إلى السماء واستشهد عليهم ثلاث مرات وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم (١).
وفي حجته هذه ﷺ أدخل على الحج إصلاحات كبرى لأن المشركين كانوا على مدى القرون أدخلوا على مناسك الحج مفاسد كبرى بالزيادة فيه أو النقصان.
ومن الإِصلاحات الكبرى الوقوف بعرفة، فقد كانت قريش دون سائر الناس لا يقفون بعرفة تكبرًا وإنما يقفون (فقط) بمزدلفة ويقولون: نحن أهل الحل، فأمر النبي ﷺ حميع الناس أن يقفوا بعرفة حتى إنه زيادة في تعظيم هذا المشعر قال: الحج عرفة.
كذلك من الإصلاحات التي أدخلها النبي ﷺ على الحج حتى عاد كما كان عليه في عهد أبينا إبراهيم ﷺ إقامة الخلل الخطير الذي أدخله المشركون في التلبية، فقد كانوا في حجهم يقولون: (لبيك اللهم لبيك: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا تملكه وما ملك) فانتزع الرسول ﷺ هذه الجملة الشركية الدخيلة على تلبية أبينا إبراهيم وهي (إلا شريكًا تملكه وما ملك) فصارت التلبية الشرعية هكذا (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك).
كذلك من الإصلاحات الهامة التي أعلنها الرسول ﷺ في خطبته التاريخية، إلغاء التلاعب الزمنى الذي كان يباشره المشركون حيث كانوا يستحلون بعض الأشهر الحرم ويستبدلونها بغيرها من غير الأشهر الحرم فيحرّمونها بدلًا منها وذلك بسبب الحرب المستمرة بينهم، ونتيجة هذا التلاعب الذي سماه الله تعالى نسيئًا: (﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٢) ظل حساب أشهر السنة مضطربًا شهر يقدم ليحل محل آخر. حتى إن الحج كثيرًا ما يأتي في غير ذي الحجة. فمثلًا مرة حج المشركون في شهر ذي القعدة، فأبطل النبي ﷺ هذا التلاعب في خطبته التاريخية هذه فقال: ألا
стр. 2662
وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، ذو الحجة والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى الأخرى وشعبان، والشهر تسعة وعشرون يومًا وثلاثون (١).
ومن المخالفات التي يفعلها المشركون في الحج وصححها الرسول ﷺ هو أن المشركين كانوا يدفعون من عرفة إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كهيئة العمائم على رؤوس الرجال، فظنت قريش أن الرسول ﷺ يدفع كذلك فأخر دفعه حتى غربت الشمس (٢).
وفي عرفة قال النبي ﷺ : (إن خير الدعاء دعاء يوم عرفة) وقال: (إن أفضل الدعاء دعائى ودعاء من كان قبلي من الأنبياء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) (٣).
وهناك حيث وقف النبي ﷺ بعرفة نزلت آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ "سورة المائدة آية ٤"، وقد وقف ﷺ على بعيره فأخذ في التضرع والدعاء والابتهال التي غروب الشمس، وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة (لأنها ليست من عرفة)، ثم أعلن أن عرفة لا تختص بموقفه الذي وقف فيه، بل قال: (وقفت هنا وعرفة كلها موقف) وأرسل التي الناس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها فإنها من إرث أبيهم إبراهيم (٤).
وبعد أن دفع الرسول ﷺ (بعد غروب الشمس وذهاب الصفرة) اتجه نحو مزدلفة والناس بين يديه لا يحدهم بصر بلغوا أكثر من مائة وعشرين ألفًا. وكان مردفًا خلفه على ناقته أسامة بن زيد، وكان يدعوا الناس في دفعهم التي الهدوء وعدم التزاحم فيقول: (أيها الناس عليكم السكينة فإن
стр. 2663
البرّ ليس بالإيضاع (١))، وكان في مسيره يلبى لم يقطع التلبية. حتى وصل المزدلفة توضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى بالناس المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى عشاء الآخرة بإقامة بلا أذان كما فعل في عرفات، ثم نام، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت بأذان وإقامة يوم النحر وهو يوم العيد ويوم الحج الأكبر وهو يوم الأذان ببراءة الله من كل مشرك (٢)، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر الصبح جدًّا وذلك قبل طلوع الشمس، وهناك سأله عروة بن مضرّس الطائى فقال: (يا رسول الله والله إني جئت من جبلى طئ، أكللت راحلتى وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا تم حجه وقضى تفثه) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
كذلك من آثار الجاهلية التي هدمها النبي ﷺ في حجته هذه عادة كان يتبعها المشركون ويعتبرونها من مناسك الحج وهي أنهم كانوا لا يدفعون من المزدلفة حتى تطلع الشمس على ثبير، ويقولون: أشرق تبير كيما نغير، فقال رسول الله ﷺ : إن قريشًا خالفت عهد إبراهيم، ولذلك دفع النبي ﷺ قبل طلوع الشمس (٣)، وعندما ركب ﷺ ووقف موقفه أعلن أن مزدلفة كلها موقف (٤).
وأثناء تحركه ﷺ إلى منى أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار (سبع حُصيَّات فقط) فالتقط له ابن عباس سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو
стр. 2664
في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين، رواه البيهقي من حديث ابن عباس. وهكذا فإن من البدع المذمومة غسل حصى الجمار كما يفعل اليوم كثير من العوام.
وهذا يعني أن النبي ﷺ إنما أمر بالتقاط الحصى من مزدلفة التي ترمى بها فقط ولمرة واحدة جمرة العقبة، أما بقية الجمار فليس من السنة التقاط الجمار لرميها من مزدلفة، بل يكفى التقاطها من منى وكذا الحصى التي ترمى بها جمرة العقبة في اليوم الثاني والثالث فلا يشترط التقاطها من مزدلفة كما يفعل بعض العوام.
هل وجه المرأة عورة:
وكان ﷺ مردفًا خلفه الفضل بن العباس، وفي طريقه إلى منى عرضت له فتاة خثعمية جميلة، فسألت عن الحج عن أبيها، وكان شيخا كبيرًا لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إلى الخثعمية وهي تنظر إليه وكان الفضل جميلًا، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، وضع يده الكريمة على وجه الفضل وصرفه إلى الشق الثاني حتى لا ينظر إليها ولا تنظر إليه، ولكن لم يثبت أن النبي ﷺ أمر بستر وجهها، وفي هذا دليل على أن وجه المرأة ليس عورة إذا لم تزينه بمختلف الزينات، وقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من الأئمة، وهو الأقرب إلى الصواب والله أعلم.
فلما وصل الرسول ﷺ وادي محسَّر أسرع في السير، وهذه عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فوادى محسر هذا حسر فيل الأحباش فيه، أي أعيى وامتنع عن الذهاب إلى مكة، واستمر جيش أبرهة الغاشم المعتدى هناك في الوادي حتى أرسل الله عليهم طير الأبابيل حتى أبادتهم. ولا يدرى أحد على وجه التحديد ما هي المادة التي أبادت هذه الطير بها جيش أبرهة، ويقال: إنها أصابتهم بوباء الجدرى حتى إن الجندى الواحد منهم يتورم ويتنفخ حتى ينفلق فلقتين نتيجة تأثير وباء الجدرى، والله على كل شيء قدير.
стр. 2665
النبي ﷺ في منى:
وكان النبي ﷺ يلبي ولم يقطع التلبية حتى رمى جرة العقبة، فعندما وصل الجمرة وقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على ناقته فرمى الجمرة راكبًا بعد طلوع الشمس، فكان رمى الجمرة أول نسك يباشره في منى، وكان رميه واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة يرمى بها، وكان أسامة وبلال معه أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلله بثوب من الحر (١).
خطبته يوم العيد يوم الحج الأكبر:
وعقب انصرافه من جرة العقبة ألقى على المسلمين بمنى خطبة عظيمة، فتح الله لها أسماع الناس حتى سمعها أهل منى بعيدًا في منازلهم. فعن عكرمة وابن عباس قالا: خطب رسول الله ﷺ من الغد يوم النحر بعد الظهر على ناقته القصواء. فقال ﷺ : أيها الناس اسمعوا من قولي فاعقلوه، فإني لا أدرى لعلّى لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف .. أيها الناس أي شهر هذا؟ قال: فسكتوا. فقال ﷺ : هذا شهر حرام، فأيُّ بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: بلد حرام، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتوا، فقال: يوم حرام، ثم قال ﷺ : إن الله قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثم: إنكم سوف تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا الجاهلية موضوع، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وأول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعًا في بني سعد بن ليث فقتلته هزيل-، ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرَّم على كل مسلم، ولا يحل مال مسلم
стр. 2666
إلا ما أعطى عن طيب نفس. قال عمرو بن يثربى (١): فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمى، أجزر منها شاة؟ قال: وعرفنى فقال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة، وزنادًا (٢) بخبت الجميش (٣) فلا تهجها، وفي هذه الخطبة قال النبي ﷺ : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ (٤) زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٥). ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون يومًا، وثلاثون، ألا هل بلغت؟ فقال الناس: نعم، فقال: اللهم اشهد. ثم تحدث عن حقوق النساء وحقوق الرجال عليهم، فقال: أيها الناس إن النساء عليكم حقًّا، وإن لكم عيهن حقًّا، فعليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا، ولا يدخلن بيوتكم أحدًا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وأن تضربوهن ضربًا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ثم أوصى بالنساء خيرًا، فقال: وإنما النساء عندكم عوان (٦) لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به، إن كل مسلم أخو المسلم، وإنما المسلمون إخوة لا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا
стр. 2667
بطيب نفس منه، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، ولا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، إني قد تركت فيكم ما لا تضلون بعده، كتاب الله، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم. قال: اللهم اشهد. وفي هذه الخطبة قال ﷺ : خذوا عنى مناسككم لعلى لا أحج بعد عامي هذا، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وقال: لا يجنى جان إلا على نفسه، وقال: اعبدوا ربكم وصلوا وصوموا شهرم وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم .. وقال ﷺ : واعلموا أن الصدور لا تغل (١)، إخلاص العمل لله، ومناصحة أهل الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، وفي رواية أنه قال ﷺ : قد تركتم فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم مسئولون عنى؟ فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ثم قال بإصبعه السبابة يشير إلى السماء يرفعها ويكبها (٢) ثلاثًا: اللهم اشهد، وودع حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع (٣).
وبعد أن انتهى من خطبته هذه التي هي (بحق) قواعد الدستور الإسلامي العام توجه إلى المنحر، ونحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى. ثم أمسك وأمر عليًّا أن ينحر ما بقى من المائة. ثم أمر عليًّا أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها على المساكين، وأمره أن لا يُعطى الجزار في جزارتها شيئًا منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا، وقال من شاء قطع. رواه البخاري.
وفي منى وضع ﷺ قاعدة للتيسير على الناس في أداء المناسك، بعيدة عن التزمت والتحجر. فلا يأتيه سائل يسأله إلا يسر عليه وقال له: لا
стр. 2668
حرج.
قال ابن القيم: وهناك سئل عمن حلق قبل أن يرمي؟ وعمن ذبح قبل أن يرمي؟ فقال: لا حرج. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: ما رأيته ﷺ سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعلوا ولا حرج (١).
وعن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حاجًّا، وكان الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئًا وقدّمت. فكان يقول لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي هو حرج وهلك. رواه أبو داود. فلما أكمل ﷺ نحره استدعى فحلق رأسه.
وبعد أن نحر هديه وحلق بمنى أفاض ﷺ إلى مكة على ناقته قبل الظهر راكبًا، فطاف طواف الإِفاضة وهو طواف الزيارة والرابع من أركان الحج، ولم يطف غيره ولم يسع معه لأنه قد سعى قبل طلوعه إلى عرفات وبقي على إحرامه لأنه ساق معه هديا ولكونه قارنًا، قال الإِمام ابن القيم: وهذا هو الصواب. أما بقية الصحابة الذين لم يكن معهم هدى فطافوا وسعوا لأنهم إنما أحرموا بالحج من رحالهم بظاهر مكة ولم يسع أحد منهم قبل الطلوع سعي الحج.
وبعد أن قضى طوافه أتى زمزم فضرب وهو قائم، وكان في طوافه هذا راكبًا وماشيًا، ثم رجع إلى منى وصلى بها الظهر يومئذ، ثم بات بها، وبعد أن زالت الشمس رمى الجمار الثلاث ومشى إليها جميعًا ولم يركب، وكان رميه لكل جمرة سبع حصيات واحدة بعد واحدة، وكان يقول مع كل حصاة: (الله أكبر).
النبي يخطب ثانية بمنى:
وكان وخلفه المسلمون أهل مكة وغيرهم يصلي بهم قصرًا لا جمعًا.
стр. 2669
وقال ابن القيم: إنه ﷺ خطب بمنى خطبة ثانية وذلك ثاني يوم الحج الأكبر ... وقد وردت هذه الخطبة بعدة روايات، ونحن لعظيم فائدة ما جاء في هذه الخطبة نورد منها بعض المقاطع. روي عنه ﷺ أنه مما قاله في هذه الخطبة: "أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا أوسط أيام التشريق، هل تدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام. ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا وأن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، حتى تلقوا ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغّت؟ " قالت راوية الحديث (سرَّاء بنت نبهان) (١): فلما قدمنا المدينة لم نلبث إلا قليلًا حتى مات ﷺ . رواه أبو داود (٢).
وروي أنه قال في الخطبة ذلك اليوم (ثاني أيام التشريق): "ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا إنه لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس، ثم أرسى قاعدة من أعظم قواعد المساواة بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم فقال: أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى، هل بلغّت؟ قالوا: بلّغ رسول الله ﷺ ، قال ﷺ : ليبلغّ الشاهد الغائب".
وقال في مقطع آخر: "وسأخبركم من المسلم: المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن، من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب، والمؤمن حرام على المؤمن، كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله بالغيبة يغتابه، وعرضه عليه حرام أن يظلمه، وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعًا ... يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا، تحملونها على رقابكم وتجئ الناس بالآخرة، فإني لا أغنى عنكم من الله شيئًا" (٣).
стр. 2670
عودة الرسول ﷺ إلى المدينة:
وبات ﷺ بمنى ثلاث ليال فلم يتعجل في يومين ثم غادر منى يوم الثلاناء وهو رابع أيام التشريق واتجه التي المحصَّب وهو شعب يصب في الأبطح بين مكة ومنى (١)، ويسمى في الجاهلية خيف كنانة، وقد ضرب للنبي ﷺ في المحصَّب أبو رافع (٢) قبة، فحط ﷺ رحاله بالمحصَّب، وصلى به الظهر والعصر، وكان المحصب له تاريخ مشهور في الجاهلية، وذلك أن قريشًا وبنى كنانة (عند بداية الدعوة) تعاهدوا وتحالفوا علي بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يكون بينهم وبينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ . ولذلك قصد رسول الله ﷺ أن يكون المحصَّب منزله بعد خروجه من منى.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال - حين أراد أن ينفر من منى -: "نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا عليَّ الكفر"، يعني بذلك المحصّب، قال الإمام ابن القيم: فقصد النبي ﷺ إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته ﷺ أن يقيم شعار التوحيد في موضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر ﷺ أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزّى (٣).
وبعد أن صلى الرسول ﷺ الظهر والعصر ثم المغرب والعشاء رقد رقدة ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلا سحرًا، ولم يرمل في هذا الطواف. وطاف المسلمون معه، ثم نادى في أصحابه بالرحيل فارتحلوا، فلما كان بالروحاء (٤) لقى ركبًا فسلم عليهم وقال: "من القوم؟ " فقالوا:
стр. 2671
المسلمون. قالوا: فمن القوم؟ فقال: "رسول الله"، فرفعت امرأة صبيًّا لها من محفَّتها، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (١). ثم لما أتى ذي الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبَّر ثلاث مرات، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك والحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (٢). ثم دخل المدينة نهارًا من طريق المعرّس وخرج من طريق الشجرة.
الأمر بتجهيز جيش أسامة بن زيد:
ولما وصل الرسول ﷺ المدينة أقام بها بقية ذي الحجة والمحرّم وصفر، وفي اليوم الخامس والعشرين من صفر سنة إحدى عشر هـ أمر الرسول ﷺ بتجهيز جيش كبير لغزو الروم وجعل أميرًا على الجيش (الذي استوعب المهاجرين والأنصار) مولاه أسامة بن زيد وعمره يومئذ عشرين سنة، وكان من ضمن جنود الجيش أبو بكر وعمر. وقد استكمل الجيش تجهيزه وقفل من المدينة حتى عسكر بالجرف على بعد حوالي ثلاثة أميال من المدينة، وكان على وشك التحرك إلى الشام لولا أن نبأ عاجلا بعثت به إلى القائد أسامة أمه أم أيمن تخبره فيه أن الرسول ﷺ قد غلبه المرض وأنه يحتض. والواقع أن أسامة فصل من المدينة بالجيش والمرض قد ألمّ برسول الله ﷺ ، فقد كانت الأوامر بتجهيز الجيش يوم الاثنين لأربع بقين من صفر، - وكانت بداية مرض النبي ﷺ بالحمّى يوم الأربعاء لاثنتين بقين من صفر، ولكنه ﷺ ورغم المرض الذي ألمّ به عقد اللواء بيده للقائد أسامة وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى عشرة هجرية، بعد ذلك خرج أسامة بالجيش إلى الجرف. وكان أسامة يأتي من قيادته في الجرف إلى المدينة يوميًا تقريبًا، ليطمئن على صحة الرسول ﷺ ، وعندما
стр. 2672
أبلغته أمه أن الرسول ﷺ يحتضر ترك معسكره وعاد سريعًا إلى المدينة ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وما هي إلا لحظات بعد عودتهم إلى منزل الرسول ﷺ حتى توفي ﵊، وكانت وفاته يوم الاثنين الثالث من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة هجرية (١).
أما جيش أسامة فقد ظل مرابطًا في الجرف خارج المدينة، وكان الناس يتوقعون أن يعود هذا الجيش وتُلغى عملية غزو الروم التي أمر الرسول ﷺ بها. ولكن بعد أن تم دفن الرسول الأعظم بأبي وأمي هو ﷺ ، وبويع أبو بكر الصديق بلخلافة أمر الجيش بالتحرك لغزو الشام كما هي أوامر الرسول ﷺ ، وقد عاد الجيش إلى المدينة من الشام منتصرًا. وسنعرض إن شاء الله بالتفصيل لغزوة أسامة وما حدث لها من معارضة من كبار الصحابة في كتابنا الجديد (حروب الردة).
ظهور الردة في حياة النبي ﷺ -
وفي عهد النبي ﷺ كان الشيطان يراود اثنين من شياطين العرب لكي يدعيا النبوة، وكانا يعدان الأمر لذلك وهما مسيلمة الكذاب الحنفي في اليمامة بنجد، والأسود العنسى في صنعاء في اليمن، وكانا يستغويان الناس إلى دعوتهما الشيطانية، ولكنهما لم يجرؤا على إظهار أمرهما إلا عندما علما بمرض النبي ﷺ ، فظهر الأسود العنسى في صنعاء وظهر مسيلمة في اليمامة. أما الأسود العنسى فقد قتله المسلمون بقيادة فيروز الديلمي قبيل وفاة النبي ﷺ ، وأما مسيلمة فقد بقى يفتن الناس حتى قتله خالد بن الوليد في معارك اليمامة الشهيرة كما سيأتي تفصيله في كتابنا الجديد (حروب الردة) إن شاء الله.