← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وروى ابن ماجة في سننه، عن محمد بن المصفى، عن بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم». ورواه الطبراني في الصغير، عن عبد الله بن الصقر السكري، عن محمد بن المصفى. ورواه الآجري، عن الفريابي، عن محمد بن المصفى، فذكره إلى قوله: «فلا تشهدوهم» وليس عنده ما بعده، وقد أُعلَّ هذا الحديث بأن بقية بن الوليد عنعنه مع كثرة تدليسه. وروى الآجري من طريقين؛ عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث جابر وابن عمر ﵃، وأُعلّ بالانقطاع، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لم يسمع مكحول من أبي هريرة. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثني القاسم بن حبيب، عن رجل يقال له نزار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «صنفان من هذه الأمة ليس لهم في الإسلام نصيب؛ المرجئة والقدرية». ورواه الترمذي من حديث القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار. وابن ماجة من حديث علي بن نزار، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن

стр. 422

عباس ﵄ مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجة أيضا من حديث عبد الله بن محمد الليثي، حدثنا نزار بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: أهل الإرجاء، وأهل القدر». وروى الآجري من حديث عكرمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا بنحوه. وروى البخاري في "التاريخ الكبير"، وأبو بكر الآجري من طريقين؛ عن عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، عن يحيى بن القاسم، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما هلكت أمة قط إلا بالإشراك بالله، وما أشركت أمة قط إلا وكان بدو إشراكها التكذيب بالقدر» قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا الإسناد لا يحتج به، قال: وأجود ما في الباب حديث حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر، حدثني نافع أن ابن عمر ﵄ جاءه رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، فقال: إنه قد بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. انتهى. وقد رواه ابن ماجة في سننه من حديث حيوة بن شريح، عن أبي صخر، وعنده بالواو في قوله «مسخ وخسف وقذف» فأفاد أن «أو»

стр. 423

في رواية الترمذي بمعنى الواو، وليست للتنويع ولا للشك. ورواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو صخر، عن نافع قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر ﵄ قعودا إذ جاء رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام -لرجل من أهل الشام- فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأنَّ عليه مني السلام، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف وهو في الزنديقية والقدرية». وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد -يعني ابن أبي أيوب- حدثني أبو صخر، عن نافع قال: كان لابن عمر ﵄ صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر». ورواه أبو داود في سننه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، كلاهما عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه، ومن طريق السري بن خزيمة، كلاهما عن عبد الله بن يزيد المقري، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه.

стр. 424

وروى الإمام أحمد، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وأبو داود، وعبد الله بن الإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة ﵁، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم». وروى البخاري في "التاريخ الكبير"، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، سمع ابن عباس ﵄ قال: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا عكرمة، سألت يحيى بن أبي كثير عن القدرية، فقال: هم الذين يقولون: إن الله لم يقدر الشر. وروى أبو نعيم في الحلية عن المزني قال: قال الشافعي: تدري من القدري؟ القدري الذي يقول: إن الله لم يخلق الشر حتى عمل به. ورأيت في عقيدة منسوبة للإمام أحمد رحمه الله تعالى ما نصه: القدرية هم الذين يزعمون أن الاستطاعة والمشيئة والقدرة إليهم، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، بدءا من أنفسهم، من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله، أو في علم الله، وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية. انتهى. قال الخطابي رحمه الله تعالى: إنما جعلهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما: النور والظلمة، يزعمون أن

стр. 425

الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثانوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره، والله خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، وخلقه الشر شرا في الحكمة كخلقه الخير خيرا، فالأمران مضافان إليه خلقا وإيجادا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلا واكتسابا. انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: أهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية. فالمجوسية: الذين كذبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. والفرقة الثانية المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة. والفرقة الثالثة وهم الإبليسية: الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضا من الرب ، وطعنوا في حكمته وعدله كما يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب. انتهى. و أول من تكلم في القدر معبد الجهني؛ أخذ ذلك عن نصراني مرتد

стр. 426

عن الإسلام. وقد روى الطبراني وغيره بإسناد فيه مقال، عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: «اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية». قال أبو بكر الآجري رحمه الله تعالى: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا صفوان بن صالح قال: حدثنا محمد بن شعيب قال: سمعت الأوزاعي رحمه الله تعالى يقول: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، وكان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد. وقال أيضا: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا معاذ بن معاذ قال: سمعت ابن عون يقول: أول من تكلم من الناس في القدر بالبصرة معبد الجهني، وأبو يونس الأسوار. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار، سمعت أبي وعمي يقولان: سمعنا الحسن وهو ينهى عن مجالسة معبد الجهني يقول: لا تجالسوه فإنه ضال مضل، قال مرحوم: قال أبي: ولا أعلم أحدا يومئذ يتكلم في القدر غير معبد، ورجل من الأساورة يقال له سسويه. وهكذا رواه الآجري، عن أحمد بن محمد بن شاهين، عن عمار بن خالد الواسطي، عن مرحوم، فذكره إلا أنه قال: يقال له: سيسفوه. قلت: لعل هذا لقب لأبي يونس الأسوار.

стр. 427

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وكان معبد ممن خرج مع ابن الأشعث، فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ثم قتله. وقال سعيد بن عفير: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق ثم قتله. انتهى. وأما غيلان فقتله هشام بن عبد الملك، وصلبه على باب دمشق، ذكر ذلك عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة". وروى مالك في الموطأ عن عمه أبي سهيل بن مالك أنه قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ فقلت: رأيي أن تستتيبهم، فإن قبلوا وإلا عرضتهم على السيف، فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي، قال مالك: وذلك رأيي. وروى أبو نعيم في الحلية، عن سعيد بن عبد الجبار قال: سمعت مالك بن أنس يقول: رأيي فيهم أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا قُتلوا؛ يعني القدرية. قلت: ولم يزل مذهب القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة ساريا في كثير من المنتسبين إلى الإسلام منذ آخر عصر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إلى زماننا هذا. وقد انتدب في هذه الأزمان لتقرير قول القدرية النفاة، ونشره عدو الله صاحب الأغلال، الجامع للكثير من أشتات الكفر والضلال، ولولا

стр. 428

خشية الإطالة لذكرت جملة من كلامه، وبينت فساده وتناقضه، ومخالفته لما أخبر الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه، ولما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه، ولما كان عليه أهل السنة والجماعة من الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكتب جميع ما قدره وقضاه في اللوح المحفوظ عنده، فلا يزاد أحد على وقته المقدر له ولا ينقص عنه، ولا يتقدم شيء على وقته المقدر له ولا يتأخر عنه، والعباد مع ذلك مأمورون بالسعي والاكتساب، والأخذ بالأسباب المأمور بها في تحصل ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، مع التوكل على الله تعالى، والتسليم لقضائه وقدره، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا راد لما قضى، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ الآية [الحديد: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. والأخذ بالأسباب منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مباح، ومع هذا فالاعتماد على الأسباب والثقة بها كما يدعو إليه صاحب

стр. 429

الأغلال وأضرابه شرك بالله تعالى، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، وقدح في الشرع، وترك الأخذ بالأسباب مع القدرة على الأخذ بها عجز محض وكسل، وقد «كان النبي ﷺ يتعوذ من العجز والكسل» رواه الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا ابن ماجة، من حديث أنس بن مالك ﵁. وثبت عنه ﷺ أنه قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. وروى الطبراني وغيره من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». وروى الترمذي من حديث أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، أعقل ناقتي وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ فقال: «اعقلها وتوكل». وروى الطبراني، والحاكم وابن حبان في صحيحيهما، من حديث عمرو بن أمية الضمري ﵁ نحوه. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الأخذ بالأسباب مشروع، وذلك لا ينافي التوكل، ولكن لا يعتمد على الأسباب ويوثق بها، كما يدعو إليه صاحب الأغلال وأضرابه، وإنما يعتمد ويوثق بالله تعالى

стр. 430

المسبب الميسر، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، الذي إن شاء جعل في الأسباب منفعة لصاحبها، وإن شاء جعل فيها مضرة له، وإن شاء أعطاه، وإن شاء حرمه، فلم ينتفع بعمله وأسبابه، وكل ذلك جار على وفق الحكمة البالغة، وما قدره الرب وقضاه قبل أن يخلق هذا العالم بخمسين ألف سنة، وهذا مما ينكره صاحب الأغلال وأضرابه من الزنادقة والملاحدة والقدرية الذين هم مجوس هذه الأمة. وما أشبه صاحب الأغلال وأضرابه بالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وقد تقدم في حديث حذيفة ﵁ أن القدرية شيعة الدجال، وأسباب خروجه، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال ويمحقهم، وقد تقارب الزمان، وكثرت الفتن، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، وآن خروج المسيح الدجال قائد اليهود والخوارج

стр. 431

والقدرية، فنسأل الله تعالى أن يعيذنا وإخواننا المسلمين من فتنته، وفتنة شيعته، ومن سائر الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 432

فصل وأما بدعة الإرجاء فإنها حدثت في آخر عصر الصحابة ﵃ بعد بدعة القدرية، وتكلم فيها أكابر التابعين ومن بعدهم من الأئمة، وأنكروا على أهلها، وصاحوا بهم من كل جانب، وبدّعوهم، وضللوهم، وحذّروا منهم، واستقر الأمر عند أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وأن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، وأنه يُستثنى فيه ويُعاب على من لا يستثني. قال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا أبو هلال، عن قتادة قال: إنما حدث الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث. قلت: وكانت هزيمة ابن الأشعث في سنة ثلاث وثمانين. وقال عبد الله أيضا: حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا محمد -يعني ابن طلحة- عن سلمة بن كهيل قال: وصف ذر الإرجاء، وهو أول من تكلم فيه، ثم قال: إني أخاف أن يُتخذ هذا دينا، فلما أتته الكتب من الآفاق قال: فسمعته يقول: وهل أمر غير هذا؟ وروى أيضا بإسناده عن الأعمش قال: سمعت ذر الهمداني يقول: لقد أشرعت رأيا خفت أن يُتخذ دينا. وبإسناده عن الحسن بن عبيد الله قال: سمعت إبراهيم يقول لذر: ويحك يا ذر، ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال ذر: ما هو إلا رأي رأيتُه.

стр. 433

قال: ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله الذي بعث به نوح. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن العلاء بن عبد الله بن رافع، أن ذرا أبا عمر أتى سعيد بن جبير يوما في حاجة، قال: فقال: لا، حتى تخبرني على أي دين أنت اليوم، أو رأي أنت اليوم، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، ألا تستحي من رأي أنت اليوم أكبر منه؟ وفي رواية له عن غير أبيه: ألا تستحي من دين أنت أكبر منه؟ وروى أيضا بإسناده عن الأعمش، عن حبيب قال: كنت عند سعيد بن جبير في مسجد فتذاكرنا ذرا في حديثنا فنال منه، فقلت: يا أبا عبد الله، إنه لوادٌّ لك؛ يحسن الثناء عليك إذا ذكرت، فقال: ألا تراه ضالا كل يوم يطلب دينه. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن أبي المختار قال: شكى ذرٌ سعيدَ بن جبير إلى أبي البختري الطائي فقال: مررت فسلمت عليه فلم يرد عليّ، فقال أبو البختري لسعيد بن جبير، فقال سعيد: إن هذا يجدد كل يوم دينا، لا والله لا أكلمه أبدا. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن أيوب قال: قال لي سعيد بن جبير: ألم أرك مع طلق؟ قال: قلت: بلى، قال: لا تجالسه، فإنه مرجئ، قال أيوب: وما شاورته في ذلك، ولكن يحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن المغيرة قال: مر إبراهيم التيمي

стр. 434

بإبراهيم النخعي فسلَّم؛ فلم يرد عليه. وروى أيضا بإسناده عن ميمون بن أبي حمزة قال: قال لي إبراهيم النخعي: لا تدعوا هذا الملعون يدخل عليَّ بعد ما تكلم في الإرجاء؛ يعني حمادا. قلت: الظاهر أنه يعني حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنفية، فإنه كان من المرجئة. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن ابن عون قال: كان إبراهيم يعيب على ذر قوله في الإرجاء. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن حكيم بن جبير قال: قال إبراهيم: المرجئة أخوف عندي على أهل الإسلام من عدتهم من الأزارقة. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن سعيد بن صالح قال: قال إبراهيم: أنا لِفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة. وروى أيضا عن أبيه، عن المؤمل، عن سفيان قال: قال إبراهيم: تَرَكَتْ المرجئة الدين أرق من ثوب سابري. وروى أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" بإسناده، عن أبي حمزة الثمالي الأعور قال: قلت لإبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: أوه، لفقوا قولا، فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم. وروى أيضا بإسناده عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة

стр. 435

أضر على الملة من هذه؛ يعني أهل الإرجاء. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، عن أبيه بإسناده، عن الأوزاعي قال: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء. وروى أيضا عن أبيه، عن عبد الله بن نمير، عن سفيان، وذكر المرجئة فقال: رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. وروى أيضا عن أبيه، عن عبد الله بن نمير، عن جعفر الأحمر قال: قال منصور بن المعتمر في شيء: لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة. وروى أيضا عن أبيه، عن حجاج، سمعت شريكا -وذكر المرجئة- فقال: هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثا، ولكن المرجئة يكذبون على الله. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن سعيد بن جبير وذكر المرجئة فقال: اليهود. وبإسناده عن سعيد أيضا أنه قال: المرجئة يهود القبلة. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن سعيد أيضا أنه قال: مثل المرجئة مثل الصابئين. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن حذيفة ﵁ قال: إني لأعلم أهل دينين؛ أهل ذينك الدينين في النار؛ قوم يقولون: إنما الإيمان كلام،

стр. 436

وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس وإنما هما صلاتان. ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه: إني لأعلم أهل دينين من أمة محمد ﷺ في النار؛ قوم يقولون: إن كان أولنا ضلالا، ما بال خمس صلوات في اليوم والليلة، إنما هما صلاتان العصر والفجر، وقوم يقولون: إنما الإيمان كلام، وإن زنى وإن قتل. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد تقدم قريبا حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية، والمرجئة». وحديث ابن عباس وجابر ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: أهل الإرجاء، وأهل القدر». وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا مثله. وقال أبو بكر الآجري: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله وسئل عن المرجئة فقال: مَن قال إن الإيمان قول. وقال القاضي أبو الحسين في الطبقات في ترجمة إسحاق بن منصور الكوسج: قال إسحاق: قلت لأحمد: فسِّر لي المرجئة، قال: المرجئة تقول: الإيمان قول، ورأيت في عقيدة منسوبة للإمام أحمد ما نصه: المرجئة هم الذين يزعمون أن الإيمان مجرد التصديق، وأن الناس لا

стр. 437

يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقا، هذا كله قول المرجئة، وهو أخبث الأقاويل. انتهى. وقال حرب بن إسماعيل الكرماني -صاحب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه- في مسائله المشهورة: مَن زعم الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ، ومن زعم أنه المعرفة في القلب وإن لم يتكلم بها فهو مرجئ. وهذا الذي قاله حرب كله من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقد ساقه بهذا اللفظ بعينه القاضي أبو الحسين في ترجمة أحمد بن جعفر بن يعقوب أبي العباس الفارسي الاصطخري، وسيأتي بأبسط من هذا قريبا إن شاء الله تعالى. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي سُئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، إذا زنا وشرب الخمر نقص إيمانه. وقال أبو داود سمعت أحمد يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، الصلاة والزكاة والحج والبر كله من الإيمان، والمعاصي تنقص من الإيمان.

стр. 438

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل. والمرجئون أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرّا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس سواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود؛ أما آدم فنهاه عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسُمي عاصيا من غير كفر، وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي ﷺ وأنه نبي رسول كما يعرفون أبنائهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شرائعه فسماهم الله كفارا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء، أما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس، وتركهم على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود، والله أعلم. وقال أيضا: حدثني محمد بن علي بن الحسن، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، سمعت الفضيل -يعني ابن عياض- يقول: الإيمان؛ المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والتفضيل بالعمل. قال: وسمعت الفضيل يقول: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ويقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل

стр. 439

السنة: الإيمان؛ المعرفة والقول والعمل. وقال أبو بكر الآجري: أخبرنا خلف بن عمرو العكبري قال: حدثنا الحميدي قال: سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يقولون الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة. وروى أبو نعيم في الحلية، عن محمد بن أسلم الطوسي أنه قال: الجهمية زعمت أن الإيمان المعرفة فحسب بلا إقرار ولا عمل، والمرجئة زعمت أنه قول بلا تصديق قلب ولا عمل، فكلاهما شيعة إبليس. قال أبو السعادات ابن الأثير رحمه الله تعالى: المرجئة فرقة من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي؛ أي أخَّرَه عنهم، والمرجئة تهمز ولا تهمز، وكلاهما بمعنى التأخير. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": المرجئة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة، ويجوز تشديدها بِلا همز، نُسبوا إلى الإرجاء -وهو التأخير- لأنهم أخّروا الأعمال عن الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلا، وإن إيمان الصديقين وغيرهم بمنزلة واحدة. انتهى.

стр. 440

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية: وكذلك الإرجاء حين تقر بالـ … معبود تصبح كامل الإيمان فارم المصاحف في الحشوش وخرب الـ … بيت العتيق وجد في العصيان واقتل إذا ما استطعت كل موحد … وتمسحنْ بالقس والصلبان واشتم جميع المرسلين ومن أتوا … من عنده جهراً بلا كتمان وإذا رأيتَ حجارة فاسجد لها … بل خر للأصنام والأوثان وأُقرّ أن الله ﷻ … هو وحده الباري لذي الأكوان وأقر أن رسوله حقا أتى … من عنده بالوحي والقرآن فتكون حقاً مؤمناً وجميع ذا … وزر عليك وليس بالكفران هذا هو الإرجاء عند غلاتهم … من كل جهمي أخي الشيطان وقد روى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي: حدثنا أبي، حدثنا الميموني، حدثنا أبو عثمان ابن الشافعي، سمعت أبي يقول ليلة للحميدي: ما يحتج عليهم -يعني أهل الإرجاء- بآية أحج من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب، حدثنا أبو حاتم قال: سمعت الربيع يحكي عن الشافعي قال: ما أعلم في الرد على المرجئة شيئا أقوى من قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. قلت: ومن أقوى ما يُرد به على المرجئة أيضا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 441

هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]، وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ١ - ٣]؛ فوصف المؤمنين بأنهم الذين يعملون الصالحات فدل على أن الإيمان قول وعمل. ومن أقوى ما يحتج به عليهم أيضا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: أُخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه، إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول ﷺ ما جاء به.

стр. 442

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي، حدثنا معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه، فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً، وكان أشدهم ميمون بن مهران، وعبد الكريم بن مالك؛ فأما عبد الكريم فإنه عاهد الله لا يؤويه وإياه سقف بيت إلا في المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي قال: فإذا هو يقرأ سورة يوسف قال: فسمعته قرأ هذا الحرف: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ -مخففة- قال: قلت: إن لنا إليك حاجة فاخل لنا، ففعل، فأخبرته أن قوما قِبلنا قد أحدثوا وتكلموا، وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قال: فقال: أوليس يقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾؟ فالصلاة والزكاة من الدين، قال: فقلت له: إنهم يقولون ليس في الإيمان زيادة، قال: أو ليس قد قال الله فيما أنزله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، فما هذا الإيمان الذي زادهم؟! قال: قلت: فإنهم قد انتحلوك، وبلغني أن ذرا دخل عليك وأصحابه، فعرضوا عليك قولهم فقبلته وقلت: هذا الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما كان هذا مرتين أو ثلاثا، قال: ثم قدمت المدينة فجلست إلى نافع، فقلت له: يا أبا عبد الله، إن لي إليك حاجة، قال: سرا أم علانية؟ فقلت: لا بل سر، قال: رُبَّ سر لا خير فيه، فقلت له: ليس من ذلك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بيدي وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص،

стр. 443

فقال: ما حاجتك؟ قال: قلت: أخلني من هذا، قال: تنح يا عمرو، قال: فذكرت له بدؤ قولهم فقال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقه، وحسابهم على الله» قال: قلت: إنهم يقولون نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل، قال: فنتر يده من يدي وقال: من فعل هذا هو كافر، قال معقل: ثم لقيت الزهري فأخبرته بقولهم فقال: سبحان الله (١) أوقد أخذ الناس في هذه الخصومات؟! قال رسول الله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» قال: ثم لقيت الحكم بن عتيبة، قال: فقلت: إن ميمونا وعبد الكريم بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا عليك قولهم فقبلت قولهم، قال: فقبل ذلك علي ميمون وعبد الكريم؟! قلت: لا، قال: دخل عليَّ منهم اثنا عشر رجلا وأنا مريض فقالوا: يا أبا محمد، بلغك أن رسول الله ﷺ أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال يا رسول الله، إن عليّ رقبة مؤمنة أفترى هذه مؤمنة؟ قال لها رسول الله ﷺ : «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم، قال: «وتشهدين أني رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «وتشهدين أن الجنة حق وأن النار حق؟» قالت: نعم، قال:

стр. 444

«أتشهدين أن الله يبعثك من بعد الموت؟» قالت: نعم، قال: «فأعتقها، فإنها مؤمنة» قال: فخرجوا وهم ينتحلوني، قال: جلست إلى ميمون بن مهران فقلت له: يا أبا أيوب، لو قرأت لنا سورة ففسرتها، قال: فقرأ أو قرئت ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ حتى إذا بلغ ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ قال: ذاكم جبريل، والخيبة لمن يقول: إيمانه كإيمان جبريل. وقال عبد الله أيضا: حدثني سويد بن سعيد، حدثنا عبد الله بن ميمون، قال: سمعت ابن مجاهد قال: كنت عند عطاء بن أبي رباح، فجاء ابنه يعقوب فقال: يا أبتاه، إن أصحابا لنا يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل، فقال: يا بُني، كذبوا، ليس إيمان من أطاع الله، كإيمان من عصى الله. وقال أيضا: حدثني أبي وقرأته عليه، حدثنا مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، سمعت أبا عمرو -يعني الأوزاعي- ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى، هو في زيادة أبدا، وينكرون على من يقول أنه مستكمل الإيمان، وأن إيمانه كإيمان جبريل. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وقال البخاري أيضا: وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن

стр. 445

أعش فسأبينها لكم حتى تعلموا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. وفي سنن أبي داود، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان». وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم في مستدركه، عن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل الإيمان» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: وقال عمار: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار». وقال أيضا: باب الصلاة من الإيمان، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]: يعني صلاتكم عند البيت، ثم ذكر حديث البراء ﵁ في تحويل القبلة، وفي آخره قال زهير: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء في حديثه هذا: إنه مات على القبلة قبل أن تُحوّل رجال وقُتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم نحوه، عن ابن عباس ﵄، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.

стр. 446

زاد الحاكم: قال عبيد الله بن موسى: هذا الحديث يخبرك أن الصلاة من الإيمان. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: بلغني أن شعبة قال لشريك: كيف لا تجيز شهادة المرجئة؟ قال: كيف أجيز شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان. وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وذكر البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه الجملة الأخيرة منه تعليقا بصيغة الجزم. وفي الحديث الصحيح عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن إلا أبا داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وله عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ أنه قال: «الطهور نصف الإيمان» وقال: هذا حديث حسن. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق أبو عبد الله، حدثنا أبو إسحاق، قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت فضيلا -يعني ابن عياض- يقول: يا سفيه ما أجهلك، لا ترضى أن

стр. 447

تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مستكمل الإيمان! لا والله، لا يستكمل العبد حتى يؤدي ما فرض الله عليه، ويجتنب ما حرم الله عليه، ويرضى بما قسم الله له، ثم يخاف مع ذلك أن لا يُقبل منه. وقال عبد الله أيضا: وجدت في كتاب أبي: أُخبرت أن الفضيل بن عياض قرأ أول الأنفال حتى بلغ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤]، قال حين فرغ: إن هذه الآية تخبرك أن الإيمان قول وعمل، وأن المؤمن إذا كان مؤمنا حقا فهو من أهل الجنة، فمن لم يشهد أن المؤمن حقا من أهل الجنة فهو شاك في كتاب الله، مكذب أو جاهل لا يعلم، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن حقا مستكمل الإيمان، ولا يستكمل الإيمان إلا بالعمل، ولا يستكمل عبد الإيمان ولا يكون مؤمنا حقا حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبدٌ حتى يؤثر شهوته على دينه، يا سفيه ما أجهلك، لا ترضى أن تقول أنا مؤمن حتى تقول أنا مؤمن حقا مستكمل الإيمان، والله لا تكون مؤمنا حقا مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا أن لا يقبل الله منك. ووصف فضيل الإيمان بأنه قول وعمل، وقرأ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، فقد سمى الله دين القيمة بالقول والعمل، فالقول:

стр. 448

الإقرار بالتوحيد والشهادة للنبي بالبلاغ، والعمل: أداء الفرائض واجتناب المحارم، وقرأ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥]، وقال الله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، فالدين: التصديق بالعمل كما وصفه الله وكما أمر أنبياءه ورسله بإقامته، والتفريق فيه: ترك العمل والتفريق بين القول والعمل، قال الله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فالتوبة من الشرك جعلها الله قولا وعملا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان؛ افتراء على الله، وخلافا لكتابه، وسنة نبيه، ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر أهل الردة. وقال فضيل: يقول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل، والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان، فمن قال ذلك فقد خالف الأثر، ورد على رسول الله ﷺ قوله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، وتفسير من يقول الإيمان لا يتفاضل يقول: إن فرائض الله ليست من الإيمان، فميز أهل البدع العمل من الإيمان، وقالوا: إن فرائض الله ليست من الإيمان، ومن قال ذاك

стр. 449

فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحدا للفرائض رادا على الله أمره. ويقول أهل السنة: إن الله قرن العمل بالإيمان، وإن فرائض الله من الإيمان، قالوا: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهذا موصول العمل بالإيمان، ويقول أهل الإرجاء: لا، ولكنه مقطوع غير موصول. وقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فهذا موصول، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع. وقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فهذا موصول، وكل شيء من أشباه هذا فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع متفرق. ولو كان الأمر كما يقولون لكان من عصى، وارتكب المعاصي والمحارم ولم يكن عليه سبيل، فكان إقراره يكفيه من العمل، فما أسوأ هذا من قول وأقبحه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال فضيل: أصل الإيمان عندنا وفرعه بعد الشهادة والتوحيد، والشهادة للنبي بالبلاغ، وبعد أداء الفرائض؛ صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وترك الخيانة، ووفاء بالعهد، وصلة الرحم، والنصيحة لجميع المسلمين، والرحمة للناس عامة. قيل له -يعني فضيلا-: هذا من رأيك تقوله أو سمعته؟ قال: بل سمعناه وتعلمناه، ولو لم آخذه من أهل الفقه والفضل لم أتكلم به.

стр. 450

وقال فضيل: يقول أهل الإرجاء: الإيمان قول بلا عمل، ويقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل؛ فمن قال: الإيمان قول وعمل، فقد أخذ بالتوثيقة، ومن قال: الإيمان قول بلا عمل فقد خاطر؛ لأنه لا يدري أيقبل إقراره أو يرد عليه بذنوبه. وقال -يعني فضيلا-: قد بيّنت لك إلا أن تكون أعمى. وقال فضيل: لو قال رجل: مؤمن أنت؟ ما كلمته ما عشت، وقال: إذا قلت: آمنت بالله فهو يجزيك أن تقول أنا مؤمن، وإذا قلت: أنا مؤمن لا يجزيك من أن تقول آمنت بالله؛ لأن آمنت بالله أمر، قال الله: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، وقولك: أنا مؤمن تكلف لا يضرك أن لا تقوله، ولا بأس إن قلته على وجه الإقرار، وأكرهه على وجه التزكية. وقال فضيل: سمعت سفيان الثوري يقول: من صلى إلى هذه القبلة فهو عندنا مؤمن، والناس عندنا مؤمنون بالإقرار والمواريث والمناكحة والحدود والذبائح والنسك، ولهم ذنوب وخطايا الله حسبهم إن شاء الله عذبهم، وإن شاء غفر لهم، لا تدري ما لهم عند الله. قال فضيل: سمعت المغيرة الضبي يقول: من شك في دينه فهو كافر، وأنا مؤمن إن شاء الله، قال فضيل: الاستثناء ليس بشك. وقال فضيل: المرجئة كلما سمعوا حديثا فيه تخويف قالوا: هذا تهديد، وإن المؤمن يخاف تهديد الله وتحذيره وتخويفه ووعيده،

стр. 451

ويرجو وعده، وإن المنافق لا يخاف تهديد الله ولا تحذيره ولا تخويفه ولا وعيده، ولا يرجو وعده. وقال فضيل: الأعمال تحبط الأعمال، والأعمال تحول دون الأعمال. وقال عبد الله أيضا: حدثنا محمد بن سليمان بن حبيب -لوين- سمعت ابن عيينة غير مرة يقول: الإيمان قول وعمل، قال ابن عيينة: أخذناه ممن قبلنا: قول وعمل، وأنه لا يكون قول بغير عمل، قيل لابن عيينة: يزيد وينقص؟! قال: فأي شيء إذًا. وقال أيضا: حدثني أبي، سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركنا من أصحابنا ولا بلغني إلا على الاستثناء، والإيمان قول وعمل، قال يحيى: وكان سفيان الثوري ينكر أن يقول: أنا مؤمن، وحسَّن يحيى الزيادة والنقصان ورآه. وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبيد بن عمير الليثي قال: ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يُعقل، وعمل يُعمل. وروى أيضا في كتاب "الزهد" بإسناده، عن الحسن قال: كان يقال: إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، وإنما الإيمان ما وقر في القلب، وصدقه العمل. وروى أبو بكر الآجري بإسناده، عن سفيان الثوري قال: إن الإيمان يزيد وينقص، قال سفيان: وأقول: إن الإيمان ما وقر في الصدور،

стр. 452

وصدقه العمل. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني أبي، حدثنا أبو سلمة الخزاعي قال: قال مالك، وشريك، وأبو بكر بن عياش، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد: الإيمان؛ المعرفة والإقرار والعمل، إلا أن حماد بن زيد كان يفرق بين الإيمان والإسلام، ويجعل الإسلام عاما والإيمان خاصا. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن مجاهد قال: الإيمان يزيد وينقص، والإيمان قول وعمل. وروى أيضا عن أبيه بإسناده، عن الحسن قال: الإيمان قول وعمل. وبإسناده عن يحيى بن سليم قال: قال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: لا يصلح قول إلا بعمل. وقال عبد الله أيضا: حدثني سليمان بن شبيب قبل سنة ثلاثين ومائتين، حدثنا عبد الرزاق قال: كان معمر وابن جريج والثوري ومالك وابن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، قال عبد الرزاق: وأنا أقول ذلك: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وإن خالفتهم فقد ضللتُ إذا وما أنا من المهتدين. وقال أيضا: حدثني أبي قال: بلغني أن مالك بن أنس، وابن جريج، وشريكا، وفضيلا بن عياض قالوا: الإيمان قول وعمل. وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن شماس، سمعت جرير بن

стр. 453

عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، قيل له: كيف تقول أنت؟ قال: أقول مؤمن إن شاء الله، قال إبراهيم بن شماس: وسُئل فضيل بن عياض وأنا أسمع عن الإيمان فقال: الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقبول بالقلب والعمل به، قال: وسمعت يحيى بن سليم يقول: الإيمان قول وعمل. وروي أن ابن جريج قال: الإيمان قول وعمل، قال: وسألت أبا إسحاق الفزاري عن الإيمان فقلت: الإيمان قول وعمل؟ قال: نعم، قال: وسمعت ابن المبارك يقول: الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل، قال: وسمعت النضر بن شميل يقول: الإيمان قول وعمل. وقال الخليل النحوي: إذا أنا قلت مؤمن، فأي شيء بقي؟ قال: وسألت بقية وابن عياش -يعني إسماعيل- فقالا: الإيمان قول وعمل. وقال عبد الله أيضا: حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: الإيمان قول وعمل. وقال أيضا: حدثنا إبراهيم بن دينار الكرخي، سمعت خالد بن الحارث يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وروى أبو بكر الآجري بإسناده، عن الحسن قال: الإيمان قول، ولا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة. وبإسناده عن يحيى بن سليم قال: سألت سفيان الثوري عن الإيمان قال: قول وعمل، وسألت ابن جريج فقال: قول وعمل، وسألت

стр. 454

محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال: قول وعمل، وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال: قول وعمل، وسألت مالك بن أنس فقال: قول وعمل، وسألت فضيل بن عياض فقال: قول وعمل، وسألت سفيان بن عيينة فقال: قول وعمل. وبإسناده عن يحيى بن سليم الطائفي، عن هشام، عن الحسن قال: الإيمان قول وعمل، قال يحيى بن سليم: فقلت لهشام: فما تقول أنت؟ فقال: الإيمان قول وعمل، وكان محمد الطائفي يقول: الإيمان قول وعمل، قال يحيى بن سليم: وكان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل، قال يحيى: وكان سفيان بن عيينة يقول كذلك، قال: وكان فضيل بن عياض يقول: الإيمان قول وعمل، وبإسناده عن المؤمل بن إسماعيل قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وروى أبو نعيم في الحلية، من طريق أبي حاتم قال: سمعت حرملة بن يحيى يقول: اجتمع حفص الفرد، ومصلان الإباضي عند الشافعي في دار الجروي وأنا حاضر، واختصم حفص الفرد ومصلان في الإيمان، فاحتج على مصلان وقوي عليه، وضعف مصلان، فحمي الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فطحن حفصا الفرد وقطعه. وكذا ذكر هذه القصة ابن أبي حاتم في "مناقب الشافعي" بنحو رواية أبي نعيم. وقال الحاكم في "مناقب الشافعي": حدثنا أبو العباس الأصم،

стр. 455

أخبرنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وروى أبو نعيم في الحلية عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ثم تلا هذه الآية ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ الآية. وتقدم قول الإمام أحمد فيما نقله عنه ابنه عبد الله، وأبو داود السجستاني رحمهم الله تعالى. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: كتاب الإيمان وهو قول وفعل، ويزيد وينقص، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾، وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقوله تعالى ذكره: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، والحب في الله، والبغض في الله من الإيمان. انتهى. وروى أبو القاسم اللالكائي بسنده عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: القول أن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة، وحكى غير واحد

стр. 456

الإجماع على ذلك. ثم ذكر قول الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم": وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر. وذكر القاضي أبو الحسين في الطبقات في ترجمة أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله أبي العباس الفارسي الاصطخري قال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت مَن أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكا، إنما هي سنة ماضية عند العلماء، قال: وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ، ومن زعم أن المعرفة تنفع في القلب لا يتكلم بها

стр. 457

فهو مرجئ. إلى آخر الرسالة. وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتاب "الإيمان" ما رواه أبو عمر الطلمنكي بإسناده المعروف، عن موسى بن هارون الحمال قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا شك أن ذلك كما وصفنا، وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة، وآحاد أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين هلم جرا على ذلك، وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في عهد الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك بن أنس بالحجاز، ومعمر باليمن على ما فسرنا وبينا أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: واتبعهم على ما وصفنا من بعدهم من عصرنا هذا أهل العلم إلا من باين الجماعة، واتبع الأهواء المختلفة، فأولئك قوم لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة. وقال الشيخ أيضا: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: هذه تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص: من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، مجاهد بن جبر، ابن أبي مليكة، عمرو بن دينار، ابن أبي نجيح، عبيد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو بن عثمان، عبد الملك بن جريج، نافع بن جبير، داود بن عبد الرحمن العطار، عبد الله بن رجاء. ومن أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري، ربيعة بن أبي

стр. 458

عبد الرحمن، أبو حازم الأعرج، سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، يحيى بن سعيد الأنصاري، هشام بن عروة بن الزبير، عبد الله بن عمر العمري، مالك بن أنس، محمد بن أبي ذئب، سليمان بن بلال، عبد العزيز بن عبد الله؛ يعني الماجشون، عبد العزيز بن أبي حازم. ومن أهل اليمن: طاووس اليماني، وهب بن منبه، معمر بن راشد، عبد الرزاق بن همام. ومن أهل مصر والشام: مكحول، الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، الوليد بن مسلم، يونس بن يزيد الأيلي، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شريح، سعيد بن أبي أيوب، الليث بن سعد، عبيد الله بن أبي جعفر، معاوية بن صالح، حيوة بن شريح، عبد الله بن وهب. وممن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مهران، يحيى بن عبد الكريم، معقل بن عبيد الله، عبيد الله بن عمرو الرقي، عبد الملك بن مالك، المعافى بن عمران، محمد بن سلمة الحراني، أبو إسحاق الفزاري، مخلد بن الحسين، علي بن بكار، يوسف بن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل. ومن أهل الكوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل، سعيد بن جبير، الربيع بن خيثم، عامر الشعبي، إبراهيم النخعي، الحكم بن عتيبة، طلحة بن مصرف، منصور بن المعتمر، سلمة بن كهيل، مغيرة الضبي، عطاء بن السائب، إسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان، يحيى بن سعيد،

стр. 459

سليمان بن مهران الأعمش، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضيل بن عياض، أبو المقدام، ثابت بن العجلان، ابن شبرمة، ابن أبي ليلى، زهير، شريك بن عبد الله، الحسن بن صالح، حفص بن غياث، أبو بكر بن عياش، أبو الأحوص، وكيع بن الجراح، عبد الله بن نمير، أبو أسامة، عبد الله بن إدريس، زيد بن الحباب، الحسين بن علي، علي الجعفي، محمد بن بشر العبدي، يحيى بن آدم، ومحمد، ويعلى، وعمرو بنو عبيد. ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن، محمد بن سيرين، قتادة بن دعامة، بكر بن عبد الله المزني، أيوب السختياني، يونس بن عبيد، عبد الله بن عون، سليمان التيمي، هشام بن حسان الدستوائي، شعبة بن الحجاج، حماد بن سلمة، حماد بن زيد، أبو الأشهب، يزيد بن إبراهيم، أبو عوانة، وهيب بن خالد، عبد الوارث بن سعيد، معتمر بن سليمان التيمي، يحيى بن سعيد القطان، عبد الرحمن بن مهدي، بشر بن المفضل، يزيد بن زريع، المؤمل بن إسماعيل، خالد بن الحارث، معاذ بن معاذ، أبو عبد الرحمن المقري. ومن أهل واسط: هشيم بن بشير، خالد بن عبد الله، علي بن عاصم، يزيد بن هارون، صالح بن عمر، عاصم بن علي. ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم، أبو جمرة نصر بن عمران، عبد الله بن المبارك، النضر بن شميل، جرير بن عبد الحميد الضبي، قال

стр. 460

أبو عبيد: هؤلاء جميلا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، المعمول به عندنا. انتهى ما ذكره شيخ الإسلام قدس الله روحه. وتقدم قول الفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد: أنهم أخذوا عن أهل الفقه والفضل قبلهم أن الإيمان قول وعمل. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه أئمة العلم في ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار؛ حجازا وعراقا، وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وقال حرب بن إسماعيل الكرماني -صاحب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه- في مسائله المشهورة: هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة، المتمسكين بها المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، قال: وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا
следующие страницы →