لم يكن كذا وكذا. قرر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، ثم قال: وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. انتهى.
وروى الحافظ أبو يعلى، وابن المنذر، عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن أبي بكر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «الشرك أخفى من دبيب النمل»، قال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عُبد من دون الله، أو ما دُعي مع الله؟ قال: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل …» الحديث، وفيه: «أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان».
وروي الحاكم في مستدركه، وأبو نعيم في الحلية، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، أو تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله، قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾» صححه الحاكم، وفي إسناده عبد الأعلى بن أعين، قال الدارقطني: ليس بثقة.
وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄ في قول الله : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان، هذا كله به شرك.
стр. 527
وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلًا يقول: والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل يمين يحلف بها دون الله شرك» قال الحاكم: على شرط مسلم، وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ أنه قال: لا وأبي، فقال رسول الله ﷺ : «مه! إنه من حلف بشيء دون الله فقد أشرك».
وفي المسند أيضا عن سعد بن عبيدة قال: كنت مع ابن عمر ﵄ في حلقة، فسمع رجلا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر ﵄ بالحصى وقال: إنها كانت يمين عمر ﵁ فنهاه النبي ﷺ عنها وقال: «إنها شرك».
وعن ابن عمر أيضا ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» رواه مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن.
стр. 528
وفي رواية: قال عمر ﵁: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها ذاكرًا ولا آثرًا.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله»، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: «لا تحلفوا بآبائكم» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، ولفظ النسائي: «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالطواغيت».
قال أبو موسى المديني وغيره: «الطواغي»؛ جمع طاغية وهي ما كانوا يعبدونه من الأصنام وغيرها.
قال ابن الأثير: ومنه الحديث: «هذه طاغية دوس وخثعم»؛ أي صنمهم ومعبودهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» رواه أبو داود، والنسائي.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق» رواه الشيخان، وأهل السنن، واللفظ للبخاري.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظم، فإذا
стр. 529
حلف باللات ونحوها فقد ضاهى الكفار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد.
وقال ابن العربي: من حلف بها جادًا فهو كافر، ومن قالها جاهلًا أو ذاهلًا يقول: لا إله إلا الله، يكفر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحق، وينفي عنه ما جرى به من اللغو. انتهى.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: حلفت باللات والعزى فقال أصحابي: قد قلت هجرًا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن العهد كان قريبًا، وإني حلفت باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : «قل لا إله إلا الله وحده ثلاثًا، ثم انفث عن يسارك ثلاثًا، وتعوذ ولا تعد» رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجة.
وفي رواية لأحمد والنسائي: «وتعوذ بالله من الشيطان ولا تعد».
وللنسائي أيضا: «وتعوذ من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن يسارك ثلاث مرات، ولا تعد له».
وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال» رواه الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا أبا داود.
وعن أنس ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: أنا إذا اليهودي، فقال رسول الله ﷺ : «وجبت» رواه ابن ماجة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال: هو يهودي فهو يهودي، وإن قال: هو نصراني
стр. 530
فهو نصراني، وإن قال: هو بريء من الإسلام فهو بريء من الإسلام، ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم» قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: «وإن صام وصلى» رواه الإمام الحاكم في مستدركه وصححه، وفي إسناده ضعف.
وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال: إني برئي من الإسلام، فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن إلا الترمذي، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بالأمانة فليس منا» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن زياد بن حدير قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي. رواه أبو نعيم في الحلية.
وروى أيضا عن زياد بن حدير أنه قال: لئن تحك أحشائي حتى تدمى؛ أحب إلي من أن أحلف بالأمانة.
وعن قتيلة بنت صيفي ﵂ أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون، وإنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا يقولوا: ورب الكعبة، ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت. رواه الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم في
стр. 531
مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄ أن رجلًا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلًا من أهل الكتاب فقال: نِعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «أما والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد» رواه ابن ماجة.
وله أيضا عن الطفيل بن سخبرة -أخي عائشة ﵂ لأمها- عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يسبق لفظه، وساقه ابن مردويه مطولًا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].
وروى الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وابن ماجة، كلهم من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس ﵄ قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: «جعلت لله ندًا، ما شاء الله وحده» هذا لفظ البخاري، ولفظ أحمد نحوه.
ولفظ ابن ماجة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت».
وعن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» رواه أبو داود، والنسائي.
وقد كثرت هذه الأمور الشركية في زماننا، وخفّت على ألسن الأكثرين،
стр. 532
ولا سيما الحلف بغير الله تعالى، كالحلف بالرسول والكعبة والأمانة.
وكثير من الجهال يحلف بالأمانة، ويستحلف غيره بها، ولا يرضى إذا حلف له بالله، وهذا من تلاعب الشيطان ومكره بهم، حيث زين لهم الشرك، وكرّه إليهم التوحيد.
وقد روى ابن ماجة في سننه، عن ابن عمر ﵄ قال: سمع النبي ﷺ رجلا يحلف بأبيه فقال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله».
وكثيرًا ما سمعناهم يحلفون بالأمانة في أشرف البقاع وأحبها إلى الله تعالى، وما رأينا أحدًا أنكر عليهم هذا المنكر القبيح، فالله المستعان.
وكذلك حَلِف كثير من الجهال بحياته وحياة أبيه أو من يعظمه قد كثر أيضًا، وكذلك الحلف بغير ملة الإسلام قد كثر جدًا؛ كقول كثير من الجهال: إنه يهودي أو نصراني أو مجوسي إن كان قد فعل كذا، أو إن لم يفعل كذا، فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي ونحو ذلك.
وكذلك قول: ما لي إلا الله وأنت، وأنا بالله وبك، وأنا متوكل على الله وعليك، ونحو هذه الألفاظ التي تقتضي التشريك بين الخالق والمخلوق، كل ذلك قد كثر جدًا.
وقد سمعت بعض الجهال يقول ذلك لبعض القضاة، فلا ينكر عليهم، عياذا بالله من الجهل.
ومن أهم الأمور إنكار هذه الشركيات وما في معناها، وهو واجب على كل أحد بحسب قدرته؛ لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره
стр. 533
بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية للنسائي: «من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بلقبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان».
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
وأما الرياء، والتصنع للخلق، فأكثر ما يكون وقوعًا في صلاة النافلة، وصدقة التطوع، والذكر والاستغفار، وقراءة القرآن والخطب والوعظ والتذكير، ونحو ذلك، وكثيرًا ما يظهر أثره على صفحات الوجوه، وفلتات الألسن ومن أفعال المرائين وشمائلهم.
وقد روى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قال: قلنا: بلى، فقال: «الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل».
стр. 534
وقد رواه الحاكم في مستدركه مختصرًا ولفظه: «الشرك الخفي أن يعمل الرجل لمكان الرجل» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن خزيمة في صحيحه، عن محمود بن لبيد ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، إياكم وشرك السرائر» قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر».
وروى أبو نعيم في الحلية، عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ترك العمل من أجل الناس هو الرياء، والعمل من أجل الناس هو الشرك.
وروى أبو نعيم أيضًا، عن أبي روح المروزي قال: قال عبد الله بن المبارك: لو أن رجلين اصطحبا في الطريق، فأراد أحدهما أن يصلي ركعتين، فتركهما لأجل صاحبه، كان ذلك رياء، وإن صلاهما من أجل صاحبه فهو شرك.
وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، والطبراني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن رسول الله قال: «لا يَقُصُّ على الناس إلا أمير، أو مأمور، أو مراء».
وفي سنن أبي داود، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يَقُصُّ إلا أمير أو مأمور أو مختال».
стр. 535
وقد رواه البخاري في (التاريخ الكبير) عن ذي الكلاع قال: كان كعب يقص في إمارة معاوية، فقال عوف بن مالك لذي الكلاع: يا أبا شراحيل، أرأيت ابن عمك أبأمر الأمير يقص؟ فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «القُصاص ثلاثة: أمير أو مأمور أو مختال» فمكث كعب سنة لا يقص حتى أرسل إليه معاوية يأمره أن يقص.
وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثنا عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد فإذا كعب يقص، فقال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال» قال: فبلغ ذلك كعبًا فما رُئي يقص بعد. إسناده حسن.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: بلغني عن ابن سريج أنه كان يقول هذا في الخطبة، وكان الأمراء يلون الخطب، فيعظون الناس، ويذكرونهم فيها، فأما المأمور: فهو من يقيمه الإمام خطيبًا، فيعظ الناس ويقص عليهم، وأما المختال: فهو الذي نصب نفسه لذلك من غير أن يؤمر به، ويقص على الناس طلبا للرياسة، فهو يرائي بذلك ويختال، وقد قيل: إن المتكلمين على الناس ثلاثة أصناف؛ مذكر، وواعظ، وقاص؛ فالمذكر: الذي يذكر الناس آلاء الله ونعماءه، ويبعثهم بها على الشكر له، والواعظ: يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته، فيردعهم به عن المعاصي، والقاص: هو الذي يروي لهم أخبار الماضين ويسرد عليهم القصص، فلا يؤمن أن يزيد فيها أو ينقص، والمذكِّر والواعظ مأمون عليهما هذا المعنى. انتهى.
стр. 536
قلت: لكن لا يؤمن على المذكر والواعظ الخيلاء والرياء، فإن ذلك هو الغالب على كثير ممن ينصب نفسه ابتداء، من غير أن يؤمر به.
وظاهر الحديث يشمل الأصناف الثلاثة، وقد روي عن علي، وعابد بن عمر، وابن عباس، وغيرهم ﵃ ما يدل على ذلك.
فروى حنبل بن إسحاق، من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: مرّ علي ﵁ على قاص، فقام إليه فقال: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هل تعرف المحكم من المتشابه؟ قال: لا، قال: هل تعرف الزجر من الأمر؟ قال: لا، قال: فأخذ بيده فرفعها وقال: إن هذا يقول: اعرفوني، اعرفوني.
وروى حنبل أيضًا، عن عابد بن عمر أنه قال لقاص: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: فعلام تقص على الناس وتغرهم عن دينهم، وأنت لا تعرف حلال الله من حرامه!
فهذا علي وعابد، أطلقا اسم القاص على من ينصب نفسه لإرشاد الناس وتعليمهم، فهو أعم من رواية الأخبار وسرد القصص.
وروى البخاري في (التاريخ الكبير)، عن جبير بن نفير قال: أرسلتني أم الدرداء ﵂ -يعني إلى نوف البكالي- قالت: يا جبير، اذهب إلى أنيف، وفلان لم يسمه -قاصين كانا بحمص- فقل لهما: يجعلان من موعظتهما للناس في أنفسهما.
فهذه أم الدرداء -رضي لله عنها- أطلقت اسم القاص على من يعظ الناس ويذكرهم.
стр. 537
وفي صحيح البخاري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن انصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك، يعني لا يفعلون إلا ذلك الاجتتناب.
فهذا ابن عباس ﵄ أطلق اسم القاص على المحدث.
وفي المسند، والسنن إلا الترمذي، عن أبي الحصين الهيثم بن شفي قال: خرجت أنا وصاحب لي يكنى أبا عامر -رجل من المعافر- لنصلي بإيلياء، وكان قاصهم رجلا من الأزد يقال له أبو ريحانه -من الصحابة- قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد ثم ردفته فجلست إلى جنبه، فسألني هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا، قال: سمعته يقول: نهى رسول الله ﷺ عن عشر: «عن الوشر والوشم والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم، أو يجعل على منكبه حريرًا مثل الأعاجم، وعن النهبى، وركوب النمور، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان».
قال الذهبي له طرق حسنة.
فهذا أبو الحصين وصاحبه أطلقا اسم القاص على من يروي الأحاديث ويعلم الناس ويرشدهم.
стр. 538
والوشر: تحديد الأسنان وترقيق أطرافها، تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بالشواب.
وأما الوشم فهو: أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق أثره أو يخضر.
وأما النتف: فالمنهي عنه من ذلك نتف الشيب، ونتف الشعر عند المصيبة، ونتف اللحية، ونتف الحاجبين للزينة.
وأما المكامعة فهي المضاجعة: وهو أن يضاجع الرجل صاحبه في ثوب واحد لا حاجز بينهما، أو تضاجع المرأةُ المرأة في ثوب واحد لا حاجز بينهما، والكميع الضجيع، وزوج المرأة كميعها.
وأما النهي عن ركوب النمور فمعناه: النهي عن الركوب على جلودها، والله أعلم.
وهذه الأحاديث الأربعة تفيد أن اسم القاص يطلق على المذكِّر والواعظ وراوي الأخبار، والله أعلم.
والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال البغوي: أي يبين لهم أكثر الذي هم فيه يختلفون من أمر الدين، قال الكلبي: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابًا يطعن بعضهم على بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه. انتهى.
وهذه الآية دالة على أن القصص يطلق ويراد به البيان، فهو أعم من رواية
стр. 539
الأخبار وسرد قصص الماضين، فما ذكره الخطابي أولًا هو الصحيح، والله أعلم.
وقد روى البخاري في (التاريخ الكبير)، عن همام بن عبد الله قال: لما قص إبراهيم التيمي أخرجه أبوه من داره، وقال: رأيت حذيفة وابن مسعود يكرهان هذا الأمر.
وذكر البخاري أيضًا، عن سعيد بن عبد الرحمن الغفاري قال: كان سليم بن عِتْر التجيبي يقص قائمًا، فقال له صلة بن الحارث الغفاري؛ وهو من أصحاب النبي ﷺ : والله ما تركنا عهد نبينا، ولا قطعنا أرحامنا، حتى قمت أنت وأصحابك بين أظهرنا.
وعن شداد بن أوس ﵄ أنه قال: يا بقايا العرب، يا بقايا العرب، إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية.
قيل لأبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرياسة.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (الإخلاص)، والطبراني، والحاكم في مستدركه، عن شداد بن أوس ﵄ قال: كنا نعد على عهد رسول الله ﷺ أن الرياء الشرك الأصغر. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله، أما إني لست أقول يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا، ولكن أعمالًا لغير الله، وشهوة خفية» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة واللفظ له،
стр. 540
والحاكم وصححه، وإسناده ضعيف.
وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك».
قال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتُغي به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني» رواه الإمام أحمد، والحاكم في مستدركه مختصرًا.
وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولي بني هاشم، عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت ﵁ فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله، ويُحب أن يُحمد، ويصوم يبتغي وجه الله، ويُحب أن يُحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويُحب أن يُحمد، ويحج يبتغي وجه الله، ويُحب أن يُحمد؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شرك فهو له كله، لا حاجة لي فيه» هكذا ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره.
وروى الإمام أحمد، والنسائي، عن أبي أمامة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال: «لا شيء له» فأعادها ثلاث مرات، يقول رسول الله ﷺ : «لا شيء له» ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه». إسناده جيد.
стр. 541
وفي مستدرك الحاكم، عن طاوس قال: قال رجل: يا نبي الله، إني أقف المواقف ابتغي وجه الله، وأحب أن يُرى موطني؟ قال: فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية.
وروى البزار، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُجاء يوم القيامة بصحف مختمة، فتنصب بين يدي الله ، فيقول الله لملائكته: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول -وهو أعلم-: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما ابتغي به وجهي».
وروى البزار، والدارقطني، والبيهقي، عن الضحاك بن قيس الفهري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي، يا أيها الناس، أخلصوا أعمالكم لله ، فإن الله لا يقبل إلا ما أخلص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم، فإنها للرحم، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء».
وفي صحيح مسلم، من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
ورواه ابن ماجة في سننه، من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «قال الله : أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك».
стр. 542
وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده، من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ بنحو رواية ابن ماجة.
وروى الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، وابن ماجة، والبخاري في الكُنى، وابن حبان في صحيحه، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري -وكان من الصحابة ﵃ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك».
وروى الإمام أحمد أيضًا، عن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء؛ يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!».
وروى ابن ماجة في سننه، والطبراني في الصغير، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يسير الرياء شرك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين، عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به».
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي نحوه. رواه الإمام أحمد، ومسلم.
стр. 543
ولأحمد أيضا، وابن ماجة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك.
وكذا عن أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ . رواه الإمام أحمد.
وقد ذكر العلماء في معنى هذه الأحاديث أقوالا كثيرة؛ ومن أحسنها ما قاله الخطابي رحمه الله تعالى: إن معناها: من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه.
وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة.
وقيل: معنى «سمع الله به»: شهره، أو ملأ أسماع الناس بسوء الثناء عليه في الدنيا، أو في يوم القيامة؛ بما ينطوي عليه من خبث السريرة. انتهى.
وحاصل هذه الأقوال الثلاثة يرجع إلى شيء واحد؛ وهو شهر المرائي وفضيحته عند الناس؛ بإظهار سريرته لهم، وما كان يقصده بعمله من طلب المحمدة والتعظيم والإكرام منهم، كما جاء في الحديث: «ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله ردائها، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرا فشر» رواه الطبراني من حديث جندب بن سفيان البجلي ﵁.
وقد روى الإمام أحمد، عن عبدالله بن عمرو ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من سمَّع الناس بعمله سمَّع الله به مسامع خلقه وصغَّره وحقَّره».
стр. 544
قال أبو عبيد الهروي: يقال: سمَّعت بالرجل تسمعًا وتسمِعة؛ إذا شهرته ونددت به، أراد أن الله يسمع به أسماع خلقه يوم القيامة. انتهى.
وروى الإمام أحمد أيضا، والدارمي، عن أبي هند الداري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من قام مقام رياء وسمعة، راءى الله به يوم القيامة وسمَّع به».
وروى الطبراني من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وله من حديث معاذ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمَّع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة».
وروى البخاري رحمه الله تعالى في تاريخه الصغير، عن ابن عقربة الجهني ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من قام بخطبة لا يلتمس إلا رياء وسمعة، وقفه الله يوم القيامة موقف رياء وسمعة».
وروى ابن وهب، عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس».
وروى أبو نعيم في الحلية، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤمر يوم القيامة بناس من الناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها ونظروا إليها، واستنشقوا رائحتها وإلى ما أعد الله لأهلها، نودوا أن اصرفوهم لا نصيب لهم فيها، قال: فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها، قال: فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما
стр. 545
أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا، قال: ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي، فاليوم أذيقكم أليم العذاب، مع ما حرمتكم من الثواب».
وروى أبو نعيم أيضًا، عن الأوزاعي قال: بلغني أنه ما وعظ رجل قومًا لا يريد به وجه الله إلا زلَّت عنه القلوب كما زال الماء عن الصفاء.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن مالك بن دينار قال: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا.
وروى أبو نعيم، عن سفيان بن عيينة أنه قال: من تزين للناس بشيء يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله.
إذا علم هذا، فليعلم أيضا أن الرياء والسمعة من أكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم الناصح لنفسه أن يحذر من ذلك أشد الحذر ويحاسب نفسه على الدقيق والجليل من أعماله؛ فما كان منها خالصًا فليمضه، وما كان فيه شائبة لغيره فليتركه، وليجتهد في إتقان العمل وإخلاصه لله وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، قال سعيد بن جبير في هذه الآية: لا يرائي بعبادة ربه أحدًا. رواه أبو نعيم في الحلية، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه سئل: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك،
стр. 546
وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة. رواه ابن أبي حاتم.
ورُوي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، ومتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقًا وهم الذين يراءون الناس، ومتى فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم. الآية. انتهى.
وينبغي للمسلم -أيضا- أن يواظب على الدعاء المأثور في اتقاء الشرك وإذهابه، وهو ما رواه الإمام أحمد، والبخاري في الكُنى، والطبراني وغيرهم، عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس اتقوا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل» قالوا: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».
وفي رواية أنه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره؛
стр. 547
تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، تقولها ثلاث مرات».
وروى البخاري في (الأدب المفرد)، عن معقل بن يسار ﵁ قال: انطلقت مع أبي بكر الصديق ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: «يا أبا بكر، لَلشرك فيكم أخفى من دبيب النمل» فقال أبو بكر ﵁: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر؟! فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لَلشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟» قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم».
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا» فقال أبو بكر: يا رسول الله، وكيف النجاة والمخرج؟ فقال النبي ﷺ : «ألا أعلمك شيئا إذا قلته بَرِئت من قليله وكثيره، وصغيره وكبيره؟» قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما تعلم ولا أعلم».
ورُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه كان يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا.
فمن لازم الدعاء بهذا والذي قبله، رُجي له الخلاص من الرياء والسمعة إن شاء الله تعالى.
стр. 548
ومن الشرك الأصغر أيضًا: التماس الدنيا بعمل الآخرة؛ كمن يجاهد لأجل المغنم، أو ليرى مكانه ويُمدح بالشجاعة والجرأة والإقدام، أو يهاجر لدنيا يصيبها؛ مالا كان ذلك، أو رياسة، أو وظيفة، أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية، أو من أجل امرأة يتزوجها. أو يحج، أو يقرأ القرآن، أو يتعلم العلم، أو يعلِّمه، أو يؤذِّن، أو يصلي بالناس، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأجل المال الذي يأخذه على ذلك؛ كما هو الواقع كثيرًا في هذه الأزمان، ومثل ذلك من يتعلم العلم لتحصيل الوظائف والرتب الدنيوية وكذلك الدينية إذا كان القصد منها تحصيل الشرف والجاه أو المال أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية.
قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: إن هذا القرآن قد أخلق في صدور كثير من الناس، والتمسوا ما سواه من الأحاديث، وإنَّ فيمن يبتغي هذا العلم من يتخذه بضاعة يلتمس بها الدنيا، ومنهم من يريد أن يشار إليه، ومنهم من يريد أن يماري به، وخيرهم من يتعلمه ويطيع الله به. رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: إن أقبح الرغبة أن تعمل للدنيا بعمل الآخرة. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في (زوائد الزهد).
وقال سفيان الثوري: إن أقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة. رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح
стр. 549
ما تطلب به؛ أحسن من أن يطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة. رواه أبو نعيم في الحلية.
وروى أيضًا في ترجمة زهير بن نعيم البابي -وكان من عُبَّاد أهل البصرة في زمن يحيي بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي- قال: أخبرنا عبد الله، حدثنا أحمد بن عاصم قال: كانت يدي في يد زهير أمشي معه، فانتهينا إلى رجل مكفوف يقرأ، فلما سمع قراءته وقف ونظر، وقال: لا تغرنّك قراءته، والله إنه شر من الغناء وضرب العود -وكان مهيبًا- ولم أسأله يومئذ، فلما كان بعد أيام ارتفع إلى بني قشير، فقمت وسلمت عليه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إنك قلت لي يومئذ كذا وكذا، فكأنه نصب عينه، فقال لي: يا أخي نعم، لأن يطلب الرجل هذه الدنيا بالزمر والغناء والعود؛ خير من أن يطلبها بالدين.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في (زوائد الزهد)، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال: قلت له: ما عقوبة العالم؟ قال: موت القلب، قلت: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة.
قلت: لعلهما أرادا به العالم الذي لا يعمل بعلمه.
إذا علم هذا فقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
وروى الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في
стр. 550
مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان، والبغوي في تفسيره، عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بشِّر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم: «بشِّر أمتي بالسناء والرفعة، والتمكين في البلاد؛ ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن طلب الدنيا بعمل الآخرة لم يكن له في الآخرة من نصيب».
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: ١٥ - ١٦].
قال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء.
وقال العوفي، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا؛ صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أُوفِّيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين. ذكر ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، قال: وهكذا رُوي عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد. انتهى.
стр. 551
وعن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل أهل الشام: أيها الشيخ حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه؛ رجل استشهد، فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم أُلقي في النار» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
ورواه الترمذي، والحاكم من حديث شُفي بن ماتع الأصبحي، أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكتَ وخلا قلتُ له: أسألك بحقٍّ وبحقٍّ لما حدثتني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ عقلته وعلمته -ثم ذكر قصة لأبي هريرة ﵁ في
стр. 552
تشوقه إلى النبي ﷺ وتحزنه على فراقه- ثم قال: قال حدثني رسول الله ﷺ : «إن الله إذا كان يوم القيامة يَنزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك، ويؤتي بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك، ويؤتي بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قُتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقَاتلت حتى قُتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يُقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك» ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه هكذا، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
زاد الترمذي في روايته: قال الوليد -أبو عثمان المدائني-: فأخبرني عقبة أن شُفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافًا لمعاوية، قال: فدخل عليه رجل
стр. 553
فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟! ثم بكى معاوية بكاء شديدًا حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بِشَرٍّ، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: سمعت شيخ الإسلام -يعني أبا العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى- يقول: كما أن خير الناس الأنبياء، فشر الناس من تشبه بهم من الكاذبين، وادعى أنه منهم وليس منهم، وخير الناس بعدهم العلماء، والشهداء، والمتصدقون المخلصون، فشر الناس من تشبه بهم، يوهم أنه منهم وليس منهم.
وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد، وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله، وإدخالهم النار، دليل على تغليظ تحريم الرياء، وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصًا، وكذلك الثناء على العلماء، وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصًا. انتهى.
وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن، وغيرها عن أمير
стр. 554
المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض».
وفي رواية: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» الحديث.
وقد رواه الترمذي مختصرًا ولفظه: «لعن عبد الدينار، لعن عبد الدرهم» وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وعنه ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرض الدنيا؟ فقال ﷺ : «لا أجر له» فأَعْظَمَ الناسُ ذلك، وقالوا للرجل: عُدْ إلى رسول الله ﷺ لعله لم يفهم، فعاد فقال: يا رسول الله، الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرض الدنيا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا أجر له» ثم عاد الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا أجر له» رواه الإمام أحمد، والبخاري في تاريخه.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة
стр. 555
يوم القيامة -يعني ريحها-» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه ابن حبان والحاكم، قال الحاكم: صحيح سنده، ثقات رواته، على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في تلخيصه.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلَّم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم» رواه ابن ماجة.
وله أيضا عن ابن عمر، وحذيفة ﵃، عن النبي ﷺ نحوه.
وعن كعب بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك. رواه الترمذي، والحاكم في مستدركه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وصححه الحاكم، وأقرَّه الذهبي.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلب العلم لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذي، وابن ماجة.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيَّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» رواه ابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، وأقره الذهبي.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من طلب العلم لأربع دخل النار:
стр. 556
ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أو ليأخذ به من الأمراء» رواه الدارمي.
وعنه ﵁ قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم، ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم، فهانوا عليهم، سمعت نبيكم ﷺ يقول: «من جعل الهموم همًا واحدًا -هم آخرته- كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك» رواه ابن ماجة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من جب الحزن» قالوا: وما جب الحزن؟ قال: «وادٍ في جهنم، تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة» قيل: يا رسول الله، ومن يدخله؟ قال: «أُعِدَّ للقُراء المُرائين بأعمالهم، وإنَّ من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء».
قال المحاربي: «الجَوَرة» رواه البخاري في (التاريخ الكبير)، والترمذي مختصرًا، وابن ماجة وهذا لفظه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يُجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يُجتنى من قربهم إلا» قال محمد بن الصباح -أحد رواته-: كأنه يعني الخطايا. رواه ابن ماجة، وقال المنذري: ورواته ثقات.
وروى أبو نعيم في الحلية، عن مالك بن دينار أنه قال: إن من القراء قراء
стр. 557
ذا الوجهين، إذا لقوا الملوك دخلوا معهم فيما هم فيه، وإذا لقوا أهل الآخرة دخلوا معهم فيما هم فيه، فكونوا من قراء الرحمن.
وقد تقدم في أول الكتاب حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: أبي تغترون؟! أم عليَّ تجترئون؟! فبي حلفتُ لأبعثنَّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليمَ منهم حيرانًا» رواه الترمذي.
وتقدم أيضا حديثا ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «إن الله قال: لقد خلقت خلقًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصب، فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانًا، فبي يغترون؟! أم علي يجترئون؟!» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وتقدم أيضا قول معاذ بن جبل ﵁: «لا تذهب الدنيا حتى يأتي قرَّاء فسقة، أهواؤهم مختلفة، ليست لهم زِعةٌ، يلبسون ثياب الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، فيلبسهم الله فتنة ظلماء، يتهوكون فيها تهوك اليهود» ذكره أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب (الورع).
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في (زوائد الزهد) مختصرًا.
وتقدم أيضا قول ابن مسعود ﵁: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتؤخذ سُنّة يجري الناس عليها، فإذا غير منها
стр. 558
شيء قيل تركت سنة!» قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «إذا كثر قرَّاؤكم، وقلَّ فقهاؤكم، وكثرت أموالكم، وقل أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين» رواه عبد الرزاق، والدارمي، والحاكم.
وتقدم أيضا حديث حذيفة ﵁ مرفوعا في ذكر أشراط الساعة وفيه: «وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة» رواه أبو نعيم في الحلية.
وتقدم أيضا حديث جابر بن عبد الله ﵄ مرفوعًا: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه» رواه الإمام أحمد، وأبو داود.
وتقدم أيضا حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ وفيه: أنه ﷺ قال: «اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله» رواه أبو داود.
وتقدم أيضا حديث أنس ﵁ في ذلك، وفيه أنه ﷺ قال: «وسيأتي على الناس زمان يثقفونه كما يثقف القدح، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها» رواه الإمام أحمد.
وتقدم أيضا حديث عمران بن حصين ﵄ في ذلك، وفيه أنه ﷺ قال: «سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وهذه الأحاديث من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ ؛ لكونه أخبر بما سيقع في آخر أمته؛ من كثرة الرياء والسمعة، والتماس الدنيا بعمل الآخرة، فوقع
стр. 559
الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه، وظهر ذلك في زماننا ظهورًا جليًا، فالله المستعان.
وقد روى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب (السنة) من طرق صحيحة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «الرياء بضع وسبعون بابًا، والشرك نحو ذلك».
ومن الشرك الأصغر أيضا: الطيرة؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «الطيرة شرك، الطيرة شرك -ثلاثًا- وما منا إلاَّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، والبخاري في الأدب المفرد، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب (السنة)، والحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته، ولم يخرجاه، وأقره الحافظ الذهبي في تلخيصه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل، قال: وفي الباب عن سعد، وأبي هريرة، وحابس التميمي، وعائشة، وابن عمر ﵃، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- يقول: كان سليمان بن حرب يقول في الحديث: «وما منا … ولكن الله يذهبه بالتوكل» قال سليمان: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود ﵁. انتهى.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: قوله: وما منا إلا … معناه: إلاَّ من يعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصارًا للكلام، واعتمادًا على فهم السامع. انتهى.
وقد روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن معاوية بن
стр. 560
الحكم السلمي ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : منا رجال يتطيرون؟ قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم».
وفي لفظ لمسلم قال: قلت: كنا نتطير؟ قال: «ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم».
وروى الإمام أحمد، والطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».
وروى الإمام أحمد أيضا من حديث الفضل بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك».
وفي سنن أبي داود، عن عروة بن عامر القرشي ﵁ قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم [ما يكره] (١) فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك».
وروى ابن مردويه، وأبو نعيم، والبغوي، كلهم من طريق عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يلج الدرجات من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر طائرًا» هذا لفظ ابن مردويه.
стр. 561
ولفظ البغوي: «من تكهن، أو استقسم، أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة».
وروى البزار بإسناد جيد، عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له».
وروى أبو نعيم في الحلية عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل …» فذكر الحديث، وفيه أن الله تعالى قال: «ليس مني من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له».
الطيرة -بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن- هي: التشاؤم بالشيء المكروه من قول، أو فعل، أو مرئي، أو مسموع.
قال أبو موسى المديني: وأصله فيما يقال التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرها، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم؛ فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر».
قال أبو عبيد الهروي: العدوى اسم من الإعداء، يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا، فتتقى مخالطته بإبل أخرى حذارًا أن يتعدى ما به من الجرب إليها
стр. 562
فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء، ولهذا قال في بعض الأحاديث: «فمن أعدى البعير الأول؟!».
أي: من أين صار فيه الجرب؟! انتهى.
وقد قرر هذا المعنى كثير من الأئمة؛ منهم الخطابي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي، وابن القيم، وابن مفلح، وابن رجب، وغيرهم من المحققين.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: اختلفوا في معنى قوله «لا عدوى» وأظهر ما قيل في ذلك: إنه نفيٌ لما كان يعتقده أهل الجاهلية، من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على هذا قوله: «فمن أعدى الأول؟!» يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.
فأما نهيه ﷺ عن إيراد الممرض على المصح، وأمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون؛ فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يُؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، أو في النار، أو يدخل تحت الهدم ونحوه، مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذي، فكذلك اجتناب مقاربة المريض؛ كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله
стр. 563
تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره، قال: وأما إذا قوي التوكل على الله تعالى، والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله تعالى؛ ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة، وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود، والترمذي أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: «كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه» وقد أخذ به الإمام أحمد.
وروي نحو ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وسلمان ﵃.
ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ من أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص، وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر، ومنه أمر عمر ﵁ لتميم حيث خرجت النار من الحرة أن يردَّها، فدخل إليها في الغار الذي خرجت منه.
فهذا كله لا يصلح إلا لخواص من الناس، قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره، وتوكلهم عليه، وثقتهم به، فإن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع، وتستدفع بها المضار. انتهى.
وأما قوله: «ولا طيرة» فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون نفيًا، أو نهيًا أي: لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: «ولا عدوى، ولا صفر، ولا هامة» يدل على أن المراد النفي، وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعاينها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على
стр. 564
بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه.
وفي صحيح مسلم، عن معاوية بن الحكم، أنه قال لرسول الله ﷺ : ومنا أناس يتطيرون؟ قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم» فأخبر أن تأثره وتشاؤمه بالطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح ﷺ لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه؛ لتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار، فبسبب التوحيد ومن أجله جعل الجنة دار التوحيد وموجباته وحقوقه، والنار دار الشرك ولوازمه وموجباته، فقطع ﷺ علق الشرك من قلوبهم؛ لئلا يبقى فيها علقة منها، ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة، فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها.
قال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس ﵄ فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير، فقال له ابن عباس ﵄: لا خير، ولا شر. فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد لها تأثيرًا في الخير أو الشر.
وخرج طاوس مع صاحب له في سفر فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟! والله لا تصحبني. انتهى ملخصًا.
стр. 565
ثم ذكر رحمه الله تعالى أحاديث وآثارًا ظن بعض الناس أنها تدل عل جواز الطيرة، وساق معها قصصا كثيرة للمتطيرين، وأجاب عن الجميع بما يشفي ويكفي، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجع آخر كتابه (مفتاح دار السعادة).
وأما الهامة -بتخفيف الميم على المشهور- فقال أبو عبيد الهروي: هي أسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل.
وقيل: هي البومة، قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إليَّ نفسي أو أحدًا من أهل داري، قال النووي: وهذا تفسير مالك بن أنس.
قلت: والتشاؤم بالبومة كثير في الجهال من أهل زماننا، فإذا وقعت على دار أحدهم تطير بها، وقال: إنها تنذر بموته أو موت أحد من أهل داره.
وهذا مما درج إليهم من عقائد أهل الجاهلية وضلالاتهم التي نفاها الإسلام وأبطلها.
قال أبو عبيد الهروي: وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتطير ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه.
قال النووي: وهذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعًا باطلان، فبيّن النبي ﷺ إبطال ذلك، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك. انتهى.