Полный текст (746 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فَدَلالتُهُ على وجوب الزكاةِ في الخَضْرَاوَاتِ في غاية الضَّعْف، وكاستدلالهم على طهارةِ جِلْدِ الكَلْبِ بالدباغِ؛ بقوله ﵇: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ" مع وروده على سَبَبٍ، وهو شَاةُ ميمونَةَ، ومع أنَّ جِلْدَ الكَلْبِ من الصُّوَرِ الشَّاذَّة التي لا تخطر بالبالِ عِنْدَ إطلاقِ
стр. 702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العمومِ، ومع تطرُّقِ التخصيصِ إلى أَكْثَرهَا، وضَعْفِ تأويلها، فَمِثْلُ ذلك مِنْ عمومٍ الكتابِ إذا عَارَضَهُ قياسٌ أَصْلُهُ منصوصٌ عليه بالتواتُرِ، وعلَّتُهُ منصوصٌ عليها بالتَّوَاتُرِ، وهي متحققةٌ قَطعًا في الفَرْعِ، ولم يُفَارِقِ الأصْل الفَرْع إلَّا في أوصافٍ طرديَّةٍ- فكلُّ منصف يَعْلَمُ ترجيحَ مِثْلِ هذا القياس علَي عمومٍ مُخَصَّصٍ، وما ذكره بعد ذلك تبشيع وتشنيعٌ علَي أدلَّة الأحكامِ الشرعيَّةِ، وقَدْحٌ في جميعها؛ فإنه إِذا كان يَزْعُمُ أنَّ دلالة الألْفَاظِ القاطِعَةِ تتوقَّف على عَشَرة أمورٍ متعدِّدة أو متعسِّرة، والظُّنُون كلُّها تستَنِدُ إلى الإجماعِ، وَالإِجماعُ بهِ يستندُ إِلى العُموم- لَمْ يَبْقَ لِلظَّنِّ قَاطِعٌ يَسْتَنِدُ إليهِ، وَكَانَ عَملًا بالظنِّ، بَلِ الحقُّ الذِي لَا مراءَ فِيهِ أَنَّ لَنا نُصوصًا قَواطِعَ بِالقرائِنِ، وَأَنَّ مِنَ الإِجماعِ مَا هُوَ قَطْعِيٌّ إليهِ يستندُ العملُ بِجَمِيعِ الظُّنونِ، وَقَدْ قُرِّرَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَواضِعِهِ بِمَا فِيهِ كفايةٌ، والله أَعْلَمُ.
стр. 703
الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي بَقِيَّةِ الْكَلامِ مِن هدَا العِلْمِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْألَة الأولى
اختَلَفُ القَائِسُونَ فِي إِصَابَةِ المُجتَهِدَينِ. وَضَبطُ الأَقوَالِ فِيه: أَنهُ: إِمَّا أَن يُقَال: حَصَلَ فِي الْوَاقِعَةِ حُكم مُعَين؛ وَهُوَ مَطلُوبُ المُجتَهِدِ، أَو لَم يَحصُل ذلِكَ:
فَإِن قُلنَا: حَصَلَ فِيهِ حُكم مُعَين، فَهَلَ يَحصُل العِقَابُ، وَالإِثمُ لِلمُخطِئ؟ قَال الأَصَم وَابنُ عُلَيةَ: يَحصُلُ. وَقَال جُمهُورُ الفُقَهَاءِ: لَا يَحصُلُ.
===
البابُ العاشر في بقيةِ الكلام مِن هذا العِلم، وَفِيهِ مَسائلُ:
[قوله]: "المسألةُ الأُولَى:
اختَلَفَ الناسُ فِي إِصابَةِ المُجتَهِدِينَ":
الكلامُ فِي هذهِ المسألةِ يَستَدعِي ذِكرَ مُقَدمة فِي بيانِ ماهيةِ الاجتهادِ، وَمَن لَهُ أَهليةُ الاجتهادِ وَمَحل الاجتهادِ:
أَما الاجتِهادُ لُغَة، فَهُوَ: عبارة عَن بَذلِ الوُسعِ في فعل مِنَ الأَفْعالِ يُقَالُ لَهُ: اجتَهِد فِي حَملِ الصخرةِ، وَلَا يُقَالُ: اجتَهِد فِي حَملِ نوَاةٍ. وَقد خُص فِي لسانِ حَمَلَةِ الشرِيعةِ بِبَذلِ الوُسعِ فِي فِي الأَحكَامِ الشرعيةِ.
وَأَمَّا الأهل: فَلَهُ أَوصاف وَشَرائِطُ، وبيانُ ضَبطِهَا مِن حيثُ الإجمال والتفصيلُ:
стр. 704
وَأَما إِنْ قُلْنَا: لَم يَحصُل فِي الوَاقِعَةِ حُكْم معيَن، فَهَلْ هُنَاكَ حُكْم، لَو قَدرْنَا أن اللَّه تَعَالى يَذكُرُ حُكمًا مُعَينًا، لَوَجَبَ أَنْ يَذكُرَهُ أم لَا؟ :
فَالأَولُ: مَذهَبُ مَن يَقُولُ: إِنهُ لَا حُكمَ فِي الوَاقِعَةِ إِلَّا أَنهُ حَصَلَ مَا هُوَ أَشبَهُ بِالصوَابِ عِندَ الله تعَالى.
[وَ] الثانِي: قَولُ مَنْ يَقُولُ: لَيسَ فِي الوَاقِعَةِ حُكْم أَصْلا، وَإِنمَا الحُكْمُ يَتْبَعُ الاجْتِهَادَ.
===
أَما الإجمالُ، فَهُوَ المستَقِل بمعظمِ أَحكامِ الشرعِ نصًّا وَاستنبَاطًا، وَأشَرنَا بـ "النص" إلى الكتابِ والسنةِ، وبـ "الاستنباط" إِلى الأقيسةِ والمعانِي.
وَأما مِن حَيثُ التفصيلُ: فَيُشتَرَك فيهِ العَقلُ، وَالبلوغُ، وَلَا يُشتَرَطُ فيهِ الذكورةُ وَالحريةُ، وَيحتاجُ بَعدَ العِلمِ بتصديقِ الله -تعالى- ورسولِهِ إِلى العِلم باللغةِ والنحو والتصريفِ، وَطريق البلاغةِ؛ فإن مأخَذ الشريعةِ أَلفاظ القرآنِ المُعجِزِ بِبلاغتِهِ وَنَظمِهِ وَأُسلُوبِهِ وَمَعناهُ، وَأَلفاظُ السنةِ؛ فَلا بُد مِن أَهليةِ الفهم للمعانِي المشعرةِ بِها والمُستودَعَةِ فِي سياقِها وَتَرتِيبِها وتَنزيلِها؛ على مَا لَا يخلُّ بفصاحَتِهَا، وَلَا يستقل بذَلك إلا مبرِّز فِي العِلمِ باللَسانِ، وَنَهجِ البلاغَةِ، وَلَا يُشتَرَط فِيه معرفةُ غرائبِ اللغَةِ.
وَمِنْ شَرائِطِهِ أَن يكونَ عالِما بالكتابِ والسننِ المتعلقة بالأحكامِ مُميزًا بَينَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَأَحوَالِ الرواةِ فِي التعديلِ والترجيح، وَعالمًا بسيرةِ الصحابةِ، وبما اجتمعت عليهِ الأمةُ؛ كَيلا يَخرِقَ إِجماعًا. وَأَن يكونَ عَالِمًا بالمتقدمِ وَالمتأخرِ مِنَ النصوصِ، والناسخِ والمنسوخ. وَأَن يكونَ عَالِمًا بوجوهِ دَلالاتِ الأحكامِ الشرعية وَشَرائِطِها، وَكيفِيةِ استثمارِ الأحكامِ مِنها، وَهوَ العلمُ المُلَقبُ بـ "أُصُولِ الفِقهِ".
وَلَا يَستقِل بِالنظَرِ دونَ معرفةِ استِعمالِ الأَدلةِ بِشَرائِطِها، والتمكنِ مِن استنباطِ أَحكامِ الله تعالى بِالنظَرِ فِي الطرقِ الموصلةِ، فتخرجُ الفروع على حُكم أُصولِها. وَأَن يكونَ عالِمًا بمراتِبِ الأَدِلةِ، وَمَا يجبُ تقدِيمُهُ مِنها، وَلَا بُد أَن يكونَ لَهُ فقهٌ، وَهِي غَرِيزة لَا يتعلقُ بِها الكَسبُ.
وإذا كانَ بهذِه الصِّفَةِ، وَجبَ عليهِ أَن يَنْظُرَ فِي الأَحكامِ بِاجتهادِهِ، ويحرُمُ عَليهِ تَقلِيدُ غيرِهِ فَي ما لَهُ أَهلِيةُ دَركِهِ، إِلَّا أَن يكونَ حُكما يَجِبُ لَهُ أَو عَلَيهِ لِغَيرِهِ؛ فَيَجِبُ رُجُوعُهُ فِيهِ إلَى حاكم يَحكُمُ بَينهُمَا بِاجتهادِهِ. وإذَا صَارَ مِن أَهلِ الاجتهادِ بِمَا ذكرناهُ -لَم يَجِب قَبُولُ قَولِهِ فِيمَا يفتي بِهِ غيرَهُ، إِلا أَن يكونَ ثقة عَدلًا مَأمُونًا فِي دِينِهِ، وَإذَا كانَ بهذِهِ الصفة، وَجَبَ عَلى العامي الرجوعُ إلى قولهِ، وَقبُول فتواهُ. والعامي الذِي يَجِبُ عَليهِ أَن يَستفتِيَ: هُوَ مَن لَيس لَهُ مَا ذكرناهُ مِن آلةِ الاجتهادِ.
وَقَال بعضُ المعتزلة: لَا يجوزُ للعامي أَن يقلِّدَ فِي دينِهِ، ويجِبُ عَليهِ أَنْ يَقِفَ عَلى طريقِ الحكمِ، وإذَا سألَ العالِمَ، فإنما يسالُهُ عَن طريقِ الحكمِ بِمَنزِلتِهِ، فَإذَا عَرَفهُ، وَجَبَ عَليهِ العملُ
стр. 705
وَالمُختَارُ عِندَنَا: أَن الوَقَائِعَ عَلَى قِسمينِ:
مِنهَا: مَا لِلهِ تَعَالى فِيهَا حُكم مُعَين، وَهُوَ مَطلُوبُ المُجتَهِدِ.
وَمِنهَا: مَا لَيسَ لله فِيهَا حُكم ثُبُوتِي مُحَدد؛ وَإنمَا حُكمُهُ فِيهَا بَرَاءَةُ الذمةِ، وَالبَقَاءُ عَلَى العَدَمِ الأَصلِي.
===
بِهِ -وَهذَا بَعِيدٌ؛ وقَد قَال الله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وَقَال ﵇: "أَلا سَألُوا إِذَا لَم يَعلَمُوا؛ فَإِنمَا شِفَاءُ العِي السؤَالُ" وَلَا يُمكِنُ حَملُهُ عَلى الوقوفِ على مَأخذِ الأَحكامِ وَمَعرِفةِ استِثمارِهَا مِنها؛ فَإن ذَلِكَ يَستدعِي مدة طويلةً بعدَ جَودَةِ
стр. 706
وَالذِي يَدُل عَلَى صِحةِ قَولِنَا وُجُوه:
الأَولُ: أَنهُ إِذَا اعتقَدَ أَحَدُ المُجتَهِدَينِ أَن الطُّعمَ أَولَى بِكَونِهِ عِلَّةَ لِحُرمَةِ الربَا، [و] الثانِي اعتَقَدَ أَنهُ لَيسَ أَولَى بِهذِهِ العِليةِ -فَهذِهِ الصفَةُ فِي نَفسِ الأمرِ: إنْ كَانَت أَوْلَى بِهذِهِ الْعِلِّيَّةِ- كَانَ الثانِي مُخطِئًا، وَإِن لَمْ تَكُنْ أَولى بِالعِليةِ، كَانَ الأول مُخطِئًا؛ فَثَبَتَ أَنهُ لَا بُد وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُخْطِئًا فِي نَفسِ الأَمرِ.
===
الفطرة، ووجوبُ ذلِكَ عَلى الأَعيانِ يُفْضِي إلى تَعطيلِ المعاشِ الذِي بِهِ قِوَامُ الوجودِ، وَلَيسَ ذَلِكَ فِي وسعِ غالبِ الناسِ؛ ويؤَدِّي إِلى تكليفهم بمَا لَا يطاقُ، وَهُوَ كإلزَامِ الأَعمى أَن يَتَعَلمَ أَسبابَ القِبلَةِ.
وَقَدِ اختَلفوا فِي أَنَّه: هَل يَصِح الاتصَافُ بأهليةِ الاجتهادِ فِي بعضِ الأَحكامِ دُونَ بَعضٍ؟ ، والأقربُ صحته؛ فَإنه لا مانعَ أَن يكونَ عالِمًا بأحكامِ المواريثِ، مُحكِمًا لأصُولِها دونَ غيرها؛ كَما أنه يكونُ عالِمًا بأسبابِ القِبلَةِ وَالأَوقاتِ دونَ غيرِهَا.
وَاحتَج المصححونَ بِأنه إِذَا اطلَعَ على مَا يتعلقُ بالمسألةِ، فَلا فَرقَ بين نظرِهِ وَنَظَرِ المجتهدِ المُطلَقِ.
واعترضَ عليهِ بِأنهُ قَد يكونُ لِمَا لَم يعلَم تَعلقهُ بما عَلِمَهُ، ويعتقدُ خلافَهُ.
وَأُجِيبَ عَنِ الجوابِ بِأن الشرطَ حُصُولُ جَمِيعِها فِي ظَنهِ.
واحتجَّ أيضًا بما رويَ عن مالك؛ أنه سُئِلَ عن أربعينَ مسألة، فقال في سِت وثَلاثِينَ: لَا أَدرِي.
وأجيب: بأن ذلك للتثبتِ أو العَجزِ عن المبالغَةِ في الحالِ.
وبالجملةِ فلم يَصِر أحد إِلَى أنه يشترطُ في المجتهد أن يَكُونَ عالمًا بكُل مسألة تَرِدُ عليه، وقد توقف كثير من الصحابة في كثير من المَسَائِلِ.
وقال بعضهم: مَن أَفتَى في كُلِّ مسألة ما يُسألُ عنه، فهو مَجنُون؛ بل الشرطُ ألا يُفتِيَ إِلَّا فيما يَعلَم.
وهَل تُقبَلُ فتوَى مبتدع لا يُكَفر ببدعتِهِ؟ فيه من الخلافِ ما تَقَدم ذكره في الإِجماعِ.
ومما ينبه له أن المجتهدَ لَا يَجوز له الحكمُ ما لم يستفرغ جُهدَهُ في التخصِيصِ، والمُعَارِضِ للحُكمِ.
وكيفية اجتهادِهِ:
قال الشافِعي: "إِذا رُفِعَت إليه واقعة، فليعرضهَا على نصُوصِ الكتابِ، فإن أَعوَزَهُ، فعلى الأخبارِ المتواتِرَةِ، ثم على الآحَادِ، فإن أعوَزُه، لم يَخُضْ في القياسِ، بل يَلتَفِتُ إِلَى ظواهر القُرآنِ، فإن وَجدَ ظاهرًا، نظَرَ في المخصصات من خَبَر أَو قياس، فإن لم يَجِد مخصِّصًا، حَكَمَ به، وإن لم يعثُر على لفظ من كتابِ اللهِ تعالى وسُنةِ رسوله، نظَرَ في
стр. 707
الثانِي: أَن المُجتَهِدَ: إِما أَن يُكَلفَ بِأن يَبنِيَ الْحُكمَ عَلَى طَرِيق، أَو لَا عَلَى طَرِيقٍ: وَالثانِي بَاطِل؛ لأَن القَولَ فِي الدينِ بِمُجَردِ التشَهِّي بَاطِل بِالإجمَاعِ؛ فَثَبَتَ أَنهُ لَا بُد مِنْ طَرِيق، فَذلِكَ الطرِيقُ:
إِما أَن يَكُونَ خَالِيا فِي نَفْسِ الأَمرِ عَنِ المُعَارِضِ، أو لا يَكونَ خَالِيًا عَنهُ:
فَإنْ لَم يَكُن لَهُ مُعَارِض، تَعَيَّنَ ذلِكَ الحُكمُ؛ فَيَكُونُ تَارِكُهُ مُخطِئًا.
وإن كَانَ لَهُ مُعَارِضٌ:
فَإِما أَن يَكُونَ أَحَدُهمَا رَاجِحًا عَلَى الآخَرِ، أَو لَا يَكُونَ:
فَإِن كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحا، كَانَ العَمَلُ بِهِ وَاجِبًا بِالإِجمَاعِ؛ فَتَارِكُهُ يَكُونُ مُخطِئًا.
===
المذاهب فإن وجد فيها مجمعًا عليها، اتبَعَ الإجمَاعَ، وإن لم يجد إِجماعًا، خَاضَ في القياسِ، ويُلاحِظُ القَوَاعِدَ الكُلِّيةَ أولًا".
وليس فيما ذكَرهُ مُستَدرَك سِوَى تأخيرِهِ الإِجمَاعَ، وهو متقدم في العَمَلِ؛ وإنما آخره؛ لأنه إِنما كان حجة؛ لتضمنه النص أو استنادِهِ إليه، وإذا أَعوَزَه الجَميعُ، رَجَع إِلَى البراءة الأصليةِ.
والغَرَضُ أنه متَى يتعين عليه أن يَحكُمَ مع بذل وُسعِهِ؟ : فيه أربعةُ أقوال:
قيل: يكَفيه غَلَبَةُ الظَّنِّ بالانتفاءِ.
وقيل: لا بُدَّ أن يَحصُلَ له اعتقادٌ جازم وسكونُ نَفس؛ بحيثُ لا يُجَوزُ وجدَانَ مخصِّص، ولا معارِضٍ.
وقال القَاضِي: لا بُدَّ أن يبحثَ حَتى يَحصُلَ له عِلمٌ، وهو قريب من الأوَّلِ، إِلا أنه يعتقدُ أَن كُل مجتهد مُصِيبٌ، وقد ذكر طريقَينِ في القَطعِ ضَعِيفَينِ:
أحدهما: أنه إذا فرضَ النظَرُ في مَسألةِ قَتلِ المسلِمِ بالذمي مثلًا، تمسك بقوله ﵇: "لا يقتل مُؤمِن بِكافر"، وهي مسألة طال البَحثُ فيها بين العُلَمَاءِ، ومع بحثهم عن المُعَارِصُ لو كان فيها مُخَصص أو معارض غيره ما اشتهر ذكره ولما ظهر. وهذه طريقة ضعيفة؛ فإنه لا يكادُ يعرف الخوض في جميع المجتهدين في كل مسألة، وهذا الذي ذكره على سبيل الفرض.
стр. 708
وَإِنْ لَمْ يَكُن أَحَدُهُمَا رَاجِحًا، فَحُكمُ تَعَارُضِ الأَمَارَتَينِ: إِما التخيِيرُ، وَإِما التسَاقُطُ وَالرجوعُ إِلَى غَيرِهِمَا؛ وَعَلَى كِلا التقدِيرَينِ: فَحُكمُهُ مُتَعَيِّن؛ فَمُخَالِفُهُ يَكُونُ مُخْطِئًا؛ فَثَبَتَ أَن المُصِيب عَلَى كِلا التقدِيرَينِ وَاحِدٌ.
===
المسلك الثاني الحكم لو كان خاصًّا، لَنَصبَ الله عَلَيهِ للمكلفِ دليلًا يخصصه، ولو كان لَوُقِفَ عليه بعد البَحثِ. وهذه أيضًا ضعيفة؛ لأنه لا يَبعُدُ اطلاعُ بعضِ العلماءِ عَلَيهِ، وإن لم يبلُغ ذلك المُجتَهِدَ.
وقال الغَزالي: يُشتَرَطُ في حقه قَطْعٌ وظَنٌّ:
أما القَطعُ: فبالإضافةِ إِلَى نَفسِهِ بأن يحسَّ العَجزَ من نَفسِهِ.
أما الظن: فبانتفاء الدليلِ المُخَصص والمعارِضِ في نَفْسِ الأَمرِ.
تَتِمة: ذَكَرَ الغَزالي في صفات المجتَهِدِ تحقيقاتِ:
منها: أنه قال: لَا يَجُوزُ التقليدُ في قواعِدِ الإيمانِ، ولا شَك أنه من مبادِئِ العُلُوم الشرعيةِ كُلها، ويكفي لمن أراد البَحثَ في علم أن يأخُذَ مبادِئَهُ مِن عِلم آخر مسلمة، لكنه لا يكَونُ عالمًا بذَلِكَ الفَن، فإذا تَوَقفَ العلم بأن يكون هذا حُكمَ الله تعالى على معرفة الله تعالى، وثبوتِ الصدق لله تعالى ولرسُولِهِ ﵇ والمقلِّدُ متَى شَك، لَزِمَ من أشكه، الشك في أن هذا حُكمُ الله تعالى؛ فلا بد إِذَن من معرفته لثُبُوتِ الأهلية والرسالةِ وما يتوصل إليها، وزعم أنَّه يكفيه لإحاطة بأحكَام القرآن، وأنها خمسُمِائَةِ حكم. وهذا في غايةِ البُعدِ؛ فإنه مَا استَخرجه العلماءُ مِنَ الكتابِ مِنَ الأدلة لا يكَادُ ينحصرُ لَا سِيما إذا ركب الدليل من مقَدماتِ، يستدل علَى كُل مقدمة بنَص خَاص أو بنص على إحداها، وإجمَاع على الأُخرَى، أو سنة أو عادة، أو عَقل، والحُكمُ يستَنِدُ إلى المجموعِ؛ فإذَن لا بُد مِنَ العلم بجميعِهِ.
وللشافعي وغيره غرائِبُ في استخراج الأحكامِ مِن لَوَازم النصُوصِ؛ كَالاستدلال على أن أقَل مدةِ الحَملِ سِتةُ أشهُر من قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وكالاستدلالِ على صِحةِ صَوم الجُنبِ بمدة غاية إِباحةِ الوطء إِلَى الفَجرِ؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ثم قال: يَكفِيهِ من السُّنَّةِ الإِحَاطَةُ بأحاديثِ الأحكامِ فقطَ. وفيه نظر، فقد احتج الشافعي بأن أكثر الحَيضِ خَمسَة عَشرَ يَومًا من قوله ﵇: "تَقعُدُ إِحدَاكن شَطرَ عُمرِهًا لَا تُصَلِّي"
стр. 709
وَالثَّالِثُ: أَن المُجتَهِدَ مُستدِل بِشَيء عَلَى شَيء، وَالدلِيلُ لَا بُد وَأن يَكُونَ مَوْجُودًا قَبلَ التأملِ فِيهِ وَقَبْلَ طَلَبِهِ، وَالدلِيلُ إذا كَانَ دَلِيلًا عَلَى الحُكْمِ، وَالْمَدْلُولُ سَابِقٌ عَلَى الدلِيلِ الذِي هُوَ سَابِق عَلَى التأملِ فِيهِ؛ فَيَكُونُ الحُكْمُ سَابِقًا عَلَى الاجْتِهَادِ؛ فَالْقَوْلُ بِأن الْحُكْمَ تَابعٌ للاجْتِهَادِ يُوجِبُ كَوْنَ المُتَقَدِّمِ مُتَأخرًا؛ وَهُوَ مُحَال.
===
في معرض المبالغة فِي نَقصِ الدينِ، فلو كان أكثَرَ مِنه، لم تكُن مبالغة. ثم قال: "وَلَا يَلزَمُهُ حفظهما -يعني: آيَ الأحكامِ والسنةِ- بل يكفيه أنْ يكُونَ عَالِما بمواقِعِهَا في الكتاب والسنة. ثم زعم أنه يَرجِعُ في التعدِيلِ والترجيح لأئمة الحديثِ، وهو مَحْضُ تقليد.
وجميعُ ما ذكرناه شرائطُ المُفتي المُطلَقِ، وهو المجتهدُ في الدينِ. ودونَهُ المجتهدُ في المَذهَبِ، وهو الذي له مُكنَةٌ بتخريجِ الوجُوهِ على نصوصِ إِمامِهِ؛ كابْنِ سُرَيج وأبي حامِد بالنسبة إِلَي مذهب الشافعي، ومُحَمدِ بْنِ الحَسَنِ وأبي يُوسُفَ بالنظَرِ إِلَي مذهب أبي حنيفةَ، وابن القاسِمِ وأَشهَبَ بالنسبَةِ إلى مذهب مالك. ودونه المُجتَهِدُ في الفَتوَى في مذهب خاص وهو الذي له مُكنَة في ترجيحِ بَعضِ الأقوالِ والأوجُهِ على بعضِ.
أَما المُجتَهدُ فيه، وَهُوَ مَحلُّ الاجتهادِ: فهو كُل حُكم شَرعي ليس فيه دليل قاطع؛ فتخرجُ منه العقلياتُ، وموانع الإِجماع وما عُلِمَ كَونُهُ من الشرعِ ضرورة. وانبنى على هذا أنه لَيسَ كُل مجتهد في العقلياتِ مصيبًا، وأن المخطئَ فيها مُخَالِف ملةَ الإِسلامِ؛ أعني فيما يرجع إِلَى العقائِدِ.
стр. 710
احتَج القَائِلُونَ بِأنهُ لَا حُكمَ إِلَّا مَا يَحْصُلُ بَعدَ الاجْتِهَادِ: بِأَنَّ الفُقَهَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَن الْمُجْتَهِدَ مَأمُورٌ بِأن يَعمَلَ بِمُقْتَضَى ظَنهِ، وَلَا مَعنَى لِحُكْم الله إِلَّا مَا أمَرَهُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ مَأمُورًا بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ، فَإِذَا عَمِلَ بِهِ كَانَ مُصِيبًا؛ لأنهُ قَاطِع بِأنهُ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ الله تَعَالى وذلِكَ يَدُل عَلَى أَنً كُل مُجْتَهِدِ مُصِيبٌ.
===
وذَهَبَ الجَاحظُ والعَنبرِي إِلى أن كل مجتهد في الأصولِ مُصيب، وليس مُرَادُهُمَا أن الاعتقادَينِ على النقِيضِ حق معًا، ولا مطابِقَ للحقيقةِ؛ لأن ذلك معلومُ البُطلانِ بالضرورة، وإنما أرادا سُقُوطَ الإثمِ كما في الفُروعِ، وهو خلافُ الإِجماعِ من علماء الشريعةِ قاطبة. ثم العلم الضروري حاصل بأن النبي أَمَرَ اليهودَ والنصارَى بالإِيمانِ، وكَفَّرَهُم على الإصرَارِ، وقاتَلَهُم عليه، وكان يكشف عن مقتدرهم فيقتل من أَنبَتَ منهم من غير تَفصِيل، ولو كان فيهم معذُورون، لَبَحَثَ عنهم؛ صيانة لدم المعصُومِ؛ كما لو عَرَفَ فيهم مسلِمًا، هذا مع كَثرَةِ الآياتِ الدالة علَى وعيدِ الكفار مُطلَقًا لِمَن تَتبعها.
واختلَفُوا في أن رسولَ الله ﷺ هَل كَانَ مُتَعَبدًا بالاجتهادِ فيما لا نَص فيه؟ والظاهر جوازُه؛ وبه قال أحمدُ وأبُو يُوسُفَ.
وقَد جوزه الشافعي في "الرسالة"، ومنعه بعضُ أصحَابِهِ، وأبُو الحُسَين والجُبائيانِ.
وقيلَ له: ذلِكَ في الحروبِ دُونَ الأَحكَامِ.
وقال العراقي: لا خفاء بالجواز. والغالبُ على الظنِّ وقوعُهُ.
واحتَج المُثبِتُونَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والمشاورةُ إنما تكونُ
стр. 711
وَالجَوَاب: أَن كَثِيرًا مِنَ الناس قَالُوا: إِنهُ مَأمُور بِأن يَعمَلَ عَلَى وَفقِ الدلِيلِ، وَلَا يَجوزُ لَهُ أَن يَعمَلَ بِمُقتَضَى اجتِهَادِهِ، حِينَ يَشرَعُ فِي الاجْتِهَادِ عَلَى الإِطلاقِ.
وَلَئِن سَلَّمنَا؛ لَكِن لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِن المُجتَهِدَ -حِينَ شَرَعَ فِي الاجْتِهَادِ- كَانَ مَأمُورا بِطَلَبِ الحكْمِ الذِي عَيَّنَهُ الله تَعَالى، وَنَصَبَ عَلَيهِ الدلالةَ وَالأَمَارَةَ، ثُمّ لَما أَمعَنَ الْمُجْتَهِدُ فِكْرَهُ، وَعَجَزَ عَنِ الوُصُولِ إلَيهِ، تَغَيَّرَ حكْمُ الله تَعَالى، وَاكتُفِيَ فِيهِ بِالقَدْرِ الذِي وَصَل إِلَيهِ، وَهذَا كَمَا أَن السيد الرحِيمَ الحَلِيمَ يَقُولُ لعَبْدِهِ: "افْعَل كَذَا وَكَذَا، فَإِن ثَقُلَ
===
فيما طريقُهُ الاجتهادُ؛ وبقوله تعالى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ولا يُمكِنُ فيما عُلِمَ مِثلُهُ بالوَحيِ.
واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] وهو عام فيندرجُ فيه، ولأن العَمَلَ بِالاجتهادِ أشَق؛ فكان أفَصلَ؛ لقوله ﵇: "أَفضَلُ العِبَادَاتِ أَحمَزُهَا" وبقوله ﵇: "العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ"، ومنَ المُحَالِ: أن يُورثَ ما لم يملك، وبقوله ﵇: "أَرَأَيتَ لَو تَمَضمَضتَ"، وبقوله: "أَرَأَيتَ لَو كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ".
стр. 712
الأَمرُ عَلَيكَ بَعدَ الشرُوعِ، فَإِني أَكْتَفِي مِنْكَ بِمِقْدَارِ مَا وَصَلْتَ إِلَيهِ"؛ فَكَذَا ههُنَا.
===
واحتج أبُو يُوسفَ بقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقرره الفارسي، فقال: ﴿أَرَاكَ﴾ هنا لا يستقيمُ لإرادةِ العينِ؛ لاستحالتِهِ في الأحكامِ، ولا بمعنى الإغلامِ؛ لِوُجُوبِ ذِكْرِ المَفْعُول الثالِثِ لِذِكر الثانِي؛ لأَن المَعنى بما أراكَهُ اللهُ؛ ليتم الكلامُ، فَوَجَبَ أن يكون تقديره: بما جَعَلَهُ اللهُ لك رَأيًا، وهو المقصُودُ.
واحتجوا بأنه أَعلَمُ بطريقِ الاستنباطِ وأبعَدُ عن الخطإِ إِنْ جُوِّزَ عليه، ولا يقر عليه بالإجماع؛ فلو لَم يَقضِ به، لكان تاركا لحُكمِ الله تعالى في ظَنِّهِ، وهو حَرَام بالإِجماعِ.
وأُجِيبَ بأن ذلك فَرْعٌ لِلتعبدِ بِهِ، ولو سُلِّمَ أنه ليس فَرعَهُ، فالعَمَلُ بالظن مشروط بعَدَمِ مَعرِفَةِ الوحي، وأنه قادر عَلَيهِ.
واحتج المانِعُونَ بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، واعترضَ بأنه ظاهِر في الرد عليهم فيما يقولونه في القرآن، ولو سُلَّمَ: فإذا تعبد بالاجتهاد بالوَحيِ، لَمْ يَنطِق عن الهوَى.
قالوا: لو جَازَ لَجَازَ أن يخَالفه غيرُهُ، وأنه لا يُذَمُّ مخالفه؛ لأنه من أحكام الاجتهادِ.
واعترض بأنه إذا كان الإجمَاعُ في اجتهاد يُذَم مخالفه، فاجتِهادُه ﵇ أولَى.
قالُوا: لو كَان مجْتَهِدًا لما تأخر في أَجوبَةِ كثيرة من الأحكامِ؛ لوجوب الاجتهادِ عليه.
واعترضَ: بأنه يتوقف؛ لجوازِ الوحي المشروطِ عَدَمُهُ في الاجتهادِ، أو لاستفراغ الوُسعِ في الاجتهادِ.
قالُوا: هو قادر على اليَقِينِ فيحرُمُ عَلَيهِ العَمَلُ بالظن، وينسخ حُكمِهِ بالشهادَةِ وبالأَيمَانِ.
ومما اختَلفُوا فيه: جوازُ الاجتهادِ لِغَيرِهِ في عَصرِهِ، وفيه أَقوال:
قيل: يجوز مطلقًا.
وقيل: لا يجوز مطلقًا.
وقيل: يجوزُ لِقُضَاتِهِ ونُوابه في غيبته.
وقيل: يجُوزُ بإذن خاص.
ومنهم من توقف مطلقا.
стр. 713
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنهم مَنْ توقَّف بحضْرته.
وأكثَرُ أصحابِ الشَّافعيِّ على الجوازِ.
واحتجُّوا: بأن النبيَّ ﷺ أَمَرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أن يَحْكُمَ في بَنِي قُرَيظَةَ، وهو حَاضِرٌ، فَحَكَمَ، وصوَّبه، وقال: "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ".
وبتقريرِهِ معاذَ بْنَ جَبَلٍ على قوله: "أَجْتَهِدُ رَأْيي".
وقرَّر أبا بكر الصديق ﵁ حيث قال: لاهَا الله إِذًا لا يَعْمِدُ إِلَى أسَدٍ من أُسُدِ الله -تعالى- يقاتل عَنِ الله ورسولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فقال ﷺ : "صَدَقَ".
واحتجَّ المانِعون: بأنَّه عَمَل بالظَّنِّ مع القُدْرة على اليَقِينِ بمراجَعَتِهِ، ﵇.
واعْتُرِضَ: بأن الغائب غَيرُ قادِرٍ على المراجَعَةِ فيما لا يَحْتَمِلُ التأخيرَ، والحاضر يَغْلِبُ على ظَنِّهِ العَدَمُ، وبالنَّقْضِ بالعمل بِخَبَرِ الوَاحِدِ.
عُدْنَا إلى مَسْألة الكتاب في تَصْويبِ المجتهدِينَ:
قوله: "وضَبْطُ الأقوال فيه أنه إمَّا أن يُقَال: إنه حَصَلَ في الواقعةِ حُكمٌ معيَّنٌ، وهو مطلوبُ المجتهدِ، أو لم يَحْصُل حُكْمٌ مُعَيَّنٌ: فإن قلنا: حَصَلَ فيها حُكْمٌ معيَّنٌ، فهَل يَحْصُلُ العقابُ، والإثمُ للمخطىِء؟
قال الأصَمُّ وابْنُ عُلَيَّةَ: يَحْصُلُ.
وقال جُمْهُورُ الفقهاءِ: لا يَحْصُلُ.
وإذا قلنا: إِنه لم يَحْصُل في الواقعةِ حُكْمٌ معيَّنٌ، فهل هناكَ حُكْمٌ لو قَدَّرنا أنَّ الله يَذكُرُ
стр. 714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حُكمًا معيَّنًا، لَوَجَبَ أنْ يذكره، أَوْ لا؟
فالأوَّل: مذهَبُ مَنْ يقولُ: لا حُكمَ في الواقعةِ إلا أنَّه يَحْصُلُ حكْمٌ هو أشبَهُ بالصَّوَابِ عند الله تعالى.
والثاني: قولُ مَنْ يَقُولُ: ليس في الواقِعَةِ حُكُمٌ أصْلًا، وإنما يتبع الحُكْمُ الاجتهادَ":
وقد أَوجز في نقل المذاهب ها هنا، فلنذكرها علَى وجه أَبْسَطَ مِنْ هذا؛ فإنَّ هذه المسألَةَ مِنْ أمَّهَاتِ المَسَائِلِ، وينبني عَلَيهَا مسائلُ كثيرةٌ. وبالجملةِ، فكْلُّ مَسْألَةٍ فرعيةٌ اجتهاديَّةٌ لا نَصَّ فيها؛ فإِنَّ فيها اختلافًا بين النُّظَّار في أمورِ يترتب بعضُها علَى بعضٍ.
وقد ذَهَبَ جمهورُ المتَكلِّمين إِلَى أنَّ كُلَّ مجتهدٍ مصيبٌ. وقال قومٌ: المصيبُ واحِدٌ. وقد اختلَفَ الفريقَانِ معا في أَنَّ لله -تعالى- فيها حُكْمًا مُعيَّنًا، وهو مطلوبُ النَّاظِرِ، أَوْ لَا؟
فَذَهَبَ جمهورُ المصوِّبة إِلى أنَّه لا حُكمَ فيها، بل الحُكمُ فيها يَتبَعُ الظَّنَّ؛ وحكمُ الله تعالى على كُلِّ مجتهدٍ ما غَلَبَ علَى ظَنِّهِ، وهو مَذهَبُ ابْنِ البَاقِلَّانيِّ والأَشْعَرِي منَّا وأبي هَاشِم وابْنِهِ من المعتزَلةِ، وبعْض الفقهاءِ إلا أنَّ منهم مَنْ قال بالأشْبَهِ، وهو أن الله تعالى لَوْ حَكَمَ فيهَا بحكمٍ، لكان هو ذلك الحُكمَ، وعزاه الغَزَّالِيُّ في "المَنْخُول" إلى ابْنِ سُرَيجٍ.
ومنْهم من فسَّره بالأقْرَبِ من الأصْلَينِ اللَّذَين تتردَّد الواقعةُ بينهما: فَمَنْ ظَفِرَ به، فَقَدْ أصابَ، ومَنْ لا فَقَدْ أخطَأَ.
ومنهم من فَسَّره بما يَظهَرُ للفقيهِ في مجاري نظره وهذا لا ضَابِطَ له؛ فإن ذلك قد يتعارض.
وذَهَبَ بَعض المصوِّبة إِلَى أنَّ لله -تعالى- فيها حُكْمًا معيَّنًا يتوجَّه الطلَبُ إليه؛ إذ لا بُدَّ لكُلِّ طالبٍ من مطلوبٍ، ثم اختَلَفُوا:
فمنهم مَنْ قَال: لا دَلِيلَ عَلَيهِ، ولا أَمارَةَ، بل هُوَ كَدَفِينٍ يُعْثَرُ عليه.
ومنْهُمْ من قال: عليه أمارةٌ ظَنِّيَّةٌ، لكنَّا ما كُلِّفْنَا بها؛ لخفائها. وهذا قولُ كثيرٍ من الفقهاءِ، ونسبه بعضُهُمْ إلى الشَّافِعيِّ وأبي حنيفة.
ومنْهم مَنْ قَال: إنَّ المجتَهِدَ مُكلّفٌ بطلبها، لَكِنْ إنْ أَخطَأَهَا بَعْدَ بَذْلِ وسُعه، تعين تكليفُهُ، وصار متعلَّقه اتِبَاعَ ظَنِّه، وَسَقَطَ الإِثمُ تخفيفًا.
ونقل الأئمةُ عن الأُسْتَاذِ أبِي إِسْحَاقَ وجماعة من المتكلِّمين، منهم ابْنُ فُورَكَ وأبو بكر بْنُ مُجَاهِدٍ، أنَّ المصيب واحدٌ، وأنَّ لله تعالى في كل واقعةٍ حُكْمًا، وهو مطلوبٌ بالاجتهادِ، وأنَّ عليه أمَارَةً. ويُعْزَى هذا أيضًا إلى الشَّافِعِيِّ، ونقل الرواةُ الخِلافَ في التَّصْويبِ والتخطئَةِ عن الأئمَّة الأربعةِ، وعزا القاضِي مَذْهَبَهُ إِلى الشافعيِّ، وقال: لو لَمْ يَصِرْ إلَيهِ لكنت لَا أعده من أحزاب الأصوليِّين.
وقال الشِّيرازِيُّ: قال أكْثَرُ أصحاب الشافعيِّ: نصب الله على الحَقِّ دليلًا، وجَعَلَ إِلَيه
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سبِيلًا، وكلَّف المُجْتَهِدَ إِصابَتَهُ، وجَعَلَ للمُصِيبِ أجْرَينِ، وعَذَرَ المخطىَء، وجَعَلَ له أجْرًا علَى قَصْدِ الصواب.
قال: وقال الطبريُّ: قاله الشافعيُّ، وحمله جماعة من أصحابه، ونسب بعضُ المتأخرِّين إلَيه في المسألة قولين تَخرِيجًا. وقال المُزَنِيُّ: اتخاذ الإصَابَة مَذهَبُ أصحابنا المُتَقَدِّمِينَ والمتأخِّرين.
وقال أبو إِسحاقَ المَرْوَزِيُّ: لا أعْلَمُ أحدًا من الأصْحَابِ اخْتَلَفَ في ذلك مِنْ مَذْهَبِهِ إلا ما نَسَبَهُ إِلَيه من لا يعرفُ مَذْهَبَهُ مِنَ المتأخِّرين في قوله: أدَّى ما كُلِّف به. وكُلُّ موضعٍ وَقَعَ فيه ذلك؛ فإن قبله أو بعده نَصًّا على ذلك أنَّ الحقَّ وَاحِدٌ، وإنما أراد بذلك حَطَّ الإِثم عنه؛ لأنَّه لم يَأْلُ جُهدًا فِي اجتهادِهِ، والكُلُّ مُتَّفِقُونَ على سقُوطِ الإِثْمِ عنْدَ الخطإِ؛ لإِجماعِ الصَحابةِ؛ فإِنهم اجتهَدُوا، واختلفوا، وَلَمْ يُؤَثَّموا.
وخالفَ في ذلك بِشْرٌ المريسي، وزعَمَ أنَّ على الحُكمِ دليلًا قَاطِعًا، وأنَّ المجتَهِدَ مُكَلَّفٌ بإِصابَتِهِ، وأن مخطئه آثِمٌ، وتابعه علَى ذلك الأصمُّ وابْنُ عُليَّةَ من القائِلِينَ بالقياسِ، وَوَافَقَهُ جَمِيعُ فقهاءِ نُفَاةِ القياسِ، ومِنهُمْ الإمامية؛ فإنَّهم قالُوا: لا مَجَال للنَّظَرِ في الأحكامِ، والعَقلُ قاضٍ بالنَّفْي في جميع الأحكامِ إلا ما استثنَاهُ دليلٌ سمعيٌّ؛ فما أثبته دليل سمعي، فهو ثابتٌ، وما لا، فهو على النفْي الأصليِّ، وإِنما استَقَامَ لهم هذَا المَذْهَبُ بإنْكَارِهِمُ العَمَلَ بِخَبَرِ الواحِدِ والقياسِ؛ كما أنْكَرُوا الحُكمَ بالعمومِ، والظَّاهِرِ المحتمل.
قال الغَزَّالِيُّ في "المستَصفَى": ويلزمهم عَلَيهِ منع التقليدِ، قال: وقد رَكِبَ بعْضُ معتزلةِ "بغداد" رأسَهُ في الوَفَاءِ بهذا؛ وقال: على العامِّيِّ أن يسأل المجتهدَ عَنْ مَأخَذِ الأحكامِ، فَإِذَا وَقَفَ عليه عَمِلَ، ومن تصفَّح دواوينَ الفقْهِ، عَلِمَ عِزَّةَ نَصٍّ قاطعٍ في الأحكامِ المجتَهَدِ فيها، ولو كان لَمْ يَخفَ مع شدَّةِ الطَّلَب على الباحِثِينَ عادَةً، وما اختلف فيه الصحابَةُ من المَسَائِلِ وسَوَّغوا الاجتهادَ فيها وأقرُّوا عليه، لَا يُلْقَى فيه قاطِعٌ.
وبشْرٌ ومُتَّبِعُوه والإِماميَّةُ محجوجُونَ بإِجماعِ الصحابةِ، وساعَدَ بشْرٌ مع التخطئةِ والتأثيمِ علَى أنَّه لا يُنْقَضُ قَضَاءُ القاضِي به، وخالفَ الأَصَمُّ.
стр. 716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومختارُ المُحَصِّلين ما نقله الشِّيرَازِيُّ عن جمهورِ أصحابِ الشافعيِّ أنَّ لِلهِ تعالى في الواقعةِ حُكْمًا، وأن عليه دليلًا ظَنِّيًّا، وأن المجتهدَ مُكَلَّفٌ بإصابتِهِ، وأن المُصِيبَ واحدٌ، وأن الإثْمَ محطوطٌ عن المخطئ، وأنَّه لا ينقض إنْ لَمْ يُخَالِفْ قياسًا جَلِيًّا؛ هذا إِذا لم يكُنْ في الواقِعَةِ نَصٌّ معلومٌ، فإنْ كَانَ فيها نَصٌّ، فَقَصَّرَ في طلبِهِ، فمخطئٌ آثمٌ بالحُكْمِ، وإن لم يقصِّر، فالصَّحيح أنه مخطئٌ غَيرُ آثِمٍ، وأَنه ينقضُ إن كان صَرِيحًا بَعِيدًا عَنْ قَبُولِ التَّأْويل اللائِقِ، وقد أَشَرْنَا إِلَى بَعْض أدِلَّة هذه الدعاوَى في غُضُونِ الكَلامِ، وستأتي الحجج علَى ما بَقِيَ منها، إنْ شَاءَ الله تعالى.
قولُهُ: "والمُختَارُ عِنْدَنَا: أنَّ الوقائِعَ على ضَرْبين: منها ما لِلهِ تعالى فيه حُكْمٌ هو مطلُوب المجتهدِ، ومِنْهَا ما لَيسَ فيه حُكْمٌ ثبوتيٌّ، وإنما حكمه براءةُ الذِّمَّةِ، والبَقَاءُ على العَدَمِ الأصليِّ":
يعني: أَنَّ نَفْيَ الحُكمِ الشرعيِّ ليس بحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وإِلا لكان قسيمُ الشَّيءِ قسْمًا منه، ولا يُقَالُ: هذا قَولٌ مُتَنَاقِضٌ؛ فإن البقاء على الأصْل حُكمٌ بالسَّلْبِ؛ لأنا إِنَّمَا نَعْنِي بالسَّلْب الأَحْكَامَ الخمسةَ لا عموم السَّلْبِ؛ فلا تناقض.
قوله: "والذي يَدُلُّ علَى صِحَّةِ قَوْلِنَا وُجُوهٌ:
الأول: أنَّه إِذا اعتقد أحد المجتهدين أنَّ الطَّعْمَ أَوْلَى؛ لكونه علَّةً لحرمة الرِّبَا، والثَّاني اعتقد أنَّه ليس أَوْلَى- فهذه الصفة في نفس الأَمْرِ: إن كانَتْ أَوْلَى بالعِلِّيَّةِ، كان الثاني مخطئًا، وإِن لم تَكُنْ أَوْلَى بالعلِّيَّة، كان الأول مُخْطِئًا؛ فَثبَتَ أنَّه لا بُدّ وأنْ يَكُونَ أحَدُهما مُخطِئًا في نَفْسِ الأَمْرِ":
والاعتراضُ عليه أنْ يقال: قد قَرَّرنا أنَّ الأَحْكَامَ لَيسَت صفاتٍ للمحالِّ، ولا تَابِعَةً لأوصافِ المحالِّ؛ فإِنَّ ذات الخَمْر وشُرْبَها لم تختلِفْ قبل التحريم ولا بعده، ولم تكن محرمة ولا الإسكار علة، ثم صار شرابها حرامًا والإسْكَارُ علَّةً وما ثَبَتَ للذَّاتِ أو للازم الذَّاتِ لا يَزُولُ، وإذا رجع الحُكْمُ إِلَى مَحْضِ تعلُّقِ الخطاب بالأَفْعَالِ، وكانت المؤاخَذَةُ فيه مشروطة بِالاطِّلاع، ولا قاطِعَ- فلا يمتنع أَنْ يَقُولَ الشارعُ لشَخصٍ: افْعَل كَذَا، ولآخَرَ: لَا تَفْعَلْهُ في زَمنٍ واحدٍ؛ فلا أولويَّةَ إلَّا في ظَنِّ المجتهدِ، ولا يمتنعُ أنْ يغلب علَى ظَنِّ أحَدِ المجتهدِينَ طَرَبٌ، وعَلَى ظَنِّ آخَرَ عَكسُهُ، وهو الذي أوجبَ الشارعُ عليه اعتقادَهُ، وألزمه العمل به بالإِجماعِ، ولو حكم بغيره حينئذٍ، لأثم ونقض بالإِجماعِ.
قوله: "الثاني: أن المجتهد: إِما أنْ يَكُونَ مكلَّفًا بأنْ يَبْنِيَ الحُكمَ علَى طَرِيقٍ: أَوْ لَا عَلَى طريقٍ: والثاني: باطلٌ؛ لأن القَوْلَ في الدِّين بمجرَّد التَّشَهِّي باطل؛ فثبت أنه لا بُدّ من طريقٍ: وذلك الطريقُ إِمَّا أَنْ يكونَ خاليًا في نَفْسِ الأمْرِ عن المعارِضِ أَوْ لَا يَكُونَ خاليًا عن المعارِضِ، فَإنْ كَانَ خاليًا عن المعارِضِ تعيَّن ذلك الحُكمُ؛ فيكونُ تارِكُهُ مخطئًا. فإنْ كَانَ له معارِضٌ: فإما أَنْ يَكُونَ أحدُهُما راجحًا على الآخَرِ، أو لا يَكُونَ أحدُهُمَا راجحًا: فإن كان أحدهما راجحًا، كان العمل به واجبًا بالإجماعِ، ويكون تاركهُ مخطئًا، وإنْ لم يكُنْ أحدهما راجِحًا، فحكمه حُكمُ
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تَعَارُضِ الأَمَارَتَينِ: إمَّا التخييرُ، واما التَّسَاقُطُ والرُّجُوعُ إِلَى غيرهما، وعلى التقديرَينِ فحكْمُهُ متعيِّنٌ وتارِكُهُ يكُونُ مخطئًا، فثبَتَ أنَّ المصيبَ عَلَى كُل التقديراتِ واحدٌ":
والاعتراضُ عليه أنْ يُقَال: قولُهُ: "إِما أن يكون مكلَّفًا بأن يبني على طَرِيقٍ أَوْ لَا":
قفنا: مكلَّفٌ بِأن يبني علَى طريقٍ.
قوله: "فَثَبَتَ أنَّه لا بُدّ مِنْ طريق":
قلْنَا: في نفس الأمْرِ أو في ظَنِّه؟ : الأول: مَمْنُوعٌ، والثاني: مُسَلَّم، وعند الخَصْم أنه إذا غلب على ظَنِّه مساواة الفَرْع الأصْلَ، وأن المَسْأَلة إذا دَارَتْ بين أصْلَينِ، وهي أقربُ إِلَى أَحدهما من الآخَرِ- كان ذلك طريقًا لظَنِّ الحُكمِ؛ فيَجِبُ عليه اعتقادُهُ، والجَزمُ بأنه مكلَّفٌ به عند ظَنِّهِ بالإجماعِ، وليس للأمارةِ وَجْهٌ مرتَبطٌ على التحقِيقِ لا عقليٌّ، ولا عاديٌّ، بخلاف الأدلَّةِ؛ وإلا لما انتفى الحُكمُ بالمعارِضِ؛ وإنما يختلف أمرها باختلافِ النَّاظِرِينَ فيها؛ فَرُبَّ أمارةٍ تُحَرِّكُ ظَنَّ مجتهدٍ، وَلَا تحرِّكْ ظَنَّ غيره؛ كما رأى أبو بكر ﵁ التسويَةَ في العَطَاء، وقال: الدُّنْيَا بلاغٌ، وإنما أسْلَمُوا لله؛ وأجورهم عَلَى الله تعالى، ورأى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ أَلَّا يُسَوِّيَ بين الفاضِلِ والمفضولِ، وقال: كَيفَ يُسَوَّى بين من تَرَكَ مَالهُ وأهْلَهُ وهَاجَرَ إلى الله -تعالى- ورسولِهِ وبَينَ مَنْ أسْلَمَ كَرْهًا تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، ورأى التفاوُتَ، وأمْضَاهُ حِينَ صار الأمْرُ إلَيه، وكُلُّ واحد منهما سَمِعَ أمَارَةَ صاحِبِهِ، ولم يُمِلْهُ.
قوله: "وإن كان خاليًا عن المعارِضِ تَعَيَّنَ ذلك الحكمُ، فيكون تاركه مُخطئًا": يقال له: لم قلت: إنه إذا كان خاليًا عن المعارض في نفْسِ الأمْرِ، يكون خاليًا عنه في ظَنَّ المجتهدِ؛ فإنما يَتَعَيَّنُ الحُكمُ به إذا كان خاليًا في ظَنِّه؛ فإنه لا يكلَّف بخلافِ ظَنِّه بالإجماعِ.
قولُهُ: "فإِن كان له مُعَارِضٌ: فإما أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا راجحًا على الآخر أو لا يكون: فإن كان أحدهما راجحًا كان العمل به بالإِجماعِ": يقال له: العَمَلُ بالإجماعِ مَشرُوط بِظَنِّهِ، ولا يَلْزَمُ من رجحانِهِ في نَفْسِهِ، رجحانُهُ في ظَنِّهِ.
قوله: "وعِنْدَ التَّسَاوي: إما التخير أو التساقُطُ": يقال له: لا نُسَلِّمُ بعين أحد الأمْرَينِ، بل يمكنُ أن يُقَال بالوَقفِ.
قوله: "الثالث: أنَّ المُسْتَدِلَّ يستدِلُ بشَيءٍ علَى شَيءٍ، والدليلُ لا بُدَّ وأنْ يكُونَ موجودًا قبل التَّأويلِ فيه، وقبل طَلَبهِ، والدليلُ إذا كان دليلًا على الحُكمِ، فالمدلُولُ كان سابقًا على الدليل الَّذي هو سابِق على التأمُّلِ فيه؛ فيكون الحُكمُ سابقًا على الاجتهادِ، فالقَوْلُ بأن الحكم يكُونُ تابعًا لِلاجتهادِ يُوجِبُ كَوْنَ المتقدِّم متأخرًا -يعني بدرجَتَيْنِ- وهو محالٌ":
وحاصلُهُ أن النَّظَرَ لا بُدَّ له من موضوع وهو محل نَظَرِ النَّاظِرِ، وموضوعُ النَّظَرِ في الأحكام الاجتهاديَّةِ الأماراتُ، وللأمارةِ عَلَى الحُكْمِ ارتباط ما على الجملةِ، يُعَبَّرُ عنه بالدلالةِ، والدلالةُ نِسْبَةٌ بين الأمارةِ والحُكمِ، والنِّسْبَةُ بَينَ الشَّيئَينِ تستلزمُ سَبْقَ الشَّيئَينِ علَيها، فإذا توقَّف الحكم
стр. 718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
علَى ثبوت الأمارةِ، وثبُوتُ الأمارةِ على النِّسْبَةِ، والنَّسْبَةُ على الحُكمِ- لَزِمَ سَبْقُ الحُكمِ في نَفْسِ الأَمْرِ على النَّظَرِ والظَّنِّ؛ فلا يكون تابعًا لِلظَّنِّ، وهذا الوجْهُ أقْوَى ما يذكر من المآخِذِ العقلِيَّةِ في المَسْأَلة.
والاعتراضُ منع أن للأمارَةِ وَجْهًا وَارتباطًا في نَفْس الأمر، فَقَدْ فَرَّقَ الخَصْمُ بينها وبَين الدَّليلِ. سَلَّمناه، لكن لِمَ قُلْتَ: إنَّ الطلَبَ مستمرٌّ عليه بَعْدَ بَذْلِهِ الوُسْعَ، وعَجْزِهِ عن الاطلاع، وما المَانِعُ أَنْ يُقَال: انتَقَلَ تكليفه -والحالةُ هذه- إِلَى العَمَلِ بما غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وهو مصيبٌ؛ لأنَّهُ أدَّى ما وجَبَ عَلَيهِ أَوَّلًا وآخِرًا.
واحتجُّوا مِنَ السَّمْع بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، ولَوْلا أنَّ ثَمَّ حُكمًا مُعَيَّنًا، لما حَسُنَ ذلِكَ.
وأُجِيبُوا بأن في تفسيرِ المتشابه اختلافًا للعلماءِ، ومَا تحتمله الألْفَاظُ الواردة المُتَوَهمَةُ في الأسْمَاءِ والصِّفاتِ المتردِّدة بين ما يصححه العَقْلُ وبَينَ ما يمنعه؛ كالاستواءِ، وكقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ لتردُّد الاستواءِ بَينَ القَهْرِ وَالاستعلاءِ المُجَوَّزِ عقلًا، والاستقرارِ المُمْتَنِع على الله تعالى عَقْلًا، وتردُّد الإِضافة بين التشريفِ؛ كَبَيتِ الله، ونَاقَةِ الله وغيرها؛ فالراسِخُ في العِلَمِ يَعْلَمُ من المتشابه الوَجْهَ الذي يُشَابِهُ الحَقَّ بِهِ، فَيَرُدُّهُ إلَيهِ، ثم لو سُلِّمَ حَمْلُ المتشابه على المتشابِهِ في الأحكام الشرعيَّةِ- فيجوز تخصيصُهُ بما فيه نَصٌّ أوَ إجماعٌ.
واحتجُّوا بقوله ﵇: "إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ".
وأجيبَ بأنه لا يَكُونُ مخطئا إلا إِذا أخطأ نَصًّا أَوْ إِجماعًا أو قياسًا جَلِيًّا، وخَفِيَ ذلك عليه بَعْدَ البَحْثِ، وفيه بُعْدٌ، فإنَّ التَّقْسِيمَ يُشْعِرُ بحكم جملة أحْواله.
واحتجوا بإجماعِ الصَّحابة على إِطْلاقهم الخَطَأَ في الاجتهادِ من غير نكير.
قال أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: أَقُول في الكلالةِ برأيي، فَإنْ يَكُنْ صَوَابًا، فَمِنَ الله تَعَالى، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأ، فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيطَانِ"، وعن عمر أنَّه حكم بِحُكْمٍ، فَقَال لَهُ رجُلٌ: هذا -والله- هُوَ الحَقُّ، فَقَال عُمَرُ: إِن عُمَرَ لا يَدْرِي أنَّه أَصَابَ الحَقَّ، لكنه لم يَأْلُ جهدًا.
وعن عَلِيٍّ في المرأةِ التي اسْتَحْضَرَهَا عُمَرُ، فأجْهَضَتْ جنينًا، فقال عثمانُ وعبد الرحمن بْنُ عَوْفٍ: إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ، لَا نَرَى عَلَيكَ شَيئًا، فقال علي: إِن كانا اجتهدا فَقَدْ أَخطآ، وَإِنْ لَمْ يَجتهِدَا، فَقَد غَشَّاكَ. أَرَى عَلَيك الدِّيَةُ.
وَعَن عَلِيٍّ، وَزَيدٍ، وَابنِ مَسْعودٍ: أنَّهم خَطَّئوا ابنَ عباسٍ فِي رَدِّ العَوْلِ، وَخَطَّأهُمْ هُوَ أَيضًا،
стр. 719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَذلِكَ شَائِعٌ مِنْ غَيرِ نَكِيرٍ فِي إِطْلاقِهِ.
واعترضَ عَليهِ: بأنَّه قَد يَكُونُ الخطأُ بِمُخَالفَةِ نَصٍّ أَوْ قياسٍ جَليٍّ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ التخطئةَ وَقَعَتْ فِي المسائِلِ الاجتهاديةِ، وَلَا تقصيرَ ظاهر فِي مجتهدٍ مِنَ الصحابة، وَمِمَّا يُشَنِّعُ بِهِ مُخَصِّصُو التصويبِ: قَولُهُمْ لِخُصومِهِم: تصويبُ كُل مجتهدٍ يُؤَدِّي إِلى الجَمْعِ بَينَ النَّقِيضَينِ، وَهُو كَوْنُ الشَّيءِ الواحدِ حَرامًا حلالًا، حَتَّى بالغَ بعضُهم، فَقال: "هَذا المَذْهَبُ أَوَّلُهُ سَقْسَطَةٌ، وَآخِرُة زَنْدَقَةٌ"، وَأكَّدُوهُ بِما لَوْ تَزَوَّجَ مجتهدٌ شَافِعِيٌّ مجتهدَةً حَنفيةً، فَقَال لهَا: أَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ قَال: رَاجَعْتُكِ، وَالرَّجُلُ يَعْتَقِدُ الحِلَّ، وَالمرأةُ تعتقدُ الحُرْمَةَ، وَيلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ المَذْهَبَينِ حِلُّها وَحُرْمَتُهَا. وَبِما لَوْ تَزوَّجَ حَنَفِيٌّ امْرأَةً بِغَيرِ وَلِيٍّ، ثم نكحها مجتهد آخر بولي؛ فيلزم في صحة المذهبين حلها لهما معًا. ومن ذلك أن يستفتي عامي مجتهدين مُخْتَلِفَي الاجتهادِ: فإن عَمِلَ بِأحَدِهِمَا، كان تحكُّمًا، وَإِلَّا لَزِمَ المحال، أَوْ التَّرْكُ لَهُمَا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هذَا لازِمٌ عَلَى المَذْهَبَينِ، وَيُمْكِنُ الخُرُوج مِنْهُ بالرفْعِ إِلَى حَاكِمٍ، وَيجِبُ اتِّبَاعُهُ.
وَأمَّا العامِّيُّ، فَحُكمُهُ حُكمُ تعارُضِ الأَمَارَتَينِ لَدَى الْمُجْتَهِدِ.
وَمِمَّا تَمَسَّكُوا بهِ: أَنَّهُ لَو اجْتَهَدَ اثْنَانِ فِي جِهَةِ القِبلةِ، وأَدَّى اجتهادُ كُلِّ وَاحدٍ مِنْهُمَا إِلَى جِهةٍ غَير جهةِ الآخَرِ، لَمْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُما بِالآخَرِ.
وَلَوْ كانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، لَصَحَّ الاقتِداءُ، وَهُوَ ضعِيفٌ:
أَمَّا أَوَّلًا فَلَيسَتِ المسْأَلَةُ إِجْماعيَّةً، وَقَدْ قال أَبو ثَوْرٍ: "يَصِحُّ الا قْتِدَاءُ، أو يُصَلِّي كُلُّ وَاحدِ إِلَى جهةِ غلبةِ ظَنِّهِ، كالمُسْتَقْبِلِينَ فِي البَيتِ".
وَأَمَّا ثانيًا: فَلَيسَ كُلُّ مَنْ صَحَّتْ صَلاتُهُ فِي نَفْسِهِ، صَحَّ الاقْتداءُ بِهِ؛ فَإِن أَحَدَ الخُنْثَيَينِ لا يَأْتَمُّ أَحدُهُما بِالآخَرِ؛ لاحتمالِ أَنْ يكُونَ الإِمامُ أُنْثَى، وَالمأمومُ ذَكَرًا، مَعَ صِحَّةِ صلاةِ كُلِّ وَاحدٍ منهما، بل يعتبرُ فِي الاقتداءِ شرائطُ آخرَ. وَهَهُنَا في تقديرِ صِحَّةِ صلاةِ المأمومِ بُطلانُ صلاةِ إمامِهِ؛ لاسْتحالةِ كَونِ القِبْلَةِ فِي جهتَينِ، فَالاجتهادُ فِي القبلةِ كَالاجتهادِ فِي مسألة فيها نَصٌّ؛ وَقَدْ تَعَيَّنَ فِي الا قتداءِ فِي هذِه الصلاةِ الخطأُ في المَأمُوم، واحتجوا بِقولِهِ تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، واختصاص سُلَيمَانَ بِالتَّفهِيمِ دليل على اختصاصِهِ بِالإِصابةِ وَ"نَفَشَتْ" أَي: انتَشَرَت فِيهِ لَيلًا، وَالقَوْلُ بأَنَّهما لَمْ يَحْكُمَا عَنِ اجْتِهَادٍ، بناءً على أَنَّهُ لَا يَسُوغُ
стр. 720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
اجْتهاد الأَنبياءِ؛ لِقُدرَتِهِمْ عَلى اليقينِ بالوحْي، أَوْ بنزولِ نَصٍّ مُوافِقٍ لِحُكمِ سُلَيمَانَ، أَوْ حَمْلِ الأَمْرِ عَلى شبهةٍ فِي الواقعةِ اختُصَّ بِحلِّها سُلَيمَان-: لا يسوغُ؛ فَإِنَّ الصحيحَ جَوازُ اجتهادِ الأَنبياءِ عَلى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَنَّهم لَا يُقرون على الخطإِ، وَفِي تَقْدِيرِ نزولِ نَصٍّ مُوافِقٍ لِحُكم سُلَيمَانَ تَسليمٌ لِلمسأَلَةِ، وَحُمِلَ الأمرُ على حَلِّ شُبهَةِ تَأويلٍ تُخَالِفُ نَصَّ الآيةِ؛ فَإِنَّها مُصَرِّحَة بالحكومةِ؛ وَأَقْوَى الحجج هذِهِ، وحجةُ الإِجْماعِ وَالخَبَرِ.
قَولُهُ: "وَاحْتَجَّ القَائِلونَ بأنَّه لا حُكمَ إلا مَا يَحْصُلُ بَعْدَ الاجتهادِ؛ بأَنَّ المجتهدَ مأمُورٌ بِأنْ يَعْمَلَ عَلى ظَنِّهِ، وَلَا مَعنى لِحُكْم الله تعالى إلا مَا أَمَرَ بِهِ، فَإذَا كَانَ مَأْمُورًا بِالعملِ بمقتضى ظَنِّهِ، وَعَمِلَ بِهِ -كَانَ مُصِيبًا؛ لأَنَّهُ قَطَعَ أَنَّه عَملَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَذلِكَ يَدُلُّ عَلى أَن كُلَّ مجتهدٍ مُصِيبٌ": وَهذَا وَاضِحُ المرادِ.
قَوْلُهُ: وَ"الجوابُ. . ." إلى آخِرِهِ:
حَاصِلُهُ وَجْهَانِ:
أحَدُهُما: مَغ أنَّه كُلِّفَ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهِ، وَإِنَّما كُلِّفَ بالعملِ على وَفْقِ الدَّلِيلِ.
وَالثَّانِي: تَسْلِيمُ أَنَّه مَأمورٌ بالعمل بظنِّهِ لَكنْ بَعْدَ أَنْ أُمِرَ أَوَّلًا ببَذْلِ الوُسْعِ فِي طَلَبِ الدَّليلِ وَعَجْزِهِ عَنْهُ فَيَصْدُقُ أَنَّهُ مُخطئٌ؛ لِعَدَمِ اطِّلاعِهِ عَلَيهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا.
واحْتَجُّوا أَيضًا: بِأَنَّه لَو كَانَ فِي الواقِعةِ حُكمٌ مُعَيَّنٌ، لَكَانَ عَليهِ دَليلٌ ظَاهرٌ؛ لامتناعِ تكليفِ المحالِ، وَلَوْ كَانَ عليهِ دَليل ظَاهرٌ، لأمكنَ نَيلُهُ، وَيكونُ غيرُ نَائِلِهِ حاكمًا بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ الله؛ فَيكونُ كافرًا أو فَاسِقًا، وَالكفرُ والفِسْقُ منتفٍ بِالإِجماعِ. لا يقالُ: الأَدلةُ غَامِضَةٌ يَصْعُبُ اسْتِخْراجُهَا، فكانَ غيرُ المُطَّلِعِ عَلَيها مَعْذُورًا؛ لأَنَّا نقولُ: يلزمُ مِثلُهُ فِي الأُصولِ، وَلَمْ يُعْذَرْ.
وَالجوابُ: أَنْ يقال: مَا المانعُ أَنَّه يقالُ: إِنَّهُ عندَ العجز حُطَّ عَنْهُ، وَصارَ حكمُهُ حُكمَ مَا غَلَبَ على ظَنِّهِ؟
فروع:
[الأول]: المجتهدُ إِذَا تَغَيَّرَ اجتهادُه كَما لَو ظَنَّ الخُلْعَ عَلَى الثلاثِ فسخًا، فَنَكَحَها قبلَ أَنْ تَنْكِحَ زوجًا غَيرَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بَعدَ ذَلِكَ أَنَّه طلاقٌ-: فَإِنْ كَانَ ذلِكَ بَعدَ أَنِ اقترنَ بالأَوَّلِ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ لَمْ يُنْقَضْ، وإنْ كَانَ قَبْلَهُ، نُقِضَ، وَسَواءٌ كانَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، أَوْ فِي حَقِّ غَيرِه.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: إِنْ كَانَ فِي حَقِّ غَيرِهِ، لَمْ يُنْقَضْ. وَهُو ضعيفٌ؛ لأَن قَوْلَ المجتهدِ هُوَ المُتَّبَعُ؛ فَإِذَا تَغَيَّرَ الأَصْلُ، تَغَيَّرَ الفَرْعُ ضَرورةً، وَلَا يُنْقَضُ الحُكمُ بِالاجتهادِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ غَيرِهِ؛ لِما يؤدِّي إِليهِ مِنْ نَقْض النقض إِلَى غير نِهايةٍ، وَتَفْويتِ مصلحةٍ نَصْبِ الحَاكِمِ، وينْقَضُ إِذَا خالفَ نصًّا قَاطِعًا أَو إِجْمَاعًا أَوْ قياسًا جَلِيًّا؛ لأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى ذلِكَ.
قَال الغَزَّاليُّ: ويُنْقَضُ إِذَا خَالفَ خَبَرَ الوَاحِدِ الصَّحِيحَ الذِي لَا يَحْتَمِلُ إلا التأويلاتِ البَعِيدةَ؛ كَخَبَرِ النِّكاحِ بِغَيرِ وَليٍّ وَنَحْوهِ.
стр. 721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الفَرْعُ الثَّانِي: إِذَا اجتهدَ وَأَدَّى اجْتهادُهُ إِلى حُكمٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تقليدُ غَيرِهِ اتِّفَاقًا، فَإِذَا لَمْ يَجْتَهِدْ، فَالأكثرُ عَلى مَنْعِ التقليدِ أَيضًا.
وَقيلَ: فِيمَا يفتي بِهِ، لَا فِيما يَخُصُّهُ.
وَقِيلَ: فِيما لَا يفوتُ وَقْتُهُ بِاشْتِغَالِهِ بالنَّظَرِ، ويعْزَى لابْنِ سُرَيجٍ.
وَقَال أَحمدُ، وَجَماعَةٌ: يَجُوزُ مُطلَقًا.
وَلأبي حنيفةَ قَوْلانِ.
وقَال مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ: يَجوزُ إِنْ كانَ أَعلمَ مِنْهُ.
وَقَال الشَّافِعيُّ فِي القديمِ وَالجُبَّائِيُّ: يَجوزُ أَنْ يُقَلِّدَ صَحابِيًّا خاصَّة أَرْجَحَ مِنْ غيرِهِ، فَإِنِ اسْتَوَوا، تَخَيَّرَ، وَقِيلَ: تَابعيًّا.
احْتَجَّ المُجَوِّزُونَ بقولِهِ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧]، وَهُوَ عالِمٌ.
وَاعْتُرِضَ بِأنَّ أَهْلَ الشَّيءِ هُو المتأهِّلُ لَهُ، وَالمجتهدونَ كُلُّهُمْ أَهْلُ عِلْمٍ، فَلَمْ يَدْخُلوا تَحتَ الأَمْرِ.
وَاحْتَجَّ المخصِّصُ بالصحابي بقولِهِ ﵇: "أَصحَابِي كالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيتُمُ اهْتَدَيتُمْ"، وَبقولِه ﵇: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي".
وَاعْتُرِضَ بأَنَّه خِطَابٌ لِلْعَوَامِّ.
وَاحْتَجَّ المانعونَ بقولِهِ تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَبِأنه متمكِّنٌ مِنَ الأَصْلِ؛ فَلا يجوزُ لَه البَدَلُ.
وَاحتجُّوا: بأنَّه لو جازَ لَه التقليدُ قَبْلَ الاجْتهادِ، لَجَازَ لَهُ بعدَهُ؛ لأَن المانعَ كونُهُ مجتهدًا. وَأُجِيبَ: بأنَّهُ إِذَا اجتهدَ، حَصَلَ لَهُ الظَّنُّ الأَقْوَى؛ فَكانَ أَوْلَى.
الفرعُ الثَّالثُ: لا يَسْتَقِيمُ لِمُجْتَهِدٍ قَوْلانِ مُتَناقِضَانِ في شَيءٍ واحدٍ؛ بخلافِ وَقْتينِ، أَوْ لِشَخصَينِ عَلى القولِ بالتخييرِ عِندَ التعادُل، فإنْ رُويا عَنْهُ، فالظاهرُ أَنَّ الثانيَ رُجُوعٌ عَن الأَوَّلِ، فإِن لَمْ يُعْلَم التارِيخُ، فيجبُ اعتقادُ رجوعِهِ عَنْ أَحدِهمَا، وَكَذلِكَ لو كَانَتا صورتَينِ مُتناظِرَتَينِ، ولَمْ يَظهَرْ فَرقٌ فالظاهرُ أَيضًا أَنَّ الثَّانِي رجوعٌ، وَقَولُ الشَّافِعيِّ ﵀: "فِي المسألةِ قَوْلانِ" فِي سَبْعَ عَشْرَةِ مَسأَلةٍ: إِمَّا عَلى معنى أَنَّ الأدِلَّةَ متعادِلَةٌ فيها؛ فَأَنا مُخَيَّرٌ فِي القولَينِ أَقُولُ بِهذَا مَرَّةٌ، وَبِهذَا مَرَّةً. وَإمَّا على أن فيها قولين للعلماء ويكون هو في مهلة النظر. وإما على مَعنى أَنَّ فِيها ما يَقْتَضِي لِلعُلَمَاءِ قَوْلَينِ مِنْ أَصْلَينِ، أَوْ مِن أَصْلٍ وَظاهرٍ، أَوْ دَلِيلَينِ مُتَعادِلَينِ، أَوْ على مَعْنى الإِخبارِ وأَنَّهُ تَقدَّمَ مِنْهُ فِيها قَوْلانِ، وَاللهُ أَعلمُ.
стр. 722
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَةُ
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعَادُلُ الأَمَارَتَينِ؟
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنْ نَقُولَ: تَعَادُلُ الأَمَارَتَينِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمَينِ مُتَنَاقِضَينِ وَالْفِعْلُ وَاحِدٌ؛ وَهُوَ كَتَعَارُضِ الأَمَارَتَينِ عَلَى كَوْنِ الفِعْلِ حَرَامًا وَمُبَاحًا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلَينِ مُتَنَاقِضَينِ وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ؛ مِثلُ وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إِلَى جِهَتَينِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمَا جِهَتَا الْقِبْلَةِ:
أَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ جَائِزٌ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَنَا رَجُلانِ بِالنَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ، وَتَسْتَويَ عَدَالتُهُمَا فِي الظَّنِّ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَغَيرُ وَاقِع؛ لأَنَّهُ لَوْ تَعَادَلَتْ أَمَارَتَانِ عَلَى كَوْنِ هذَا الْفِعْلِ مُبَاحًا وَحَرَامًا: فَإِمَّا أَنْ نَعْمَلَ بِهِمَا مَعًا، أوْ نَتْرُكَهُمَا مَعًا، أَوْ نُرَجِّحَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى، أَوْ نَحْكُمْ فِيهِ بِالتَّخْيِيرِ:
وَالأَوَّلُ: بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ يُوجِبُ الْجَمْعَ بَينَ النَّقِيضَينِ.
===
قولُهُ: "المسألةُ الثانيةُ: اخْتلفوا فِي أنَّه: هَلْ يجوزُ تعادُلُ الأمارتَينِ؟ والمختارُ عندنَا أَنْ نقولَ: تعادلُ الأمارتَينِ: إِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي حُكمَينِ مُتَنَاقِضَينِ، وَالفعلُ وَاحدٌ؛ وَهُوَ كتعارُضِ الأمارتَينِ فِي كَوْنِ الفعْلِ حَرَامًا مُبَاحًا. وَإِمَّا أَنْ يقعَ فِي فعلَينِ متناقِضَينِ، والحكمُ واحدٌ؛ كالتوجُّهِ إِلَى جِهتَي القِبْلَةِ:
أَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ: [فهو في الجملة جائز]؛ فإنَّه يجوزُ أَنْ يخبرنا رَجُلانِ بالنَّفْي والإِثباتِ، وتَسْتَوي عندَنا عَدَالتُهُمَا فِي الظَّنِّ.
يَعني: أَنَّ هذا جائزٌ بالنسبه إِلَينا وَوَاقعٌ.
قَولُهُ: "وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ، فهو غيرُ واقعٍ" يعنِي: لِمَا يلزمُ مِنْهُ مِنَ المُحَالِ بالنِّسبَةِ إِلى الله تعالى.
وَبالجملةِ: فَلَمْ يَخْتَلِفِ العُلَمَاءُ فِي اسْتحالةِ تقابُلِ دَلِيلَينِ عَقْليَّينِ؛ لاسْتلْزَامِهِما النَّقِيضينِ.
وَاختَلَفُوا فِي جوازِ تَقَابُلِ الأَمارتَينِ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، لَا بالنِّسْبَةِ إِلَى نَظَرِنَا؛ أَعنِي: عَلى حُكمَينِ مُتَنَاقِضينِ مَعَ اتحاد الفِعْلِ- فالجمهورُ عَلى جوازِهِ.
وَاخْتَلفوا فِي حُكمِهِ عنْدَ الوقوعِ: فذهبَ القاضِي ابْنُ الباقلاني مِنَّا، وَأَبَو هَاشِمٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ مِنَ المعتزلةِ إِلى أَنَّ حُكْمَهُ التخييرُ.
وَذَهَبَ بَعضَ الفقهاءِ: إلى التَّسَاقُطِ وَالرُّجُوعِ إِلى الأصْلِ. وَصَارَ الكَرْخِيُّ وأحْمَدُ إلى امتناعِهِ، وظاهرُ اختيارِ المصنِّف أنَّه جائز غَيرُ واقِع من الله تعالى؛ لما يؤدِّي إِلَيه مِنَ المُحَالِ؛ وَيحْتَمِلُ هذا مُوَافقة الكرخيِّ؛ فإن الممتنع لِغَيرِهِ كالمُمْتَنِعِ لِنَفْسِهِ، والكَرْخِيُّ لم يصرحْ بأنَّ الامتناعَ فيه لِلنَّفْسِ.
стр. 723
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ أَيضًا؛ لأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا، كَانَ وَضْعُهُمَا عَبَثًا؛ وَهُوَ عَلَى الله تَعَالى مُحَالٌ.
وَالثَّالِثُ: أَيضًا بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ يَحْصُلُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيرِ مُرَجِّحٍ.
وَالرَّابعُ: بَاطِلٌ أَيضًا؛ لأَنَّهُ يَقْتَضِي حُصُولَ التَّخْيِيرِ بَينَ الْفِعْلِ وَالتَّركِ، وَذلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ أَمَارَةِ الإِبَاحَةِ عَلَى أَمَارَةِ الْحُرْمَةِ؛ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هذَا التَّرْجِيحَ بَاطِلٌ.
أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي -وَهُوَ تَعَادُلُ الأَمَارَتَينِ فِي فِعْلَينِ مُتَنَاقِضَينِ، وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ-: فَهذَا
===
قولُهُ: "لأنَّه لو تعادَلَتْ أمارتانِ علَى كوْنِ هذا الفعْلِ مُبَاحًا حَرَامًا: فأما أنْ يُعْمَلَ بهما معًا أو يتركا أو تُرَجْحُ إحداهما على الأُخْرَى، أو يُحْكَم فيهما بالتخيير: والأَوْلُ باطلٌ, لأنه يوجِبُ الجَمْعَ بَينَ النَّقِيضَينِ. والثَّاني أيضًا: باطلٌ؛ لأنه لما تعذَّر العَمَلُ بهما جميعًا، كان وضعهما عَبَثًا، وهو مُحَالٌ على الله تعالى. والثالث: باطلٌ؛ لأنَّه يقتضي الترجيحَ مِنْ غَيرِ مرجِّح، وهو محالٌ.
والرَّابُعِ: بَاطِلٌ؛ لأنَّهُ يقتضي حصُولَ التخْييرِ بَينَ الفعْلِ والتَّركِ، وذلك ترجيح أَمَارَةِ الإباحَةِ على أمارة الحُرْمَة، وقد ثَبَتَ أَنَّ هذا الترجيحَ باطلٌ":
والاعتراضُ عليهِ مِنْ وَجْهَينِ:
أحدهما: اختيار القِسْمِ الثانِي، وهو التَّرْكُ لهما، أو التساقُطُ والرجُوعُ إلى الأَصْلِ؛ كما صار إليه بَعْضُ الفُقَهَاءِ.
قوله: "إِنْ نَصَبَهَما عَلَى هذا التقديرِ يَكُونُ عَبَثًا":
قلْنا: لا نُسَلِّم، ولمَ قُلْتَ: إِنه يلزم مِنْ عَدَمِ اطْلاعِنَا علَى حِكْمَةٍ في النَّصْبِ - انتفاءُ الحكْمَةِ في نفْس الأَمْر، وأَيُّ مانِعٍ من اشتماله علَى حِكْمَةٍ استأثر الله بها، وهذا إذا سلَّمنا أنَّ مِثْلَ هذا يقالُ: إِنه عَبَثٌ، وقد عرفَ من أصول الأَشْعريَّة أنهم لا يُوقِفُونَ أحكام الله تعالى ولا أفْعَالهُ علَى مَصَالِحِ العبَادِ، وإنَّما هو مذهَبُ المُعْتَزِلَة.
الوجْهُ الثاني: اخْتِيَارُ القِسْمِ الرابعِ، وهو التخييرُ؛ كما صار إلَيه القاضِي.
قوله: "إنه يقتضي حُصُولَ التخيير بَينَ الفِعْل والتَّرْكِ وذلك يقتضي ترجيح أمارة الإبَاحَةِ": قلنا: لا نسلم أن التخييرَ في العمل بأحد الأمارتين، تخيير بين الترك والفعل وإن أخذ بأَمَارَةِ الحرمة لم يكن مُخَيَّرًا بين الفعل والتَّركِ؛ لاختلافِ متعلِّقَي التخييرِ وحكمهما، فإن أخذ بأمارةِ الإبَاحَةِ - كانَ مُخَيَّرًا بين الفعْلِ والترك؛ بَلْ كان ممنوعًا من الفعْلِ علَى هذا التقديرِ؛ وهذا كتَخْيِيرِ المسافِرِ بَينَ الأَخْذِ بدليلِ الرخْصَةِ والاقتصارِ على رَكْعَتَينِ، وبَينَ الأَخْذِ بدليلِ العَزيمَةِ والتزامِ الأَرْبَعِ؛ وكقَوْلِ مَنْ له على غَيرِه أربَعَةُ دراهِمَ معيَّنة: وَهَبْتُكَ مِنْهَا دِرْهَمَينِ، فإن قبلت، فأنا مطالبٌ لك بدِرْهَمَينِ، وإن لم تقبل، فأنا مُطَالبٌ لك بأَرْبَعَةٍ.
قوله: "وأما القِسْمُ الثاني، وهو تَعَادُلُ الأمارتينِ في فِعْلَينِ متناقِضَينِ والحُكْمُ واحدٌ - فهو جائزٌ، ومقتضاه التخييرُ ... ":
стр. 724
جَائِزٌ، وَمُقْتَضَاهُ التَّخْيِيرُ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ قَوْلُهُ ﵇ فِي زَكَاةِ الإِبلِ: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ"؛ فَمَنْ مَلَكَ مِائَتَينِ، فَقَدْ مَلَكَ أَرْبَعَ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسَ أَرْبَعِينَاتٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَينَ إِخْرَاجِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ.
===
كما مثله فِيمَنْ مَلَكَ مائتين من الإِبِلِ؛ فإنَّ الواجِبَ فيها أربَعُ حِقَاقٍ أو خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، لاشتمالها على أرْبَعِ خَمْسِينَاتٍ، وعلَى خمسِ أَرْبَعِينَاتٍ. وهذا واضحٌ، ونظيره مَنْ صَلَّى بالكعبة.
وتمامُ البحثِ بذكر أحكام تَتَعلَّقُ بالمقلّد في الفُرُوعِ، ويجبُ عليه التقليدُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧] وقولِهِ ﵇ -: "أَلا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعلَمُوا".
وخالف بعضُ المعتزلةِ، وأوجَبُوا عَلَيه النظر وسُؤَال العَالم؛ لِيُعَينَ له الطرِيقَ؛ فَيَنْظُرَ وَيُعْمَلَ.
ولنا: إِجماعُ الأُمَّة في كُلِّ عَصْر قبل حدوثِ هذَا الخلافِ وبَعْدَهُ علَى تَرْكِ الإِنكار على العوامَّ في الاقتصارِ علَى مُجَرَّدِ الاستفتاءِ، وتقليدِهمْ في الفتوَى، ولأنَّ تكليفَهُمْ ذلك تعطيلٌ عن طلب المعَاش وفَسَادِ العالمِ.
لا يقالُ: إنما يلزمُ ذلك لو وَجب على المُجْتَهِدِ النَّظَرُ في أَخْبَارِ الآحَادِ والأقيسة، وعندنا لا حجَّةَ في شَيءٍ من ذلك، وإنما أساس الاجتهادِ أُمُورٌ ثلاثةٌ: البراءةُ الأصليَّةُ، وإباحةُ المَلاذِّ، وحرمةُ المَضَارِّ، وكلُّ عقلِ سليمٍ يُدْرِكُ ذلك مِنْ غير حاجةٍ إلَى صَرْفِ زمانٍ يُؤَدِّي إِلَى تعطيل المعاشِ, وعنْدَ عَدَم الإحاطةِ بهذه الأمورِ، فهو متمسِّكٌ بالبراءة إلا أَنْ يَنْقُلَهُ عنها نَصٌّ قاطِعٌ, ومَنْ لم يستَقِلَّ بهذه الأُصُولِ فَلْيَسْأَلِ المُفْتِيَ عنها؛ فإنَّه يدركُها في أيسَرِ زمانٍ.
وهذا سؤَالٌ تُورِدُهُ الشِّيعَةُ؛ والجوابُ عنه: أنا قد أبْطَلْنَا قاعِدَةَ التَّحْسِين والتقبيحِ العَقْلِيِّ، وبيَّنَّا وجوبَ الرجُوعِ إلى العمومَاتِ والأَقْيسَةِ وأَخْبَار الآحَادِ، وقرَّرنا ذلك في مواضِعِهِ بما فيه غُنْيَةٌ.
وإذا تقرَّر هذا، فنقولُ: لَيسَ للعامِّيِّ أن يستَفْتِيَ مَنْ لم تثبتْ عنده أهليَّتُهُ لذلك بالنَّظَر اللائِقِ المغلب علَى ظَنِّه، ومما يدركه به أن يَظُنَّ عِلْمَهُ وَوَرَعَهُ, , والعَامِّيُّ قادرٌ على ذلك حَسَبَ قُدْرَته على غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِحَذْقِ طَبِيبٍ، وسائر أربابِ الحِرَفِ، وذلك بِالتَّسَامع، وازدحامِ أعْيَان النَّاس عَلَيهِ، والتصدِّي على مَلإِ من أَهْلِ العِلْم للفتوَى، وثناءِ أهل الحقِّ علَيه مع اشتهاره بملازَمَةِ العلماءِ
стр. 725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والمصابرة على الحِفْظِ والتَّكْرارِ والسؤَالِ زَمَانًا طويلًا يظن فيه حصولُ أهليَّة الفَتْوَى.
وأمَّا الوَرَعُ، فبملازمة السَّمْتِ الحَسَنِ، والمحافَظَةِ علَى واجبَاتِ الدِّين والمُرُوءَةِ.
لا يُقَالُ: العامِّيُّ إنما يرجعُ في جميعِ ما ذَكَرْتُمُوه إلى ظَنٍّ؛ إذ لا بصيرةَ له، وربَّما رجَّح المفضُولَ على الفَاضِلِ؛ اغترارًا منه بأمور ظاهرةٍ, , فإِنْ كان يقنَعُ بهذَا القَدْرِ، فليبحَثْ في أصل المَسْأَلَةِ؛ فإنه لا يَعْجَزُ عن مِثْلِ هذا الظنِّ.
لأنَّا نقولُ: قدرته علَى تحصيلِ مَا ذَكَرْنَاه ظاهِرَةٌ، وتعذُّرُ أسباب الاجتهادِ في اقتناص الأَحْكَامِ عليه أيضًا ظاهِرٌ؛ لتوقُّفه على الشرائط المذكورَةِ في صِفَاتِ المُجْتَهِدِ الْمُتَقَدِّمِ ذكْرُهَا.
فرع:
إذا اخْتَلَفَ عليه المُفْتُونَ:
فمنْهُمْ مَن خَيَّرَه، ولم يكلَّفه اجتهادًا وَرَاءَ ما ذَكَرْنَاه وهو الأَصَحُّ؛ واحتجَّ بأَنَّ العلماءَ فِي كُلِّ عَصْرٍ لم يُنْكِرُوا على العوامِّ استفتَاءَ المَفْضُولِ مع القُدْرة على استفتاءِ الفاضِلِ.
ومنْهم مَنْ أَوْجَبَ عليه طَلَبَ الترجيحِ بزيادةِ عِلْمٍ أو وَرَعٍ ويُعْزَى لابن سُرَيج، وإن تعارضا فزيادَةُ العِلْمِ أَوْلَى، فإن استويا، فلا طريقَ إلَّا التخييرُ.
فَرْعٌ:
إذا عُلِمَ مَذْهَبُ المجتهدِ المَيِّت العَدْلِ، فالمشهورُ أنَّه لا يَجُوزُ تقليدُهُ؛ فإنَّ الميِّتَ لا مَذْهَبَ له، ولا يُنْسَبُ إلَيهِ قَوْلٌ في الحالِ.
فإنْ قيل: فما فائدةُ دَوَاوينِ الْمَذَاهِبِ، ونَقْلِ مقالاتِ العُلَماء؟
قيل: له فَائِدَتَانِ:
إِحداهما: معرفَةُ طُرُقِ الاجتهادِ، وكيفيَّة بناءِ الحوادِثِ بَعْضِها علَى بَعْضٍ.
والأُخْرَى: معرفة المُتَّفَقِ عليه وَالمُخْتَلَفِ فيه.
يَتَّجهُ أنْ يُقَال: مَذْهَبُ الميِّت مُعْتَدٌّ به، لا سِيمَّا في زمانِنَا؛ لِعَدَمِ المجتَهِدِينَ, ولو بَطَلَ مذْهَبُ المجتهِدِ بمَوْتِهِ، لما كان إجماعُ الِسَّلَف بعد انقضاءِ عَصْرِهِمْ حُجَّةَ، ولكانت الواقِعَةُ بَعْدَ مَوْتهم خاليةً عن فَتْوَى المُتَقَدِّمين, والله أعْلَمُ.
فَرْعٌ:
إذا عمل العامِّيُّ بِقَوْلِ مجتهدٍ في حُكْمٍ، فليس له الرُّجُوعُ عنه إِلَى غيره اتفاقًا.
وأمَّا في حُكْمٍ آخَرَ، فقيل: المُخْتَارُ جوازُهُ للقَطْعِ بوقوع ذلك في زَمَنِ الصحابةِ وغَيرِهِم مِنْ
стр. 726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
غَيرِ نَكِيرٍ، وأما إن الْتَزَم مذهبًا معينًا، كمذهب مالِكٍ والشافعيِّ مثلًا - ففيه ثلاثَةُ أَقْوَالٍ:
الثالث: إِنْ وقَعَت حادثةٌ، فقلَّده فيها، فلَيسَ له الرجُوعُ.
فَرْعٌ:
اختلَفُوا في جوازِ إفْتَاءِ مَنْ لَيسَ بمجتهدٍ بِمَذْهَب مُجْتَهِدٍ:
المشهورُ: أنه يجوزُ. وقال أبُو الحُسَين: إنه لَا يَجُوز. والمختارُ: إِن كان مُطلِعًا علَى مآخِذِ مجتهدِهِ، أَهْلًا للنَّظَرِ فيها، جَازَ، وإلَّا فلا.
احتجَّ المجوِّز مطلقًا بأنه ناقلٌ؛ فلا فَرْقَ؛ كالأحاديثِ.
واعْتُرِضَ بأن الخِلافَ لَيسَ في النَّقْلِ، بل في تَخْريج فُرُوعِهِ على أصولِهِ.
واحْتَجَّ المانِعُ بأنَّه لو جاز لَجَازَ لِلعَامِّيِّ؛ لأنه لم يَسْأَل إلَّا عَمَّا عِنْدَهُ.
والاعتراضُ بأنه لا "عِنْدَ" لِلْعَامِّيِّ.
وأَقَلُّ درجاتِ المفتِي: أن يكون له أهليَّةُ ترجيحِ وَجْهٍ علَى وجهٍ بمآخِذِ الإِمام.
"خاتمة"
المختارُ: أنه لا يكتفي بِالتَّقْلِيدِ في عِلْمِ التوحيدِ؛ خلافًا لِبعْضِ الأصوليِّينَ، والكثيرِ من الفقهاءِ.
وقال أَهْلُ الظاهِرِ: يَحْرُمُ النظر العقليُّ.
لنا: أن الله -تعالى- أَمَرَ بالنَّظَرِ والاعتبارِ، وذَمَّ التقليد في آي كثيرةٍ، وليس مَذْمُومًا في الفروع بالإجْمَاعِ؛ فَتَعَيَّن أن يكُونَ في عِلْمِ التوحيدِ؛ ولأنَّ الصحابة أَجْمَعُوا أيضًا عَلَى ذَمِّه مِنْ غير نَكِيرِ، ولأنَّه لو اكْتُفِيَ به، فلا يَخْلُو: إمَّا أَن يُقَال لَه: قَلَّدْ مَنْ شِئْتَ أو المُحِقَّ: والأولُ: خلافُ الإجماع، وإلا لكان مقلِّدُ الكَفَرَةِ مُمْتَثِلًا, والتقييد بالمُحِقِّ: إمَّا في نَفْسِ الأَمْرِ أو عِنْدَهُ؟ : وفي نفْسِ الأمْرِ لا سبيلَ إِلى معرفتِهِ بلا دليلٍ، وتكليفِهِ بِهِ ولا دليلَ عَلَيهِ مِنْ تكليفِ المُحَالِ, وإن كان مقيَّدًا بالمُحِقِّ عنده، فلا يُعْرَفُ أنه المُحِقُّ- مع أن الأقوال متكافِئَةٌ, فَكُلٌّ يَزْعُمُ أنَّه المُحِقُّ -إلَّا بالنَّظَرِ في دليلِهِ, , ومتَى نظر في دليلِهِ، وَعَلِمَ صِحَّة قولِهِ- خَرَجَ مَنْ كونِهِ مُقَلِّدًا؛ فإنَّ التْقْلِيدَ قَبُولُ قولِ الْغَيرِ مِنْ غَيرِ دليلٍ علَى عَينِ المَطْلُوبِ.
واحتجَّ المُجَوِّزُونَ: بأن الرَّسُولَ ﷺ قَبِلَ كَلِمَتَي الشهادةِ مِنْ كُلِّ ناطِقٍ بهما، وأَجْرَى عليه
стр. 727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحكامَ الإيمَانِ مِنْ غَيرِ سؤالٍ عن مُعْتَقَدِهِ: أهو عَنْ دليلٍ أو تقليدٍ، وقال ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلَّا بِحَقِّها".
وكذلك الصحابَةُ مِنْ بَعْده قبلوا مِنْ غير تفصيلٍ، وهذا إجماعٌ واجبُ الاتباعِ.
وأجيبَ عَنْهُ: بأنه لا نِزَاعَ في إجراء أحكامِ الإسْلام عليهم بذلك؛ فإِنه مَظنَّةٌ للإيمانِ والتصْدِيق للباطن، وليس لَنَا طَرِيقٌ سِوَى ذلك؛ ولهذا قال ﵇: "هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ" وإنَّما البحْثُ فيما بَينَ العَبْدِ وَبَينَ رَبِّه، وعليه يُحْمَلُ ذَمُّ التقليدِ الوارِدِ في الكتابِ العَزِيزِ، ويحمل عليه إِجماعهمِ عَلَي ذَمِّ التقليدِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ إِجْمَاعَينِ لَا يتناقَضَانِ؛ كما ذكرناه، هذا طريق التوفِيقِ، وإنَّما لم يَسْأَلْهُمْ ﷺ ؛ لظهور الآياتِ مَعَ إقامَتِهِ على الدعْوَةِ لهم مُدَّةً طويلةَ يتلو عَلَيهم آياتِ الكتابِ، مع اشتمالها على دلائلِ التوحِيدِ، مع كثرتها كثرةً لا تَنْحَصِرُ، مع عِلْمِهِمْ بمواقِعِ الخِطَابِ، وإنما كان كُفْرُ أحدِهمْ كُفْرَ عنَادٍ لا كفر اسْتِتَارٍ؛ ولذلك فإنَّهُمْ عند الدخولِ في الدِّين يَدْخُلُونَ فيه أفواجًا.
واحتجَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ بقولِهِ تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر ٤]:
قلنا: مَحْمُولٌ على الجدالِ بالباطِلِ؛ لأن الجدال بالَّتِي هي أحْسَنُ مأمورٌ به؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].
واحتجوا: بأَنه ﷺ خَرَجَ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَرَآهُمْ يتكلَّمُونَ فِي القَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وقال: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِخَوْضِهِمْ فِي هذَا؛ عَزَمْتُ عَلَيكُمْ أَلَّا تَخُوضُوا فِيهِ أَبَدًا"، وقال: "إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا".
стр. 728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال "عَلَيكُمْ بِدِينِ العَجَائِزِ".
والجوابُ أن الحديثَينِ الأَوَّلَينِ يمنعان من الخَوْضِ في القَدَرِ بِخُصُوصِ الْقَدَرِ، ونحن نَقُولُ به، والثالث -إنْ صَحَّ- فالمرادُ مُدَاوَمَةُ الإِخْبَاتِ والخضوعِ.
واحتجُّوا بأنَّه لو كان واجبًا، لكانَت الصحابَةُ أَوْلَى به، ولو كان، لَنْقِلَ كالفروع.
وأجيبَ بأنه لَوْ لَمْ يَكُنْ كذلك، لأَدَّى إِلَى نسبتهم إلى الجَهْلِ بالله تعالى، وتصديقِ رَسُولِهِ، وهو باطلٌ؛ فإن الْعِلْمَ بذلك لَيسَ بضروريٍّ.
قالُوا: لو كان واجبًا، لأَنْكَرَ الصحابَةُ والتابعُونَ وغيرهم على تاركه من العَوَامِّ مع أنهم أكثر الخَلْقِ.
وأجيبَ: بأنا إنما نوجبُ على العَوَامِّ الدَّلِيلَ بطريق ما على الجُمْلَةِ، ولا نوجب عَلَيهِمْ تحرير الأدلَّةِ، وَدَفْع الشُّكوكِ والشبهاتِ؛ فإِن ذلك مِنْ فروضِ الكفَايَاتِ، وهو من الذَّبِّ عن الدِّينِ لمن يَبْسُطُ لسانَهُ إليه؛ فيجبُ دَفْعُهُ؛ كما يَجِبُ دَفْعُ مَنْ بَسَطَ يده إلينا من الكُفَّار للقتال، والله أعلم.
стр. 729
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ حُجَّةٌ .
وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الشَّيءِ مَعْدُومًا أَوْ مَوْجُودًا، يَقْتَضِي ظَنَّ بَقَائِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالةِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ.
وَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الشَّيءَ -حَال بَقَائِهِ- غَنِيٌّ عَنِ الْمُؤَثِّرِ؛ إِذْ لَوْ حَصَلَ لَهُ مُؤَثِّرٌ، لَكَانَ تَأْثِيرُهُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي شَيءِ صَدَقَ عَلَيهِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذلِكَ؛ فَحِينَئِذٍ: يَكُونُ تَأْثِيرُ ذلِكَ الْمُؤَثِّرِ فِي تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ فَهُوَ مُحَالٌ. أَوْ فِي شَيءِ صَدَقَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ ذلِكَ؛ فَحِينَئِذٍ: يَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي الْحَادِثِ لَا فِي الْبَاقِي.
===
قوله: "المسألة الثالثة: "الاستصحاب" اسْتِصْحَابُ الحَالِ حُجَّةٌ.
ومعناه: أنَّ العِلْمَ بِكَوْن الشَّيءِ موجودًا أو معدومًا يقتضي ظَنَّ بقائه علَى تلْكَ الحالِ في الماضي والمستَقْبَلِ":
اعْلَمْ: أن استصحاب الحَالِ على ثلاثةِ أَقْسامٍ:
الأوَّل: استصحاب الْبَرَاءَةِ الأصليَّة، وهو دليلٌ صحيحٌ؛ إذا قرر بشروطه، يفزع إليه المجتَهِدُ، ويعتمد علَيه بَعْدَ بَذْلِ الوسعِ في طلب المعنى، وَعَدَم اطلاعه عليه؛ كالاحتجاج على اختصاصِ طهارةِ الجُنُبِ بالماءِ، ونفي وجُوبِ الوتْرِ، والأضحيةِ وزكاةِ الخَيلِ، والْخَضْرَاوَاتِ، وغَيرِ ذلك؛ فأدلَّة ثبوتِ الحُكْمِ النَّصُّ والإجماعُ والقياسُ، وينضاف إلَيها في مدارِكِ النَّفْي استصْحَابُ البراءَةِ, , وأما ضُرُوبُ الاستدلالِ فما عدا ذلك، فَيَرْجِعُ إلَى الاستدلال بلوازم هذه الأدلَّةِ، والمَعْنِي بالرجُوعِ إلى البراءة أنْ لا حُكْمَ، ومَنْ زَعَمَ أنَّ الأفعال قَبْلَ ورودِ الشَّرْعِ على الحَظْرِ، أو الإباحةِ بِمعنى التسوية، والدَّلالةِ على الإذْنِ أو الوَقفِ؛ لِعَدَمِ الاطلاعِ علَى حُكْمٍ ثابتٍ فيها - فجميعُ ذلكَ مَبْنِيٌّ علَى إِثباتِ التَّحْسِينِ والتقبيحِ العَقْلِيِّ، وقد أَبْطَلْنَاه. ولو سُلِّم جدلًا فيكفِي في إبطالِ هذه المذاهب معارضَةُ كُلِّ فريقٍ لشُبَهِ الفريقَينِ الآخَرَينِ.
لا يُقَالُ: حاصلُ التمسُّك بالاستصحاب بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ رَاجِعٌ إلَى التمسُّك بعَدَمِ العِلْمِ؛ لأنا نقولُ: ليس كذلك بَلْ مِنْهُ ما يرجِعُ إلى العِلْمِ بالعَدَم، كَنَفْي صَوْمِ شَوْالٍ، ومنه ما يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ بالعدمِ, والظَّنُّ في الأحكامِ الشرعيَّةِ وَفي وجوبِ الاعتمادِ عليه - كالعلْمِ.
ولا يُقَالُ: فجوزه في العامِّيِّ؛ لأنَّه لا يعجز عن ذلك؛ لأنَّا نقول: بَحْثُ العامِّيِّ كتفتيشِ الأَعْمَى في بيت لا يعهده عن بَعْضِ الأَمْتِعَةِ، والفَرْقُ بين طلبه وطَلَب المُجْتَهِدِ كالفَرْقِ بَينَ طَلَبِ البَصِيرِ متاعًا في بَيب يَعْلَمُ زوَاياه.
والأحْسَنُ في الاستدلالِ به مع قوله: لَا نَصَّ ولا إجماعَ ولا قياسَ ببيان القَدْحِ في نَصِّ
стр. 730
وَأَمَّا الشَّيءُ -حَال حُدُوثهِ- فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْمُؤَثِّرِ؛ لأَنَّا بِهذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ أَثْبَتْنَا القَوْلَ بِالصَّانِعِ، وَالغَنِيُّ عَنِ الْمُؤَثِّرِ رَاجِحُ الْوُجُودِ؛ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا - لَكَانَ: إِمَّا مُسَاويًا، أَوْ مَرْجُوحًا؛ وَعَلَى التَّقْدِيرَينِ: يَفْتَقِرُ إِلَى المُرَجِّحِ؛ فَيَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ عَنِ المُؤَثِّرِ مُفْتَقِرًا
===
خَصْمِهِ أو تحقيقِ اختصاصِ مَوَاقِع الإجْمَاع بما يَمْنَعُ الإطلاقَ؛ كبيانِ اختصاصِ الماءِ بالرِّقَّةِ واللَّطَافَةِ، واختصاصِ المَخْرَجِ المُعْتًادِ بالْتفاتَ الشَّرْعِ إليه في كثيرٍ من الأَحْكَامِ في مَسْأَلة الخارجِ مِنْ غَيرِ السَّبيلَين.
القِسْمُ الثاني: استصْحَابُ حُكْمِ النَّصِّ إلى تحقيقِ النَّاسِخِ، أو العامِّ إلَى تحقيقِ المخصِّص، أو المُطْلَقِ إلَى تحقيقِ المُقَيَّد، أو الاسمِ اللَّغَويِّ إلى تحقيقِ النَّاقِل من عرفٍ أو شرع، أو حُكْمِ مَعْنى متحقِّق في المَحَلِّ من طهارةٍ أو نجاسةٍ أو عَقْدٍ، أو عاصِمٍ وأشباه ذلك، وحاصلُهُ التمسُّكُ بذلك الدليل في غَيرِ الصُّورة مع عَدَمِ تَبَدُّلِ المَحَلِّ.
القِسْمُ الثالث -وهُوَ مَحَلُّ الخلافِ عَلَى مَا حكاه الشَّيرازيُّ-: استصحابُ الإجْمَاعِ مع تَغَيُّر حالِ المَحَلِّ؛ كاستصحابِ الإجماعِ في المتيمم، إذا رأَى المَاءَ في أثنَاءِ الصَّلاةِ، وهو اسْتِصْحَابُ حُكْمِ حَالةِ عَدَمِ الماءِ في حالةِ وُجُودِهِ؛ وَكاستصحابِ بقاء مال المُرْتَدِّ عليه؛ فإنَّه استصحابُ حُكْمِ حالةِ العصمةِ علَى حالِ نَفْيِ العاصِمِ؛ بمجرد أنَّ مَا وُجِدَ، فالأَصْلُ بقاؤهُ.
وقد اختلف فيه: فذهَبَ المُزَنيُّ والصَّيرَفِيُّ ودَاوُدُ: إِلَى صحَّته، ومنعه القَفَّالُ، وَابْنُ سُرَيجٍ، وجمهورُ الحنفيَّةِ، والمتكلِّمون، وهو الصحيح, , واختاره الغَزاليُّ.
واعتمادُ المجوِّز على أنَّ ما تَعَذَّرَ فالأصْلُ بقاؤه، وأنَّ قَوْلَ المُجْمِعين كَقَوْلِ الرَّسُولِ في أنَّه حُجَّةٌ؛ فإذا وجب اسْتصحابُ قَوْلِهِ، وجب اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الإجماعِ، وكما وجَبَ استصحابُ حُكْمِ البراءةِ والطهارةِ والنَّجاسَةِ، وهذا باطلٌ؛ فإن قول الرسُولِ ﷺ إذا كان خاصًّا بمَحَلٍّ، فلا
стр. 731
إِلَيهِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَمَّا الحَادِثُ، فَإِنَّهُ لَيسَ بِرَاجِحِ الوُجُودِ فِي نَفْسِهِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ رَاجِحًا، لَكَانَ رُجْحَانُهُ فِي نَفْسِهِ يُغْنِيهِ عَنِ المُؤَثِّرِ؛ فَحِينَئِذٍ: يَصِيرُ المُفْتَقِرُ إلى المُؤَثِّرِ غَنِيًّا عَنِ المُؤَثِّرِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ فَثَبَتَ: أَن الْبَاقِيَ رَاجِحٌ، وَالحَادِثَ مَرْجُوحٌ فِي نَفْسِهِ، وَالرَّاجِحُ فِي نَفْسِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا فِي الظَّنِّ الصَّادِقِ؛ فَثَبَتَ أَنَّ البَقَاءَ عَلَى مَا كَانَ أَرْجَحُ فِي الظَّنِّ الصَّادِقِ مِنَ التَّغيِيرِ عَمَّا كَانَ.
===
يجوز الاستدلالُ به في مَحَلٍّ آخَرَ إلَّا بالقياسِ؛ وكذلك الإجْمَاعُ والبراءَةُ الأصليَّةُ متحقِّقة في مَحَلِّ الخلاف وكذلكَ العَامَّ إِشعاره باقٍ في مَحَلِّ الخلافِ، وسائر المعاني المستصحبة، أما الإجماعُ، فَقَدْ تيقَّنَ زوالُهُ مع تبدُّل المَحَلِّ؛ فدعْوَى الإجْمَاعِ في مَحَلِّ النزاعِ من أَمْحَلِ المُحَالِ، وإنْ قال الخَصْمُ: أَسْتَصْحِبُ مستند الإجْمَاعِ كَانَ استدلالًا لَا استصحابًا.
قوله: "ويدُلُّ عليه وجوهٌ":
وحُجَجُهُ عامة لجميع أقسامِ الاستصحاب في زَعْمِهِ.
قوله: "الأوَّلُ: أن الشَّيءَ حال بقائه غنى عن المؤثِّر؛ إذْ لَو حَصَلَ لهُ مُؤَثِّر، لكان تأثيرُهُ: إما أن يكُونَ في شَيءٍ صَدَقَ عليه أنَّه كان قَبْلَ ذلك، فحينَئِذٍ يكونُ تأثيرُ ذلك المؤَثِّر في تحصيلِ الحاصِلِ، وهو محالٌ. أو في شيءٍ يَصْدُقُ عليه أنَّه ما كان قَبْلَ ذلك، فحينئذٍ يكُونُ تأثيره في الحادِثِ لا في الباقِي, وأما الشَّيء حَال حدوثِهِ، فإنه مفتقرٌ إلى المُؤَثِّر، فإنا ببيان هذه المقدِّمة أثبتنا القَوْلَ بالصَّانِعِ, , والغنيُّ عن المُؤَثِّر رَاجِحُ الوجودِ في نَفْسه؛ لأنَّه لو لم يكُنْ راجحًا، لكان إمَّا مُسَاويًا أو مرجوحًا، وعلى التقديرَينِ يفتقرُ إلى المرجِّح؛ فيلزمُ أن يَكُونَ الغَنِيُّ عن المؤثِّر مفتقرًا إلَيه، وهو محالٌ.
وأمَّا الحادثُ، فإنَّه لَيسَ براجِحِ الوجودِ في نَفْسِهِ؛ إذْ لو كانَ راجحًا، لكَانَ رُجْحَانُهُ في نَفْسِهِ يُغْنِيهِ عن المؤثِّر فحينئذٍ يصيرُ المُفْتَقِرُ إلى المُؤَثِّر غنيًّا عنْهُ، وهو محالٌ؛ فثَبَتَ أنَّ الباقِيَ راجحٌ والحادث مرجوحٌ، والراجح في نَفْسِهِ يَجِبُ أن يكُونَ راجحًا في الظَّنِّ الصادِقِ؛ [فثبت أن البقاء على ما كان، أرجح في الظن الصادق من التغير عما] كان":
والاعتراضُ عليه: قولُهُ: "إن الشَّيءَ حال بقائِهِ غنيٌّ عن المؤثِّر":
قلْنا: لا نسلِّم.
قوله: "لأنَّه لو حَصَلَ بِمُؤَثِّر، لكان تأثيرُهُ: إِما أن يكونَ في شَيءٍ صَدَقَ عليه أنَّه كان قَبْلَ ذلك، أو في شيَءٍ صدق علَيه أنه ما كان قَبْلَ ذلك":
قُلْنَا: تَأْثِيرُه في شَيءٍ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِك.
قوله: "فحينئذٍ يكونُ تأثيره في الحادِثِ، لا فِي الباقي":
قُلْنَا: إنَّا لا نَعْنِي بالباقِي -هَهُنَا- إلا الحُصُولَ الثاني لما كان حَاصِلًا من الزَّمَن الأَوَّلِ، ومفعولُ الحُصُولِ ثانيًا مغاير للحصول أَوَّلًا؛ فإن الحصول الأَوَّل موصوفٌ بالجوازِ؛ كحصولِ الجَوْهَرِ في الزَّمَنِ الثَّانِي، وقد يكون موصوفًا بالاسْتِحَالةِ كحصول الحركة في الزمن الثانِي
стр. 732
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ اعْتِقَادُ الْبَقَاءِ رَاجحًا، عَلَى اعْتِقَادِ التَّغْيِيرِ -لَمَا فَهِمْنَا مِنْ كَلامِ أَحَدٍ شَيئًا؛ لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُ بَقَاءِ هذِهِ الأَلْفَاظِ عَلَى أَوْضَاعِهَا المُتَقَدِّمَةِ مُسَاويًا لاعْتِقَادِ تَغْيِيرِهَا عَنْ تِلْكَ الأَوْضَاعِ-: بَقِيَ الذِّهْنُ مُتَرَدِّدًا بَينَ الطَّرفَينِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَحْصُلَ الْفَهْمُ أَلْبَتَّةَ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَة: أَنَّا إِذَا خَرَجْنَا مِنَ الدَّارِ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ بَقَائِهَا عَلَى مَا كَانَتْ- يَكُونُ رَاجِحًا عَلَى اعْتِقَادِ تَغْيِيرِهَا عَمَّا كَانَ؛ وَيدُلُّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِ اعْتِقَادِ الْبَقَاءِ رَاجِحًا.
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ حُكْمٌ، ثُمَّ وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ:
===
بالاتفاقِ. وإذا كان غيره، والحصولُ الأَوَّلُ غَيرُ مستلزِمٍ له لَمْ يَكُنْ فعْلُهُ فِعْلَهُ، ولا لازِمَ فعْلِهِ. فإذا كان غيرَهُ، وهو موصوفٌ بالإمْكَانِ وكل مُمْكِنٍ فليس له الوجُودُ مِنْ نَفْسِهِ - فوجودُهُ من غيره؛ فإذن الحصولُ الثَّانِي يفتقرُ إلَى المُؤَثِّر وحصوله في الزمن الثَّانِي هو المُعَبَّرُ عنه في الحادِثِ بالبقاءِ واستمرار الوُجُود؛ ويؤَكِّدُ ذلك أَنَّ كَوْنَ العَالِمِ عالِمًا لَمَّا كَانَ في أَوَّل زَمَن الاتِّصافِ لا يستغني عن عِلَّته، وهي العِلْمُ- كان دوامُهُ كذلِكَ؛ وكذلك سَائِرُ الأحوالِ المعلَّلة بالمَعَانِي كَالسَّوَادِيَّةِ، والبَيَاضِيَّةِ وَغَيرِ ذلك؛ وكذلك دوامُ الحُكْمِ لا يَكْفِي فيه وجُودُ الدليلِ الدَّالُ على أَصْلِ ثبوتِهِ ما لَمْ ينضمَّ إلَيه أمْرٌ يَدُلُّ على الدَّوَامِ إمَّا بِلَفْظٍ, أو معنى كما قَرَّرنا أن مطلق الأمْرِ لا يَدُلُّ على التكرارِ، ولا ينفيه، ولا يوجَدُ الدَّوَامُ إلَا مِنْ قرينةٍ لفظيةٍ أو دوامِ مَعْنى يقتضِي دَوَامَ الحُكْمِ.
وإذا تحَقَّق أن المُمْكِنَ لا يستَغْنِي عن المُؤَثِّر في حال وجودِهِ، ولا حَالِ دوامِهِ- فَقَدْ بَطَلَ ما رَتَّبه عليه من التَّرْجِيحِ.
قولُه: "الحُجَّةُ الثانيَةُ: لَوْ لَمْ يكُنِ اعتقادُ البقاءِ راجِحًا على اعتقادِ التَّغْيِيرِ- لما فهمنا من كلام أحد شيئًا؛ لأنه لَمَّا كَان اعتقادُ بقاءِ هذه الأَلفاظِ على أوضاعِهَا المتقدِّمة مساويًا لاعتقاد تغيرها عن تلْكَ الأوضاعِ في الذهْنِ؛ فيكون متردِّدًا بين الطرفَينِ؛ فوجب أَلَّا يَحْصُلَ الفَهْمُ ألبتة": والاعتراضُ علَيه: لا نُسَلِّمُ أن الحُكْم بالبقاءِ يَسْتَنِدُ إلَى مُجَرَّد أَصْلِ الوضْعِ مع أن الأَصْلَ عدَمُ التغييرِ، بل لدلالة الاستقراء مع حُكْمِ العادة بأنه لو غُيِّر، لَنُقِلَ واشتهر، والعادةُ تَسْتَنِدُ لكثيرٍ من الأحكامِ.
قولُهُ: "الحُجَّةُ الثالِثَةُ: أنا إذا خَرَجْنَا من الدَّارِ، كان اعتقادُ بقائها علَى ما كان رَاجِحًا علَى اعتقادِ تَغَيُّرِها, وذلك يدلُّ على أن اعتقادَ البقاءِ رَاجِحٌ":
الاعتراض: أنَّا نَحْكُمُ بالبقاء فيما تَقْضِي العادَةُ ببقائِهِ، ولا نقضي ببقاءِ ما لم تَقْضِ العادَةُ ببقائه مِنْ رائحةٍ أو حرارةِ ماءٍ أو بَرْدِهِ أو تَأَجُّج نارٍ، وما أشبه ذلك.
قولُهُ: "الحجة الرابعَةُ: أنَّ الفقهاء أطبقوا على أنَّهُ متَى حَصَلَ حُكْمٌ، ثُمَّ وقَعَ الشَّكُّ في أنه هل طرأ المُزِيلُ أوْ لَا؛ فإنه يُرَجَّعُ البَقَاء على ما كان، ولولا أنَّ البقاءَ راجِحٌ علَى جانب التغييرِ، وإلا لَكَانَ هذا تَرْجِيحًا من غير مُرَجِّح":
стр. 733
هَلْ طَرَأَ الْمُزِيلُ أَوْ لا؟ فَإِنَّهُمْ يُرَجِّحُونَ الْبَقَاءَ عَلَى مَا كَانَ، وَلَوْلَا أَنَّ جَانِبَ الْبَقَاءِ رَاجِحٌ عَلَى جَانِبِ التَّغيِيرِ - وَإِلَّا لَكَانَ هذَا تَرْجِيحًا مِن غَيرِ مُرَجِّحٍ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ هذَا الأَصْلُ، فَنَقُولُ: إِذَا أَرَدْنَا نَفْيَ حُكمٍ، قُلْنَا: الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى الثُّبُوتِ: إِمَّا النَّصُّ، وَإِمَّا الإِجْمَاعُ، وَإمَّا القِيَاسُ، وَقَدْ فُقِدَ الْكُلُّ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَثبُتَ الْحُكْمُ.
فَإِنْ قِيلَ: هذَا الَّذِي ذَكَرتَهُ دَلِيلٌ رَابعٌ مُغَايِرٌ لِلدَّلَائِلِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا؛ وَهذَا يَقْدَحُ فِي قَوْلِكُمْ: "وَالدَّلَائِلُ لَيسَت إلا تِلْكَ الثَّلَاثَةِ:
فَنَقُولُ: الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْم لَيسَت إلا تِلْكَ الثَّلَاثَةَ، وَأَمّا الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى بَقَاءِ مَا كَانَ، فَتِلْكَ الثَّلَاثَةُ مَعَ رَابعٍ هُوَ التَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَاب الْحَالِ، فَأَنْتُمْ لَمَّا ادَّعَيتُمْ أَنَّ البَيعَ الفَاسِدَ يُفِيدُ المِلْكَ، فَأَنْتُم تَدَّعُونَ حُدُوثَ المِلْكِ، فَلَمَّا قُلْتُمْ: "إِنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى الْحُدُوثِ لَيسَ إلا تِلْكَ الثَّلَاثَةَ، وَقَدْ فُقِدَ الكُلُّ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَحْصُلَ المِلْكُ" -: كَانَ الْكَلامُ مُسْتَقِيمًا.
===
والاعتراضُ لا نسلِّم إطباقَ الفُقَهَاءِ علَى ذلك؛ فإنَّ مالكًا لا يُسَاعِدُ على الشَّكِّ في الحدث، ولا الشَّك في الطلاقِ، وأصحابُ الشَّافعيِّ خالفُوا هذا الأصْلَ في مسائِلَ: فَمَنْ شَكَّ في وَقْتِ المَسْحِ أو انقضاءِ مدته أوْ انْتِهَاءِ السفينة به إلى مقصده، أو أنَّ إمامه مقيمٌ - فإنه لا يترخّص، وكذلك إذَا شَكَّ في خروجِ وَقْتِ الجمعة، لَمْ يُقِمْهَا، أو عُورضَ اشتباهُ منكوحَتِهِ بأجنبِيَّةٍ، ولو سُلِّم، فإنما كان ذلك لِدَلَالةِ الدليلِ علَيه، وضَعْفِ المعارِضِ، لا لمُجَرَّدِ أنَّ الحُكمَ إذا ثبت وجَبَ دوامُهُ. ثم لو سُلِّمَ له دلالةُ جميعِ ما ذَكَرَهُ، فإنَّما يَتَّجِهُ مَعَ بقاء صورة مَحَلِّ الحُكم، أمَّا مع تبدُّل أَحوالِهِ فلا، وهو مَحَلُّ النزاعِ؛ أعْنِي استصحاب حُكمِ الإِجماعِ في صورة النِّزَاعِ.
قوله: وَإِذَا ثَبَتَ هذَا الأَصْلُ، فَنَقُولُ: إِذَا أَرَدْنَا نَفْيَ حُكمٍ، قُلْنَا: الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى الثُّبُوتِ: إِمَّا النَّصُّ، وَإِمَّا الإِجْمَاعُ، وَإمَّا القِيَاسُ، وَقَدْ فُقِدَ الْكُلُّ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَثبُتَ الْحُكْمُ هنا":
هَذَا هو القسْمُ الأَوَّل من الاستصحاب: وهو استصحاب البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، وهو مُتَّفَقٌ عليه، وَالْمُعْتَمَدُ في الجَزمِ في النَّفْي بَعْدَ استفراغ الجهدِ من المجتهدِ وَعَدَمِ الاطلاع علَى المغير - إجماع السلف؛ إذ لَوْلَاهُ لكان الأقربُ في مُوجِبِ العَقْلِ بعد بعثة الرُّسُل، وعَدَم الوقوفِ على النَّاقِلِ - الوقفَ؛ لأن الأصْلَ قد عارضَهُ النَّقْلُ الغالِبُ.
قوله: "فإِنْ قِيلَ: هذا الدليلُ الذي ذَكَرْتُمُوهُ دليلٌ رَابِعٌ ... ":
والجوابُ عنه قد تقدَّم. هذا آخِرُ ما ذكره.
стр. 734
وَأمَّا نَحْنُ، فَلَمَّا ادَّعَينَا أَنَّ هذَا الْبَيعَ فَاسِدٌ - كَانَ مَعْنَاهُ: أَنَّ ذلِكَ المِلْكَ بَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ كَمَا كَانَ، فَأَمْكَنَنَا إِثبَاتُهُ بِطَرِيقٍ رَابِعٍ، وَهُوَ الاسْتِصْحَابُ؛ فَثَبَتَ: أَنَّ هذَا السُّؤَال غَيرُ لازِمٍ، وَالله تَعَالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
تَمَّ الْفَرَاغُ مِنْ "كِتَابِ المَعَالِمِ" بِحَمْدِ اللهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، عَلَى يَدِ الْعَبْدِ المُذنِبِ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ المُتَفَقِّهِ الآمِدِيِّ فِي ذِي الحِجَّةِ.
===
فَرْعٌ
المُختَارُ أنَّ النافي عليه دليلٌ.
وقيل: لا دليل علَيهِ في الشرعيَّات دون العَقليَّاتِ.
ولَنَا: أنَّ ما لَيسَ بضروريٍّ لا يحكم به إلَّا بمستَنَدٍ، فإذا ادَّعَاهُ، فليذكُرْ ما بنى عليه عِلْمَهُ أو ظَنِّهُ، ولا يمكنُ اعْتِقَادُهُ دون مرجِّح.
والتحقيقُ أنَّ هذا القائلَ إِن عَنَى بأنه لا دليلَ عَلَيهِ ألبتَّةَ، فخطأٌ فَإِنَّهُ يستدلُّ عليه بِنَفْي اللازِمِ، وبالمُنَافِي، وَبِصِيَغِ النَّفْي من الكتابِ والسُّنَّةِ، وبالمانِعِ فيما تحقَّق فيه المقتضِي في الشَّرعيَّاتِ.
واحتجَّ النافي مُطلَقًا: بأنَّ مَن ادَّعَى النبوَّةَ يطالبُ بالمعجِزَةِ، ومَنْ أنكرها لا يُطَالبُ، وبقوله ﵇: "البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى".
стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَالاعتراضُ أنَّكُمْ إذا لم يَتِمَّ لكم هذا المذهَبُ إلا بالاستدلالِ علَيهِ، وجَنَحْتُم إِلَى الاسْتِدْلَالِ - كان في إِثباتِ هذه الدَّعْوَى بالدليلِ نَفْيُهَا؛ فإِنها نَفْيٌّ لم يتمَّ إلَّا بالاستدلالِ.
وحُجَّةُ منكِرِ نبُوَّةِ مَنِ ادعاها بغَير معجِزَةٍ بأن الله تعالى لا يَبعَثُ رسولًا بِغَيرِ دَلِيلٍ، وعَدَمُ معجزتِهِ دليلٌ علَى كذبه، والحديثُ معارَضٌ بقوله تعالى لِقَوْم حَكَى عنهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة ١١١]؛ فطالبهم بالْبُرْهَانِ على النفْيِ وبتمام الحديثِ؛ فإنه قال: "وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، فلم يتركه بمجَرَّد نفيه، ولا اكتَفَى منه بمجرَّد الاستصحابِ، بل جَعَلَ في جَانِبِهِ أضْعَفَ الحُجَّتَين: إمَّا لتعذُّر إقامة البيِّنة على النفْيِ العَامِّ، أو لقوَّة جانِبِهِ باستصحابِ البرْاءَةِ الأصْلِيَّةِ.
واحتجَّ المُفَصِّلُ بين الشَرعيَّات والعقليَّات؛ بأن الإنسَانَ لَا يَحْتَاجُ في عِلْمِهِ بأنه ليسَ عنده
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لمزيد شيَءٍ إلى دليلٍ؛ بخلاف النافي لأَمْرٍ عقليٍّ؛ فإِنه عَليهِ واسطةٌ تلزمُ من غيرِ مواقعِ الضَّرُوريَّاتِ.
قُلنَا: الكلامُ فِي قبولِ قولِهِ بغيرِ مزيدٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يعرفُ إلا مِنْ جهتِهِ؛ فإنه لا مانِعَ مِنِ إسناده بيمينِهِ.
هذا تمامُ الكلامِ على الأدلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، وقد تكلَّم الأصوليُّون عَلَى مَدَارِكَ اختُلِفَ فِيهَا، وعَبَّرُوا عنها بالمدارِكِ المُهمَّة منها:
قولُ الصحابيِّ، وشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَالاستحسانُ، والاستصلاحُ؛ فلْنَجْرِ علَى عاداتهم في ذَلكَ.
مسألة: اختلفَ العُلَمَاءُ في قَوْلِ الصحابي:
فقال قَوْمٌ: حُجَّةٌ مطلقًا.
وقال قومٌ: فيما خالفَ القِيَاس لا غَيرُ.
ومنهم مَنْ قَصَره على الخُلَفَاءِ الأربَعَةِ.
ومِنهُمْ مَنْ قَصَرَهُ على الشَّيخَينِ.
وقال قَوْمٌ: لَيسَ بِحُجَّةٍ مُطلقًا، وهو الصحيحُ، وقَوْلُ الشَّافعيِّ في الجديدِ، وَأَحَدُ قَوْلَي أَحْمَدَ، وبعْضِ الحنفيَّةِ.
وقال في القدِيم: يُقَلَّدُ الصحابيُّ؛ إِذَا انْتَشَرَ قوله. وقال مرة: وإن لم ينتشر. وعلى قولنا ليس بحجَّةٍ يحصلُ الترجيح بموافقته على أصح الوجهين، احتج المجوزون مُطلَقًا بقوله ﵇: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيتُمُ اهْتَدَيتُمْ".
واحتجَّ المقيِّدُ بمخالفةِ القياسِ: بأنَّه لا يَكُونُ -والحالةُ هذِهِ- إلا عَنْ توقيفٍ.
واحتجَّ مخصِّصو الأربَعَةِ بقوله ﵇: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي".
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واحتج مخصِّصو الشَّيخَينِ بقوله ﵇: "اقتَدُوا باللَّذَينِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ".
والاعتراضُ: أَنَّ هذه الأحاديثَ مع تَعَارُضِهَا في التعْمِيمِ وَالاقتصارِ، وأنها أحاديثُ في بيانِ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ يستندُ إلَيها كثيرٌ من الأحْكَامِ بتقديرِ الصِّحَّة - محمولةٌ على خطاب العَوَامِّ بقَبُولِ فَتَاويهِم، وتلقِّي الشريعة عنهم، والسَّيرِ بِطَرِيقَتِهِمْ في الإعْرَاضِ عن الدنيا والإقبالِ عَلَى الآخِرَةِ؛ وَيتَعَيَّنُ صَرفُها. للعَوَامِّ بدليلِ إِطباقِهِمْ علَى جوازِ مخالفَةِ بَعْضهم بعضًا في الاجتهادِ، ولأن المجتَهِدَ متمكِّنٌ من درك الحُكمِ بالدليلِ؛ فلا يسوغ له التقليدُ. ومَنْ قَيَّد بِمُخَالفَةِ القِيَاسِ؛ لأنه توقيفٌ - فقد اعْتَرَفَ بأنَّ قوله لَيسَ بحُجَّةٍ، ويبقى النَّظَرُ في أنَّه لم يَقُلْهُ إلَّا عَنْ توقيفٍ، وليسَ بِمُتَعَيِّنٍ؛ لاحتمالِ اعتقادِهِ ما ليس بقياس قياسًا، أو التمسُّك بقياسٍ ضعيفٍ.
فإنْ قيل: أليس عَبْدُ الرحْمَن بْنُ عَوْفٍ عَرَضَ البَيعَةَ عَلَى عليّ بِشَرْطِ اتباعِ الشيخَينِ، فَأَبَى، وعرض ذلك علَى عثمانَ، فقبلَ؛ فاتفقوا علَى مبايعته؟
قيل: أَلَيسَ لم يلتزمه عَلِيٌّ، ولم يُنْكَرْ عليه؛ ويحمل على السِّيرة والسِّيَاسَةِ لا المَذْهَب.
مسألةٌ:
اختُلِفَ أنَّ النبيَّ قبل أن يوحَى إلَيهِ مع القَطعِ بأنَّه لم يشرك بالله طَرْفَةَ عَينٍ: هل كان عَلَى شريعة نبيٍّ؟
أَجْمَعَتِ المُعْتَزِلَةُ علَى أنَّه لم يَكُنْ علَى شريعة نبيٍّ.
قالوا: لأنَّه يورث النقيض؛ فإن التَّابعَ لا يكونُ مَتْبُوعًا.
واختلف أصحابُنَا: فمنهم مَنْ قال: كان على شَرِيعَةِ نَبيٍّ؛ فإنَّ الانسلال عن ربقة التكليفِ والخُرُوجَ علَى ضوابطِ الشَّرعْ يُزرِي بمنصبه، وقد وَرَدَ في الأَخْبَارِ الصحيحةِ: أنه كان يتحنَّث بِحِرَاء، ويصلِّي وَيطُوفُ.
ثم اختلفوا فَمِنهُمْ مَنْ قال: كان عَلَى شَرِيعَةِ نُوحٍ.
وقيل: علَى شريعةِ إِبراهيمَ، ومنْ شَرْع إِبراهيم التوحيدُ، واستقبالُ القِنلة، والخِتَانُ، وقد كان كذلك.
وقيل: على شريعة مُوسَى.
وقيل: على شريعة عيسَى؛ فإنها الناسخَةُ لما تقدَّمها؛ لا يقال: كانَت محرَّفة مغيَّرة؛ لأنا نقولُ: كان فيهم أحبارٌ يَعْرِفُونَهَا علَى وَجْهها، وتحريفُ البعْض لا يَمْنَعُ من اتِّبَاع البَعْضِ غير المغيَّر.
ومن التزم أنَّه علَى شريعة إبْرَاهيم، إذا قيل له: شريعةُ مُوسَى وعيسَى ناسخةٌ، يمنع عُمومَ رسالتِهِمَا.
стр. 738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال قومٌ كان مُتَّبِعًا لما ثَبَتَ أنَّه شَرْعٌ.
ومِنْهُمْ مَنْ توقَّف.
وقال القاضِي: أَقْطَعُ بأنه لم يكُنْ علَى شريعةِ نَبِيٍّ؛ إذ لو كان لَتَوَاتَرَ؛ فإن أحوال الرجُلِ العظيم في مِثلِ هذا تَتَوَافَرُ الدواعِي علَى نَقلِها، نَعَمْ: كان على عَقْدِ التوحِيدِ.
واحتجَّ له: بأنه لو كان مُوَافِقًا لطائفةٍ في شَرعِهِم، لَقَضَتِ العادَةُ بمُخالطَتِهِمْ ومراجَعَتِهِمْ؛ ليعلَمَ، فيتَّبع.
وأجيبَ: بأنَّ المتواتر فيها معلومٌ، وغيره لا يُعْتَدُّ بِهِ، وعَدَمُ المخالطَةِ لا تمنع الأسباب.
واحْتَجُّوا: بأنه لو كان على شريعة، لافتخر بِهَا أهْلُهَا، ولَنُقِلَ.
وأجيبَ: بأَنَّه لم يثبُتِ التَّعْيِينُ، واختار الغَزَّالِيُّ الوَقفَ، قال: وما ذكره القاضِي يعارِضُهُ أنَّه لو كان مُنْسَلًا عن التكلِيفِ أربعينَ سَنَة متميِّزًا عن أصْنَافِ الخلائِقِ بأجمعهم، لَتَوَفَّرَتِ البواعِثُ علَى نقله، فإذ لَم يُنْقَل هذا ولا ذَاكَ، توقَّفْنا.
قال: ولعلَّ الله تعالى قطَعَ بواعِثَ النَّاسِ، وطَمَسَ حاله، والتَحَقَ هذا بمعجزَاتِهِ.
إذا تقرَّر هذا، فنقولُ: اختلف العلماءُ في أنَّه بعد المَبْعَثِ متعبَّدٌ هو وأمتُهُ بما عُلِمَ أنَّه شَرْعُ مَنْ قبله:
فالمعتزلةُ على المَنْعِ، ومنعه كثيرٌ من الأشعريَّة.
وقال قوم: إنَّا متعبِّدون بذلك. ثم اخْتلَفُوا فيمَنْ تُتَّبَعُ شريعتُهُ حَسَبَ اختلافهم قَبْلَ المبعَثِ.
وقال الشافِعِيُّ في "كتاب الأطعمة": الرجوعُ في اسْتحلالِ الحَيَوَانَاتِ إلى النُّصُوصِ وآثارِ الصحابة، فإن لم تَكنْ فإلى استخباث العَرَبِ واستِطَابتها، فإنْ لم يكُنْ، فما صادَفْنَاه حَرَامًا أو حَلَالًا في شَرْعِ من قبلنا، ولم نَجِدْ ناسخًا - اتبعناه. وعضد هذا المَذهَب بأنَّ نَفْسَ بعثة الرُّسُل لا تتضمَّن نَسْخَ الشرائِعِ السَّابِقَةِ إذ أصحاب الملل والشَّرائِعِ مِنَ الأنبياءِ سِتَّةٌ وَهُمْ أُولُو العَزْمِ: "آدَمُ" وَ"نُوحٌ" وَ"إِبْرَاهِيمُ" و"مُوسَى" وَ"عِيسَى" و"محمَّدٌ" - صلى الله عليه وعليهم أجمعين - فلا بُعْدَ في التَّضافُرِ على شَرْع واحدٍ.
وقيل: قد كان في زَمَانِ مُوسَى أَلْفُ نَبِيٍّ يحكُمُونَ بالتَّوْرَاةِ، ولم يُنْقَل عن الرسول ﷺ نَصٌّ
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في نَسْخِ شرعِ مَنْ قَبْلَنا، فإذا عَجَزنَا عن مأخذٍ في شَرْعنا، رجَعْنا إليه؛ فإن الأصْلَ بقاؤُهُ.
واحتجُّوا بقولِهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ الآية [المائدة ٤٥]، وقال ﷺ : "كِتَابُ الله القِصَاصُ" وبقَولِهِ ﵇: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" وَتَلَى قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الْصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه ١٤]، وَهِي لموسى والسياق يدلُّ على استدلالِهِ بِها، ﵇.
وَاحتجَّ بقولِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، أَي: بِشَرعِهِمْ.
стр. 740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَاستدلَّ بقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]:
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذلكَ رَدٌّ لاسْتبعادِ الكفَّارِ أن يُوحَى إلى بشرٍ، ولو سلم فَمَعْنَاهُ أَنَّه تُعِبَّدَ بِمثلِهِ لا باتباعِهِ.
وَاحتجَّ بقولِهِ تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]:
وَأُجِيبَ بحَمْلِهِ على أَصْلِ التوحيدِ، وَخَصَّ نُوحًا؛ تَشرِيفًا لَهُ، وَلَو سُلِّمَ، فيحملُ عَلى أَنَّه تُعُبِّدَ بِمِثلِهِ.
وَاحتجَّ بقولِهِ تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل ١٢٣]:
وَأُجِيبَ: بمثل ما تقدَّم مِنْ حَمْلِهِ على التوحيدِ؛ لأَنَّهُ لَا يُقَالُ: ملة الشَّافعيِّ، ولا دين الشَّافعيِّ، ثُمَّ هذِهِ حُجَجٌ تُعارَضُ بَعضُها بِبَعْضٍ.
وَاحتجَّ المانِعُ: بأنَّ مُعاذًا لَمْ يَذكُرْهُ، وصَوَّبه النبيُّ ﷺ .
وَأُجِيبَ: بِأنَّه يحتملُ أَنَه تَرَكَهُ؛ لِشمولِ الكتاب لَهُ.
قَالوا: لَو كانَ، لكانَ تَعَلُّمُهَا من فروضِ الكَفاياتِ، وَلَوَجَبَتِ المُرَاجَعَةُ والبَحْثُ.
وَأُجِيبَ بِأنَّ المعتبرَ فِيها ما ثَبَتَ بالتواتُرِ، أو الوَحْي، وأنَّه غَيرُ محتاجٍ إِلى ما ذكرتُمْ.
احتَجُّوا بأَنَّ شَرِيعَتَنَا ناسخةٌ لجميعِ الشَّرائِعِ.
وَأُجيب بِأنَّ معناهُ: ناسخةٌ لِمَا خالفَهَا، وَإِلَّا لَزِمَ نَسْخُ الإِيمانِ وَتَحريمُ الكفرِ، وَاختارَ الغَزَّالِيُّ أَنَّه لا يرجعُ إِلى شيَءٍ مِنْ ذلكَ، قَال: لأَنَّه لو كانَ مَأْخَذًا مِنْ مآخذِ الشَّرْعِ، لَبَيَّنَهُ ﵇ كَما بَيَّنَ القياسَ، وَغَيرَهُ مِنَ المآخِذِ، ولَرَجَعَ إليهِ واحدٌ مِنَ الصحابةِ عَلى طُولِ الدُّهُورِ، وكَثْرَةِ الوقائِع، وَشِدَّةِ تَروِّيهم فيها، ورُجُوعِهِمْ في الاشتوار إلى الجماعةِ، وكانَ فيهِم كَعبُ الأحْبَارِ، وابن سلام، ووهب، وَلَمْ يُرَاجَعَوا قَطُّ، فاسْتبانَ بهذَا أَن لا حُكمَ لَهُ أصْلًا، والله أَعلمُ.
مَسْأَلَةٌ:
وممَّا اخْتَلَفَ فيهِ العلماءُ "الاسْتِحْسَانُ": فَمَنَعَهُ الأَكْثَرونَ.
وَقَال الشَّافعيُّ: مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرْعَ. وقال بِهِ الحنفيَّةُ وَالحنابلةُ.
следующие страницы →