← Акыда

Акыда · id 145172

غاية المريد شرح كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (563 стр.). Показаны 526–563 · переход к 531.

стр. 526

وقد امتنع الرسول ﷺ من الصلاة على الغال كما في حديث زيد بن خالد الجهني: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ الله. فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِى دِرْهَمَيْنِ» (١). (وَلَا تَغْدِرُوا) الغدر: الخيانة، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا إذا عاهدنا، فإنه يحرم الغدر، أما الغدر بلا عهد، فلنا ذلك؛ لأن الحرب خدعة، وقد ذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما أقبل الرجل على علي صاح به علي: ما خرجت لأبارز رجلين، فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده، فقتله علي ﵁. وليعلم أن لنا مع المشركين في الحرب ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد، وهم محاربون، فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك، فإن لم نقدر على ذلك وكان في المسلمين ضعف فهم معذورون لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 527

وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشركِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (أَوْ: خِلَالٍ)، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ, ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ. •---------------------------------• الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه، فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨]. الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه، فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. «وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»: أي: لا تقتلوا صغيرًا؛ لأنه لا يقاتل، ولأنه ربما يسلم (١). «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ»، أي: قابلته أو وجدته. «مِنَ المُشركِينَ» يدخل فيه كل الكفار، حتى اليهود والنصارى. «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ» فيه وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتلة، وهنا مسألة كبيرة وهي: هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم أو الحرب؟ اختلف العلماء في علاقة المسلمين بما لا عهد له من غير المسلمين على رأيين: الرأي الأول: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (٢)، ومن أبرز أدلتهم:

стр. 528

قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وغيرها من الآيات التي تأمر بقتال الكفار مطلقاً. الرأي الثاني: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وبهذا قال سفيان الثوري وسحنون من المالكية، ونسب لابن عمر ﵁، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. واستدل أصحاب هذا القول بعدد من الأدلة من أبرزها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو دعوتهم إلى دين الإسلام كمرحلة أولى لا يسبقها غيرها، بل هي البوابة لتحديد نوع العلاقة؛ لأن الأمة مخاطبة بنشر دينها وعقيدتها، ودعوة أمم الكفر لدين الإسلام (١).

стр. 529

ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله تَعَالَى الذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شيءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ. فِإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلهمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بالله وَقَاتِلْهُمْ. •---------------------------------• «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ» فيه ترغيب الكفار بعد إجابتهم وإسلامهم إلى الهجرة إلى ديار المسلمين؛ لأن الإقامة بالبادية ربما كان سببًا لعدم معرفة الشريعة لقلة من فيها من أهل العلم. «فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ»: أي لهم ما لهم من الفيء والغنيمة ونحو ذلك، وعليهم ما عليهم من الجهاد وغيره (١). «فِإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلهمُ الجِزْيَةَ ... إلخ» قال النووي ﵀: «هذا مما يستدل به مالك والأوزاعي وموافقوهما في جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيًّا كان أو عجميًّا كتابيًّا أو مجوسيًّا أو غيرهما. وقال الشافعي: لا يقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس عربًا كانوا أو عجمًا، ويحتج بمفهوم آية الجزية، وبحديث: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (٢)، (٣).

стр. 530

وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِن اجْعَلْ لهمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ. وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ الله، فَلَا تُنْزِلهمْ وَلَكِنْ أَنْزِلهمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصيبُ فِيهِمْ حُكْمَ الله أَمْ لَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. •---------------------------------• قال شيخنا ابن باز ﵀: «أي: أبوا الدخول في الإسلام والهجرة فاسألهم الجزية واقبل منهم، وهذا في اليهود والنصارى والمجوس كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فالسنة أطلقت من يؤخذ منهم الجزية، والقرآن قيد بأهل الكتاب، وألحقت السنة بأهل الكتاب المجوس في أخذ الجزية لا في حل الطعام والنساء وغيره» (١). «وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ»: الحصن كل مكان محمي محرز، لا يوصل إلى جوفه، أو لا يقدر عليه لارتفاعه (٢). «أَنْ تُخْفِرُوا»: بضم التاء وكسر الفاء: من أخفر الرباعي؛ أي: غَدَر، وأما خَفَر يَخفِر الثلاثي فهو بمعنى أجار، والمتعين الأول (٣).

стр. 531

بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِقْسَامِ عَلَى الله •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان ما جاء من الأدلة على تحريم الإقسام على الله، والمراد به الحلف على الله الذي يكون على جهة الحَجْر على الله، والتألِّي عليه، وذلك بالقطع بحصول المقسم على حصوله. وهذا يختلف عن الإقسام على الله إذا كان على جهة حسن الظن بالله تعالى، فهذا جائزٌ لا شيء فيه، ومنه حديث: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لَأَبَرَّهُ» (١) (٢). ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ الإقسام على الله إذا كان على وجه الحجر على الله، والتألِّي عليه: فهو من سوء الأدب مع الله تعالى، وسوء الظن به، والتنقص لحقه تعالى، والتحجير لفضله، وهذا كله منافٍ لكمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد (٣). ووجه ارتباط الباب بما قبله: أنها كلها تتكلم عن تعظيم الحلف بالله تعالى، وتعظيم جناب الله تعالى في هذا الشأن. والإقسام: مصدر أقسم يقسم إذا حلف. والحلف له عدة أسماء، هي: يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، وقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: يحلفون، وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: ٥٣].

стр. 532

والقسم على الله يأتي على أنواع: الأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به ورسوله، مثل: والله، ليُشفِّعنَّ الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله، لا يغفر الله لمن أشرك به. الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه، فهذا جائز لإقرار النبي ﷺ ذلك في قصة الرُّبَيِّع بنت النضر عمة أنس بن مالك ﵁ «حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال: أتكسر ثنية الربيع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول ﷺ : يا أنس! كتاب الله القصاص» (١)، يعني: السن بالسن. قال: «والله، لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع»، وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك، فلما سمع القوم ذلك، رضوا وعفوا، فقال رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». القسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجُّر فضل الله وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك أن يحبط الله عمل هذا المقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله (٢).

стр. 533

عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «قَالَ رَجُلٌ: والله لَا يَغْفِرُ الله لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللهُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. •---------------------------------• حديث جندب رواه مسلم (١) كما أشار المؤلف، وجندب: بفتح الدال، ويجوز الضم. والمراد به: جندب بن عبد الله البجلي، صحابي جليل، ﵁ (٢). «قَالَ رَجُلٌ»: يعني: ممن كان قبلنا من الأمم (٣). «يَتَأَلَّى»: التألي من الألية-بتشديد الياء-، وهي: اليمين، يقال: آلى، يؤلي، إيلاء، وتألى يتألى، والاسم الألية، والاستفهام هنا استفهام استنكار (٤). وعلاقة الحديث بكتاب التوحيد أنه دل على تحريم الإقسام على الله على وجه الحجر على الله والإعجاب بالنفس؛ لأن في ذلك هضما لحقوق الربوبية والإلهية، وذلك مناف للتوحيد.

стр. 534

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ القَائِلَ رَجُلٌ عَابِدٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. •---------------------------------• حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد وغيرهما (١)، وإسناده حسن. «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ»: يعني في الحديث الذي أشار إليه المؤلف ﵀ (٢).

стр. 535

«تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ»: يعني قوله: والله؛ لا يغفر الله لك. «أَوْبَقَتْ»: أي: أهلكت. «دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ»: لأن من حبط عمله؛ فقد خسر الدنيا والآخرة (١). وفي الأثر من الفوائد: ١. تحريم التألي على الله. ٢. وجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال. ٣. بيان سعة فضل الله ورحمته. ٤. قد يحبط العمل من أجل كلمة. ٥. تحريم تحجير فضل الله ورحمته. ٦. ذم الإعجاب بالنفس واستكثار العمل.

стр. 536

بَابٌ لا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى خَلْقِهِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان النهي عن الاستشفاع بالله على خلقه، ومعنى الاستشفاع بالله على خلقه: أن يجعل الله واسطة يتوسط بها العبد على أحد من الخلق عند طلب شيء منه؛ وذلك أمرٌ محرمٌ يجعل الله في مرتبةٍ أدنى من مرتبة المشفوع إليه، وهذا تنقصٌ لحق الربوبية (١). وقوله: (بَابٌ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى خَلْقِهِ) أي أن ذلك حرام، وهضم للربوبية، وقدح في توحيد العبد، فالله سبحانه هو الكبير المتعال، والاستشفاع طلب الشفاعة، وهي لا تطلب إلا من العلي الأعلى جل وعلا، فلا يجوز للعبد أن يطلب من الله الشفاعة إلى أحد من خلقه. معنى الشفاعة واستشفع بالشيء؛ أي: جعله شافعًا له، والشفاعة في الأصل: جعل الفرد شفعًا، وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه (٢). وعلاقة الباب بما قبله: أن الإقسام على الله على جهة التألي والاستشفاع بالله على أحدٍ من خلقه من بابٍ واحدٍ وهو سوء الأدب مع الله، وسوء الظن به، والاستنقاص لمقام الربوبية. قال السعدي: «(باب الإقسام على الله)، و (باب لا يستشفع بالله على خلقه) وهذان الأمران من سوء الأدب في حق الله، وهو مناف للتوحيد. أما الإقسام على الله فهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه، ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله.

стр. 537

عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نُهِكَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ العِيَالُ وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ, فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ وَبِكَ عَلَى الله، فَقَالَ النَّبِيُّ? : «سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اللهُ؟ إِنَّ شَأْنَ الله أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بالله عَلَى أَحَدٍ» وَذَكَرَ الحَدِيثَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. •---------------------------------• وأما الاستشفاع بالله على خلقه فهو تعالى أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه؛ لأن رتبة المتوسل به غالبًا دون رتبة المتوسل إليه، وذلك من سوء الأدب مع الله، فيتعين تركه، فإن الشفعاء لا يشفعون عنده إلا بإذنه، وكلهم يخافونه، فكيف يعكس الأمر فيُجْعَل هو الشافع، وهو الكبير العظيم الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الكائنات بأسرها» (١). «عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ ... » الحديث عند أبي داود وغيره (٢)، وإسناده ضعيف.

стр. 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 539

«جَاءَ أَعْرَابِيٌّ»: (أعرابي): واحد الأعراب، وهم سكان البادية، والغالب على الأعراب الجفاء؛ لأنهم أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله (١). «نُهِكَتِ الأَنْفُسُ»: (نُهِكَت) بضم النون أي جهدت، كما في بعض الألفاظ (٢). وفي رواية البخاري عن أنس: «هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَت السُّبُلُ» (٣) وفي لفظ له: «هَلَكَ الْكُرَاعُ» (٤) أي: الخيل، وله أيضًا: «هَلَكَتْ الْمَاشِيَةُ هَلَكَ الْعِيَالُ هَلَكَ النَّاسُ» (٥). «فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ»: أي: اطلب من الله أن يسقينا، وهذا لا بأس به؛ لأن طلب الدعاء ممن ترجى إجابته من وسائل إجابة الدعاء. «فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ»: أي: نجعله واسطة بيننا وبينك لتدعو الله لنا، وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول ﷺ (٦). «وَبِكَ عَلَى الله»: أي: نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عند الله، فتدعو الله لنا، وهذا صحيح (٧).

стр. 540

«سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله! »: يعني: تنزيهًا، وتعظيمًا لله، وإبعادًا لله عن كل وصف سوء أو شائبة نقص، وعن كل ظن سوء به - جل وعلا (١). «ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! »: (ويحك): كلمة تقال للزجر (٢). «أَتَدْرِي مَا اللهُ؟ »: هذا استنكار من النبي ﷺ ، وفيه إشارة إلى جهل هذا الأعرابي وقلة علمه بعظمة الله وجلاله (٣). «إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بالله عَلَى أَحَدٍ»: أي: لا يطلب منه أن يكون شفيعا إلى أحد، وذلك لكمال عظمته وكبريائه (٤). والخلاصة: تحريم الاستشفاع بالله على خلقه ؛ لأنه تنقص لمقام الربوبية.

стр. 541

بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِمَى التَّوْحِيدِ وَسَدِّهِ طُرُقَ الشركِ •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان مدى حماية النبي ﷺ لِحِمَى التوحيد عَمَّا يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص، وسده لذرائع الشرك المفضية إليه (١). ومناسبة الباب للأبواب قبله: أنه قد سبق بابٌ مشابهٌ لهذا الباب وهو (باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك)، فما الفرق بين البابين؟ الفرق بين البابين يتضح من وجهين: الوجه الأول: أَنَّ الباب السابق المتقدم يتعلق بحماية التوحيد من جهة الأفعال، وهذا من جهة الأقوال (٢). الوجه الثاني: أَنَّ المؤلف عبَّر في الباب السالف بـ (جناب التوحيد)، وهنا بـ (حمى التوحيد) وفرقٌ بين الجناب والحمى؛ لأن الجناب بعض الشيء، والحمى حول الشيء، ففي الباب الآنف أراد المصنف بيان حماية النبي ﷺ للتوحيد نفسه من أن يقع فيه شركٌ. وهنا أراد بيان حماية النبي ﷺ لحمى التوحيد: أي الأشياء التي هي حول التوحيد، وذلك بعد حمايته للتوحيد (٣).

стр. 542

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخِيرِ ﵁ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْنَا: أَنْتَ سيدُنَا، فَقَالَ: «السيدُ الله ﵎»، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشيطَانُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. •---------------------------------• حديث عبد الله بن الشخير عند أبي داود كما قال المصنف وعند غيره (١)، وإسناده صحيح.

стр. 543

«السيدُ الله ﵎»: أي: السيادة الكاملة لله تعالى، وأن الخلق جميعهم عبيد له، والسيد إذا أُطْلِقَ على الله تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب، وقد سبق الكلام فيما يتعلق بذلك في قوله: (لا يقول: عبدي وأمتي). قوله: (تبارك) قال العلماء: معنى تبارك، أي: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يوصف به إلا الله، فلا يقال: تبارك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله. والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان إذا كان أهلًا لذلك، قال أسيد بن حضير حين نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (١)، وهو دليل على جواز قول: (هذه من بركاتك)، و (لأجلك كانت البركة)، وما سوى ذلك مما هو دارج على ألسنة الناس، وقد أخبر النبي ﷺ أن المسلم مبارك كما جاء في صحيح البخاري (٢): «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ». «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشيطَانُ»: استجراه بمعنى: جذبه وجعله يجري معه؛ أي: لا يستميلنكم الشيطان ويجذبنكم إلى أن تقولوا قولا منكرا؛ فأرشدهم ﷺ إلى ما ينبغي أن يفعل، ونهاهم عن الأمر الذي لا ينبغي أن يفعل؛ حماية للتوحيد من النقص أو النقض. وقال في النهاية: «لا يستجرينكم الشيطان»؛ أي: لا يستغلبنكم فيتخذكم جَرِيًّا؛ أي: رسولا ووكيلا (٣).

стр. 544

وهل يتعارض النهي عن قولهم: (سيدنا) مع قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم)؟ قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «جرى شُرَّاح هذا الحديث على أن النبي ﷺ نهاهم عن قول سيدنا، فحاولوا الجمع بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» (١)، وقوله: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (٢)، وقوله في الرقيق: «وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ» بواحد من ثلاثة أوجه: الأول: أن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز. الثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة، وهي التدرج إلى الغلو والإباحة إذا لم يكن هناك محذور. الثالث: أن النهي في الخطاب، أي: أن تخاطب الغير بقولك: أنت سيدي أو سيدنا، بخلاف الغائب؛ لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو وترفع، ثم إن فيه شيئًا آخر، وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له بخلاف ما إذا جاء من الغير، مثل: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»، أو على سبيل الغيبة، كقول العبد: قال سيدي ونحو ذلك، لكن هذا يرد عليه إباحته ﷺ للرقيق أن يقول لمالكه: سيدي. والذي يظهر لي أن لا تعارض أصلًا؛ لأن النبي ﷺ أذن لهم أن يقولوا بقولهم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشيطان بالغلو مثل (السيد)؛ لأن السيد المطلق هو الله تعالى، وعلى هذا فيجوز أن يقال: سيدنا وسيد بني فلان ونحوه.

стр. 545

وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ الله يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا, وَسيدَنَا وَابْنَ سيدِنَا، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشيطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. •---------------------------------• ولكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلًا لذلك، أما إذا لم يكن أهلًا كما لو كان فاسقًا أو زنديقًا، فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض أنه أعلى منه مرتبة أو جاهًا، وقد جاء في الحديث: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ » (١)، فإذا كان أهلًا لذلك وليس هناك محذور، فلا بأس به، وأما إن خشي المحذور أو كان غير أهل، فلا يجوز» (٢). «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَاسًا قَالُوا ... » الحديث عند النسائي وغيره (٣)، وإسناده صحيح.

стр. 546

«وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشيطَانُ»: أي يستهِيمَنَّكم، أو يستَمِيلَنَّكم أو يذهب بعقولكم، أو يزين لكم هواكم، وتتبعوا طرقه حتى تبلغوا الغلو (١). و(يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ): إما أن تكون من الهُوَى: بمعنى يوقعكم في الهوى الذي يضل عن سبيل الله، أو (يستهوينكم): من الهَوِي وهو: الوقوع في الهلاك، أي: لا يوقعكم الشيطان في الضلال (٢). «أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ»: «أرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبودية، وقد وصفه الله بهما في مواضع من كتابه» (٣).

стр. 547

وهذان الوصفان أحسن وأبلغ وصف يتصف به الرسول ﷺ ، ولذلك وصفه الله تعالى بالعبودية في أعظم المقامات، فوصفه بها في مقام إنزال القرآن عليه، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. ووصفه بها في مقام الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، ووصفه بها في مقام المعراج، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ووصفه في مقام الدفاع عنه والتحدي، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. وكذلك بالنسبة للأنبياء، قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الأسراء: ٣]، وهذه العبودية خاصة، وهي أعلى أنواع العبودية الخاصة. «وقد تطرف في الرسول ﷺ طائفتان: - طائفة غلت فيه حتى عبدته، وأعدته للسراء والضراء، وصارت تعبده وتدعوه من دون الله، وهم غلاة الرافضة، والمتصوفة. - وطائفة كذبته، وزعمت أنه كذاب، ساحر، شاعر، مجنون، كاهن، ونحو ذلك، وهم المشركون، والمنافقون. وفي قوله: (عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ) رد على الطائفتين» (١).

стр. 548

«مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ »: هذا بيان الحكمة في منعه ﷺ ؛ أنه خشي عليهم في مدحهم له أن يرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله وهي العبودية والرسالة، لئلا يعتقدوا فيه جانب الربوبية، كما حصل للنصارى في حق عيسى ﵊ (١). قال الشيخ ابن باز ﵀: «والمقصود من هذا سد الذرائع التي يأتي بها الناس الآن من الغلو؛ فقد يجرهم إلى أن يعبدوه من دون الله ويدعوه ويستغيثوا به ويزعموا أنه يعلم الغيب وغير ذلك» (٢). والخلاصة: «أنه ﷺ نهى أن يُمدح بغير ما وصفه الله به؛ صيانةً للتوحيد، وسدًّا لباب الغلو المُفضي إلى الشرك» (٣).

стр. 549

بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الآية. •---------------------------------• مقصود الترجمة: بيان أن الناس مِن ظلمهم وجهلهم ما قدروا الله حق قدره الذي هو أهله ويستحقه، بل إنهم فعلوا به تعالى نقيض ما هو لازم عليهم، عقلًا، ونقلًا، وأصلًا، وفرعًا (١). وقد «ختم المصنف -رحمه الله تعالى- كتابه بهذه الترجمة، وذكر النصوص الدالة على عظمة الرب العظيم وكبريائه، ومجده وجلاله وخضوع المخلوقات بأسرها لعزه؛ لأن هذه النعوت العظيمة والأوصاف الكاملة أكبر الأدلة والبراهين على أنه المعبود وحده، المحمود وحده، الذي يجب أن يذل له غاية الذل والتعظيم وغاية الحب والتأله، وأنه الحق وما سواه باطل، وهذه حقيقة التوحيد ولبه وروحه، وسر الإخلاص» (٢). و«من علم حقيقة ما اشتمل عليه هذا الباب من وصف الله جل وعلا وعظمة الله جل وعلا فإنه لا يملك إلا أن يذل ذلًّا حقيقيًا، ويخضع خضوعًا عظيمًا للرب ﷻ » (٣). ومناسبة الباب للأبواب قبله: أن «هذا الباب ختم به المؤلف ﵀ أبواب (كتاب التوحيد)، لأنه يشتمل على الأسماء والصفات، لأن (كتاب التوحيد) كله يدور على توحيد الألوهية، ومكملاته ومنقصاته ومناقضاته.

стр. 550

وفي هذا الباب ذكر الأسماء والصفات من أجل أن يتكامل هذا الكتاب فيحتوي على جميع أنواع التوحيد، لأن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، ومن جملة توحيد الربوبية: الإيمان بالأسماء والصفات، ولكن فصلت الأسماء والصفات بقسم خاص لوجود المخالفين فيها؛ من فرق الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن أخذ بمذهبهم ... ؛ ولذلك عقد المصنف ﵀ هذا الباب في آخر (كتاب التوحيد) من أجل تكامل الكلام على التوحيد» (١). ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِي﴾: الضمير يعود على المشركين، و (قدروا): عظموا؛ أي: ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أشركوا به ما كان من مخلوقاته (٢). وقد جاءت أحاديث كثيرة فيها بيان عظمة الجبار سبحانه منها: - عن عبيد الله بن مقْسَمٍ، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَوَاتِه وأرْضَهُ بِيَدَيْه» وقبض رسول الله ﷺ يديه، وجعل يقبضهما ويبسطهما، قال: ثمَّ يَقُولُ: «أنا الرَّحْمَنُ أنا المَلِك، أيْنَ الجَبَّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ» وتمايل رسول الله ﷺ عن يمينه، وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرَّك من أسفل شيء منه، حتى إني

стр. 551

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ... •---------------------------------• لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ (١). - وعن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : «يَقْبِضُ الله الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَطْوِي السموات بيَمينهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟ » (٢). وهذا يشمل كل من تنقص الله تعالى فإنه ما قدره حق قدره، فيدخل في ذلك الجاحدون المعطلون الذين ينفون وجود الله تعالى. «﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾»: أي: عن كل شرك يشركونه به، سواء جعلوا الخالق كالمخلوق أو العكس (٣). حديث ابن مسعود أخرجه البخاري ومسلم (٤) كما أشار المؤلف. «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ»: والحبر: -بفتح الحاء وكسرها- واحد أحبار اليهود، هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، وسمي حبرًا لما يبقى من أثر علومه في قلوب الناس، وآثار أفعاله الحسنة المقتدى بها (٥).

стр. 552

فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ِإنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَواتِ عَلَى إِصْبَعٍ, وَالأَرَضينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ, وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذَهُ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا اللهُ». •---------------------------------• قوله: (إصبع) واحدة الأصابع، وهي مثلثة الأول والثالث، ففيها تسع لغات، والعاشر أصبوع، وفي هذا يقول الناظم: وهمز أنملة ثلث وثالثه ... التسع في إصبع واختم بأصبوع قوله: (فيقول: أنا الملك) فملك الله تعالى متضمن لكمال السلطان والتدبير والملك، بخلاف غيره، فإن من ملوك الدنيا من يكون ملكًا لا يملك التصرف، ومنهم المالك وليس بملك. قوله: (حتى بدت نواجذه) أي: ظهرت، ونواجذ: جمع ناجذ، وهو أقصى الأضراس. وهذا الضحك من النبي ﷺ تقرير لقول الحبر، ولهذا قال ابن مسعود: «تصديقًا لقول الحبر». ومن فوائد الحديث: إثبات الأصابع لله لإقراره ﷺ هذا الحبر على ما قال. والإصبع إصبع حقيقي يليق بالله ، من غير تشبيه أو تمثيل، وغير تأويل أو تعطيل.

стр. 553

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَع، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ». أَخْرَجَاهُ وَلِمُسْلِمٍ عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، ............................. •---------------------------------• وقوله: (على إصبع) فيه إثبات صفة الأصابع لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. قوله: «وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ ... » (١): فيه زيادة على الحديث الأصل: وهي زيادة وضع الجبال مع الشجر. «يَهُزُّهُنَّ»: يحركهن . «وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى ... » (٢): فيه مخالفة لحديث الباب الأصل، الذي فيه: «وَالمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ, وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ»، بينما هنا: الماء والثرى على إصبعٍ واحدٍ. والجواب: يُقال: المراد بالماء والثرى: الأرض، والمراد بالإصبع هنا الجنس، أو يقال: إن الماء والثرى على إصبع، وسكت عن الباقي الذي في الحديث السابق. «ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ»: يقول ذلك ثناء على نفسه سبحانه، وتنبيها على عظمته الكاملة وعلى ملكه الكامل، وهو السلطان، فهو مالك ذو سلطان ... أي: أنا الذي لي الملكية المطلقة والسلطان التام لا ينازعني فيهما أحد (٣).

стр. 554

أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضينَ السَبْعَ, ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ». •---------------------------------• «أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ »: الاستفهام للتحدي، فيقول: أين الملوك الذين كانوا في الدنيا لهم السلطة والتجبر والتكبر على عباد الله؟ (١). «ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضينَ السَبْعَ»: قال النووي ﵀: «قال القاضي: وفي هذا الحديث ثلاثة ألفاظ: يقبض، ويطوي، ويأخذ، كله بمعنى الجمع؛ لأن السموات مبسوطة، والأرضين مدحوة وممدودة» (٢). وقد أشار الله في القرآن إلى أن الأرضين سبع، ولم يرد العدد صريحا في القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، والمماثلة هنا لا تصح إلا في العدد، لأن الكيفية تتعذر المماثلة فيها، وأما السنة، فقد صرحت في عدة أحاديث بأنها سبع (٣). «ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ»: أجمع العلماء على إثبات اليدين لله تعالى، ولكنهم اختلفوا في إثبات الشمال له سبحانه: فمنهم مَن قال: ليس لله يد شمال، بل كلتا يديه يمين، واستدل بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» (٤)، وحكم على رواية الباب بالشذوذ، وعضد ذلك بأن الشمال في المخلوق أضعف من اليمين، ويد الله تتنزه عن النقص.

стр. 555

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَا السَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ». •---------------------------------• وقال آخرون من أهل التحقيق: بل لله تعالى يدٌ شمالٌ، وقد صح الحديث بذلك فيجب المصير إليه، ولا ينبغي تضعيف رواية الثقات الأثبات، وجمعوا بين حديث الشمال ورواية: «وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» بأن اليد اليمنى والشمال لله تعالى على درجة واحدة من القوة ولا ضعف في الشمال كما هو عند المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وهذا هو الأقرب والله أعلم (١). «أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ »: الجبارون: جمع جبار، وهو المتعالي على الناس بالقهر والغلبة والظلم والبطش بغير حق. أما الجبار من أسمائه سبحانه، فمعناه: المتعالي بحق. «أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ »: جمع متكبر، والمتكبر من الخلق هو: المتعالي، الذي يتعالى على الناس بالظلم والبطش، وكذلك يتعالى على الحق فلا يقبله. والمتكبر من أسماء الله الحسنى الكاملة يدل على العظمة والجلال والتنزه عن النقائص (٢). «وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ ... » الأثر عند عبد الله بن أحمد في السنة (٣)، وهو موقوف على ابن عباس، وإسناده ضعيف (٤).

стр. 556

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ, أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسي إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ». •---------------------------------• «إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ»: هي حبة نبات صغيرة جدًّا، يضرب بها المثل في الصغر والقلة، وهذا يدل على عظمته سبحانه، وأنه سبحانه لا يحيط به شيء، والأمر أعظم من هذا التمثيل التقريبي، لأنه تعالى لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفهام (١). «وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ ... » الحديث رواه ابن جرير في تفسيره (٢)، وإسناده ضعيف جدًّا (٣). «سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ»: (تُرْس) -بضم التاء- القاع المستدير المتسع الأطلس (٤)، أو شيء من جلد أو خشب أو فولاذ يحمل عند القتال يتقى به السيف والرمح ونحوهما (٥).

стр. 557

قَالَ: وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَا الكُرْسي فِي العَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ». وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، •---------------------------------• «قَالَ: وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁» حديث أبي ذر رواه ابن جرير في تفسيره (١)، وإسناده ضعيف جدًّا (٢). «بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ»: الفلاة الصحراء الواسعة، أو المفازة لا ماء فيها، أو القفر (٣). «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ ... » الأثر موقوف على ابن مسعود، وقد رواه عدد من الأئمة (٤)، وإسناده حسن، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي.

стр. 558

وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسي خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسي وَالمَاءِ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَالعَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ، •---------------------------------• «واللهُ فَوْقَ العَرْشِ»: فيه إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه. وعلو الله ينقسم إلى قسمين: أ) علو الصفة، وهذا لا ينكره أحد ينتسب للإسلام، والمراد به كمال صفات الله، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].

стр. 559

لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ الله. وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ المَسْعُودِِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله. قَالَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- قَالَ: وَلَهُ طُرُقٌ. •---------------------------------• ب) علو الذات، وهذا أنكره بعض المنتسبين للإسلام، فيقولون: كل العلو الوارد المضاف إلى الله المراد به علو الصفة، فيقولون في قوله ﷺ : «وَالله فَوْق الْعَرْش»، أي: في القوة والسيطرة والسلطان، وليس فوقه بذاته. ولا شك أن هذا تحريف في النصوص وتعطيل في الصفات. والذين أنكروا علو الله بذاته انقسموا إلى قسمين: أ) من قال: إن الله بذاته في كل مكان، وهذا لا شك ضلال مقتض للكفر. ب) من قال: إنه لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل بالخلق ولا منفصل عن الخلق، وهذا إنكار محض لوجود الله والعياذ بالله، ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا: صفوا العدم، ما وجدنا أبلغ من هذا الوصف. ففروا من شيء دلت عليه النصوص والعقول والفطر إلى شيء تنكره النصوص والعقول والفطر. «لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ» «يشمل أعمال القلوب وأعمال الجوارح المرئي منها والمسموع، وذلك لعموم علمه وسعته، وإنما أتى بذلك بعد ذكر علوه ليبين أن علوه لا يمنع علمه بأعمالنا، وهو إشارة واضحة إلى علو ذاته ﵎» (١).

стр. 560

وَعَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَيْنَهُمَا مَسيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالعَرْشِ بَحْرٌ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، واللهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. •---------------------------------• حديث العباس عند أبي داود وغيره (١).

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإسناده ضعيف جدًّا (١).

стр. 562

وخلاصة دلالات الأحاديث السابقة: ١. أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. ٢. أن ما بين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام. ٣. أن كِثَف (غِلَظ) كل سماء خمسمائة عام. ٤. أن بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام. ٥. أن بين الكرسي والماء خمسمائة عام. ٦. أن البحر الذي فوق السموات بين أسلفه وأعلاه خمسمائة عام. ٧. أن العرش فوق الماء. ٨. أن الله تعالى فوق العرش، وأنه تعالى مطلع على عباده، يعلم ما هم عاملون ولا يخفى عليه شيء من ذلك. ٩. وقال الشيخ ابن باز ﵀: «فيه الدلالة على ارتفاع هذه المخلوقات وسعة ما بينها من المسافات العظيمة، وربك الخلاق جلَّ وعلا فهو أعظم منها وأكبر » (١).

стр. 563

والله أعلم. وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالِمَينَ, وَصَلَّى اللهُ عَلَى سيدِنَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ, وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. •---------------------------------• وإلى هنا انتهى شرح كتاب التوحيد، شرحته شرحًا موجزًا مقتضبًا؛ لأن ذلك أجدر في سُلم التأصيل العلمي الممنهج، الذي ينتظم أمهات المسائل وأصولها، ويدع الحواشي وفروعها، سائلًا واهب النعم، عظيم العطاء؛ أن ينفع بهذا الشرح قائله وقارئه وسامعه، وكاتبه، وأن يهبنا من لدنه علمًا وفقهًا، وأن يورثنا جنات النعيم. وصلى الله وسلم على النبي الأمي الكريم