← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 145168

شرح المعالم في أصول الفقه

ابن التلمساني

Полный текст (746 стр.). Показаны 736–746 · переход к 741.

стр. 736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لمزيد شيَءٍ إلى دليلٍ؛ بخلاف النافي لأَمْرٍ عقليٍّ؛ فإِنه عَليهِ واسطةٌ تلزمُ من غيرِ مواقعِ الضَّرُوريَّاتِ. قُلنَا: الكلامُ فِي قبولِ قولِهِ بغيرِ مزيدٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يعرفُ إلا مِنْ جهتِهِ؛ فإنه لا مانِعَ مِنِ إسناده بيمينِهِ. هذا تمامُ الكلامِ على الأدلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، وقد تكلَّم الأصوليُّون عَلَى مَدَارِكَ اختُلِفَ فِيهَا، وعَبَّرُوا عنها بالمدارِكِ المُهمَّة منها: قولُ الصحابيِّ، وشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَالاستحسانُ، والاستصلاحُ؛ فلْنَجْرِ علَى عاداتهم في ذَلكَ. مسألة: اختلفَ العُلَمَاءُ في قَوْلِ الصحابي: فقال قَوْمٌ: حُجَّةٌ مطلقًا. وقال قومٌ: فيما خالفَ القِيَاس لا غَيرُ. ومنهم مَنْ قَصَره على الخُلَفَاءِ الأربَعَةِ. ومِنهُمْ مَنْ قَصَرَهُ على الشَّيخَينِ. وقال قَوْمٌ: لَيسَ بِحُجَّةٍ مُطلقًا، وهو الصحيحُ، وقَوْلُ الشَّافعيِّ في الجديدِ، وَأَحَدُ قَوْلَي أَحْمَدَ، وبعْضِ الحنفيَّةِ. وقال في القدِيم: يُقَلَّدُ الصحابيُّ؛ إِذَا انْتَشَرَ قوله. وقال مرة: وإن لم ينتشر. وعلى قولنا ليس بحجَّةٍ يحصلُ الترجيح بموافقته على أصح الوجهين، احتج المجوزون مُطلَقًا بقوله ﵇: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيتُمُ اهْتَدَيتُمْ". واحتجَّ المقيِّدُ بمخالفةِ القياسِ: بأنَّه لا يَكُونُ -والحالةُ هذِهِ- إلا عَنْ توقيفٍ. واحتجَّ مخصِّصو الأربَعَةِ بقوله ﵇: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي".

стр. 737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واحتج مخصِّصو الشَّيخَينِ بقوله ﵇: "اقتَدُوا باللَّذَينِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ". والاعتراضُ: أَنَّ هذه الأحاديثَ مع تَعَارُضِهَا في التعْمِيمِ وَالاقتصارِ، وأنها أحاديثُ في بيانِ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ يستندُ إلَيها كثيرٌ من الأحْكَامِ بتقديرِ الصِّحَّة - محمولةٌ على خطاب العَوَامِّ بقَبُولِ فَتَاويهِم، وتلقِّي الشريعة عنهم، والسَّيرِ بِطَرِيقَتِهِمْ في الإعْرَاضِ عن الدنيا والإقبالِ عَلَى الآخِرَةِ؛ وَيتَعَيَّنُ صَرفُها. للعَوَامِّ بدليلِ إِطباقِهِمْ علَى جوازِ مخالفَةِ بَعْضهم بعضًا في الاجتهادِ، ولأن المجتَهِدَ متمكِّنٌ من درك الحُكمِ بالدليلِ؛ فلا يسوغ له التقليدُ. ومَنْ قَيَّد بِمُخَالفَةِ القِيَاسِ؛ لأنه توقيفٌ - فقد اعْتَرَفَ بأنَّ قوله لَيسَ بحُجَّةٍ، ويبقى النَّظَرُ في أنَّه لم يَقُلْهُ إلَّا عَنْ توقيفٍ، وليسَ بِمُتَعَيِّنٍ؛ لاحتمالِ اعتقادِهِ ما ليس بقياس قياسًا، أو التمسُّك بقياسٍ ضعيفٍ. فإنْ قيل: أليس عَبْدُ الرحْمَن بْنُ عَوْفٍ عَرَضَ البَيعَةَ عَلَى عليّ بِشَرْطِ اتباعِ الشيخَينِ، فَأَبَى، وعرض ذلك علَى عثمانَ، فقبلَ؛ فاتفقوا علَى مبايعته؟ قيل: أَلَيسَ لم يلتزمه عَلِيٌّ، ولم يُنْكَرْ عليه؛ ويحمل على السِّيرة والسِّيَاسَةِ لا المَذْهَب. مسألةٌ: اختُلِفَ أنَّ النبيَّ قبل أن يوحَى إلَيهِ مع القَطعِ بأنَّه لم يشرك بالله طَرْفَةَ عَينٍ: هل كان عَلَى شريعة نبيٍّ؟ أَجْمَعَتِ المُعْتَزِلَةُ علَى أنَّه لم يَكُنْ علَى شريعة نبيٍّ. قالوا: لأنَّه يورث النقيض؛ فإن التَّابعَ لا يكونُ مَتْبُوعًا. واختلف أصحابُنَا: فمنهم مَنْ قال: كان على شَرِيعَةِ نَبيٍّ؛ فإنَّ الانسلال عن ربقة التكليفِ والخُرُوجَ علَى ضوابطِ الشَّرعْ يُزرِي بمنصبه، وقد وَرَدَ في الأَخْبَارِ الصحيحةِ: أنه كان يتحنَّث بِحِرَاء، ويصلِّي وَيطُوفُ. ثم اختلفوا فَمِنهُمْ مَنْ قال: كان عَلَى شَرِيعَةِ نُوحٍ. وقيل: علَى شريعةِ إِبراهيمَ، ومنْ شَرْع إِبراهيم التوحيدُ، واستقبالُ القِنلة، والخِتَانُ، وقد كان كذلك. وقيل: على شريعة مُوسَى. وقيل: على شريعة عيسَى؛ فإنها الناسخَةُ لما تقدَّمها؛ لا يقال: كانَت محرَّفة مغيَّرة؛ لأنا نقولُ: كان فيهم أحبارٌ يَعْرِفُونَهَا علَى وَجْهها، وتحريفُ البعْض لا يَمْنَعُ من اتِّبَاع البَعْضِ غير المغيَّر. ومن التزم أنَّه علَى شريعة إبْرَاهيم، إذا قيل له: شريعةُ مُوسَى وعيسَى ناسخةٌ، يمنع عُمومَ رسالتِهِمَا.

стр. 738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال قومٌ كان مُتَّبِعًا لما ثَبَتَ أنَّه شَرْعٌ. ومِنْهُمْ مَنْ توقَّف. وقال القاضِي: أَقْطَعُ بأنه لم يكُنْ علَى شريعةِ نَبِيٍّ؛ إذ لو كان لَتَوَاتَرَ؛ فإن أحوال الرجُلِ العظيم في مِثلِ هذا تَتَوَافَرُ الدواعِي علَى نَقلِها، نَعَمْ: كان على عَقْدِ التوحِيدِ. واحتجَّ له: بأنه لو كان مُوَافِقًا لطائفةٍ في شَرعِهِم، لَقَضَتِ العادَةُ بمُخالطَتِهِمْ ومراجَعَتِهِمْ؛ ليعلَمَ، فيتَّبع. وأجيبَ: بأنَّ المتواتر فيها معلومٌ، وغيره لا يُعْتَدُّ بِهِ، وعَدَمُ المخالطَةِ لا تمنع الأسباب. واحْتَجُّوا: بأنه لو كان على شريعة، لافتخر بِهَا أهْلُهَا، ولَنُقِلَ. وأجيبَ: بأَنَّه لم يثبُتِ التَّعْيِينُ، واختار الغَزَّالِيُّ الوَقفَ، قال: وما ذكره القاضِي يعارِضُهُ أنَّه لو كان مُنْسَلًا عن التكلِيفِ أربعينَ سَنَة متميِّزًا عن أصْنَافِ الخلائِقِ بأجمعهم، لَتَوَفَّرَتِ البواعِثُ علَى نقله، فإذ لَم يُنْقَل هذا ولا ذَاكَ، توقَّفْنا. قال: ولعلَّ الله تعالى قطَعَ بواعِثَ النَّاسِ، وطَمَسَ حاله، والتَحَقَ هذا بمعجزَاتِهِ. إذا تقرَّر هذا، فنقولُ: اختلف العلماءُ في أنَّه بعد المَبْعَثِ متعبَّدٌ هو وأمتُهُ بما عُلِمَ أنَّه شَرْعُ مَنْ قبله: فالمعتزلةُ على المَنْعِ، ومنعه كثيرٌ من الأشعريَّة. وقال قوم: إنَّا متعبِّدون بذلك. ثم اخْتلَفُوا فيمَنْ تُتَّبَعُ شريعتُهُ حَسَبَ اختلافهم قَبْلَ المبعَثِ. وقال الشافِعِيُّ في "كتاب الأطعمة": الرجوعُ في اسْتحلالِ الحَيَوَانَاتِ إلى النُّصُوصِ وآثارِ الصحابة، فإن لم تَكنْ فإلى استخباث العَرَبِ واستِطَابتها، فإنْ لم يكُنْ، فما صادَفْنَاه حَرَامًا أو حَلَالًا في شَرْعِ من قبلنا، ولم نَجِدْ ناسخًا - اتبعناه. وعضد هذا المَذهَب بأنَّ نَفْسَ بعثة الرُّسُل لا تتضمَّن نَسْخَ الشرائِعِ السَّابِقَةِ إذ أصحاب الملل والشَّرائِعِ مِنَ الأنبياءِ سِتَّةٌ وَهُمْ أُولُو العَزْمِ: "آدَمُ" وَ"نُوحٌ" وَ"إِبْرَاهِيمُ" و"مُوسَى" وَ"عِيسَى" و"محمَّدٌ" - صلى الله عليه وعليهم أجمعين - فلا بُعْدَ في التَّضافُرِ على شَرْع واحدٍ. وقيل: قد كان في زَمَانِ مُوسَى أَلْفُ نَبِيٍّ يحكُمُونَ بالتَّوْرَاةِ، ولم يُنْقَل عن الرسول ﷺ نَصٌّ

стр. 739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === في نَسْخِ شرعِ مَنْ قَبْلَنا، فإذا عَجَزنَا عن مأخذٍ في شَرْعنا، رجَعْنا إليه؛ فإن الأصْلَ بقاؤُهُ. واحتجُّوا بقولِهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ الآية [المائدة ٤٥]، وقال ﷺ : "كِتَابُ الله القِصَاصُ" وبقَولِهِ ﵇: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" وَتَلَى قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الْصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه ١٤]، وَهِي لموسى والسياق يدلُّ على استدلالِهِ بِها، ﵇. وَاحتجَّ بقولِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، أَي: بِشَرعِهِمْ.

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وَاستدلَّ بقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]: وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذلكَ رَدٌّ لاسْتبعادِ الكفَّارِ أن يُوحَى إلى بشرٍ، ولو سلم فَمَعْنَاهُ أَنَّه تُعِبَّدَ بِمثلِهِ لا باتباعِهِ. وَاحتجَّ بقولِهِ تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]: وَأُجِيبَ بحَمْلِهِ على أَصْلِ التوحيدِ، وَخَصَّ نُوحًا؛ تَشرِيفًا لَهُ، وَلَو سُلِّمَ، فيحملُ عَلى أَنَّه تُعُبِّدَ بِمِثلِهِ. وَاحتجَّ بقولِهِ تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل ١٢٣]: وَأُجِيبَ: بمثل ما تقدَّم مِنْ حَمْلِهِ على التوحيدِ؛ لأَنَّهُ لَا يُقَالُ: ملة الشَّافعيِّ، ولا دين الشَّافعيِّ، ثُمَّ هذِهِ حُجَجٌ تُعارَضُ بَعضُها بِبَعْضٍ. وَاحتجَّ المانِعُ: بأنَّ مُعاذًا لَمْ يَذكُرْهُ، وصَوَّبه النبيُّ ﷺ . وَأُجِيبَ: بِأنَّه يحتملُ أَنَه تَرَكَهُ؛ لِشمولِ الكتاب لَهُ. قَالوا: لَو كانَ، لكانَ تَعَلُّمُهَا من فروضِ الكَفاياتِ، وَلَوَجَبَتِ المُرَاجَعَةُ والبَحْثُ. وَأُجِيبَ بِأنَّ المعتبرَ فِيها ما ثَبَتَ بالتواتُرِ، أو الوَحْي، وأنَّه غَيرُ محتاجٍ إِلى ما ذكرتُمْ. احتَجُّوا بأَنَّ شَرِيعَتَنَا ناسخةٌ لجميعِ الشَّرائِعِ. وَأُجيب بِأنَّ معناهُ: ناسخةٌ لِمَا خالفَهَا، وَإِلَّا لَزِمَ نَسْخُ الإِيمانِ وَتَحريمُ الكفرِ، وَاختارَ الغَزَّالِيُّ أَنَّه لا يرجعُ إِلى شيَءٍ مِنْ ذلكَ، قَال: لأَنَّه لو كانَ مَأْخَذًا مِنْ مآخذِ الشَّرْعِ، لَبَيَّنَهُ ﵇ كَما بَيَّنَ القياسَ، وَغَيرَهُ مِنَ المآخِذِ، ولَرَجَعَ إليهِ واحدٌ مِنَ الصحابةِ عَلى طُولِ الدُّهُورِ، وكَثْرَةِ الوقائِع، وَشِدَّةِ تَروِّيهم فيها، ورُجُوعِهِمْ في الاشتوار إلى الجماعةِ، وكانَ فيهِم كَعبُ الأحْبَارِ، وابن سلام، ووهب، وَلَمْ يُرَاجَعَوا قَطُّ، فاسْتبانَ بهذَا أَن لا حُكمَ لَهُ أصْلًا، والله أَعلمُ. مَسْأَلَةٌ: وممَّا اخْتَلَفَ فيهِ العلماءُ "الاسْتِحْسَانُ": فَمَنَعَهُ الأَكْثَرونَ. وَقَال الشَّافعيُّ: مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرْعَ. وقال بِهِ الحنفيَّةُ وَالحنابلةُ.

стр. 741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وَلا بدَّ أَوَّلًا مِنْ تنقيحِ مَعْنى الاستحسانِ، وَقَدْ كَثُرَت فِيهِ العباراتُ، وَلَيسَ المرادُ بالاستحسانِ المختلفِ فِيهِ: فِعْلَ الواجباتِ وَالأوْلَى؛ فإنَّه مُتَّفَقٌ علَيهِ؛ قَال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] وَلَا مَا تَميلُ النَّفْسُ إِلَيه مِنْ غَيرِ دَليل شرعيٍّ؛ فإِنَّه مَرْدُودٌ بِالإِجْمَاعِ. وَقِيل في حدِّهِ: إِنَّه دليلٌ خَفِيٌّ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المجتَهِدِ تضيقُ العبارةُ عَنهُ. قال الغَزَّالِيُّ: وهذَا هَوَسٌ؛ فإنَّ معانِيَ الشَّرْعِ إِذَا لاحَت في العُقُولِ، انطلقتِ الأَلْسُنُ بالتعبيرِ عَنْها، وَمَا لَا تَقْدِرُ النَّفْسُ عَلى الإِفصاحِ عنه مِنَ الخواطِرِ - وَهْمٌ وَخَيالٌ. وَالأَقْرَبُ أَنْ يقال: مَا يجدُهُ في نفسِهِ، إنْ شَكَّ في كَوْنِهِ دَليلًا، فَلا نزاعَ فِي رَدِّهِ، وَإِنْ تحقَّق، فلا نزاعَ في التمسُّكِ بِهِ، فيئولَ الخلافُ فيهِ إلى اللَّفْظِ. وقيلَ: هُوَ العُدُولُ عَن مُوجِب قياسٍ إلى قياسٍ أَقْوَى مِنْهُ. وَحَاصلُ هَذا: العملُ بالقياسِ الرَّاجِح، وَلَا نَزاعَ فيهِ أَيضًا. وَقِيلَ: هُو تخصيصُ قياسٍ بدليلٍ أَقوى مِنهُ. وَخاصِلُهُ أَيضًا تَركُ القياسِ للدليلِ الراجِحِ، ولا نزاعَ فِيهِ. وَقَال الكَرْخِيُّ: هُوَ العدولُ بالمسألةِ عن نَظائِرِها لِوَجهٍ مِنَ الدليلِ يخصُّها. وَاعْترَضَ علي ظاهرِ اللفظِ: بأنَّه يلزمُ أَنْ يكونَ تخصيصٌ العمومِ بنصٍّ أَو قياسٍ استحسانًا. وَأَرادَ أَبُو الحُسَينِ الاحترازَ عَن هذَا السُّؤَالِ، فَقال: هُو تَرْكُ وَجْهٍ مِن وجوه الاجتهادِ غَيرِ شَاملٍ شمولَ الألفاظِ لِوَجْهٍ هُو أقوَى مِنْهُ، هُوَ في حُكم الطارئ، فَلا يَرِدُ عَليهِ تخصيصُ العُمُومِ والاستثنَاء؛ لأَنَّهُ شاملٌ شُمُولَ الألَفَاظِ، ولا التَّخصِيص بالقياسِ؛ لِكَوْنِ الثاني لَيسَ في حُكمِ الطَّارئِ. وَيُرَدُّ عليهِ بأنَّ هذَا يقتضِي أَنْ يكونَ الاستحسان أقوى مِنَ القياسِ، وَهُوَ على خلاف نصٍّ

стр. 742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === محمد بن الحسن؛ فإنَّه قال: تَرَكنَا الاسْتِحسَانَ لِلْقِيَاسِ فيما إِذَا قرأ آيَةَ السَّجْدةِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ فإنَّ القياسَ يَأبَى السُّجُودَ، وَالاستحسانَ يقتضيه. وَأُجيبَ عن هذَا الاعتراضِ: بأنَّا نقولُ: الاستحسانُ أقْوَى مِنَ القياسِ، وإنَّما قدَّمْنَا القياسَ فِي هذِه المسألةِ؛ لاعتضاده بنَصٍّ وَهُوَ قُوْلُهُ تعالى فِي حقِّ دَاوُدَ: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنابَ﴾ [ص ٢٤]؛ فَالركوعُ هُنَا قائمٌ مَقامَ السجودِ. وَاعْتَرَضَ الفَخرُ على أَصْلِ حَدِّهِ: بأَنَّه يقتضِي عَلى هذا أَنْ تكونَ الشريعةُ بأَسْرِهَا استحسانًا؛ لأَنَّها تركٌ للبراءةِ الأصليَّةِ بِما هُو أقوَى مِنْها. وَبِالجملةِ: فهذِه المباحثُ كلُّها لفظيةٌ، تَرْجِعُ إلى مناقشةٍ في العبارةِ، وَالاستحسانَ عِندَ القومِ مَا قالهُ الكَرْخِيُّ، ومقصودُهُ ظاهرٌ مِنْ تقسيمِهِ؛ فإنَّه قَسَّمَهُ إِلى أَربعةِ أقسام: الأَوَّلُ: تَركُ القياسِ العامِّ لحديثٍ خاصٍّ؛ كحديثِ القَهْقَهةِ وَجَعْله نَاقِضًا فِي الصلاةِ، ولا يَنْقُضُ خارجَهَا؛ فَهذَا عَدْلٌ بِهِ عَنْ نظائِرِهِ من النواقضِ بنَصِّ يَخُصُّهُ؛ وَمِثلُهُ التوضُّؤُ بنبيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ في السَّفَرِ خاصَّةً؛ لحديثِ ابنِ مَسعودٍ. القِسْمُ الثَّانِي: تركُ القِيَاسِ العَام بقولِ الصحابِيِّ؛ كتقديرِ أُجْرَةِ رَدِّ العبدِ الآبِقِ بأربعينَ دِرْهَمًا؛ اتِّباعًا لاين عَبَّاسٍ، وَإِيجابِ شَاةٍ في نَذرِ ذَبْحِ الوَلَدِ دُونَ الوالدِ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ أَيضًا، فإنَّه تَابَعَ مَسْرُوقًا على فَتْوَاهُ بِذَلِكَ. وَحَط من قيمة العَبْدِ المُتلِفِ، إِذَا سَاوَى دِيَةَ الحُرِّ أَوْ زَادَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ؛ اتباعًا لابن مَسْعُودٍ. القسمُ الثالثُ: اتباعُ عاداتِ النَّاسِ وَمَا اطَّرَدَ بِهِ عُرْفُهُمْ كَمَصِيرهِم إلى أَنَّ المعاطاةَ صحيحةٌ؛ لأنَّ الأَعْصَار لا تنفكُّ عنها، ويغلبُ على الظَّنِّ جَرَيَانُهَا فِي عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ وَمِنْهُ -أَعنِي اتبَاعَ العادةِ لمصلحةِ الناسِ- استحسانُ دخولِ الحمَّامِ مِنْ غيرِ تقدير للمَاءِ المُسْتَعْمَلِ، ولا تقدير لمدَّةِ الإقامةِ بِهِ، وَلَا للعِوَضِ فيهمَا، وَاسْتحسانُ شرب الماءِ مِنَ السِّقَاءِ مِنْ غيرِ تَقديرٍ للماءِ، وَلَا لعوضِهِ. القِسْمُ الرابعُ: اتباعُ مَعْنى خفيٍّ هُوَ أَخَصُّ بالمقصُودِ، وَأَمَسُّ مِنَ المعنى الجَليِّ. وَاحْتجُّوا لصحَّةِ الاستحسانِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إليكُمْ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٥٥]، [و] بِقَولِهِ ﵇: "مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ الله حَسَنٌ"، وَبِأَنَّ استحْسَانَ دُخولِ الحَمَّامِ وشُرْبِ المَاءِ إجْمَاعٌ. إِذَا تقرر هَذا، فَنقولُ:

стр. 743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أَوَّلًا: أما الآيةُ، فمقيَّدةٌ بالمُنَزَّلِ، وَنَحن نقولُ بِهِ، وَلَيسَ هُو مَحلَّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا الحديثُ فمحْمُولٌ عَلى ما أَجْمَعُوا عَلَيهِ، وَمَا أجْمَعُوا عَليهِ فهو حَقٌّ، وأمَّا مسألةُ الحَمَّامِ وَشُربِ الماءِ؛ فإنْ تحقَّقَ إجماعٌ أَو جَرَى فِي عهدِ رسُولِ الله ﷺ مَعَ عِلْمِهِ وتقريرِهِ - فهو حُجَّةٌ. وأمَّا تفصيلُ الأقْسَامِ المذكورةِ، فنقولُ: أما اتِّبَاعُ الخَبَرِ الصحيحِ وَتقدِيمه عَلى القياسِ -فواجبٌ عِنْدَنَا. وأبو حنيفةَ لَمْ يُقِرَّ بِه فِي مسألةِ الْمُصَرَّاةِ والعَرَايَا وخِيَارِ المَجْلِسِ، ولَمْ يَسْتَحْسِنُوا - معاشِرَ الحنفيَّةِ - هذِهِ الأحاديثَ مَعَ اتِّفَاقِ أَئمةِ الحديثِ عَلى صِحَّتِها وضعفِ حديث القهقهةِ وَخَبَرِ ابن مسعودٍ. وَأَمَّا قولُ الصحابيِّ إِذا خالفَ القياسَ؛ فَقَدْ قال بهِ الشَّافعيُّ فِي القديم، فمن الْتَزَمَهُ، وَجَبَ عليه طَرْدُهُ؛ لكنَّ الحنفِيَّ لَمْ يَطْرُدْ ذلِكَ فِي مسألةِ تغليظِ الدِّيَةِ مَعَ ما نُقِل فيهِ عَنِ الصحابةِ، واعتمادُهُ عَلى تقدير ابْنِ عبَّاسٍ أُجْرَةَ رَدِّ الآبِقِ بأَربعينَ، وَهِيَ واقعةُ عَينٍ تحتملُ أَنْ تكونَ أجرةَ مِثل تِلْكَ الواقعةِ، أو لحُكْمِ مصالحةٍ. وَقَولُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ التفاتٌ إِلَى تغليبِ ضمانِ النَّفْسِيَّةِ على الماليَّةِ، وَمُراعاةِ النفسيَّةِ، وَإِظهار شَرَفِ الحُرِّ بحطّ قَدْرٍ مِنَ المالِ لَهُ خَطَرٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُو ما يقطعُ فِيهِ السارِقُ، وَهُوَ دينارٌ فِي هَذَا الرَّأْي أَوْ عَشَرَةُ دراهِمَ، وَهَذا كُلَّهُ قِياس، فلم نقلْ بِهِ لمجرَّدِ قولِ الصحابِيِّ. نَعَم: يَصْلُحُ قول الصحابيِّ مُرَجِّحًا؛ لاعتبارِ العملِ بقياسِ ضمانِ النفسيَّةِ على قياسِ اعتبارِ المَاليَّةِ. وأمَّا دعوى عَمَلِ النَّاسَ بالمعاطاةِ فِي الأعْصَارِ، فلا يصحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ؛ وَإِنَّما الْعِبْرَةُ باتفاقِ العلماءِ؛ فإنَّا نعلمُ أَنَّ العقودَ الفاسدةَ والرِّبَويَّاتِ الآن أكْثَرُ مِنْهَا فِي ابتداءِ الإسْلَامِ، وعَوَامُّ الناسِ لا مُبَالاةَ بإجماعِهم. وَأَمَّا اتباعُ المعْنَى الخَفِيِّ، إِذَا كانَ أخصَّ فيساعِدُ عليه؛ لأَنَّ الحكمَ الذِي لا يَمَسُّ المقصودَ بَاطلٌ مَعَهُ، إلا أَنَّ أَبا حنيفةَ لَمْ يَفِ بِهِ حيثُ ظنَّ أَنَّ مِنْهُ إِيجَابَ الحَدِّ فِي الزِّنَا بشهادَةِ أَرْبَعَةٍ شهد كلُّ واحدٍ بأَنَّه زَنَا بِهَا فِي زاويةٍ؛ فإِنَّ القياسَ سقوطُ الحدِّ؛ كَما لَوْ أَضافُوا الزِّنَا إِلَى أَربعةِ أَوْقَاتٍ، وَلكنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ. وَقَال: لعلَّهُ كانَ يزحفُ بِها فِي زَنْيَةٍ واحدةٍ، وَأَيُّ اسْتحسانٍ فِي سَفْكِ دَمِ امرئٍ مُسْلِمٍ بمِثل هذَا، مَعَ أَنَّ مَبْنَى الحُدُودِ عَلى السُّقُوطِ بالشبهاتِ. وَالحَاصِلُ أَنَّ أكثَر ما يُفَسِّرونَ بهِ الاستحسانَ، فَنَحْنُ نقولُ بحسنِهِ، ونُنَازِعُهُمْ فِي أنَّ ما صَارُوا إِليه فِي الفروع منه، وإنْ ساعَدْنَاهُمْ عليه، كان الخلافُ لفظيًّا. والمحذورُ مِنَ الاستحسانِ ما يَرْجِعُ إِلَى مَحْضِ ميل النفْسِ، وما يَسْتَحْسِنُهُ العاقلُ بعَقْلِهِ مِنْ غير استنادِهِ إِلَى دليلٍ، فهو شارع تَحْقِيقًا؛ لأنَّهُ افتتح أَمْرًا لا مستَنَدَ له فِي الشَّرعِ، مع أَنَّ محمَّدًا ﷺ خاتم النَّبِييِّنَ. وإِنْ كان ما سَمَّاه استحسانًا يستند إلَى دليلٍ شرعيٍّ، فهذا لا نزاعَ فيه.

стр. 744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مسألة ومما اختلف فِي العَمَلِ به المصالحُ المُرْسَلَةُ؛ والمعنيُّ بها: كُلُّ وصفٍ مناسبٍ لم يَلْقَ مِن الشَّارعِ ما يَدُلُّ على اعتبارِهِ، ولا إِهدارِهِ، لا بطريقِ تأْثِيرٍ ولا ملاءمةٍ. وقال القاضِي: وابْنُ البَاقِلَّانِيّ والأكثَرُونَ على منعه، واعتمدَهُ قوْمٌ، ويعْزَى إِلَى مالكٍ، ونسَبَهُ الإِمام إِلَى أنَّه اسْتَرْسَلَ فيه حتَّى رأى قتل ثلث الأُمَّةِ؛ لاستصلاحِ ثُلُثَيهَا، وقتل فِي التعزير. وللشَّافعيِّ مسْلَكَانِ يَخُصُّ فِي أحدهما التمسُّكَ بالمُخِيلِ والشَّبَهِ الَّذي يشهد له أصْلٌ مُعَيَّنٌ، ويرد الاستدلال المُرْسَل، والمَسْلَكُ الثانِي يصحِّحُ الاستدلال بالْمُرْسَلِ، ويَقْرُبُ فيه مِنْ مالكٍ، وإِنْ خالفه فِي مَسَائِل. وقد رَدَّ القاضي عليه فِي هذا المسْلَك، وقَال: إِذَا قلْتَ بِالاستدلالِ، فلا فَرْقَ بين أنْ تَقُولَ به فِي المعاملاتِ والأموالِ وبَينَ أنْ تَقْضِيَ به فِي العقوبَاتِ؛ كما فَعَل مالِكٌ، فكُلُّ حقيرٍ، فإثباته فِي الشَّرْع تَحَكُّمًا - خَطَرٌ عظيمٌ، وما أثبته، بالنسبةِ إِلَى ما أجمله الشارعُ فِي المعامَلَاتِ هو كما أثبته مالكٌ بالنِّسْبة إِلَى العقوبة التي أَجْمَلَهَا الشَّرْعُ. وأمَّا الغَزَّالِيُّ، فقال: إِنَّ المصلحة التي لا يَشْهَدُ لها أصْلٌ مُعَيَّنٌ: إِذا كانَتْ ضروريَّةً قطعيَّةً كليَّةً لا يَبْعُدُ أنْ يؤدِّيَ إِلى العملِ بها اجتهادُ مجتهدٍ؛ ومثَّله بالكُفَّار: إِذَا تَتَرَّسُوا بجماعةٍ مِنْ أَسْرَى المسلمين، فلو رَمَينَا التِّرْسَ، لقَتَلْنَا مُسْلِمًا لم يُذْنِبْ؛ وهذا لا عَهْدَ لنا به فِي الشَّرْعِ، ولو كَفَفْنَا عنهم، لَتَسَلَّط الكُفَّار علَى جميعِ المُسْلمين؛ فيقتلونهم، ثم يقتُلُونَ الأسَارَى، ولقائلٍ أنْ يَقُولَ: التِّرْسُ مَقْتولٌ علَى كُلِّ حالٍ؛ فيجب حفْظُ المسلمينَ أجمعينِ؛ فإنَّه أقربُ إِلَى مقصودِ الشَّرْعِ، فَيَحْكُم بالمحاربة حِفْظًا للدِّين؛ لئلَّا يلزم أنْ يكُونَ تَرْكُهُ لِحِفْظِ الدِّين رافعًا لنفْسِهِ، وموجِبًا

стр. 745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لِبُطْلَانِ ذاتِهِ. قال: وَلَيسَ هذه كمسألة السَّفِينَةِ: إِذا أَفْضَى الأَمْرُ براكبيها إِلَى أنَّهم لَوْ غَرَّقُوا واحدًا، لَتَخَلَّصَ الباقُونَ؛ فإِنه لا أولويَّةَ، والقُرْعَةُ غَيرُ مشروعةٍ فيه، وليسَتْ مصلحةَ كُلِّيَّةً كَالتُّرْسِ. وكذلك جماعةٌ مُضْطَرُّون فِي مَخْمَصَةٍ؛ إِذا أرادُوا قَتْلَ واحدٍ وَلَا كَذَلِكَ كترس الكفار فِي قَلْعِة بمسلم؛ فإِنَّ المصلحة فِي جميع ذلك ليستْ كُلِّيَّةً، وليس فِي معناه قَطْعُ اليَدِ الآكِلَةِ؛ فإِنَّهُ ينقدح فيه الرخْصَةُ، وهي إِضرارُ الشخْصِ بنَفْسِهِ لمصلحتِهِ، وقد اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي الفَصْدِ والحجامة. لا يُقَالُ: فَلَا يُرَجَّحُ اعتبارُ الكثرة على القلَّةِ فِي مسألة السَّفينةِ إلحاقًا بالتُّرْسِ؛ لأنَّا نقولُ: إِنَّ الكثرة مُلْغَاةٌ بتحريمِ قَتْلِ مُكْرَهَينِ شَخْصًا وتحريمِ أَكْلِ مُسْلِمَينِ مسلمًا، بخلافِ المصلحةِ الكليةِ؛ فلا مانعَ أَنْ تختصَّ بوجوبِ الرعايةِ. وَاحتجَّ المانعونَ مُطْلقًا: بأنَّه لَوْ تَقَرَّرَ، لَثَبتَ بقاطِعٍ، وَلا قاطع؛ فوجبَ نفيُهُ. وَاحتجَّ المجوِّزونَ مُطلقًا: بأَنَّه قَدْ ثبتَ اعتبارُ المصالحِ قَطْعًا، فَما مِنْ مصلحةٍ تُقَرَّرُ إلَّا وَهِيَ مِنْ جِنْسِ المصلحةِ المُعْتَبَرَةِ، فيكونُ مِنَ "المُلَائِم"، وَهُوَ ما اعْتُبِرَ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الحُكْمِ. وَأُجيبَ: بأنَّه معارَضٌ بِأَنَّ جِنْسَ المصالِحِ مُلْغى؛ فيجبُ إلغاؤُهُ؛ فيكونُ معتبرًا ملغى، وَهُوَ مُحَالٌ؛ فلا بدَّ مِنَ اعتبارِ الجنْسِ القَرِيبِ. وَاحتجُّوا أَيضًا: بأَنَّ الحكمَ إمَّا أَنْ يستلزمَ مصلحة أوْ مفسدة، أو يخلُوَ عنهما، أو يجمعهما، وَعِندَ ذَلِكَ: إمَّا أنْ يتعادَلَا، أو تُرَجَّحَ هَذِه أَوْ تِلكَ؛ فَهذهِ ستةُ أَقسام. ثُمَّ لا بدَّ مِنْ إِلغاءِ المَفْسَدةِ الخالصةِ والراجِحَةِ والمساوية، وَالصُّوْرَةِ الخاليةِ عنهما؛ فَيَتَعَيَّنُ اعتبارُ المصلحةِ المَحضَة والراجحةِ؛ لأَنَّ تَرْكَ الخيرِ الكثيرِ لِلشَّيءِ القليلِ شَرٌّ كثيرٌ؛ وَهذَا كالمعلومِ بالضرورةِ مِنْ دِينِ الأَنبياءِ وَوَضْعِ الشرائعِ؛ فإِنَّها مصالحُ، وقد دَلَّ عليه صريحاتُ النُّصُوصِ، وشهادَةُ الأحكامِ، ولا تخلو وَاقِعَةٌ عن الدخولِ فِي قِسْم مِنْ هذه الأَقْسَامِ، وإِنْ لم نَجِدْ له شاهدًا يَشْهَدُ بحَسَبِ جنسه القريبِ، ولكنَّ هذا التقْسيمَ العَامَّ يوجِبُ العَمَلَ به؛ لأنه إِذا ثبت أنَّ المصلحة الغالِبَةَ واجبةُ الاعتبارِ، وثبت أنَّ هذه المصْلَحَةَ المعيَّنَةَ غالبةٌ - لَزِمَ مِنْ مجموعِ المُقَدِّمَتَينِ وجوبُ اعتبارِ المَصْلَحَةِ المُعَيَّنَة. وربَّما يؤيدُونَ هذا باستقراء مَجَارِي اجتهادِ الصَّحابةِ، وبقوله ﵇: "إِنمَا أَقْضِي بِالظَّاهِرِ"؛ وبأن الترجيحَ بالرَّاجِحِ مُقْتَضَى صَرِيحِ العَقْلِ. والقول الوجيز فِي رَدِّ ذلك أن الشَّارعِ، وإِنِ اعتبر المَصَالِحَ، إلا أنَّه قَيَّد اعتبارَهَا بقيُودٍ وشرائِطَ واصطِلاحات لا تهتدي العقول إليها، وغاية العقل أن يحكم بأَنَّ جَلْبَ المصلحَةِ ودَفْعَ المَفْسَدَةِ مطلوبانِ، لَكنَّ تحصيلَهمَا بالطريقِ المعين، ودفْعَهُما بالطَّريق الخاصِّ- لا يُهْتَدَى إِلَيه؛

стр. 746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فلا بُدَّ مِنْ دليلٍ شرَعيٍّ يوصِّل إِلَى أَنَّ هذا الطريق مِنْ مقاصِدِ الشَّرْعِ؛ وذلك لا يُعْرَفُ إلَّا بِالاعْتَبِارِ الخاصِّ: إما بعينه أو بجنسه القريب، فَحظُّ العَقْل أَنْ يدرك أنَّ السرقة مفسدة فتناسب شرعًا زاجرًا، أما كَوْنُ الزاجر قَطْعًا أو ضَرْبًا أو حَبْسًا أَو اسْتِرْقَاقًا، والقَدْرُ الِّذِي يُقْطَعُ فِي مِثلِهِ- فَلَيسَ فِي العَقْلِ ما يُرْشِدُ إِلَى ذلك إلا بتوقيفٍ شرعيٍّ، وكذلكَ سائرُ الأبْوَابِ غايَةُ العَقْلِ تَعليلُ أصْلها، أمَّا تفاصيلها، فلا يكادُ يَطَّلِعُ على شيءٍ مِنْ أَسرارها إلا ما أشار إِلَيه الشَّرْعُ فيها، هذا تلخيصُ المباحِثِ المشهورة، وأمَّا الإِمامُ فقَدْ قال عَلَى ما لَخَّصَهُ الغَزَّاليُّ فِي "المَنْقُول" مِنْ مختاره: الصَّحِيحُ عندنا أَنَّ الاستِدْلَال المُرْسَلَ فِي الشَّرْعِ لا يُتَصَوَّرُ حتَّى يحكم علَيه بنفْيٍ أو إِثباتٍ؛ إِذِ الوَقَائِعُ لا حَصْرَ لها، وكذلك المَصَالِحُ، وما مِنْ مسألةٍ تَعْرِضُ إلَّا وفي الشَّرْعِ دليلٌ عَلَيها: إِمَّا بِالقَبُولِ أو بالرَّدِّ؛ فإِنَّا نعتقدُ استحالةَ خُلُوِّ واقعةٍ عن حُكْم الله تعالى؛ خلافًا للقَاضِي؛ فإِن الدِّينَ قَدْ أُكْمِلَ وَاستأْثَرَ الله -تعالى- بِرَسُولِهِ، وانْقَطَعَ الوَحْيُ، ولم يكُنْ ذلِكَ إلا بَعْدَ إِكْمَالِ الدِّين؛ قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]؛ والذي يَدُلُّ عَلَى عدم تصوُّره أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ تَنْقَسِمُ إِلى: مواقِعِ التَّعَبُّدَاتِ، والمُتَّبعُ فيها النصُوصُ وما فِي معانيها فما لم تُرْشِدِ النصوصُ إِلَيه، فلا تَعَبُّد به. وإلى ما لَيسَ مِنْ المتعبَّدات وهو ينقسِمُ إِلَى: ما يتعلَّق بالألْفَاظِ؛ كالأيمَانِ، والمُعَامَلَاتِ، والطَّلَاقِ، والعَتَاقِ، وقد أحَال الشَّارعُ موجباتِهَا علَى قضايا العُرْفِ، ولا يَنْفَكُّ لفظ عن قضايا العُرْفِ فيها بنَفْيٍ أو إثباتٍ إلا فيما استثناه الشارعُ؛ كَالاكتفاءِ بالعثكال الَّذِي عَلَيهِ مِائة شمراخ إذا حَلَفَ. لَيَضْرِبَنَّهُ مَائَةً؛ كما فِي قِصَّة أيُّوبَ ﵇ ولم يُنْسَخْ مِنْ شَرْعِنَا. وَإلَى ما يتعلَّق بِغَيرِ الألفاظِ، وهو ينقسم إِلَى: ما لا ينضبط فِي نَفْسِهِ؛ كالنجاساتِ والمحظُورَات، وطُرُقِ تَلَقِّي الأَمْلَاكِ؛ فهذه الأَحْكَامُ منضبطةٌ، وَمُسْتَنَدَاتُهَا معلومةٌ. وَإلَى ما لا ينضبطُ إلا بالضبطِ مِنْ مقابِلِهِ؛ كالأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ والأفعالِ المباحةِ تَنْضَبِطُ بأنْ تُضْبَطَ النجاسةُ والحَظْر؛ وكذلك الأملاك تنضبطُ بضبط طرق النقل، والباقي على الاسترسال في الطرف الثاني؛ فإِذا وَقَعَت واقعةٌ، أُلْحِقَتْ بأحد الجانبين، وإن تردد بينهما، فجاز بها الطرفان - لحقت بأقربهما، ولا بد أن يلوح الترجيح غالبًا لا محالة؛ فيخرج منه أنَّ كل مصلحةٍ تتخيَّل فِي كُلِّ واقعةٍ مُحْتَوشَةِ الأُصُولِ المعارضة لا بُدَّ أنْ تشهد الأصول لِرَدِّها أَوْ قَبُولِها، فأمَّا تقديرُ جَرَيَانِهَا مهملةً، فلا تصوُّر له، والله أعلم. نجز الإِملاءُ علَى "مَعَالِمِ أُصُولِ الْفِقْهِ" بِحمد الله وعَوْنِهِ، وحُسْنِ توفيقِهِ. والحَمْدُ لله وَحْدَهُ وصلواتُهُ علَى خَيرِ خَلْقِهِ مُحَمَّد، وعلى آله وصَحْبِهِ أجمعين.