← Акыда

Акыда · id 145171

نثر الورود شرح حائية ابن أبي داود

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقُلْ: يُخْرِجُ اللهُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِهِ ... مِنَ النَّارِ أجْسَادًا مِنَ الفَحْمِ تُطْرَحُ •---------------------------------• هذا البيت في مسألة عصاة المؤمنين وحكمهم في الآخرة، وعصاة المؤمنين كما لا يخفى هم: من كانوا موحدين لكن توحيدهم ناقص، ويشمل ذلك أهل الكبائر وغيرهم. ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهم تحت المشيئة إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، فهم مستحقون للعذاب، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. والخلاصة: أن مصير هؤلاء في النهاية دخول الجنة وعدم التخليد في النار أما الكفار والمشركون والمنافقون النفاق الأكبر المخرج من الملة فيخلدون في النار. • مسألة: ما الطوائف التي ضلت في مسألة عصاة المؤمنين ؟ ضل في هذا طائفتان: ١) الخوارج: الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويخرجونه من الملة، ويقولون: هو خالد مخلد في النار كالكافر، يعني: لا فرق بين إنسان عاق لوالديه وبين الكافر. ٢) المعتزلة: وهم الذين يخرجون العصاة من الإيمان ولا يدخلونهم في الكفر، ويقولون: لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، إن مات من غير توبة فهو مخلد في النار. وهاتان الطائفتان قد ضلتا في هذا الباب، وخالفوا بذلك القرآن، والرد عليهم في أربع كلمات من القرآن قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهذه الآية فيها الرد على هاتين الطائفتين.

стр. 72

عَلى النَّهْرِ فِي الفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ ... كَحِبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ إذْ جَاءَ يَطْفَحُ •---------------------------------• وجه الرد عليهم: أن ما دون الشرك تحت المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، وهذا لا يكون في حق الكفار، بل هو في حق عصاة المؤمنين. •قوله: «عَلى النَّهْرِ فِي الفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ» أي: العصاة يعذبون على قدر معاصيهم وذنوبهم إلى أن يصيروا فحمًا وحممًا، ثم هذه الأجساد تطرح على نهر الحياة في الفردوس فتحيا بمائه كما تنبت الحبة في حميل السيل. •قوله: «كَحِبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ» وفي بعض النسخ: «كَحِبة حِمْل السَّيْلِ» وهما بمعنى واحد، أي: الحبة التي يحملها السيل. والناظم في هذا البيت يشير إلى ما جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الجنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الجنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (١). والمعنى أن من شاء الله تعالى تعذيبهم من عصاة الموحدين يأذن الله تعالى بالشفاعة لهم بعد ما يكونون فحمًا فيجاء بهم جماعات، فيُلْقَوْن في نهر من أنهار الجنة يعرف بنهر الحياة، فإذا وضعوا في هذا النهر أحياهم الله كما تحيا البذرة التي تكون في مجرى السيل فتنبت وتكبر بعد ذلك، وبعد ما يطرحون في نهر الحياة تحيا أجسادهم وتنبت ثم إذا نقوا دخلوا الجنة، لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة نقية.

стр. 73

وإِنَّ رَسُولَ الله للخَلْقِ شَافِعٌ ... ................................... •---------------------------------• •قوله: «وإِنَّ رَسُولَ الله للخَلْقِ شَافِعٌ» في هذا البيت يتحدث الناظم عن الشفاعة التي تكون للنبي الكريم ﷺ . ولأهمية موضوع الشفاعة، ولأن أهل البدع خالفوا أهل السنة في هذه المسألة فسأفصل فيها: فالشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، ويطلق هذا التعريف على الشفاعة سواءٌ كانت في أمور الدنيا أو الآخرة. والشفاعة في الدنيا: تجري بين الناس وتكون حسنة وتكون سيئة، فالشفاعة لدى الآخرين من أجل تخليص الحقوق أو درء المظالم، أو نحو ذلك من حاجات الناس المباحة سعي مشكور وعمل مبرور، بخلاف الشفاعة في إبطال الحقوق أو إقرار الباطل، أو تعطيل حد، فجهد مذموم وعمل مردود. وقد دلت النصوص الشرعية على ما تقدم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. ومن الأدلة من السنة ما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ» (١).

стр. 74

وما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة، فقال: رسول الله ﷺ : «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله»، ثم قام فخطب، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحدَّ، وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (١). وأما الشفاعة في الآخرة: فقد تضافرت الأدلة على إثباتها وأنها تكون على أنواع، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع على إثباتها السلف الصالح أهل السنة والجماعة. وقد ورد لفظ الشفاعة وما اشتق منه في القرآن الكريم ستًّا وعشرين مرة، من ذلك قول الله في سورة البقرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وفي سورة الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وفي سورة يونس قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. وفي سورة طه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. وفي سورة النجم قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].

стр. 75

• ما الفرق بين ذكر الشفاعة في القرآن وذكرها في السنة ؟ تكرر ذكر الشفاعة كثيرًا في الأحاديث النبوية الشريفة، وإذا كان القرآن الكريم قد أكد الشروط والضوابط للشفاعة عند الله تعالى يوم القيامة، فإن السنة قد شرحت أنواع الشفاعة وصفتها، والشفعاء والمشفوع لهم. وأحاديث الشفاعة صحيحة وصريحة في إثبات الشفاعة يوم القيامة، وهي كثيرة جدًّا بلغت حد التواتر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده» (١). وأنشد بعضهم: مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ ... وَمَنْ بَنَى لله بَيْتًا وَاحْتَسَبْ وَرُؤْيةٌ شَفَاعَةٌ وَالْحَوْضُ ... وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ وهناك نماذج من أحاديث الشفاعة الثابتة عن رسول الله ﷺ منها ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ أن رسول الله قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢). وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... » (٣).

стр. 76

وليس معنى ذلك أن النبي ﷺ ليس له إلا هذه الدعوة المستجابة، بل قال أهل العلم: «معناه دعوة أُعِلم أنها تستجاب لهم أي: للأنبياء ويُبْلَغ فيها مرغوبُهم» (١). ومن أحاديث الشفاعة ما جاء في الصحيحين أيضًا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي»، وذكر منها: «وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (٢). وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (٣). هذه نماذج من أحاديث الرسول ﷺ في الشفاعة. وأما الإجماع: فقد أجمع السلف الصالح من أهل السنة والجماعة على إثبات الشفاعة يوم القيامة وفق ما ورد في النصوص الشرعية من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. ولم ينكر الشفاعة أو بعض أنواعها إلا المبتدعة. قال أبو حاتم وأبو زرعة رحمهما الله تعالى: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... فكان من مذهبهم أن الشفاعة حق» (٤). ومن الشواهد أيضًا على اتفاق أهل السنة على إثبات الشفاعة يوم القيامة أن المصنفين من أئمة أهل السنة وعلمائهم الذين ألَّفوا كتبًا أو رسائل في العقيدة قد نصوا على الشفاعة وأثبتوها، ومنهم:

стр. 77

١ - ابن خزيمة في كتاب التوحيد. ٢ - أبو جعفر الطحاوي في عقيدته. ٣ - الآجري في الشريعة. ٤ - ابن بطة في الإبانة. ٥ - اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. ٦ - الصابوني في عقيدة السلف. ٧ - الأصبهاني في كتاب الحجة في بيان المحجة. وعند استقراء أحاديث الرسول ﷺ في الشفاعة يتبين أنها تتنوع من حيث الشفعاء، ومن حيث نوع الشفاعة، كما سيأتي. • أنواع شفاعة الرسول ﷺ -: النوع الأول: الشفاعة العظمى: وهي الشفاعة الأولى الخاصة بالنبي محمد ﷺ حينما يطول الموقف على الناس في الحشر ويشتد بهم الكرب وتدنو منهم الشمس وهم حفاة عراة ويأخذ منهم العرق كل مأخذ في هذا الموقف العظيم الذي قال الله عنه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، فيشفع النبي ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وذلك حين يتوسل الناس يوم القيامة إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم الصلاة والسلام من أجل الشفاعة عند الله ليقضي بين خلقه؛ فيتدافع الشفاعةَ بعد آدم أولو العزم عليهم الصلاة والسلام حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع عند ربه لأهل الموقف.

стр. 78

وهذه الشفاعة أعظم الشفاعات كلها؛ ولهذا تسمى الشفاعة العظمى، فهي شفاعة عامة لجميع أهل الموقف، على اختلاف أديانهم. وهذه الشفاعة هي المقام المحمود - على قول أكثر العلماء - الذي وعد الله نبيه محمدًا ﷺ في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ومما يدل على الشفاعة العظمى ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لحم»، وقال: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ (١)، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ الله مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ» (٢). وأخرج البخاري أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵂ أنه قال: «إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثًا (٣)، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلاَنُ اشْفَعْ، يَا فُلاَنُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ الله المَقَامَ المَحْمُودَ» (٤).

стр. 79

وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم، فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهش منها نهشة فقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ الله النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ الله عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ (١)

стр. 80

- فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ الله بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ الله، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» (١).

стр. 81

ولقد استدل ابن خزيمة بهذا الحديث على ثبوت الشفاعة العظمى لأهل الموقف لأجل الحساب. النوع الثاني: الشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها: جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (١). وفي مسلم أيضًا عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (٢). وهذان الحديثان ونحوهما تدل على أن النبي ﷺ أول الشفعاء لأهل الجنة في دخولها. ومن هذا الوجه فإن هذا النوع من الشفاعة خاص بالنبي ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه الشفاعة والتي قبلها: «وهاتان الشفاعتان خاصتان له ﷺ » (٣). وكما أن نبينا ﷺ أول من يستفتح باب الجنة فيفتح له، كما تقدم، فإن أول من يدخل الجنة من الأمم أمته ﷺ ، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنَّة ... » (٤).

стр. 82

النوع الثالث: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه: وهذه الشفاعة تكون من النبي ﷺ لعمه أبي طالب: ودليلها ما جاء في الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: «يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ (١) مِنْ نَارٍ، لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (٢). وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ» (٣). ويدل حديث العباس السابق أن سبب شفاعة الرسول ﷺ لعمه في تخفيف العذاب هو دفاعه عن الرسول ﷺ ونصرته له؛ ولذا كان أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (٤). وينبغي أن نعلم هنا أن هذه الشفاعة التي نفعت أبا طالب، مع كونه كافرًا؛ شفاعة تخفيف فقط، لا شفاعة إخراج من النار.

стр. 83

النوع الرابع: في رفع درجات من يدخل الجنة: والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وفيه أن رسول الله ﷺ بعث عمه أبا عامر ﵁ على جيش إلى أوطاس، فرمي أبو عامر بسهم في ركبته فقال لأبي موسى: يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي، ثم مات ﵁ ثم رجع أبو موسى إلى النبي ﷺ وأخبره خبر أبي عامر، وقال له: إن أبا عامر يقول لك: استغفر لي، فدعا رسول الله ﷺ بماء، فتوضأ منه، ثم رفع يديه، ثم قال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ - وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ - ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ، فَقُلْتُ: وَلِي، يَا رَسُولَ اللهِ فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا» (١). وقد استدل بهذا الحديث عدد من الأئمة كابن كثير (٢) وغيره، على هذا النوع من الشفاعة، والمقصود أن النبي ﷺ هنا دعا لأبي عامر في رفع درجته في الجنة. النوع الخامس: الشفاعة في دخول الجنة بلا حساب: يدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلاَءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ

стр. 84

لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (١). وفيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» فقام عكاشة ... الحديث (٢). النوع السادس: الشفاعة في أهل الكبائر: المراد بأهل الكبائر: العصاة من أهل التوحيد، الذين دخلوا النار بذنوبهم، فيشفع فيهم الرسول ﷺ وغيره لإخراجهم من النار بعد دخولها. يدل عليه حديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ الله، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ الله، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ،

стр. 85

وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أَوْ خَرْدَلَةٍ - مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ» (١). من يشفع غير النبي محمد ﷺ ؟ : الجواب: قد أعطى الله الشفاعة لغير محمد ﷺ كما جاءت بذلك النصوص، والذين يشفعون هم: ١ - الملائكة. ٢ - الأنبياء ﵈. ٣ - المؤمنون. ٤ - الشهداء. ٥ - أولاد المؤمنين، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: في أطفال المؤمنين الذين يموتون صغارًا: «صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ (٢) الْجَنَّةِ» (٣). ٦ - مما يشفع القرآن يشفع لصاحبه. ٧ - ومما يشفع أيضًا الصيام يشفع لصاحبه.

стр. 86

• هل زيارة قبر النبي ﷺ من أسباب الحصول على شفاعته ؟ جاءت أحاديث عديدة كحديث: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي»، وفي رواية: «حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وغيرها بألفاظ متعددة، وكلها أحاديث باطلة. • ويشترط في الشفاعة شرطان: الشرط الأول: إذن الله للشافع بالشفاعة: والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له: ولا يرضى الله إلا عن الموحدين، أما من كان كافرًا فلا تقبل فيه الشفاعة، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]. أما شفاعة النبي لعمه أبي طالب فهي خاصة، والشفاعة له ليست للإخراج من النار بل لتخفيف العذاب فقط. • مذهب الخوارج والمعتزلة في الشفاعة: الخوارج والمعتزلة أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، فمنعوا الشفاعة لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها (١). فعندهم أن من دخل النار فليس بخارج منها (٢). وقد أنكر الخوارج الشفاعة في أهل الكبائر في آخر عهد الصحابة ﵃، وأنكرها المعتزلة في عصر التابعين، وقالوا بخلود من دخل النار من عصاة الموحدين، الذين يشهدون أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول الله، وقد اشتهر عندهم أن أهل الكبائر لا يغفر الله لهم، ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها، لا بشفاعةٍ ولا غيرها (٣).

стр. 87

وزعموا أن من دخل جهنم يخلد فيها؛ لأنه إما كافر أو صاحب كبيرة مات بلا توبة (١). وقد أنكر الصحابة ﵃ على الخوارج هذا المذهب الباطل، وحدثوهم بما سمعوا من النبي ﷺ في ذلك (٢). • حجة المعتزلة والخوارج في إنكار الشفاعة لأهل الكبائر: احتج المعتزلة والخوارج على إنكار الشفاعة بآيات الوعيد الواردة في القرآن الدالة على عموم تعذيب أصحاب الذنوب والمعاصي في النار، وعدم إخراجهم منها، وأن هذا يدل على عدم ثبوت الشفاعة يوم القيامة لأهل العذاب. وقد انبنى هذا على مذهبهم المشهور في تخليد أصحاب الكبائر في النار إذا ماتوا من دون توبة. قال القاضي عبد الجبار أحد رؤوس المعتزلة: «دلت الدلالة على أن العقوبة تستحق عن طريق الدوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة النبي ﷺ »، وقال: «ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزُّمَر: ١٩]» (٣). ومن الآيات التي استدلوا بها أيضًا قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠].

стр. 88

............... ... وقُلْ في عَذابِ القَبْرِ حَقٌّ مُوَضَّحُ •---------------------------------• •قوله: «وقُلْ في عَذابِ القَبْرِ حَقٌّ مُوَضَّحُ» أي: قل بلسانك واعتقد بجنانك أن عذاب القبر حق لا ريب فيه ولا شك. وسبق الكلام عن عذاب القبر في شرح اللامية، ونضيف هنا بعض المسائل التي لم تذكر هناك. • عذاب القبر ونعيمه يلحق مَنْ قُبِر ومنْ لم يقبر: عذاب القبر ونعيمه ينالان كل من مات، ولو لم يدفن؛ فهو اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وسمي عذاب القبر باعتبار غالب الخلق؛ فالمصلوب والمحرق والمغرق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قِسْطُه الذى تقتضيه أعماله، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما. فحتى لو علق الميت على رؤوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسدَه من عذاب البرزخ حظُّه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسدَه من نعيم البرزخ ورَوْحه نصيبُه وحظه فيجعل الله النار على هذا بردًا وسلامًا والهواء على ذلك نارًا وسمومًا. فغير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها؛ لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود؛ فهذا المغمى عليه والسكير والمبهوت أحياء وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم، ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالًا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم أو اللذة (١).

стр. 89

ولاَ تُكْفِرَنْ أَهلَ الصَّلاةِ وإِنْ عَصَوْا ... فَكُلُّهُمُ يَعْصِي وذُو العَرْشِ يَصْفَحُ •---------------------------------• •قوله: «ولاَ تُكْفِرَنْ أَهلَ الصَّلاةِ وإِنْ عَصَوْا» أي: لا تعتقد تكفير أهل الصلاة، وإن عصوا بارتكاب الذنوب كبيرها وصغيرها. •قوله: «فَكُلُّهُمُ يَعْصِي وذُو العَرْشِ يَصْفَحُ» أي: كل العباد يقعون في المعاصي إلا من عصمه الله من المرسلين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والله يصفح ويعفو ويتجاوز عن ذنوب عباده تكرمًا منه وتفضلًا. وأراد الناظم بهذا البيت الرد على من ضل في عصاة الموحدين: وهم الخوارج الذين كفروا فاعل الكبيرة، ويشاركهم في ذلك المعتزلة، وإن كان المعتزلة لا يصرحون بلفظ التكفير لكن يوافقونهم في المصير الأخروي، وسبق معنا أن النصوص تدل على أن عصاة الموحدين تحت المشيئة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة: هو المذهب الوسط الحق، حيث لا يكفرون صاحب الكبيرة، كما أنهم أيضًا لا يقولون عنه كامل الإيمان كما يقوله المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية. • ماذا يقول أهل السنة عن مرتكب الكبيرة؟ يقولون: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويقولون أيضًا: هو تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. وبهذا يكون أهل السنة قد أعملوا جميع الأدلة التي تتعلق بالخوف والرجاء، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين أعملوا أدلة الخوف وأهملوا أدلة الرجاء، وخلافًا للمرجئة الذين أعملوا أدلة الرجاء وأهملوا أدلة الخوف.

стр. 90

ولَا تَعْتَقِدْ رَأْيَ الخوَارِجِ إِنَّهُ ... مَقَالٌ لَمَنْ يَهْوَاهُ يُرْدِي ويَفْضَحُ •---------------------------------• •قوله: «ولَا تَعْتَقِدْ رَأْيَ الخوَارِجِ إِنَّهُ» في هذا البيت صرح الناظم ﵀ بالتحذير من منهج الخوارج الذين خرجوا عن جادة الحق، وكان أول ظهور لهم في عهد علي بن أبي طالب حيث خرجوا عليه بدعوى أنه حَكَّم الرجال والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقد ناظرهم حبر الأمة ابن عباس ﵁ ورد عليهم هذه الشبهة من عدة أوجه: الوجه الأول: أن الله حَكَّم الرجال في الواجب على المحرم إذا صاد صيدًا، وهذا في قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. الوجه الثاني: أن الله حَكَّم الرجال في مسألة النشوز، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. ففي هاتين الآيتين حَكَّم الله الرجال للوصول إلى الحق، وهكذا فعل علي ﵁؛ ولهذا رجع من هؤلاء الخوارج أكثر من النصف بعد رد هذه الشبهة من ابن عباس ﵁. ومذهب الخوارج من أقسى المذاهب على المسلمين، قال شيخ الإسلام: «وقد اتفق أهل العلم أن أعظم السيوف التي سلت على أهل القبلة إنما هو من المنتسبين إليه، وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة» (١). وجاء الوعيد على التساهل في التكفير في الصحيحين من حديث أبي ذر: «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلَّا حَارَ عَلَيْهِ» (٢).

стр. 91

وهذه الجملة اشتملت على النهي عن رمى المسلم بالكفر أو الألفاظ التي تحمل هذا المعنى كقول القائل لأخيه المسلم: «يا عدو الله»، فهذا التكفير أو الرمي بهذه الألفاظ يعود إلى قائله إن لم يكن المرمي بذلك أهلًا لذلك، كما هو ظاهر الحديث. • قواعد مهمة في وسطية أهل السنة: القاعدة الأولى: أن أهل السنة والجماعة وسط في هذا الباب بين المكفرة وبين المرجئة، وسط بين من غلا في التكفير ومن غلا في الإرجاء، فمنهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله، فليسوا كالمكفرة الذين يكفرون بأهواء وجهل، وليسوا كالمرجئة الذين ينفون تكفير الكافر الذي كفره الله ورسوله. بل هم وسط بين هؤلاء وهؤلاء، كما هم وسط بين المذاهب الأخرى الضالة في أمور كثيرة، قال شيخ الإسلام في الواسطية عن أهل السنة: «وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية» (١). إذن، أهل السنة مذهبهم مذهب الاعتدال والوسط، فهم ليسوا كالحرورية الخوارج الذين يكفرون صاحب الكبيرة بمجرد ارتكابه للكبيرة.

стр. 92

وليسوا أيضًا كالمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، ويعدون مرتكب الكبيرة كامل الإيمان. وهذان المذهبان باطلان، والحق مذهب أهل السنة الذين كانوا وسطًا بين هؤلاء وهؤلاء، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن ناقص الإيمان ويقولون: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. القاعدة الثانية: أن أهل السنة لا يكفرون أحدًا بمجرد ارتكابه ناقضًا من النواقض، أو بمجرد أن يفعل كفرًا أو يقول كفرًا، لا يكفرون فاعل الكفر ولا قائل الكفر حتى تقوم عليه الحجة ويبين له الحكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى: «وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة» (١). ومن الذي يقيم الحجة على من وقع في الكفر؟ الجواب: هم أهل العلم الذين يعلمون الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهم الذين لديهم القدرة على إقامة الحجة، أما آحاد العوام الذين لا علم عندهم فهؤلاء ليسوا أهلًا لإقامة الحجة.

стр. 93

القاعدة الثالثة: من القواعد المهمة في هذا الباب: أنه ليس كل من فعل كفرًا حكم بكفره؛ لأنه قد يكون القول كفرًا أو الفعل كفرًا لكن لا يطلق على فاعله كافرٌ، لماذا؟ لأن من فعل ذلك قد يكون معذورًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده». ثم قال شيخ الإسلام: «وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مِتُّ فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له) ... »، إلى أن قال: «فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته ... بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك» (١). إذن قد يقع الإنسان في شيء كفري لكن لا يكفر؛ لأنه جاهل فيعذر بجهله، والأعذار كثيرة ذكر شيخ الإسلام منها ما يلي: أولاً: أن الإنسان قد يكون حديث عهد بإسلام. ثانيًا: ربما لا يكون حديث عهد، لكن تكون نشأته وحياته في البادية.

стр. 94

ثالثًا: ربما يعيش في الحاضرة وعند المتعلمين، لكن لم يسمع ببعض النصوص التي تدل على أن بعض الأعمال كفر. رابعًا: ربما سمع بهذه النصوص لكن لم تثبت عنده؛ لأنه يظنها ضعيفة. القاعدة الرابعة: يجب أن يُعلم أن أهل السنة يفرقون بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فيقولون: من فعل كذا أو قال كذا فهو كافر، فهذا هو التكفير المطلق، لكنه لا يستلزم تكفير المعين؛ لأنه قد يكون معذورًا كما سبق، يفعل كفرًا لكن لا يعلم أنه كُفْر، هذا هو الفرق بين التكفير المطلق والتكفير المعين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع» (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «مسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة» (٢). القاعدة الخامسة: ليس معنى التشديد في التكفير المعين عند أهل السنة، والاحتراز والاحتياط فيه؛ أنهم يوافقون المرجئة الذين لا يكفرون من كفره الله ورسوله، بل هم كما سبق وسط بين المكفرة وبين المرجئة، ولهذا نقل القاضي عياض إجماع السلف على تكفير من لم يكفر اليهود والنصارى أو شك في كفرهم، كما ذكر ابن تيمية ﵀ الإجماع على تكفير من ادعى الألوهية في علي وتكفير من لم يكفر من ادعى ذلك.

стр. 95

القاعدة السادسة: التكفير حكم شرعي وحق لله : يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس، كأبي إسحاق الإسفراييني ومن اتبعه، يقولون: (لا نكفر إلا من يُكَفِّر) فإن الكفر ليس حقًّا لهم، بل هو حق لله، وليس للإنسان أن يَكذب على من يكذب عليه، ولا يفعل الفاحشة بأهل من فعل الفاحشة بأهله، بل ولو استكرهه رجل على اللواطة، لم يكن له أن يستكرهه على ذلك، ولو قتله بتجريع خمر أو تلوط به لم يجز قتله بمثل ذلك؛ لأن هذا حرام لحق الله تعالى، ولو سب النصارى نبيَّنا، لم يكن لنا أن نسب المسيح، والرافضة إذا كفروا أبا بكر وعمر، فليس لنا أن نكفر عليًّا» (١). القاعدة السابعة: الأصل في المسلم العدالة: الأصل في المسلم العدالة وبقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم والمحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به. الثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالمًا منه، ففي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عمر ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (٢).

стр. 96

القاعدة الثامنة: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. قال ابن القيم ﵀: «أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص؛ فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أُخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له» (١). القاعدة التاسعة: جحد الأمر المجمع عليه، ليس كجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة: فإن جاحد الحكم المجمع عليه إنما يكفر إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة، وأما المجمع عليه الذي ليس معلومًا من الدين بالضرورة، فلا يكفر بإنكاره، مثل: (كون بنت الابن لها السدس مع البنت) مجمع عليه، وليس معلومًا بالضرورة فلا يكفر منكره. والذي يكفر جاحده إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم الشرك والزنا ونحو ذلك. •••

стр. 97

ولا تَكُ مُرْجيًّا لَعُوبًا بِدِينِهِ ... ألَا إِنَّمَا المُرْجِيُّ بِالدِّينِ يَمْزَحُ •---------------------------------• •قوله: «ولا تَكُ مُرْجيًّا لَعُوبًا بِدِينِهِ» حينما حذر الناظم من الطائفة الأولى الخوارج أراد أن يحذر من طائفة أخرى لا تقل خطرًا على المسلمين من الطائفة الأولى وهي المرجئة، وسموا بهذا الاسم؛ لأنهم أخروا الأعمال عن مسمى الإيمان، فاشتقاق المرجئة من الإرجاء وهو التأخير (١)، تأخير الأعمال عن مسمى الإيمان، فهم يقولون: الأعمال لا تدخل في الإيمان، وليس لها أي أثر فيه بمعنى أن العامل لا ينفعه عمله شيئًا ما دام قد آمن بقلبه. ونتيجة هذا القول أن من آمن بقلبه ولم يأت بشيء من الواجبات كالصلاة والزكاة فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن المرجئة ليسوا على درجة واحدة بل هم على درجات: - فمنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق (٢). - ومنهم من قال: الإيمان مجرد النطق (٣)، فالمنافقون عندهم مؤمنون، وإيمانهم كإيمان جبريل ﵇. - ومنهم من قال الإيمان مجرد المعرفة (٤) وهذا أقبح الأقوال؛ لأنه على هذا القول يدخل فرعون في الإيمان، وجاء صريحًا في القرآن أن فرعون يعرف هذه الحقيقة وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].

стр. 98

- ومنهم من يقول: الإيمان اعتقاد القلب وقول اللسان فقط، ولا تدخل الأعمال في حقيقة الإيمان، وهذا قول حماد بن أبي سليمان، وتلميذه أبي حنيفة وأتباعه، وهم من يسمون بـ (مرجئة الفقهاء)، وخلافهم مع أهل السنة لفظي من وجه، ومعنوي من وجه آخر، حيث منعوا الاستثناء في الإيمان، والزيادة والنقصان فيه (١). والمقصود أن المرجئة ضلوا في إخراج الأعمال من الإيمان أي أن الأعمال لا تزيد في الإيمان شيئًا، إذن الخوارج والمرجئة من أشد الطوائف خطرًا على المسلمين، وكثيرًا ما يحذر العلماء من هذا المذهب الفاسد. • موقف أهل السنة من المرجئة: قال إبراهيم النخعي ﵀ عن المرجئة: «لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة» (٢)، يعني بالأزارقة الخوارج. وقال أيضًا: «تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري (٣)» (٤). وقال الزهري: «ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على الملة من هذه» يعني: أهل الإرجاء (٥).

стр. 99

وقال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: «ليس من شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء» (١). ولهذا أفاض السلف في التحذير من مذهب الإرجاء وبيان المذهب الحق ودخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة البدن. فالعمل الظاهر لازم للعمل الباطن، فوجوده وجود للباطن، وانتفاؤه انتفاء للباطن. أدلة أهل السنة: دلَّ الكتاب والسنة والإجماع والعقل على دخول العمل في مسمى الإيمان وأنه ركن فيه لا ينفع الإيمان إلا به. أدلة الكتاب: تنوعت دلالة الكتاب على ركنية العمل ودخوله في مسمى الإيمان، فمن ذلك: أولًا: نفي الإيمان وإطلاق الكفر على من تولى عن الطاعة: كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].

стр. 100

وقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦]. وقوله تعالى على لسان موسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨]. قال شيخ الإسلام: «قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧]، والتولي: هو التولي عن الطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥، ١٦]» (١). قال شيخ الإسلام: «فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول ... ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق» (٢).

стр. 101

ثانيًا: أن الله تعالى قرن الإيمان بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من كتابه: فتارة يعلق عليهما دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. وكقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٧٢]. وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. قال ابن بطة ﵀: «فتفهموا رحمكم الله هذا الخطاب, وتدبروا كلام ربكم , وانظروا هل ميز الإيمان من العمل, أو هل أخبر في شيء من هذه الآيات أنه ورث الجنة لأحد بقوله دون فعله؟ ألا ترون إلى قوله : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٧٢] , ولم يقل: بما كنتم تقولون. وقال : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، ولم يقل: بما قالوا» (١).

стр. 102

وتارة يعلق عليهما المغفرة: كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٤٩، ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤]. وتارة يعلق عليهما تكفير السيئات: كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التغابن: ٩]. وتارة يعلق عليهما توفية الأجر: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧].

стр. 103

وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]. وهذا كله يدل على أن الإيمان والعمل الصالح سيَّان وقرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولا يصح أحدهما إلا بالآخر. قال الآجري ﵀: «اعلموا رحمنا الله وإياكم يا أهل القرآن ... إن تدبرتم القرآن، كما أمركم الله تعالى، علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله: العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم وأنهم قد رضوا عنه وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار، إلا بالإيمان والعمل الصالح وقرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده، حتى ضم إليه العمل الصالح، الذي قد وفقهم له ... واعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم أني قد تصفحت القرآن فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان به، والعمل الصالح، وهذا رد على من قال: الإيمان: المعرفة , ورد على من قال: المعرفة والقول، وإن لم يعمل نعوذ بالله من قائل هذا» (١).

стр. 104

ثالثًا: وعيد الله الشديد في القرآن لمن أضاع العمل: قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. استدل بهذه الآية ابن القيم على كفر تارك الصلاة وقال ﵀: «وجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار، ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]، فلو كان مضيع الصلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلًا للحاصل» (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والمراد بالإيمان في هذه الآية: الصلاة، قال الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان: باب الصلاة من الإيمان، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ثانيًا: الأدلة من السنة على أن العمل من الإيمان: - حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (٢). - وحديث عبد الله بن بريدة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٣).

стр. 105

- وحديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا الله فِي ذِمَّتِهِ» (١). وروي «أن عمر ﵁ لما طعن أخذته غَشْية، فقال بعض الصحابة: إنكم لن تفزعوه إلا بالصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، ففتح عينيه، وقال: أصلى الناس؟ قلنا: نعم، قال: أما إنه لا حظ في الإسلام لأحد أضاع الصلاة ثم صلى وجرحه يثعب دمًا» (٢). وكذلك روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء ﵃ أنهم قالوا: «من ترك الصلاة فقد كفر» وهذا حجة لمن قال العمل من الإيمان (٣). ولذا كان كثير من العلماء يذكرون باب ما جاء في ترك الصلاة أو كفر تارك الصلاة، ضمن كتاب الإيمان؛ فمن هؤلاء: - الإمام أبو عيسى الترمذي فقد قال في جامعه في أبواب الإيمان: باب ما جاء في ترك الصلاة، وضمنه الأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة (٤).

стр. 106

- ومنهم الإمام أبو بكر الآجري فقد عقد بابًا في كتابه الشريعة بعنوان: باب ذكر كفر من ترك الصلاة (١)، تحت تفريع معرفة الإيمان والإسلام وشرائع الدين. - ومنهم تلميذه الإمام أبو عبد الله بن بطة في كتابه الإبانة الكبرى، عقد في أبواب كتاب الإيمان بابًا في كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك (٢). - ومنهم الإمام اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة. وأما الإمام أبو داود السجستاني فقد عقد في كتاب السنة من سننه بابًا في رد الإرجاء (٣)، وذكر فيه حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ» (٤). ثالثًا: الإجماع: نقل إجماعَ أهل السنة على كفر تارك العمل بالكلية غيرُ واحد من سلف الأمة وأئمتها، فمنهم: - محمد بن إدريس الشافعي، حيث قال: «كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر» (٥).

стр. 107

- ومنهم الإمام العلامة أبو إبراهيم المزني المصري، حيث قال: «الإيمان قول وعمل مع اعتقاده بالجنان، قول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، وهما سيان ونظامان وقرينان لا نفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان» ثم ذكر سائر الاعتقاد، ثم قال: «هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى» (١). - والإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري، حيث قال: «باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح لا يكون مؤمنًا إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث» (٢). - والشيخ الإمام أبو عبد الله ابن بطة العُكْبَري، حيث قال: «باب بيان الإيمان وفرضه، وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الثلاث» (٣). - وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، حيث يرى أن إجماع الصحابة والتابعين ومن اتبعهم واقع على أن الإيمان نية وقول وعمل لا يجزئ واحد منها إلا بالآخر، وأن من آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام لا يكون مؤمنًا (٤).

стр. 108

- ومنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول: «لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا» (١)، فحكى ﵀ عدم الخلاف وهي من عبارات نقل الإجماع. - والشيخ سليمان بن سحمان، حيث قال: «اعلم أن من ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج فهو كافر بإجماع المسلمين» (٢). وقد توافرت النصوص عن الصحابة في إكفار تارك الصلاة ولم ينقل عن أحدهم خلاف ذلك: فعن أبي المليح الهذلي، قال: سمعت عمر ﵁ على المنبر يقول: «لا إسلام لمن لم يصلِّ» (٣). وقال أيضًا ﵁: «لا حظ في الإسلام لامرئ ترك الصلاة» (٤). وقال ابن مسعود ﵁: «من ترك الصلاة فلا دين له» (٥). وقال أبو الدرداء ﵁: «لا إيمان لمن لا صلاة له» (٦).

стр. 109

وقد نقل جماعة من أهل العلم إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة: - قال مجاهد بن جبر: قلت لجابر بن عبد الله ﵁: ما كان يَفْرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: «الصلاة» (١). وقوله: «عندكم» أي: عند الصحابة ﵃. - وقال عبد الله بن شقيق: «لم يكن أصحاب النبيِّ ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» (٢). - وقال الحسن البصري: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: «بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر» (٣). - وقال أيوب السختياني: «ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه» (٤). وسبب تكفير الصحابة لتارك الصلاة ظهور النصوص الدالة على ذلك ولأنه لا يمكن أن يوجد في القلب إيمان بلا عمل، قال شيخ الإسلام: «ثم القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح:

стр. 110

«أَلَا وَإِنَّ فِي الجسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١). وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده؛ فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده ... فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًّا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد» (٢). فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر. وقد تتابعت أقوال أئمة أهل السنة من بعد الصحابة في أن الإيمان لا يقوم إلا بالعمل، فمنهم: - عبيد بن عمير المكي، قال: «ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل وعمل يعمل» (٣).
следующие страницы →