الإجماع على ذلك. ثم ذكر قول الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم": وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر.
وذكر القاضي أبو الحسين في الطبقات في ترجمة أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله أبي العباس الفارسي الاصطخري قال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت مَن أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكا، إنما هي سنة ماضية عند العلماء، قال: وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ، ومن زعم أن المعرفة تنفع في القلب لا يتكلم بها
стр. 457
فهو مرجئ. إلى آخر الرسالة.
وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتاب "الإيمان" ما رواه أبو عمر الطلمنكي بإسناده المعروف، عن موسى بن هارون الحمال قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا شك أن ذلك كما وصفنا، وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة، وآحاد أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين هلم جرا على ذلك، وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في عهد الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك بن أنس بالحجاز، ومعمر باليمن على ما فسرنا وبينا أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم من عصرنا هذا أهل العلم إلا من باين الجماعة، واتبع الأهواء المختلفة، فأولئك قوم لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة.
وقال الشيخ أيضا: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: هذه تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص:
من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، مجاهد بن جبر، ابن أبي مليكة، عمرو بن دينار، ابن أبي نجيح، عبيد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو بن عثمان، عبد الملك بن جريج، نافع بن جبير، داود بن عبد الرحمن العطار، عبد الله بن رجاء.
ومن أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري، ربيعة بن أبي
стр. 458
عبد الرحمن، أبو حازم الأعرج، سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، يحيى بن سعيد الأنصاري، هشام بن عروة بن الزبير، عبد الله بن عمر العمري، مالك بن أنس، محمد بن أبي ذئب، سليمان بن بلال، عبد العزيز بن عبد الله؛ يعني الماجشون، عبد العزيز بن أبي حازم.
ومن أهل اليمن: طاووس اليماني، وهب بن منبه، معمر بن راشد، عبد الرزاق بن همام.
ومن أهل مصر والشام: مكحول، الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، الوليد بن مسلم، يونس بن يزيد الأيلي، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شريح، سعيد بن أبي أيوب، الليث بن سعد، عبيد الله بن أبي جعفر، معاوية بن صالح، حيوة بن شريح، عبد الله بن وهب.
وممن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مهران، يحيى بن عبد الكريم، معقل بن عبيد الله، عبيد الله بن عمرو الرقي، عبد الملك بن مالك، المعافى بن عمران، محمد بن سلمة الحراني، أبو إسحاق الفزاري، مخلد بن الحسين، علي بن بكار، يوسف بن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل.
ومن أهل الكوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل، سعيد بن جبير، الربيع بن خيثم، عامر الشعبي، إبراهيم النخعي، الحكم بن عتيبة، طلحة بن مصرف، منصور بن المعتمر، سلمة بن كهيل، مغيرة الضبي، عطاء بن السائب، إسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان، يحيى بن سعيد،
стр. 459
سليمان بن مهران الأعمش، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضيل بن عياض، أبو المقدام، ثابت بن العجلان، ابن شبرمة، ابن أبي ليلى، زهير، شريك بن عبد الله، الحسن بن صالح، حفص بن غياث، أبو بكر بن عياش، أبو الأحوص، وكيع بن الجراح، عبد الله بن نمير، أبو أسامة، عبد الله بن إدريس، زيد بن الحباب، الحسين بن علي، علي الجعفي، محمد بن بشر العبدي، يحيى بن آدم، ومحمد، ويعلى، وعمرو بنو عبيد.
ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن، محمد بن سيرين، قتادة بن دعامة، بكر بن عبد الله المزني، أيوب السختياني، يونس بن عبيد، عبد الله بن عون، سليمان التيمي، هشام بن حسان الدستوائي، شعبة بن الحجاج، حماد بن سلمة، حماد بن زيد، أبو الأشهب، يزيد بن إبراهيم، أبو عوانة، وهيب بن خالد، عبد الوارث بن سعيد، معتمر بن سليمان التيمي، يحيى بن سعيد القطان، عبد الرحمن بن مهدي، بشر بن المفضل، يزيد بن زريع، المؤمل بن إسماعيل، خالد بن الحارث، معاذ بن معاذ، أبو عبد الرحمن المقري.
ومن أهل واسط: هشيم بن بشير، خالد بن عبد الله، علي بن عاصم، يزيد بن هارون، صالح بن عمر، عاصم بن علي.
ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم، أبو جمرة نصر بن عمران، عبد الله بن المبارك، النضر بن شميل، جرير بن عبد الحميد الضبي، قال
стр. 460
أبو عبيد: هؤلاء جميلا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، المعمول به عندنا. انتهى ما ذكره شيخ الإسلام قدس الله روحه.
وتقدم قول الفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد: أنهم أخذوا عن أهل الفقه والفضل قبلهم أن الإيمان قول وعمل.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه أئمة العلم في ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار؛ حجازا وعراقا، وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني -صاحب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه- في مسائله المشهورة: هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة، المتمسكين بها المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، قال: وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا
стр. 461
يكون الاستثناء شكا؛ إنما هي سنة ماضية عند العلماء، فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة، ومن لم يرَ الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ، ومن زعم أنه المعرفة في القلب وإن لم يتكلم بها فهو مرجئ. انتهى المقصود من كلامه ﵀.
وقال أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتاب "الشريعة": الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، قال: ولا تجزئ معرفة القلب، ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين. انتهى.
وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري في كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين": جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئا -إلى أن قال-:
стр. 462
ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وقال في آخره: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب. انتهى.
وقال أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي في شرح البخاري: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات. انتهى.
فهذا ما حكاه الأئمة الأعلام من إجماع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأنه يزيد وينقص؛ مع دلالة الكتاب والسنة على ذلك في آيات وأحاديث كثيرة ليس هذا موضع بسطها، وقد تقدم ذكر شيء منها في كلام بعض الأئمة.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص، ثم ساق حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير».
وفي رواية أخرى عن أنس: «من إيمان» مكان «خير».
стр. 463
وساق أيضا حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ قال عمر ﵁: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة.
وقال أبو داود في سننه: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه أن رسول الله ﷺ قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل؛ فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان؛ فهذا نقصان الدين».
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها».
стр. 464
وفي المسند، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن» قالت امرأة منهن: وما نقصان عقلها ودينها؟ قال: «شهادة امرأتين منكن بشهادة رجل، ونقصان دينكن الحيضة؛ فتمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي» هذا لفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمر ﵃.
وترجم لهذا الحديث وما في معناه بقوله: باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه.
وفي مستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وما وجد من ناقص الدين والرأي، أغلب للرجال ذوي الأمر على أمورهم من النساء» قالوا: وما نقص دينهن ورأيهن؟ قال: «أما نقص رأيهن؛ فجعلت شهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما نقص دينهن؛ فإن إحداهن تقعد ما شاء الله من يوم وليلة لا تسجد لله سجدة» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد، وابنه عبد الله، وأبو بكر الآجري، عن عمير بن حبيب بن خماشة الخطمي ﵁ أنه قال: إن الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته، وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه، وفي رواية: وخشيناه، فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.
стр. 465
وروى ابن ماجة، وعبد الله ابن الإمام أحمد، عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان يقول: الإيمان يزداد وينقص.
وروى عبد الله أيضا، وأبو بكر الآجري، عن أبي هريرة ﵁ مثل ذلك.
ورواه ابن ماجة، والآجري أيضا، عن أبي هريرة وابن عباس ﵃.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن طلحة، عن زبيد اليامي، عن زر بن حبيش قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيماناً، فيذكرون الله تعالى.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش ومسعر، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ ﵁: اجلس بنا نؤمن ساعة.
وذكره البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه معلقا بصيغة الجزم.
وفي رواية لأحمد وابن أبي شيبة: كان معاذ يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله تعالى ويحمدانه.
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، سمعت ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها.
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن حماد بن نجيح، حدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فكنا
стр. 466
فتيانا حزاورة، فتعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا.
ورواه ابن ماجة في سننه، عن علي بن محمد، عن وكيع به مثله.
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: لأزداد إيمانا.
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة قال: ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه.
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، عن أنس ﵁ قال: ما خطبنا النبي ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».
وروى أبو بكر الآجري بإسناده، عن سفيان بن عيينة أنه قيل له: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرؤون القرآن ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ في غير موضع؟ قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص.
وبإسناده عن الحميدي قال: سمعت ابن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بلى حتى لا يبقى منه شيء.
وبإسناده عن الأوزاعي قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد، حدثني عثمان بن محمد بن أبي شيبة
стр. 467
قال: سألت ابن إدريس، وجريرا، ووكيعا فقالوا: الإيمان يزيد وينقص.
وقال أيضا: حدثني عبدة بن عبد الكريم بن حسان بن طريف -من أهل مرو- حدثنا بقية، حدثني موسى بن أعين الجزري، سمعت عبد الكريم بن مالك الجزري، وخصيف بن عبد الرحمن يقولان: يزداد وينقص.
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا أبو نعيم، سمعت سفيان -يعني الثوري- يقول: الإيمان يزيد وينقص.
وقال أيضا: حدثني أبي قال: سمعت وكيعا يقول: الإيمان يزيد وينقص، وكذا كان يقول سفيان.
فهذا ما يتعلق بزيادة الإيمان ونقصانه.
وأما تفاضل المؤمنين في الإيمان فقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، ثم ساق حديثي أبي سعيد الخدري ﵁ في الدلالة على ذلك.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني يعقوب الدورقي قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: أنا أقول الإيمان يتفاضل.
وتقدم قول عطاء بن أبي رباح، وفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك في ذلك.
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي قال: كان وكيع يقول: ترى إيمان الحجاج بن يوسف مثل إيمان أبي بكر وعمر؟!.
وقال أيضا: حدثنا هارون بن معروف غير مرة، حدثنا ضمرة، عن ابن
стр. 468
شوذب، عن محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن الهذيل بن شرحبيل قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح به. سمعت أبي يحدث عن هارون فذكر مثله.
وأما الاستثناء في الإيمان فقال أبو بكر الآجري: حدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال: حدثنا أبو بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الاستثناء في الإيمان، ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه.
قال أبو عبد الله: إذا كان تقول إن الإيمان قول وعمل، واستثناء مخافة واحتياطا ليس كما يقولون على الشك، أفما تستثني للعمل؟ قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ فهذا استثناء بغير شك، وقال النبي ﷺ : «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله » قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان.
وقال الآجري أيضا: حدثنا جعفر الصندلي قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله يعجبه الاستثناء في الإيمان، فقال له رجل: إنما الناس رجلان مؤمن وكافر، فقال أبو عبد الله: فأين قوله تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؟!
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدا إلا على الاستثناء.
قال: وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى يقول: سمعت يحيى يقول: ما
стр. 469
أدركت أحدا من أهل العلم ولا بلغني إلا على الاستثناء.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول إذا سُئل: أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، وإن شاء قال: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني، ولا يعنف من قال: إن الإيمان ينقص، أو قال: إن شاء الله، ليس يكره، وليس بداخل في الشك.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: إذا قال أنا مؤمن إن شاء الله، فليس هو بشاك، قيل له: إن شاء الله أليس هو شك؟! فقال: معاذ الله، أليس قد قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟! وفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله، فأي شك ههنا؟ وقال النبي ﷺ : «وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون».
وقال أبو داود: سمعت أحمد قال له رجل: قيل لي: أمؤمن أنت؟ فقلت: نعم، هل عليَّ في ذلك شيء؟ هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد وقال: هذا كلام الإرجاء، قال الله : ﴿وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ من هؤلاء؟ ثم قال أحمد: أليس الإيمان قول وعمل؟ فقال الرجل: بلى، قال: فجئنا بالقول؟ قال: نعم، قال: فجئنا بالعمل؟ قال: لا، قال: فكيف تعيب أن تقول: إن شاء الله وتستثني.
قال أبو داود: فأخبرني أحمد بن شريح أن أحمد بن حنبل كتب إليه في هذه المسألة: أن الإيمان قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجيء بالعمل، فنحن مستثنون في العمل.
стр. 470
قال أبو داود: وسمعت أحمد قال له هذا الرجل: أعلي في هذا شيء إن قلت: أنا مؤمن؟ فقال أحمد: لا تقل أنا مؤمن حقا ولا البتة ولا عند الله.
قال أبو داود: قال أحمد: قال يحيى: وكان ينكر أن يقول أنا مؤمن.
وروى الآجري بإسناده، عن الأوزاعي قال: ثلاث هن بدعة؛ أنا مؤمن مستكمل الإيمان، وأنا مؤمن حقا، وأنا مؤمن عند الله تعالى.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: قال أبي: نُصيِّر الاستثناء على العمل؛ لأن القول قد جئنا به.
وقال أيضا: سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستثني قول رسول الله ﷺ لأهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون».
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثني وكيع قال: قال سفيان الثوري: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ونرجو أن يكون كذلك، ولا ندري ما حالنا عند الله.
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا علي بن بحر، سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل، وكان الأعمش، ومنصور، ومغيرة، وليث، وعطاء بن السائب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمارة ابن القعقاع، والعلاء بن المسيب، وابن شبرمة، وسفيان الثوري، وأبو يحيى صاحب الحسن، وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون على من لا يستثني.
وقال عبد الله أيضا: قرأت على أبي، حدثنا مهدي بن جعفر الرملي،
стр. 471
حدثنا الوليد -يعني ابن مسلم- سمعت أبا عمرو -يعني الأوزاعي- ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز ينكرون أن يقول: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن أقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
وقال أبو بكر الآجري: قال أبو بكر المروذي: سمعت بعض مشيختنا يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إذا ترك الاستثناء فهو أصل الإرجاء.
وروى أبو نعيم في الحلية، عن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان -يعني الثوري- يقول: من كره أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله فهو عندنا مرجئ، يمد بها صوته.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن زيد، سمعت هشاما يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن.
وقال أبو بكر الآجري: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، حدثنا أبو بكر المروذي قال: قيل لأبي عبد الله: نقول نحن المؤمنون؟ قال: نقول نحن المسلمون، ثم قال أبو عبد الله: الصوم والصلاة والزكاة من الإيمان، قيل له: فإن استثنيت في إيماني أكون شاكا؟ قال: لا.
وروى الآجرى أيضا بإسناده، عن الحسن قال: قال رجل عند ابن مسعود: إني مؤمن، قال: فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، يزعم أنه مؤمن! قال: فاسألوه: أهو في الجنة، أو في النار؟! قال: فسألوه، فقال: الله
стр. 472
أعلم، فقال: ألا وَكَلْتَ الأولى كما وكلت الأخرى.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا يحيى، حدثنا شعبة، حدثني سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، عن علقمة قال رجل عند عبد الله: إني مؤمن، قال: قل إني في الجنة، ولكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. إسناده صحيح.
وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، لقيت ركبا فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن المؤمنون، قال عبد الله: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة؟! إسناده صحيح.
وقال عبد الله أيضا: حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن مغيرة قال: قال رجل لأبي وائل: أسمعتَ ابن مسعود يقول: من شهد أنه مؤمن فليشهد أنه من أهل الجنة؟! قال: نعم. إسناده صحيح.
وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق جرير عن مغيرة قال: سمعت الفضيل بن عمرو يقول لأبي وائل -شقيق بن سلمة-: أسمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: من قال إني مؤمن فليقل: إني في الجنة؟! فقال: نعم، فقال المغيرة: وقرأ أبو وائل -شقيق بن سلمة-: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ..﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، قرأها وهو يعرض بالمرجئة. قال الحاكم:
стр. 473
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي في تلخيصه.
فهذا ما يسره الله تعالى من أقوال أئمة السلف في باب الإيمان، والرد على المرجئة، وقد تركت كثيرا من أقوالهم إيثارا للاختصار، وفيما ذكرته كفاية لمبتغي الحق إن شاء الله تعالى، والغرض من البسط في هذا الفصل خمسة أمور:
أحدها: بيان مذهب أهل السنة والجماعة في باب الإيمان، وتقرير ذلك بأدلته من الكتاب والسنة والإجماع.
الثاني: الحث على اتباعهم في ذلك، والسير على منهاجهم، فإنه يُرجى لمن اتبعهم بإحسان أن يفوز بالجنة والرضوان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
الثالث: التحذير من مخالفتهم واتباع غير سبيلهم، فإن ذلك هو الضلال البعيد والخسران المبين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
الرابع: تنبيه المنحرفين عن أقوال سلف الأمة وأئمتها في باب الإيمان، وإرشادهم إلى الحق والصواب، لعل الله تعالى أن يشرح صدورهم للسنة، واتباع السلف الصالح، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 474
الخامس: الرد على من زعم أن الإيمان هو التصديق الجازم فحسب، والإنكار على من يعتني بتعلمه وتعليمه، فإن هذا القول دائر بين رأي المرجئة الضالة والجهمية الكافرة، فمن قال: إن الإيمان هو التصديق بالقلب فحسب فقوله قول الجهمية، ومن قال: إنه الإقرار باللسان فحسب بلا تصديق بالقلب ولا عمل بالجوارح فقوله قول المرجئة، وكذلك القول بأنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان فحسب هو أيضا من أقوال المرجئة، وكل هذه الأقوال من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ أمته كما في حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه ابن ماجة.
стр. 475
قال أبو السعادات ابن الأثير: محدثات الأمور جمع محدثة -بالفتح- وهي ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. انتهى.
وقد ذكرنا أن حدوث الإرجاء كان في آخر عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وما زال ينتشر في المسلمين، ويكثر القائلون به إلى زماننا هذا الذي اشتدت فيه غربة الدين، وصار أهل السنة في غاية الغربة بين أهل البدع والضلالة والجهالات، وعاد المعروف بين الأكثرين منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وصارت أقوال السلف في باب الإيمان مهجورة، لا يعتني بها إلا الأقلون، وأما الأكثرون فهم عنها معرضون، لا يعرفونها، ولا يرفعون بها رأسا، وإنما المعروف عندهم ما رآه المبتدعون الضالون، المخالفون للكتاب والسنة والإجماع من أن الإيمان هو التصديق الجازم لا غير، فهذا هو الذي يُعتنى بتعلمه وتعليمه في أكثر الأقطار الإسلامية، فما أشدها على الإسلام وأهله من بلية، وما أعظمها من مصيبة ورزية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذا زمان الصبر من لك بالتي … كقبض على جمر فتنجو من البلا
وبالجملة فالأمر في هذه الأزمان كما قال محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى:
طغى الماء من بحر ابتداع على الورى … فلم ينج منه مركب وركاب
أسائل من دار الأراضي سياحة … عسى بلدة فيها هدى وصواب
فيخبر كل عن قبائح ما رأى … وليس لأهليها يكون متاب
стр. 476
لأنهم عدوا قبائح فعلهم … محاسن يرجى عندهن ثواب
ترى الدين مثل الشاة قد وثبت له … ذئاب وما له عنهن ذهاب (١)
لقد مزقته بعد كل ممزق … فلم يبقَ منه جثة وإهاب
وليس اغتراب الدين إلا كما ترى … فهل بعد هذا الاغتراب إياب
فيا غربة هل يرتجى منك أوبة … فيجبر من هذا البعاد مصاب
فلم يبق للراجي سلامة دينه … سوى عزلة فيها الجليس كتاب
стр. 477
فصل
وقد رأيت كلاما حسنا للإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى، ذكر فيه حدوث البدع، وضررها على الإسلام والمسلمين، فأحببت أن أذكره ههنا لما فيه من الفوائد الجليلة.
قال رحمه الله تعالى ورضي عنه في كتاب "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة": لما أظلمت الأرض، وبعد عهدها بنور الوحي، فكانوا كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «إني خلقت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» فكان أهل العقل كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي، فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان، والصلبان، والنيران، والكواكب، والشمس، والقمر، والحيرة، والشك، أو السحر، أو تعطيل الصانع والكفر به، فأطلع الله لهم شمس الرسالة في تلك الظلمة سراجا منيرًا، وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكورا، فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه، ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا يرونه، فكانوا كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى:
стр. 478
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فمضى الرعيل الأول وضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم يلتبس بظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا ذلك النور الذي اقتبسوه منهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على الآراء والعقول مقدمين، ولم يدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض الوحي والنصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ومجالستهم.
ولما كثرت الجهمية في آخر عصر التابعين، كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا فكانوا قليلين أذلاء مذمومين، وأولهم وشيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية
стр. 479
الملك والخلافة، وشتتهم في البلاد، ومزقهم كل ممزق، ببركة شيخ المعطلة النفاة، ولما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميرا على العراق حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر وكان ضحيته، ثم طفئت تلك البدعة، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما، إلى أن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب يونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فترجمت له وعربت، فاشتغل بها الناس، والملك سوق، ما ينفق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية، ممن كان أخوه الأمين قد أقصاهم، وتتبعهم بالحبس والقتل، فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه، فقبلها واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها، فلم تطل مدته، فصار الأمر بعده إلى المعتصم وهو الذي ضرب أحمد بن حنبل، فقام بالدعوة بعده، والجهمية تصوب فعله، وتدعو إليه، وتخبره أن ذلك هو تنزيه الرب عن التشبيه والتجسيم، وهم الذين غلبوا على مجلسه وقربه، والقضاة والولاة منهم فإنهم تبع لملوكهم، ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون على إلغاء النصوص
стр. 480
وتقديم العقول والآراء عليها فإن الإسلام كان في ظهور وقوة، وسوق الحديث نافقة، وأعلام السنة على ظهر الأرض، ولكن كانوا على ذلك يحومون، وحوله يدندنون، وأخذوا الناس بالرغبة والرهبة، فمن بين أعمى مستجيب، ومن بين مكره مفتد منهم بإعطاء ما سألوه وقلبه مطمئن بالإيمان، وثبّت الله أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر وأشد من الحديد، فأقامهم لنصر دينه، وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون، فإنه بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد، ولم يتركوا سنة رسول الله ﷺ لما رغبوهم به من الوعد ولا لما أرعبوهم به من الوعيد، ثم أطفأ الله برحمته تلك الفتنة، وأخمد تلك الكلمة، ونصر السنة نصرا عزيزا، وفتح لأهلها فتحا مبينا، حتى صرخ بها على رؤوس المنابر، ودعي إليها في كل باد وحاضر، وصنف في ذلك الزمان في السنة ما لا يحصيه إلا الله.
ثم انقرض ذلك العصر وأهله، وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله على بصيرة، إلى أن جاء ما لا قبل لأحد به وهم جنود إبليس حقا؛ المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم؛ وهم القرامطة، والباطنية، والملاحدة؛ ودعوهم إلى العقل المجرد، وأن أمور الرسل تعارض المعقول، فهم القائمون بهذه الطريقة حق القيام بالقول والفعل، فجرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى، وكسروا عسكر الخليفة مرارا
стр. 481
عديدة، وقتلوا الحاج قتلاً ذريعاً، وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها، وقلعوا الحجر الأسود من مكانه، وقويت شوكتهم، واستفحل أمرهم، وعظمت الرزية، واشتدت بهم البلية.
وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل، وإذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل، وفي زمانهم استولى الكفار على كثير من بلاد الإسلام بالمشرق والمغرب، وكاد الإسلام أن ينهدم ركنه لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم خمدت دعوة هؤلاء في المشرق وظهرت من المغرب قليلا قليلا، حتى استفحلت وتمكنت واستولى أهلها على كثير من بلاد المغرب، ثم أخذوا يطأون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها، وبنوا بها القاهرة، وأقاموا على هذه الدعوى مصر حين بها هم وولاتهم وقضاتهم.
وفي زمانهم صنفت رسائل من أخوان الصفا، والإشارات، والشفا، وكتب ابن سينا فإنه قال: كان أبي من أهل الدعوة الحاكمية، وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في الخفية، وشعار هذه الدعوة تقديم العقل على الوحي، واستولوا على بلاد المغرب ومصر والشام والحجاز، واستولوا على العراق سنة، وأهل السُنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين، بل كان لأهل الذمة من الأمان والجاه والعز عندهم ما ليس لأهل السنة، فكم أغمد من سيوفهم في أعناق العلماء! وكم مات في سجونهم من ورثة الأنبياء! حتى استنقذ الله الإسلام والمسلمين من أيدهم في أيام نور الدين وصلاح الدين، فابل الإسلام من علته بعدما وطن نفسه على العزاء،
стр. 482
وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء، وأبدر هلاله بعد أن دخل في المحاق، وثابت إليه روحه بعد أن بلغت التراق، وقيل من راق، واستنقذ الله بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، وأخذ كل من أنصار الله ورسوله ﷺ من نصرة دينه بنصيب، وعلت كلمة السنة وأُذن بها على رؤوس الأشهاد، ونادى المنادي يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد، فإنه أبلغ الزاد ليوم المعاد، فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة على بلاد الشرق، فقدّموا الآراء والعقول والسياسة والأذواق على الوحي، وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعهما، فبعث الله عليهم عبادا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وعاثوا في القرى والأمصار، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه، وينمحي رسمه، وكان مشار هذه الفئة وعالمها الذي يرجع إليه وزعيمها المعول فيها عليه شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل وإمامه في وقته نصير الشرك والكفر الطوسي، فلم يُعلم في عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضة رام بها إبطال النقل بالكلية مثله، فإنه أقام الدعوة الفلسفية، واتخذ الإشارات عوضا عن السور والآيات، وقال: هذه عقليات قطعية برهانية قد قابلت تلك النقليات الخطابية، واستعرض أهل الإسلام وعلماء الإيمان والقرآن والسنة على السيف، فلم يبقَ منهم إلا من قد أعجزه، قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية، وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للنجسية السحرة، والمنجمين، والفلاسفة، والملاحدة، والمنطقيين، ورأى إبطال الأذان، وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي، فحال بينه وبين ذلك من تكفل
стр. 483
بحفظ الإسلام ونصره، وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل، ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت؛ فإنه أول مَن عارض بين العقل والنقل، وقدم العقل، فكان من أمره ما قص الله، وورَّث الشيخ تلامذته هذه المعارضة، فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنة وبلية، وأصل كل بلية في العالم كما قال محمد الشهرستاني من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع، والناس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة، ثم ظهر مع هذا الشيخ المتأخر المعارض أشياء لم تكن تعرف قبله، حسيات العميدي، وحقائق ابن عربي، وتشكيكات الرازي، وقام سوق الفلسفة والمنطق، وعلوم أعداء الرسل.
ثم نظر الله إلى عباده، وانتصر لكتابه ودينه، وأقام جندا يغزو ملوك هؤلاء بالسيف والسنان، وجندا يغزو علماءهم بالحجة والبرهان، ثم نبغت نابغة منهم في رأس القرن السابع، فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه، فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم، وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وشفى واشتفى، وبيَّن تناقضهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون، وإليه يدعون، وأنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حفرهم، ورشقهم بسهامهم، وبيَّن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقوله: ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت؛ يريد به
стр. 484
إبليس لعنه الله تعالى، حين خالف ما أمره الله به من السجود لآدم، وعارض الأمر الشرعي بما أداه إليه عقله الفاسد، فقال: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، وقد تعارض عنده النص وعقله، فقدم العقل على النص، وأبى عن السجود لآدم، واستكبر وكان من الكافرين.
ولم يزل أعداء النصوص يقتبسون من هذا العقل الفاسد إلى زماننا هذا، ويسمون ميراثهم من شيخهم القديم حرية الفكر، يعنون أن الفكر مطلق فيما يراه، ولا يتقيد بشرع ولا غيره، هذا ما يراه زنادقة هذه الأزمان، مثل صاحب الأغلال وأشباهه من الملاحدة والمنافقين، وقد جرى صاحب الأغلال في ميدان المعارضة بين الشرع وبين العقل الفاسد أمدا بعيدا، زلت فيه إلى الحضيض قدمه، وهوى منتكسا على أم رأسه، عافانا الله وإخواننا المسلمين مما ابتلاه به وابتلى به إخوانه من المرتدين والمنافقين المعارضين للنصوص الثابتة بعقولهم الفاسدة تقليدا منهم لشيخهم القديم الملعون، ولتلامذته من طواغيت الإفرنج وأشباههم من الضُّلاَّل، قاتل الله الجميع أنى يُفكون.
ثم إنه بعد عصر شيخ الإسلام أبي العباس وأصحابه رحمهم الله تعالى كثر الشرك وعبادة القبور، وأنواع البدع المضلة، وظهر ذلك وانتشر في جميع الأقطار الإسلامية، وعمت الفتنة بذلك وطمت، ودخل فيها الخواص والعوام إلا من شاء الله تعالى وهم الأقلون، وما زال الشر يزداد ويكثر أهله، والخير ينقص ويقل أهله، حتى ضعف الإسلام جدا، وكاد أن
стр. 485
يقضى عليه، فأقام الله تعالى لدينه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه، ونوّر ضريحه، فجاهد المشركين وأهل البدع مدة حياته باليد واللسان، وأعانه الله بجند عظيم من أنصار الدين وحماة الشريعة المطهرة، فريق منهم يجاهدون المبطلين بالحجة والبيان، وفريق يجالدون المعاندين بالسيف والسنان، حتى أعاد الله للإسلام عزه ومجده، ورفعت بحمد الله أعلام السنة النبوية، والعلوم السلفية في الجزيرة العربية، ونكست فيها أعلام الشرك والبدع والتقاليد الجاهلية، وسار على منهاج الشيخ من بعده أولاده وتلاميذه، وغيرهم ممن هداهم الله ونوّر بصائرهم من أهل نجد وغيرها من الأمصار، وكلما مضى منهم سلف صالح أقام الله بعده خلفا عنه يقوم مقامه، وقليل ما هم في زماننا، فالله المستعان.
стр. 486
فصل
وأما القسم الثالث: وهم أهل السنة والجماعة؛ الذين سلموا من نجاسة الشرك وأدران البدع، فهؤلاء هم أهل الإسلام الحقيقي، وهم الجماعة والسواد الأعظم، وهم أولى الناس باسم الإسلام؛ لأنهم آثروا اتباع الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، ولم يلتفتوا إلى ما خالف ذلك من زخارف الأئمة المضلين.
وهم على طبقتين:
الطبقة الأولى: المتقون الذين سلموا من فتنة الشبهات وفتنة الشهوات المحرمة، وصبروا على دينهم، وهؤلاء هم الغرباء حقا، الذين جاءت الأحاديث بغبطتهم، والثناء عليهم، ووعدهم بالحسنى وجزيل الثواب، كما تقدم ذكر ذلك، وما أقلهم في هذه الأزمان التي من تمسك فيها بدينه كان كالقابض على الجمر.
الطبقة الثانية: العصاة الذين سلموا من فتنة الشبهات ولكنهم تلوثوا بفتن الشهوات المحرمة، مِن ترك مأمور، وإتيان محظور، فهؤلاء ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وأهل الطبقة الأولى غرباء في أهل هذه الطبقة، كما أن الطبقتين غرباء في طوائف البدع، والجميع غرباء في سائر فرق الكفر والضلال.
стр. 487
فصل
ومن لطف الله ورحمته بهذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة، كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أجاركم من ثلاث خلال؛ لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة».
وفي حديث أبي بصرة الغفاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» رواه الإمام أحمد.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يجمع أمتي -أو قال أمة محمد- على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار» رواه الترمذي، والحاكم، وأبو نعيم في الحلية، وقال الترمذي وأبو نعيم: حديث غريب.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» الحديث رواه ابن ماجة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا» رواه الحاكم في مستدركه.
فلا تزال -ولله الحمد والمنة- طائفة من هذه الأمة على الحق والاستقامة حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]، قال علي ﵁: هي التي تنجو من هذه الأمة. رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب (الاعتصام).
стр. 488
وروى ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى نزل».
وفي سنن أبي داود (١)، ومستدرك الحاكم، عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب قول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون» وهم أهل العلم: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».
حدثنا إسماعيل، حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني حميد، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله».
ورواه في كتاب العلم بلفظ: «لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله».
ورواه في باب علامات النبوة وفي كتاب التوحيد من طريق عمير بن
стр. 489
هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام.
وقد روى مسلم في صحيحه حديث المغيرة من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المغيرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».
وروى أيضا حديث معاوية من طريق عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية على المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس».
ورواه أيضا من طريق يزيد بن الأصم، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان ذكر حديثًا رواه عن النبي ﷺ لم أسمعه روى عن النبي ﷺ على منبره حديثًا غيره- قال: قال رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة».
وفي صحيحه أيضًا عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا،
стр. 490
فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة».
وفي صحيحه أيضا عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».
ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبرقاني في صحيحه، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن سمرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» (١).
وفيه أيضا عن عقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو بن العاص نحوه، وسيأتي بلفظه.
وفيه أيضا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة».
وعن معاوية بن قرة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من
стр. 491
أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها» رواه ابن ماجة.
فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ أن أمته لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا تزال فيهم طائفة على الحق والاستقامة، ظاهرين على من ناوأهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وفي هذا معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وعلم من أعلام نبوته، فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى موجودًا من زمن النبي ﷺ إلى زمننا هذا في آخر القرن الرابع عشر، ولا يزال كذلك حتى يأتي أمر الله تعالى المذكور في هذا الأحاديث، وهو هبوب الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان عند اقتراب قيام الساعة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة، وفي رواية: مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته».
وفيه أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ نحوه، وسيأتي.
وفيه أيضا من حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فبينما هم كذلك إذا بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم».
стр. 492
ورواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة وغيرهم، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه» قال: سمعتها من رسول الله ﷺ . رواه مسلم، والنسائي.
ولمسلم أيضا عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى» فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تامًا، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتوفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم».
ففي هذه الأحاديث الصحيحة دليل على أن المراد بقوله: «حتى يأتي أمر الله» أنه هبوب الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين عند اقتراب قيام الساعة.
وأما قوله في حديث يزيد بن الأصم، عن معاوية بن أبي سفيان: «إلى يوم القيامة»، ومثله في حديث جابر بن عبد الله ﵄، وكذلك
стр. 493
قوله في حديث حميد عن معاوية: «حتى تقوم الساعة»، ومثله عن جابر بن سمرة، وعقبة بن عامر، وسعد بن أبي وقاص، وقرة بن إياس، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃؛ فيحتمل أن المراد بذلك دنو الساعة المتناهي في القرب منها، بحيث يعقبه قيامها ولا يتخلف عنه إلا زمنًا يسيرًا، وبهذا جزم النووي رحمه الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذكر القيامة والساعة على بابه، ويكون المراد بذلك قيامة الطائفة المنصورة وساعتهم، وهو وقت موتهم بهبوب الريح الطيبة، وبهذا جزم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ويدل لهذا ما في الحديث الصحيح أن الأعراب كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الساعة، فينظر إلى أحدثهم سنا فيقول: «إن يعمر هذا لم يدرك الهرم حتى تقوم الساعة» أي ساعة أولئك الذين يسألونه.
والاحتمال الأول أولى، وحاصل الاحتمال الثاني يرجع إليه، والله أعلم.
والدليل على أن المراد بما في الأحاديث التي سلفت دنو الساعة وقربها؛ أن الساعة العظمى إنما تقوم على شرار الخلق، كما في حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال بعد ذكر موت الطائفة المنصورة: «ويبقى شرار الناس؛ يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن وغيرهم، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، رواه مسلم، والنسائي.
وفي المسند، وصحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء».
стр. 494
وفي المسند أيضًا، وصحيح مسلم عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس».
وفي سنن ابن ماجة، والمعجم الصغير للطبراني، ومستدرك الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وفي المستدرك أيضا عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضا.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي.
وفي رواية لمسلم: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله».
وفي مستدرك الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: لا إله إلا الله».
وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص فقال عبد الله: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم» فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر فقال له مسلمة: يا عقبة، اسمع ما يقول عبد الله! فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا
стр. 495
فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك»، فقال عبد الله: «أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة».
والمراد بالطائفة المذكورة في هذا الحديث والأحاديث قبله، أهل السنة والجماعة.
وجزم البخاري في صحيحه أنهم أهل العلم كما تقدم ذكره قريبًا.
وقال أيضا: باب قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم. انتهى.
وقال الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه: قال محمد بن إسماعيل: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث. انتهى.
وكذا قال ابن المبارك، وأحمد بن سنان، وابن حبان وغيرهم، وبوَّب عليه ابن حبان في صحيحه فقال: ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة، ثم ساق حديث معاوية بن قرة عن أبيه.
وقال يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. رواه عنهما الحاكم في علوم الحديث.
قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.