فقد اجتمعت في برلمانها للتشاور فيما يجب أن يتخذوه من خطوات حاسمة إزاء الانتصارات المتزايدة التي تسجلها دعوة النبي ﷺ يومًا بعد يوم، لا داخل مكة فحسب، بل وخارجها بين القبائل المجاورة، ومما زاد مركز قريش حرجًا أن أسلم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب، وهما رجلان تحسب لهما قريش حسابًا كبيرًا، وفعلا أحدث إسلامهما ثقلًا كبيرًا في كفة المسلمين الذين اشتد بهما جانبهم.
موافقة البرلمان على قرار المقاطعة
فإزاء هذا كله اتخذ برلمان مكة قرارًا يقضي بفرض الحصار الاقتصادي والعزل الاجتماعي على قبيلتي بني هاشم وبني المطلب، الشديد، فلم تخذل محمدًا بل ظلت بجانبه تحميه بالرغم من الأضرار الجسيمة التي نزلت بها نتيجة لذلك الحصار الشديد.
قال ابن إسحاق، فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه. وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم، أن يكتبوا كتابًا يتعاقدوا فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم.
فلما فعلت ذلك قريش انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب،
стр. 37
فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب (عبد العزى بن عبد المطلب) إلى قريش فظاهرهم.
تطور النزاع بعد المقاطعة
وهكذا تطور النزاع بين الفريقين واتسع نطاقه، حيث لم يعد محمد ﷺ وحده في الميدان، بل وقفت إلى جانبه قبيلتان لا يستهان بهما من قبائل قريش.
ولقد اشتد الحصار على المسلمين ومن معهم من قبيلتي بني هاشم والمطلب، وتعنتت قريش في مقاطعتها الآثمة، حتى أقامت مخافر على الطرق المؤدية إلى الشعب الذي حوصر فيه المسلمون، لمراقبة ما قد يتسرب على أيدى بعض ذوي المروءات من طعام إلى المحصورين في الشعب، والدليل على ذلك أن أبا جهل بن هشام كان بنفسه يقوم (أحيانًا) بأعمال الدورية لهذا الغرض، فقد التقى أبو جهل مرة بحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، ولدي تفتيشه وجد غلامًا له يحمل شيئًا من القمح يريد إيصاله إلى عمته خديجة بنت خويلد (١)
стр. 38
(زوجة رسول الله ﷺ والموجودة عنده في الشعب) فمنعه من ذلك وحاول مصادرة القمح.
دوام الحصار ثلاث سنوات
وقد دامت المقاطعة التي فرضتها قريش علي بني هاشم وبني المطلب ثلاث سنوات كاملة، عانى المحصورون فيها الحرمان ألوانًا، وبلغ بهم الضيق غايته، فلم يكن يتاح لهم الاتصال بالناس أو الاختلاط بهم، فتضرروا لذلك كثيرًا.
وقد كانت قريش تهدف من وراء سياسة التجويع والمقاطعة هذه إجبار قوم محمد (من بني هاشم وبني المطلب) على اعتزاله ليعود وحيدًا فلا يبقي له ولا لدعوته من خطر.
ولكن هذه السياسة الغاشمة لم تحقق لقريش شيئًا مما كانت تهدف إليه، فلم يردد محمد ﷺ إلا اعتصامًا بحبل الله وثباتًا على عقيدته، ولم يزدد الذين آمنوا به إلا تكتلًا والتفافًا حوله، وظل الذين لم يتابعوه على دينه من أهله بجانبه يحرسونه ويذودون عنه، ولم تؤثر على موقفهم سياسة التجويع والمقاطعة بأي حال من الأحوال.
أما بالنسبة لانتشار الإسلام، فإن تنفيذ مخطط الحصار الاقتصادى
стр. 39
والعزل الاجتماعي ضد النبي ومن ناصره وآمن به لم يكن له أثر فعال في منع هذا الدين من الانتشار، فقد ظلت الدعوة إلى الإسلام تشق طريقها وتسجل كل يوم نصرًا جديدًا، لا بين أهل مكة فحسب، بل بين كثير من قبائل العرب خارج مكة، فقد فشا ذكر الإِسلام في شبه الجزيرة العربية بأَكملها، مما حمل الكثير على السفر إلى مكة للتعرف على هذا الدين الذي جاء به من عند الله، ثم الدخول فيه بعد الاقتناع بصدقه.
إلغاء الحصار الآثم
ظل النبي ﷺ ومن تبعه على دينه ناصره من ليس علي دينه، ظلوا صامدين ثابتين أمام تعنت قريش وتعسفها، وتحدوا ذلك الحصار الآثم بشجاعة وثبات، بالرغم من أنهم كادوا أَن يهلكوا جوعًا لشدة ذلك الحصار الاقتصادي الخانق، لولا أَن بعض المروءَة والنجدة من مشركي مكة أَنفسهم، كانوا يقومون (في ظلام الليل) بتهريب بعض الأَطعمة الضرورية إِليهم داخل الشعب.
غير أَن العنت والتعسف والقسوة إِذا كانت قد بلغت من أَكثر زعماءِ مكة غايتها، فارتكبوا جريمة المقاطعة الاقتصادية والعزل الاجتماعى في حق إخوانهم وأَبناءِ عمومتهم وأَصهارهم من بني هاشم وبني المطلب، فإن ضمائر بعض هؤلاءِ الزعماءِ قد تيقظت فشعروا بفدح ما ارتكبہت قريش من ظلم وقسوة وتعسف.
فقد تذاكر هؤلاءِ الزعماءُ حول بشاعة الجريمة التي ارتكبتها قريش بحق المحصورين في الشعب، وتعاهدوا على إزالة معالم هذه الجريمة بالسعي الجدى لإِلغاءِ ذلك الحصار الآثم.
стр. 40
بل لقد بلغ بهم النبل إلى التعاهد على تحقيق هذا المطلب الشريف، حتى ولو أَدى بهم الأمر إلى أَن يمزقوا بأَيديهم صحيفة المقاطعة الظالمة المعلقة في جوف الكعبة.
النبلاء الخمسة
وكان الدين فكروا في هذا العمل النبيل ونفذوه في النهاية هم:
١ - هشام بن عمرو بن ربيعة العامري (١).
٢ - زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي (٢).
٣ - المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف (٣).
(٤) - البختري بن هشام (٤).
٥ - زمعة بن الأَسود بن المطلب الأسدي (٥).
فقد عقد هؤلاء الخمسة النبلاءُ، اجتماعًا سريًا فيما بينهم (ليلا) في منطقة الحجون بأَعلى مكة، وتم الاتفاق فيما بينهم على تمزيق الصحيفة ليكون ذلك نهاية المقاطعة الآثمة.
стр. 41
وقد رسموا لتنفيذ ذلك محكمة حيث اتفقوا على أن يقف زهير بن أَبي أُمية بين أَندية قريش في المسجد ويشجب ما تضمنته تلك الصحيفة من مقاطعة بنى هاشم وبنى عبد المطلب ويدعوا إِلى إِنهاء هذه المقاطعة، وإِذا ما عارضه أَحد من زعماء مكة سارع إِلى تأْييده بقية الخمسة حسب تكتيك منظم اتفاق عليه الخمسة في اجتماعهم السري بالحجون.
هذا أمر قضي بليل
ففي صبيحة تلك الليلة غدا كل من النبلاءِ الخمسة إِلى نادى قومه بالمسجد، وغدا زهير بن أَبي أُمية فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على أَندية قريش ونادى بصوت يسمعه الجميع:
يا أهل مكة، أَنأْكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع , ولا يبتاع منهم؟ ، والله لا أَقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة (١).
وهنا ثار أَبو جهل غاضبًا وصاح بزهير بن أَبي أُمية ... كذبہت والله لا تشق، فقاطع أَبا جهل (حسب الخطة المرسومة) زمعة بن الأسود قائلًا .. أَنت والله أَكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت، ثم ساند زمعة في قوله أبو البختري بن هشام قائلا ... صدق زمعة، لا نرضي ما كتب فيها ولا نقرّ به، ثم ساند الثلاثة في رأْيهم المطعم بن عدي فقال - معقبًا بالتأْييد على قول زمعة وأَبي البخترى - صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأُ إلى الله منها، ومما كتب فيها ولا نقر به.
стр. 42
تمزيق الصحيفة وانتهاء المقاطعة
وهنا أَدرك أَبو جهل أَن الأَمر قد جاءَ بتدبير سابق، فقال كلمته المشهورة .. هذا أَمر قضي بليل .. كما أَنه أَيقن أنه من الصعب الحيلولة بين هؤلاءِ الزعماءِ الخمسة وبين ما اعتزموا تحقيقه من إنهاءِ المقاطعة، وأَن مقاومتهم قد تثير شرًّا وتشعل حربًا، فتراجع ولاذ بالصمت، وهنا تقدم المطعم بن عدي إلى صحيفة المقاطعة ليمزقها، ليكون ذلك إيذانًا بانتهاء المقاطعة الآثمة، فوجد الصحيفة قد أَكلتها الأَرضة إلا فاتحتها (باسمك اللهم). وبتمزيق الصحيفة وإِخراجها من جوف الكعبة أصبح الحصار الاقتصادى والعزل الاجتماعى (الذي فرضته قريش علي بنى هاشم وبنى المطلب) لاغيًا.
وبهذا خرج المسلمون ومَن ناصرهم من مشركى بنى هاشم وبنى المطلب منتصرين من محنتهم، وعادوا من الشعب إِلى مكة لم تنحن لهم هامة، يبيعون كما يشاؤون، وتنفست الدعوة الإِسلامية الصعداء من جديد وازداد نشاطها، وفشلت (نهائيًا) سياسة التجويع والتضييق والمقاطعة.
стр. 43
الفصل الثاني
* التحول الخطير في الصراع.
* اللقاء الأول بين النبي والأنصار.
* بيعة العقبة الأولى.
* التحالف العسكري بين النبي والأنصار.
* قريش تنزعج وتحتج على هذا التحالف.
* هجرة المسلمين قبل النبي ﷺ إلى المدينة.
* برلمان مكة في جلسته التاريخية.
* إجماع قريش على قتل النبي ﷺ ومنعه من الهجرة.
* فشل المؤامرة ونجاح الهجرة.
لقد ظلت جل أَعمال المقاومة القرشية لدعوة الإسلام وحامل لوائها منذ بدأَت مقتصرة على حرب الدعاية والتضييق والإِعانات والمقاطعة، وكان كفار مكة يظنون أَن سلوك هذا السبيل كفيل وحده بأَن يحقق لهم ما يصبون إليه من تفرّق الناس عن النبي ﷺ وانفضاض أَتباعه من حوله، وتركه ودعوته وحيدًا في الميدان مما يحقق لها الظفر به والقضاء عليه منفردًا.
إِلا أَنه في أَواخر سنوات الصراع حدث تطور سياسي خطير، أَقضَّ مضاجع مشركى مكة، وأَثبت لهم خطأَ ظنهم وجعلهم يغيِّرون من
стр. 44
نظرتهم إِلى المشكلة، وهذا التطور هو نجاح النبي ﷺ في الاتصال بأَهل يثرب وإِقناع الكثير منهم باعتناق الإِسلام، ثم إِقامة حلف عسكري بينهم وبين النبي ﷺ يہمنعونه بموجبه كمھايھمنعون أَنفسهم ونساءَهم وأَولادهم.
فقد كان من عادة النبي ﷺ أن يغتنم فرصة كل موسم من مواسم الحج فيعرض نفسه على قبائل العرب ويشرح لهم دعوته وأَهدافها، ويدعوهم إلى الإِسلام.
وأَثناءَ هذا العرض اتصل ببعض رجالات قبيلتى الأَوس والخزرج (١) من سكان يثرب، وهم من قبائل قحطان، وأَقوى القبائل العربية وأَمنعها في الجزيرة.
أَول لقاء بين النبي ﷺ والأَنصار
وكان أَول من لقى رسول الله ﷺ من أهل المدينة ستة نفر من شباب الخزرج، التقى بهم ﷺ في موسم الحج عند العقبة من منى، فقال لهم .. من أَنتم؟ ؟ .
قالوا .. نفر من الخزرج ..
قال .. أَمن موالى يهود؟ ؟ . أَى حلفاءِهم.
قالوا: نعم. قال: أَفلا تجلسون أَكلِّمكم؟ .
قالوا: بلى .. فجلسوا معه، فشرح لهم حقيقة دعوته، ودعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، فوقع قوله من نفوسهم موضع الرضى والقبول، واستبشروا به خيرًا.
стр. 45
وكان هؤلاءِ الرهط من عقلاءِ يثرب التي أَنهكتها الحرب الأَهلية المستعر لهيبها بين الأَوس والخزرج، فأَمَّلوا أَن يضع الله بدعوته حدًّا للحرب الأَهلية المدمرة الناشبة في يثرب.
فقالوا للنبي ﷺ بعد أَن قبلوا ما عرض عليهم من الإِسلام -: إِنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أَن يجمعهم الله بك.
وأَبدوا استعدادهم للنبي ﷺ أَن يكونوا رسل دعوته إِلى أَهل يثرب قائلين:
فسنقدم عليهم، فندعوهم إِلى أَمرك، ونعرض عليهم الذي أَجبناك إِليه من هذا الدين، فإِن يجمعهم الله عليه فلا رجل أَعز منك، فكان هؤلاء النفر أول من أَسلم من الأَنصار.
وكان هذا اللقاءُ بين النبي وأَهل يثرب سنة ثلاث قبل الهجرة (على أَغلب الظن).
وبعد أن أسلم هؤلاء، حملوا إلى المدينة (ولأَول مرة) رسالة الإِسلام، وصاروا يبثونها (بكل جد وإِخلاص) بين قبائلهم في يثرب فلم يستدر العام إِلا وقد انتشر ذكر النبي في كل دار من دور أَهل المدينة.
وأَسماءِ رجال هذه الطليعة المباركة هم:
١ - أَسعد بن زرارة (من بنى النجار). (١)
стр. 46
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة (من بنى النجار) (١).
٣ - رافع مالك بن العجلان (من بنى زريق) (٢).
٤ - عقبة بن عامر بن حديدة (من بنى سلمة) (٣).
٥ - عقبة بن عامر بن نابى (من بنى حرام بن كعب) (٤).
٦ - جابر بن عبد الله بن رئاب (من بنى عبيد بن غنم) (٥).
بيعة العقبة الأولى
وفي العام التالي للقاء الأَول بين النبي والطليعة المباركة (النفر الستة) الْتقى النبي ﷺ وفي موسم الحج - بإثنى عشر رجلا من
стр. 47
الأَنصار عند العقبة، فيهم أَربعة من الستة الذين التقوا بالرسول ﷺ ، في العام السابق، وهناك بايعوا رسول الله ﷺ بيعة النساء (كما يقول ابن إِسحاق) وهي أنهم التزموا بموجب هذه البيعة العمل بأَحكام الإِسلام من فعل الواجبات وترك المحرّمات، ولم يأْت ذكر في هذه البيعة للناحية العسكرية، لأَن هذه البيعة تمت قبل أَن يأْذن الله لنبيه بالقتال.
سفير النبي في المدينة
وبينما كانت قريش تشدد من ضغطها على النبي ﷺ وتضاعف من إِيذائها للضعفاءِ من أَتباعه، كان ﷺ يوثق من صلاته بأَهل يثرب ويوسع من نطاق اتصالاته بهم.
فبعد أَن تمت بيعة العقبة الأُولى، وانتهى موسم الحج بعث مع القوم الذين عقدوا معه هذه البيعة أَول سفير له في يثرب ليعلِّم المسلمين فيها شرائع الإِسلام ويفقههم في الدين، ويقوم بنشر الإِسلام بين الذين لا زالوا على الشرك ..
وقد اختار النبي ﷺ لهذه السفارة الشاب الصالح التقى الشجاع (مصعب بن عمير العبدرى) (١)، الذي كان من السابقين الأَولين إِلى الإِسلام من شباب قريش.
ولقد أَثبت الشاب مصعب أَنه خير سفير للإِسلام اعتمده، النبي ﷺ لدي أَهل يثرب، فقد قام بمهمته خير قيام، إِذ استطاع بدماثة خلقه وصفاءِ نفسه أَن يجمع كثيرا من أَهل يثرب على الإِسلام حتى إِن قبيلة من أَكبر قبائل يثرب (وهي قبيلة بنى عبد الأَشهل) قد أَسلمت جميعها على يده بقيادة رئيسها سعد بن معاذ.
стр. 48
عودة السفير إلى مكة
وبعد أَن اطمأَن سفير الإِسلام الأَول (مصعب) إِلى نجاح الدعوة وشاهد مغتبطًا، سرعة انتشار دين الله بين تلك القبائل القحطانية العظيمة التي صارت فيما بعد أَعظم قوة حربية اعتمد عليها الإِسلام في عهده الأَول، وبعد أَن قضى هذا السفير النبوى بين أَهل يثرب تسعة أَشهر، عاد إِلى مكة يحمل إِلى رسول الله ﷺ بشائر الفوز، وقدم له تقريرًا ضافيًا عن النجاح الباهر المطَّرد الذي تلاقيه دعوة الإِسلام بين قبائل الأَوس والخزرج، وقص على النبي ﷺ خبر هذه القبائل، وما هي عليه من منعة وقوة .. فسر النبي ﷺ لهذا النصر العظيم الذي سجلته دعوة الإِسلام في يثرب على يد ذلك السفير الشاب التقى الصالح مصعب بن عمير.
معاهدة العقبة الثانية
وفي العام التالي للبيعة الأُولى (أَى سنة اثنين قبل الهجرة النبوية) حضر لأَداء مناسك الحج من أَهل يثرب ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأَتان ممن أسلموا. وقد جاءُوا ضمن حجاج قومهم من أهل الشرك.
وبمجرد وصولهم إِلى مكة، جرت الاتصالات (سرًّا) بينهم وبين النبي ﷺ وانتهت هذه الاتصالات بالاتفاق على أَن يجتمع الفريقان في اليوم الثاني من أَيام التشريق، على أَن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة وفي ظلام الليل، وقد حددوا مكانًا لهذا الاجتماع .. الشِّعب من منى عند العقبة حيث الجمرة الأُولى، أَو الشيطان الكبير (كما يسميه العامة اليوم).
وفي الميعاد المحدد من تلك الليلة، حضر النبي ﷺ إِلى الشعب عند العقبة وأَخذ الأَنصار يتوافدون على النبي، واحدًا بعد واحد (في
стр. 49
ظلام الليل) خوفًا من أَن ينكشف أَمرهم لكفار مكة والمشركين من قومهم أهل يثرب.
ولنترك أَحد قادة الأَنصار يصف لنا كيف تم ذلك الاجتماع التاريخي الذي كان بداية التحول الخطير في تاريخ الصراع بين الإِسلام والوثنية .. وهو كعب بن مالك (١) ﵁:
قال كعب .. ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أَوسط أَيام التشريق، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام (٢)، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له .. يا أَبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أَشرافنا، وإنا نرغب بك عما أَنت فيه أَن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأَخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة قال .. فأَسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا.
قال كعب، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحلنا لمعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأَتان من نسائنا .. نسيبة بنت كعب، أُم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأَسماء بنت عمرو، وهي أُم منيع ..
فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب - وهو يومئذ على دين قومه -. إلا أنه أحب أَن يحضر أَمر أن يحضر أمر ابن أخيه ويوثق له، وكان أَول متكلم
стр. 50
بداية المحادثات وأول المتكلمين
وهكذا، وبعد أن تكامل المجلس شرع المجتمعون في المحادثات التمهيدية لإِبرام التحالف العسكري بين هذه النخبة الممتازة من صفوة الأَوس والخزرج وبين النبي ﷺ .
وكان أَول المتكلمين في هذا الاجتماع التاريخي العظيم العباس بن عبد المطلب ﵁، فقد وقف خطيبًا في القوم ليشرح لهم (بكل صراحة) خطورة ما هم مقدمون عليه، ويبين لهم (ليستوثق منهم - عظم المسئولية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة هذا التحالف العسكري، فقد قال لهم فيما رواه ابن إسحاق.
"يا معشر الخزرج - وكأن العرب إِنما يسمون هذا الحي من الأَنصار .. الخزرج - .. إن محمدًا منا حيث قد علمتهم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على رأْينا فيه (أي من ناحية الاختلاف في الدين) فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أَبى إِلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أَنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأَنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده".
وبعد أَن فرغ العباس من إِلقاءِ بيانه قال له اليثربيون (بلهجة تأكد العباس من صدقها): قد سمعنا ما قلت، ثم التفتوا إلى رسول الله ﷺ قائلين (في عزم وتصميم وشجاعة وإيمان):
فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، وبعد ذلك أَلقي الرسول ﷺ بيانه، ثم تم عقد التحالف بين الفريقين.
стр. 51
معاهدة حماية
وقد كانت أهم بنود هذا التحالف من الناحية العسكرية، هو أن اليثربيين من الخزرج والأَوس، قد تعهدوا بحماية رسول الله ﷺ كما يحمون أَنفسهم ونساءهم وأَولادهم.
شرع في وضع بنود المعاهدة التي أراد - من هذه النخبة اليثربية المباركة المصادقة عليها قائلًا موجها خطابه إلى الأنصار:
"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأَبناءكم".
فأَخذ البراءُ بن معرور (١) بيد رسول الله ﷺ ثم قال .. نعم، والذي بعثك بالحق (نبيًّا) لنمنعنك مما نمنع منه أُزرنا (٢) فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أَبناءُ الحروب، وأهل الحلقة (٣) ورثناها كابرًا (عن كابن)، وبينما البراءُ بن معرور يتكلم مؤكدًا القيام بالتزام ما يفرض هذا الحلف من دفاع عن النبي ﷺ ، اعترض أبو الهيثم بن التيهان (٤) قائلا:
يا رسول الله بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أَظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم الرسول ﷺ ثم قال:
стр. 52
بل الدم الدم، والهدم الهدم (١). أَنا منكم وأَنتم منى، أُحارب من حاربتم وأُسالم من سالمتم.
وبعد أَن ارتضى الأَنصار (بالإجماع) شروط البيعة وأَرادوا الشروع في عقدها بالمصافحة طلب منهم العباس بن عبادة بن نضالة الأَنصاري (٢) قائلا (ليعرف مدى استعداد قومه للتضحية في سبيل تنفيذ ما عقدوا لرسول الله ﷺ من حلف ومبايعة):
يا معشر الخزرج ... هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ .
قالوا .. نعم
"قال .. إنكم تبايعونه على حرب الأَحمر والأَسود من الناس، فإن كنتم ترون أَنكم إذا أُنهكت أَموالكم مصيبة، وأَشرافكم قتلا أَسلمتموه، فمن الآن، فهو والله (إن فعلتم) خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أَنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة (٣) الأَموال وقتل الأَشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة".
قالوا. . فإنا نأْخذه علي مصيبة الأَموال، وقتل الأَشراف" ... ثم التفتوا إلى رسول الله ﷺ قائلين:
فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ .. قال .. الجنة، قالوا .. ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
стр. 53
معاهدة غير مكتوبة
والتبادل الثقة المطلقة بين الفريقين استعھاضوا (عن تسجيل هذه المعاهدة والتوقيع عليها كتابيًا) بالمبايعة بالأَيدى .. وكانوا يرون ذلك (لشدة إيمانهم ولسجية الوفاء المتأَصلة في نفوسهم الشريفة) أَعظم من إبرام المعاهدة كتابيًا، فقد بسط رسول الله ﷺ لهم يده الشريفة فبايعهم واحدًا واحدًا، وبهذا اعتبرت المعاهدة نافذة المفعول .. هذا من جانب الرجال .. أما الجناح النسوى في هذه الطليعة المباركة .. والذي تمثله امرأتان .. هما أُم عمارة، نسيبة بنت كعب المازنية، وأَسماء بنت عمرو، فلم يبايعن رسول الله ﷺ بالأَيدي لأَنه ﷺ ما صافح امرأة أجنبية حتى توفاه الله (١)، ولذلك كانت مبايعتهما بالموافقة التامة علي بنود المعاهدة.
النقباء الإِثنا عشر
وبعد أَن تمت المراسيم العامة للبيعة بالمصافحة من الجميع، طلب رسول الله ﷺ من المبايعين انتخاب اثنى عشر زعيمًا من زعمائهم ليكونوا نقباء على قومهم وكفلاء مسئولين عنهم في تنفيذ بنود هذه المعاهدة قائلا: أخرجوا إليَّ منكم اثنى عشر نقيبًا، ليكونوا علي قومهم بما فيهم فتم انتخابهم في الحال، وبعد أن قُدِّموا لرسول الله ﷺ أخذ عليهم النبي ﷺ العهد (كرؤساء مسئولين) قائلا:
стр. 54
"أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيہسى ابن مريم، وأَنا كفيل علي قومي" -يعني المسلمين قالوا. نعم (١).
الجاسوس الذي اكتشف المعاهدة
وقد تم إبرام هذا الحلف العسكري في هدوء تام وانسجام كامل، غير أَن القوم ما كادوا يفرغون من إبرام هذا التحالف حتى اكتشفه أحد الشياطين الذين يعملون في مخابرات مشركى مكة، فقد كان هؤلاء الجواسيس يراقبون حركات محمد ﷺ لتزويد زعماء قريش بالمعلومات عن مدى نشاط دعوته، وخاصة في موسم الحج الذي يتزايد فيه نشاط النبي ﷺ بين قبائل العرب التي كان يتصل بزعمائها ويدعوهم وقومهم إلى الإِسلام.
ولما كان اكتشاف هذا الجاسوس لاجتماع الأَنصار بالنبي جاء متأَخرًا، بحيث لا يمكن إبلاغ زعماءِ قريش خبر هذا الاجتماع سرًّا ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، حيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأَخيرة من الاجتماع الذي كان على وشك الارفضاض .. لما كان الأَمر هكذا وقف هذا الجاسوس علي مرتفع يشرف على (منى) حيث يخيم الحجيج وصاح بأَعلى صوته يلفت نظر قريش إلى الخطر الذي يتهددهم قائلًا:
يا أَهل الجباجب (أي المنازل) .. هل لكم في مذمم (٢) والصباة (٣) معه قد اجتمعوا علي حربكم.
стр. 55
استعداد الأنصار لضرب قريش في منى
وعند سماع الأنصار صوت الجاسوس وهو ينبه قريشًا إلى ذلك الاجتماع في العقبة، قال أَحد زعماء الأَنصار (وهو العباس بن عبادة بن نضلة) وكان أَحد النقباء الإثنى عشر .. قال يخاطب النبي ﷺ والاجتماع على وشك الارفضاض -: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أَهل منى غدًا بأَسيافنا؟ .
إلا أن النبي ﷺ لم يوافق على فكرة هذا الهجوم قائلا للزعيم الأَنصاري البطل:
لم نؤمر بذلك ..
ثم سمح رسول الله ﷺ لطليعة يثرب المباركة بالانصراف إلى رحالهم.
فانصرف أَبطال العقبة إلى رحالهم في منى وقد أَرسوا قواعد النضال المسلَّح لحماية دعوة الإِسلام والدفاع عن حاملها، وبهذا كتبوا الفصل الأَول في تاريخ تحول مجرى الصراع بين الإِسلام والوثنية.
قريش تتقدم باحتجاجها على المبايعة
وفي صبيحة تلك الليلة التي تم فيها ذلك الحدث الخطير (بيعة العقبة) وعلى أَثر ما نقله إليها جاسوسها من خبر هذه البيعة، توجه وفد كبير من زعماء مكة وقادتها إلى مضارب أَهل يثرب في منى ليقدّموا احتجاجهم الشديد على ما تم من إِبرام هذا التحالف العسكري بين النبي ﷺ وأَهل يثرب.
فقد قالوا (في احتجاجهم هذا) .. يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا (يعني النبي ﷺ ) تستخرجونه من بين
стр. 56
أَظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أَبغض إلينا، أَن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
ولما كان مشركوالخزرج لا يعلمون شيئًا عن التحالف الذي تم بين الفئة المسلمة من قومهم وبين النبي ﷺ لأَنه تم في ظلام الليل وفي سرية تامة، انبرى هؤلاءِ المشركون من اليثربيين يحلفون بالله لقريش أَن شيئًا من هذا لم يتم.
حتى إن عبد الله بن أُبيّ بن سلول (١) (زعيم الخزرج) أَكد لقريش عدم حدوث شيء من هذا قائلا:
والله إن هذا الأَمر جسيم، ما كان قومى ليتفوتوا على بمثل هذا، وما علمته كان (٢).
وقد كان الذين قاموا بإبرام معاهدة العقبة حاضرين في نادى قومهم ساعة أن تقدم زعماء مكة باحتجاجهم إلى زعماء يثرب، وكان بعضهم ينظر إلى بعض وقد لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أَحد منهم بنفى أَو إثبات. لا سيما بعد أَن رأَوا زعماء قريش قد مالوا إلى تصديق شركاءِهم في الوثنية من زعماءِ يثرب.
تأكد خبر البيعة لدى قريش
وبعد أَن سمع زعماءُ مكة جواب قادة الخزرج على الاحتجاج الذي تقدموا به عادوا إلى منازلهم وهم على ما يشبه اليقين بأَن خبر هذه البيعة إنما هو من قبيل المبالغة، ولكنهم (مع هذا) بقى الشك عالقًا بنفوسهم حيال هذا الأَمر، فأَخذوا في التحري يتنطسون الخبر،
стр. 57
فوجدوا أن البيعة قد تمت فعلًا، فقامت قيامتهم فسارع فرسانهم إلى مطاردة اليثربيين علهم يظفرون بالذين أَبرموا تلك المعاهدة أَو بعضهم لينتقموا منهم، ولكن حركة المطاردة هذه جاءت بعد فوات الأَوان، حيث لم تقم قريش بها إلا بعد أن نفر الحجيج كل إلى وطنه إلا أَن المطاردين تمكنوا من إلقاء القبض على أحد سادات المسلمين اليثربيين الذين اشتركوا في إبرام هذه المعاهدة وهو (سيد الخزرج سعد بن عبادة) الذي عادوا به إلى مكة، والذي أَجاره فيما بعد رجلان هما: جبير بن مطعم (١) والحارث بن أُمية، ثم أُطلق سراحه.
أسماء الطليعة المباركة من الأنصار
وهنا يجدر بنا أَن نحلى جيد هذا الكتاب بذكر أَسماء الطليعة المباركة من الأَوس والخزرج الذين وضعوا بتحالفهم العسكري مع النبي أُسس النضال المسلح لحماية دعوة الإِسلام وحامل لوائها من عبث العابثين وطيش المستهترين، فصاروا بذلك ﵃ وأَرضاهم) طليعة القوات الرادعة التي أَدّب بها الإسلام (فيما بعد) الجبابرة ونكَّس أَعلام الطغيان والجبروت.
عدد أبطال معاهدة العقبة
لقد بلغ عدد أَبطال هذه المعاهدة العسكرية المباركة ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان .. منهم أَحد عشر رجلًا من الأَوس، واثنان وستون رجلًا وامرأَتان من الخزرج (٢). وأسماؤهم كما يلي:
стр. 58
من شهدها من الأوس
أ - من بني عبد الأَشهل ثلاثة نفر، وهم:
١ - أسيد بن حضير (١).
٢ - أبو الهيثم بن التيهان (٢) (حليف لهم) من بلى.
٣ - سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة (٣).
ب- ومن بني حارثة ثلاثة نفر، وهم:
١ - ظهير بن رافع بن عدي (٤).
٢ - أَبو بردة بن نيار (٥) (حليف لهم) من قضاعة.
٣ - نهير بن الهيثم (٦).
ج- ومن بني عمرو بن عوف بن مالك، خمسة نفر.
١ - سعد بن خيثمة (٧).
٢ - رفاعة بن عبد المنذر (٨).
стр. 59
٣ - عبد الله بن جبير (١).
٤ - معن بن عدي بن الجد (حليف لهم) من بلى.
٥ - عويم بن ساعدة (٢).
عدد الذين شهدوا العقبة من الخزرج
أَ - من بنى النجار أَحد عشر رجلًا، وهم:
١ - أَبو أَيوب الأَنصاري .. خالد بن زيد بن كليب (٣)
٢ - معاذ بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء.
٣ - أَخوه عوف بن الحارث.
٤ - وأَخوه معوذ بن الحارث (٤).
стр. 60
٥ - عمارة بن حزم بن زيد.
٦ - أَسعد بن زرارة.
٧ - سهل بن عتيك.
٨ - أَوس بن ثابت بن المنذر.
٩ - أَبو طلحة، زيد بن سهل (١).
١٠ - قيس بن أَبي صعصعة (٢).
١١ - عمرو بن غزية بن عمرو.
ب - ومن بنى الحارث بن الخزرج سبعة نفر، وهم:
١ - سعد بن الربيع (٣).
٢ - خارجة بن زيد بن أَبي زهير (٤).
٣ - عبد الله بن رواحة.
٤ - بشير بن سعد بن ثعلبة.
٥ - عبد الله بن زيد بن ثعلبة.
٦ - خلاد بن سويد بن ثعلبة.
٧ - عقبة بن عمرو بن ثعلبة.
ج - ومن بنى بياضة بن عامر ثلاثة نفر، وهم:
١ - زياد بن لبيد بن ثعلبة.
٢ - فروة بن عمرو بن وذفة.
٣ - خالد بن قيبس بن مالك.
стр. 61
د - ومن بني زريق بن عامر، أَربعة نفر، وهم:
١ - رافع بن مالك بن العجلان.
٢ - ذكوان بن عبد قيس بن خلدة (١).
٣ - عباد بن قيس بن عامر.
٤ - الحارث بن قيس بن خالد.
هـ - ومن بنى سلمة بن سعد أَحد عشر رجلا، وهم:
١ - البراء بن معرور (٢).
٢ - سنان بن صيفي بن صخر.
٣ - مسعود بن يزيد بن سبيع.
٤ - يزيد بن حرام بن سبيع.
٥ - جبار بن صخر بن أُمية.
٦ - الطفيل بن النعمان بن خنساء.
٧ - معقل بن المنذر بن سرح.
٨ - يزيد بن المنذر بن سرح.
٩ - الضحَّاك بن حارثة بن زيد.
١٠ - بشر بن البراء بن معرور.
١١ - الطفيل بن مالك بن خنساء.
стр. 62
و - ومن بني سواد بن غنم بن كعب رجل واحد، وهو:
١ - كعب بن مالك بن أَبي كعب.
ز - ومن بني غنم بن سواد خمسة نفر، وهم:
١ - سليم بن عمرو بن حديادة.
٢ - قطبة بن عامر بن حديدة.
٣ - يزيد بن عامر بن حديدة.
٤ - أَبو اليسر .. كعب بن عمرو.
٥ - صيفي بن سواد بن عباد.
خ - ومن بني نابي بن عمرو بن سواد خمسة نفر، وهم:
١ - ثعلبة بن غنمة بن عدي.
٢ - عمرو بن غنمة بن عدي.
٣ - عبسي بن عامر بن عدي.
٤ - عبد الله بن أَنيس (حليف لهم من قضاعة).
٥ - خالد بن عمرو بن عادي.
ط - ومن بني حرام بن كعب بن غنم سبعة نفر، وهم:
١ - عبد الله بن عمرو بن حرام (١).
٢ - جابر بن عبد الله (٢).
٣ - معاذ بن عمرو بن الجموح.
٤ - ثابت بن الجذع.
٥ - عمير بن الحارث بن ثعلبة.
стр. 63
٦ - خديج بن سلامة بن أَوس بن عمرو (حليف لهم من بلى).
٧ - معاد بن جبل بن عمرو بن أَوس (١).
ي - ومن بني عوف بن الخزرج أَربعة نفر، وهم:
١ - عبادة بن الصامت (٢).
٢ - العباس بن عبادة بن نضلة.
٣ - يزيد بن ثعلبة بن حزمة (أَبو عبد الرحمن).
٤ - من عمرو بن الحارث بن لبدة بن عمرو.
ك -ومن بني سالم بن غنم بن عوف رجلان، وهما:
١ - رفاعة بن عمرو بن زيد.
٢ - عقبة بن وهب بن كلدة (حليف لهم من غطفان).
стр. 64
ل - ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان، وهما:
١ - سعد بن عبادة (١).
٢ - المنذر بن عمرو بن خنيس.
فهؤلاءِ هم ثلاثة وسبعون رجلًا (من الأَوس والخزرج) قاموا بإِبرام معاهدة العقبة مع النبي ﷺ .
المرأتان اللتان اشتركتا في المعاهدة
أَما المرأَتان اللتان اشتركتا في إِبرام معاهدة العقبة فهما من الخزرج وهما:
١ - نسيبة بنت كعب بن عمرو (وهي أُم عمارة).
٢ - أُم منيع، واسمها (أَسماءُ بنت عمرو بن عدي).
أسماء النقباء الإثنى عشر .
أَما النقباءِ الذين انتخبهم قومهم (من الأَوس والخزرج) ليكونوا كفلاءَ عليهم في تنفيذ هذه المعاهدة العسكرية (كما طلب الرسول ذلك) فهم إِثنا عشر .. تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأَوس، وهم:
نقباء الخزرج
١ - أَسعد بن زرارة.
٢ - سعد بن الربيع.
٣ - عبد الله بن رواحة.
٤ - رافع بن مالك العجلان.
стр. 65
٦ - عبد الله بن عمرو بن حرام.
٧ - عبادة بن الصامت.
٨ - سعد بن عبادة.
٩ - المنذر بن عمرو (١).
نقباء الأوس
١ - أُسيد بن حضير.
٢ - سعد بن خيثمة.
٣ - رفاعة بن عبد المنذر بن زبير (٢).
الحدث العظيم
وبعد هذا الحدث العظيم (قيام التحالف العسكري بين النبي وأَهل يثرب) أَخذ القلق يساور كفار مكة بشكل لم يسبق له مثيل، فقد تجسد أَمامهم الخطر الحقيقي العظيم الذي يتهدد كيانهم الوثني، نتيجة هذا التحالف العسكري.
فأَهل مكة يعلمون ما عليه قبائل الأَوس والخزرج من قوة ومنعة، وما بين هاتين القبيلتين من حروب أهلية متواصلة ضاق عقلاؤهما بها ذرعًا، وأَن ذلك مما قد ييسر لدعوة محمد الانتشار بينهم، لما في أُصولها من حث على حقن الدماءِ والدعوة إِلى التآخي ونبذ الأَحقاد،
стр. 66
الأَمر الذي لو نجحت فيه دعوة الإِسلام لكانت القاضية على سلطان مكة السياسي والديني والعسكري.
لذلك أَخذت قريش تفكر في الأَمر أَكثر من أَي وقت مضى لاتخاذ الخطوات العملية السريعة الحاسمة لقطع تيار نور دعوة الإِسلام نهائيًا.
ولذلك تعددت الاجتماعات في برلمان مكة للتباحث في هذا التطور الخطير الذي طرأَ على الدعوة الإِسلامية بسبب ذلك الدعم العسكري المخيف الذي حصل عليه حامل لواءِ هذه الدعوة من قبل قبائل الأَوس والخزرج في المدينة.
هجرة المسلمين قبل النبي ﷺ -
وبينما كان المشركون المكيون من جانبهم يوالون الاجتماعات في برلمانهم لبحث الموقف الطارئ، وكان النبي ﷺ من جانبه غير غافل عما تفكر فيه قريش وترسمه من مخططات آثمة للقضاء عليه وعلى دعوته.
فبعد أَن تمركزت دعوة الإِسلام في يثرب ووجدت لها حماة أَقوياء عاهدوا الله على بذل الدم في سبيل الذود عنها والدفاع عن حاملها، سارع وأَصدر أَوامره إِلى أَصحابه المكيين بأَن يلتحقوا بيثرب ليدعموا الجبهة الجديدة التي أَراد الله أَن تكون (فيما بعد) القاعدة العسكرية الكبري التي استند عليها النبي ﷺ في كل حربه التي خاضها مع أَعداء الإِسلام.
فشرع أَصحاب النبي (من أَهل مكة) في مغادرة هذه المدينة المكرمة في اتجاه يثرب، وكانت هجرتهم، متفرقين فرادى، أَو في جماعات قليلة، وقد فعلوا ذلك (بموجب خطة سياسية حكيمة) القصد من
стр. 67
اتباعها التعمية علي قريش ليلا تكتشف الهدف الذي يكمن وراء هذه الهجرة.
غير أَن قريشًا التي تنم عين استخباراتها عن مراقبة المسلمين
اكتشفت الأَمر، واتضح لها أن هجرة المسلمين إِلى يثرب تتم باستمرار وبانتظام وحسب خطة مرسومة ومن أَجل تحقيق غاية عسكرية تستهدف القضاءِ على الكيان الوثني في الدرجة الأُولى.
فقامت بعدة محاولات لمنع المسلمين من الهجرة إِلى المدينة، ولكن هذه المحاولات باءَت بالفشل إِذ لم تستطع أَن تمنع من الهجرة إِلا المستضعفين (وهم قلة) حبست البعض منهم وعذبت البعض الآخر، أَما بقية المسلمين فقد هاجر أَكثرهم دون أَن يقدر أَحد على منعه، ومن هؤلاءِ: عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير العبدري، وعثمان بن عفان، وغيرهم.
التطورات الخطيرة
لقد ظلت قريش تقاوم دعوة محمد ﷺ بمختلف الوسائل ثلاث عشرة سنة، فجربت كل أَساليب الإِرهاب والتهديد والمضايقة، وشنت على النبي وعلى دعوته حربًا دعائية واسعة منظمة، واتبعت ضده ومن ناصره سياسة التجويع والمقاطعة، وعذبت وحبست المستضعفين من أَتباعه وشنت عليهم حربًا نفسية مضنية، فقد كانت (بحق) مقاومة عنيفة مرهقة.
غير أَن هذه المقاومة بالرغم من عنفها وضراوتها لم تصل إلى إِعلان الحرب وإشهار السلاح.
стр. 68
ولقد كان النبي ﷺ يتحمل وأَتباعه كل ما يلاقونه من قريش من عنت ومتاعب وويلات، فيمشي ﷺ قدمًا في نشر دعوته وإبلاغ رسالته في كل وسط يتسنى له الاتصال به.
إِلا أَنه في السنة الأَخيرة من هذا الكفاح السلمي حدثت من جانب مشركي مكة تطورات هامة غيرت مجرى النضال تغييرًا كليًّا.
القرار الظالم
فقد ضاق المشركون ذرعًا بمحمد ودعوته، بعد أَن أَثبتت لهم الأَيام فشل خططهم غير الحربية التي ساروا عليها لمقاومة دعوة الإِسلام والقضاء عليها في المهد، وشعروا بتفاقم الخطر الذي يهدد كيانهم الوثني، لا سيما بعد أَن قامت تلك الجبهة القوية المعادية لهم على أَثر التحالف العسكري الذي تم بين النبي ﷺ وأَهل يثرب، فصاروا يبحثون عن أَنجح الوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد حامل لواءِ دعوة الإِسلام محمد ﷺ .
ففي أَوائل شهر ربيع الأَول (وعلى رأْس السنة الثالثة عشرة) من بعثة الرسول الأَعظم ﷺ عقد برلمان مكة (دار الندوة) أَخطر اجتماع له في تاريخه.
جلسة تاريخية يعقدها برلمان مكة
فقد توافد إِلى برلمان مكة (في ذلك اليوم التاريخي) جميع نواب القبائل القرشية، وتدارسوا في هذا الاجتماع الخطير ما يجب اتخاذه من خطوات سريعة حاسمة، تكفل القضاءُ على حامل دعوة الإِسلام وتقطع تيار نور هذه الدعوة عن الوجود نهائيًا، ليكتب البقاءِ لوثنيتهم التي تأَكد لديهم أَن أَيام بقائها ستكون قليلة جدًّا، إذا لم يتم
стр. 69
القضاءُ (سريعًا) على خصمها القوى (الإسلام) الذي شرع حامل لواءِه في إعداد العدة لسحقها وتطهير الأرض من رجسها.
وقد كانت الوجوه البارزة (في هذا الاجتماع الخطير) من نواب قبائل قريش:
١ - أبو جهل بن هشام ... عن قبيلة بني مخزوم.
٢ - جبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي ... عن قبيلة بني نوفل بن عبد مناف.
٣ - عتبة بن ربيعة، وشيبة أَخوه، وأَبو سفيان بن حرب .. عن قبيلة بني عبد شمس بن عبد مناف.
٤ - النضر بن الحارث بن كلدة (وهو الذي قتله النبي صبرًا في وادي الصفراء بعد معركة بدر) نائبًا عن بني عبد الدار.
٥ - أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، عن قبيلة بني أسد بن عبد العزى.
٦ - نبيه ومنبه أبناءِ الحجاج ... عن قبيلة بني سهم.
٧ - أُمية بن خلف .. (١) عن قبيلة بني جمح.
كما حضر نواب غيرهم عن جميع القبائل القرشية.
منع أهل تهامة من حضور الجلسة
وقد أمر رئيس البرلمان الحرس أن يمنعوا أهل تهامة (إلى منها يثرب) من حضور هذه الجلسة، لأَن هواهم (كما تقول قريش) مع النبي ﷺ وأمرهم بأَن يسمحوا بالدخول لغيرهم، وخاصة أهل
стр. 70
نجد، ويظهر أنه كان من عادة القرشيين أن يسمحوا لغير النواب بشهود جلسات المناقشة في برلمان مكة.
وبعد أَن تكامل نواب القبائل , دار النقاش بينهم طويلًا. وتقدم النواب بمختلف الإقتراحات والحلول، إلا أَن أكثر هذه الاقتراحات، رفضت من قبل النواب بأَكثرية ساحقة.
فقد تقدم أبو الأسود ربيعة بن عمرو (أحد نواب قبيلة بنى عامر بن لؤى) باقتراح يقضى بنفى النبي ﷺ وإخراجه من مكة، غير أَن هذا الاقتراح رفض في الحال، بعد أن انتقده أحد النواب وشرح ما في تنفيذه من خطر على مستقبل قريش قائلًا:
ما هذا لكم برأْي. أَلم تروا حسن حديثه (يعني النبي ﷺ ) وحلاوة أَن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأَكم بهم في بلادكم، فيأْخذ أَمركم من أيدكم , ثم يفعل بكم ما أَراد , ثم اختتم ذلك النائب انتقاده لذلك الإقتراح قائلًا .. أَديروا فيه رأيًا غير هذا.
وهنا تقدم نائب آخر وهو أَبو البخترى بن هشام (أَحد نواب قبيلة بني أسد بن عبد العزي) باقتراح يقضي باعتقال النبي ﷺ وإيداعه الحبس قائلا:
أَحبسوه في الحديد، وأَغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أَشباهه من الشعراءِ الذين كانوا قبله، - زهيرًا والنابغة - ومن مضى منهم, من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم.
ولكن هذا الاقتراح (أيضًا) رفضه برلمان مكة بعد أَن شجبه أَحد النواب قائلًا:
стр. 71
لا والله ما هذا لكم برأْي. والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أَمره من وراء الباب الذي أَغلقتم دونه إلى أَصحابه، فلأَوشكوا أَن يثبوا عليكم، فينزعوه من أَيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أَمركم، ما هذا لكم برأْي، فانظروا في غيره.
الإجماع على قتل النبي ﷺ -
غير أَن برلمان مكة وافق في النهاية على اقتراح آثم تقدم به كبير مجرمي مكة أَبو جهل بن هشام (أَحد نواب قبيلة بنى مخزوم) يقضى هذا الاقتراح بقتل النبي ﷺ ، على أَن تشترك في قتله جميع قبائل قريش لتكون كلها خصمًا لمن أَراد المطالبة بدمه فلا يجرؤ على ذلك.
فقد قال هذا الشيطان الطاغية (أَبو جهل) في اقتراحه:
والله إن لي فيه لرأَيا ما أَراكم وقعتم عليه بعد، قالوا ... وما هو يا أَبا الحكم؟ ؟
قال .. أَرى أَن نأَخذ من كل قبيلة في شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا فينًا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدوا إِليه، فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل. جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل (أَي الدية) فعقلناه لهم.
فوافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، واعتمدت قريش هذا القرار الغاشم، وانصرف النواب من البرلمان وقد عقدوا العزم على تنفيذه فورًا.
تطويق منزل الرسول ﷺ -
وبعد أَن أَتخذ برلمان مكة هذا القرار الظالم الغاشم، أَبلغ الله نبيه ذلك، وأَمره بالهجرة إلى المدينة، قال ابن إسحاق
стр. 72
فأَتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال .. لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وفي تلك الليلة التي اتخذ في يومها برلمان مكة قراره ذالك قامت فصيلة تمثل جميع قبائل قريش بتطويق بيت النبي ﷺ بغية تنفيذ المؤامرة الفظيعة التي تستهدف حياة الرسول الأعظم ﷺ ، الذي كان (فعلًا) موجودًا في منزله ساعة تطويقه بالفتيان المسلحين الذين أوكل إليهم القيام بقتله.
فشل المؤامرة ونجاح الهجرة:
وهكذا وقف الكفر على باب الإيمان ليطفئ شعلته إلى الأبد وليحرم العالم من موجات نوره الساطعة التي أخذت تتدفق لتضئ جنبات العالم المتوحلة في ظلمات الجهل والكفر والظلم والانحراف.
ووقف قادة الشرك مع جندهم الذين أحاطوا بمنزل الرسول ﷺ ، ليشهدوا تنفيذ أبشع مؤامره دنيئة عرفها التاريخ من لدن آدم.
ووقف أبو جهل بالذات وقفة الزهو والخيلاء، وكأنه قد ضمن نجاح المؤامرة .. وقف مخاطبًا عصابته المحاصره للمنزل النبوي قائلا (في سخرية واستهزاء):
"إن محمدًا يزعم إنكم إن تابعتموه على أَمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان (الأردن)، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها".
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، وظل قادة مكة وجنودهم متيقظين في انتظار ساعة الصفر، ليفتكوا بالرسول الأعظم ﷺ ، ولكن الله غالب على أَمره.
стр. 73
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).
فقد فشلت تلك المؤامرة الرهيبة، حيث نجَّى الله من شرها رسوله ﷺ الذي خرج على المتآمرين وهم ينظرون إليه ولا يبصرون. خرج عليهم واخترق صفوفهم وفي يده حفنة من التراب ذرها على رؤوسهم المشحونة بالكفر والطغيان، ذرها وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٢).
وقبل حلول ساعة الصفر بقليل: تجلت للكفر خيبة أمله، وظهرت للطغيان انهيار خططه، وعصفت رياح الحسرة بنفوس المتآمرين حينما آتاهم رجل ممن لم يكن معهم، وهم واقفون بباب منزل الرسول ﷺ ينتظرون دنو ساعة الصفر، فقال لهم: ما تنتظرون؟ ؟ .
قالوا .. محمدًا .. قال .. خيبكم الله ... قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأْسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ .. فوضع كل رجل منهم يده على رأْسه فإذا عليه تراب.
ولكنهم كانوا على يقين بأن النبي ﷺ داخل المنزل، ولهذا فقد تزاحموا على باب منزل الرسول يتطلعون من شقوقه، فيرون عليا ﵁ (٣) علي الفراش متسجيا ببرد رسول الله ﷺ ، فيظنونه
стр. 74
رسول الله، فيقولون والله أن هذا لمحمد نائمًا عليه برده، فيظلون نهبًا للشك والتردد لا يقدمون على عمل حاسم (١)، حتى طلع عليهم الصباح, وإذا بعلي بن أبي طالب ﵁ ينهض من فراش الرسول ﷺ ، وبهذا تبين لهم صدق ما قاله لهم ذلك الرجل الذي أخبرهم بخروج النبي عليهم من منزله.
وهنا تأَكد لكفار مكة أن النبي ﷺ قد أفلت (فعلًا) من قبضتهم فجن جنون الشرك لهذا الفشل الذريع الذي انتهت إليه مؤامراتهم الخبيثة.
ك يف نجحت الهجرة
ك ان النبي ﷺ قد اتصل بصاحبه الأكبر (أَبى بكر الصديق) ليتفقا على خطة يغادران بموجبها مكة إلى المدينة، وذلك بعد أن تبلغ النبي ﷺ ذلك القرار الغاشم الذي اتخذه برلمان مكة ضده.
فقد ذهب ﷺ إلى بيت الصديق لهذا الغرض، ولما كانت عملية الهجرة (بالنسبة للنبي ﷺ ) تعد مغامرة خطيرة فقد أحيطت بالكتمان الشديد , حتى إِن النبي ﷺ لما وصل إِلى منزل صاحبه الصديق للتشاور معه في وضع الخطة، طلب مسند أن يأْمر كل من عنده بالخروج لئلا يتسرب شيء مما يدور بينهما حول هذا الموضوع الخطير.
стр. 75
قال ابن إسحاق فيما رواه عن عائشة ﵂ أَنها قالت .. كان لا يخطيء رسہول الله ﷺ أَن يأْتي بيت أَبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإِما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أَذن فيه لرسول الله ﷺ في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أَتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة، في ساعة كان لا يأَتى فيها، قالت .. فلما رآه أَبو بكر قال .. ما جاءَ رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا لأَمر حدث , قالت .. فلما دخل، تأْخر له أَبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ ، وليس عند أبي بكر إلا أَنا وأُختي اسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ :
أخرج عني من عندك، فقال ... يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك؟ فداك أَبي وأُمي.
فقال ﷺ .. إن الله قد أَذن لي في الخروج والهجرة، قالت .. فقال أَبو بكر:
الصحبة يا رسول الله، قال ﷺ .. الصحبة.
قالت عائشة .. فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم إن أَحدًا يبكى من الفرح، حتى رأَيت أَبا بكر يبكي يومئذ ثم قال ... يا نبي الله، أَن هاتين راحلتان قد كنت أَعددتهما لهذا، فاستأَجرا عبد الله بن أَرقط - رجلا من بنى الدؤل بن بكر وكان مشركًا - يدلهما علي الطريق فدفعًا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما (١).
ك يف خرج النبي ﷺ من مكة
وفي تلك الليلة التاريخية التي كانت بداية التحول الخطير في تاريخ الإسلام، بل الإنسانية كلها، وبينما كانت قريش (بزعمائها