المقدمة
الحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقًا موصلًا لرضاه، وصراطًا يتبعه مَنْ أراد هداه، ويحيد عنه من ضلَّ واتبع هواه، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وأشهد أن لا إله إلا الله، رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد منتهاه، ومن العِزِّ أعلى ذُراه، فمن سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى جنته وعلاه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومن سار على نهجه إلى يوم لقاه.
أما بعد: فهذا شرح حائية ابن أبي داود بحلته الجديدة، وطبعته الرابعة، وقد كنتُ شرحته مرارًا وطُبِعَ الشرحُ للمرة الأولى عام ١٤٢٩ هـ، وسميته: «نثر الورود شرح حائية ابن أبي داود» وهي منظومة من منظومات العقيدة المتميزة بحسن السبك، وجمال العبارة، جمع فيها الناظمُ ﵀ عيونَ المسائل وأمهات الأبواب في العقيدة، شرحتها شرحًا مقتضبًا يفي بالمقصود، ويصل بالطالب إلى المنشود، سائلًا الله الكريم أن يبارك فيه، وأن ينفع به، ويجزي خيرًا كل من ساهم في إخراجه وسعى في نشره وتعميم فائدته.
د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل
القصيم - بريدة
стр. 2
منهجية التميُّز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذا الشرح هو الكتاب الثاني (١) من المنهجية العلمية التأصيلية للتميز التي نرجو أن تعين طالب العلم، وتأخذ بيده إلى طريق واضح نَيِّر لينشد غايته من العلم الشرعي الصحيح على ضوء الكتاب والسنة بخطوات ثابتة مدروسة.
ومنهجية التميز تُرَكِّزُ على جوانب غاية في الأهمية في مسيرة طالب العلم نحو هدفه، ومن تلك الجوانب:
- اختيار أبرز وأهم المتون العلمية وشرحها شرحًا مناسبًا يُقرِّب العلم ويُسهِّل إتقانه.
- توفير شروح المنهجية وطباعتها مع وضع خطة للمراجعة المستمرة لجميع الشروح بشكل دوري، عبر برنامج (الإنجاز العلمي).
- رعاية طالب العلم مع متابعته في مسيرته من خلال سجل خاص بكل طالب علم.
- التواصل العلمي مع طالب العلم الملتحق بالمنهجية.
- وضع البرامج والخطط العلمية الإضافية لمن يجد لديه همةً وطموحًا وسعةً من الوقت.
- عرض برامج علمية مساندة تتمثل في:
стр. 3
o برنامج حفظ المتون العلميَّة أو الصحيحين.
o برنامج إتقان وقراءة المطولات والمناقشة عليها، ككتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، وكتاب الشرح الممتع شرح زاد المستقنع لابن عثيمين، وكتاب منحة العلام شرح بلوغ المرام لعبد الله الفوزان.
وهذه البرامج الثلاثة اختيارية، يراعى فيها المستوى العلمي ووفرة الوقت لدى طالب العلم.
- الاهتمام بالجوانب الإيمانية والسلوكية والخُلُقِيَّة من خلال الدروس واللقاءات التربوية المتكررة.
- إعانة طالب العلم وتذليل العقبات أمامه من خلال الجلسات العلمية الدائمة؛ لمعالجة عوائق الطلب، وأدواء الطريق، كالاضطراب في المنهج والتشتت في التلقي مع تقديم المناهج العلمية المُعِينَة على التحصيل في جميع مسارات العلم.
- لطالب العلم الراغب في الالتحاق بالمنهجية إمكانية اللحاق واستدراك ما فاته وذلك بالتواصل مع الإخوة عبر الجوال الخاص بالمنهجية, أو التواصل المباشر مع د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل، ويفضل الحضور لأجل المتابعة بشكل دوري ثابت حسب ظروف المشارك، ويمكن طالب العلم الذي لا يتمكن من الحضور - سواء في منطقة القصيم أو خارجها أو خارج المملكة - الالتحاق بالمنهجية وذلك بتوفير شروح المنهجية له, ومتابعته في قراءتها وإتقانها من خلال التواصل عن طريق جوال المنهجية.
أمدنا الله وإياكم بالعلم النافع، ووهبنا من لدنه رحمة وفضلًا.
стр. 4
القسم العلمي
بمركز النخب العلمية - بريدة
غرة ربيع الأول ١٤٣٦ هـ
بريد إلكتروني:
nokhba.much@gmail.com أو al_khaleefa@hotmail.com
جوال:
(٠٥٣٠١٢٣١٢٧) أو (٠٥٠١٥٣٦٠٦٢) أو (٠٥٠٦٥٤٣٠٩٠)
ترجمة موجزة للناظم
- اسمه ونسبه:
هو: عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن إسحاق، أبو بكر الأزدي السجستاني، المعروف بـ (ابن أبي داود)، وأبو داود: هو صاحب السنن.
- مولده ونشأته:
وُلِدَ ابن أبي داود بسجستان سنة (٢٣٠ هـ)، في بيت علم ودين، وقد اعتنى به والده عناية خاصة منذ الصغر فطاف به الأرض شرقًا وغربًا؛ ولهذا سمع عن جم غفير من أهل العلم, وبلغ ﵀ شأوًا كبيرًا في العلم، وكان صاحب همة عالية من الصغر, ومن علامات هذه الهمة قوله عن نفسه: «دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مُدَّ بَاقِلاء، قال: فكنت آكل منه مدًّا وأكتب عن أبي سعيد الأشج فكتبت عنه ألف حديث يعني في يوم واحد فلما كان الشهر حصل معي ثلاثون ألف حديث ما بين منقطع ومرسل» (١).
- شيوخه:
تتلمذ على يدي عدد من أهل العلم المشاهير، منهم: والده سليمان ابن الأشعث، وإسحاق الكوسج، ومحمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري، ومحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ صاعقة، ومحمد بن بشار بندار، وغيرهم.
- تلاميذه:
تلاميذه كُثُر ومن أشهرهم: أبو أحمد الحاكم، وابن حبان صاحب الصحيح، وعمر بن شاهين، وأبو الحسن الدارقطني، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو عبد الله بن بطة، وعيسى بن علي الوزير، وغيرهم.
стр. 8
- عقيدته ومذهبه:
كان الناظم ابن أبي داود ﵀ على عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا أدل على ذلك من نظمه الذي بين أيدينا، الذي أوضح فيه عقيدة السلف الصالح، وقد جاء عنه في بعض نسخ هذه المنظومة أنه قال في نهايتها: «هذا قولي، وقول أبي، وقول أحمد بن حنبل ﵀، وقول من أدركنا من أهل العلم، وقول من لم ندرك من أهل العلم ممن بلغنا قوله، فمن قال عليَّ غير ذلك فقد كذب» (١).
ومما يؤكد سلامة عقيدته شهادة كثير من العلماء له بذلك كالآجري، وابن أبي يعلى، وابن القيم، والذهبي، وغيرهم.
وقد اتُّهِم ﵀ بالنصب - أي: نصب العداء لآل النبي ﷺ ولكن هذه التهمة عرية من الصحة، بل الثابت عنه ﵀ خلاف ذلك، حيث نجده يثني على أهل بيت النبي ﷺ ويذكر فضائلهم ومآثرهم.
وقد برأ نفسه من هذه التهمة في حياته ولم يجعل من رماه في حِل، حيث قال: «كل مَنْ بيني وبينه شيء، أو ذكرني بشيء فهو في حل، إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب» (٢).
وجاء في هذه المنظومة ما يشهد على براءتِه من هذه التهمة، حيث قال في البيت السادس عشر:
وَرَابِعُهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَهُمْ ... عَلِيٌّ حَلِيفُ الخيْرِ بِالخَيْر مُنْجِحُ
وأما مذهب ابن أبي داود الفقهي فهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ ولذلك ترجم له الحنابلة في طبقاتهم، كابن أبي يعلى، وابن مفلح، وغيرهما.
стр. 9
- مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
تُعْرَف مكانة الشخص العلمية بشيوخه و مؤلفاته ، فالناظم ﵀ تتلمذ على أكابر العلماء في وقته، وقد سبق ذكر بعضهم.
وقد تبوّأ ﵀ مكانة علمية في حياته، فكان فقيهًا عالمًا حافظًا، متمكنًا في علوم القرآن، مع مشاركة في مختلف علوم الشريعة.
قال أبو محمد الخلال: «كان ابن أبي داود إمام العراق، وعلم العلم في الأمصار، نصب له السلطان المنبر فحَدَّث عليه لفضله ومعرفته ... وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو» (١).
وقال الخطيب البغدادي: «وكان فهمًا عالمًا حافظًا» (٢).
وقال الذهبي: «كان من بحور العلم بحيث أن بعضهم فضله على أبيه» (٣).
- مؤلفاته:
صنَّف ﵀ جملة من الكتب منها: المصاحف، والقراءات، ونظم القرآن، وفضائل القرآن، والناسخ والمنسوخ، وشريعة التفسير، والمصابيح في الحديث، والبعث والنشور، وغيرها.
- وفاته:
توفي ابن أبي داود ﵀ ببغداد في شهر ذي الحجة سنة (٣١٦ هـ) عن سبعة وثمانين عامًا (٤).
стр. 10
نبذة مختصرة عن المنظومة
- إثبات نسبة الحائية للناظم:
ثبتت نسبة الحائية لابن أبي داود بالتواتر، كما ذكر ذلك الإمام الذهبي في كتاب العلو (٥)، حيث قال: «هذه القصيدة متواترة عن ناظمها».
وقد رواها عنه عدد من تلاميذه: كالآجري، وابن بطة، وابن شاهين (٦)، ونسبها إليه بعض من ترجموا له، كابن أبي يعلى، والذهبي (٧)، وغيرهم من أهل العلم.
- أسماؤها:
أُطلق عليها عدد من الأسماء، منها: المنظومة الحائية، وحائية ابن أبي داود؛ لانتهاء قافيتها بحرف الحاء، ومنظومة ابن أبي داود، والقصيدة الحائية، وقصيدة ابن أبي داود.
- عدد أبياتها:
عدد أبيات المنظومة الحائية (٣٣) بيتًا، وهو الثابت في أكثر النُّسَخ، ورواها بهذا العدد جماعة منهم: ابن شاهين، والآجري، وغيرهما، وهو الذي اعْتُمِدَ في هذا الشرح، ومشى عليه أيضًا الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد في شرحه للمنظومة.
وقد جاء عددها في رواية (٣٦) بيتًا، وعليه مشى العلامة السَّفَّاريني في شرحه للمنظومة وذكر أن ابن البناء الحنبلي زاد عليها ثلاثة أبيات.
стр. 11
وجاء عددها في رواية أخرى (٤٠) بيتًا والزيادة فيها من بعض النُّسَّاخ كما في شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (١)، وعلى هذا العدد مشى الشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ صالح الفوزان في شرحيهما للمنظومة.
- شروحها:
كانت المنظومة الحائية محل عناية عند العلماء وطلبة العلم منذ تأليفها إلى يومنا هذا، وتتمثل هذه العناية في الشروح الكثيرة التي حظيت بها من العلماء المتقدمين والمتأخرين، ومن هذه الشروح:
١ - (شرح الآجري): لمحمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ (ت: ٣٦٠ هـ) (٢)، وهذا الشرح لم يصل إلينا.
٢ - (شرح قصيدة ابن أبي داود في السنة): للشيخ الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي الحنبلي (ت: ٤٧١ هـ) (٣).
٣ - (لوائح الأنوار ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية): للإمام محمد بن أحمد بن سالم أبي عبد الله السَّفَّاريني (ت: ١١٨٨ هـ).
٤ - (شرح المنظومة الحائية في عقيدة أهل السنة والجماعة): للشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان.
٥ - (توضيح المقصود في نظم ابن أبي داود): للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك.
стр. 12
٦ - (التحفة السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية): للشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر.
ولها شروح أخرى كثيرة بعضها مطبوع، وبعضها غير مطبوع، وبعضها مسموع في دروس صوتية لعدد من العلماء المعاصرين.
- قيمتها العلمية ومكانتها عند العلماء:
للمنظومة الحائية قيمة كبيرة، ومكانة عالية ومنزلة رفيعة عند العلماء وطلبة العلم، وتتجلى هذه القيمة والمكانة فيما يلي:
أولًا: تُعدُّ المنظومة الحائية من أهم وأُولى المنظومات التي بيَّنت عقيدة أهل السنة والجماعة وانتصرت لمذهبهم.
ثانيًا: تلقاها العلماء وطلبة العلم بالقبول سلفًا وخلفًا، واهتموا بها حفظًا وشرحًا وتدريسًا.
ثالثًا: وضوح معانيها وعذوبة ألفاظها، وتماسك أبياتها، وسهولة حفظها.
رابعًا: مكانة الناظم، وعلو منزلته، وسلامة منهجه وعقيدته، وإمامة والده الذي استفاد منه العقيدة الصافية والهمة العالية.
خامسًا: كثرة الاستشهاد بها في كتب العقائد قديمًا وحديثًا، مما يدل على أهميتها وعلو شأنها.
•••
стр. 13
قال ابن أبي داود ﵀:
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله وَاتَّبِعِ الْهُدَى ... ...................................
•---------------------------------•
•قوله: «تَمَسَّكْ» التمسك هو الأخذ بالشيء بقوة، وإنما عبر بهذا التعبير أخذًا بالسنة فيما رواه الإمام أبو داود والترمذي وأحمد من حديث العرباض ابن سارية أن النبي ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١)، والشاهد هنا قوله: «تَمَسَّكُوا بِهَا».
•قوله: «بِحَبْلِ الله»: مأخوذ من القرآن في قول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ونستفيد من كون الناظم عبر بهذين اللفظين: أن الأوْلى بطالب العلم أن يلتزم في حديثه - لا سيما في باب العقيدة - بألفاظ الكتاب والسنة؛ لأن هذا أسلم له من الوقوع في الغلط، وأفضل في اتباع المأثور من نصوص الوحيين.
• ما المراد بحبل الله ؟
الجواب: اختلف فيه، فقيل: المراد القرآن؛ لما جاء عند الإمام الترمذي مرفوعًا في حديث طويل اشتمل على الحث على الأخذ بالقرآن، وذكر فضائله ومنزلته، من حديث الحارث الأعور، قال: «دَخَلْتُ المسْجِدَ فَإِذَا أُنَاسٌ يَخُوضُونَ فِي أَحَادِيثَ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ: ألَا تَرَى أَنَّ أُنَاسًا يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فِي المسْجِدِ؟ فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: سَتَكُونُ فِتَنٌ، قُلْتُ: وَمَا المخْرَجُ مِنْهَا؟ قَالَ: كِتَابُ الله فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالهزْلِ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنِ ابْتَغَى الهدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله،
стр. 14
فَهُوَ حَبْلُ الله المتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ» (١).
والمقصود أن المراد بحبل الله هو القرآن، وقيل: إن المراد بحبل الله الوحي، والوحي يشمل القرآن والسنة، فالسنة وحي كالقرآن، وهي منزلة كالقرآن، أما كون السنة وحيًا؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، أما كونها منزلة، فلقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، فالكتاب هنا هو القرآن، والحكمة السنة.
وبهذا يتبين لنا أن المراد بحبل الله: الوحي سواء كان قرآنًا أو سنةً، وهذا هو الراجح.
•قوله: «وَاتَّبِعِ الْهُدَى» أي: الزم طريق السنة التي بعث بها النبي ﷺ ، فهي طريق النجاة، وسلّم الفلاح.
стр. 15
يقول ابن القيم ﵀ في نونيته:
يَا مَنْ يُرِيد نجاته يَوْمَ الحساب ... من الجحيم وموقد النيران
اتبع رسول الله في الأقوال والـ ... أعمال لا تخرج عن القرآن
وخذ الصحيحين اللذين هما ... لعقد الدين والإيمان واسطتان
واقرأهما بعد التجرد من هوى ... وتعصب وحَمِيَّة الشيطان
واجعلهما حكمًا ولا تحكم على ... ما فيهما أصلًا بقول فلان
والمقصود أنَّ الناظم استفتح هذه المنظومة بالوصية بالأخذ بالقرآن واتباع السنة وقد فعل ذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن هذه هي طريقة القرآن الوصية بالأخذ بالقرآن والسنة كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وغيرها في القرآن كثير.
الأمر الثاني: بيان أن القرآن لا يكفي عن السنة، فهما متلازمان لا يمكن استقلال أحدهما عن الآخر.
стр. 16
فهل يمكن لأحد أن يقوم بالعبادات ويعرف تفاصيلها باتباع القرآن دون السنة؟
الجواب: لا يمكن؛ لأن القرآن أمر باتباع السنة، ولا يمكن أحدًا أن يدخل الجنة إلا باتباع القرآن والسنة، ولهذا ضَلَّت طائفة معاصرة في هذا الباب، حيث اكتفت بالقرآن دون السنة، يُسمون أنفسهم بـ (القرآنيين) ويَدَّعون العمل بالقرآن، وهم أبعد الناس عنه، وهذه الطائفة موجودة الآن ومنتشرة في بعض الدول.
•قوله: «وَاتَّبِعِ الْهُدَى» أي: هدى الحق، والهداية في نصوص القرآن والسنة تأتي على عدة أنواع، ذكرها ابن القيم، فقال ﵀: «اعلم أن أنواع الهداية أربعة:
أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق: المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال، وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وهداية الجماد المسخر لما خلق له، فله هداية تليق به، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها، وكذلك كل عضو له هداية تليق به، فهدى الرِّجْلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له.
وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه, ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو، فتبارك الله رب العالمين.
стр. 17
وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا، ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها، ثم تأوي إلى بيوتها، وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء.
ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم، وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر، وأول وهلة، وأحسن طريق، وأخصرها وأبعدها من كل شبهة، فإنه لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها، كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملًا وسدًى معطلًا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته، بل يتركه معطلًا لا يأمره ولا ينهاه ولا يثيبه ولا يعاقبه، وهل هذا إلا مناف لحكمته ونسبته له مما لا يليق بجلاله.
ولهذا أنكر ذلك على من زعمه ونزه نفسه عنه، وبين أنه يستحيل نسبة ذلك إليه، وأنه يتعالى عنه، فقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]، فنزه نفسه عن هذا الحسبان، فدل على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة، وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل، وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع وكما هو أصح الطريقين في ذلك.
стр. 18
ومن فهم هذا فهم سِرَّ اقتران قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]
بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة، وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل جعلها أممًا وهداها إلى غاياتها ومصالحها، كيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم, فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها. النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك، وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام، فإنها سبب وشرط لا موجب؛ ولهذا ينتفي الهدى معها، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، أي: بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا، ومنها قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام: وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها، وهي المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
وفي قوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وفي قول النبي ﷺ : «مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» (١)، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
فنفى عنه هذه الهداية، وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
стр. 19
................ ... وَلَا تَكُ بِدْعِيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ
•---------------------------------•
النوع الرابع: غاية هذه الهداية: وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩]، وقال أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣]» (١).
ثم قال الناظم بعد ذلك:
• «وَلَا تَكُ بِدْعِيًّا» هذه التسمية (بدعيًّا) نسبة إلى البدعة، وثمة مسائل تتعلق بالبدع، من أهمها:
•المسألة الأولى: في حقيقة البدعة:
البدعة: ما أحدث في دين الله مما ليس له مستند من كتاب ولا سنة.
وقد اختلفت عبارات أهل العلم في تحديد ماهية البدعة وحقيقتها، ومن أشهر مَنْ تكلم في ذلك الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام حيث قال: «عبارة عن: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» (٢).
стр. 20
فهذا التعريف للإمام الشاطبي ﵀ من أشهر وأحسن التعاريف الواردة في البدعة، وقد قيدها بثلاثة قيود:
أولًا: أنها طريقة في الدين مخترعة: كابتداع صلوات أو ابتداع أدعية وغيرها من العبادات، وخرج بقوله: «طريقة في الدين» ما كانت طريقة في الدنيا كالصناعات الحديثة ونحو ذلك، فهذه ليست بداخلة في هذا الباب.
وقوله: «مخترعة» أي ليس لها أصل في الشريعة الإسلامية كإحداث الموالد والحوليات ونحوها، وخرج بذلك ما كان له أصل في الشرع كجمع القرآن، وتدوين السنة، وإنشاء بعض العلوم كعلمي الحديث والأصول، ونحو ذلك، فهذه لها أصل في الشرع، وأقل ما يقال فيها: إنها من باب المصالح المرسلة، فخرجت عن كونها بدعًا.
ثانيًا: أنها تضاهي الشرعية: أي تماثل الشرع وتحاكيه، فإذا لم تكن تضاهي الشرع فلا تعد بدعة.
ثالثًا: يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله: فلو لم يقصد بها صانعها التعبد فلا تُعدُّ بدعة كالضرائب والمكوس ونحو ذلك، فهذه ليست بدعة، وإن كانت محرمة لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل.
فيتقرر مما سبق أن البدعة لا أصل لها في الشرع، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب» (١).
стр. 21
وقال بعد ذلك: «ولهذا قال أئمة الإسلام كسفيان الثوري وغيره: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها، أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا» (٢).
• وهناك قواعد نافعة في باب البدع ، من أهمها ما يلي:
القاعدة الأولى: إذا ترك النبي ﷺ فعل عبادة من العبادات مع كون سببها قائمًا في عهده ﷺ فهي بدعة، مثل: التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة.
القاعدة الثانية: كل عبادة من العبادات ترك فعلها السلف من الصحابة فمن بعدهم، فإنها تكون بدعة إذا كان المقتضي لها قائمًا في عهدهم، مثل: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي.
القاعدة الثالثة: كل تقرب إلى الله بفعل شيء من العبادات من وجه لم يعتبره الشارع فهو بدعة، مثل: اتخاذ لبس الصوف عبادة وقربة إلى الله.
القاعدة الرابعة: كل تقرب إلى الله بفعل ما نهى عنه سبحانه فهو بدعة، كالتقرب إلى الله بالرقص والسماع المحرم.
القاعدة الخامسة: كل عبادة وردت في الشرع على صفة مقيدة فتغيير هذه الصفة بدعة، مثل: تقديم الأضحية في أول ذي الحجة، والاعتكاف في غير المساجد.
стр. 22
القاعدة السادسة: الغلو في العبادة بالزيادة فيها على القدر المشروع والتنطع في الدين بدعة، كالتقرب إلى الله بترك النوم، أو باعتزال النساء وترك الزواج.
القاعدة السابعة: مشابهة الكافرين فيما كان من خصائصهم من عبادة أو عادة فهو بدعة، كموافقتهم في أعيادهم.
القاعدة الثامنة: كل عبادة تستند إلى حديث ضعيف أو موضوع، فهي بدعة، كصلاة الرغائب، وتلقين الميت، وقيام ليلة النصف من شعبان، ونحوها (١).
• المسألة الثانية: هل يصح تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ؟
قال بهذا بعض أهل العلم، لكن أهل التحقيق منهم قالوا: لا يصح تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة بل البدع كلها سيئة، واستدلوا بقوله ﷺ : «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢).
لكن ما الجواب عن قول عمر في صحيح البخاري، حينما خرج إلى الصحابة وهم يصلون التراويح فقال: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» (٣).
الجواب: ليس المراد بذلك المعنى الشرعي، بل المراد المعنى اللغوي.
قال الإمام ابن رجب ﵀: «وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية» (٤)، ثم ذكر قول عمر: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ».
стр. 23
فعلى هذا لا يصح تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، ويكون الصحيح أن البدع كلها مذمومة.
• أقسام البدعة باعتبار وصف مقترفها:
تنقسم البدعة من حيث وصف مقترفها إلى ثلاثة أقسام:
١) بدعة مُكَفِّرَة: وهي ما ثبت فيها دليل يدل على أن فاعلها كافر، كبدعة القدرية في إنكارهم علم الله سبحانه، وبدعة القائلين بحلول الله تعالى في بعض مخلوقاته واتحاده بها، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
٢) بدعة مُفَسِّقَة: وهي ما لم يثبت فيها دليل يدل على وصولها لدرجة الكفر، كبدعة المولد النبوي، وإحياء ليلة الإسراء، وغيرها من البدع العملية.
٣) بدعة لا تصل لحد الفسق: وهي التي يكون أصلُ العمل فيها مشروعًا، ولكن صفته أو هيئته مبتدعة، وهي ما تُعرف بالبدعة الإضافية، كبدعة الدعاء الجماعي بعد الصلوات، والذكر على هيئة الاجتماع بصوت واحد.
وهذا التقسيم للبدعة يُفيد في طريقة التعامل مع أهل البدع والنكير عليهم، فمن كانت بدعته مُكفِّرة لا يُعامل معاملة من كانت بدعته مُفَسِّقة، ومن كانت بدعته دون الفسق، لا يعامل معاملة من كانت بدعته فوق ذلك.
والأصل في التقسيمات التي يضعها العلماء أنَّها أمور اجتهادية لا مشاحة فيها، والهدف منها تسهيل العلم وتيسير فهمه؛ ولذلك نجد العلماء يقسمون بعض الأشياء باعتبارات مختلفة، وقد يقسمونها تقسيمات متعددة باعتبارٍ واحد.
стр. 24
وهذا التقسيم الذي ذكرته للبدعة لا يتعارض مع كون البدع كلها ضلال؛ لأنَّ الضلال درجات: فمنه الكفر، ومنه الفسق، ومنه ما دون ذلك، والبدع في كليات الدِّين ليست كالبدع في جزئياته، وبعض الأعمال توصف بأنها بدعة من جهة الصفة أو الهيئة مع أنَّ أصلها مشروع، وهو ما يعرف بالبدع الإضافية وهي ما ثبت أصله في الشرع غير أن مكانه أو زمانه أو كيفيته محدثة، وبعض هذا النوع من البدع يستند فيها أصحابها على أحاديث ضعيفة، أو تأويلات غير صحيحة، والقول بتفسيق مقترف هذا الصنف من البدع يعدُّ من الشطط.
وقد سبقني إلى هذا التقسيم للبدعة عددٌ من العلماء المتقدمين والمعاصرين، ولعلي أنقل أقوال بعضهم في هذا الصدد.
قال الإمام الشاطبي ﵀: «إن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبتها متفاوتة: فمنها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن ... وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدِّين ذريعة لحفظ النفس والمال، وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح.
ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف؛ هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة، ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية، ويتفق عليها، وليست بكفر كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع» (١).
стр. 25
وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «نحن نؤمن بأنَّ كل بدعة ضلالة، ثم هذه الضلالات تنقسم إلى: بدع مكفرة، وبدع مفسقة، وبدع يُعذر فيها صاحبها» (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: «إن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة؛ فمنها ما هو كفر صراح؛ كالطواف بالقبور تقربًا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة. ومنها ما هو من وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها. ومنها ما هو فسق اعتقادي؛ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع» (٢).
ولعلي أختم بكلام نفيس للإمام الشاطبي وهو أفضل مَن تحدث عن البدع، قال: «إن البدع على ضربين: كلية وجزئية، فأما الكلية فهي السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة ... وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية، ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار، وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة ...
стр. 26
ألا ترى أن خواص البدع غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبًا؟ كالفُرْقة والخروج عن الجماعة، وإنما تقع الجزئيات في الغالب كالزلة والفلتة؛ ولذلك لا يكون اتباع الهوى فيها مع حصول التأويل في فرد من أفراد الفروع، ولا المفسدة الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية. فعلى هذا؛ إذا اجتمع في البدعة وصفان: كونها جزئية، وكونها بالتأويل؛ صح أن تكون صغيرة» (١).
فإذا كان من البدع ما هو في حكم الصغائر كما هو واضح من كلام الإمام الشاطبي، فيعني ذلك أنَّ منها ما لا يصل إلى حد الفسق؛ ومن المعلوم أنَّ الإنسان لا يُفسَّق بالصغائر، وإلا لزم من ذلك تفسيق جميع المسلمين؛ لأنَّ الصغائر لا يسلم منها أحد.
•قوله: «لَعَلَّكَ تُفْلِحُ» أي: إذا فعلت ما أمرتك به في هذه الوصايا الثلاث، فأرجو لك الفلاح والسعادة في الدارين، وهذه الثلاث هي: «التمسك بكتاب الله، والاتباع للنبي ﷺ ، واجتناب البدع» فإذا حقق المسلم هذه الثلاث فحري به أن ينال الفوز في الدارين.
وأما الذين خالفوا الكتاب والسنة واشتغلوا بالكلام وانحرفوا عن الحق، فقد جانبوا طريق الفلاح، كما قال الإمام الشافعي: «ما ارتدى أحد الكلام فأفلح» (٢).
стр. 27
وَدِنْ بِكِتَابِ الله وَالسُّنَنِ الَّتِي ... أَتَتْ عَنْ رَسُولِ الله تَنْجُو وَتَرْبَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَدِنْ بِكِتَابِ الله» دن: فعل أمر مشتق من الديانة، والمراد: اتبع في دينك كتاب الله وسنة النبي ﷺ .
•قوله: «وَالسُّنَنِ الَّتِي» السنة في اللغة: هي الطريقة، أما في الاصطلاح الشرعي عند المحدثين فهي: ما ثبت عن الرسول من أقواله وأفعاله وتقريراته، وهذا التعريف يشمل عموم ما ورد عن النبي ﷺ .
والناظم يشير بهذا البيت إلى مصادر التلقي عند أهل السنة: وهما الكتاب والسنة، وهناك مصدر ثالث عند أهل السنة وهو الإجماع لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥].
أما المصدر الرابع فهو القياس وهو إلحاق الفرع بالأصل في الحكم لعلة تجمع بينهما، وحتى يكون القياس صحيحًا ومعتبرًا في الشريعة لا بد أن يستكمل الشروط والضوابط التي وضعها العلماء، وهناك الكثير من الأقيسة ليست بصحيحة لإخلالها بهذه الضوابط فلا يعتبر بها.
وهناك مصادر غير هذه المصادر الأربعة قال بها بعض أهل العلم، ولكن القول الصحيح أن مصادر التلقي المعتمدة عند أهل السنة هي هذه المصادر وفي المصدر الرابع خلاف مشهور.
•قوله: «تَنْجُو وَتَرْبَحُ» أي: إذا دنت لله وعبدته متبعًا لكتابه وسنة رسوله ﷺ تنجو من جميع الآفات وتسلم من الهلكات، وتربح بالفوز والفلاح والخلود في دار النعيم وجوار الكريم، وفي هذا بيان فائدة التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن فيهما النجاة والربح.
стр. 28
وَقُلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلامُ مَلِيكِنَا ... ...................................
•---------------------------------•
•قوله: «وَقُلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلامُ مَلِيكِنَا» تحدث الناظم هنا عن مسألة القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق، فجعل هذه المسألة أول مسائل العقيدة في هذا النظم فما مناسبة ذلك؟
المناسبة: أنَّ الناظم ﵀ أوصى في أول بيت من هذه المنظومة بالتمسك بالقرآن، فكان من المناسب أن يبدأ بالمسائل المتعلقة بالقرآن حيث أوصى به قبل هذا البيت، ويحتمل أن يكون ذلك لاشتهار القول بخلق القرآن في زمانه.
والقول بأن القرآن غير مخلوق هو مذهب أهل السنة والجماعة، يقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، فيصرحون بذلك خلافًا للجهمية والواقفة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣]، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تبيِّن أنَّ القرآن منزل.
وهنا يرد إشكال: وهو أن الله أضاف القرآن إلى جبريل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠] كما أضافه إلى النبي الكريم محمد ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١]، فقد يستمسك بهذا أهل الشرك الذين يكذبون بالقرآن ويقولون: هذا من قول محمد، فما الجواب؟
الجواب على هذا الإشكال: أن الإضافة هنا إضافة تبليغ، من جبريل ومن النبي ﷺ ، فقد أَدَّيا ما أوجب الله عليهما من تبليغ القرآن وقاما بذلك ﵉ خير قيام، فجبريل بلغ القرآن للنبي ﷺ ، والنبي ﷺ بلغ القرآن لأمته.
стр. 29
• مسألة: يلاحظ في هذه المنظومة والمنظومة السابقة (اللامية) كثرة التنصيص على أن القرآن منزل غير مخلوق فلماذا؟
الجواب: لأن مقتضى القول بأن القرآن مخلوق نفي الكلام عن الله تعالى، والذي لا يتكلم لا يصح أن يكون معبودًا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، فنستفيد من هذه الآية أن عدم الكلام صفة نقص وعيب، فهؤلاء المبتدعة وصفوا الله بهذا فشبهوه بالجمادات، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
• مسألة: من أين أخذ الجهمية هذا المذهب الباطل؟
أخذت الجهمية ذلك من الجعد بن درهم الذي تشرَّب أفكار الفلاسفة واليهود وغيرهما من النِّحل الباطلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يتحدث عن الجعد بن درهم -: «قال الإمام أحمد: وكان يقال: إنه من أهل حرَّان، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات، وكان بحرَّان أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال، ولهم مصنفات في دعوة الكواكب» (١).
•قوله: «كَلامُ مَلِيكِنَا» فيه إثبات اسم من أسماء الله، وهو اسم المليك، والدليل على هذا قول الله تعالى كما في آخر سورة القمر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
стр. 30
................. ... بِذَلِكَ دَانَ الأَتْقِياءُ وأَفْصَحُوا
•---------------------------------•
•قوله: «بِذَلِكَ دَانَ الأَتْقِياءُ» أي: تعبدوا لله بذلك، وعدوه دينًا يدينون الله به، وهو أن الله متكلم حقيقة بحرف وصوت، وأن آحاد كلامه متعلقة بمشيئته وإرادته، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى أن خط قلم الناظم هذا النظم، وإلى يومنا هذا: أن القرآن منزل غير مخلوق.
و«الأَتْقِياءُ» جمع تقي، والتقوى: هي أن تجعل بينك وبين الله وقاية، وذلك بفعل المأمورات وترك المحظورات.
•قوله: «وأَفْصَحُوا» أي: بَيَّنوا معتقدهم في كلام الله وأظهروه في مؤلفاتهم وهذا ظاهر لمن قرأ وتأمل في كتب أهل السنة والجماعة.
قال الإمام الآجري ﵀: «اعلموا رحمنا الله وإياكم أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووفقوا للرشاد قديمًا وحديثًا أن القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق؛ لأن القرآن من علم الله، وعلم الله لا يكون مخلوقًا، تعالى الله عن ذلك، دل على ذلك القرآن والسنة، وقول الصحابة ﵃ وقول أئمة المسلمين لا ينكر هذا إلا جهمي خبيث» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة، وقالوا بالإثبات وأفصحوا به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته في هذا المكان». ثم ذكر عددًا من أئمة السلف (٢).
стр. 31
وَلا تَكُ فِي الْقُرْآنِ بالوَقْفِ قَائِلًا ... ...................................
•---------------------------------•
•قوله: «وَلا تَكُ فِي الْقُرْآنِ بالوَقْفِ قَائِلًا» (لا) هنا ناهية، و (تَكُ) فعل مضارع مجزوم، أصلها (تكون) ثم دخلت عليها لا الناهية فسكنت النون فالتقى ساكنان فحذفت الواو لالتقاء الساكنين ثم حذفت النون تحفيفًا.
وفي هذا البيت تحدث الناظم ﵀ عن الواقفة الذين قالوا في هذه المسألة بالتوقف، وقالوا: لا نقول مخلوق أو غير مخلوق، وهذا القول باطل، وقد نص أئمة السلف قديمًا وحديثًا: على أنَّ الواقفة هم شر الطوائف، وأضلهم، قال الإمام أحمد ﵀: «الواقفة هم الذين يقولون القرآن كلام الله ولا يقولون هو غير مخلوق»، ثم قال ﵀: «وهم شر الأصناف وأخبثها» (١).
وقال عثمان بن أبي شيبة ﵀: «هؤلاء الذين يقولون: القرآن كلام الله ويسكتون شر من هؤلاء» (٢)، يعني ممن قال: القرآن مخلوق.
• لماذا عُدَّت الواقفة أخبث من الجهمية ؟
الجواب: مذهب الجهمية الباطل فيه صريح ومعلوم لكثير من الناس، بخلاف الواقفة فخطرهم على الناس كبير؛ لأن الباطل في قولهم ليس ظاهرًا بل فيه تلبيس وقد لَبِسُوا فيه ثوب الورع؛ ولهذا قد يظن الجهال أنَّ مذهب الواقفة وسطٌ عدلٌ؛ لأنهم لم يقولوا بقول الجهمية ولا بقول أهل السنة والجماعة.
стр. 32
..... ... كَمَا قَالَ أَتْباعٌ لِجَهْمٍ وَأَسْجَحُوا
•---------------------------------•
• أيهم أشد خطرًا على المسلمين اليهود أم المنافقون ؟
الجواب: المنافقون لأنهم بين ظهراني المسلمين ويغتر بهم الناس؛ ولهذا كانوا أخطر من اليهود، وجعل الله مصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وهكذا الواقفة يغتر بمذهبهم الناس، كما يغترون بالمنافقين.
•قوله: «كَمَا قَالَ أَتْباعٌ لِجَهْمٍ» هنا إشكال وهو أن الناظم قال عن الواقفة كما قال أتباع لجهم، وقد مر بنا أن الجهمية الذين ينسبون إلى الجهم، يقولون: إن القرآن مخلوق، أما الواقفة فيتوقفون في ذلك، فكيف يقول الناظم إنهم أتباع لجهم؟
الجواب: لأن الواقفة قالوا بالتوقف تأثرًا بمذهب الجهم بن صفوان، فما قالوه عن القرآن سببه مذهب الجهم، فهم أرادوا الفرار من هذا المذهب.
ويمكن أن يجاب بجواب آخر: وهو أنهم انحرفوا في مسألة القرآن وضلوا كما ضل أتباع الجهم، فوجه المشابهة بينهما في الضلال.
•قوله: «وَأَسْجَحُوا» الإسجاح في اللغة: هو اللين والتساهل، وفي الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع، أن النبي ﷺ قال: «يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ» (١) أي: ملكك الله أمر الناس فلِنْ معهم وكن هينا في التعامل معهم، وهنا الواقفة لانوا مع الجهمية وجاملوهم، والواجب التصريح بأن القرآن منزل غير مخلوق.
وجاء في بعض نسخ الحائية: «وَأَسْمَحُوا» أي: تَسَمحوا بالقول في خلق القرآن وتساهلوا فيه، وكلا اللفظين معناهما واحد.
стр. 33
وَلَا تَقُلِ الْقُرْآنُ خَلْقٌ قَرَأْتُهُ ... فَإِنَّ كَلَامَ الله بِاللَّفْظِ يُوضَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَلَا تَقُلِ الْقُرْآنُ خَلْقٌ قَرَأْتُهُ» المذاهب التي خالفت أهل السنة في القرآن ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الجهمية والمعتزلة وهو أن كلام الله تعالى شيء منفصل عن الله مخلوق، خلقه الله تعالى (١).
المذهب الثاني: مذهب الواقفة.
المذهب الثالث: مذهب من قال لفظي بالقرآن مخلوق (٢).
والمؤلف هنا يشير إلى المذهب الثالث، فهل هو حق أو باطل؟
الجواب: أن هذه الجملة محتملة فتحتمل حقًّا وتحتمل باطلًا، فعليه لا بد من التفصيل، فيقال لهذا القائل: إن كان المقصود بقولك لفظي بالقرآن مخلوق كلام الله فهذا باطل، وإن كان القصد ذات التلفظ الذي تتلفظ به بلسانك مخلوق، من حيث أن اللسان مخلوق وصوت المتلفظ مخلوق، فهذا صحيح، فلذلك كان أهل العلم من أهل السنة يقولون: «الصوت صوت القارئ والكلام كلام الباري».
فعلى هذا يجب التفصيل في هذه الجملة؛ لأنه قد يراد بها حق، وقد يراد بها باطل، وأهل السنة يتحاشون هذه الجملة مخافة الإيهام.
وهنا فائدة لطالب العلم، وهي: أن يحرص على أن يكون كلامه واضحًا ويجتنب الإيهام مخافة إيقاع الناس في ما هو محذور.
стр. 34
وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً ... كَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَقُلْ» أي: قل أيها المتمسك بالكتاب والسنة، والمتبع لمذهب أهل السنة والجماعة.
•قوله: «يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ» أي: يكشف لهم الحجاب يوم القيامة، فيظهر لهم ، ويرونه عيانًا بأبصارهم.
•قوله: «جَهْرَةً» أي: عيانًا جهارًا دون حجاب.
•قوله: «كَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى» مأخوذ من قول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ: «أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ )، قَالُوا: لَا، قَالَ: (وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ ): قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا)» (١).
•قوله: «وَرَبُّكَ أَوْضَحُ» أي: أظهر وأبين من البدر؛ لأن البدر من مخلوقاته، والتشبيه هنا للرؤية لا للمرئي فإن الله ليس كمثله شيء، والمعنى ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك، وتنتفي معها المرية كرؤيتكم القمر لا ترتابون ولا تمترون.
وفي هذا البيت يتحدث الناظم عن مسألة الرؤية، وقد انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام:
١) الرافضة والإباضية والجهمية والمعتزلة: ينكرون رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
стр. 35
٢) مذهب طوائف من الصوفية: الذين قالوا: «إن الله يرى في الدنيا والآخرة» فهذا فيه حق وفيه باطل، والحق إثبات الرؤية في الآخرة والباطل إثباتها في الدنيا، كما قال تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لن هنا ليست للتأبيد، فالله لا يُرى في الدنيا لكن يُرى في الآخرة، فالمقصود لن تراني في الدنيا.
٣) مذهب أهل السنة: وهو إثبات الرؤية في الآخرة دون الدنيا، وهذا هو الحق الذي دلت عليه النصوص.
لكن قد يقول قائل: كيف يطيق المؤمن رؤية الله في الآخرة مع أن الله تعالى ذكر عن موسى أنه لم يطق ذلك، قال تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟
والجواب: أن الله تعالى يمنحهم - وهو القوي القادر - قوة يستطيعون بها الرؤية والثبات في هذا الموقف، لكنها مجرد رؤية وليست إدراكًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فهم يرونه في الآخرة لكن لا يدركونه.
فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢].
فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به علمًا (١).
стр. 36
وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ ... وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ» أي: ليس الله بمُتَوَلِّد عن أصلٍ فيكون فرعًا، فهو الأول وليس قبله شيء.
•قوله: «وَلَيْسَ بِوَالِدٍ» أي: ليس له ولد ولا صاحبة.
وقد أخذ الناظم ﵀ هذا الكلام من قول الله تعالى في سورة الإخلاص: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
•قوله: «وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ» أي: ليس له نِدٌّ ولا نظير ولا مثيل ، لا في ذاته المقدسة، ولا في صفاته المنزهة، ولا في أفعاله سبحانه، وقد أخذ الناظم هذا أيضًا من سورة الإخلاص في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
• قوله: «تَعَالَى» أي: ارتفع قدره وتقدس، أن يكون مولودًا أو له ولدٌ أو مثيلٌ أو نظيرٌ.
• قوله: «الْمُسَبَّحُ» أي: المنزه عن جميع النقائص.
وكل الذي ذكره الناظم في هذا البيت أخذه من سورة الإخلاص كما سبق، وهي سورة عظيمة ذُكِرَ فيها التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
والقرآن على ثلاثة أقسام:
١) ما أخلص في التوحيد كما في سورة الإخلاص.
٢) ما اشتمل على بيان الحلال والحرام.
٣) ما جاء في أخبار وقصص الأمم الغابرة.
стр. 37
فالقرآن مشتمل على هذه الثلاث، إما توحيد مع نفي ضده، وإما أحكام وبيان للحلال والحرام، وإما قصص وعظات عن الأمم السالفة، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، كما في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: «أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (١)، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ حَتَّى خَتَمَهَا» (٢).
والمتأمل فيها يجد أنها جردت في التوحيد خاصة، ولهذا عدلت ثلث القرآن؛ لأنها اشتملت على قسم من هذه الأقسام الثلاثة، وقد تضمنت هذه السورة النفي والإثبات، أما النفي فهو للمعايب والنقائص عن الله تعالى، فكل نقص منفي عنه، كما تضمنت إثبات الكمال المطلق لله ﷻ ، وفي قوله عزَّ في علاه ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ نفي للولد عن الله تعالى، وفي هذا رد على ثلاث طوائف أثبتت له الولد، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا وهم:
١) اليهود: حيث قالوا: عزير ابن الله.
٢) النصارى: حيث قالوا: المسيح ابن الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
стр. 38
وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا ... بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيْثٌ مُصَرِّحُ
•---------------------------------•
٣) أهل الشرك: الذين جعلوا الملائكة بنات الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] والآيات في ذلك كثيرة.
• ما مناسبة هذا البيت لما قبله وما بعده؟
الجواب: البيت الذي قبله عن الرؤية، وكذلك الذي بعده، والمؤلف أراد بهذا البيت الرد على النفاة الذين أنكروا الرؤية مخافة تشبيه الخالق بالمخلوق، وقالوا: لو أثبتنا الرؤية لأثبتنا له الجسم وشبهناه بالخلق؛ لأن الرؤية لا تقع إلا على ذي جسم.
فهم قاسوا هذا القياس الباطل، فرد المؤلف عليهم بأنه ليس بمولود وليس بوالد، ولا يشبه خلقه؛ ولهذا أهل السنة يثبتون الصفات التي دلت عليها النصوص من غير تشبيه.
• قوله: «وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ» (قد) هنا جاءت للتحقيق، أي: حقيقة مقال الجهمي إنكار رؤية الله.
وقد جاء هذا البيت بعد قول الناظم:
وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ ... وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ
والجهمي لا ينكر هذا، وإنما المراد إنكاره للرؤية.
• قوله: «وَعِنْدَنَا» أي: نحن معشر أهل السنة والجماعة.
•قوله: «بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيْثٌ مُصَرِّحُ» أي: يصدق ما قلنا في رؤية الله يوم القيامة حديث صريح في إثبات الرؤية، لا يحتمل التأويل.
стр. 39
رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ ... فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تنْجَحُ
•---------------------------------•
• قوله: «رَوَاهُ جَرِيرٌ» أي: روى ذلك الحديث الصريح الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
وقد روى هذا الحديث عدد من الصحابة الكرام، بل ذكر السفاريني في (لوائح الأنوار) أنه رواه خمسون إمامًا، والأحاديث في هذا الباب قد وصلت إلى حد التواتر فهي كثيرة.
• قوله: «عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ» أي: يروي هذا الحديث جرير من قول النبي ﷺ الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وفي هذا إشارة إلى أن أهل السنة يأخذون عقيدتهم من الوحي مما جاء في الكتاب والسنة، وأهل البدع يأخذونها من عقولهم وآراء الرجال وأهواء المضلين.
وحديث جرير في إثبات الرؤية، أخرجه البخاري ومسلم (١)، ولفظه عن جرير قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي الْبَدْرَ - فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ».
• قوله: «فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تنْجَحُ» أي: قل أيها المسلم المسترشد طالب النجاة مثل ما قال النبي ﷺ في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فتظفر بموافقة الصواب ومتابعة السنة والكتاب، فتكون بذلك مع تمسكك بسائر معتقد أهل السنة والجماعة من الفرقة الناجية المنصورة، وتنجو من الخسران والخيبة ومخالفة قول النبي ﷺ .
стр. 40
وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ أَيْضًا يَمِينَهُ ... وَكِلْتَا يَدَيْهِ بالْفَوَاضِلِ تَنْفَحُ
•---------------------------------•
•قوله: «وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ أَيْضًا يَمِينَهُ» أي: أن الجهمية ينكرون صفة من صفات الله، وهي صفة اليد، وصفات الله تعالى باعتبار تعلقها بذات الله وأفعاله تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١) صفات ذاتية: والضابط في معرفتها أنها لا تنفك عن الله، مثال: اليدين، البصر، السمع، القدم، الوجه.
٢) صفات فعلية: كالاستواء، والنزول، والضحك.
٣) صفات ذاتية فعلية: كصفة الكلام، فهي ذاتية باعتبار أصل الصفة، وفعلية باعتبار آحاد الكلام.
والصفات الفعلية نوعان:
النوع الأول: فعلية متعدية كالرحمة.
النوع الثاني: فعلية غير متعدية كالإتيان والمجيء.
• ما الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية؟
الجواب: أن الذاتية لا تنفك عن الله، فهي لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، وأما الفعلية فهي متعلقة بمشيئته سبحانه.
والمقصود أن ما ذكره الناظم هنا هو إنكار على الجهمية الذين أنكروا صفة اليد لله تعالى.
و(قد) في قوله: «وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ»، للتحقيق، ومعنى البيت: أن الجهمية كما أنكروا رؤية الله فهم ينكرون إثبات اليدين لله تعالى، مع أن القرآن صريح في إثبات اليدين لله تعالى.
إذن ماذا يقولون عن الآيات الواردة في إثبات اليدين لله كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]؟