Полный текст (956 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ولفظ البغوي: «من تكهن، أو استقسم، أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة».
وروى البزار بإسناد جيد، عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له».
وروى أبو نعيم في الحلية عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل …» فذكر الحديث، وفيه أن الله تعالى قال: «ليس مني من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له».
الطيرة -بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن- هي: التشاؤم بالشيء المكروه من قول، أو فعل، أو مرئي، أو مسموع.
قال أبو موسى المديني: وأصله فيما يقال التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرها، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم؛ فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر».
قال أبو عبيد الهروي: العدوى اسم من الإعداء، يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا، فتتقى مخالطته بإبل أخرى حذارًا أن يتعدى ما به من الجرب إليها
стр. 562
فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء، ولهذا قال في بعض الأحاديث: «فمن أعدى البعير الأول؟!».
أي: من أين صار فيه الجرب؟! انتهى.
وقد قرر هذا المعنى كثير من الأئمة؛ منهم الخطابي، والبيهقي، وابن الصلاح، والمنذري، والنووي، وابن القيم، وابن مفلح، وابن رجب، وغيرهم من المحققين.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: اختلفوا في معنى قوله «لا عدوى» وأظهر ما قيل في ذلك: إنه نفيٌ لما كان يعتقده أهل الجاهلية، من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على هذا قوله: «فمن أعدى الأول؟!» يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.
فأما نهيه ﷺ عن إيراد الممرض على المصح، وأمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون؛ فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يُؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، أو في النار، أو يدخل تحت الهدم ونحوه، مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذي، فكذلك اجتناب مقاربة المريض؛ كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله
стр. 563
تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره، قال: وأما إذا قوي التوكل على الله تعالى، والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله تعالى؛ ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة، وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود، والترمذي أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: «كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه» وقد أخذ به الإمام أحمد.
وروي نحو ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وسلمان ﵃.
ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ من أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص، وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر، ومنه أمر عمر ﵁ لتميم حيث خرجت النار من الحرة أن يردَّها، فدخل إليها في الغار الذي خرجت منه.
فهذا كله لا يصلح إلا لخواص من الناس، قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره، وتوكلهم عليه، وثقتهم به، فإن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع، وتستدفع بها المضار. انتهى.
وأما قوله: «ولا طيرة» فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون نفيًا، أو نهيًا أي: لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: «ولا عدوى، ولا صفر، ولا هامة» يدل على أن المراد النفي، وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعاينها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على
стр. 564
بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه.
وفي صحيح مسلم، عن معاوية بن الحكم، أنه قال لرسول الله ﷺ : ومنا أناس يتطيرون؟ قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم» فأخبر أن تأثره وتشاؤمه بالطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح ﷺ لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه؛ لتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار، فبسبب التوحيد ومن أجله جعل الجنة دار التوحيد وموجباته وحقوقه، والنار دار الشرك ولوازمه وموجباته، فقطع ﷺ علق الشرك من قلوبهم؛ لئلا يبقى فيها علقة منها، ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة، فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها.
قال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس ﵄ فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير، فقال له ابن عباس ﵄: لا خير، ولا شر. فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد لها تأثيرًا في الخير أو الشر.
وخرج طاوس مع صاحب له في سفر فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟! والله لا تصحبني. انتهى ملخصًا.
стр. 565
ثم ذكر رحمه الله تعالى أحاديث وآثارًا ظن بعض الناس أنها تدل عل جواز الطيرة، وساق معها قصصا كثيرة للمتطيرين، وأجاب عن الجميع بما يشفي ويكفي، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجع آخر كتابه (مفتاح دار السعادة).
وأما الهامة -بتخفيف الميم على المشهور- فقال أبو عبيد الهروي: هي أسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل.
وقيل: هي البومة، قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إليَّ نفسي أو أحدًا من أهل داري، قال النووي: وهذا تفسير مالك بن أنس.
قلت: والتشاؤم بالبومة كثير في الجهال من أهل زماننا، فإذا وقعت على دار أحدهم تطير بها، وقال: إنها تنذر بموته أو موت أحد من أهل داره.
وهذا مما درج إليهم من عقائد أهل الجاهلية وضلالاتهم التي نفاها الإسلام وأبطلها.
قال أبو عبيد الهروي: وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتطير ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه.
قال النووي: وهذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعًا باطلان، فبيّن النبي ﷺ إبطال ذلك، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك. انتهى.
стр. 566
وأما قوله: «ولا صفر» اختلف في تأويله.
قال البخاري رحمه الله تعالى: هو داء يأخذ البطن.
وروى أبو داود في سننه، عن محمد بن راشد قال: سمعنا من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، فكانوا يقولون هو يعدي، فقال: «لا صفر».
وروى أيضا عن عطاء قال: يقول ناس: الصفر وجع يأخذ في البطن.
وروى مسلم في صحيحه، عن أبي الزبير أن جابرًا ﵁ فسّر لهم قوله: «ولا صفر» فقال أبو الزبير: الصفر البطن، فقيل لجابر: كيف؟ قال: كان يقال: دواب البطن.
وذكر أبو عبيدة، وأبو عبيد، عن رؤبة بن العجاج قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.
قال أبو عبيد: فأبطل النبي ﷺ أنها تعدي.
وصحح النووي رحمه الله تعالى هذا التأويل، قال: وبه قال مطرف، وابن وهب، وابن حبيب، وأبو عبيد، وخلائق من العلماء.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وممن قال هذا من العلماء ابن عيينة، والإمام أحمد، وغيرهما، قال: ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله: «لا عدوى» وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام، وخصه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى.
وقالت طائفة: بل المراد به شهر صفر، ثم اختلفوا في تفسيره علي قولين:
أحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، فكانوا
стр. 567
يحلون المحرّم، ويحرمون صفر مكانه. وهذا قول مالك، وأبي عبيدة.
والثاني: أن المراد بذلك التشاؤم به. رواه أبو داود في سننه عن محمد بن راشد قال: سمعنا أن أهل الجاهلية يستشئمون بصفر، فقال النبي ﷺ : «لا صفر».
قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال، وكثير من الجهال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء. انتهى.
وهذا القول الأخير هو أرجح الأقوال عندي.
وقد سلك الروافض سبيل أهل الجاهلية في التشاؤم بشهر صفر، بل زادوا على أهل الجاهلية في التطير به وسوء الاعتقاد فيه، وبلغ من سخافة عقولهم، وتلاعب الشيطان بهم، أنهم كانوا يعمدون في آخر يوم من صفر فيكسرون أواني الفخار التي استعملوها فيه، ويغسلون غيرها من الأواني، ويمسحون سقف بيوتهم وجُدُرها، ويكنسون البيت كله، يبتدئون من أقصاه حتى ينتهوا إلى الباب، فيخرجوا الكناسة وكسر الأواني إلى السوق بغاية السرعة، ليخرج معها شؤم صفر على زعمهم الباطل.
وقد قابلهم بعض الجهال من المنتسبين إلى السُنَّة، فوصفوه بالخيرية، فكانوا يقولون: صفر الخير، وقصدهم بذلك مراغمة الروافض، ومعارضتهم فيما زعموه من شؤمه، وهذا من مقابلة الضلالة بضلالة أخرى، فإن شهر صفر وغيره من الشهور لا خير ولا شر عندها، وإنما هي أوقات
стр. 568
وأيام مخلوقة، يتصرف فيها خالقها بما يشاء، فيخلق فيها ما يشاء، ويرزق من يشاء، ويُحيي ويميت، ويسعد ويشقي، ويُجري لمن شاء خيرًا ولمن شاء شرًا، وله الحكمة البالغة ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولا علم للشهور والأيام ولا غيرها من المخلوقات بشيء مما قدره الباري وقضاه، فالتطير ببعض الشهور والأيام شرك، ووصفها بالخيرية بغير دليل كذب وخطأ، والله أعلم.
ومن الشرك الأصغر أيضا: الرقى بما فيه شرك، وتعليق الحروز وغيرها من أنواع التمائم، واستعمال التولة وما في معناها؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعند ابن حبان قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقي والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء يصنعه النساء يتحببن به إلى أزواجهن.
وعند الحاكم قال: التولة ما يهيج النساء.
وفي رواية: هو الذي يهيج الرجال.
قال أبو عبيد الهروي: التولة -بكسر التاء وفتح الواو- ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثِّر، ويفعل خلاف ما قدَّره الله تعالى. انتهى.
قلت: وهي في هذه الأزمان فاشية في الأقطار التي ضعف فيها الإيمان،
стр. 569
واشتدت فيها غربة الإسلام، ويسميها بعضهم الصرف، وبعضهم يسميها بغير ذلك.
ومن هذا الباب ما يزعمه كثير من المتكلمين في خواص الحيوانات والنباتات والمعادن وغيرها، من تحصيل المحبة والمهابة، والجاه والمنزلة العالية، والتعظيم والإجلال والإكرام، وغير ذلك من أغراض النفوس وشهواتها بفعل الخاصية التي يزعمون أنها تفعل لهم ما يريدون، وتجلب لهم ما يحبون وما يشتهون، فهذا ونحوه يدخل في معنى التِوَلة، وهو جهل وضلال وشرك بالله تعالى.
وأما الرُّقى، فقال الخطابي رحمه الله تعالى: المنهي عنه هو ما كان منها بغير لسان العرب، فلا يدري ما هو، ولعله قد يدخله سحر أو كفر؛ فأما إذا كان مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به، والله أعلم.
قلت: وعلى جواز الرقية بالآيات القرآنية، والتعوذات والأدعية المأثورة، وما في معنى ذلك مما هو مشتمل على ذكر الله تعالى ولا محذور فيه- تدل الأحاديث الكثيرة في الصحيحين وغيرهما، فعلا من النبي ﷺ وأمرًا وتقريرًا.
وفي صحيح مسلم، وسنن أبي داود، وتاريخ البخاري، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به، فضلا عن أن يدعو به ولو عرف معناه؛ لأنه يكره
стр. 570
الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارًا فليس من دين الإسلام. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى. انتهى.
وقد روى ابن جرير بإسناده، عن طاوس قال: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية الحية والمجانين.
قلت: ومن الباب ما يفعله كثير من الضُّلال من استعمال الرقى الشركية أو المجهولة لمنع لدغ الحية والعقرب، وبعضهم يمسك الحية والعقرب بيده ويلعب بها فلا تضره، وهذا مما تفعله الشياطين لهم إذا أشركوهم بالله تعالى ودعوهم من دونه ورقوا بأسمائهم، فيمسك الشيطان حينئذ بفم الحية وذنب العقرب حتى لا تلدغ أولياءه المشركين به، وهكذا تفعل الشياطين مع من استجاب لأوليائهم واستعمل رقاهم الشركية، وهي التي يسمونها في زماننا السقوه، ومعناها أن ولي الشيطان يرقي لهم في ماء ويسقيهم إياه حتى لا تضرهم الحية ولا العقرب، وقد افتتن برقاهم كثير من الجهال الأغمار في زماننا وقبله جهلًا منهم بحكمها، وإيثارًا للمصلحة العاجلة، فالله المستعان.
وأما التمائم: هي جمع تميمة، قال أبو عبيد الهروي: هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتَّقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام.
стр. 571
قال أبو السعادات ابن الأثير: ومنه حديث ابن عمر: «وما أبالي ما أتيت إن علقت تميمة» والحديث الآخر: «من علق تميمة فلا أتم الله له» كأنهم كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، وإنما جعلها شركًا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه. انتهى.
وقال ابن عبد البر: إذا اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر، واعتقاد ذلك شرك. انتهى.
قلت: ومن هذا الباب ما يفعله بعض الجهلة من تعليق الحروز لدفع ضرر الجن، ومثله تعليق الخيوط والسيور ونحوها لدفع الآفات والمؤذيات.
وفي المسند، وسنن ابن ماجة، وغيرهما، أن عبد الله بن مسعود ﵁ رأى في عنق امرأته خيطًا فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رُقي لي فيه، فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» الحديث.
وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي الضحى، عن أم ناجية قالت: دخلت على زينب -امرأة عبد الله- أعوذها من جمرة ظهرت بوجهها، وهي معلقة بحرز، فإني لجالسة دخل عبد الله، فلما نظر إلى الحرز أتى جذعا معارضا في البيت، فوضع عليه رداءه، ثم حسر عن ذراعيه، فأتاها فأخذ بالحرز فجذبها حتى كاد وجهها أن يقع في الأرض فانقطع، ثم خرج من البيت فقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك،
стр. 572
ثم خرج فرمي بها خلف الجدار، ثم قال: يا زينب، أعندي تُعلِّقين؟! إني سمعت رسول الله ﷺ «نهى عن الرقى والتمائم والتولة» فقالت أم ناجية: يا أبا عبد الرحمن، أما الرقى والتمائم قد عرفنا، فما التولة؟ قال التولة: ما يهيج النساء.
ورواه الحاكم أيضا من حديث قيس بن السكن الأسدي قال: دخل عبد الله بن مسعود ﵁ على امرأة فرأى عليها حرزًا من الجمرة، فقطعه قطعا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، وقال: كان مما حفظنا عن النبي ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
ورواه الحاكم أيضًا من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب امرأة عبد الله أنها أصابها حمرة في وجهها، فدخلت عليها عجوز فرقتها في خيط فعلقته عليها، ودخل ابن مسعود فرآه عليها فقال: ما هذا؟ فقالت: استرقيت من الحمرة، فمد يده فقطعها ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، قالت: ثم قال: «إن رسول الله ﷺ حدثنا أن الرقي والتمائم والتولة شرك» قال: فقلت: ما التولة؟ قال: التولة هو الذي يهيج الرجال. وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه دخل على مريض، فرأى في عضده سيرًا فقطعه أو انتزعه، ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
стр. 573
وروى الحاكم في مستدركه من حديث بكير بن عبد الله، أن أُمَّه حدثته أنها أرسلت إلى عائشة ﵂ بأخيه مخرمة؛ وكانت تداوي من قرحة تكون بالصبيان، فلما داوته عائشة ﵂، وفرغت منه، رأت في رجليه خلخالين جديدين، فقالت عائشة ﵂: أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئًا كتبه الله عليه؟! لو رأيتهما ما تداوى عندي، وما مس عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي المسند، وسنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان، عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ أبصر على عضد رجل حلقة -قال: أراه من صفر- فقال: «ويحك ما هذه؟» قال: من الواهنة؟ قال: «أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا».
وفي رواية ابن حبان: «فإنك إن مت وكلت إليها».
ورواه الحاكم في مستدركه ولفظه: قال دخلت على النبي ﷺ وفي عضدي حلقة صفر فقال: «ما هذه؟» فقلت: من الواهنة، فقال: «انبذها».
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» رواه الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الودع: هو الصدف الأبيض الصغار.
стр. 574
قال أبو عبيد الهروي: الودع -بالفتح والسكون- جمع ودعة، وهي شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم، وإنما نهى عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين، وقوله: «لا ودع الله له» أي: لا جعله في دعة وسكون، وقيل: لا خفف عنه ما يخافه. انتهى.
وروى الإمام أحمد، والحاكم في مستدركه، عن عقبة بن عامر أيضا ﵁ أنه جاء في ركب عشرة إلى رسول الله ﷺ ، فبايع تسعة وأمسك عن بيعة رجل منهم، فقالوا: ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟! فقال: «إن في عضده تميمة» فقطع الرجل التميمة، فبايعه رسول الله ﷺ ثم قال: «من علق تميمة فقد أشرك» قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات.
وروى الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، والحاكم في مستدركه من حديث عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني أعوده وبه حمرة، فقلت: ألا تعلق شيئًا؟! قال: الموت أقرب من ذلك، قال النبي ﷺ : «من تعلق شيئا وكل إليه».
وروى النسائي، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه».
قال المناوي في (شرح الجامع الصغير): «من تعلق شيئًا» أي: تمسك بشيء من المداواة واعتقد أنه فاعل للشفاء، أو دافع للداء، «وكل إليه» أي؛ وكل الله شفاءه إلى ذلك الشيء، فلا يحصل شفاؤه، أو المراد؛ مَن تعلقت نفسه بمخلوق غير الله وكله الله إليه، فمن أنزل حوائجه بالله والتجأ إليه
стр. 575
وفوض أمره كله إليه كفاه كل مؤنة، وقرب عليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى علمه وعقله، واعتمد على حوله وقوته وكله الله إلى ذلك، وخذله وحرمه توفيقه وأهمله، فلم تنجح مطالبه ولم تتيسر مآربه، وهذا معروف على القطع من نصوص الشريعة وأنواع التجارب. انتهى باختصار.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: التعلق يكون بالقلب وينشأ عنه القول والفعل، وهو التفات القلب عن الله إلى شيء يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه، فإن كان من الشرك الأصغر فهو ينافي كمال التوحيد، وإن كان من الشرك الأكبر كعبادة أرباب القبور والمشاهد والطواغيت ونحو ذلك فهو كفر بالله وخروج من دين الإسلام، ولا يصح معه قول ولا عمل. انتهى.
وفي معنى التمائم ما يفعل في بعض الجهات اليمنية من وضع سكين عند النفساء حتى تطهر من نفاسها، ومع المختون حتى يبرأ، وعند المولود ما دام في المهد، يزعمون أنها ترد الجن عنهم.
وهذا جهل وضلال وشرك بالله تعالى، وقد روى البخاري في (الأدب المفرد) عن عائشة ﵂ أنها كانت تؤتى بالصبيان، إذا وُلدوا فتدعو لهم بالبركة، فأُتيت بصبي فذهبت تضع وسادته، فإذا تحت رأسه موسى فسألتهم عن الموسى فقالوا: نجعلها من الجن، فأخذت الموسى فرمت بها ونهتهم عنها، وقالت: «إن رسول الله ﷺ كان يكره الطيرة ويبغضها»، وكانت عائشة ﵂ تنهى عنها.
стр. 576
إذا عرف هذا فالمقصود ههنا التحذير من هذه الأمور الشركية، فإن الشرك وإن كان أصغر فهو أكبر من الكبائر وأسوأ منها عاقبة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد ينضم إلى الشرك الأصغر من مزيد التعلق به والاعتقاد فيه، ما يجعله أكبر، فينسلخ فاعله من دين الإسلام بالكلية عياذًا بالله من الخذلان، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
стр. 577
فصل
وأما الكفر الأصغر: فهو كفر العمل، وهو أنواع كثيرة، نذكر منها ما تيسر مما هو كثير الوقوع.
فمن ذلك الحكم بغير ما أنزل الله لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس ﵄ عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ …﴾ الآية، قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وروى ابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه.
وزاد الحاكم في روايته: إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كفر دون كفر. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن جرير عنه ﵁ قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.
وله عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
стр. 578
ورواه أبو داود في كتاب (المسائل عن الإمام أحمد) قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء فذكره.
وقال أبو داود أيضا: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سعيد المكي، عن طاوس قال: ليس بكفر ينقل عن الملة.
وقال السدي: يقول: ومن لم يحكم بما أنزلتُ فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين.
وهذا الذي قاله السدي رحمه الله تعالى جيد قوي، وقد حكاه البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره عن العلماء فقال: وقال العلماء: هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدًا، فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا. انتهى.
وروي الطبراني، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال عن الرشوة في الحكم: كفر وهي بين الناس سحت.
وروى ابن جرير، عن علقمة، ومسروق أنهما سألا ابن مسعود ﵁ عن الرشوة، فقال: من السحت، فقالا: وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر، ثم تلا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وروى أبو داود، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه وصححه، عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة؛ واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار».
стр. 579
وفي رواية للحاكم: «قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاض قضى بالحق فهو في الجنة، وقاض قضى بجور فهو في النار، وقاض قضى بجهله فهو في النار» قالوا: فما ذنب هذا الذي يجهل؟ قال: «ذنبه أن لا يكون قاضيًا حتى يعلم» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحافظ أبو يعلى، والطبراني في الكبير، من حديث ابن عمر ﵄ نحوه، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
وقد عظمت البلوى في زماننا بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وخصوصًا في الأماكن التي غلبت فيها التقاليد والسياسات والقوانين والنظامات المحدثة، فأكثر حكام هؤلاء بين رجلين:
أحدهما: عارف بالحق، ولكنه يخالفه تقليدًا للأكابر من أهل مذهبه، أو متابعة للقوانين والنظامات الخاطئة، أو لعرض يأخذه من رشوة ونحوها، أو لكون الحق مخالفًا لهوى الدولة والأكابر، فيحكم بخلافه مراعاة لهم، واتِّباعًا لرغباتهم وأهوائهم، أو خوفا من العزل، أو لغير ذلك من الأهواء والأغراض الدنيوية، وهذا الجنس هم الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فإن انضم إلى هذه الأحكام الجائرة تفضيل التقاليد المذهبية والسياسات والنظامات المحدثة على الأحكام الشرعية فهي ردة صريحة وخروج من الإسلام بالكلية، وسواء كان التفضيل من الحاكم الجائر أو غيره، فكل من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من
стр. 580
حكمه، فهو كافر الكفر الأكبر، قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وكل ما خالف القرآن أو السنة فهو من حكم الجاهلية، والتحاكم إليه من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله تعالى بالكفر به، ومن هذا الباب التحاكم إلى محاكم النصارى وغيرهم من دول الكفر، والرضى بقوانينهم وسياساتهم وأنظمتهم التي وضعوها بآرائهم وأهوائهم، ما أنزل الله بها من سلطان، فكل من اختار التحاكم إليها على التحاكم إلى الكتاب والسنة فهو مرتد عن الإسلام، وما أكثر الواقعين في هذه الهوة المهلكة عياذًا بالله من ذلك.
الثاني من حكام هذه الأزمان: الجاهل المركب الذي لا بصيرة له بالحق، وإنما يخبط خبط عشواء، فما وافق رأيه واستحسنه عقله قضى به، وما أكثر هذا الجنس والذي قبله في قضاة هذا الزمان الذي اشتدت فيه غربة الإسلام وعاد العلم عند الأكثرين جهلًا، والجهل علمًا، فالله المستعان.
ومن الكفر الأصغر أيضا: كفر النعمة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣].
قال عون بن عبد الله: هو قول الرجل: لولا فلان لكان كذا وكذا، ولولا فلان لما كان كذا. ذكره البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره.
قلت: ومن ذلك ما يجري على ألسن كثير من الجُهَّال من إسناد النعم إلى الأسباب، لا إلى المسبب الفاعل المختار ﷻ ، كقولهم: هذا من عمل يدي، أو هذا من تعبي، أو ورثته من آبائي، ونحو هذه الألفاظ
стр. 581
التي يسندون فيها النعم إلى الأسباب، ويُعرضون عن المسبِّب المُيَسِّر الخالق الرازق.
فريق منهم ومن ذلك أيضا: ما يذكره كثير من أهل التقاويم الفلكية في الأنواء كقولهم: هذا النوء محمود، أو مذموم، أو غزير المطر، أو قليل المطر، أو مطره نافع أو ضار، ونحو ذلك مما يضيفونه إلى الأنواء المخلوقة العاجزة، وينسون فاطر السماوات والأرض وما فيهما، الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فينزل الغيث على قوم، ويحبسه عن قوم، ويجعله نافعًا لقوم وضارًا لآخرين، وغزيرًا في موضع وقليلا في آخر، وله في كل ذلك الحكمة البالغة والمشيئة النافذة، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف النبي ﷺ أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».
ولمسلم، والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح بها كافرين يقولون: الكواكب وبالكواكب».
стр. 582
وفي رواية لمسلم: «ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين؛ ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا».
وفي رواية: «بكوكب كذا وكذا».
وله عن ابن عباس ﵄ قال: مُطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : «أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر؛ قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا» قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٢].
وروى الإمام أحمد، والبخاري في (التاريخ الكبير)، عن معاوية الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون الناس مجدبين فينزل الله عليهم رزقًا من السماء من رزقه فيصبحون مشركين» فقيل له: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا».
ولأحمد أيضا من حديث إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: شكركم، تقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا».
ورواه ابنه عبد الله في (زوائد المسند)، والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب.
وروى سفيان، عن عبد الأعلى هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه. انتهى.
стр. 583
وروى البخاري في (التاريخ الكبير)، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة منهم كافرين؛ يقولون: بنوء المِجْدَح».
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في (الأم): من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون؛ من إضافة المطر إلى أنه مطر نوء كذا، فذلك كُفر كما قال رسول الله ﷺ ؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، على معنى مطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرًا، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه. انتهى.
وقال ابن قتيبة: كانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء؛ إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم وجعله كفرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعًا في ذلك فكفره كفر تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشكر واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم. نقل ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
ومن هذا الباب ما يزعمه الجغرافيون في نزول الأمطار وكثرتها وقلتها، أن ذلك راجع إلى طبائع الأماكن الأرضية والرياح، فمن اعتقد منهم أن طبائع الأرض والرياح تستقل بالإيجاد والتكوين؛ فكفره كفر تشريك، وإن زعم أن ذلك من قبيل التجربة ولم يعتقد للطبيعة شركة في الإيجاد؛ فأقل
стр. 584
أحواله الكراهة، ويجوز إطلاق كفر النعمة عليه، والله أعلم.
ومن الكفر الأصغر أيضا: ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» رواه البخاري.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» متفق عليه.
وزاد مسلم في روايته: «إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه».
ورواه البخاري في (الأدب المفرد) ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال للآخر: كافر، فقد كفر أحدهما؛ إن كان الذي قال له كافرًا فقد صدق، وإن لم يكن كما قال له فقد باء الذي قال له بالكفر».
ورواه الإمام أحمد في المسند بنحوه.
وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: «من دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه».
ورواه البخاري بهذا اللفظ في (الأدب المفرد).
وله أيضا في الصحيح عن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله».
стр. 585
ومن الكفر الأصغر أيضًا: قتال المسلم؛ لما في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».
وفيهما أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: «ويلكم -أو ويحكم- انظروا، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
وفيهما أيضا عن جرير ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
ولأحمد، والبخاري، عن ابن عباس، وأبي بكرة ﵃ عن النبي ﷺ نحو ذلك.
وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضا.
ومن الكفر الأصغر أيضا: الرغبة عن الآباء مع العلم بهم، والتبرُّؤ من النسب المعروف والانتماء إلى النسب المجهول؛ لما في الصحيحين والمسند وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».
ولمسلم، والبخاري في (الأدب المفرد)، عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر».
وفي صحيح البخاري، ومسند الإمام أحمد، من حديث ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال على منبر رسول الله ﷺ :
стр. 586
«إنَّا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم».
وروى ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كفر بامرئ ادِّعاء نسب لا يعرفه، أو جحده وإن دقَّ».
ورواه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في الأوسط والصغير بنحوه.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب (السنة) عن أبيه بإسناده، عن أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه أنه قال: «كفر بالله انتماء إلى نسب لا يعرف، وكفر بالله انتفاء من نسب وإن دق».
ومن الكفر الأصغر أيضا: إباق العبد؛ لما في صحيح مسلم، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن جرير ﵁ أنه سمعه يقول: «أيُّما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم» فقال منصور: قد والله رُوي عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة.
ومن الكفر الأصغر أيضا: أن يتولى الرجل غير مواليه؛ لما رواه البخاري في تاريخه الكبير، والدارقطني في سننه، والحاكم في مستدركه، عن عائشة ﵂ قالت: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان: «إنَّ أشد الناس عُتوا في الأرض رجل ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته، فمن فعل ذلك فقد كفر بالله وبرسله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
стр. 587
قال الشافعي في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: وجد في قائم سيف النبي ﷺ كتاب: «إن أعدى الناس على الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله سبحانه على محمد ﷺ ».
وقال الشافعي أيضا: أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن إسحاق قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: ما كان في الصحيفة التي كانت في قراب رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان فيها: «لعن الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير ولي نعمته فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ ».
وروى أبو نعيم في الحلية، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من تولى غير ذي نعمته فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ ».
ومن الكفر الأصغر أيضًا: الطعن في النسب، والنياحة على الميت؛ لما في المسند، وصحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت».
وفي مستدرك الحاكم من حديث الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله، قال: حدثتني كريمة المُزَنِيَّة، قالت: سمعت أبا هريرة ﵁ وهو في بيت أم الدرداء- يقول: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة من الكفر بالله؛ شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال المناوي في (شرح الجامع الصغير): الطعن في الأنساب: الوقوع
стр. 588
في أعراض الناس بنحو القدح في نسب ثبت في ظاهر الشرع، والنياحة على الميت: هي رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله. انتهى.
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: النياحة: رفع الصوت بالندب، والندب تعديد النائحة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. انتهى.
وقال ابن حجر الهيتمي في كتاب (الزواجر): يحرم الندب وهو تعديد محاسن الميت كواجبلاه، والنوح وهو رفع الصوت بالندب، ومثله إفراط رفعه بالبكاء وإن لم يقترن بندب ولا نَوْحٍ، وضرب نحو الخد، وشق نحو الجيب، ونشر الشعر وحلقه ونتفه، وتسويد الوجه، وإلقاء الرماد على الرأس، والدعاء بالويل والثبور، وكل شيء فيه تغيير للزي، كلبس ما لا يعتاد لبسه أصلا أو على تلك الصفة، وكترك شيء من لباسه والخروج بدونه على خلاف العادة، ثم ذكر العلة في الكل وهو أن ذلك يشعر إشعارًا ظاهرًا بالسخط وعدم الرضا بالقضاء. انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية».
وفيهما أيضًا، عن أبي بردة بن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعًا غشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا برئ ممن برئ منه رسول الله ﷺ «إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة».
стр. 589
وفي رواية لمسلم، والنسائي، وابن ماجة، عن عبد الرحمن بن يزيد، وأبي بردة بن أبي موسى قالا: أغمي على أبي موسى فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، قالا: ثم أفاق فقال: ألم تعلمي -وكان يحدثها- أن رسول الله ﷺ قال: «أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق»؟
ورواه أبو داود، والنسائي، من حديث يزيد بن أوس قال: دخلت على أبي موسى وهو ثقيل فذهبت امرأته لتبكي … فذكر نحوه.
قال أبو عبيد الهروي: الصلق: الصوت الشديد، يريد رفعه في المصائب وعند الفجيعة بالموت، ويقال بالسين. انتهى، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وأما الحالقة: فهي التي تحلق شعرها أو تنتفه عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثيابها، أو تخرقها عند المصيبة.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: وكل هذا حرام باتفاق العلماء. انتهى.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب ما يكره من النياحة على الميت، وقال عمر ﵁: دَعهُنَّ يبكين على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة، والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت. انتهى.
وفي الصحيحين، وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: «أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة أن لا ننوح».
ولأبي داود: «نهانا عن النياحة».
стр. 590
وله أيضا عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: «أن لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا».
وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ : ﴿وَلَا يَعْصينَكَ في مَعْرُوف﴾ قال: «النَّوْح» رواه ابن ماجه.
وعن أم عطية ﵂ قالت: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ كانت منه النياحة. رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وعن معاوية ﵁ أنه خطب بحمص، فذكر في خطبته «أن رسول الله ﷺ نهى عن النوح» رواه ابن ماجة.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة» رواه أبو داود في سننه، والبخاري في (التاريخ الكبير).
وعن أبي أمامة ﵁ «أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور» رواه ابن ماجة، وابن حبان في صحيحه.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» رواه الإمام أحمد، ومسلم.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «النياحة من أمر الجاهلية، وإن
стр. 591
النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من لهب النار» رواه ابن ماجة.
وله أيضا عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ نحوه.
وفي الصحيحين وغيرهما، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه».
وفيهما أيضا عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نيح عليه؛ فإنه يعذب بما نيح عليه».
وزاد مسلم في روايته: «يوم القيامة».
وفي المسند من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائح: وا عضداه، وا ناصراه، وا كاسياه، جُبِذ الميت وقيل له: آنت عضدها، آنت ناصرها، آنت كاسيها».
ورواه ابن ماجة، ولفظه، قال رسول الله ﷺ : «الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالوا: وا عضده، وا كاسياه، وا ناصراه، وا جبلاه ونحو هذا، يتعتع ويقال: آنت كذلك؟ آنت كذلك؟».
ورواه الترمذي، ولفظه، قال رسول الله ﷺ : «ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: وا جبلاه، وا سنداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أسيد بن أسيد، عن موسى بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب
стр. 592
ببكاء الحي، فإذا قالت: وا عضداه، وا مانعاه، وا ناصراه، وا كاسياه، جُبِذ الميت فقيل: أناصرها أنت؟ أكاسيها أنت؟ أعاضدها أنت؟» قال: فقلت: سبحان الله! قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] فقال: ويحك! أحدثك عن أبي موسى، عن رسول الله، وتقول هذا؛ فأيّنا كذب؟! فوالله ما كذبت على أبي موسى، وما كذب أبو موسى على رسول الله ﷺ . قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي في تلخيصه.
وقوله: «جبذ الميت» أي جذب بشدة.
وقال أبو موسى المديني: «يلهزانه» أي: يدفعانه ويضربانه، واللهز الضرب بجمع الكف في الصدر، ولهزه بالرمح إذا طعنه به. انتهى.
وفسر أيضًا التعتعة بأنها: الأذى الذي يقلق ويزعج.
وفي صحيح البخاري، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: وا جبلاه، وا كذا وكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئا إلا قيل لي: آنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه.
ورواه ابن سعد، من حديث أبي عمران الجوني مرسلا، وزاد فيه أن رسول الله ﷺ كان عاده، فأغمي عليه فقال: «اللهم إن كان أجله قد حضر فيسِّر عليه وإلا فاشفه» قال: فوجد خفة فقال: كان مَلَكٌ قد رفع مرزبة من حديد يقول: آنت كذا؟ فلو قلت: نعم، لقمعني بها.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال:
стр. 593
«إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم».
زاد البخاري في روايته: «وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه».
وكان عمر ﵁ يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب.
وذكر الحافظ الذهبي في كتاب (الكبائر) عن الأوزاعي، أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع صوت بكاء، فدخل ومعه غيره، فمال عليهم ضربًا حتى بلغ النائحة، فضربها حتى سقط خمارها، وقال: اضرب فإنها نائحة، ولا حرمة لها؛ إنها لا تبكي لشجوكم، إنها تهريق دموعها لأخذ دراهمكم، وإنها تؤذي موتاكم في قبورهم وأحياءكم في دورهم؛ لأنها تنهى عن الصبر وقد أمر الله به، وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه. انتهى.
وفي المسند من حديث ابن عباس ﵄ قال: لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ بكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله ﷺ بيده وقال: مهلا يا عمر، ثم قال: «ابكين وإياكن ونعيق الشيطان» ثم قال: «إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان من الشيطان».
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ صاح أسامة، فقال رسول الله ﷺ : «ما هذا؟! ليس هذا مِنّا، ليس لصائح حظ، القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نُغضب الرب».
стр. 594
وفي هذين الحديثين، وحديث ابن عمر ﵄ الذي قبلهما بيان الفرق بين البكاء الجائز والبكاء المحرم.
وأما تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ففيه أقوال للعلماء، وأصحها؛ أن المراد بذلك التألم من توبيخ الملائكة له بسبب النياحة عليه وما يصيبه منهم من الجبذ واللهز والتعتعة، ويدل على ذلك حديث أبي موسى، وقصة عبد الله بن رواحة، والله أعلم.
وإذا عرف أن النياحة كفر أصغر، وأنها من أمر الجاهلية، وما يلحق النائحة والمستمعة من اللعن، وما جاء من الوعيد الشديد للنائحة، وأن الميت يعذب في قبره بما نيح عليه، فليعلم أيضا أن النياحة فاشية في هذه الأزمان وما قبلها في كثير من المسلمين، وهي في هذه الأزمان على أضرُب كثيرة.
منها: رفع الصوت بالبكاء والعويل، ويصدر هذا كثيرًا من بعض السفيهات من نساء الحاضرة، وهو في نساء البوادي أكثر.
ومنها: الدعاء بالويل والثبور وما في معنى ذلك من دعوى الجاهلية، وهذا كثير جدًا في نساء البادية.
ومنها: رفع الصوت بتعديد محاسن الميت، والتأسف عليه وإظهار الجزع، وهذا أيضا كثير في نساء البادية.
ومنها: شق الجيوب، وهو كثير في نساء البادية أيضًا، وربما فعله بعض السفهاء من الرجال.
стр. 595
ومنها: إلقاء التراب أو الرماد على الرأس.
ومنها: لطم الخدود ونتف الشعور ونحو ذلك.
ومنها: ما يفعل في كثير من الأمصار إذا مات ملك أو رئيس كبير، نكسوا من أجل ذلك أعلامهم، وأغلقوا دكاكينهم، وامتنعوا من البيع والشراء أيامًا معلومة، يحدون فيها على ذلك الميت كما تحد النساء على أزواجهن، ويتركون كثيرا من أعمالهم المعتادة، ويغيرون كثيرا من هيئاتهم وأفعالهم.
ومنها: ما يفعل في كثير من الأمصار من الاجتماع عند أهل الميت لحضور قراءة التعزية، والأكل من طعام المأتم الذي يصنعه أهل الميت.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة.
ومن النياحة أيضا: إنشاد الأشعار، وقراءة المراثي التي تثير الأحزان على أهل المصيبة، وتهيجهم على كثرة البكاء، وتدعوهم إلى الجزع وقلة الصبر.
وقد روى ابن ماجة في سننه، والحاكم في مستدركه، عن عبد الله بن أبي أوفي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ينهى عن المراثي» قال الحاكم: غريب صحيح، وأقره الذهبي في تلخيصه.
ومن أقبح النياحة وأعظمها خزيا وفضيحة نياحة الرافضة على الحسين بن علي ﵄، يقيمونها -قبّحهم الله تعالى- في العشر الأُول من
стр. 596
المحرم كل عام؛ فلا يدعون شاذة ولا فاذة من أمور النياحة إلا أتوها، ولا سفهًا وسخفًا إلا فعلوه، وقبائحهم وفضائحهم ورعوناتهم التي تصدر منهم في مأتمهم الشنيع شهيرة معروفة، فلا حاجة بنا إلى تعدادها، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وليس العجب من فعل الروافض الذين هم أضل سبيلا من الأنعام، وإنما العجب من بعض الولاة الذين ينتسبون إلى السنة ثم يخالفونها، ويرتكبون ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من أكل السحت؛ وهو ما يأخذونه من الروافض عوضًا عن تمكينهم من إقامة شعارهم الشنيع ومأتمهم القبيح، ويمنعون البيع والشراء في الأسواق وجميع الأعمال المعتادة من أجل الروافض، معاونة لهم على إشهار مأتمهم الملعون فاعله والمستمع إليه كما تقدم في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة».
وإذا كان الراضي بالمعصية شريكًا لفاعلها في الإثم، فلا شك أن من يُمكِّن الروافض من إقامة مأتمهم ويعينهم على إقامته أولى وأحرى أن يكون شريكهم في الوزر والعار، والله أعلم.
стр. 597
ومن الكفر الأصغر أيضا: تصديق السحرة والكهان والعرَّافين، وإتيان المرأة الحائض، وإتيان المرأة في دبرها؛ لما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، والبخاري في (التاريخ الكبير)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ ».
وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا هدبة، حدثنا همام، قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها؟ فقال قتادة: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «هي اللوطية الصغرى» قال قتادة: وحدثني عقبة بن وساج، عن أبي الدرداء ﵁ قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر.
وفي معنى إتيان المرأة في دبرها إتيان الذكر، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى عرافًا، أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » رواه الأمام أحمد، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما جميعًا ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ » رواه البزار
стр. 598
بإسناد جيد.
وله أيضا بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ».
ورواه أبو نعيم في الحلية، من حديث عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق -يعني السبيعي- قال: حدثنا هبيرة بن يريم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من أتى كاهنًا، أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ » ثم قال أبو نعيم: رواه الثوري، عن أبي إسحاق مثله، ورواه علقمة، وهمام بن الحارث، عن عبد الله موقوفًا.
وروى أبو نعيم أيضا، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: دخلت المسجد وأمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ على المنبر وهو يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل فذكر الحديث، وفيه: «إن الله تعالى قال: ليس مني من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له».
وفي المسند، وصحيح مسلم، عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة».
وفي المسند، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي، عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إن منا رجال يأتون الكهان؟ قال: «فلا تأتهم».
стр. 599
وتقدم حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يلج الدرجات من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر طائرًا» أي: متطيرًا. رواه ابن مردويه، وأبو نعيم، والبغوي.
قال الجوهري: العراف: الكاهن والطبيب.
وقال الشيخ أبو محمد المقدسي ﵀ في (المغني): العراف: الذي يحدس ويتخرص.
وقال ابن الأثير: العراف: المنجم والحازي الذي يدَّعي علم الغيب، وقد استأثر الله به.
وقال ابن منظور في (لسان العرب): يقال للحازي عراف، وللقناقن عراف، وللطبيب عراف؛ لمعرفة كل منهم بعلمه، والعراف الكاهن، وفي الحديث: «من أتى عرافًا، أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » أراد بالعراف: المنجم والحازي الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه. انتهى.
وأما الكاهن، فقال الخطابي رحمه الله تعالى: الكاهن: هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدَّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رِئيًا من الجن، وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه. وكان منهم من يسمى عرافًا وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على موقعها؛ كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالزنا فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور،
стр. 600
ومنهم من كان يسمى المنجم كاهنًا، فالحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم على ما يدَّعونه من هذه الأمور. انتهى.
وقال ابن الأثير أيضا: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة؛ كشق، وسطيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف؛ كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها، والحديث الذي فيه: «من أتى كاهنًا» قد يشتمل على إتيان الكاهن والعراف والمنجم.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم؛ كالحازي الذي يدعي علم الغيب، ويدعي الكشف. انتهى.
وقال ابن منظور في (لسان العرب): كهن له، وتكهن: قضى له بالغيب، وكذا قال صاحب (القاموس)، قال ابن منظور: ويقال كهن لهم إذا قال لهم قول الكهنة.
ونقل مرتضى الحسيني في (تاج العروس) عن (التوشيح) أن الكهانة ادعاء علم الغيب، قال: ومثله في (ضوء النبراس) و (أفعال ابن القطاع)
و (الإرشاد). انتهى.
следующие страницы →