للبخاري: «بين يدي الساعة أيام الهرج يزول فيها العلم، ويظهر فيها الجهل» قال أبو موسى: والهرج: القتل بلسان الحبشة.
الحديث الثامن والأربعون: عن عمرو بن تغلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة» رواه الإمام أحمد، والحاكم من طريقه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإسناده على شرطهما صحيح، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وقد رواه النسائي في سننه بزيادة ونقص عما هنا.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ولفظه: «إن من أشراط الساعة يكثر التجار ويظهر القلم».
الحديث التاسع والأربعون: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة.
وفي رواية لأحمد والشيخين عنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا؛ ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم
стр. 72
فيضلون ويضلون» هذا لفظ البخاري.
الحديث الخمسون: ما أخرجه يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون».
ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵁ إلى قوله: «شر منه» قال: فأصابتنا سنة خصب فقال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء.
ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: «لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله، أما إني لا أعني أميرا خيرا من أمير، ولا عاما خيرا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يفتون برأيهم».
وفي لفظ عنه من هذا الوجه: «وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها؛ ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه»، ذكر هذه الطرق كلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فلعل ابن مسعود ﵁ سمعه من النبي ﷺ .
الحديث الحادي والخمسون: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 73
«كيف بكم إذا فسق فتيانكم، وطغى نساؤكم؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟! قال: «نعم وأشد، كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم وأشد، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم وأشد، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم» رواه رزين.
الحديث الثاني والخمسون: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» رواه ابن ماجة وقال: قال زيد -يعني ابن يحيى بن عبيد الخزاعي أحد رواته-: تفسير معنى قول النبي ﷺ : «والعلم في رذالتكم»: إذا كان العلم في الفُسَّاق، قلت: وسيأتي عن ابن مسعود ﵁ ما يؤيد ذلك.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس ﵁ قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفحش في شراركم، والملك في صغاركم، والفقه في رذالكم».
стр. 74
قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق مكحول، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الفقه في صغاركم ورذالكم».
قال الحافظ ابن حجر: وفي مصنف قاسم بن أصبغ بسند صحيح عن عمر ﵁: فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصغير.
وذكر أبو عبيد أن المراد بالصغر في هذا صغر القدر لا السن، والله أعلم. انتهى.
قلت: بل كلاهما مراد لما روى الإمام أحمد والحاكم من حديث أنس ﵁ مرفوعا: «إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في مُرَّادكم، والمداهنة في خياركم» الحديث، فقوله: «في مُرَّادكم» واضح في صغر السن، وقوله: «في رذالكم» واضح في صغر القدر، وقد يطلق وصف الأمرد على من يحلق لحيته ويشتبه بالنساء والمردان أخذا مما ذكره أئمة اللغة؛ قال الجوهري: تمريد الغصن تجريده من الورق، وقال الراغب الأصفهاني: من قولهم شجر أمرد؛ إذا تعرى من الورق، ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر. انتهى.
وحلق الشعر من اللحية قريب في المعنى من تمريد الغصن وتعري
стр. 75
الشجر من الورق، فجاز إطلاق وصف الأمرد على فاعله بهذا الاعتبار، وعلى هذا فيعود المعنى إلى ما ذكره أبو عبيد من صغر القدر، والله أعلم.
ومعنى الحديث -والله أعلم- أن العلم يتحول في آخر الزمان عند الفُسَّاق والمردان السفهاء، ونحوهم من السفل والأراذل الذين لا يؤبه لهم، وليسوا من رعاة العلم الذين يحترمونه ويصونونه عما يدنسه ويشينه، فيستهان بهم ويستهان بالعلم لأجلهم، فلا يقبل منهم ولا يستمع لقولهم.
وأيضا فإنهم من أعظم الأسباب لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لإتيانهم المنكرات، وإنكارهم على من أنكر عليهم شيئا منها بالشبه والمغالطات، كما هو الواقع من كثير منهم في هذه الأزمان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ألا ترى إلى حالة أكثرهم في هذه الأزمان وما هم عليه من أنواع الفسوق والعصيان؟ فبعضهم يحلق لحيته ويتشبه بأعداء الله من المشركين والنصارى والمجوس، وبعضهم ينتفها نتفا وذلك أقبح من الحلق؛ لأن فيه زيادة تشويه للخلقة، وكل من الحلق والنتف مُثلة قبيحة، وكثير منهم يشربون الدخان الخبيث المسمى بالتتن ويدمنون شربه، وقد ثبت أنه من المسكرات كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، وأما خبثه فلا يمتري فيه عاقل، وكثير منهم يتهاونون بالصلاة ويضيعونها ولا يبالون بها، وسواء عند بعضهم صلاها في جماعة أو وحده، أو في وقتها أو بعده، حتى إن بعضهم يعكف على أم الملاهي الراديو (١) أكثر
ليله، ثم ينام عن صلاة الفجر فلا يصليها إلا بعد ارتفاع النهار، وبعضهم يترك صلاة العشاء مع الجماعة إيثارا للعكوف على الراديو، وربما ترك حضور
стр. 76
الجمعة لذلك، فأكثرهم لا يزال عاكفا على أم الملاهي في أكثر أوقاته، يستمع إلى المحرمات من غناء المغنيات ونغمات البغايا المتهتكات وأنواع المزامير والمعازف، أو إلى الاستهزاء بالقرآن وقراءته بألحان الغناء والنوح، أو إلى قيل وقال وخطب أعداء الله وهذيانهم، فما أشبه العاكفين عليه بالذين اتخذوا عجلا جسدا له خوار، وكثير منهم يتخذون الساعات التي فيها الموسيقى المطربة، وكثير منهم يشترون المُصوَّرات ويقتنونها ولا يلتفتون إلى أمر النبي ﷺ بطمسها ولطخها، وكثير منهم يلعبون بالأوراق المسماة بالجنجفة ويقامرون عليها وذلك من الميسر المحرم، وقد مرّ عليّ ﵁ على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها. رواه ابن أبي حاتم، واللاعب بالجنجفة أولى أن يشبه بالعاكفين على التماثيل؛ لأن أكثر أوراقها تماثيل، فاللاعب بها كالعاكف على التماثيل، وكثير منهم يلعبون بالكرة وهي من شر الأشر، وقد روى البخاري في الأدب المفرد من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأشرة شر»، قال أبو معاوية أحد رواته: الأشر: العبث، وفيها من اللهو والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ما لا يخفى على عاقل، والمقامرة عليها من الميسر المحرم، وكثير منهم يصفقون في المجتمعات والأندية عند التعجب واستحسان المقالات فيتشبهون في ذلك بكفار قريش وبطوائف الكفر
стр. 77
والضلال في زماننا من الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى، ويتشبهون أيضا بالنساء لكون التصفيق من أفعالهن في الصلاة إذا ناب الإمام شيء فيها.
وغالبهم يتحلون بالساعات في أيديهم كأنها أسورة النساء، وقد جاء في أحاديث كثيرة لعن المتشبهين من الرجال بالنساء كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى، وفيهم من معاشرة الأنذال والسفل الساقطين ما هو ظاهر معروف عند العامة والجهال فضلا عن الخاصة وأهل العلم، وقد قال ابن مسعود ﵁: اعتبروا الناس بأخدانهم.
وقال الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فخالل خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
وقال آخر:
لكل امرئ شكل يقر بعينه
وقرة عين الفسل أن يصحب الفسلا
وقال آخر:
يُقاس المرء بالمرء … إذا هو ماشاهُ
وقال آخر:
لا يصحب الإنسان إلا نظيره
وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد
стр. 78
وأبلغ من ذلك كله قول النبي ﷺ : «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» رواه البخاري من حديث عائشة ﵂.
وكثير منهم لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، وإذا أمرهم أحد بمعروف أو نهاهم عن منكر سخروا منه، وهمزوه ولمزوه، وازدروا به، ورموه زورا وبهتانا بكل ما يرون أنه يدنسه ويشينه.
وبالجملة فلا ترى أكثرهم إلا على أخلاق الفُساق والسفهاء، راغبين عن أخلاق أهل العلم والدين، مجانبين كل فضيلة، ومقارفين كل رذيلة، فهم الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وثبطوا غيرهم عن القيام في ذلك، وصارحوا بالعداوة والأذى كل من أنكر عليهم شيئا من أفعالهم السيئة، فصلوات الله وسلامه عن الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
والمراد بما ذكر في حديث أنس ﵁ الأكثر والأغلب لا العموم؛ لما جاء في الحديث الصحيح: «لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: هم أهل العلم، وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري-: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث. انتهى، وكذا قال ابن المبارك وأحمد بن سنان وابن حبان وغيرهم، وقال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري مَن هم! والمراد بقولهم أهل العلم وأهل الحديث؛ حَمَلة
стр. 79
العلم والحديث ورعاة الدين الذين جمعوا بين العلم والعمل، لا الفساق والسفهاء الذين حملوا العلم ثم لم يحملوه بل أهانوه ودنسوه بالأطماع واتباع الشهوات والأهواء، فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارا.
ومما يدل على أن العموم غير مراد ما جاء في سنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان من حديث أبي عنبة الخولاني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته»، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: هم أصحاب الحديث.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «غرس الله» هم أهل العلم والعمل، فلو خلت الأرض من عالم خلت من غرس الله، وأخبر رسول الله ﷺ أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة، فلا يزال غرس الله الذين غرسهم في دينه يغرسون العلم في قلوب من أهَّلهم الله لذلك وارتضاهم فيكونوا ورثة لهم كما كانوا هم ورثة لمن قبلهم، فلا تنقطع حجج الله والقائم بها من الأرض. انتهى.
الحديث الثالث والخمسون: عن ابن مسعود ﵁ قال: «لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم، وتفرقت أهواؤهم هلكوا» رواه أبو عبيد ويعقوب بن شيبة والطبراني.
ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث إبراهيم بن أدهم عن شعبة بن الحجاج قال: أنبأنا أبو إسحاق الهمداني، عن سعيد بن وهب، عن عبد الله
стр. 80
بن مسعود قال: «لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا».
الحديث الرابع والخمسون: عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشراط الساعة أن يُلتمس العلم عند الأصاغر» رواه الطبراني.
الحديث الخامس والخمسون: عن زياد بن لبيد ﵁ قال: ذكر النبي ﷺ شيئا فقال: «ذاك عند أوان ذهاب العلم» قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة؛ أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما» رواه الإمام أحمد وابن ماجة، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي في تلخيصه.
الحديث السادس والخمسون: عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء» فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم».
قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبره بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن
стр. 81
شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا.
رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث السابع والخمسون: عن جبير بن نفير قال: قال عوف بن مالك الأشجعي ﵁: إن رسول الله ﷺ نظر إلى السماء يوما فقال: «هذا أوان يرفع العلم» فقال له رجل من الأنصار يقال له ابن لبيد: يا رسول الله، كيف يرفع العلم وقد أثبت في الكتاب ووعته القلوب؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة، ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله»، قال: فلقيت شداد بن أوس فحدثته بحديث عوف بن مالك فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى، قال: الخشوع، حتى لا ترى خاشعا. رواه الحاكم في مستدركه، وأبو نعيم في الحلية، وهذا لفظ الحاكم وقال: صحيح، وقد احتج الشيخان بجميع رواته، ووافقه الحافظ الذهبي.
الحديث الثامن والخمسون: عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنكم في زمان علماؤه كثير وخطباؤه قليل، من ترك فيه عُشر ما يعلم هوى، وسيأتي على الناس زمان يقل علماؤه ويكثر خطباؤه، من تمسك فيه بعُشر ما يعلم نجا» رواه الإمام أحمد.
الحديث التاسع والخمسون: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنكم في زمان من ترك منكم ما أُمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل
стр. 82
منهم بعُشر ما أُمر به نجا» رواه الترمذي، والطبراني في الصغير، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، قال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد ﵄.
الحديث الستون: عن حزام بن حكيم بن حزام عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه كثير معطوه قليل سؤاله، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه وكثير خطباؤه وكثير سؤاله قليل معطوه، العلم فيه خير من العمل» رواه الطبراني.
وله أيضا من حديث حزام بن حكيم عن عمه مرفوعا مثله، وهو الحديث الحادي والستون.
الحديث الثاني والستون: عن زيد بن وهب قال: سمعت ابن مسعود ﵁ يقول: «إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤاله، كثير معطوه، العمل فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل، اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل» رواه البخاري في الأدب المفرد.
ورواه الإمام مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال لإنسان: «إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه
стр. 83
الصلاة ويقصرون الخطبة، يبدّون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه، يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده، كثير من يسأل قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة يقصرون الصلاة، يُبَدّون فيه أهواءهم قبل أعمالهم» وهذا الحديث في حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال إلا عن توقيف.
وقوله: «وتضيع حروفه» ليس معناه على ظاهره وإنما معناه أنهم لا يتكلفون في قراءة القرآن كما يتكلف كثير من المتأخرين، ولا يتقعرون في أداء حروفه كما يتقعر كثير من المتأخرين، ولا يتوسعون في معرفة أنواع القراءات كما فعل من بعدهم، والله أعلم.
وقوله: «يُبَدُّون» بضم الياء وفتح الباء وتشديد الدال معناه يُقدِّمون، وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا، فقلّ فيه الفقهاء وكثر فيه القراء الذين يحفظون حروف القرآن ويتقعرون في أدائها، ويضيعون حدود القرآن ولا يبالون بمخالفة أوامره وارتكاب نواهيه، يطيلون الخطب ويقصرون الصلاة، ويقدمون أهواءهم قبل أعمالهم، وقد رأينا من هذا الضرب كثيرا، فالله المستعان.
الحديث الثالث والستون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي على أمتي زمان يكثر فيه القراء ويقل الفقهاء، ويقبض العلم، ويكثر الهرج، ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم، ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المشرك بالله المؤمن في مثل ما
стр. 84
يقول» رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم في مستدركه قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الرابع والستون: عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال ﷺ : «فإذا ضيّعت الأمانة فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» رواه الإمام أحمد والبخاري.
وفي رواية له: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": إسناده الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط، ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة، وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر تلميحا لما روي عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله ﷺ قال: «من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر».
وقال أيضا: المراد من الأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك، قال ابن بطال: معنى «أسند الأمر إلى غير أهله» أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها. انتهى.
الحديث الخامس والستون: عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن: «الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من
стр. 85
السُنَّة -وحدثنا عن رفعها قال-: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المَجْل كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ردَّه عليَّ الإسلام وإن كان نصرانيا رده عليّ ساعيه فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا» متفق عليه.
قال البخاري رحمه الله تعالى: سمعت أبا أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعي وأبو عمر وغيرهما: جذر قلوب الرجال: الجذر الأصل من كل شيء، والوكت: أثر الشيء اليسير منه، والمجل: أثر العمل في الكف إذا غلظ. انتهى.
والجذر: بفتح الجيم وكسرها، والوَكْت: بفتح الواو وسكون الكاف، والمجل: بفتح الميم وسكون الجيم، والمنتبر: هو المرتفع المتنفظ.
الحديث السادس والستون: عن حذيفة أيضا ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: «نعم»، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يَسْتَنُّون بغير سُنتي ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر»، فقلت: هل بعد ذلك الخير من
стр. 86
شر؟ قال: «نعم؛ دعاة على أبواب جهنم مَن أجابهم إليها قذفوه فيها» فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: «نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي رواية له عن حذيفة ﵁ قلت: يا رسول الله، إنا كنا بِشرٍّ فجاءنا الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: «نعم»، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: «نعم»، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: «نعم»، قلت: كيف؟ قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس»، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع».
الحديث السابع والستون: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم» رواه مسلم في مقدمة صحيحه، والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه وقال: "هذا حديث ذكره مسلم في خطبة الكتاب مع الحكايات، ولم يخرجاه في أبواب الكتاب، وهو صحيح على شرطهما جميعا، ومحتاج إليه في الجرح والتعديل، ولا أعلم له علة"، وأقره الحافظ
стр. 87
الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية لمسلم: «يكون في آخر الزمان دجَّالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم».
الحديث الثامن والستون: عن الضحاك قال: «يأتي على الناس زمان تكثر فيه الأحاديث حتى يبقى المصحف عليه الغبار لا ينظر فيه» رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد، وفي إسناده رجل لم يُسم، وبقية رجاله ثقات، ومثله لا يقال من قبل الرأي.
وقد كثرت أحاديث الصحف التي هي الجرائد والمجلات في هذه الأزمان، وكذلك أحاديث الإذاعات وأكثر الكتب العصرية، وافتتن بذلك الأكثرون من الخاصة والعامة، ونبذوا لأجلها كتاب الله تعالى وأحاديث رسوله ﷺ وآثار سلف الأمة وراء ظهورهم، ولعل زماننا هو الزمان الذي أشار إليه النبي ﷺ في حديث أبي هريرة وغيره، وذكر عنه عطاء ما ذكر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الحديث التاسع والستون: عن حذيفة ﵁ أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفه ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى وارها ثم قال: والذي نفسي بيده، ليجيئنّ أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة. رواه الحافظ محمد ابن وضاح.
стр. 88
الحديث السبعون: عن علي ﵁ أنه قال: "تعلَّموا العلم تُعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم" رواه محمد بن وضاح في كتاب "البدع والحوادث"، ورواه الإمام أحمد في كتاب الزهد وزاد: "لا ينجو فيه إلا كل نؤمة، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم" قال أبو عبيد الهروي: النوْمة: بوزن الهمزة، الخامل الذكر الذي لا يؤبه له، وقيل: الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر وأهله، وقيل النوَمة بالتحريك: الكثير النوم، وأما الخامل الذي لا يؤبه به فهو بالتسكين، ومن الأول حديث ابن عباس ﵄ أنه قال لعلي ﵁: ما النومة؟ قال: الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء. انتهى.
الحديث الحادي والسبعون: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف وتجيء فيقول: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» الحديث، رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة.
الحديث الثاني والسبعون: عن عصمة بن قيس صاحب النبي ﷺ «أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب» رواه البخاري في التاريخ الكبير، والطبراني وابن عبد البر وغيرهم.
وذكر ابن عبد البر عنه «أنه كان يتعوذ بالله من فتنة المشرق» فقيل له:
стр. 89
فكيف فتنة المغرب؟! قال: «تلك أعظم وأعظم».
وهذا الأثر له حكم المرفوع كنظائره، وأكثر ما ظهرت الفتن في أوائل هذه الأمة من قبل المشرق، ومن أعظمها شرا فتنة الجهمية، ولا سيما في أثناء دولة بني العباس لما قام بتأييدها المأمون والمعتصم والواثق، ومع ذلك فأكثر المسلمين على إنكارها والتحذير منها ومن غيرها من مضلات الفتن.
وأما في زماننا فظهور الفتن من قبل المغرب أكثر، وذلك لما استولت الإفرنج على بعض الممالك الإسلامية فبثوا فيها رذائل مدنيتهم وسفساف أخلاقهم وخواطئ نظاماتهم وقوانينهم وسياساتهم التي ما أنزل الله بها، فافتتن بتقليدهم والتشبه بهم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ووقع في ذلك كثير من المنتسبين إلى العلم فضلا عن العامة، وما زالت هذه الفتن المغربية تربو في المسلمين وتنتشر فيهم حتى آل الأمر ببعضهم إلى الانسلاخ من دين الإسلام، والاستخفاف بأحكام الشريعة المحمدية، والاعتياض عنها بالقوانين والنظامات الإفرنجية أو ما يشبهها من أحكام الطاغوت.
ومن تأمل ما دخل على المسلمين من الشر بسبب الفتن المشرقية، وما دخل عليهم من الشر بسبب الفتن المغربية ظهر له أن فتنة المغرب أعظم وأعظم.
الحديث الثالث والسبعون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، يظهر النفاق، وتُرفع الأمانة، وتقبض الرحمة، ويُتَّهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، أناخ بكم
стр. 90
الشُّرْف الجون» قالوا: وما الشُّرْف الجون يا رسول الله؟ قال: «الفتن كأمثال الليل المظلم» رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الشرف: بضم الشين وسكون الراء وبالفاء جمع شارف وهي الناقة المُسنَّة، والجون: السود.
قال أبو عبيد الهروي: شبه الفتن في اتصالها، وامتداد أوقاتها بالنوق المسنة السود، ويروى هذا الحديث بالقاف يعني: الفتن التي تجيء من جهة المشرق. انتهى.
الحديث الرابع والسبعون: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويُخوَّن الأمين» الحديث، رواه الإمام أحمد، والحاكم في مستدركه.
الحديث الخامس والسبعون: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أشراط الساعة الفُحش والتفحُّش وقطيعة الرحم وتخوين الأمين وائتمان الخائن» رواه الطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
الحديث السادس والسبعون: عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى
стр. 91
يظهر الفُحش والبخل، ويُخوَّن الأمين ويؤمَّن الخائن، ويهلك الوعول، ويظهر التحوت» قالوا: يا رسول الله، وما الوعول وما التحوت؟ قال: «الوعول وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم» رواه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في مستدركه وقال: رواته كلهم مدنيون ممن لم ينسبوا إلى نوع من الجرح، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الطبراني أيضا من طريق أبي علقمة سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: «إن من أشراط الساعة …» فذكر نحوه، وزاد: كذلك أنبأنا عبد الله بن مسعود ﵁: سمعته من حِبِّي، قلنا: وما التحوت؟ قال: فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة، قلنا: وما الوعول؟ قال: أهل البيوت الصالحة.
وقد رواه البخاري في الكُنى من طريق أبي علقمة حليف بني هاشم قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: «إن من أشراطها أن يظهر الفحش والشح، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وتظهر ثياب فيها كافوا السحن يلبسها نساء كاسيات عاريات، ويعلو التحوت الوعول» أكذاك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حِبِّي؟ قال: نعم، ورب الكعبة التحوت، قلنا: وما التحوت والوعول؟ قال: فسق الرجال، وأهل البيوت القانصة يرفعون فوق صالحيهم وأهل البيوت الصالحة.
الحديث السابع والسبعون: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أمام الدجال سنوات خدَّاعات، يُكذّب فيها الصادق ويُصدّق فيها الكاذب،
ويُخوّن فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة» رواه الإمام
стр. 92
أحمد.
الحديث الثامن والسبعون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدّق فيها الكاذب، ويُكذّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة» قيل: يا رسول الله، وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» رواه الإمام أحمد وابن ماجة، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال الجوهري: الرويبضة: التافه الحقير.
وقال ابن الأثير: التافه الحقير الخسيس.
قلت: وفي رواية للحاكم: قيل: يا رسول الله، وما الرويبضة؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة».
فتحصل من هذا أن الرويبضة هو: السفيه، التافه، الحقير، الخسيس.
الحديث التاسع والسبعون: عن أم سلمة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «ليأتين على الناس زمان يُكذّب فيه الصادق ويُصدّق فيه الكاذب، ويُخوّن فيه الأمين ويؤتمن فيه الخؤون، ويشهد فيه المرء وإن لم يُستشهد، ويحلف وإن لم يُستحلف، ويكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع لا يؤمن بالله ورسوله» رواه البخاري في تاريخه، والطبراني.
ورواه البخاري أيضا في التاريخ مختصرا، ولفظه قال: «لا تقوم الساعة
стр. 93
حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع، ثم يصير إلى النار».
الحديث الثمانون: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» رواه الإمام أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث حسن.
الحديث الحادي والثمانون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تذهب الدنيا حتى تصير للكع بن لكع» رواه الإمام أحمد.
قال أبو السعادات ابن الأثير: اللكع عند العرب العبد، ثم استعمل في الحمق والذم، يقال للرجل: لكع، وللمرأة لكاع، وهو اللئيم، وقيل: الوسخ، وقيل: يطلق على الصغير، فإن أطلق على الكبير أريد به الصغير في العلم والعقل. انتهى.
والمعنى في هذا الحديث والذي قبله أن المال يتحول في آخر الزمان في أيدي الحمقى اللئام بني الحمقى اللئام، وأنهم يكونون أسعد بالمناصب الدنيوية، ونعيم الدنيا وملاذها والوجاهة فيها، وقد وقع ذلك، فالله المستعان.
الحديث الثاني والثمانون: عن زَهْدَم بن مُضرِّب سمعت عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا «ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» متفق عليه.
стр. 94
ورواه مسلم أيضا وأبو داود والترمذي من حديث زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين ﵄ بنحوه، وفيه: «ويفشو فيهم السمن» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الإمام أحمد والترمذي من حديث هلال بن يساف، عن عمران بن حصين ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنون، ويحبون السمن، يعطون الشهادة قبل أن يُسألوها».
الحديث الثالث والثمانون: عن بلال بن سعد بن تميم السكوني، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: «أنا وأقراني» قلنا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: «ثم القرن الثاني» قلنا: يا رسول الله، ثم ماذا؟ قال: «القرن الثالث»، قلنا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: «ثم يكون قوم يحلفون ولا يستحلفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويؤتمنون ولا يؤدون» رواه أبو نعيم في الحلية.
الحديث الرابع والثمانون: عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة، وزاد أحمد والشيخان: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.
الحديث الخامس والثمانون: عن النعمان بن بشير ﵄ عن
стр. 95
النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم وشهادتهم أيمانهم» رواه ابن حبان في صحيحه.
الحديث السادس الثمانون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي القرن الذين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم» والله أعلم أذكر الثالث أم لا، قال: «ثم يخلف قوم يحبون السمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا» رواه الإمام أحمد ومسلم.
قال النووي رحمه الله تعالى: «السمانة»: بفتح السين هي السمن، قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم، وليس معناه أن يتمحضوا سمانا، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقه فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب زائدا على المعتاد، وقيل: المراد بالسمن هنا أنهم يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف وغيره، وقيل: المراد جمعهم الأموال. انتهى. والقول الأول أولى بظواهر الأحاديث، والله أعلم.
الحديث السابع والثمانون: عن جابر بن سمرة، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية فقال: إن رسول الله ﷺ قام فينا مثل مقامي فيكم فقال: «احفظوني في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل وما يستشهد، ويحلف وما يستحلف» رواه الإمام أحمد وابن ماجة والطبراني، وهذا لفظ ابن ماجة.
стр. 96
ورواه الإمام أحمد أيضا والترمذي، والحاكم في مستدركه من حديث ابن عمر ﵄ قال: خطبنا عمر ﵁ بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد …» وذكر تمام الحديث، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه الحاكم أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: وقف عمر ﵁ بالجابية فقال: … وذكره بنحو حديث جابر وابن عمر ﵃، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه البخاري في التاريخ الكبير من حديث عبد الله بن مالك بن إبراهيم الأشتر النخعي، عن أبيه، عن جده قال: قام عمر عند باب الجابية وذكر النبي ﷺ ثم قال: «إن يد الله على الجماعة، والفذ مع الشيطان، والحق أصل في الجنة، والباطل أصل في النار، وإن أصحابي خياركم فأكرموهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب والهرج».
الحديث الثامن والثمانون: عن أنس ﵁ أنه قال: «إنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» سمعته من نبيكم ﷺ ، رواه الإمام أحمد والبخاري، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 97
الحديث التاسع والثمانون: عن أنس أيضا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شُحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» الحديث، رواه ابن ماجة والطبراني، والحاكم في مستدركه.
الحديث التسعون: عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا المال إلا إفاضة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار من خلقه» رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الحادي والتسعون: عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الأمر لا يزداد إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شُحّا، ولا تقوم الساعة إلى على شرار الناس» رواه أبو نعيم في الحلية من حديث مسعر عن قتادة عن الحسن عن عمر بن حصين ﵄.
الحديث الثاني والتسعون: ذكره الإمام أحمد ﵀ في كتاب الصلاة تعليقا فقال: وعنه ﷺ أنه قال: «خير أمتي الذين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، والآخر شر إلى يوم القيامة».
الحديث الثالث والتسعون: ذكره الإمام أحمد في كتاب الصلاة فقال: وجاء عنه ﷺ أنه قال لأصحابه: «أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم، وأبناء أبنائكم خير من أبنائهم، والآخر شر إلى يوم القيامة».
الحديث الرابع والتسعون: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن
стр. 98
رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان، ولا تدركوا زمانا لا يُتَّبع فيه العليم، ولا يستحيا فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» رواه الإمام أحمد.
الحديث الخامس والتسعون: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا يدركني زمان، أو لا أدرك زمان قوم لا يتبعون العليم، ولا يستحيون من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال المناوي في "شرح الجامع الصغير": «قلوبهم قلوب الأعاجم»: أي بعيدة من الخلاق، مملوءة من الرياء والنفاق، «وألسنتهم ألسنة العرب»: متشدقون، متفصحون، متفيهقون، يتلونون في المذاهب، ويروغون كالثعالب، قال الأحنف: لأن أُبتلى بألف جموح لجوج أحب إلي من أن أُبتلى بمُتلوِّن، قال: والمعنى اللهم لا تحيني ولا أصحابي إلى زمن يكون فيه ذلك. انتهى.
قلت: وهذا الحديث يطابق حال الأكثرين في زماننا، فإنهم لا يتبعون العليم، ولا يستحيون من الحليم، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، وليس معهم من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم العربية ما يحملهم على الحياء، ويمنعهم من تعاطي ما يدنس ويشين عند ذوي الأحلام والنهى، وإنما شبه قلوبهم بقلوب الأعاجم لقلة فقههم في الدين، وانحرافهم عن
стр. 99
المروءات العربية، وتخلقهم بأخلاق الأعاجم من طوائف الإفرنج وغيرهم، وشدة ميلهم إلى مشابهتهم في الزي الظاهر، بل وفي جميع الأحوال، واتِّباع سنتهم حذو القذة بالقذة، والمشابهة في الظاهر إنما تنشأ من تقارب القلوب وتشابهها، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ …﴾ الآية [البقرة: ١١٨]، وقد عظمت البلوى بداء المشابهة، وعمَّت جميع الأقطار الإسلامية إلا من شاء الله من أهل القرى المتمسكين بالسنة النبوية والشيم العربية، وقليل ما هم ولا سيما في هذا الزمان الذي اشتدت فيه غربة الإسلام، وعاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، فالله المستعان.
الحديث السادس والتسعون: عن سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يتعوذ من إمارة الصبيان والسفهاء، فقال سعيد بن سمعان فأخبرني ابن حسنة الجهني أنه قال لأبي هريرة: ما آية ذلك؟ قال: أن تقطع الأرحام، ويُطاع المُغوي، ويُعصى المرشد. رواه البخاري في الأدب المفرد.
الحديث السابع والتسعون: عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام، فأولئك شرار أمتي» رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو نعيم في الحلية.
الحديث الثامن والتسعون: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «شرار أمتي الذي غذوا في النعيم، الذين يتقلبون في ألوان الطعام والثياب،
стр. 100
الثرثارون الشداقون بالكلام» رواه أبو نعيم في الحلية من حديث سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الزهري، عن عروة عن عائشة ﵄.
الحديث التاسع والتسعون: عن بكر بن سوادة مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون نشو من أمتي يولدون في النعيم، ويغذون به، همتهم ألوان الطعام، وألوان الثياب، يتشدقون بالقول، أولئك شرار أمتي» رواه الإمام أحمد في كتاب "الزهد".
الحديث المائة: عن فاطمة بنت الحسين مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يطلبون ألوان الطعام، وألوان الثياب، يتشادقون في الكلام» رواه الإمام أحمد في كتاب "الزهد".
قال أبو موسى المديني: المتشدقون: هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز، وقيل: المراد بالمتشدق المستهزئ بالناس، يلوي شدقه بهم وعليهم. انتهى.
والأول أصح، وبه جزم النووي رحمه الله تعالى، فإنه قال: المتشدق: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحا وتعظيما لكلامه. انتهى.
قلت: وكلا الضربين كثير جدا في زماننا، فالله المستعان.
الحديث الواحد بعد المائة: ما رواه الديلمي عن علي ﵁: «يأتي على الناس زمان همَّتهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقِبلتهم نساؤهم، ودينهم درهمهم ودنانيرهم، أولئك شرار الخلق، لا خلاق لهم عند الله».
стр. 101
الحديث الثاني بعد المائة: عن عباس الحميري عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كيف بكم إذا فسق نساؤكم» رواه البخاري في تاريخه.
الحديث الثالث بعد المائة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» رواه الإمام أحمد ومسلم.
الحديث الرابع بعد المائة: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم» رواه الإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه ولفظه: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم لخدمهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم» فقلت لأبي: وما المياثر؟ قال: سروجا عظاما. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قلت: والقائل لأبيه ما المياثر هو عبد الله بن عياش القتباني أحد رواته، وقد تقدم الكلام على الجملة الأولى منه قريبا، ويأتي بقية الكلام عليه في
стр. 102
ذم التبرج والسفور إن شاء الله تعالى.
الحديث الخامس بعد المائة: عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني، سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيّتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» رواه البخاري، والحِر بكسر المهملة وتخفيف الراء هو الفَرْج؛ يعني أنهم يستحلون الزنا.
الحديث السادس بعد المائة: عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير» رواه الإمام أحمد، وأبو داود مختصرا، وابن ماجة وهذا لفظه، وصححه ابن حبان وغيره.
الحديث السابع بعد المائة: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي الخمر يُسمُّونها بغير اسمها» رواه ابن ماجة.
الحديث الثامن بعد المائة: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَتستحلَّنّ طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» رواه الإمام أحمد وابن ماجة، والحافظ الضياء المقدسي في المختارة.
ورواه النسائي في سننه، عن ابن محيريز، عن رجل من أصحاب
стр. 103
النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها».
الحديث التاسع بعد المائة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِن حلال أم من حرام» رواه الإمام أحمد والبخاري والدارمي.
الحديث العاشر بعد المائة: عن الحسن -وهو البصري- عن أبي هريرة أيضا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحدا إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم وقال: صحيح إن صح سماع الحسن من أبي هريرة، قال الحافظ الذهبي في تلخيصه: سماع الحسن من أبي هريرة بهذا صحيح.
الحديث الحادي عشر بعد المائة: عن علي ﵁ قال: «يأتي على الناس زمانٌ عضوضٌ، يعضّ الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك قال الله : ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وينهد الأشرار، ويستذل الأخيار، ويبايع المضطرون» الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود.
الحديث الثاني عشر بعد المائة: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» رواه الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان.
стр. 104
وفي رواية بعضهم: «أدخل الله عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم».
ورواه أبو داود بلفظ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
وفي رواية لأحمد: «لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة ليُلزمنَّكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجوا على ما كنتم عليه».
الحديث الثالث عشر بعد المائة: عن أبي هريرة ﵁: «لا تقوم الساعة حتى يكون الزهد رواية، والورع تصنعا» رواه أبو نعيم في الحلية.
الحديث الرابع عشر بعد المائة: عن ابن مسعود ﵁: «إن من أعلام الساعة وأشراطها أن تكثر الشُرط والهمَّازون والغمَّازون واللمَّازون، وأن تكثر أولاد الزنا» رواه الطبراني.
قال أبو عبيد الهروي: الهَمْز الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم، وقد همز يهمز فهو همَّاز وهمزة للمبالغة. انتهى.
وأما الغمز فقال الراغب الأصفهاني: أصله الإشارة بالجفن أو اليد طلبا إلى ما فيه معاب، ومنه قيل: ما في فلان غميزة؛ أي نقيصة مشار بها إليه، قال: واللمز الاغتياب وتتبع المعاب، ورجل لمَّاز ولُمزة كثير اللمز. انتهى.
وقال أبو السعادات ابن الأثير: اللمز العيب والوقوع في الناس، وقيل: هو
стр. 105
العيب في الوجه، والهمز العيب بالغيب. انتهى.
الحديث الخامس عشر بعد المائة: عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال الأمة على شريعة حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث: ما لم يُقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الحنث، ويظهر فيهم السقّارون» قالوا: وما السقارون؟ قال: «نشء يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن» رواه الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قال أبو عبيد الهروي: أولاد الحنث: أولاد الزنا، من الحنث المعصية، ويُروى بالخاء المعجمة والباء الموحدة. انتهى.
وقال أبو موسى المديني: السقار والصقار اللعَّان لمن لا يستحق اللعن، سمي بذلك لأنه يضرب الناس بلسانه من الصقر، وهو ضربك الصخرة بالصاقور وهو المعول. انتهى.
قلت: وهذا النشء المرذول كثير جدا في زماننا، إذا تلاقوا كانت تحيتهم بينهم التلاعن والرمي بالكفر أو الفجور أو اليهودية أو النصرانية أو نحو ذلك من الألفاظ القبيحة، وقد سمعنا ذلك منهم كثيرا، فالله المستعان، وسيأتي في ذكر المنافقين حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها، تحيتهم لعنة …» وذكر تمام الحديث، رواه الإمام أحمد.
стр. 106
الحديث السادس عشر بعد المائة: عن أبي هريرة ﵁: «من أشراط الساعة تقارب الأسواق، ويكثر ولد البغي، وتفشو الغيبة، ويعظم رب المال، وترتفع الأصوات في المساجد، ويظهر أهل المنكر، ويظهر البناء» رواه ابن مردويه.
الحديث السابع عشر بعد المائة: عن أبي هريرة ﵁: «من أشراط الساعة سوء الجوار، وقطعية الأرحام، وأن يعطل السف من الجهاد، وأن تجلب الدنيا بالدين» رواه ابن مردويه.
الحديث الثامن عشر بعد المائة: عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشوّ التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، ظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق» رواه الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم قال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وحتى يخرج الرجل بماله إلى أطراف الأرض فيرجع فيقول: لم أربح شيئا».
وفي رواية للحاكم عن خارجة بن الصلت البرجمي قال: دخلت مع عبد الله يوما للمسجد فإذا القوم ركوع، فركع، فمر رجل فسلم عليه، فقال
стр. 107
عبد الله: صدق الله ورسوله، ثم وصل إلى الصف، فلما فرغ سألته عن قوله صدق الله ورسوله، فقال: إنه كان يقول: «لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقا، وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى تغلو الخيل والنساء، ثم ترخص فلا تغلو إلى يوم القيامة» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للإمام أحمد، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة».
وفي رواية له أيضا عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة».
قوله «تسليم الخاصة» قد بينه في الحديث الذي بعده «وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرف»، وهذا ما ظهر مصداقه في زماننا، وقد رأينا ذلك كثيرا في بلدان شتى من كثير من الجهال والعوام، ورأيناه أيضا من كثير من المنتسبين إلى العلم ولا سيما القُرّاء الفسقة، وما ذاك إلا لاستهانتهم بالآداب الشرعية، ورغبتهم عنها، وميلهم إلى الآداب الإفرنجية، ورغبتهم فيها، فالله المستعان.
الحديث التاسع عشر بعد المائة: عن سلمة بن كهيل عن ابن مسعود
стр. 108
- ﵁ مرفوعا: «من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين، وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرف، وأن يبرد الصبي الشيخ» رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إلا أن سلمة وإن كان سمع من الصحابة لم أجد له رواية عن ابن مسعود. انتهى.
قال المناوي في "شرح الجامع الصغير": معنى قوله «يبرد الصبي الشيخ»: أي يجعله رسولا في حوائجه. انتهى.
الحديث العشرون بعد المائة: عن الحسن قال: «يأتي على الناس زمان لا يكون لهم حديث في مساجدهم إلا في أمر دنياهم، فليس لله فيهم حاجة، فلا تجالسوهم» ذكره أبو بكر المروذي في كتاب "الورع".
وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همتهم إلا الدنيا، ليس لله فيهم حاجة، فلا تجالسوهم» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الحادي والعشرون بعد المائة: عن سلامة بنت الحر -أخت خرشة بن الحر الفزاري ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماما يصلي بهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
الحديث الثاني والعشرون بعد المائة: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن
стр. 109
رسول الله ﷺ قال: «إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم» رواه ابن أبي حاتم.
الحديث الثالث والعشرون بعد المائة: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه.
ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، وابن خزيمة في صحيحه بلفظ: «يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلا».
المباهاة في اللغة: المفاخرة، والمراد ههنا المفاخرة بتشييد المساجد وزخرفتها وتنقيشها كما هو الواقع في زماننا، والله المستعان، وذلك من أشراط الساعة كما تقدم في حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «للساعة أشراط»، قيل: وما أشراطها؟ قال: «غُلو أهل الفسق في المساجد» الحديث رواه أبو نعيم في الحلية.
والمراد به: الغلو في التشييد والزخرفة والنقش، فالله المستعان.
الحديث الرابع والعشرون بعد المائة: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أراكم ستشرّفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بِيَعها» رواه ابن ماجة.
الحديث الخامس والعشرون بعد المائة: وعنه ﵁ أنه قال: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» رواه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم.
стр. 110
قال أبو عبيد الهروي: الزخرف في الأصل الذهب، وكمال حُسن الشيء.
وقال الراغب الأصفهاني: الزخرف الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب زخرف. انتهى.
وقد فتن أكثر المسلمين في زماننا بتزويق المساجد، وتحسين بنائها وتضخيمه، فالله المستعان.
الحديث السادس والعشرون بعد المائة: عن ابن مسعود ﵁: «إن من أعلام الساعة وأشراطها أن تزخرف المحاريب، وأن تخرب القلوب» رواه الطبراني.
الحديث السابع والعشرون بعد المائة: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان» رواه البخاري في الأدب المفرد هكذا مختصرا، وأخرجه في كتاب الفتن من صحيحه مطولا، وفيه ذكر جملة من أشراط الساعة.
الحديث الثامن والعشرون بعد المائة: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل قال للنبي ﷺ : أخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان» رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن وغيرهم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله، وأنس بن مالك، وأبي هريرة ﵃. انتهى.