بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنْكِري القَدَرِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ الله مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ, ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ? : «الإيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بالله, وَمَلَائِكَتِهِ, وَكُتُبِهِ, وَرُسُلِهِ, وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان ما جاء من الوعيد الشديد في إنكار القدر (١)، والتنبيه على وجوب الإيمان بالقدر؛ لأن هذا مما يتحقق به التوحيد وينتفي به الكفر؛ إذ أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وتوحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر (٢).
وعلاقة هذا الباب بما قبله: أن إنكار القدر نوعٌ من أنواع سوء الظن بالله جل وعلا، ويكون هذا الباب كالتفصيل لما اشتمل عليه الباب الذي قبله (٣).
وأثر ابن عمر في مسلم كما ذكر المصنف، ولفظه: «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» (٤).
«وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ»: أقسم عبد الله بن عمر بالله لتأكيد الأمر وأهميته (٥).
стр. 492
«وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ»: أي: خير القدر وشره، أي: أنه تعالى قدر الخير والشر، فالخير: ما يلائم العبد، والشر: ما لا يلائمه، إذ المقدورات خير وشر؛ فالطاعات خير والمعاصي شر، والغنى خير والفقر شر، والصحة خير والمرض شر، وهكذا (١)، والله قد قدر ذلك كله قبل خلق السماوات والأرض، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الخلَائِقِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء» (٢).
تعريف القدر:
القدر: علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ لكل ما قدَّر.
وما أجمل جواب الإمام أحمد عندما سئل عن القدر فقال: «القدر قدرة الرحمن».
يقول ابن القيم في قصيدته الكافية الشافية (٣):
فحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الرباني
стр. 493
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَكَ ..
•---------------------------------•
مراتب القدر:
للقدر أربع مراتب:
الأولى: الإيمان بعلم الله القديم، وأنه علم أعمال العباد قبل أن يعملوها.
الثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.
الثالثة: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة.
الرابعة: إيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق.
«وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ ... » الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود (١)، وهو حسن بمجموع طرقه.
سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». رواه أبو داود.
•---------------------------------•
(إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ) قال شيخ الإسلام ﵀: قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين كما ذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره.
أحدهما: أن القلم خلق أولا كما أطلق ذلك غير واحد وذلك هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ أبي عروبة بن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت. وذكر الحديث المشروح.
والثاني: أن العرش خلق أولا؛ قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية: حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنبأنا سفيان الثوري، ثنا أبو هاشم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: «إِنَّ الله كَانَ عَلَى عَرْشه قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله الْقَلَم، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُب مَا هُوَ كَائِنٌ، وأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى النَّاسِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» (١).
والذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل ذلك، كما دل على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه.
قالوا: وهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير، وقد دل الحديث أن ذلك بعد خلق العرش، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم.
стр. 496
وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
•---------------------------------•
رواية أحمد في مسنده (١).
قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «القلم بالرفع، وروي بالنصب.
فعلى رواية الرفع يكون المعنى: أن أول ما خلق الله هو القلم، لكن ليس من كل المخلوقات.
وأما على رواية النصب، فيكون المعنى: أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه له، يعني: خلقه ثم أمره أن يكتب، وعلى هذا المعنى لا إشكال فيه، لكن على المعنى الأول الذي هو الرفع: هل المراد أن أول المخلوقات كلها هو القلم؟
الجواب: لا، لأننا لو قلنا: إن القلم أول المخلوقات، وإنه أمر بالكتابة عندما خلق، لكنا نعلم ابتداء خلق الله للأشياء، وأن أول بدء خلق الله كان قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
قال أهل العلم: وتأويله: إن المعنى: أن أول ما خلق الله القلم بالنسبة لما نشاهده فقط من المخلوقات، كالسموات والأرض.
فهي أولية نسبية، وقد قال ابن القيم في نونيته:
والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان» (٢)
стр. 497
وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ وَهْبٍ قَالَ رَسُولُ الله? : «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ».
•---------------------------------•
رواية ابن وهب «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ ... » منقطعة (١).
وجاءت رواية قريبة من لفظها تغني عنها عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه وهو في الاحتضار: «وَلَنْ تُؤْمِنَ بِالله حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئُكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: الْقَدَرُ عَلَى هَذَا، مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا أَدْخَلَهُ الله تَعَالَى النَّارَ» (٢).
«أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ»: «هذا نوع آخر من الوعيد، وهو أن من أنكر القضاء والقدر فإن الله يحرقه بالنار، فدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر أمر واجب، وأن إنكاره موجب لدخول النار إما لكفره وإما لبدعته» (٣).
«فِي نَفْسي شيءٌ مِنَ القَدَرِ»: أي: اضطراب يؤدي إلى شك فيه، أو جحد له (١).
و«هكذا طلبة العلم الذين يبحثون عن الحقيقة، ويبحثون عن العلم النافع إذا أشكل عليهم شيء، لا يعتمدون على رأيهم، وإنما يرجعون إلى أهل العلم، فهذا ابن الديلمي رجع إلى الصحابة لما أشكل عليه أمر القدر» (٢).
стр. 500
«لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ»: هذا تمثيل على سبيل الفرض، أي إذ لو فرض إنفاق ملء السموات والأرض كان ذلك (١).
(حتى تؤمن بالقدر) بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها، وحلوها ومرها، ونفعها وضرها، وقليلها وكثيرها، وكبيرها وصغيرها بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وأمره، كما ذكر عن علي ﵁.
(ولو مت على غير هذا، لكنت من أهل النار) جزم أبي بن كعب ﵁ بأنه إذا مات على غير هذا كان من أهل النار؛ لأن من أنكر القدر فهو كافر، والكافر يكون من أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها.
стр. 501
بَابُ مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِينَ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم التصوير والمصورين، وما جاء في ذلك من نصوص الوعيد المنذرة بالعذاب الشديد والعقاب الأليم، وأن التصوير من جملة الكبائر التي تقدح في التوحيد وتُعرِّض فاعلها لغضب الله والنار وتنقص إيمانهم وتضعفه (١).
و(المصورون): جمع مصور، وهو الذي يقوم بالتصوير، والتصوير معناه: التشكيل، تشكيل الشيء حتى يكون على هيئة صورة لآدمي أو لغير آدمي من حيوان، أو نبات، أو جماد، أو سماء، أو أرض، فكل هذا يقال له: مصور، إذا كان يُشَكل بيده شيئًا على هيئة صورة معروفة (٢).
قوله: (باب ما جاء في المصورين) أي: من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه. وقد ذكر النبي ﷺ العلة، وهي المضاهاة بخلق الله (٣).
وقول المصنف هنا: «باب ما جاء في التصوير» لا يقصد به الاحتمال أي احتمال التحريم واحتمال الكراهة، بل قصد الجزم بالتحريم على خلاف الأبواب السابقة التي بدأها بقوله: «باب ما جاء في كذا»؛ لكون هذا الباب لا يحتمل إلا التحريم في الأصل، ولكن عبر هنا بهذا التعبير تمرينًا لطالب العلم لينظر في الأدلة، ويبحث فيها.
стр. 502
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: تتضح من وجهين:
الوجه الأول: أَنَّ التصوير تنديد من جهة أن المصور جعل فعله ندًا لفعل الله جل وعلا، فالتصوير فيه مضاهاةٌ لخلق الله؛ لأن فيه خلقًا وإبداعًا يكون به المصور مشاركًا لله في ذلك الخلق والإبداع، وهذا شركٌ في ربوبيته تعالى (١).
الوجه الثاني: أَنَّ التصوير ذريعةٌ إلى الشرك بالله تعالى، ووسيلة من وسائله؛ إذ إن نَصْب هذه الصور مفضٍ إلى عبادتها، وشركُ كثيرٍ من المشركين كان من جهة الصور؛ ومن ثم فإنَّ ذلك شركٌ في الألوهية؛ فكان من تحقيق التوحيد ألا تُقر الصور لأجل أن الصورة وسيلة من وسائل المشركين في عباداتهم (٢).
وعلاقة الباب بالذي قبله: أن هذا الباب «من فروع الباب السابق؛ أنه لا يحل أن يجعل لله نِدًّا في النيات والأقوال والأفعال، والند المشابه ولو بوجه بعيد. فاتخاذ الصور الحيوانية تَشَبهٌ بخلق الله، وكذب على الخلقة الإلهية، وتمويه وتزوير؛ فلذلك زجر الشارع عنه» (٣).
стр. 503
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً». أَخْرَجَاهُ.
•---------------------------------•
حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين كما أشار المصنف بقوله: أخرجاه (١).
«وَمَنْ أَظْلَمُ» (مَن): اسم استفهام استنكاري، والمراد به النفي؛ أي: لا أحد أظلم (٢).
فإن قيل: كيف يُجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] وغير ذلك من النصوص؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المعنى أنها مشتركة في الأظلمية، أي أنها في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم.
الثاني: أن الأظلمية نسبية، أي أنه لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل لا في كل شيء، فيقال مثلًا: من أظلم في مشابهة أحد في صنعه ممن ذهب يخلق كخلق الله، ومن أظلم في منع حق ممن منع مساجد الله، ومن أظلم في افتراء الكذب ممن افترى على الله كذبًا.
«يَخْلُقُ كَخَلْقِي» يعني بذلك المصور؛ لأن المصور يحاول أن يوجد صورة تشبه الصورة التي خلقها الله (٣).
стр. 504
«فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» (اللام) للأمر، والمراد به التحدي والتعجيز، والذرة: مفرد ذَر، وهي النمل الصغار (١).
«أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» «(أو) للتنويع؛ أي: انتقل من التحدي بخلق الحيوان ذي الروح إلى خلق الحبة التي هي أصل الزرع من الشعير وغيره وليس لها روح» (٢).
«ويستفاد من هذا الحديث، وهو ما ساقه المؤلف من أجله: تحريم التصوير؛ لأن المصور ذهب يخلق كخلق الله ليكون مضاهيًا لله في صنعه، والتصوير له أحوال:
الحال الأولى: أن يصور الإنسانُ ما له ظل مما له روح، أي: ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها، فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، فإن قلت: إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله، ولكن صور عبثًا، يعني: صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئًا على صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به، فهل يدخل في الحديث؟
فالجواب: نعم: يدخل في الحديث، لأنه خلق كخلق الله، ولأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد، وهذا هو سر المسألة، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها، ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال: أنا لا أقصد التشبه بهم.
стр. 505
نقول: التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك، لو أن أحدًا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه، قلنا له: قد حصل التشبه، سواء أردته أم لم ترده.
الحال الثانية: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم لعموم الحديث، ويدل عليه حديث النمرقة؛ حيث أقبل النبي ﷺ إلى بيته، فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير، وعرفت الكراهة في وجهه، فقالت عائشة ﵂: ما أذنبت يا رسول الله؟ فقال: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (١)، فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم، وقوله في صحيح البخاري: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» (٢)، فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها.
الحال الثالثة: أن تلتقط الصور التقاطًا بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين، وفيه عدة آراء:
الرأي الأول: أنه تصوير، وإذا كان كذلك، فإن حركة هذا الفاعل للآلة يعد تصويرًا، إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة، ونحن متفقون على أن هذه صورة، فحركته تعتبر تصويرًا، فيكون داخلًا في العموم.
стр. 506
الرأي الثاني: أنها ليست بتصوير؛ لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من صنع الله، ولعل هذا القول أقرب للصواب.
الحال الرابعة: أن يكون التصوير لما لا روح فيه، وهذا على نوعين:
النوع الأول: أن يكون مما يصنعه الآدمي، فهذا لا بأس به بالاتفاق، مثل أن يصور الإنسان سيارته، فهذا يجوز؛ لأن صنع الأصل جائز، فالصورة التي هي فرع من باب أولى.
النوع الثاني: ما لا يصنعه الآدمي وإنما يخلقه الله، فهذا نوعان: نوع نامٍ، ونوع غير نامٍ، فغير النامي، كالجبال، والأودية، والبحار، والأنهار، فهذه لا بأس بتصويرها بالاتفاق، أما النوع الذي ينمو كالأشجار والزروع، فاختلف في ذلك أهل العلم، فجمهور أهل العلم على جواز تصويره.
وذهب بعض أهل العلم من السلف والخلف إلى منع تصويره، واستدل بأن هذا من خلق الله ، والحديث عام: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (١)، ولأن الله تحدى هؤلاء بأن يخلقوا حبة أو يخلقوا شعيرة، والحبة أو الشعيرة ليس فيها روح، لكن لا شك أنها نامية، وعلى هذا، فيكون تصويرها حرامًا، وقد ذهب إلى هذا مجاهد ﵀ أعلم التابعين بالتفسير، وقال: إنه يحرم على الإنسان أن يصور الأشجار، لكن جمهور أهل العلم على الجواز» (٢)، وهو ما تدل عليه الأدلة.
стр. 507
وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ , أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ الله».
•---------------------------------•
حديث عائشة في الصحيحين (١) أشار إليه المصنف بقوله: (وَلَهُمَا).
«أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» فيه إشكال؛ لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبًا، كالمشركين والكفار، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن الحديث على تقدير (مِن)، أي: من أشد الناس عذابًا، بدليل أنه قد جاء ما يؤيده بلفظ: «إن من أشد الناس عذابًا».
الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها أشدهم عذابًا الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.
الرابع: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه.
«الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ الله»: أي يشابهون بما يصنعونه ما يصنعه الله (٢). وهذا فيه تنبيه على العلة، وهي المضاهاة بخلق الله (٣).
فالحكمة من تحريم التصوير ما فيه من محاكاة ومضاهاة لخلق الله، ومحاولة التشبه بصفة من صفات الله، وهي الخلق، وقد تفرد الله سبحانه بذلك، وهناك حكمة أخرى من تحريم التصوير، وهي: أن التصوير وسيلة إلى تعظيم الأشخاص الذي قد يؤدي إلى الشرك.
стр. 508
وَلَهُمَا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ».
وَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ».
•---------------------------------•
حديث ابن عباس عزاه المصنف للبخاري ومسلم وهو بهذا اللفظ في مسلم فقط، ولفظه: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ، بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ» (١). وأما لفظ البخاري فمختلف وهو: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ الله مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» (٢).
«يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ»: أي تعذبه نفس الصورة بأن يجعل فيها روحًا، والباء بمعنى (في)، أو يجعل له بكل صورة شخص يعذب به (٣).
«وَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا» أي: للبخاري ومسلم (٤) عن ابن عباس مرفوعًا.
«كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» قال الكرماني: «ظاهره أنه من تكليف ما لا يطاق، وليس كذلك، وإنما القصد طول تعذيبه وإظهار عجزه عما كان تعاطاه ومبالغة في توبيخه وبيان قبح فعله» (٥).
стр. 509
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ ﵁: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ الله? : أَنْ لَا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشرفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ».
•---------------------------------•
«وَلِمُسْلِمٍ» في صحيحه (١).
«طَمَسْتَهَا»: وطمسها يكون بإتلافها، أو بقطع رأسها، حتى تصبح مجرد شكل بدون رأس، لأن الصورة تتم وتتكامل بالرأس والوجه (٢).
«مُشرفًا»: الإشراف له وجوه:
الحالات التي يكون القبرُ فيها مشرفًا
الأول: أن يكون مشرفًا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب).
الثاني: أن يبنى عليه، وهذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ : «لعن المتخذين عليها المساجد والسرج» (٣).
الثالث: أن يكون مشرفًا بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة.
الرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله فيكون بينًا ظاهرًا.
فكل قبر مشرف، أي: ظاهر على غيره متميز عنه يجب أن يسوى بغيره، لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك (٤).
«سَوَّيْتَهُ»: أي سويته بالأرض.
стр. 510
ويؤخذ من محل الشاهد في حديث على ﵁، وهو قوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها» أنه لا يجوز اقتناء الصور، وهذا محل تفصيل، فإن اقتناء الصور على أقسام:
القسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أبوة أو نحو ذلك، فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه هذه الصورة.
القسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها، فهذا حرام أيضًا، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق.
القسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانًا أو تلطفًا، كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر، فهذا أيضًا ينبغي تركه لعموم حديث: «إِنَّ الملَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» (١).
القسم الرابع: أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقًا، ولكنها تأتي تبعًا لغيرها، كالتي تكون في الجوالات والمجلات والصحف، ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في المجلات والصحف والجوالات من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك، فالظاهر أن هذا لا بأس به؛ لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن التخلص منها بلا حرج ولا مشقة، فهو أولى.
стр. 511
القسم الخامس: أن يقتني الصور على وجه تكون فيه مهانة ملقاة في الزبل، أو مفترشة، أو موطوءة، فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء، وهل يلحق بذلك لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانًا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟
الجواب: نقول: لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه صور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه، لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء ﵏ بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصًا أو سراويل أو عمامة أو غيرها.
القسم السادس: أن يُلجأ إلى اقتنائها إلجاء، كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم؛ فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١).
و«في هذا الحديث التنبيه على العلة الثانية من علتي تحريم التصوير، وهي أنه وسيلة من وسائل الشرك، ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنه قرن بين الصورة والقبر المشرف في وجوب إزالتهما، وبقاء القبر» (٢).
стр. 512
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الحَلِفِ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم كثرة الحلف بالله تعالى، وما جاء في النهي عنه، والوعيد الشديد لفاعليه، وأن كثرة الحلف نقص في الإيمان، ونقص في التوحيد (١).
و«الحلف: هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم، وهي: الباء، والواو، والتاء» (٢).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: تتضح من وجهين اثنين:
الوجه الأول: بما أن أصل اليمين إنما شرعت تأكيدًا للأمر المحلوف عليه، وتعظيمًا للمحلوف به، فإنه يجب أن يُصان اسم الله، ويُصان الحلف به واليمين به إلا عند الحاجة إليها، وكثرة الحلف بالله تدل على عدم احترام اسمه، والاستهانة والاستخفاف بالحلف به، وهذا نقصٌ في التوحيد، ينافي تعظيم الله الذي هو من تمام وكمال التوحيد، فالإكثار من الحلف يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف بالله (٣).
стр. 513
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
•---------------------------------•
الوجه الثاني: هو أن المكثر من الحلف غالبًا ما يقع في الحنث؛ لأن الإكثار من الشيء مظنة وقوع الغلط فيه؛ ولذلك فهذا واقعٌ في الإثم لا محالة (١).
وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير (٢).
«وهذا الأمر للوجوب فيجب حفظ اليمين إلا من حاجة لها، فالمؤمن يحفظها ويصونها إلا من حاجة ولمصلحة شرعية أو عند الخصومة والحاجة إليها ونحو ذلك، ولا يكثر منها لما سبق ولأنه يظن به الكذب» (٣).
«والمصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس؛ فإن القولين متلازمان، فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه» (٤).
وهل يجوز أن يحلف على ما في ظنه؟
الجواب: نعم، ولذلك أدلة كثيرة، منها قول المجامع في نهار رمضان لرسول الله ﷺ : والله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فقد حلف على ما يغلب على ظنه أنه لا يوجد في المدينة أفقر منه.
стр. 514
لكن إن حلفت على أمر مستقبل بناء على غلبة الظن فتبيَّن خلافه، فقيل: فيه كفارة، وقيل: ليس فيه كفارة، وهو الصحيح، كما لو حلفت على أمر ماض فليس فيه كفارة.
مثاله: لو قلت: والله، لَيَقْدَمَن زيد غدًا. بناء على ظنك، فلم يقدم، فالصحيح أنه لا كفارة عليك، لأنك حلفت على ما في قلبك وهو حاصل، كأنك تقول: والله، إن هذا هو ظني، والمقصود هل يجوز لك أن تحلف على ما في ظنك؟
الجواب: نعم، يجوز بدليل قصة المجامع زوجته في نهار رمضان.
وقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ جاءت بعد أن ذكر اليمين والكفارة والحنث، فما المراد بحفظ اليمين: هل هو في الابتداء أو في الانتهاء أو الوسط؟ أي: هل المراد: لا تكثروا الحلف بالله؟ (ابتداءً) أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا؟ (في الوسط) أو المراد: إذا حلفتم فحنثتم فلا تتركوا الكفارة؟ (انتهاء).
قاعدة في النص الذي يحتمل عدة معان
الجواب: المراد كلها، فتشمل أحوال اليمين الثلاثة، ولهذا جاء المؤلف بها في هذا الباب؛ لأن من معنى حفظ اليمين عدم كثرة الحلف، وإليك قاعدة مهمة في هذا: وهي أن النص من القرآن أو السنة إذا كان يحتمل عدة معانٍ لا ينافي بعضها بعضًا ولا مرجح لأحدها، وجب حمله على المعاني كلها.
والمراد بعدم كثرة الحلف: ما كان معقودًا ومقصودًا، أما ما يجري على اللسان بلا قصد، مثل: لا والله، وبلى والله، في عرض الحديث، فلا مؤاخذة فيه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (١).
стр. 515
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ». أَخْرَجَاهُ.
•---------------------------------•
حديث أبي هريرة في البخاري بلفظ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» (١)، وفي مسلم، ولفظه: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ» (٢).
وليس في الصحيحين لفظة: «لِلْكَسْبِ»، وإنما هي من زيادات ابن السَّرْح في غير الصحيحين (٣).
«الحَلِفُ»: المراد به الحلف الكاذب؛ كما بينته رواية: «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (٤)، وأما اليمين الصادقة؛ فليس فيها عقوبة، لكن لا يكثر منها كما سبق.
«مَنْفَقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ»: «أي: ترويج للسلعة، مأخوذ من النَّفَاق وهو مضي الشيء ونفاذه، والحلف على السلعة قد يكون حلفًا على ذاتها أو نوعها أو وصفها أو قيمتها» (٥).
«مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»: «أي: متلفة له، والإتلاف يشمل الإتلاف الحسي بأن يسلط الله على ماله شيئًا يتلفه من حريق أو نهب أو مرض يلحق صاحب المال فيتلفه، والإتلاف المعنوي بأن ينزع الله البركة من ماله فلا ينتفع به لا دينا ولا دنيا» (٦).
стр. 516
وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشيمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُ بِسَنَدٍ صَحَيحٍ.
•---------------------------------•
حديث سلمان أخرجه الطبراني وغيره، وإسناده صحيح (١)، كما أشار المؤلف.
«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، فعوقبوا بهذه الثلاث التي هي أعظم العقوبات.
«أُشيمِطٌ زَانٍ»: أشيمط تصغير أشمط وهو الشيخ الكبير، وصُغِّر تحقيرًا له؛ والزنى قبيح في الكل، ولكن في الشائب أقبح؛ لأن دواعي الشهوة منتفية عنه؛ فدل على أن الحامل له على الزنا محبته المعصية والفجور وعدم خشيته لله، بخلاف الشاب، فإن قوة داعي الشهوة منه قد تغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم، ولومها على المعصية فينتهي ويراجع (٢).
«وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»: والاستكبار قبيحٌ في الكل، ولكنه في حالة الفقير أقبح؛ لأن دواعي الاستكبار عنه منتفية؛ إذ ليس له ما يحمله على الكبر، فدل على أنه خُلُق له فعظمت العقوبة في حقه لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي (٣).
стр. 517
«وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ»: بنصب الاسم الشريف، أي الحلف به، جعله بضاعته لملازمته له وغلبته عليه (١).
والحالف إن كان كاذبًا فقد جمع بين أربعة أمور محذورة:
١. استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين.
٢. كذبه.
٣. أكله المال الباطل.
٤. أن يمينه غموس، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٢).
ومناسبة هذا الحديث لكتاب التوحيد: أن «هذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحدًا فتوحيده ضعيف وأعماله ضعيفة، بحسب ما قام بقلبه وظهر على لسانه وعمله من تلك المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها» (٣).
وقد دل حديث الباب على «أن من جعل الله بضاعته؛ فإن الغالب أنه يكثر الحلف بالله » (٤).
стр. 518
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله? : «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
•---------------------------------•
«وَفِي الصَّحِيحِ»: أي: الصحيحين (١).
«خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي»: لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفاضل فيها العاملون، فغلب الخير فيها وكثر أهله، وقلَّ الشر فيها وأهله، واعتز فيها الإسلام والإيمان، وكثر فيها العلم والعلماء.
«ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»: يعني التابعين، وهم في المرتبة الثانية في الفضل بعد الصحابة؛ لأنهم تتلمذوا عليهم وأخذوا علمهم (٢).
«فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا»: هذا شك من راوي الحديث عمران بن حصين ﵁. والمشهور في الروايات: أن القرون المفضلة ثلاثة (٣).
«ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا» قال ابن حجر ﵀: «واستدل بهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة لكن بقلة، بخلاف مَنْ بعد القرون الثلاثة فإن ذلك كثر فيهم واشتهر» (٤).
стр. 519
«يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»: (يشهدون): أي الزور (ولا يستشهدون): أي لا تُطْلَب منهم الشهادة؛ لفسقهم أو لاستخفافهم بأمرها وعدم تحريهم الصدق؛ لقلة دينهم وضعف إيمانهم (١).
قد يقول قائل: إن هذا يعارض ما جاء في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد مرفوعًا: «ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها».
والجواب: أن للعلماء في التوفيق بينهما مسالك: فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة.
وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد.
وذهب آخرون إلى الجمع بينهما فأجابوا بأجوبة أصحها: أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك، وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وغيرهما.
«وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ»: أي يخونون أماناتهم وعهودهم، إذا ائتمنوا على شيء من الأشياء، ولا يؤتمنون لخيانتهم الظاهرة (٢).
«وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ»: أي لا يوفون ما وجب عليهم بالنذر (٣).
стр. 520
وَفِيهِ: عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «كَانُوا يَضربُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ».
•---------------------------------•
«وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»: يعني السمن المفرط بسبب التوسع في المآكل والمشارب، رغبةً في الدنيا ونيل شهواتها، والتنعم بها، وغفلةً عن الدار الآخرة والعمل لها، وليس المراد مطلق السمن الذي لا اختيار للإنسان فيه؛ فإنه لا يخلو منه زمان، ولا يذم عليه الإنسان (١).
«وَفِيهِ ... »: يعني في الصحيح (٢).
«ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»: هذا فيه: الجزم بما شك فيه عمران ﵁، وأن الرسول ﷺ ذكر ثلاثة قرون: قرن الصحابة، ثم قرن التابعين، ثم قرن أتباع التابعين (٣).
«ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»:
قال شيخنا ابن عثيمين: «يحتمل ذلك وجهين:
الأول: أنه لقلة الثقة بهم لا يشهدون إلا بيمين؛ فتارة تسبق الشهادة، وتارة تسبق اليمين.
الثاني: أنه كناية عن كون هؤلاء لا يبالون بالشهادة ولا باليمين؛ حتى تكون الشهادة واليمين في حقهم كأنهما متسابقتان.
стр. 521
والمعنيان لا يتنافيان؛ فيُحْمَل عليهما الحديث جميعًا» (١).
«وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ»: هو إبراهيم النخعي، من التابعين ومن فقهائهم (٢).
«يَضربُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ»: أي: يضربوننا عليها إن شهدنا زورًا، أو إذا شهدنا ولم نقم بأدائها، يضربوننا على المبادرة بالشهادة والعهد (٣).
«وَالعَهْدِ»: أي: إذا تعاهدوا يضربونهم على الوفاء بالعهد (٤).
«ثُمَّ يَجِيءُ»: أي يجيء من بعد القرون الثلاثة (٥).
والخلاصة من هذا الحديث: ذم كثرة الشهادة، وكثرة الحلف واليمين، والتساهل فيهما؛ فيكون مطابقًا للترجمة، لأن الرسول ﷺ ساقه مساق الذم، ومناسبته لكتاب التوحيد أن هذه الصفات تنافي كمال التوحيد وتنقصه (٦).
стр. 522
بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ الله وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: البعد والحذر من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بها، بعدما يجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله، فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكًا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركًا لتعظيم الله، وارتكابًا لأكبر المفسدتين، كما نبه عليه ﷺ .
وفي ذلك أيضًا تهوين للدين والإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود - خصوصًا المؤكدة بأغلظ المواثيق- من محاسن الإسلام الداعية للأعداء المنصفين إلى تفضيله واتباعه (١).
«فالواجب على ولاة الأمور ألَّا يجعلوا للناس ذمة الله وذمة نبيه، وإنما يجعلون لهم ذمة الرئيس والملك وأصحابه. وهذا من باب تعظيم ذمة الله وذمة رسوله، وهو من باب إكمال التوحيد والإيمان، وإخفارهما نقص في التوحيد، ووسيلة إلى التلاعب» (٢).
وقوله: (باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه): أي: باب ما جاء من تعظيمهما، والدليل على وجوب حفظهما والوفاء بهما، والتحذير من إخفارهما، والتحذير أيضًا من جعلهما للناس؛ لأن هذا وسيلة إلى إخفارهما (٣).
стр. 523
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية.
•---------------------------------•
وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أن نقض العهود نقص في التوحيد، لأنه يدل على عدم احترام عهد الله، ومن لم يحترم عهد الله، فإن هذا يدل على نقص توحيده، ومن وفى بعهد الله وعَظَّم عهدَ الله فهذا يدل على كمال توحيده (١).
ومناسبة الباب للباب الذي قبله: أن الباب الذي قبله وهو (باب ما جاء في كثرة الحلف) متعلق بتعظيم الله جل وعلا حين التعامل مع الناس، و (باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) متعلق بالتعامل مع الناس في الحالات العسرة الصعبة، وهي حال الجهاد، فنبه بذلك على أن تعظيم الرب جل وعلا يجب أن يكون في التعامل ولو في أعصب الحالات، وهي الجهاد، فإن العبد يكون موقرا لله تعالى مجلا له، معظمًا لأسمائه وصفاته، ومن ذاك أن يعظم ذمة الله وذمة نبيه (٢).
«وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾» هذا أمر من الله بالوفاء بالعهود، والوفاء: ضد الغدر والخيانة.
﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: المراد به: الميثاق الذي يعقد بين الناس، وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف؛ مما يدل على تعظيم العهد؛ لأن الشيء إذا أُضِيفَ إلى الله فهذا دليل على تعظيمه، مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، فالإضافة هنا تقتضي تعظيم المضاف، فهي تدل على عظم العهد، ووجوب احترامه (٣).
стр. 524
﴿إِذَا عَاهَدتُّم﴾: أي: عاهدتم طرفًا آخر من الناس، وهذا يشمل الذي بين الله وبين خلقه والعهد الذي بين المسلمين وبين الكفار، ويشمل العهد الذي بين ولي أمر المسلمين وبين الرعية، ويشمل العهد الذي بين أفراد الناس بعضهم مع بعض (١).
﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾: «نقض الشيء هو حل إحكامه، وشبه العهد بالعقدة؛ لأنه عقد بين المتعاهدين» (٢).
﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: «توكيد الشيء بمعنى تثبيته، والتوكيد مصدر وَكَّدَ، يقال: وَكَّدَ الأمر وأَكَّدَه تأكيدًا وتوكيدًا، والواو أفصح من الهمزة» (٣).
و«مناسبة الآية للباب: أنها تدل على وجوب الوفاء بالعهود، ومنها ما يجري بين الناس من إعطاء الذمة؛ فإنها يجب الوفاء بها؛ لأنها فردٌ من أفراد معنى الآية» (٤).
أما علاقة الآية بالتوحيد: فقد دلت على تحريم نقض العهد؛ لأن نقض العهد دليل على عدم تعظيم الله، وذلك مناف للتوحيد قادح فيه.
стр. 525
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سريَّةِ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا. فَقَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله. اغْزُوا, وَلَا تَغُلُّوا, وَلَا تَغْدِرُوا, وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا.
•---------------------------------•
حديث بريدة عند مسلم (١)، وبريدة هو ابن الحصيب الأسلمي، الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه.
«كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سريَّةِ»: الجيش هو: العسكر العظيم الكثير، وأما السرية فهي القطعة من الجيش، تنطلق من الجيش وترجع إليه (٢).
«اغْزُوا بِاسْمِ الله»: أي اشرعوا في الغزو مستعينين بالله مخلصين له (٣).
«قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله»: (من) من ألفاظ العموم، وهذا العموم يشمل أهل الكفر المحاربين للمسلمين في الغزو من أهل الكتاب وغيرهم، واستثنى منهم النساء، والأطفال، والرهبان في صوامعهم، ونحوهم، فلا يقتلون.
«وَلَا تَغُلُّوا»: الغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، وهو من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي معذبًا به، فهو يعذب بما غل يوم القيامة ويعزر في الدنيا، قال أهل العلم: يعزر الغال بإحراق رحله كله، إلا المصحف لحرمته، والسلاح لفائدته، وما فيه روح؛ لأنه لا يجوز تعذيبه بالنار.
стр. 526
وقد امتنع الرسول ﷺ من الصلاة على الغال كما في حديث زيد بن خالد الجهني: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ الله. فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِى دِرْهَمَيْنِ» (١).
(وَلَا تَغْدِرُوا) الغدر: الخيانة، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا إذا عاهدنا، فإنه يحرم الغدر، أما الغدر بلا عهد، فلنا ذلك؛ لأن الحرب خدعة، وقد ذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما أقبل الرجل على علي صاح به علي: ما خرجت لأبارز رجلين، فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده، فقتله علي ﵁.
وليعلم أن لنا مع المشركين في الحرب ثلاثة أحوال:
الحال الأول: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد، وهم محاربون، فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك، فإن لم نقدر على ذلك وكان في المسلمين ضعف فهم معذورون لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
стр. 527
وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشركِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (أَوْ: خِلَالٍ)، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ, ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ.
•---------------------------------•
الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه، فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨].
الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه، فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
«وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»: أي: لا تقتلوا صغيرًا؛ لأنه لا يقاتل، ولأنه ربما يسلم (١).
«وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ»، أي: قابلته أو وجدته.
«مِنَ المُشركِينَ» يدخل فيه كل الكفار، حتى اليهود والنصارى.
«ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ» فيه وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتلة، وهنا مسألة كبيرة وهي:
هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم أو الحرب؟
اختلف العلماء في علاقة المسلمين بما لا عهد له من غير المسلمين على رأيين:
الرأي الأول: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (٢)، ومن أبرز أدلتهم:
стр. 528
قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وغيرها من الآيات التي تأمر بقتال الكفار مطلقاً.
الرأي الثاني: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وبهذا قال سفيان الثوري وسحنون من المالكية، ونسب لابن عمر ﵁، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
واستدل أصحاب هذا القول بعدد من الأدلة من أبرزها:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو دعوتهم إلى دين الإسلام كمرحلة أولى لا يسبقها غيرها، بل هي البوابة لتحديد نوع العلاقة؛ لأن الأمة مخاطبة بنشر دينها وعقيدتها، ودعوة أمم الكفر لدين الإسلام (١).
стр. 529
ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله تَعَالَى الذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شيءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ.
فِإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلهمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بالله وَقَاتِلْهُمْ.
•---------------------------------•
«ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ» فيه ترغيب الكفار بعد إجابتهم وإسلامهم إلى الهجرة إلى ديار المسلمين؛ لأن الإقامة بالبادية ربما كان سببًا لعدم معرفة الشريعة لقلة من فيها من أهل العلم.
«فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ»: أي لهم ما لهم من الفيء والغنيمة ونحو ذلك، وعليهم ما عليهم من الجهاد وغيره (١).
«فِإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلهمُ الجِزْيَةَ ... إلخ» قال النووي ﵀: «هذا مما يستدل به مالك والأوزاعي وموافقوهما في جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيًّا كان أو عجميًّا كتابيًّا أو مجوسيًّا أو غيرهما.
وقال الشافعي: لا يقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس عربًا كانوا أو عجمًا، ويحتج بمفهوم آية الجزية، وبحديث: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (٢)، (٣).
стр. 530
وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِن اجْعَلْ لهمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ.
وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ الله، فَلَا تُنْزِلهمْ وَلَكِنْ أَنْزِلهمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصيبُ فِيهِمْ حُكْمَ الله أَمْ لَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
قال شيخنا ابن باز ﵀: «أي: أبوا الدخول في الإسلام والهجرة فاسألهم الجزية واقبل منهم، وهذا في اليهود والنصارى والمجوس كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فالسنة أطلقت من يؤخذ منهم الجزية، والقرآن قيد بأهل الكتاب، وألحقت السنة بأهل الكتاب المجوس في أخذ الجزية لا في حل الطعام والنساء وغيره» (١).
«وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ»: الحصن كل مكان محمي محرز، لا يوصل إلى جوفه، أو لا يقدر عليه لارتفاعه (٢).
«أَنْ تُخْفِرُوا»: بضم التاء وكسر الفاء: من أخفر الرباعي؛ أي: غَدَر، وأما خَفَر يَخفِر الثلاثي فهو بمعنى أجار، والمتعين الأول (٣).