← Акыда

Акыда · id 145171

نثر الورود شرح حائية ابن أبي داود

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ ... وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ •---------------------------------• •قوله: «وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ» أي: ليس الله بمُتَوَلِّد عن أصلٍ فيكون فرعًا، فهو الأول وليس قبله شيء. •قوله: «وَلَيْسَ بِوَالِدٍ» أي: ليس له ولد ولا صاحبة. وقد أخذ الناظم ﵀ هذا الكلام من قول الله تعالى في سورة الإخلاص: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. •قوله: «وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ» أي: ليس له نِدٌّ ولا نظير ولا مثيل ، لا في ذاته المقدسة، ولا في صفاته المنزهة، ولا في أفعاله سبحانه، وقد أخذ الناظم هذا أيضًا من سورة الإخلاص في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. • قوله: «تَعَالَى» أي: ارتفع قدره وتقدس، أن يكون مولودًا أو له ولدٌ أو مثيلٌ أو نظيرٌ. • قوله: «الْمُسَبَّحُ» أي: المنزه عن جميع النقائص. وكل الذي ذكره الناظم في هذا البيت أخذه من سورة الإخلاص كما سبق، وهي سورة عظيمة ذُكِرَ فيها التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. والقرآن على ثلاثة أقسام: ١) ما أخلص في التوحيد كما في سورة الإخلاص. ٢) ما اشتمل على بيان الحلال والحرام. ٣) ما جاء في أخبار وقصص الأمم الغابرة.

стр. 37

فالقرآن مشتمل على هذه الثلاث، إما توحيد مع نفي ضده، وإما أحكام وبيان للحلال والحرام، وإما قصص وعظات عن الأمم السالفة، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، كما في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: «أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (١)، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ حَتَّى خَتَمَهَا» (٢). والمتأمل فيها يجد أنها جردت في التوحيد خاصة، ولهذا عدلت ثلث القرآن؛ لأنها اشتملت على قسم من هذه الأقسام الثلاثة، وقد تضمنت هذه السورة النفي والإثبات، أما النفي فهو للمعايب والنقائص عن الله تعالى، فكل نقص منفي عنه، كما تضمنت إثبات الكمال المطلق لله ﷻ ، وفي قوله عزَّ في علاه ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ نفي للولد عن الله تعالى، وفي هذا رد على ثلاث طوائف أثبتت له الولد، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا وهم: ١) اليهود: حيث قالوا: عزير ابن الله. ٢) النصارى: حيث قالوا: المسيح ابن الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].

стр. 38

وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا ... بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيْثٌ مُصَرِّحُ •---------------------------------• ٣) أهل الشرك: الذين جعلوا الملائكة بنات الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] والآيات في ذلك كثيرة. • ما مناسبة هذا البيت لما قبله وما بعده؟ الجواب: البيت الذي قبله عن الرؤية، وكذلك الذي بعده، والمؤلف أراد بهذا البيت الرد على النفاة الذين أنكروا الرؤية مخافة تشبيه الخالق بالمخلوق، وقالوا: لو أثبتنا الرؤية لأثبتنا له الجسم وشبهناه بالخلق؛ لأن الرؤية لا تقع إلا على ذي جسم. فهم قاسوا هذا القياس الباطل، فرد المؤلف عليهم بأنه ليس بمولود وليس بوالد، ولا يشبه خلقه؛ ولهذا أهل السنة يثبتون الصفات التي دلت عليها النصوص من غير تشبيه. • قوله: «وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ» (قد) هنا جاءت للتحقيق، أي: حقيقة مقال الجهمي إنكار رؤية الله. وقد جاء هذا البيت بعد قول الناظم: وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ ... وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ والجهمي لا ينكر هذا، وإنما المراد إنكاره للرؤية. • قوله: «وَعِنْدَنَا» أي: نحن معشر أهل السنة والجماعة. •قوله: «بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيْثٌ مُصَرِّحُ» أي: يصدق ما قلنا في رؤية الله يوم القيامة حديث صريح في إثبات الرؤية، لا يحتمل التأويل.

стр. 39

رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ ... فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تنْجَحُ •---------------------------------• • قوله: «رَوَاهُ جَرِيرٌ» أي: روى ذلك الحديث الصريح الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي ﵁. وقد روى هذا الحديث عدد من الصحابة الكرام، بل ذكر السفاريني في (لوائح الأنوار) أنه رواه خمسون إمامًا، والأحاديث في هذا الباب قد وصلت إلى حد التواتر فهي كثيرة. • قوله: «عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ» أي: يروي هذا الحديث جرير من قول النبي ﷺ الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وفي هذا إشارة إلى أن أهل السنة يأخذون عقيدتهم من الوحي مما جاء في الكتاب والسنة، وأهل البدع يأخذونها من عقولهم وآراء الرجال وأهواء المضلين. وحديث جرير في إثبات الرؤية، أخرجه البخاري ومسلم (١)، ولفظه عن جرير قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي الْبَدْرَ - فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ». • قوله: «فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تنْجَحُ» أي: قل أيها المسلم المسترشد طالب النجاة مثل ما قال النبي ﷺ في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فتظفر بموافقة الصواب ومتابعة السنة والكتاب، فتكون بذلك مع تمسكك بسائر معتقد أهل السنة والجماعة من الفرقة الناجية المنصورة، وتنجو من الخسران والخيبة ومخالفة قول النبي ﷺ .

стр. 40

وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ أَيْضًا يَمِينَهُ ... وَكِلْتَا يَدَيْهِ بالْفَوَاضِلِ تَنْفَحُ •---------------------------------• •قوله: «وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ أَيْضًا يَمِينَهُ» أي: أن الجهمية ينكرون صفة من صفات الله، وهي صفة اليد، وصفات الله تعالى باعتبار تعلقها بذات الله وأفعاله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١) صفات ذاتية: والضابط في معرفتها أنها لا تنفك عن الله، مثال: اليدين، البصر، السمع، القدم، الوجه. ٢) صفات فعلية: كالاستواء، والنزول، والضحك. ٣) صفات ذاتية فعلية: كصفة الكلام، فهي ذاتية باعتبار أصل الصفة، وفعلية باعتبار آحاد الكلام. والصفات الفعلية نوعان: النوع الأول: فعلية متعدية كالرحمة. النوع الثاني: فعلية غير متعدية كالإتيان والمجيء. • ما الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية؟ الجواب: أن الذاتية لا تنفك عن الله، فهي لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، وأما الفعلية فهي متعلقة بمشيئته سبحانه. والمقصود أن ما ذكره الناظم هنا هو إنكار على الجهمية الذين أنكروا صفة اليد لله تعالى. و(قد) في قوله: «وَقَدْ يُنْكِرُ الجهْمِيُّ»، للتحقيق، ومعنى البيت: أن الجهمية كما أنكروا رؤية الله فهم ينكرون إثبات اليدين لله تعالى، مع أن القرآن صريح في إثبات اليدين لله تعالى. إذن ماذا يقولون عن الآيات الواردة في إثبات اليدين لله كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]؟

стр. 41

وَقُلْ يَنْزِلُ الجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ... ................................... •---------------------------------• الجواب: يقولون: المراد باليد هنا القدرة. والرد عليهم بأن الله ذكر اليدين بلفظ التثنية، فهل تثبتون لله قدرتين؟ ولو قالوا بذلك لتناقضوا، والصواب في هذه المسألة أن نثبت اليد لله على ما يليق بجلاله, من غير تمثيل بأيدي المخلوقين. • مسألة: هل يقال إن لله تعالى يدًا أخرى وهي الشمال أو لا يقال بذلك ؟ الجواب: أنه جاء في بعض الروايات عند مسلم إثبات الشمال لله ، لكن أكثر الأحاديث لم تأت بهذه التسمية، وإنما جاء فيها: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» (١)؛ لذلك حكم بعض أهل العلم على رواية مسلم بالشذوذ، ولكن رجح بعض المحققين أنه لا تنافي بين الروايتين؛ لأن المعنى في قوله: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» أن اليد الأخرى ليست كالشمال بالنسبة للمخلوقين؛ لأن شمال المخلوق ناقصة عن اليمنى، أما يداه سبحانه فسواء في الكمال (٢). •قوله: «وَقُلْ يَنْزِلُ الجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» أثبت الناظم في هذا البيت صفة النزول على ما يليق بجلاله تعالى، والأحاديث الواردة في هذا متوافرة متضافرة، رواها جماعات من الصحابة، ولهذا نص أهل العلم على أن أحاديث النزول بلغت حد التواتر، نص عليه شيخ الإسلام في الفتاوى، وابن القيم في الصواعق وغيرهما من أهل العلم، ومذهب أهل السنة في هذا الباب قائم على أصلين: ١) الإثبات بلا تمثيل. ٢) التنزيه بلا تعطيل. فنثبت ولا نمثل وننزه ولا نعطل.

стр. 42

................... ... بِلَا كَيْفَ جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ •---------------------------------• • ما قول النفاة في تأويل صفة النزول الواردة في الحديث؟ الجواب: منهم من قال: إن الرحمة هي التي تنزل، ومنهم من قال: ينزل أمر ربنا، ومنهم من قال: ينزل ملك من الملائكة؛ وهذا كله تحريف. • كيف نجيب عن هذا التأويل الذي صدر عن هؤلاء؟ الجواب: نرد عليهم من هذا الحديث، أي حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» حيث جاء في آخره: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (١). فالرحمة لا يمكن أن يتصور منها قول ذلك، إنما هو من قول الله، فهو الذي يغفر للمستغفر، ويجيب الداعي. •قوله: «الجَبَّارُ» الجبار من أسماء الله قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]. •قوله: «بِلَا كَيْفَ» أي: ينزل الله نزولًا يليق بجلاله لا نعلم كيفيته، فلا يقال: كيف ينزل، وإنما نثبت ذلك من غير تكييف ولا تمثيل. •قوله: «جَلَّ» أي: تعاظم وعلا شأنه. •قوله: «الْوَاحِدُ» هذا من أسماء الله فهو: الواحد الأحد. •قوله: «الْمُتَمَدَّحُ» أي: المتصف بصفات المدح والكمال والجلال.

стр. 43

إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ ... فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ يَقُوْلُ أَلا مُسْتَغْفِرٌ يَلْقَ غَافِرًا ... وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا وَرِزْقًا فَيُمْنَحُ •---------------------------------• •قوله: «طَبَقِ الدُّنْيَا» أي السماء الدنيا, وقد جاء ما يدل على تسميتها بالطبق، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥] وهذا يدل على أن هؤلاء الأئمة يتقيدون ويلتزمون بألفاظ القرآن والسنة. •قوله: «يَمُنُّ بِفَضْلِهِ» أي: ينزل ليَمُنَّ بفضله وكرمه وجوده على عباده، حيث يقول: هل من سائل، هل من مستغفر، هل من داع؟ كما في حديث النزول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»، ومن أسمائه المنان وهو المنعم المعطي؛ من المنِّ وهو العطاء. •قوله: «فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ» أي: تنكشف وتفتح أبواب السماء؛ لنزول المنح منها والرحمة والمغفرة والخير والبركة، وصعود الكلمات الطيبة والعمل الصالح والدعاء. •قوله: «يَلْقَ غَافِرًا» هذا من أسماء الله كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]. وقال في أول سورة غافر: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣]. •قوله: «وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا» يعني طالب خير من خيري الدنيا والآخرة، فإن الله تعالى يعطيه ويمنحه ويغفر لمن استغفره. •قوله: «فَيُمْنَحُ» أي: يمنحه الله ما يريد، ويعطيه سؤله.

стр. 44

رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لا يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ ... أَلَا خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُمْ وقُبِّحُوا •---------------------------------• •قوله: «رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ» إشارة إلى حديث النزول، أي: روى ذلك الخبر قوم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، وهم ثقات عدول وأئمة جهابذة، ورواياتهم في الصحاح والسنن والمسانيد. •قوله: «لا يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ» هذا وصف لرواة أحاديث النزول بأنهم لا يرد حديثهم أي: إنهم ثقات ضابطون عدول، بل حديثهم بلغ المتواتر الملزم بتصديقه، والمتواتر يلزم التصديق به عند جميع الطوائف. وسبق أن الأحاديث في هذا الباب أحاديث متواترة (١)، أوصلها ابن القيم إلى أكثر من ثلاثين حديثًا عن أكثر من ثلاثين صحابيًّا. •قوله: «أَلَا خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُمْ وقُبِّحُوا» هذا دعاء من الناظم بالخيبة والخسران والتقبيح على من أنكر صفة النزول الثابتة بالأحاديث المتواترة، وكذَّب أولئك القوم الذين رووها بالتواتر. وهو مسلك أهل البدع والضلال الذين ردوا الأحاديث الصحيحة، وكذبوا رواتها؛ لأنها تخالف قواعدهم وآراءهم الفاسدة. وهؤلاء قال فيهم السفاريني ﵀: «استعملوا قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة، وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة والآيات الصريحة، فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم» (٢).

стр. 45

وَقُلْ: إنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... وَزِيرَاهُ قِدْمًا ثُمَّ عُثْمَانُ الارْجَحُ وَرَابِعُهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَهُمْ ... عَلِيٌّ حَلِيفُ الخيْرِ بِالخَيْر مُنْجِحُ •---------------------------------• في هذين البيتين يتحدث الناظم ﵀ عن فضل الصحابة في هذه الأمة وقد أجمع أهل السنة أن خير هذه الأمة الصحابة ﵃، ثم يليهم في الفضل التابعون، ثم أتباع التابعين بدليل حديث عمران بن حصين ﵄ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً» (١). وقد امتدح الله الصحابة ﵃ في العديد من آيات القرآن، حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، في هذه الآية أثنى الله على الأنصار؛ لأنهم ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ ثم مدحهم بالإيثار ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، والصحابة هم طليعة المفلحين الذين وقاهم الله شح نفوسهم، فهذه خمسة أوصاف: ١) يحبون من هاجر إليهم. ٢) لا يجدون في صدورهم حاجة.

стр. 46

٣) الإيثار. ٤) الوقاية من شح النفس، ولا يتحقق هذا الفلاح إلا بوقاية النفس من شحها. ٥) الفلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. والناظم في هذين البيتين يتحدث عن فضل الصحابة، وقد سبق بيان ذلك بشيء من التفصيل في شرح اللامية. وأفضل الصحابة ﵃ المهاجرون ثم الأنصار، وبتفصيل أدق: أفضل المهاجرين الخلفاء الأربعة، وترتيبهم عند أهل السنة في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، على أنه قد وقع خلاف يسير في أول الأمر في المفاضلة بين علي وعثمان فقدم قوم عليًّا وقدم آخرون عثمان، لكن استقر الأمر بعد ذلك عند أهل السنة على تفضيل عثمان ﵁ وتقديمه في الفضل على علي ﵁. • هل مسألة التفضيل بين عثمان وعلي من المسائل التي يضلل فيها المخالف؟ الجواب: ليست هذه المسألة من المسائل التي يضلل فيها المخالف إنما المسألة التي يضلل فيها المخالف تقديم علي على عثمان في الخلافة، فمن خالف في ذلك وقدم عليًّا فقد جانب الصواب، وخالف إجماع أهل السنة والجماعة على تقديم عثمان في الخلافة، قال شيخ الإسلام في الواسطية (١): «ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع عليه الصحابة على تقديم عثمان في البيعة.

стр. 47

مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليًّا وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي. وإن كانت هذه - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل فيها المخالف فيها عند جمهور أهل السنة. لكن التي يضلل فيها: مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، وعمر، ثم عثمان، ثم علي. ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله». إذن يفرق بين مسألة التفضيل في الخلافة، والتقديم في الأفضلية، أما تقديم علي على الشيخين في الخلافة وفي الأفضلية فهذا من مذهب الروافض الضُّلال. قال الإمام أحمد ﵀: «من فضَّل عليًّا على أبي بكر وعمر أو قدمه عليهما في الفضيلة والإمامة دون النسب فهو رافضي مبتدع فاسق». فعلى هذا: الخلاف الذي جرى قديمًا ينحصر في مسألة (تقديم علي على عثمان في الفضيلة). والمعادون للصحابة ﵃، والذين ضلوا فيهم ثلاث طوائف: ١) الخوارج. ٢) النواصب. ٣) الروافض.

стр. 48

أما الرافضة فهم أخبث هذه الطوائف على الإطلاق، وليس ضلالهم خاصًّا بهذه المسألة، بل ضلوا في أبواب كثيرة من الدين، لعلي أشير إلى شيء يسير من ذلك لأهمية هذا الموضوع في هذا الزمان، وسأجعل النقل من كتبهم حرصًا على التوثيق والدقة: أولاً: ماذا يقول الرافضة عن القرآن؟ يقول الرافضة عن القرآن - الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]، وقال فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]- إنه مُحرَّفٌ ومُغيَّر كما صَرَّح بذلك علماؤهم. قال صاحب كتاب (مشارق الشموس الدرية) (١): « ... والحاصل فالأخبار من طريق أهل البيت أيضًا كثيرة, إن لم تكن متواترة على أن القرآن الذي بأيدينا ليس هو القرآن بتمامه كما أُنْزِلَ على محمد ﷺ ، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو محرف ومغير، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة ... ». ثم قال: «إنه ليس على الترتيب المرضي عند الله وعند رسول الله ﷺ ... ». وقال صاحب كتاب (أوائل المقالات) (٢): «إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان».

стр. 49

بل تعدى وأسرف في الضلال كبيرهم الطبرسي حينما ادعى أن بعض آيات القرآن سخيفة، فقال قبحه الله في كتابه (الوثيقة) (١)، بعد ما أثبت الاختلاف في آياته والتناقض قال: «على اختلاف النظم كفصاحة بعض فقراتها البالغة حد الإعجاز، وسخافة بعضها الأخرى، وعلى اختلاف مراتب الفصاحة ببلوغ بعضها أعلى درجاتها، ووصول بعضها إلى أدنى مراتبها ... » إلى آخر ما قال مستدلًّا على قوله بأن القرآن قد دخله التحريف والتغيير. هل يقول هذا مسلم يؤمن بالله، يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. هذا غيض من فيض مما قالوه عن كتاب الله عياذًا بالله، ولا يتسع المقام للإفاضة في ذلك. ثانيًا: ماذا عن الشرك عند الرافضة؟ أعظم ذنب عُصي الله به: الشرك؛ ولهذا جاء الشرك في المرتبة الأولى من نواهي القرآن؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. هكذا يقول الله عن الشرك، فماذا قال هؤلاء الضالون في الدعوة إلى الشرك بالله؟ - قال الطبرسي في كتابه (مستدرك الوسائل) (٢) - وهو يتحدث عن دعاء الكرب -: «تضع خدك الأيمن على الأرض، وتقول مائة مرة في سجودك: يا محمد يا علي، اكفياني فإنكما كافياي، وانصراني فإنكما ناصراي ... ».

стр. 50

وقال صاحب (كشف الأسرار) (١): «إن طلب الحاجة من الحجر والمدر ليس شركًا، وإن كان عملًا لغوًا باطلًا». وقال مؤلف (مستدرك الوسائل) في كتاب الحج: «باب جواز الطواف بالقبور: ودخلت فاطمة ﵍ المسجد، وطافت بقبر أبيها وهي تبكي وتقول: إنا فقدناك فقد الأرض وابلها» (٢). ثم نقل عن بعض أئمتهم قوله: «بأبي وأمي يا آل المصطفى، إنا لا نملك إلا أن نطوف حول مشاهدكم، ونعزي فيها أرواحكم». ومن مصائبهم في هذا الباب، أنهم غلوا في أئمتهم، وادَّعوا أن عندهم علم ما في السماء وما في الأرض، وعلم ما كان، وعلم ما يكون، وما يحدث بالليل والنهار، وعندهم علم النبيين وزيادة، كما صرح بذلك العديد من أكابرهم كما في كتاب مصابيح الأنوار في مشكلات الأخبار (٣). وقال صاحب (علل الشرائع) (٤): «قال: أبو عبد الله: إذا كان يوم القيامة وُضع منبر يراه جميع الخلائق، يقف عليه رجل يقوم ملك عن يمينه، وملك عن يساره، فينادي الذي عن يمينه يقول: يا معشر الخلائق: هذا علي بن أبي طالب صاحبُ الجنة يُدخلُ الجنةَ من شاء، وينادي الذي عن يساره: يا معشر الخلائق: هذا علي بن أبي طالب صاحبُ النارِ يُدخلها من شاء ... ».

стр. 51

هكذا يقولون عياذًا بالله مما يقولون، ماذا بقي لله؟ والله تعالى يقول ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وشنائعهم في هذا الباب أكثر من أن تُحصر، ولا يُسعف المقام لأكثر من هذا. وكما أن القوم غلوا في تقديس أئمتهم، فقد غلوا أيضًا في ذم بقية الصحابة وزوجات النبي ﷺ ، بل لقد كفَّروا بعضهم ولعنوهم عياذًا بالله، قال صاحب (لآلئ الأخبار) قولًا شنيعًا أنزه أسماعكم عن مثله، لكنها الحقيقة المرة لا بد من بيانها لمعرفة الرافضة على حقيقتهم كما في كتبهم، لندرك حقد القوم وبغضهم للصحابة ﵃، قال هذا المؤلف: «تنبيه، اعلمْ أن أشرف الأمكنة والأوقات والحالات وأنسبها للعن عليهم، عليهم اللعنة، إذا كنت في المبال - أي مكان البول - فقل عند كل واحد من التخليةِ والاستبراء والتطهير مرارًا بفراغ من البال: اللهم العن عمرَ، ثم أبا بكرٍ وعمرَ، ثم عثمانَ وعمرَ، ثم معاويةَ وعمرَ، ثم العن عائشةَ وحفصةَ، والعن من رضي بأفعالهم إلى يوم القيامة» (١). وقال مؤلف (الأنوار النعمانية) (٢): «روي في الأخبار الخاصة أن أبا بكرٍ كان يصلي خلف رسول الله ﷺ والصنم معلقٌ في عنقه يسجد له». ونقل مؤلف كتاب (إلزام الناصب) عن بعض مفسريهم أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].

стр. 52

قال المفضلُ يا سيدي: ومَنْ فرعون؟ ومَنْ هامان؟ قال ﵇: أبوبكر وعمر» (١). بل زعموا أن الصحابة ﵃ ارتَدُّوا بعد النبي ﷺ ، فقال صاحب (الروضة من الكافي) (٢): عن أبي جعفر ﵇ قال: كان الناسُ أهلَ ردةٍ بعد النبي ﷺ إلَّا ثلاثة، فقلتُ: ومن الثلاثة؟ فقال: المقدادُ بن الأسود وأبو ذرٍّ الغفاري، وسلمان الفارسي». ونقل مؤلفُ مرآةِ العقول من كتاب الروضة (٣): «عن حسين الجمالِ عن أبي عبد الله في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] قال هما، ثم قال: وكان فلان شيطانًا، عقَّب على ذلك بقوله: «هما» أي: أبا بكر وعمر، والمراد بفلان: عمر، وإنما سمي به لأنه كان شيطانًا، إما لأنه شرك شيطان لكونه ولد زنا، أو لأنه كان في المكر والخديعة كالشيطان ... » إلى آخر ما قال قبحه الله. بل إنهم آذوا النبي ﷺ حينما اتهموا عائشة ﵂ بالفاحشة، وهذا مستفيض في كتب القوم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، سبحان الله أين عقول هؤلاء؟ !

стр. 53

كيف يبعث الله رسولَه ﷺ ثم يجعل خاصةَ أصحابهِ وخالص أحبابهِ مجموعة من الكذبة والغششة؟ أيجعلهم حثالةً من المرتدين؟ ! نعوذ بالله. لقد أثنى الله على صحابة رسوله ﷺ في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، أيعقل أن أولئك نزرٌ يسيرٌ، ونستثني الكثرةَ الكاثرةَ من أصحابه؟ ! لقد رضي الله عمن بايع تحت الشجرة، وهم ألف وأربعمائة، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة وأثنى على من أسلم من قبل الفتح، وكذلك من أسلم بعده، وبَيَّنَ أن الذين أسلموا قبله أفضل، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. وَبيَّنَ أيضًا أن زوجات النبي ﷺ كلهن أمهات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، ولم يستثنِ أحدًا، وكذلك بَيَّنَ أنه لما خيرهن بين الدنيا وبين البقاء مع النبي ﷺ ، اخترن البقاء معه، إلى أن توفي وهن في عصمته ... ، ولو اخترن الدنيا أو كفرن لما كان يجوز في الإسلام أن يبقين مع النبي ﷺ ، بل يلزمه مفارقتهن. وأثنى الله على المهاجرين والأنصار كلهم كما في سورة الحشر، فوصف المهاجرين بأنهم هم المفلحون، ووصف الأنصارَ بأنهم هم الصادقون، وبين أن المؤمنين من بعدهم هم الذين يدعون لهم ويستغفرون لهم، وليسوا هم الذين يسبونهم ويلعنونهم صباح مساء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 54

فهم الذين استيقظت بأذانهم ... دنيا الخليقة من تهاويل الكرى حتى هوت صور المعابد سُجدًا ... لجلال من خَلَقَ الوجودَ فصورا فمن الأُلى حملوا بعزم أكفهم ... باب المدينة يومَ غزوةِ خيبرا؟ أمَّن رمى نار المجوس فأُطفئت ... وأبَان وجه الحق أبلجَ نيرا؟ ومن الذي بذل الحياةَ رخيصةً ... ورأى رضاك أعز شيءٍ فاشترى! ؟ روى الكشي أحد علماء الرافضة بسنده عن الباقر أنه ارتد الناس بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة: (سلمان، وأبا ذر، والمقداد). بل إن شرهم وصل إلى النبي ﷺ ، ذكر ابن القيم أنَّ عددًا منهم كانوا في مسجد النبي ﷺ فقال أحدهم: من سبب هذا البلاء؟ فأجابه أحدهم بعد ما أشار إلى قبر النبي ﷺ قال صاحب هذا القبر، يعني قبر النبي ﷺ . ولهم ارتباط وثيق باليهود من وجهين: الوجه الأول: أنَّ أول من كفر الصحابة هو عبد الله بن سبأ كما قال الكشي في (حق اليقين في معرفة أصول الدين) وفي هذا دلالة على أنهم فعلوا كما فعل وكفروا الصحابة إلا ما ذكر سابقًا. الوجه الثاني: كثرتهم في هذا العصر أي اليهود في أصبهان وهي في إيران، وقد قال ﷺ : «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» (١)، والطيالسة: ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن.

стр. 55

وإِنَّهُمْ لَلرَّهْطُ لا رَيْبَ فِيهِمُ ... عَلَى نُجُبِ الْفِرْدَوْسِ بالنُّورِ تَسْرَحُ سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةٌ ... وَعَامِرُ فِهْرٍ وَالزُّبَيْرُ المُمَدَّحُ •---------------------------------• •قوله: «وإِنَّهُمْ للرَّهْطُ» الرهط: هم الجماعة دون العشرة وقد قصد المؤلف بهؤلاء الرهط العشرة المبشرين بالجنة وقد ذكر من قبل الخلفاء الأربعة. •قوله: «عَلَى نُجُبِ الْفِرْدَوْسِ» النُّجُب: الإِبِل العِتَاق الكريمة. •قوله: «سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ ... » ثم سمى بقية هؤلاء الرهط. فأولهم: سعيد وهو ابن زيد بن عمرو بن نفيل وهو من العشرة المبشرين بالجنة كما في الحديث الثابت عن النبي عند الترمذي وأحمد في مسنده، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : «أَبُو بَكْرٍ فِي الجنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الجنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الجنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الجنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الجنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الجنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الجنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الجنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجرَّاحِ فِي الجنَّةِ» (١). والثاني: سعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي ﷺ : «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، فعن علي ﵁ قال: «مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ يَا سَعْدُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (٢). وثالثهم: عبد الرحمن بن عوف الذي جاء في فضائله قول النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الجنَّةِ» (٣).

стр. 56

رابعهم: طلحة بن عبيد الله وقد جاء في فضله حديث مسلم عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» (١). خامسهم: عامر بن الجرَّاح المعروف بأبي عبيدة قال ﷺ : «لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَاسْتَشْرَفَ لَهُ النَّاسُ فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجرَّاحِ» (٢). سادسهم: الزبير الذي قال عنه الناظم (الممدح)، وقد قال النبي ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ» (٣). فهؤلاء هم الرهط العشرة الذين عناهم الناظم في هذه الأبيات وقد جمعهم في بيت واحد أحد العلماء، فقال: للمصطفى خير صحب نص أنهم ... في جنة الخلد نصًّا زادهم شرفا هم طلحة وابن عوف والزبير إلى ... أبي عبيدة والسعدان والخلفا في البيت الأول ذكر أن النبي ﷺ نص على أنهم في الجنة وفي البيت الثاني ذكرهم بأسمائهم. • هل يشهد لأحد بالجنة غير العشرة؟ الجواب: نعم، كل من شهد له النبي ﷺ بالجنة نشهد له: كالحسن، والحسين، وثابت بن قيس، وعكاشة بن محصن، وعبد الله بن سلام (٤).

стр. 57

وَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ فِي الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ ... ولا تَكُ طَعَّانًا تَعِيبُ وَتَجْرَحُ فَقَدْ نَطَقَ الْوَحْيُ المبِينُ بِفَضْلِهِمْ ... وَفِي الْفَتْحِ آيٌ للصَّحَابَةِ تَمْدَحُ •---------------------------------• •قوله: «وَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ فِي الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ» في هذا البيت تحدث الناظم عن فضل الصحابة ونهى عن الطعن فيهم، نقل الخطيب في الكفاية (١) عن أبي زرعة أنه قال: «إذا رأيت أحدًا ينتقص أحدًا من صحابة رسول الله، فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول حق والقرآن حق، وإنما أدى الكتابَ والسنةَ أصحابُ رسول الله ﷺ ، ثم قال: وهم يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة». •قوله: «وَفِي الْفَتْحِ» الفتح أي سورة الفتح، وهم كما قال الله عنهم في أول سورة الفتح وفي وسطها وآخرها. أما أولها: فقوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]. وأما وسطها: فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. وأما آخرها: فقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].

стр. 58

وَبِالْقَدَرِ المقْدُورِ أَيْقِنْ فَإِنَّهُ ... دِعَامَةُ عَقْدِ الدِّينِ، والدِّينُ أَفْيَحُ •---------------------------------• وقد استدل الإمام مالك ﵀ بهذه الآية الأخيرة على كفر الروافض، لأن الله قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ولا يرتاب في الصحابة ويبغضهم إلا من كان كافرًا، وأشد الخلق بغضًا للصحابة هم هذه الطائفة كفانا الله شرهم. •قوله: «وَبِالْقَدَرِ المقْدُورِ أَيْقِنْ فَإِنَّهُ» في هذا البيت يتحدث الناظم عن مسألة القدر، والقدر: هو الركن السادس من أركان الإيمان بالله، وقد جاء النص عليه في حديث جبريل الشهير: «قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (١). والإيمان بالقدر: هو الإيمان بعلم الله تعالى وبتقديره للأمور قبل حدوثها وبأفعال الله تعالى وإرادته ومشيئته وخلقه وإيجاده. وقد جاء ذكر القدر في الكتاب العزيز في عدة آيات منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. •مسائل متعلقة بهذا الباب•: • المسألة الأولى: هل القدر هو القضاء أو بينهما فرق ؟ الجواب: كلام أهل العلم يدل على أنه لا فرق بينهما، وإن كان القضاء أعم من القدر، فالقضاء يأتي بمعنى القدر أي أن الله قدر الأشياء، ويأتي القضاء بمعنى أعم وهو الحكم بين الناس والفصل بينهم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣] والنبي ﷺ يقول كما في الصحيحين: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (٢).

стр. 59

• المسألة الثانية: ما مراتب القدر ؟ الجواب: له أربع مراتب: ١) مرتبة العلم: المراد بها: الإيمان بأن الله علم بما كان، وبما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فلا يمكن أن يقع في الكون شيء إلا والله عالم به. ٢) مرتبة الكتابة: والمراد بها: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، وجاء التصريح بهذا في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (١). ٣) مرتبة المشيئة والإرادة: والمراد بها: الإيمان بأن الله تعالى أراد الأشياء وشاء وقوعها وأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته وإرادته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].

стр. 60

٤) مرتبة الخلق والإيجاد (١): والمراد بها: الإيمان بأن الله هو الخالق الذي خلق الأشياء وأوجدها، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. • المسألة الثالثة: هل الأخذ بالأسباب ينافي الإيمان بالقدر ؟ الجواب: فعل الأسباب والأخذ بها من تمام الإيمان بالقدر، ونصوص الكتاب والسنة حافلة باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة فقد أمر الله بالسعي في الأرض وطلب الرزق، فقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [المُلك: ١٥]، وأمر المسافرين بالتزود للحج: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وأمر بإعداد العدة للعدو: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وأمر مريم ﵍ حين ولدت بهز جذع النخلة: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]. يقول شيخ الإسلام: «وإذا ترك العبد ما أمر به مُتَّكِلًا على الكتاب - يعني القدر - كان ذلك من المكتوب المقدور الذي يصير به شقيًّا وكان قوله ذلك بمنزلة من يقول: أنا لا آكل ولا أشرب، فإن كان الله قضى بالشبع والري حصل وإلا لم يحصل، أو يقول لا أجامع امرأتي فإن كان الله قضى لي بولد فإنه يكون ... فكل هؤلاء جاهلون ضالون» إلى أن قال: «الأمور أمران: أمر فيه حيلة وأمر لا حيلة فيه؛ فما فيه حيلة لا يعجز عنه، وما لا حيلة فيه لا يجزع منه» (٢).

стр. 61

• إشكالات وشبه حول القدر: إذا سأل سائل فقال: نحن نؤمن بالقدر خيره وشره من الله، فهل تصح نسبة الشر إلى الله تعالى؟ وهل يقع في أفعاله شر؟ الجواب: أولًا: إن الله منزه عن الشر، ولا يفعل إلا الخير، فالشر ليس إلى الرب بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، وإنما الشر يدخل في مخلوقاته، فالشر في المقضي، لا في القضاء. ثانيًا: ما يقضيه الله قد يكون شرًّا من وجه خيرًا من وجه، كالقصاص، وإقامة الحدود، وقتل الكافر، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر، والنكال، ودفع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الأمراض وإن كانت شرورًا من وجه فهي خير من وجوه عديدة. والحاصل أن الشر المحض الذي لا خير فيه بوجه من الوجوه لا ينسب إلى الله؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يثني على ربه بتنزيهه عن الشر بدعاء الاستفتاح في قوله: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ» (١). قال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: «فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير» (٢). وقال سبحانه في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، تأدبوا مع الله ولم ينسبوا الشر إليه.

стр. 62

إذا قيل: كيف يريد الله أمرًا، وفي الوقت نفسه لا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يجمع بين إرادته له وبغضه وكراهته؟ ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزُّمَر: ٧]. فالجواب: أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته لما فيه من الخير كالصلاة، والمراد لغيره قد لا يكون مقصودًا لما يريد، ولا فيه مصلحة بالنظر إلى ذاته، كتقدير الفسق والفواحش والمعاصي والكفر فقد قدر سبحانه حصول ذلك وهو لا يحبه للمصالح التي وراء ذلك كالدواء الكريه الطعم إذا علم الإنسان أن فيه شفاءه أحبه من وجه وإن كان يبغضه من وجه آخر، وقل مثل ذلك في العضو المتآكل من الجسد بما يُسمى (الغرغرينا) إذا علم أن في قطعه بقاء لجسده، وكقطع الطريق الشاق إذا علم أنه يوصله إلى مراده، كالذي يقطع الفيافي والمفاوز والقفار قاصدًا البيت العتيق. ومن هنا يتبين لنا أن الشيء يجتمع فيه الأمران: بغض من وجه، وحب من وجه آخر، ولنضرب على ذلك مثالين مع بيان الحكمة من ذلك: الأول: خلق إبليس والحكمة من ذلك: فقد خلق الله إبليس الذي هو مادة الفساد التي تمد كل فساد في هذه الدنيا في الأديان والاعتقادات والشهوات والشبهات، وهو سبب من أسباب شقاء العباد، وعملهم بما يغضب الله ، وهو مع ذلك وسيلة إلى محبوبات كثيرة وحكم عظيمة. وقبل الحديث عن تلك الحكم يجدر بنا أن نتنبه لأمر مهم وهو أنه لا يلزم من إثبات تعليل أفعال الله بالحكم والمصالح، العلم بعلة كل فعل وكل أمر؛ بل الواجب على المسلم أن يعتقد أن لله تعالى في جميع أفعاله حكمًا جليلة.

стр. 63

والله لم يطلع خلقه على جميع حكمه، بل أعلمهم بما شاء، وما خفي عليهم أكثر مما علموه، فيجب على المسلم أن يعتقد أن أفعال الله وأوامره لا تخلو من الحكم الباهرة التي تحير العقول، وقد تدركها أو لا تدركها. • حِكَم الله في خلق إبليس: إذا تأملنا في خلق إبليس لوجدنا من ورائه حكمًا كثيرة: الحكمة الأولى: أن يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات والمتقابلات فخلق هذه الذات (إبليس) الذي هو من أخبث الذوات، وسبب كل شر، وخلق في مقابلها ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأزكاها والتي هي مادة كل خير فتبارك من خلق هذا وهذا، كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والداء والدواء، والموت والحياة، والحسن والقبح، فالضد يظهر حسنه الضد، وهذا أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه. الحكمة الثانية: أن يكمل لأوليائه مراتب العبودية، وذلك بمجاهدة إبليس وحزبه، وإغاظته بالطاعة لله، والاستعاذة بالله منه، ولجوئهم إلى الله أن يعيذهم منه ومن كيده. فظهر بذلك أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا ونحوها أحب أنواع العبودية لله، وهذه إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس وتقديم محبته على محبة كل من سواه، فكان خلق إبليس سببًا لوجود هذه الأمور. الحكمة الثالثة: خلق الله إبليس ليكون مركز امتحان يمتحن به الخلق ليتبين الخبيث من الطيب.

стр. 64

الحكمة الرابعة: ظهور آثار أسمائه تعالى ومقتضياتها، ومتعلقاتها، فمن أسمائه: الرافع، الخافض، المعز، المذل، الحكم، العدل. وهذه الأسماء تستدعي متعلقات تظهر فيها أحكامها، فكان خلق إبليس سببًا لظهور آثار هذه الأسماء، فلو كان الخلق كلهم مطيعين، ومؤمنين لم تظهر آثار هذه الأسماء. • ما الحكمة من إنظار الله إبليس ؟ الجواب: ليس إكرامًا له بل إهانة له ليزداد إثمًا ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، فتعظم عقوبته، ويتضاعف عذابه، إضافة إلى ذلك جعله الله محكًّا ليميز به الخبيث من الطيب وهذا يقتضي بقاءه ببقاء خلق البشر. المثال الثاني: خلق المصائب والآلام والحكمة من ذلك: خلق الله الآلام والمصائب، وفيها من الحِكَم ما لا يُحِيطُ بعلمه إلا الله ، تلك الحكم التي تنطق بفضل الله وعدله ورحمته ومنها: ١ - أن في الآلام والمصائب امتحانًا لصبر المؤمن. ٢ - أن فيها تدريبًا له وتقويةً لإيمانه. ٣ - أن فيها دليلًا على ضعف الإنسان وافتقاره الذاتي إلى ربه، ولا فلاح له إلا بافتقاره إلى ربه وانطراحه بين يديه. ٤ - المصائب سبب لتكفير الذنوب ورفع الدرجات؛ قال ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ المؤْمِنَ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ» (١).

стр. 65

٥ - أنها سبب في حصول الأجر للمريض والطبيب المعالج. ٦ - أنَّ هذه الآلام منها ما يكون سببًا لصحة الجسم كما قال المتنبي: لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ ... فَرُبَّمَا صَحَّتِ الأجْسَامُ بِالعِلَل ٧ - معرفة فضل الصحة والعافية وأن تقدر حق قدرها إلى غير ذلك من الحكم التي يعلمها بعض الناس وتخفى على كثير منهم. ومن هنا يتضح لنا أنه لا تنافي بين إرادة الله لأمر من الأمور مع بغضه له؛ لما له من الحكم العظيمة الباهرة. • هل يجب الرضا بكل ما قدره الله ؟ الجواب: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، كما قال بذلك أهل العلم (١)، ولهم في ذلك كلام طويل خلاصته أن الله لم يرض لنا أن نكفر ونعصي فعلينا أن نوافق ربنا في رضاه وسخطه قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزُّمَر: ٧]، فالدين موافقة ربنا في كراهة الكفر والفسوق والعصيان مع تركها، وموافقته في محبة الشكر والإيمان والطاعة لنا مع فعلها. • هل الإنسان مسير أو مخير ؟ هذا السؤال يرد كثيرًا والسائل يريد أن تقول له: إما مسير أو مخير، والحقيقة أنَّ السؤال خطأ في ذاته، وما كان كذلك فلا يجاب عنه إجابة مباشرة، بل لا بد من التصحيح، والخطأ في هذا السؤال أنه لم يرد عن السلف الصالح مثل هذا السؤال في كتبهم، بل ورد في كتب الفلاسفة وغيرها.

стр. 66

والصواب في السؤال أن يكون بهذه الصيغة: هل للعبد مشيئة وقدرة أو لا؟ والجواب نجده واضحًا جليًّا في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، فنثبت للعبد مشيئةً يختار بها، وقدرة يفعل بها، ومشيئته وقدرته واقعتان بمشيئة الله تابعتان لها فلو كان مخيرًا لَفَعَل كل ما شاءه ولوكان مسيرًا لما كان له قدرة ومشيئة أبدًا. وبهذا يزول هذا الإشكال، ومن هنا أيضًا يتبين لنا خطأ بعض من يكتب في هذه المسألة ويصدرون كتاباتهم بذلك السؤال: هل الإنسان مسير أو مخير؟ • أخطاءٌ في باب القدر: هناك أخطاء يقع فيها بعض الناس في باب القدر، ومن هذه الأخطاء ما يلي: ١ - الاحتجاج بالقدر على المعايب والمعاصي: فبعض الناس إذا قيل له مثلًا: لم لا تصلي؟ فيقول: ما أراد الله أن أصلي، وهذا احتجاج باهت باطل، فإن الله قد جعل للعبد قدرة ومشيئة. ٢ - قول بعض الناس: إن الله على ما يشاء قدير، وهذا القول فيه إيهام، والأوْلى أن يقال: (إن الله على كل شيء قدير) لعموم قدرته لما شاءه وما لم يشأه، أشار إلى ذلك العلامة عبد الرحمن بن حسن، والعلامة محمد بن إبراهيم رحمهما الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]، فالقيد بـ (إذا يشاء) ليس متعلقًا بالقدرة وإنما يعود إلى الجمع في قوله جمعهم، والله إذا وصف نفسه بالقدرة لم يقيد ذلك بالمشيئة كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦].

стр. 67

٣ - قول بعض الناس إذا سمع بوفاة أحد: هل توفي بسبب أم قضاءً وقدرًا؟ وهذا خطأ، فالذي مات بسبب مات بقضاء الله وقدره، والذي مات بغير سبب فهو أيضًا بقضاء الله وقدره. ٤ - الاعتراض على الأقدار: كقول بعضهم إذا أصيب بمصيبة: ماذا فعلتُ يا ربي؟ أو أنا لا أستحق هذه العقوبة، وهذا من الاعتراض الذي لا يجوز، فالله له ما أخذ وله ما أعطى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ٥ - شق الجيوب ولطم الخدود والنياحة ورفع الصوت وكذلك حلق الشعر والدعاء بالويل إذا نزلت مصيبة: وقد وردت عدة نصوص تنهى عن ذلك منها: قوله ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (١). ٦ - قول كلمة (لو) عندما تحل مصيبة إذا كان الحامل على ذلك الضجر والحزن وضعف الإيمان بالقدر، وهذا من الأخطاء في باب القدر، وهو جهل ونقص في العقل، فالعبد مأمور عند المصائب بالصبر والاسترجاع والتوبة، وقول (لو) لا يجدي عليه إلا الحزن والتحسر، وقد نعى الله على المنافقين مقولتهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤].

стр. 68

ومقولة: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، فرد الله عليهم وعلى أمثالهم في الآية نفسها بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وسيأتي مزيد تفصيل في أحكام قول (لو) في شرح كتاب التوحيد. ٧ - قول كلمة (ليت): وهي من جنس كلمة (لو) فـ (لو) و (ليت) لا تجديان بعد حصول الأمر المقدر، بل الواجب حينئذٍ التسليم والإيمان بالله، والتعزي بقدره مع حسن الرجاء بثوابه، فذلك عين الفلاح في الدنيا والآخرة، وصدق من قال: ليت شعري وأين مني لَيْتُ ... إن ليتًا وإن لوًّا عناءُ ٨ - الدعاء بـ «اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه»: فهذا الدعاء خطأ والصواب أننا نسال الله رد القضاء كما في الدعاء المشهور: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ» (١)، و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ البَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» (٢)، وقد بوب البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: باب التعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفَلَق: ١، ٢]، ثم ساق قول النبي ﷺ : «تَعَوَّذُوا بِالله مِنْ جَهْدِ البَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ (٣)» (٤).

стр. 69

• المسألة الرابعة: الطوائف التي ضلت في باب القدر ؟ ضلَّ في هذا الباب طائفتان: الطائفة الأولى: القدرية: وهم الذين ينفون القدر. وأول من ابتدع هذه البدعة، معبد الجهني الذي تبرأ منه الصحابة ﵃ كعبد الله بن عمر ﵁ وغيره. وتبعه على هذا المذهب الباطل (عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء) وقد اعتزلا مجلس الحسن البصري حينما لم يقل الحسن بقولهما، ومن هذا الباب سموا معتزلة، وقال عنهم بعض الأئمة كقتادة: (أولئك معتزلة) والمعتزلة قدرية، ينفون القدر تبعًا للقدرية، والشيعة الزيدية قدرية تبعًا للمعتزلة. وهم نفاة مقتصدون، فقد أنكروا المشيئة وخلق الفعل، أما النفاة الغلاة فقد نفوا المرتبة الأولى وهي العلم. الطائفة الثانية: الجبرية: الذين يقولون: إن العبد ليس له اختيار ولا مشيئة، بل هو مجبور على أفعاله وأقواله، والجهمية جبرية في هذا الباب، وهم أتباع الجهم بن صفوان، وقد سبق أن رأس الجهمية هو (الجهم بن صفوان). والجبرية قسمان: ١. جبرية خالصة وهم الجهمية. ٢. جبرية غير خالصة وهم الأشاعرة والماتريدية.

стр. 70

ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا وَمُنْكَرًا ... ولا الحوْضَ وَالْمِيزَانَ إِنَّكَ تُنْصَحُ •---------------------------------• والفرق بين جبر الجهمية وجبر الأشاعرة: أن جبر الجهمية جبر خالص؛ لأنهم لا يثبتون للعبد فعلًا ولا قدرة أصلًا، وأما جبر الأشاعرة فهو جبر مبطن؛ لأنهم يثبتون للعبد قدرة لكنها غير مؤثرة وينسبون الفعل إليها وهذا هو الكسب عند الأشعري، والخلاف بينهم لفظي (١). • ما الفرق بين القدرية والجبرية ؟ كلاهما قد غلا في هذا الباب، فالقدرية غلوا في نفي القدر، والجبرية غلوا في إثبات القدر. والمذهب الحق في هذه المسألة: مذهب أهل السنة والجماعة الذين توسطوا وقالوا: إن العبد له مشيئة واختيار لكن تحت مشيئة الله تعالى، فالعبد ليس مستقلًا بمشيئته، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾: رد على الجبرية. وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: رد على القدرية. فالله أراد الخير والشر بمشيئته الكونية، ولم يرض من العبد الكفر والمعاصي شرعًا ودينًا (٢). •قوله: «ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا وَمُنْكَرًا * ولا الحوْضَ وَالْمِيزَانَ إِنَّكَ تُنْصَحُ» سبق الكلام عن هذه المسائل: منكر ونكير والحوض والميزان في شرح اللامية.

стр. 71

وقُلْ: يُخْرِجُ اللهُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِهِ ... مِنَ النَّارِ أجْسَادًا مِنَ الفَحْمِ تُطْرَحُ •---------------------------------• هذا البيت في مسألة عصاة المؤمنين وحكمهم في الآخرة، وعصاة المؤمنين كما لا يخفى هم: من كانوا موحدين لكن توحيدهم ناقص، ويشمل ذلك أهل الكبائر وغيرهم. ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهم تحت المشيئة إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، فهم مستحقون للعذاب، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. والخلاصة: أن مصير هؤلاء في النهاية دخول الجنة وعدم التخليد في النار أما الكفار والمشركون والمنافقون النفاق الأكبر المخرج من الملة فيخلدون في النار. • مسألة: ما الطوائف التي ضلت في مسألة عصاة المؤمنين ؟ ضل في هذا طائفتان: ١) الخوارج: الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويخرجونه من الملة، ويقولون: هو خالد مخلد في النار كالكافر، يعني: لا فرق بين إنسان عاق لوالديه وبين الكافر. ٢) المعتزلة: وهم الذين يخرجون العصاة من الإيمان ولا يدخلونهم في الكفر، ويقولون: لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، إن مات من غير توبة فهو مخلد في النار. وهاتان الطائفتان قد ضلتا في هذا الباب، وخالفوا بذلك القرآن، والرد عليهم في أربع كلمات من القرآن قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهذه الآية فيها الرد على هاتين الطائفتين.

стр. 72

عَلى النَّهْرِ فِي الفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ ... كَحِبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ إذْ جَاءَ يَطْفَحُ •---------------------------------• وجه الرد عليهم: أن ما دون الشرك تحت المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، وهذا لا يكون في حق الكفار، بل هو في حق عصاة المؤمنين. •قوله: «عَلى النَّهْرِ فِي الفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ» أي: العصاة يعذبون على قدر معاصيهم وذنوبهم إلى أن يصيروا فحمًا وحممًا، ثم هذه الأجساد تطرح على نهر الحياة في الفردوس فتحيا بمائه كما تنبت الحبة في حميل السيل. •قوله: «كَحِبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ» وفي بعض النسخ: «كَحِبة حِمْل السَّيْلِ» وهما بمعنى واحد، أي: الحبة التي يحملها السيل. والناظم في هذا البيت يشير إلى ما جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الجنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الجنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (١). والمعنى أن من شاء الله تعالى تعذيبهم من عصاة الموحدين يأذن الله تعالى بالشفاعة لهم بعد ما يكونون فحمًا فيجاء بهم جماعات، فيُلْقَوْن في نهر من أنهار الجنة يعرف بنهر الحياة، فإذا وضعوا في هذا النهر أحياهم الله كما تحيا البذرة التي تكون في مجرى السيل فتنبت وتكبر بعد ذلك، وبعد ما يطرحون في نهر الحياة تحيا أجسادهم وتنبت ثم إذا نقوا دخلوا الجنة، لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة نقية.

стр. 73

وإِنَّ رَسُولَ الله للخَلْقِ شَافِعٌ ... ................................... •---------------------------------• •قوله: «وإِنَّ رَسُولَ الله للخَلْقِ شَافِعٌ» في هذا البيت يتحدث الناظم عن الشفاعة التي تكون للنبي الكريم ﷺ . ولأهمية موضوع الشفاعة، ولأن أهل البدع خالفوا أهل السنة في هذه المسألة فسأفصل فيها: فالشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، ويطلق هذا التعريف على الشفاعة سواءٌ كانت في أمور الدنيا أو الآخرة. والشفاعة في الدنيا: تجري بين الناس وتكون حسنة وتكون سيئة، فالشفاعة لدى الآخرين من أجل تخليص الحقوق أو درء المظالم، أو نحو ذلك من حاجات الناس المباحة سعي مشكور وعمل مبرور، بخلاف الشفاعة في إبطال الحقوق أو إقرار الباطل، أو تعطيل حد، فجهد مذموم وعمل مردود. وقد دلت النصوص الشرعية على ما تقدم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. ومن الأدلة من السنة ما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ» (١).

стр. 74

وما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة، فقال: رسول الله ﷺ : «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله»، ثم قام فخطب، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحدَّ، وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (١). وأما الشفاعة في الآخرة: فقد تضافرت الأدلة على إثباتها وأنها تكون على أنواع، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع على إثباتها السلف الصالح أهل السنة والجماعة. وقد ورد لفظ الشفاعة وما اشتق منه في القرآن الكريم ستًّا وعشرين مرة، من ذلك قول الله في سورة البقرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وفي سورة الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وفي سورة يونس قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. وفي سورة طه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. وفي سورة النجم قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].

стр. 75

• ما الفرق بين ذكر الشفاعة في القرآن وذكرها في السنة ؟ تكرر ذكر الشفاعة كثيرًا في الأحاديث النبوية الشريفة، وإذا كان القرآن الكريم قد أكد الشروط والضوابط للشفاعة عند الله تعالى يوم القيامة، فإن السنة قد شرحت أنواع الشفاعة وصفتها، والشفعاء والمشفوع لهم. وأحاديث الشفاعة صحيحة وصريحة في إثبات الشفاعة يوم القيامة، وهي كثيرة جدًّا بلغت حد التواتر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده» (١). وأنشد بعضهم: مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ ... وَمَنْ بَنَى لله بَيْتًا وَاحْتَسَبْ وَرُؤْيةٌ شَفَاعَةٌ وَالْحَوْضُ ... وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ وهناك نماذج من أحاديث الشفاعة الثابتة عن رسول الله ﷺ منها ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ أن رسول الله قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢). وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... » (٣).
следующие страницы →