محمد أحمَد باشميل
الكتابُ الأول
مِنْ معارك الإسلام الفاصِلة
غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى
المَكْتَبَةُ السَّلَفِيَّة - وَمَطْبَعَتُهَا
٢١ شارع الفتح بالروضة * القاهرة * تليفون ٨٤٠٣٦٤
стр. 2
(حقوق الطبع محفوظة)
(الطبعة الثامنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م)
стр. 3
غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَة الطبعَة الثَّالِثَة
انتصار الإسلام في يوم بدر
بقلم
اللوَاء الرُّكن
محمُود شيت خَطَّاب
عضو المجْمَع العِلمي العِراقي
- ١ -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي سيدي ومولاي رسول الله وعلى آله وأَصحابه أَجمعين ورضي الله عن قادة الفتح الإسلامي وجنوده الغر الميامين.
قضى رسول الله ﷺ ، فترة حياته المباركة في مكة المكرمة من بعثته رحمة للعالمين إلى هجرته إلى المدينة المنورة في الجهاد الأكبر لوضع الأُسس السليمة لدولة الإسلام موحدًا من أجل الجهاد.
وفي هذه الفترة لاقى المسلمون أَذى كثيرًا: طوردوا وعذابوا، وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
وهاجر المسلمون إلى المدينة بأنفسهم تاركين ذويهم الأقربين تحت رحمة أعدائهم في خطر داهم مقيم، فابتدأَت في المدينة فترة الجهاد الأصغر من حياة سيد القادات وقائد السادات عليه أفضل الصلاة والسلام، فكانت حياته الغالية في المدينة من هجرته إليها حتى التحاقه بالرفيق الأعلى جهادًا من أجل التوحيد.
стр. 5
وأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، فركبات خيل الله عليها فرسان النهار ورهبان الليل: البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، لا مدد لهم ولا كمين، يهدرون بالقرآن الكريم وبذكر الله ويرددون في دعائهم: "يا نصر الله اقترب".
وفي بدر، التقى الظلام بالنور، والكفر بالإيمان، والباطل بالحق، والتقت الجاهلية بالإسلام، فجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا.
ودارت في بدر رحى معركة طاحنة بين فئتين غير متكافئتين: فئة قليلة مؤمنة، وفئة كثيرة كافرة، فانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكثيرة بإذن الله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
ولست أعرف معركة حاسمة من معارك الحرب الحاسمة، كيوم بدر، انتصرت فيه العقيدة السليمة على العقيدة الفاسدة، فكانت العقيدة وحدها هي السلاح الأول والأخير للمنتصرين.
كان المشركون أكثر عددًا من المسلمين، وكانوا أحسن عددًا وأغنى في قضاياهم الإدارية: كان عدة أصحاب رسول الله ﷺ ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدة المشركين ألفًا، وكان مع المسلمين فرسان، وكان مع المشركين مائة فرس، وكان المسلمون حفاة عراة جياعًا، وكان المشركون ينحرون في يومًا عشرًا ويومًا تسعًا من الإبل، وكان المسلمون من قبائل شتى، وكان المشركون من قريش! ! .
إنه انتصار عقيدة لا مراء، فكيف كان ذلك؟
لقد بدل الإسلام العقول والنفوس من حال إلى حال! كان الرسول القائد ﷺ مثالًا شخصيًا رائعًا لأصحابه في التضحية والفداء.
стр. 6
كان المسلمون يوم بدر كل ثلاثة على بعير، فكان إذا كانت عقبة النبي ﷺ قال له صاحباه: "اركب حتى نمشي عنك"، فيقول: "ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأَجر منكما".
وعند نشوب القتال يوم بدر، خرج ثلاثة من رجالات المشركين وقادتهم فدعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، فكره رسول الله ﷺ أن يكون أول قتال لقى فيه المسلمون المشركين في الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فقال رسول الله ﷺ : "يا بني هاشم! قوموا قاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم إذ جاؤوكم بباطلهم ليطفئوا نور الله".
وفي المعركة كان النبي ﷺ يضرب بنفسه لأصحابه في الشجاعة والإقدام أروع الأمثال. قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: "ولمَّا كان يوم بدر وحضر البأس، اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان من أشد الناس بأسًا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه".
وكان رسول الله ﷺ في أثر المشركين بعد انهيار صفوفهم يتلو الآية الكريمة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، فأجاز على جريحهم وطلب مدبرهم.
وبعد المعركة سلم ﷺ الغنيمة للمسلمين الذين حضروا بدرًا، وأخذ سهمه مع المسلمين، لا فرق بينه وبين أي مسلم آخر.
لم يستأثر بالدعة والأمن بل قاتل هو قتال الأبطال الصناديد أمام المقاتلين من أصحابه، ولم يؤثر ذوي قرباه بالراحة والاطمئنان بل آثرهم بالنزال والطعان، فلما انتصر المسلمون كان نصيبه من الغنائم نصيب أحدهم لا يزيد.
стр. 7
لقد كان الرسول القائد صلوات الله وتسليمه عليه أُسوة حسنة لأصحابه بأعماله لا بأقواله، وشتان بين الأعمال والأقوال، فلا موعظة في كلام لم يمتلئ من نفس صاحبه ليكون عملًا، ليتحول في النفوس الأُخرى عملًا ولا يبقى كلامًا.
ذلك هو الرسول القائد ﷺ ، أما جنوده فكان أمرهم كله عجبًا.
آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فآخى مثلًا بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ﵄، فقال سعد لعبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالًا. فأُقسم مالي إلى نصفين، ولى امرأتان فانظر أعجبهما إليك قسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها".
هذا مثال واحد للإيثار الذي كان نتيجة من نتائج هذا التآخي.
وفي الطريق إلى بدر، هتف متكلم المهاجرين: "والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك حتى تنتهي إليه". وهتف متكلم الأنصار: "فامضںى يا نبي الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما بقى منا رجل واحد".
ويوم بدر، قتل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أباه، وكان أبو بكر ﵁ مع المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن مع المشركين، وكان عتبة بن ربيعة مع قريش، وكان ولده أبو حذيفة مع المسلمين.
في هذه المعركة التقى الآباءُ بالأبناءِ، والإخوة بالإخوة! .
خالفت بينهم المبادئ، ففصلت بينهم السيوف! ..
стр. 8
وفي يوم بدر تسابق المسلمون إلى الشهادة، وكان كل واحد منهم يتمنى أن يموت قبل صاحبه، وكان كل واحد من المشركين يتمنى أن يموت صاحبه قبله، وكان الشهيد يردد وهو يحتضر: " ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
وبعد معركة بدر، استشار النبي ﷺ أصحابه في مصير الأسرى، فقال عمر بن الخطاب ﵁ "أرى أن تمكني من فلان - قريب عمر - فأضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديادهم وأئمتهم وقادتهم".
وكان فداء أسرى بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك، فمن لم يكن عنده شيء كان فداؤه أن يعلم غلمان الأنصار الكتابة.
هكذا كان جنود الرسول القائد ﵊ يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، ويؤثرون عقيدتهم على آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم، بل يؤثرون عقيدتهم على أنفسهم، فيتسابقون إلى الشهادة، فيقول أحدهم للآخر: "هنيًا لك الشهادة"، وتقول الأُمهات والأخوات والزوجات حين يعلمن باستشهاد ذويهن: "الحمد لله الذي أكرمهم بالشهادة".
وهؤلاء قادة وجنودًا، يبنون للمستقبل، فيعتبرون العلم فريضة لا نافلة، ويعتبرونه عبادة لا تجارة، ويعتبرونه غاية لا وسيلة .. ! .
كانوا إخوة في الله يحب أحدهم لأخيه ما يحبه لنفسه، وكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وكانوا كالجسد السليم المعافى إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي! ...
هؤلاء قادة وجنودًا، كانوا يبنون ولا يهدمون ويعمرون ولا يخربون ويفعلون ولا يقولون ..
стр. 9
كان انتصار المسلمين في بدر، إيذانًا بمولد دولة الإسلام عمليًّا، فقاد المسلمون بعدها العالم إلى الخير والصلاح والمدينة والنور قرونًا طويلة.
وكان انتصارهم بالإسلام، ولن ينتصروا بغيره، وتاريخ المسلمين خير دليل على ذلك.
كان العرب في الجاهلية متفرقين فتوحدوا بالإسلام، وكانوا أعداء فأَلف الإسلام بين قلوبهم، وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم الإسلام منها، فأصبح العرب بالإسلام (وحدة) رصينة، و (دولة) عظيمة و (أُمة) متماسكة و (قوة) ضاربة وجدت لها متنفسًا بالفتح الإسلامي العظيم، فسارت رايات العرب المسلمين تهدى الدنيا وتحضِّر العالم وتمدِّن الناس، فامتدت دولة الإسلام من سيبيريا شمالًا إلى فرنسا غربًا إلى الصين شرقًا إلى المحيط جنوبًا.
كانوا ضعفاء فأصبحوا بالإسلام أقوياء، وكانوا أعداء فأصبحوا إخوة، وكانوا مستعبدين فأصبحوا فاتحين .. ! .
ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فأصبحوا مستعمرين مستعبدين أذلاء غثاء كغثاء السيل، والله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أصبح هؤلاء الخلف يستوردون المبادئ من الشرق والغرب مبهورين متخاذلين، وأَصبحوا يتعشقون تراث الأجنبي ويحتقرون تراثهم، ويتدارسون تاريخ أعدائهم ويتركون تاريخ هم وراءَهم ظهريًا، حتى أصبحنا نسمع بعض العرب والمسلمين يقولون ويكتبون ويذيعون علنًا
стр. 10
باسم الثقافة وباسم التحرر ما لم يستطع أن يقوله أو يكتبه أو يذيعه المبشرون وأعداء الإسلام! ! ..
وإذا كان أكثر المستشرقين قد بذلوا قصارى جهودهم لتعميق آثار الاستعمار الفكري بين العرب والمسلمين، فما عذر المستغربين من العرب المسلمين؟ ! .
إن الدعوة إلى تبناها المبشرون وعملاء الاستعمار وأذنابهم في أبعاد الدين الإسلامي عن الحياة، دعوة مريبة هدفها إبعاد العرب عن الناحية المعنوية في حياتهم، فالعرب جسم والإسلام روحه، ولا بقاء للجسم بدون روح.
والدعوة التي تبناها هؤلاء لاستعمال العامية بدل العربية الفصحى دعوة مريبة، هدفها أن يجعلوا من الأُمة العربية أُممًا، ومن الشعب العربي شعوبًا , لأَن العربية لغة القرآن الكريم ولغة الرسول ﷺ , ولغة قادة الفتح وجنوده ولغة الفكر وجنوده.
والدعوة التي تبناها هؤلاء لإشاعة الفحشاء والتخنيث في العرب خلافًا لعقيدتهم وتقاليدهم، دعوة مريبة لا تخدم غير الاستعمار وأعداء العرب وإسرائيل، وكيف تنتظر من الديوثين والبغايا أن يبذلوا أرواحهم في ميادين الشرف والفداء لا؟ ! !
إني أتحدى كل من يزعم أن هناك عقيدة أفضل من عقيدتنا، وأن هناك رجالا أعظم من رجالنا وأن هناك تاريخًا أنصع من تاريخنا، وأن هناك تراثًا أروع من تراثنا ..
والذين يزعمون أنهم طردوا الاستعمار العسكري والاستعمار السياسي والاستعمار الاقتصادي من بلادهم ثم يعملون ليلًا ونهارًا
стр. 11
على ترسيخ الاستعمار الفكري في بلادهم، لم يصنعوا شيئًا أكثر من إخراج الاستعمار من باب ضيق، وإدخاله بمحض إرادتهم من باب فسيح.
نطرد الاستعمار ثم نترجم قوانينه ونعمل بها نصًّا وروحًا، فنشيع في بلادنا فجور القانون ... !
ونتخلص من الاستعمار ثم نستورد مبادئه ونطبقها حرفيًّا.
فنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ونحارب الاستعمار ثم نستورد منه التحلل الخلقي، فنفسد جيلنا الصاعد ونشيع بينهم الفاحشة والمنكر! عقوبة السارق في الإسلام قطع اليد، فيقول عن ذلك الجهلاء منا: أن ذلك رجعية، وهذا همجية وهو لا يتفق مع روح القرن العشرين! !
وعقوبة السارق في أعظم دول الاشتراكية الإعدام، فيقول عن ذلك الجهلاء منا: هذه تقدمية، وهذه مثالية، وهذا يتفق مع روح القرن العشرين! !
فلمصلحة من هذا التهافت الذليل؟ ؟ ! ! وأَي استعمار فكري شنيع نعاني؟ ؟ ! !
أن الذين يدّعون بأن السلوك السياسي لا علاقة له بالسلوك الشخصي التزامًا بالمبادئ الخلقية الرفيعة، واهمون كل الوهم أو أغبياء كل الغباوة أو عملاء كل العمالة.
والذين يريدون إشاعة الفحشاء والتخنث في أبنائنا لا يخدمون غير الاستعمار وإسرائيل.
إن عقيدتنا المستمدة من رسالة السماء، وتاريخنا الذي هو التطبيق العملي لتعاليم الإسلام، ورجالنا الذين هم الترجمة العملية لروح
стр. 12
الإسلام، وتراثنا الذي هو حصيلة الفكر الإسلامي، هي أَعظم وأَرفع وأَنصع وأَروع وأَنقى وأَطهر وأَسمى وأَبهر من كل ما وجد على الأَرض من عقائد وتواريخ وتراث.
وأَتحدى كل من يدعي خلاف ذلك، إلا أَن يكون جاهلًا أَو غبيًا أَو عميلًا، فلا يجدى شيء مع الجهلاء والأَغبياء والعملاء ..
إن الماضي هو أَساس الحاضر والمستقبل، فكيف نتنكر لماضينا الجيد؟ .
وهل هناك عاقل يبدأُ ببناء البنيان أَول ما يبدأُ من قمته؟ ! !
إننا سدنا بالإسلام عقيدة وعملًا وتضحية وفداء، ولن نسود بغيره أَبدًا مهما نحاول من محاولات ..
إن الإسلام مفخرة الدنيا ومعجزة العالم، فيجب أَن نهاجم به أَعداء الإسلام.
يا أَتباع محمد ﷺ في كل مكان من دار الإسلام:
يجب أَن تهاجموا بالإسلام أَعداء الإسلام، فلا يقولن قائل بعد اليوم، إني أُدافع عن الإسلام، لأَن الإسلام أَقوى من أَن يدافع عنه إنسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾.
تمسكوا بالإسلام بما فيه من تكاليف التضحية والفداء، وبذلك وحده تعودوا إلى قيادة العالم كما فعل أجدادكم من قبل، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.
رددوا معي ما كان يردده السلف الصالح من رجالنا الغر الميامين: "يا نصر الله اقترب".
стр. 13
إننا مع المسلمين في كل مكان على أعدائهم في كل مكان فهم إخوتنا في الدين، وهم إخوتنا في الله، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وعلينا واجب نصرهم، والذي لا ينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا عليه ألا يدّعى الإسلام.
إننا مع لغة القرآن، لغة النبي ﷺ ، ولغة العرب الفاتحين، على دعاة العامية الذين يتظاهرون بالشعارات الزائفة ويخفون ما لا يظهرون.
وكل من لا يكون مع مبادي القرآن ولغة القرآن، منحرف عن الحق، يعمل لحساب الاستعمار وإسرائيل ولو تظاهر بالعروبة والإسلام.
وإلى هؤلاء المنحرفين، أقول مذكرًا ومنذرًا ما قاله الله في القرآن الكريم: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال﴾.
وحّد الله العرب من المحيط إلى الخليج تحت لواء الإسلام، وجعل وحدتهم قاعدة رصينة لوحدة المسلمين من المحيط إلى المحيط، فالعرب بالاسلام كل شيء، والعرب بغير إسلام لا شيء ...
والحمد لله كثيرًا، وصلى الله على سيدي ومولاي رسول الله: سيد القادات وقائد السادات، ورجل الرجال وبطل الأبطال، ورضي الله عن أصحابه وعن كل من يخدم العرب والإسلام بأمانة وإخلاص.
стр. 14
مقدمةہ المؤلف عن الطبعة الثانيةہ
الحمد لله نستعينه ونستهديه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الذين نصروه في كل موطن وحين.
وبعد، لقد كان صدور كتابنا هذا - وهو الكتاب الأول من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة - تجربة شجعنا نجاحها على المضہي فيما اعتزمنا القيام بتنفيذه من إصدار سلسلة كاملة عن معارك الإسلام الفاصلة.
لقد صدرت الطبعة الأُولى من هذا الكتاب في شهر محرم ١٣٨٣، ولم يأْت شهر شوال من السنة نفسها إلا وقد نفدت نسخ هذه الطبعة، فشجعنا ذلك النجاح على المسارعة إلى إصدار الطبعة الثانية هذه، التي أضفنا إليها زيادات بلغت أكثر من ضعف الطبعة الأُولى.
فقد كانت صفحات الكتاب من الطبعة الأُولى لا تزيد على ١٦٠ صفحة، بينما بلغت صفحات الكتاب في هذه الطبعة (كما يرى القاريء) أكثر من ٢٩٦ صفحة، كما شجعنا ذلك النجاح على المسارعة إلى إصدار كتابنا (غزوة أُحد) وهو الكتاب الثاني من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة، وعلى المضي في إخراج كتابنا (غزوة الأحزاب) وهو الكتاب الثالث من هذه السلسلة، والذي سيأخذ طريقه إلى المطابع قريبًا إن شاء الله.
стр. 15
فشكرًا لله أُولًا وآخرًا , وله الحمد والمنة , على ما تفضل به علينا من نعمه الظاهرة والباطنة ونسأله تعالى أن يمدنا بعونه ويسندنا بتوفيقه، وأن يحمينا من مضلات الفتن ومزالق الغرور. وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه تعالى، وأن يكون نصيرنا -ما دمنا على الحق- إنه نعم المولى ونعم النصير.
محمد أحمد باشميل
مكة المكرمة: ربيع الثاني ١٣٨٤ هـ
آب - أغسطس ١٩٦٤ م
стр. 16
مقدمة الطبعة الأَولى
اللهم صل على محمد سيد المكافحين وإمام المجاهدين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأَصحابه الأوفياء الصامدين.
اللهم نستمد منك العون والتوفيق.
وبعد، لقد عزمنا (بعون الله تعالى) على وضع سلسلة تاريخية مفصلة عن معارك الإسلام الفاصلة، التي قلبہت موازين القوى وغيرت ارتكزت عليها وحملت لواءَها في العالمين.
إن هذه السلسلة لن تقتصر على المعارك الكبرى التي تم الفوز فيها للإسلام فقط، كمعركة بدر الكبرى.
بل سنتناول كبريات المعارك الهائلة الشهيرة الأَخرى التي خاضها المسلمون وتمت الغلبة فيها لأعدائهم كمعركة أُحد في يثرب، ومعركة بلاط الشهداء في فرنسا.
والهدف الأَول من وضع هذه السلسلة هو إزاحة الستار (وخاصة أَمام الشباب المثقف ثقافة عصرية) عن جزء ثمين من كنوز تاريخنا الإسلامي الزاخر بالبطولات والتضحيات، والذي تآمر عليه العدو من الخارج بالاتفاق مع فئات آثمة في الداخل.
فئات اصطنعها العدو الخارجي (أَيام حكمه) وأَجلسها أَمام قيادات التربية والتعليم، وجعل لها الهيمنة على مركز الصحافة وقيادة الإذاعة والنشر.
стр. 17
فأَجرمت في حق تاريخنا الإسلامي إجرامًا كبيرًا، إذ طمست (في فصل المدرسة ومدرج الكلية)، عن عمد وإصرار، كل جانب مشرق من جوانب هذا التاريخ العظيم، وخاصة جانب البطولة والفداء والنجدة الذي يتمثل في المعارك الفاصلة إلى خاضها الإيمان ضد الكفر، وقادها العدل ضد الطغيان، والتي تجلى فيها زخم العقيدة وشرف المبدأَ.
فقد رأَينا ولا نزال نرى حتى هذا اليوم، هذه الفئات التي شاء لها الأَجنبي أَن تضع (حسب وحيه ورغبته) برامج التعليم ومقررات التدريس للنشء الإسلامي في كثير من أَقطارنا الإسلامية.
نعم رأَينا ولا نزال نرى هذه الفئات الآثمة، تجعل هذا الجيل الناشئ يتلهى (في مراحل دراسته التاريخية)، بالنظر في وقائع تاريخ مبتوت الصلة كليًّا بتاريخنا الإسلامي.
وإذا ما تعرضت هذه الفئات الخطيرة للتاريخ الإسلامي، (سواء تدريسًا أَو محاضرة أَو إذاعة) لا تتعرض (في الغالب) إلا لما كان نزاعًا واختلافًا بين المسلمين.
كالحوادث المؤسفة التي حدثت أَيام عمان وبعد موته، بين علي ومعاوية (١)
стр. 18
وعائشة (١) وطلحة والزبير ﵃ أَجمعين.
فتطنب هذه الفئات في ذكر تلك الحوادث وتتفلسف في أَسبابها ومسبباتها، وتنشرها بين الطلبة تدريسًا ومطالعة ومحاضرة، وكأَنها وحدها هي التاريخ الإسلامي.
بينما تهمل إهمالًا كاملًا. باقي الجوانب الوضاءَة المشرقة التي يمكن أن تكون حافزًا للشباب المسلم على السير في طريق الرجولة والتضحية والاستقامة تحت لواء القرآن.
ولا شك أَن هذا عمل تخريبي مقصود، سارت عليه هذه الفئات الآثمة في المدرسة والجامعة، منذ عشرات السنين، لتثبيت دعائم الاستعمار الثقافي والفكري -الذي هو الاستعمار الأَكبر- والذي قرر الأَعداء أَن يكون خليفة الاستعمار السياسي - الذي هو الاستعمار الأَصغر وهذا ما حدث فعلًا، عندما رحل الأَجنبي بجلدته عن أَكثر الأَوطان الإسلامية.
إن القصد من إهمال التاريخ الإسلامي - إلا ما كان نادرًا، أَو خلافًا بين المسلمين أَو مجونًا ولهوًا من بعض حكامهم -هو قطع الصلة
стр. 19
بين الشباب المسلم وبين الاطلاع على الصفحات الناصعة المشرقة، من تاريخ أَسلافهم المجيد، الذي يخشى الأَجنبي الحاقد على الإسلام، أَن يحملهم النظر في هذا التاريخ على التأَسي بأَولئك الأَبطال الميامين الذين اجتذبهم الإِسلام من الكهوف وأَغوار الوديان، حفاة أَشباه عراة، ثم أَقعدهم (بعد أَن صهرهم في بوتقة الإيمان) أَمام دفة قيادة الدنيا، فصنعوا بالإِسلام، وصنع الإسلام بهم تاريخًا، لم تشهد الدنيا مثله في البناءِ والعظمة والنزاهة والإشراق، من لدن آدم حتى يومنا هذا.
تاريخًا لو اعتنى به الأَستاذ في مدرسته والعميد في جامعته؛ لصنعت لنا هذه المدارس والجامعات، شبابًا قويًّا في عقيدته، متينًا في خلقه، عظيمًا في بطولته، فذًا في استقامته، مفلح في قيادته.
شبابًا بإمكانه أَن يجمع بين صدق أَبي بكر، وعدل عمر، ونبل عثمان، وبسالة عليّ، وفروسية خالد، وحنكة عمرو، وحلم معاوية، وإقدام ابن الزبير.
ولما خلقت لنا هذه المشكلة الخطيرة التي نواجهها في كل قطر إسلامي .. مشكلة هذا القطيع الهائج، ممن يسمون أَنفسهم التقدميين، المتحررين، الذين أَصبحوا، أَشد ضررًا على الإسلام، وأَعظم تجريحًا لتاريخه من أَعدائه الأَصليين الذين قاموا بتفريخهم في معامل استعمارهم الثقافي , أَيام سيطرتهم وحكمهم.
ولكنه الاستعمار الحقود، وسماسرته من المحسوبين علينا، دبروا (في غفلة منا طويلة) خطة اغتيال هذا التاريخ، ونجحوا في إهالة التراب عليه، بأَيدي رجال ينتسبون إلينا، فلم يبقوا منه في مقررات التدريس، إلا مقاطع لا تصلح لشيء، إلا للنيل من ماضي الإسلام والطعن على بناة دولته، والتشهير بمن قادوا معارك الإسلام والحط من
стр. 20
مكانتهم (١) كتطاولهم على عثمان وابن الزبير (٢) ومعاوية وعمرو بن العاص (٣) وتوسعهم في نشر ما يظنه خصومهم طعنًا في دينهم وأَمانتهم, وكتعمدهم الإسهاب في نظرية أَبي ذر الغفاري ﵁
стр. 21
التي خالف بها جميع الصحابة ونفاه الخليفة الثالث من أَجل التمسك بها .. إلى الربذة.
وكتوسعهم في تدريس القصص والتمثيليات (المفتعل أَكثرها) التي تصور بذخ ومجون بعض الخلفاء من بني أُمية وقادتهم الذين لم يكره الصليبيون والوثنيون والمجوس، محاربين إسلاميين أَعظم منهم. لأَن زحف الإِسلام وقوته العسكرية وهيبته السياسية وصلت (أَيام هؤلاء الخلفاءِ والقادة) إِلى درجة لم يصل إليها أَحد قبلهم ولا بعدهم.
فبينما كانت جيوشهم تتوغل في أَحشاءِ أوروبا الغربية، ويقف منها (أَيام بني أُمية) خمسمائة أَلف مقاتل علي بعد ثلاثمائة كيلو مترًا من باريس، كانت مئات الآلاف من جنود دمشق الأُموية .. وقادتها تندفع كالطوفان نحو الشرق جارفة أَمامها معالم الوثنية وآثار المجوسية.
وهذا هو السبب في الحقد المشبوب من هذا الثالوث المعادي علي هؤلاءِ القادة والخلفاءِ، هذا الحقد الذي نراه متمثلًا فيما يدرسه وينشره ويذيعه فروخ الصليبيين من أَدعياءِ الإِسلام، من طعن في خلفاءِ الإِسلام وكبار قادته ممن خاض الإِسلام بقيادتهم أعنف المعارك ضد الصليبيين في الغرب والوثنيين والمجوس في الشرق.
إن إِهمال التاريخ الإِسلامي في فصل المدرسة ومدرج الكلية أَو الاقتصار على مقاطع مشوهة مما نسب إليه، إنما يخدم الأَعداءَ ويزهد الشباب المسلم، بل ويكرهه في تاريخ الإِسلام.
وهذا أَقصي ما يهدف إليه أَعداءُ الإِسلام الذين نجحوا (بواسطة المخربين من أَبنائه) في أَن ينحرفوا بالشباب المسلم (إلا من عصم الله، وقليل ما هم) عن الاتجاه الإِسلامي الصحيح، واتجهوا به نحو أَوروبا
стр. 22
وحضارة وعظمة رجالها، حتى أَصبحوا لا يرون شيئًا جديرًا بالدرس وأَولى بالإِعجاب والتقدير إلا ما كان آتيًا عن أَوروبا، وأَوروبا وحدها.
والسبب في ذلك أَنهم (منذ تفتح أَعين عقولهم)، وطيلة مراحل التدريس لم يسمعوا ولم يقرأُوا في معرض تاريخ البطولات والمعارك والحضارات والتضحية والعلوم إلا عن معارك الطرف الأغر، ووقائع (واترلو) وبطولات انطونيو، وغرام كليوبترا، وشجاعة نابليون وثبات ولنجتون، وبسالة نلسون، ومغامرات كرستوف كولمبس، وحضارات الفراعنة، ومدنيات روما، وفلسفات اليونان، وصلاح سانت ماريا، وعفة جان دارك، وغير ذلك مما لا يجعلون معه أَي مكان في ذهن الطالب المسلم لما يجب أَن يعرفه عن تاريخ دينه، وأَخبار بطولات رجالاته، وشجاعة قادته، ونزاهة حكامه، وعدل خلفائه وإِشراق حضاراته وعظمة مدنياته ونباهة علمائه، وذكاءِ فلاسفته.
والأَغرب من هذا أَن هؤلاء الآثمين في حق التاريخ الإِسلامي، عندما يضطرون إِلى التحدث عن تاريخ الإسلام، يتجنبون ذكر الإِسلام كليًا، ويتحدثون عنه كتاريخ قومي مجرد وكأَنه قد بنته سواعد لا علاقة لها بهذا الدين البتة.
سأَلت (مرة) أحد هؤلاءِ الحائزين علي الشهادات العالية من تلك الجامعات، سأَلته عن معركة الصواري، فاستغرب هذا الاسم، وقال ضاحكًا، إنه لم يسمع بمعركة تحمل هذا الاسم الغريب.
بينما هذه المعركة تعد من أَهم المعارك البحرية الفاصلة في تاريخ حروب الإِسلام والإِمبراطورية الرومانية، فقد هزم الأسطول الإِسلامي الأُسطول الروماني في هذه المعركة شر هزيمة لم تقم بعدها للرومان
стр. 23
قائمة وذلك في عصر الخليفة عثمان بن عمان وبقيادة الأَمير عبد الله بن سعد بن أَبي سرح بالقرب من المياه التونسية.
ولكني عندما سأَلت هذا الجامعي المثقف (الذي يجهل معركة الصواري) عندما سأَلته عن معركة الطرف الأَغر (١) أَخذ يشرح لي تفاصيل هذه المعركة وكأَنه أَحد الذين شهدوها، فقد اندفع يتحدث عن بسالة نلسون وثباته وكيف جرح وهو على ظهر سفينة القيادة يدير دفة العركة، وكيف انهزم الأُسطول الفرنسي بعد أَن خسر ثماني عشرة سفينة وكيف أَسر الإِنكليز قائد الأُسطول الفرنسي.
وما هذا الجهل بالتاريخ الإِسلامي والإِلمام بالتاريخ الأَجنبي إلا حصيلة التثقيف الحديث الذي أَخذه شبابنا المسلم حسب المخطط التعليمي الذي وضعه أَعداءُ الإِسلام منذ عشرات السنين.
نسأَل الله تعالى بأَسمائه الحسني وصفاته المثلي أَن يثبتنا علي ديننا ويأْخذ بأَيدينا للسير علي الصراط السوي إنه على كل شي قدير.
محمد أحمد باشميل
مكة المكرمة ... رمضان المبارك ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م
стр. 24
بَدْر
بدر -بفتح أَوله وسكون ثانيه- ماء من مياه العرب الشهيرة وأَسواقهم المشهورة، وقد أُطلق على هذا المكان اسم أَول من حفر بئرًا فيه وهو رجل من غفار، واسمه: بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة.
وقال الزبير بن بكار، هو قريش بن الحارث ... سميت به قريش قريشًا، فغلب عليها، لأَنه كان دليلها وصاحب ميرتها، وكانوا يقولون جاءَت عبر قريش، وخرجت عبر قريش، وابنه بدر بين قريش به سميت بدر التي كانت بها الواقعة المباركة (١).
تقع بدر جنوب غرب المدينة، والمسافة بينها وبين المدينة - بطرق القوافل التي سلكها الرسول ﷺ حوالي ١٦٠ ميلًا.
كما أَن بدرًا تقع شمالي مكة، والمسافة بينها وبين مكة - بطرق القوافل القديمة التي سلكها المشركون - حوالي ٢٥٠ ميلًا.
أَما المسافة اليوم بين مكة وبدر - بطرق السيارات - فهي ٣٤٣ كيلو مترًا، والمسافة بين المدينة وبدر بهذا الطريق فهي ١٥٣ كيلو مترًا.
أَما المسافة بين بدر وساحل البحر الأَحمر الواقع غربيها فهي حوالي ثلاثين كيلو مترًا.
стр. 25
الفَصْل الأوّل مَا قبْل المَعْركة
• بدء الصراع بين الإسلام والوثنية في مكة.
• حرب الدعاية والتشويش والإيذاء ضد النبي ﷺ .
• قريش تنذر أبا طالب بحرب أهلية.
• أبو طالب يرفض الإنذار.
• فرض العزل المدني والحصار الاقتصادي علي بني هاشم وبني المطلب.
• فشل سياسة العزل والحصار.
قبل الدخول في تفاصيل هذه المعركة، لا بد من إلقاءِ نظرة عابرة علي الحوادث والتطورات الهامة التي سبقت هذه المعركة مما له علاقة بها ويعد بعضًا من أَسبابها.
لقد استمر الرسول ﷺ في منطقة مكة ثلاث عشرة سنة، وهو يدعو إِلى ربه مناضلًا ومجاهدًا من أَجل نشر العقيدة التي ألقى الله تعالى على عاتقه مهمة نشرها.
وقد كان جهاده (طيلة تلك السنين) جهادًا سلميًا بحتًا لم يشهر فيه سلاحًا. وكان خصوم دعوته من جانبهم (كذلك) يسلكون كافة السبل ويعملون بكل الوسائل لمقاومة دعوة الإِسلام وقطع تيار نورها عن أَقوامهم، (بالإِيذاءِ، بالتهديد، بالمقاطعة) إلا الحرب.
فقد اقتصرت قريش (أول الأمر) في مقاومتها لدعوة الإسلام،
стр. 26
على استخدام وسائل الإعلام والنشر للتشويش علي صوت هذه الدعوة الكريمة لئلا يصل (أَو لكي يصل علي غير حقيقته) إلي الأَسماع.
ففي داخل مكة جندت قريش السفهاء، واستخدمت القاصين والشعراءِ ليقوموا بحملات السخرية والاستهزاءِ ضد النبي ﷺ ويشنوا عليه حرب أعصاب قاسية بغية إقلاقه ومضايقته والتضييق علي الذين اتبعوه رجاء أَن ينفضوا من حوله.
ولقد لاقت هذه الحملات من قريش نجاحًا كبيرًا في أَول الأَمر، حيث تمكنت من عزل الناس عن النبي ﷺ ودعوته عزلًا يكاد يكون تامًّا ... قال ابن هشام:
"إن أَشد ما لقى رسول الله ﷺ من قريش أَنه خرج يومًا فلم يلقه أَحد من الناس إلا كذبه وآذاه، لا حر ولا عبد فرجع ﷺ إلي منزله (مغتمًّا) فتدثر من شدة ما أصابه، فأَنزل الله تعالى عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ, قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، الآية".
تنظيم الحملات الدعائية ضد النبي ﷺ
أما في مجال الدعاية الخارجية (ونعني بها العمل علي صد غير القرشيين عن دعوة الإِسلام) فقد كان القرشيون (في هذا المجال) يقومون بأَعمال المقاومة على شكل وفود وبعثات تشويش وتضليل، وكانت أهم حركات تلك المقاومة، هي حركات تلك الجماعات المنظمة التي كانت قريش تشكلها كل عام عند اقتراب موسم الحج لبلبلة أَفكار الحجاج وتشويش أَذهانهم وتشكيكهم فيما يقوله النبي ﷺ ويدعو إِليه.
لقد فشلت قريش في إِيقاف تيار دعوة محمد ﷺ بالرغم من النجاح الذي أَحرزته ضدها أَول الأَمر - عن طريق حرب الاستهزاءِ
стр. 27
والسخرية والاستعداءِ والتنفير التي كانت تقوم بها داخل مكة - فقد ظل النبي ﷺ ثابتًا علي دعوته لم يتزحزح.
فبدلا من أَن ينكمش نشاط دعوته ويتلاشي داخل مكة (كما كانت تطمع قريش) نقل هذا النشاط إِلي خارج النطاق القرشي، حيث أَخذ في الاتصال بوفود الحجيج من مختلف قبائل العرب التي كانت كلها يوم ذاك علي دين الوثنية، وصار يشرح لهم دعوته وأَهدافها ويدعوهم إلي اعتناق الإِسلام.
برلمان مكة يجتمع
وهنا اتسع نطاق دائرة الخطر بالنسبة لمركز قريش الروحي الممتاز بين العرب، فقد خافت قريش مغبَّة تزايد هذا النشاط النبوي بين وفود الحجيج، ولذلك سارع زعماءُ مكة إِلي الاجتماع في برلمان قريش (دار الندوة) للتشاور فيما يجب اتخاذه من وسائل فعالة يضعون بها حدًّا للنشاط المتزايد الذي يقوم به صاحب الدعوة الجديدة النبي محمد ﷺ مما اعتبروه خطرًا علي دينهم وشتمًا لآلهتهم.
وقد استعرض المجتمعون الموقف من جميع نواحيه وناقشوه مناقشة طويلة واستمعوا إِلي مختلف الحلول والاقتراحات التي تقدم بها بعض الرؤساءِ والقادة.
وكان أَول الخطباءِ في (برلمان مكة) الوليد بن المغيرة المخزومي الذي تحدث إلي المجتمعين قائلًا:
يا معشر قريش إِنه قد حضر هذا الموسم (يعني الحج) وإِن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأَمر صاحبكم هذا (يعني النبي ﷺ )، فأجمِعوا فيه رأْيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم
стр. 28
بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا: فأَنت يا أَبا عبد شمس، فقال وأَقم لنا رأْيًا نقول به، قال .. بل أَنتم فقولوا أَسمع، وهنا تعاقب الخطباءُ للإِدلاء بآرائهم، فقال أحدهم .. نقول كاهن .. فقال الوليد .. لا والله ما هو بكاهن. لقد رأَينا الكهّان فما هو بزمزمة الكهان (١) ولا سجعه، فقالوا .. نقول مجنون .. قال: ما هو بمجنون، لقد رأَينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، قالوا .. فنقول شاعر، قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا .. فنقول ساحر، قال .. ما هو بساحر، لقد رأَينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا، فما نقول يا أبا عبد شمس؟ ؟ فقال لهم (في صراحة): والله إن لقوله لحلاوة، وإِن أَصله لعذق (٢)، وإِن فرعه لجناة، وما أَنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أَنه باطل، ثم قال لهم الوليد:
وإِن أقرب القول فيه لأَن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرءِ وأَبيه، وبين المرءِ وأخيه، وبين المرءِ وزوجته، وبين المرءِ وعشيرته، وقد وافق المجتمعون علي هذا الاقتراح الذي قدمه الوليد بن المغيرة بالإِجماع.
منظمات التشويش
وتنفيذًا لهذا الاقتراح نظمت قريش جماعات مخصوصة كَلفتها بالمرابطة في كل سبيل يمر به القادمون إلي الحج لتذكر لهم أَمر
стр. 29
النبي ﷺ وأنه ساحر يفرق بين المرء وأبيه الخ، وتحذرهم الاستماع إليه والإصغاء لما يقول:
قال ابن إسحاق .. فجعل أُولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله ﷺ لمن لقوا من الناس. . وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
غير أن كل هذه المقاومة الدعائية أو الحرب الباردة (كما يسمونها اليوم) لم تستفد قريش منها شيئًا، فلم تفتَّ في عضد النبي ﷺ ولم توهن من عزمه كل المشاغبات والعراقيل والاتهامات الي قامت بها قريش لصد الناس عن الإسلام، والتأثير على حامل رسالته رجاء أن يتخاذل فيتخلى عن دعوته، بل ظل النبي الأعظم ﷺ صامدًا في وجه كل هذه الأحداث المتعبة، يواصل الدعوة إلى ربه صابرًا محتسبًا، غير آبه بكل ما يعترضه من عراقيل، فزاد أمره انتشارًا، وتزايد عدد الذين اتبعوه على دينه، مما ضاعف قلق قريش وزاد من حيرتها.
التهديد بالحرب الأهلية
ولما رأى قادة مكة أنهم قد فشلوا في حربهم الدعائية المنظمة التي شنوها على النبي ﷺ ودعوته، وتأكد لديهم تصميم الرسول على المضي في دعوته مهما كلفه الأمر، سلكوا سبيلًا آخر لإجبار النبي محمد ﷺ على التخلي عن دعوة الإسلام التي قامت على أساس هدم الوثنية التي هي دين القرشيين يوم ذاك ... سلكوا سبيل التهديد بالحرب أن لم يكف محمد ﷺ عن عيب آلهتهم ودعوة الناس إلى اعتزالها.
ولما كان أبو طالب (وهو عم النبي وكافله بعد جده عبد المطلب) بمثابة الحامي لرسول الله ﷺ والذائد عنه بين هذه القبائل الناقمة
стр. 30
عليه، فقد قررات قريش إرسال وفد إلى أبي طالب ليبلغه احتجاجها الشديد على ما يقوم به ابن أخيه النبي محمد ﷺ من عيب لآلهتها وتحقرها لأوثانها، وقد فوض برلمان مكة أعضاء هذا الوفد بأن يحذر عميد الأسرة الهاشمية (يوم ذاك أبا طالب) من حرب أهلية قد يندلع لهيبها إذا ما استمر ابن أخيه في دعوته القائمة على هدم الوثنية ونبذ الأصنام، واستمر هو (أي أبا طالب) في حمايته لابن أخيه وسكوته على ما يقوم بهه من نشاط معاد لدينهم.
وفد قريش عند أبي طالب
وفعلًا اجتمع وفد دار الندوة بعميد الأُسرة الهاشمية بمقره في نادى بني هاشم.
وعلي مسمع من أقطاب أسرة بنى عبد مناف تكلم رئيس الوفد وقال:
يا أبا طالب .. إن لك سنًّا وشرقًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين"، أو كما قال له.
ولقد أثَّرت كلمات هذا الإنذار الشديد على أبي طالب تأثيرًا كبيرًا، ودب عند سماعها ضعف الشيخوخة في نفسه فكاد يرضخ للإنذار.
فقد بعث إلى رسول الله ﷺ ، ولما حضر أبلغة خبر الوفد الذي جاء إليه بشأنه، وحدّثه عن الإنذار الشديد الذي تبلغه من قبائل قريش على لسان ذلك الوفد، ثم قال له طالبًا منه الكف عن عيب آلهتهم: "فأبْقِ علي وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أُطيق".
стр. 31
وكان هذا كافيًا لأن يفهم النبي ﷺ أن عمه قد ضعف عن نصرته وفكر في التخلي عنه.
إلَّا أن النبي ﷺ أَمام هذا الحدث العظيم أعلن - دونما أي تردد أو تلجلج - بأنه غير مستعد للدخول في آية مساومة على حساب الإخلال بالأمانة العظمى التي كلفه الله بأدائها، حتى وإن تخلى عمه أبو طالب عن نصرته.
فقد قال لعمه (وفي عزم يدكُّ الجبال): "ويا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأَمر ما تركته"، ثم غادر المجلس.
أبو طالب يرفض الإنذار
غير أن هذه الكلمات النبوية كان وقعها على نفس أبي طالب أشد من وقع كلمات الإنذار الذي سمعه من وفد قريش، فلم يكد يسمع هذه الكلمات العظيمة من ابن أخيه النبي حتى عاد إليه صوابه، فقد نسى قريشًا وتناسى قوتها أمام تلك الكلمات النبوية الرائعة، ونادى ابن أخيه محمدًا ﷺ وكان قد ولَّى خارجًا؛ - فقال له .. أقبل يا ابن أَخي، فلما أَقبل عليه رسول الله ﷺ قال له:
"اذهب يا ابن أخي، فقال ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشئ أبدًا" وقد كان أبو طالب يعرف ماذا سيكون رد الفعل من جانب قريش إزاءَ تصريحه بحماية ابن أَخيه وعدم التخلى عنه، ولذلك فقد استدعى زعماءَ بني هـہاشم وبني المطلب، وأَبلغهم خطورة الموقف (بعد التصريح الذي أَدلي به وتحدثت به مكة كلها) وطلب منهم أن يكونوا بجانبه لحماية محمد من قريش، فاستجاب له جميع بني المطلب وبني هاشم
стр. 32
(مسلمهم وكافرهم) إلا أبا لهب (عم النبي ﷺ ) فإنه صارحهم العداوة ورفض الانضمام إليهم وانضم إلى خصومهم.
وبهذا التصريح الذي أدلى به أبو طالب وأَبلغه زعماءَ مكة رسميًا، دخل النزاع بين الوثانية والإسلام في طور جديد، وازدادات مخاوف قريش أَكثر من ذي قبل، لا سيما بعد موقف التحدي الذي وقفته لهما وزنهما الكبير بين القبائل المكية، سواءٌ كان ذلك في ميدان الحرب أو السياسة.
ولا شكَّ أن قريشًا قد فكرت في شن حرب دموية على قبيلتي بني الإسلام، ولكن عقلاءَ قريش خافوا مغبة هذه الحرب الأَهلية التي خوفهم منها دائمًا هو الذي كان يحول بينهم وبين الإقدام على قتل النبي الأَعظم.
ولذلك عدلوا هذه المرة (أيضًا) عن اتباع خطة الحرب الدموية لمقاومة دعوة الإسلام (ولو مؤقتًا) ولجأُوا (بدلا عنها) إلى حرب المقاطعة، وهي لا شك حرب قاسية لا تقل ضررًا عن الحرب الدامية، ففرضوا الحصار الاقتصادي على قبيلتي بني هاشم وبني المطلب، كما اتبعوا خطة عزل هاتين القبيلتين عن المجتمع القرشي عزلا تامًّا.
قريش تساوم الرسول شخصيًا
غير أن قريشًا قبل أن تقدم على تنفيذ مخطط الحصار الاقتصادى والعزل الاجتماعى، لجأَت إلى مساومة النبي ﷺ شخصيًا، لعله يقبل المساومة فتنتهى الخصومة.
стр. 33
فقد تحدث مرة عتبة بن ربيعة في برلمان مكة واستعرض تزايد خطر الدعوة المحمدية بشدة إقبال الناس عليها وخاصة الشباب القرشي، وكان عتبة هذا من سادات بني عبد مناف وذوي الحلم والرأى فيهم وبعد مناقشات ومداولات وافق برلمان مكة (دار الندوة) على انتداب عتبة هذا شخصيًا، ليتصل بمحمد شخصيًا أيضًا فيساومه ويعرض عليه كل ما يمكن أن يرضيه من منصب أو جاه أو مال لقاءَ سكوته عن دعوته.
وفعلا تم الاجتماع الشخصي بين الزعيم القرشي (عتبة) والنبي محمد ﷺ ، وفي هذا الاجتماع (الذي كاد يكون سريًا) قال عتبة لمحمد ﷺ :
يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأَمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفَّرت به من مضي من آبائهم، فاسمع مني أَعرض عليك أُمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
فقال رسول الله ﷺ ... قل يا أبا الوليد أسمع.
قال: يا ابن أَخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أَموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا حتى لانقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأْتيك رئيًا (١) تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا لك فيه أَموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع (٢) على الرجل حتى يداوي منه.
стр. 34
فشل خطة المساومة
فلما انتهى عتبة بني ربيعة حديثه، قال له رسول الله ﷺ : أقد فرغت يا أبا الوليد؟ ؟ قال .. نعم قال ﷺ فاسمع مني، قال: أَفعل، فقال النبي ﷺ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١)، ثم مضى ﷺ في تلاوة آيات هذه السورة. وعتبة يستمع إليه منصتًا وقد أَلقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، ولما وصل النبي ﷺ إلى السجدة منها قطع التلاوة ثم سجد لله تعالى، وبعدها قال لزعيم قريش ومندوبها (عتبة بن ربيعة) .. قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، وكان النبي ﷺ يعني أن جواب قريش على عروضها واقتراحاتها التي حملها عتبة هو ما سمعه عتبة من الآيات القرآنية التي تلاها عليه من سورة السجدة.
ولقد دهہش عتبة لبلاغة وروعة ما سمع حتى لقد ارتج عليه فلم يرد على النبي ﷺ بكلمة واحدة، بل بمجرد انتهاء الرسول ﷺ من تلاوة الآيات البينات على مسامع عتبة، انصرف هذا مأخوذًا إلى قومه، وقد تغيير رأيه في النبي ﷺ وتبدل موقفه من دعوته تبدلًا جذريًا.
وقد عرف زعماءُ مكة هذا التغير والتبدل في وجه عتبة لما أقبل عليهم، فقال بعضهم (بعد أن رأَى عتبة قادمًا): نحلف بالله، لقد جاءَكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
стр. 35
وكان عتبة بن ربيعة من خيار القوم وذوي العقل الراجح، وكان مشهورًا ببعد النظر وأَصالة ألفكر وحسن السياسة وشدة الصراحة.
ولذلك فإنه لما جلس إلى زعماء مكة وقالوا (مستفسرين عن نتائج محادثاته مع الرسول ﷺ ): ما وراءك يا أبا الوليد؟ ؟ قال:
ورائى أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا هو بالسحر، ولا بالكهانة، ثم قال ناصحًا قومه ... يا معشر قريش اطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل (يعني محمدًا ﷺ ، وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكهـ ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا .. سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيى فاصنعوا ما بدا لكم.
وبدلا من أَن تستجيب قريش لنصيحة عتبة بن ربيعة اتهمته بأنه قد وقع تحت تأثير سحر محمد ﷺ ، فقالوا له .. سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه .. فقال لهم عتبة (بلسان الواثق بما يقول) .. هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.
سياسة العزل الاجتماعي والمقاطعة الاقتصادية
ولما فشلت قريش في حمل النبي ﷺ على التخلي عن دعوته، ابن ربيعة في ذلك، كما فشلت من قبل في إقناع أَبي طالب وبني هاشم وبني المطلب بالتخلى عن رسول الله ﷺ ، لجأت إلى تنفيذ مخطط الحرب الاقتصادية والاجتماعية ضد هاتين القبيلتين (بني هاشم وبني المطلب)، ففرضت عليهما حصارًا اقتصاديًا خانقًا وعزلًا اجتماعيًا قاسيًا.
стр. 36
فقد اجتمعت في برلمانها للتشاور فيما يجب أن يتخذوه من خطوات حاسمة إزاء الانتصارات المتزايدة التي تسجلها دعوة النبي ﷺ يومًا بعد يوم، لا داخل مكة فحسب، بل وخارجها بين القبائل المجاورة، ومما زاد مركز قريش حرجًا أن أسلم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب، وهما رجلان تحسب لهما قريش حسابًا كبيرًا، وفعلا أحدث إسلامهما ثقلًا كبيرًا في كفة المسلمين الذين اشتد بهما جانبهم.
موافقة البرلمان على قرار المقاطعة
فإزاء هذا كله اتخذ برلمان مكة قرارًا يقضي بفرض الحصار الاقتصادي والعزل الاجتماعي على قبيلتي بني هاشم وبني المطلب، الشديد، فلم تخذل محمدًا بل ظلت بجانبه تحميه بالرغم من الأضرار الجسيمة التي نزلت بها نتيجة لذلك الحصار الشديد.
قال ابن إسحاق، فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه. وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم، أن يكتبوا كتابًا يتعاقدوا فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم.
فلما فعلت ذلك قريش انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب،
стр. 37
فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب (عبد العزى بن عبد المطلب) إلى قريش فظاهرهم.
تطور النزاع بعد المقاطعة
وهكذا تطور النزاع بين الفريقين واتسع نطاقه، حيث لم يعد محمد ﷺ وحده في الميدان، بل وقفت إلى جانبه قبيلتان لا يستهان بهما من قبائل قريش.
ولقد اشتد الحصار على المسلمين ومن معهم من قبيلتي بني هاشم والمطلب، وتعنتت قريش في مقاطعتها الآثمة، حتى أقامت مخافر على الطرق المؤدية إلى الشعب الذي حوصر فيه المسلمون، لمراقبة ما قد يتسرب على أيدى بعض ذوي المروءات من طعام إلى المحصورين في الشعب، والدليل على ذلك أن أبا جهل بن هشام كان بنفسه يقوم (أحيانًا) بأعمال الدورية لهذا الغرض، فقد التقى أبو جهل مرة بحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، ولدي تفتيشه وجد غلامًا له يحمل شيئًا من القمح يريد إيصاله إلى عمته خديجة بنت خويلد (١)
стр. 38
(زوجة رسول الله ﷺ والموجودة عنده في الشعب) فمنعه من ذلك وحاول مصادرة القمح.
دوام الحصار ثلاث سنوات
وقد دامت المقاطعة التي فرضتها قريش علي بني هاشم وبني المطلب ثلاث سنوات كاملة، عانى المحصورون فيها الحرمان ألوانًا، وبلغ بهم الضيق غايته، فلم يكن يتاح لهم الاتصال بالناس أو الاختلاط بهم، فتضرروا لذلك كثيرًا.
وقد كانت قريش تهدف من وراء سياسة التجويع والمقاطعة هذه إجبار قوم محمد (من بني هاشم وبني المطلب) على اعتزاله ليعود وحيدًا فلا يبقي له ولا لدعوته من خطر.
ولكن هذه السياسة الغاشمة لم تحقق لقريش شيئًا مما كانت تهدف إليه، فلم يردد محمد ﷺ إلا اعتصامًا بحبل الله وثباتًا على عقيدته، ولم يزدد الذين آمنوا به إلا تكتلًا والتفافًا حوله، وظل الذين لم يتابعوه على دينه من أهله بجانبه يحرسونه ويذودون عنه، ولم تؤثر على موقفهم سياسة التجويع والمقاطعة بأي حال من الأحوال.
أما بالنسبة لانتشار الإسلام، فإن تنفيذ مخطط الحصار الاقتصادى
стр. 39
والعزل الاجتماعي ضد النبي ومن ناصره وآمن به لم يكن له أثر فعال في منع هذا الدين من الانتشار، فقد ظلت الدعوة إلى الإسلام تشق طريقها وتسجل كل يوم نصرًا جديدًا، لا بين أهل مكة فحسب، بل بين كثير من قبائل العرب خارج مكة، فقد فشا ذكر الإِسلام في شبه الجزيرة العربية بأَكملها، مما حمل الكثير على السفر إلى مكة للتعرف على هذا الدين الذي جاء به من عند الله، ثم الدخول فيه بعد الاقتناع بصدقه.
إلغاء الحصار الآثم
ظل النبي ﷺ ومن تبعه على دينه ناصره من ليس علي دينه، ظلوا صامدين ثابتين أمام تعنت قريش وتعسفها، وتحدوا ذلك الحصار الآثم بشجاعة وثبات، بالرغم من أنهم كادوا أَن يهلكوا جوعًا لشدة ذلك الحصار الاقتصادي الخانق، لولا أَن بعض المروءَة والنجدة من مشركي مكة أَنفسهم، كانوا يقومون (في ظلام الليل) بتهريب بعض الأَطعمة الضرورية إِليهم داخل الشعب.
غير أَن العنت والتعسف والقسوة إِذا كانت قد بلغت من أَكثر زعماءِ مكة غايتها، فارتكبوا جريمة المقاطعة الاقتصادية والعزل الاجتماعى في حق إخوانهم وأَبناءِ عمومتهم وأَصهارهم من بني هاشم وبني المطلب، فإن ضمائر بعض هؤلاءِ الزعماءِ قد تيقظت فشعروا بفدح ما ارتكبہت قريش من ظلم وقسوة وتعسف.
فقد تذاكر هؤلاءِ الزعماءُ حول بشاعة الجريمة التي ارتكبتها قريش بحق المحصورين في الشعب، وتعاهدوا على إزالة معالم هذه الجريمة بالسعي الجدى لإِلغاءِ ذلك الحصار الآثم.
стр. 40
بل لقد بلغ بهم النبل إلى التعاهد على تحقيق هذا المطلب الشريف، حتى ولو أَدى بهم الأمر إلى أَن يمزقوا بأَيديهم صحيفة المقاطعة الظالمة المعلقة في جوف الكعبة.
النبلاء الخمسة
وكان الدين فكروا في هذا العمل النبيل ونفذوه في النهاية هم:
١ - هشام بن عمرو بن ربيعة العامري (١).
٢ - زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي (٢).
٣ - المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف (٣).
(٤) - البختري بن هشام (٤).
٥ - زمعة بن الأَسود بن المطلب الأسدي (٥).
فقد عقد هؤلاء الخمسة النبلاءُ، اجتماعًا سريًا فيما بينهم (ليلا) في منطقة الحجون بأَعلى مكة، وتم الاتفاق فيما بينهم على تمزيق الصحيفة ليكون ذلك نهاية المقاطعة الآثمة.