من القياسِ، وإِلَّا لصار هذا الجوابُ باطلًا، ولَصَارَ قياس الكفار حَقًّا": والجوابُ عما ذَكَرَهُ: أنَّ هذا إِنْ صَحَّ كما قرَّره، فَلَيسَ من باب التخصيصِ، وإنَّمَا هو من فساد الوضعِ، وهو إِسقاطُ مُوجِبِ النَّصِّ جملةً؛ فالقياس والتخصيصُ جَمْعٌ في العَمَلِ بين الدليلَينِ، فَشَتَّانَ ما بين البَابَينِ. قوله: "الحجة الرابِعَة: أَنَّ الدليلَ علَى إِثبات القياسِ قولُهُ تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢]، وقولُ مُعَاذٍ: "أَجْتَهِدُ رَأْيِي" ... والإجماعُ. ولكنْ إنَّما يمكنُ إِثباتُه بعموماتٍ ضعيفةٍ؛ كقوله تعالي: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥]، و ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وعلَي هذا: لا يمكنُ إِثباتُ القياسِ إلَّا بعموماتٍ ضعيفةٍ ... " إلى آخره: الحاصلُ: أنه يَزعم أنَّ أدلَّة القياس ضعيفة، وأن الإجماعَ الَّذي استند إلَيهِ القياس في غاية الضَّعْفِ؛ فإِنها عموماتٌ بعيدةٌ قابلةٌ للتأويلات القريبَةِ، وأن القياسَ الَّذي وجب العَمَلُ به إنَّما يَدُلُّ بعد إِثباتِ مقدِّماتٍ كثيرةٍ، وهي ثبوتُ الحُكْمِ في الأصْلِ، وثبوتُ دليلٍ يَدُلُّ على تعليلِهِ، ودليلٍ علَي تعليلِهِ بالعلَّة المعيَّنة، ودليلٍ علَى انتفاءِ الموانِعِ في الأصْلِ، ودليلٍ على تحقيقِ ذلك المَعْنَى في الفَرْع، ودليلٍ على انتفاءِ ما يعارِضُهُ في الفَرْعِ، وهذه مقدِّماتٌ كثيرةٌ، والعَمَلُ بالعمومِ لا يتوقَّف إلَّا علَى مقدِّمة واحدةٍ، وهي بيانُ أنَّ هذا العامَّ متناولٌ لهذا الفرد، فاحتمالُ الغَلَطِ فيه أقَلُّ؛ فالعمل به أولَى. والجوابُ أنْ يُقَال: لا مُسْتَندَ للعَمَلِ بالعمومِ إلَّا الإِجماع؛ فإن العمل به عَمَل بالظَن، فلولا إِسناده إلى الإِجماع القاطِعِ، لَمَا وَجَبَ العَمَلُ به، فإذا كان الإجْمَاعُ إنَّما عُمِلَ به للعمومات، كان دَوْرًا، ولزم ألا يكونَ العُمُومُ حجةً. ثم لو سَلَّمنا أنَّه دليلٌ على الجملةِ، لكنَّه ظنيٌّ،

стр. 700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والعموماتُ على درجاتٍ في الظَّنِّ؛ لظهورِ بَعْضِ أدواته دون بعضٍ، ولانقسامِهِ إِلَى ما ظَهَرَ فيه قَصْدُ العمومِ أو أنه سيق لبيان الحُكم، وإِلَى ما لم يسق لذلك؛ كأخذ أبي حنيفة وُجُوابَ الزكاةِ في الخَضْرَاوَاتِ مثلًا من قوله ﵇: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نصْفُ العُشْرِ"؛ فإِنه لم يُسَقْ لبَيَانِ ما تجب فيه الزكاةُ، وإنما سيق لبيانِ قَدْرِ المَأخوذِ؛

стр. 701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فَدَلالتُهُ على وجوب الزكاةِ في الخَضْرَاوَاتِ في غاية الضَّعْف، وكاستدلالهم على طهارةِ جِلْدِ الكَلْبِ بالدباغِ؛ بقوله ﵇: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ" مع وروده على سَبَبٍ، وهو شَاةُ ميمونَةَ، ومع أنَّ جِلْدَ الكَلْبِ من الصُّوَرِ الشَّاذَّة التي لا تخطر بالبالِ عِنْدَ إطلاقِ

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === العمومِ، ومع تطرُّقِ التخصيصِ إلى أَكْثَرهَا، وضَعْفِ تأويلها، فَمِثْلُ ذلك مِنْ عمومٍ الكتابِ إذا عَارَضَهُ قياسٌ أَصْلُهُ منصوصٌ عليه بالتواتُرِ، وعلَّتُهُ منصوصٌ عليها بالتَّوَاتُرِ، وهي متحققةٌ قَطعًا في الفَرْعِ، ولم يُفَارِقِ الأصْل الفَرْع إلَّا في أوصافٍ طرديَّةٍ- فكلُّ منصف يَعْلَمُ ترجيحَ مِثْلِ هذا القياس علَي عمومٍ مُخَصَّصٍ، وما ذكره بعد ذلك تبشيع وتشنيعٌ علَي أدلَّة الأحكامِ الشرعيَّةِ، وقَدْحٌ في جميعها؛ فإنه إِذا كان يَزْعُمُ أنَّ دلالة الألْفَاظِ القاطِعَةِ تتوقَّف على عَشَرة أمورٍ متعدِّدة أو متعسِّرة، والظُّنُون كلُّها تستَنِدُ إلى الإجماعِ، وَالإِجماعُ بهِ يستندُ إِلى العُموم- لَمْ يَبْقَ لِلظَّنِّ قَاطِعٌ يَسْتَنِدُ إليهِ، وَكَانَ عَملًا بالظنِّ، بَلِ الحقُّ الذِي لَا مراءَ فِيهِ أَنَّ لَنا نُصوصًا قَواطِعَ بِالقرائِنِ، وَأَنَّ مِنَ الإِجماعِ مَا هُوَ قَطْعِيٌّ إليهِ يستندُ العملُ بِجَمِيعِ الظُّنونِ، وَقَدْ قُرِّرَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَواضِعِهِ بِمَا فِيهِ كفايةٌ، والله أَعْلَمُ.

стр. 703

الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي بَقِيَّةِ الْكَلامِ مِن هدَا العِلْمِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْألَة الأولى اختَلَفُ القَائِسُونَ فِي إِصَابَةِ المُجتَهِدَينِ. وَضَبطُ الأَقوَالِ فِيه: أَنهُ: إِمَّا أَن يُقَال: حَصَلَ فِي الْوَاقِعَةِ حُكم مُعَين؛ وَهُوَ مَطلُوبُ المُجتَهِدِ، أَو لَم يَحصُل ذلِكَ: فَإِن قُلنَا: حَصَلَ فِيهِ حُكم مُعَين، فَهَلَ يَحصُل العِقَابُ، وَالإِثمُ لِلمُخطِئ؟ قَال الأَصَم وَابنُ عُلَيةَ: يَحصُلُ. وَقَال جُمهُورُ الفُقَهَاءِ: لَا يَحصُلُ. === البابُ العاشر في بقيةِ الكلام مِن هذا العِلم، وَفِيهِ مَسائلُ: [قوله]: "المسألةُ الأُولَى: اختَلَفَ الناسُ فِي إِصابَةِ المُجتَهِدِينَ": الكلامُ فِي هذهِ المسألةِ يَستَدعِي ذِكرَ مُقَدمة فِي بيانِ ماهيةِ الاجتهادِ، وَمَن لَهُ أَهليةُ الاجتهادِ وَمَحل الاجتهادِ: أَما الاجتِهادُ لُغَة، فَهُوَ: عبارة عَن بَذلِ الوُسعِ في فعل مِنَ الأَفْعالِ يُقَالُ لَهُ: اجتَهِد فِي حَملِ الصخرةِ، وَلَا يُقَالُ: اجتَهِد فِي حَملِ نوَاةٍ. وَقد خُص فِي لسانِ حَمَلَةِ الشرِيعةِ بِبَذلِ الوُسعِ فِي فِي الأَحكَامِ الشرعيةِ. وَأَمَّا الأهل: فَلَهُ أَوصاف وَشَرائِطُ، وبيانُ ضَبطِهَا مِن حيثُ الإجمال والتفصيلُ:

стр. 704

وَأَما إِنْ قُلْنَا: لَم يَحصُل فِي الوَاقِعَةِ حُكْم معيَن، فَهَلْ هُنَاكَ حُكْم، لَو قَدرْنَا أن اللَّه تَعَالى يَذكُرُ حُكمًا مُعَينًا، لَوَجَبَ أَنْ يَذكُرَهُ أم لَا؟ : فَالأَولُ: مَذهَبُ مَن يَقُولُ: إِنهُ لَا حُكمَ فِي الوَاقِعَةِ إِلَّا أَنهُ حَصَلَ مَا هُوَ أَشبَهُ بِالصوَابِ عِندَ الله تعَالى. [وَ] الثانِي: قَولُ مَنْ يَقُولُ: لَيسَ فِي الوَاقِعَةِ حُكْم أَصْلا، وَإِنمَا الحُكْمُ يَتْبَعُ الاجْتِهَادَ. === أَما الإجمالُ، فَهُوَ المستَقِل بمعظمِ أَحكامِ الشرعِ نصًّا وَاستنبَاطًا، وَأشَرنَا بـ "النص" إلى الكتابِ والسنةِ، وبـ "الاستنباط" إِلى الأقيسةِ والمعانِي. وَأما مِن حَيثُ التفصيلُ: فَيُشتَرَك فيهِ العَقلُ، وَالبلوغُ، وَلَا يُشتَرَطُ فيهِ الذكورةُ وَالحريةُ، وَيحتاجُ بَعدَ العِلمِ بتصديقِ الله -تعالى- ورسولِهِ إِلى العِلم باللغةِ والنحو والتصريفِ، وَطريق البلاغةِ؛ فإن مأخَذ الشريعةِ أَلفاظ القرآنِ المُعجِزِ بِبلاغتِهِ وَنَظمِهِ وَأُسلُوبِهِ وَمَعناهُ، وَأَلفاظُ السنةِ؛ فَلا بُد مِن أَهليةِ الفهم للمعانِي المشعرةِ بِها والمُستودَعَةِ فِي سياقِها وَتَرتِيبِها وتَنزيلِها؛ على مَا لَا يخلُّ بفصاحَتِهَا، وَلَا يستقل بذَلك إلا مبرِّز فِي العِلمِ باللَسانِ، وَنَهجِ البلاغَةِ، وَلَا يُشتَرَط فِيه معرفةُ غرائبِ اللغَةِ. وَمِنْ شَرائِطِهِ أَن يكونَ عالِما بالكتابِ والسننِ المتعلقة بالأحكامِ مُميزًا بَينَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَأَحوَالِ الرواةِ فِي التعديلِ والترجيح، وَعالمًا بسيرةِ الصحابةِ، وبما اجتمعت عليهِ الأمةُ؛ كَيلا يَخرِقَ إِجماعًا. وَأَن يكونَ عَالِمًا بالمتقدمِ وَالمتأخرِ مِنَ النصوصِ، والناسخِ والمنسوخ. وَأَن يكونَ عَالِمًا بوجوهِ دَلالاتِ الأحكامِ الشرعية وَشَرائِطِها، وَكيفِيةِ استثمارِ الأحكامِ مِنها، وَهوَ العلمُ المُلَقبُ بـ "أُصُولِ الفِقهِ". وَلَا يَستقِل بِالنظَرِ دونَ معرفةِ استِعمالِ الأَدلةِ بِشَرائِطِها، والتمكنِ مِن استنباطِ أَحكامِ الله تعالى بِالنظَرِ فِي الطرقِ الموصلةِ، فتخرجُ الفروع على حُكم أُصولِها. وَأَن يكونَ عالِمًا بمراتِبِ الأَدِلةِ، وَمَا يجبُ تقدِيمُهُ مِنها، وَلَا بُد أَن يكونَ لَهُ فقهٌ، وَهِي غَرِيزة لَا يتعلقُ بِها الكَسبُ. وإذا كانَ بهذِه الصِّفَةِ، وَجبَ عليهِ أَن يَنْظُرَ فِي الأَحكامِ بِاجتهادِهِ، ويحرُمُ عَليهِ تَقلِيدُ غيرِهِ فَي ما لَهُ أَهلِيةُ دَركِهِ، إِلَّا أَن يكونَ حُكما يَجِبُ لَهُ أَو عَلَيهِ لِغَيرِهِ؛ فَيَجِبُ رُجُوعُهُ فِيهِ إلَى حاكم يَحكُمُ بَينهُمَا بِاجتهادِهِ. وإذَا صَارَ مِن أَهلِ الاجتهادِ بِمَا ذكرناهُ -لَم يَجِب قَبُولُ قَولِهِ فِيمَا يفتي بِهِ غيرَهُ، إِلا أَن يكونَ ثقة عَدلًا مَأمُونًا فِي دِينِهِ، وَإذَا كانَ بهذِهِ الصفة، وَجَبَ عَلى العامي الرجوعُ إلى قولهِ، وَقبُول فتواهُ. والعامي الذِي يَجِبُ عَليهِ أَن يَستفتِيَ: هُوَ مَن لَيس لَهُ مَا ذكرناهُ مِن آلةِ الاجتهادِ. وَقَال بعضُ المعتزلة: لَا يجوزُ للعامي أَن يقلِّدَ فِي دينِهِ، ويجِبُ عَليهِ أَنْ يَقِفَ عَلى طريقِ الحكمِ، وإذَا سألَ العالِمَ، فإنما يسالُهُ عَن طريقِ الحكمِ بِمَنزِلتِهِ، فَإذَا عَرَفهُ، وَجَبَ عَليهِ العملُ

стр. 705

وَالمُختَارُ عِندَنَا: أَن الوَقَائِعَ عَلَى قِسمينِ: مِنهَا: مَا لِلهِ تَعَالى فِيهَا حُكم مُعَين، وَهُوَ مَطلُوبُ المُجتَهِدِ. وَمِنهَا: مَا لَيسَ لله فِيهَا حُكم ثُبُوتِي مُحَدد؛ وَإنمَا حُكمُهُ فِيهَا بَرَاءَةُ الذمةِ، وَالبَقَاءُ عَلَى العَدَمِ الأَصلِي. === بِهِ -وَهذَا بَعِيدٌ؛ وقَد قَال الله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وَقَال ﵇: "أَلا سَألُوا إِذَا لَم يَعلَمُوا؛ فَإِنمَا شِفَاءُ العِي السؤَالُ" وَلَا يُمكِنُ حَملُهُ عَلى الوقوفِ على مَأخذِ الأَحكامِ وَمَعرِفةِ استِثمارِهَا مِنها؛ فَإن ذَلِكَ يَستدعِي مدة طويلةً بعدَ جَودَةِ
следующие страницы →