الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمر القضاء، والصدق في موطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال ﷺ : حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: وأنا أزيدكم، فتتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدًا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما أنتم عليه تقدمون وفيه تخلدون. فانصرفوا وقد حفظوا وصيته ﷺ وعملوا بها (١).
ويذكر المؤرخون وأصحاب الحديث والتراجم أن النبي ﷺ جعل صرد بن عبد الله أميرًا على من أسلم من قومه، وأمره بأن يجاهد بمن أسلم من قومه، من كان يليه ممن بقى على الشرك في بعض الجيوب باليمن.
وكانت جرش (وهي مدينة محصنّة مغلقة) وبها قبائل فلول بقيت على الشرك، فتوجه إليهم الأمير صرد وضرب الحصار على مدينتهم، قريبا من شهر فاستعصت عليه، فلجأ صرد إلى مكيدة حربية أوقع فيها بالمشركين، فقد انسحب من أمام أسوار مدينة جرش متظاهرًا بالهزيمة، حتى وصل جبل يقال له شكر، فخرج أهل جرش لمطاردته حتى أدركوه وهو بالجبل ظنا منهم أنه إنما ولّى منهزمًا، فعطف عليهم برجاله فقتلوهم قتلًا شديدًا، ثم توقف القتال وثاب أهل جرش إلى رشدهم، فبعثوا بوفد منهم إن الرسول ﷺ ، فأسلموا وحسن إسلامهم وكانوا من خثعم وغيرهم.
- ٣٦ -
وفد الصدف
الصّدف (بفتح الصاد وكسر الدال) اسم يطلق على ثلاث قبائل قحطانية، قبيلتين حضرمية وقبيلة يمانية حميرية (انظر معجم قبائل العرب ج ٢ ص ٦٣٧) وهؤلاء الذين وفدوا على رسول الله ﷺ لا أدرى أي من القبائل الثلاث. فقد قال ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٣٢٩: عن
стр. 2627
شرحبيل بن عبد العزيز الصدفي عن آبائه قالوا: قدم وعدنا على رسول الله ﷺ ، وهم بضعة عشر رجلًا على قلائص لهم في أزر وأردية: فصادفوا رسول الله ﷺ فيما بينه وبين المنبر, فجلسوا ولم يسلموا, فقال: مسلمون أنتم؟ قالوا: نعم، قال: فهلّا سلمتم؟ فقاموا قيامًا فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، قال: وعليكم السلام، اجلسوا، فجلسوا وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلاة فأخبرهم.
- ٣٧ -
وفد خشين
خشين -بضم الخاء وفتح الشين- اسم يطلق على قبيلتين أحدهما قضاعية قحطانية والأخرى طائية، ولا نعلم أيهما الذي وفد وفدهم على رسول الله ﷺ . فكل ما ذكره المؤرخون قولهم: قدم أبو ثعلبة الخشني على رسول الله ﷺ ، وهو يتجهز إلى خيبر فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبي ثعلبة فأسلموا وبايعوا ورجعوا إلى قومهم (١).
- ٣٩ -
وفد سعد هذيم
سعد هذيم بطن من ليث بن سعد من قضاعة من القحطانية، روى عن رئيس وفدهم أنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدًا في نفر من قومى، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤمّ المسجد فنجد رسول الله ﷺ يصلى على جنازة في المسجد، فانصرف رسول الله ﷺ فقال: من أنتم؟ قلنا: من بني سعد هذيم، فأسلمنا وبايعنا ثم انصرفنا إلى رحالنا، فأمر بنا فأنزلنا وضيفنا، فأقمنا ثلاثًا، ثم جئناه نودّعه فقال: أمرّوا عليكم أحدكم، وأمر بلالًا فأجازنا بأواق من فضة، ورجعنا إلى قومنا فرزقهم الله
стр. 2628
الإسلام.
- ٤٠ -
وفد بلى
بلى -بفتح أوله وكسر ثانيه- قبيلة عظيمة من قضاعة عن القحطانية، وهم بنو بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، تحتل منازلها مساحات واسعة من شمال الجزيرة الغربية وجنوب الشام، وقد كان منهم ولاة للرومان على بادية الشام وفي معركة مؤتة التي دارت بين المسلمين والرومان بجنوب الشام، كانت بلى إحدى القبائل المرتزقة في جيش الرومان.
وقد قدم وفدهم المدينة على رسول الله ﷺ عام ٩ هجرية فأسلموا، وتعلموا أشياء من أمر دينهم، وروى أن النبي ﷺ قال لهم: الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار، ثم جاؤوا يودعون النبي ﷺ فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز من كان قبلهم. وكان اسم رئيس وفدهم الذي قدم بهما المدينة أبا الضباب. روى أن رويفع بن ثابت البلوى (١) قال: قدم وفد قومى في شهر ربيع الأول سنة ٩ فأنزلتهم في منزلى ببنى جديلة، ثم خرجتهم حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه في بيته الغداة، فقدم شيخ الوفد أبو الضباب فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ، فتكلم، وأسلم القوم (٢).
- ٤١ -
وفد بهراء
بهراء -بفتح أوله وسكون ثانيه- قبيلة من قضاعة, وهي أخت قبيلة
стр. 2629
(بلى) فبلى هم بنو بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، وبهراء هم بنو بهراء بن عمرو بن الحافى بن قضاعة.
تقع منازل بهراء في جزيرة العرب شمالي منازل أبناء عمومتهم (بلى)، وبهراء قبيلة عظيمة، ويتفرع منها بطون كثيرة، وتمتد منازلهم حتى العقبة وإيلات (إيلة)، وقد كانوا مثل بلى أنصارًا للرومان ضد المسلمين في معركة مؤتة عام ٨ هـ، وقد عبر منهم خلق كثير البحر الأحمر (بحر القلزم) إلى ساحله الغربي فانتشرت قبائل منهم كثيرة ما بين الحبشة وصعيد مصر.
ويذكر ابن سعد: أن وفدهم وفد من اليمن، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلًا، وفدوا سنة ٩ هـ، وقد أسلموا وتعلموا فرائض الإِسلام، وبعد أن أقاموا بالمدينة أيامًا، استأذنوا الرسول ﷺ في الانصراف، فودعوه، وأعطاهم جوائز كما يعطى سائر الوفود.
- ٤٢ -
وفد عذرة
عذرة -بضم العين وسكون الذال- بطن عظيم من قضاعة، من القحطانية أيضًا، وهم ينتسبون إلى سعد هذيم، الذين تقدمت ترجمتهم في هذا الكتاب، ويتفرع من عذرة هؤلاء أفخاد كثيرة، وبنو عذرة هؤلاء، مشهورون بشدّة العشق مع العفة.
روى أن سعيد بن عقبة قال لأعرابى: ممن الرجل؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال: عذرة ورب الكعبة. قال سعيد: فقلت للأعرابى: ومم ذاك؟ قال: في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفّة.
وكان وفد عذرة جاء في صفر سنة ٩ هـ وكان وفدهم مكونا من اثنى عشر رجلا، ولما دخلوا على رسول الله ﷺ سلموا بسلام أهل الجاهلية وقالوا: نحن أخوة قصيّ لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبنى بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، فقال رسول الله ﷺ : مرحبا بكم وأهلًا،
стр. 2630
ما أعرفنى بكم، ما منعكم من تحية الإِسلام؟ قالوا: قدمنا مرتادين لقومنا، وسألوا النبي ﷺ عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها، وأسلموا وأقاموا أيامًا ثم انصرفوا إلى أهليهم، فأمر لهم بجوائز كغيرهم من الوفود.
- ٤٣ -
وفد سلامان
سلامان، اسم يطلق على ست قبائل قحطانية، وقبيلة عدنانية واحدة، وجاء في معجم قبائل العرب للسيد عمر رضا كحالة: أن سلامان الوافدين هم بنو سلامان بن سعد، بطن من قضاعة من القحطانية.
وفد منهم سبعة على رسول الله ﷺ سنة عشر هجرية، فأسلموا. قال محدثهم: صادفنا رسول الله ﷺ خارجًا من المسجد إلى جنازة دعى إليها، فقلنا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليكم، من أنتم؟ قلنا: نحن من سلامان قدمنا لنبايعك على الإِسلام، ونحن على من ورائنا من قومنا، فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء الوفد حيث ينزل الوفد، فلما صلى الظهر جلس بين المنبر وبيته فتقدمنا إله فسألناه عن أمر الصلاة وشرائع الإِسلام، وعن الرقى، وأسلمنا، وأعطى كل رجل منا خمس أواق، ورجعنا إلى بلادنا. وذلك في شوال سنة عشر.
- ٤٤ -
وفد جهينة
جهينة -بضم أول وفتح ثانيه- حي عظيم من قضاعة من القحطانية، وهم بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة، ويتفرع من جهينة بطون كثيرة .. كانت منازلهم بالحجاز على شاطئ البحر الأحمر (بحر القلزم) وما حاذاه من برّية الحجاز، وتعتبر ينبع إحدى بلدانهم، وقد عبروا البحر الأحمر إلى ساحله الغربي، فانتشروا هناك، وغلبوا على شعوب غربي الحر الأحمر، فصار لهم شأن في السودان، وغلبوا على ملك الحبشة، وانتشروا ما بين صعيد مصر والحبشة
стр. 2631
وكان سكان صعيد مصر أكثرهم من جهينة (١).
كان الإِسلام قديما في جهينة، وكان فيهم رجال صالحون سابقون في الإِسلام، وكان لهم شأن كبير في حروب التحرير التي خاضها الرسول ﷺ ضد الوثنية، وكان النبي ﷺ يعتبر جهينة من في مقام الأنصار، فقد روى أن النبي ﷺ قال: (الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بني عبد الله، موالى دون الناس، والله ورسوله مولاهم (٢)).
وجهينة قبيلة وقفت بعد وفاة الرسول ﷺ موقفًا مشرفًا، فقد ثبتت
على إسلامها مثل قبيلة مزينة, رغم أن أكثر العرب ارتدوا عن الإِسلام.
كان رافع بن مكيث الجهني من المهاجرين الأوائل، كانت جهينة قوة كثيرة في الجيش النبوي يوم فتح مكة وكانت رايتها يحملها رافع بن مكيث، وعبد الله بن بدر (٣). وقال أحد سابقيهم إلى الإِسلام -وهو عمرو بن مرَّة الجهني-: كان لنا صنم وكنا نعظمه، وكنت سادنه، فلما سمعت بالنبي ﷺ ، كسرته وخرجت حتى أقدم المدينة على النبي ﷺ ، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وآمنت بما جاء به من حلال وحرام.
-٤٥ -
وفد بني كلب
كلب، اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية، وكلب الوافدون هؤلاء هم أصحاب دومة الجندل وهم بنو كلب بن وبرة من قضاعة من حمير، كانت منازلهم دومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، ولاختلاطهم بالبيزنطيين، اعتنقوا النصرانية، وصاروا (أحيانًا) حلفاء للرومان، وكانوا هم الذين أخذوا الصنم (ودّا) إلى دومة الجندل عندما فشت الوثنية في جزيرة العرب.
وقد كتب الرسول ﷺ لبنى كلب هؤلاء المسلمين كتابًا، كتبه
стр. 2632
لوافدهم، جارية بن قطن وقد جاء فيه: (هذا كتاب من محمَّد رسول الله لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لا الضاحية صف البعل ولكم الضامنة من النخل، على الجارية العشر وعلى الغائرة نصف العشر، لا تجمع سارحتكم ولا تعدل فاردتكم، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها, لا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النصح والوفاء وذمّة الله ورسوله، شهد الله ومن حضر من المسلمين (١).
- ٤٦ -
وفد جرم
جرم، اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية، وهؤلاء الوافدون، هم بنو جرم بن زياد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من القحطانية.
كان وفدهم جاء إلى النبي ﷺ فأسلموا، وتعلموا القرآن وقضوا حوائجهم، فسألوا الرسول ﷺ : من يصلّى بنا أو لنا؟ قال: ليصل بكم أكثركم جمعًا أو أخذًا للقرآن، فجاؤوا إلى قومهم، فوجدوا أن قارئهم الوحيد هو غلام ابن ست سنوات، فقدّموه يصلى بهم، وكان فقيرًا عليه بردة قصيرة إذا سجد تكشفت عورته، فقالت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فكسوه قميصًا من معقد البحرين، فكان الغلام يقول: فما فرحت بشيء أشد من فرحى بذلك القميص. وفي هذا دليل على جواز إمامة الصبي عند الضرورة.
- ٤٧ -
وفد غسان
غسان قبيلة أزدية يمانية قحطانية عظيمة غنية عن التعريف، كانوا عند ظهور الإِسلام يسكنون الشام والملك فيهم، فجاء رسول الله ﷺ ثلاثة نفر منهم في رمضان سنة عشر هجرية، فأسلموا، وكانوا متخوفين من
стр. 2633
قومهم في الشام, لأنهم لا يدرون أيتبعونهم على الإِسلام أم لا، فلما قدموا الشام على قومهم، لم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم، وقد مات منهم رجلان مسلمان قبل الفتح وبقى واحد منهم فلما حررت جيوش الإِسلام الشام بقى أحدهم أبا عبيدة عام اليرموك وخبره بإسلامه (١).
- ٤٨ -
وفد همدان
همدان -بفتح أوله وسكون ثانيه-: قبيلة يمانية قحطانية عظيمة وهي بطن من كهلان بن سبأ. وهم بنو همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، تتفرع من همدان أفخاذ كثيرة منهم أرحب، وموهبة (لعلها اليوم التي تسمى: مرهبة) ويام وبنو الزريع، تقع ديارهم في الماضي شرقي اليمن، ولما جاء الإِسلام تفرقوا بسبب مشاركتهم في حروب الجهاد في الشام والعراق وأفريقيا والأندلس.
تعتبر همدان ذات شأن عظيم في التاريخ الإسلامي، وكانوا أثناء الخلاف المؤسف الذي نشب بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأمير معاوية بن أبي سفيان -إلى جانب أمير المؤمنين في معارك صفين- وفي همدان يقول أمير المؤمنين معبّرًا عن امتنانه لهذه القبيلة الباسلة:
ولو كنت بوَّابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقد وفد همدان على رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك سنة تسع هـ فأسلموا وحسن إسلامهم، وفيما وصل إلى علمي -لم تكن همدان من العناصر التي ارتدت عندما ارتد بعض الفئات في اليمن بزعامة الأسود العنسى وعمرو بن معد يكرب الزبيدي المذحجى.
والواقع أن الإِسلام قد فشى في همدان قبل الهجرة والنبي ﷺ لمّا يزل بمكة، فقد ذكر ابن سعد في طبقاته، أن رجلًا منهم يقال له: قيس بن مالك بن سعد بن لأى الأرحبى قدم على الرسول ﷺ وهو بمكة،
стр. 2634
فأخبره أنه جاء للإيمان به، فقال الرسول ﷺ : مرحبا بك أتأخذونى بما فيّ يا معشر همدان؟ قال: نعم بأبي أنت أمى، فأمره الرسول ﷺ أن يذهب إلى قومه، فرجع قيس إليهم فأسلموا، فعاد إلى النبي ﷺ فأخبره بإسلام قومه، فأثنى عليه قائلًا: نعم وافد القوم قيس، وفيّت وفيّ الله بك ومسح بناصيته، ولكن الرسول ﷺ لم يذهب إلى اليمن، بل كتب لهم رسول الله ﷺ وثيقة هذا نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من رسول الله محمَّد، لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف (١) الرمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن النمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عافيها (٢)، لهم بذلك عبد الله وذماء رسوله وشهد المهاجرون والأنصار (٣).
-٤٩ -
وفد سعد العشيرة
سعد العشيرة بطن من مذحج من القحطانية، وهم بنو سعد العشيرة بن مذحج، كان بنو سعد العشيرة يسكنون اليمن، إلا أن فخائذ منهم هاجرت واستوطنت بعض مناطق الخليج على الساحل الغربي ناحية البحرين، كان لسعد العشيرة صنم في اليمن يقال له: فرّاض، فلما علموا بظهور النبي ﷺ حطّموا الصنم، حطّمه رجل منهم يقال له: ذباب. ثم وفد ذباب إلى النبي ﷺ فأسلم (٤).
- ٥٠ -
وفد عنس
عنس -بفتح أوله وسكون ثانيه- بطن من مذحج من القحطانية،
стр. 2635
وقد تحرف اسمهم فصار ينطق به (أنس)، وعنس هو ابن مالك (وهو مذحج) وكان وافد عنس على رسول الله ﷺ رجل يقال له ربيعة، فجاء النبي ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فقال: أراغبا جئت أم راهبًا؟ فقال: أما الرغبة فوالله ما في يديك مال، وأما الرهبة فوالله إني لببلد ما تبلغه جيوشك، ولكنى خوفت فخفت، وقيل لي: آمن بالله فآمنت، فأقبل رسول الله ﷺ على القوم فقال: ربّ خطيب من عنس، فمكث يختلف إلى رسول الله ﷺ ثم جاءه يودعه، ثم خرج فمات في الطريق ﵀ (١).
-٥١ -
وفد الداريين
الداريون بطن من لخم من القحطانية، وهم بنو الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، وكان الداريون مجاورين لرومان.
كان وفدهم الذي وفد لإسلامهم على رسول الله ﷺ عشرة نفر، فيهم تميم الدارمي (٢) وفدوا عقب انصراف النبي ﷺ من تبوك، فأسلموا، وبدل رسول الله ﷺ اسم رجلين منهم، الطيب سماه: عبد الله، وعزيز سماه: عبد الرحمن، وروى أن تميم الدارمي قال لرسول الله ﷺ : لنا جيرة من الروم، لهم قريتان يقال لإحداهما حبرى، والأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي. قال: فهما لك، فلما قتحت قوات الخليفة الأول الشام، أعطى الخليفة تميمًا ذلك وكتب له بهما وثيقة (٣)، ويظهر أن وفد الداريين جاء في أوائل السنة الحادية عشرة؛ لأن هذا الوفد أقام بالمدينة حتى توفي رسول الله ﷺ .
стр. 2636
-٥٢ -
وفد الرّهاويين
الرّهاء، بطن من القحطانية من مذحج، وهم بنو رهاء بن منبه بن حرب بن علة بن جلد ابن مذحج، قدم وفدهم على رسول الله ﷺ سنة عشر هـ، وكانوا خمسة عشر رجلًا، وقد زارهم الرسول ﷺ في دار الضيافة (وهي دار رملة بنت الحارث) فتحدث عندهم طويلًا، وأهدوا لرسول الله ﷺ هدايا منها فرس، يقال له المرواح، وأمر به فشَوّر بين يديه، فأعجبه، وقد أسلموا وتعلموا القرآن والفرائض، وقد أجازهم كما يجيز الوفود، ثم رجعوا إلى بلادهم، وقدم منهم نفر فحجوا مع رسول الله ﷺ من المدينة، وأقاموا حتى توفي رسول الله ﷺ ، فأوصى لهم بحاد مائة وسق بخيبر في الكتيبة جارية عليهم وكتب لهم كتابًا، فباعوا ذلك في خلافة معاوية، وكان من بين الوفد الرهاوى رجل اسمه عمرو بن سبيع أسلم فعقد له الرسول ﷺ لواءًا، فقاتل بذلك اللواء إلى جانب الأمير معاوية ضد أمير المؤمنين علي في الحرب الأهلية المحزنة.
- ٥٣ -
وفد غامد
غامد في الأصل قبيلة يمانية قحطانية من الأزد ووهم بنو غامد واسمه عمرو بن عبد الله، وفد منهم على رسول الله ﷺ وفد مكون من عشرة نفر، وذلك في شهر رمضان عام عشر هـ، لمَّا جاؤوا المدينة لسوا من صالح ثيابهم ثم دخلوا على رسول الله ﷺ ، فسلموا عليه وأقروا بالإِسلام، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فيه شرائع الإِسلام، وعلمهم أبي بن كعب قرآنا، وأجازهم الرسول ﷺ كما يجيز الوفود. فانصرفوا.
أما اليوم فهذه القبيلة القحطانية اليمانية الأصل، تعد من أهم قبائل الحجاز بالمملكة العربية السعودية، وهم كجيرانهم ذوو شهامة وكرم، وتحتل ديارهم مناطق شاسعة في سلاسل الجبال، وتحيط ببلادهم، من الجنوب، بالقرن وبالعربان، ومن الشمال، التلاوة، ومن الغرب زبيد،
стр. 2637
وزهران، وتمر طريق الطائف أبها - وسط ديار غامد .. وتنقسم غامد اليوم إلى قسمين، البدو، والحضر، وقاعدة غامد هي (الباحة).
فالقسم البدوى يسمى: آل صيّاح، وهم منتشرون في أماكن مختلفة، بين إخوانهم المتحضرين، ويتوغلون إلى أودية رينة، وتربة، والدواسر .. وأما القسم المتحضر، فيقيم في قرى مختلفة. وعلى أثر ذكر قبيلة غامد، يجرنا الحديث إلى ذكر جيرانهم قبيلة زهران، فهذه القبيلة أيضًا من قبائل الأزد القحطانية، وكانت يمانية في الأصل، وهي اليوم من أعظم قبائل عسير بالحجاز، وهم ذوو كرم ومروءة، وجدهم هو زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر (وهو شنوءة) بن الأزد .. تقع منازلهم اليوم في عسير، بين بني مالك من الشمال، وغامد من الشرق، وذوى بركات، وذوى حسن من الغرب، وزبيد من الجنوب والجنوب الغربي، وتمتد بلادهم في الغرب حتى تكاد تتصل بالحر الأحمر، إذ لا يفصلها عنه سوى حوالي ١٥ ميلا.
- ٥٤ -
وفد بجيلة
بجيلة -بفتح أوله- بطن عكل من كهلان من القحطانية، وبجيلة اسم أمهم التي صاروا ينتسبون إليها، وهم بنو أنمار بن أراش بن كهلان، يتفرعون إلى بطون كثيرة، كانت منازلهم في الجاهلية تمتد في سلسلة جبال السروات في اليمن والحجاز حتى تبالة قرب الطائف.
كانت بجيلة في الجاهلية قوة حربية هائلة، حتى أنهم حاربوا كثيرًا من قبائل جبال السراة، من بينهم قبيلة خثعم، فأجلوهم عن ديارهم وسكنوها، فصاروا سادة جبال السراة دون منازع وكانوا يدًا واحدة، حتى حدثت بينهم حرب أهلية رهيبة، كادت أن تبيدهم، وبعد هذه الحرب وهنت بل تحطمت قوة بجيلة المنهزم منها والمنتصر، فتفرقوا لذلك وتقطعوا، فصار كل بطن منهم يجاور أو يندمج في قبيلة من قبائل العرب، وما زالوا ممزقين موزّعين حتى جمعهم الخليفة عمر بن الخطاب، وذلك
стр. 2638
بطلب من جرير بن عبد الله البجلى عندما كان قائدًا في حروب الجهاد بالعراق، وبهذا استعادت بجيلة وحدتها القبلية، وقد شهد منها معركة القادسية ألفا مقاتل.
كان وفدهم الذي قدم على رسول الله ﷺ مكونًا من مائة وخمسين رجلًا، يرأسهم جرير بن عبد الله البجلى (١) وقد وفدوا على النبي ﷺ عام عشرة هـ. فقد روى أن جرير بن عبد الله البجلى قدم المدينة سنة عشر، ومعه مائة وخمسون من قومه، فقال رسول الله ﷺ : يطلع عليكم رجل من هذا الفج من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك. فطلع جرير على راحلته، ومعه قومه فأسلموا وبايعوا. قال جرير: فبسط رسول الله ﷺ ، فبايعنى وقال: على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتنصح للمسلم وتطيع الوالي وإن كان عبدًا حبشيًّا، فقال جرير: نعم، فبايعه.
وكان رسول الله ﷺ يسائل جريرًا عما وراعه، فقال: يا رسول الله قد أظهر الله الإِسلام وأظهروا الأذان في مساجدهم وساحاتهم، وهدّمت الأصنام التي كانت تعبد، قال: فما فعل ذو الخلصة؟ (صنم) قال: هو على حاله قد بقى، والله مريح منه إن شاء الله، فبعثه رسول الله ﷺ إلى هدم ذي الخلصة وعقد له لواءًا، فقال: إني لا أثبت على الخيل، فمسح رسول الله ﷺ بصدره وقال: اللهم اجعله هاديًا مهديًا، فخرج في قومه -وهم زهاء مائتين- فما أطال الغيبة حتى رجع، فقال رسول الله ﷺ : هدمته؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق، وأخذت ما عليه وأحرقته بالنار، فتركته كما يسوء من يهوى هبراه، وما صدَّنا عنه أحد (٢).
стр. 2639
-٥٥ -
وفد حضر موت
حضر موت بلد مشهور منذ فجر التاريخ وقد قامت به عدة مالك أكثرها في كندة، وكان الملك والسلطان قائمين بحضر موت منذ آلاف السنين، وفي بعض الأحيان اتسع ملك الحضارم حتى حكموا اليمن وخاصة مناطقه الشرقية، وامتد ملكهم إلى نجران والشام. وحضر موت هو اسم قبيلة. ثم بمرور آلاف السنين صار اسم للبلد المعروف بجنوب جزيرة العرب، والذي يحده من الغرب بلاد الفضلى والعوالق ومن الجنوب بحر العرب ومن الشرق المهرة ومن الشمال المملكة العربية السعودية واليمن.
وقد جاء اسم حضرموت في التوراة. السفر ١٠ - ٢٦ - ٢٩، وفي التوراة أن حضر موت هو ابن يقطان أخو قحطان، ولكن ابن حزم يقول في كتابه (جهرة أنساب العرب) (١) إن حضر موت هو ابن قحطان بن عابر بن ارفخشذ بن سام بن نوح. وما كانت حضر موت بهذا الاسم، إلا بعد أن وجد حضر موت بن قحطان، الذي إذا هاجم بجيش قومًا أكثر القتل فيهم، فصار إذا جاء قالوا: حضر الموت، لذلك أطلق عليه ثم على بلاد حضر موت هذا الاسم.
ويؤكد المؤرخون أنه حتى ظهور الإِسلام كان من أبناء حضر موت بن قحطان ملوك إلى جانب وجود ملوك كندة الذين ليسوا من أبناء حضر موت بن قحطان وإنما من أبناء أخيه. قال ابن سعد في طبقاته الكبرى يصف قدوم وقد حضرموت على النبي ﷺ : وقدم وفد حضر موت مع وفد كندة على رسول الله ﷺ ، وهم بنو وليعة ملوك حضرموت (حمدة ومخوس ومشرح وأبضعة) فأسلموا، وقال مخوس: يا رسول الله ادع الله أن يذهب عني الرتة من لسانى، فدعا له وأطعمه طعمة من صدقة حضر موت.
وضمن وفد حضر موت قدم لي وائل بن حجر ملك كندة (تقدم حديثنا
стр. 2640
عن وفد كندة) فقال للرسول ﷺ : جئت راغبًا في الإِسلام، ففرح النبي ﷺ بقدومه فدعا له ومسح رأسه، وأمر الرسول ﷺ بأن يجتمع الناس، فأمر أن ينادى: الصلاة جامعة سرورًا بقدوم وائل بن حجر، وأمر الرسول ﷺ معاوية بن أبي سفيان أن يكون مرافقا له وينزله بدار الضيافة، فمشى معاوية في وقت شديد القيظ حافيًا ووائل بن حجر راكبًا، فطلب معاوية من وائل أن يعيره نعله ليتقى بها حر الرمضاء، فأبى وائل وقال: لا، لأنى لم أكن لألبسها ثانية وقد لبستها، وذلك ترفعا من وائل لأنه ملك، والملك لا يلبس شيئًا لبسه غيره، فقال له معاوية: فأردفنى إذن، قال: لست من أرداف الملوك، فقال: إن الرمضاء قد أحرقت قدمى، قال وائل: امش في ظل ناقتى كفاك به شرفًا, فصبر معاوية، ثم أخبر النبي ﷺ بقول وائل، فقال: إن فيه لعبية من عبية الجاهلية.
وما نسيها معاوية لوائل، فعندما آلت الخلافة إلى معاوية وفد عليه وائل في دمشق، فذكره بتلك الحادثة، ولكن معاوية بالغ في إكرامه، فأجلسه معه على السرير، فقال وائل: فوددت أنى حملته بين يدي، أي يوم رفض أن يعطيه نعله أو يردفه خلفه يوم وقد على الرسول ﷺ .
وقد كتب الرسول ﷺ لوائل بن حجر كتابًا جعله بموجبه واليًا على ما تحت يده بحضر موت (١)، ولم يخطب النبي ﷺ معلنًا قدوم وافد عليه إلا عندما وفد عليه ملك كندة وائل حيث جمع أهل المدينة في المسجد ثم خطبهم فقال: أيها الناس هذا وائل بن حجر أتاكم من حضر موت -ومدّ بها صوته- راغبًا في الإِسلام (٢).
قالوا: وكانت امرأة من حضر موت يقال لها تهناة بنت كليب، لما علمت بظهور النبي ﷺ صنعت له كسوة، ثم دعت ابنها كليب بن أسد بن كليب، فقالت له: انطلق بهذه الكسوة إلى النبي ﷺ ، فسافر بها إلى المدينة مسافة شهرين، ثم أتى النبي ﷺ فأعطاه الكسوة ثم أسلم، وقد قال
стр. 2641
كليب يصف رحلته الميمونة:
من وشز (١) برهوت (٢) تهوى بي عذافرة (٣) ... إليك يا خير من يحفى وينتعل
تجوب بي صفصفًا غبرا مناهله ... تزداد عفوًا إذا ما كلت الإبل
شهرين أعملها (٤) نصا على وجل ... أرجو بذاك ثواب الله يا رجل
أنت النبي الذي كنا نُخبّره ... وبشَّرتنا بك التوراة والرسل
- ٥٦ -
وفد خثعم
خثعم -بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه- قبيلة قحطانية عظيمة، وقيل: إنها قبيلة عدنانية من معد (الصحاح للجوهرى ج ٢ ص ٢٨٠) ثم صاروا باليمن، وانتسبوا إلهم، وهم أبناء خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، كانت منازلهم بجبال السراة (بالحجاز)، وعندما هاجرت الأزد من اليمن عند انهدام سد مأرب قاتلت الأزد خثعم فهزمتها وأنزلتها من جبالها واستولت عليها، فنزلت خثعم وسكنت البسايط ما بين بيشة وتربة فتيامنت خثعم وقالوا: نحن أولاد قحطان ولسنا إلى معد بن عبدنان (٥).
وأما قدوم وفد خثعم على رسول الله ﷺ فقد كان في السنة العاشرة هجرية، وذلك بعد ما هدم جرير بن عبد الله البجلى ذا الخلصة صنم خثعم وبجيلة، فقد وفد وفدهم فأسلموا وقالوا: آمنا بالله ورسوله وما جاء من عند
стр. 2642
الله، فاكتب لنا كتابًا نتبع ما فيه، فكتب لهم كتابًا شهد فيه جرير بن عبد الله ومن حضر (١).
- ٥٧ -
وفد الأشعريين
الأشعريون قبيلة قحطانية كهلانية، وهم بنو الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، تقع بلادهم غريب تهامة اليمن، ومنها القحمة والحصيب، وتمتد حتى زبيد، قدم وفدهم على رسول الله ﷺ عند انتهائه من معركة خيبر، وكان فيهم أبو موسى الأشعري (٢)، فأسلموا، وأثنى عليهم النبي ﷺ فقال: الأشعريون في الناس كصرّة فيها مسك (٣)، وقال: الأشعريون لا يفرّون ولا يفلون، هم مني وأنا منهم (٤).
ويقال إن الرسول ﷺ أعطى الأشعريين من مغانم خيبر، وكانوا قد قدموا إلى الحجاز من اليمن في سفن عن طريق البحر.
- ٥٨ -
وفد أزد عمان
تقدم شرح مستفيض عن قبيلة الأزد وفروعها، ومنها أزد عمان. قال ابن سعد: أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي (٥) ليعلمهم شرائع الإِسلام ويصدق أموالهم، فخرج وفدهم إلى رسول الله ﷺ ، فيهم أسد بن يبرح الطاحى، فلقوا رسول الله ﷺ ، فسألوه أن يبعث معهم رجلًا يقيم أمرهم، فقال مخربة العبدي، واحمه مدرك بن خوط: ابعثنى إليهم، فإن لهم على منة، أسرونى يوم جنوب فمنوا علي، فوجهه معهم إلى عمان، وقدم بعدهم سلمة بن عياذ الأزدي في ناس من قومه، فسأل رسول الله ﷺ ، عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبره رسول الله ﷺ ، فقال: ادع الله أن يجمع كلمتنا وألفتنا، فدعا
стр. 2643
لهم، وأسلم سلمة ومن معه (١):
- ٥٩ -
وفد غافق
غافق -بكسر الفاء- بطن من عك من القحطانية، وهم بنو غافق بن الشاهد بن عك بن عبدنان بن عبد الله بن الأزد، كان لغافق شأن كبير في الإِسلام، ومنهم الكثير مم قادة الجيوش والأمراء أيام امتداد الفتوحات الإِسلامية، وأعظمهم شأنًا وأبعدهم صيتا بطل حروب الجهاد في فرنسا، عبد الرحمن الغافقى الذي اكتسح بنصف مليون جندى جنوب فرنسا ووصل على بعد حوالي ٣٥٠ كيلو مترًا من باريس، وكاد يجتاح فرنسا بأكملها، لولا أن الملك شارل مارتل، نجح في توحيد كلمة ملوك إيطاليا والنمسا والمجر وألمانيا لمواجهة الغزو الإسلامي، والتقى بالأمير الغافقى في مدينة تور (بواتييه) فالتحم الفريقان المسلمون والصليبيون في معركة فاصلة كانت بوادر النصر فيها -بعد سبعة أيام من القتال- تشير إلى أن جيش الغافقى هو المنتصر لا محالة، لولا مفاجأة مفجعة قلبت الوضع لصالح الصليبيين، وذلك أن القائد العام عبد الرحمن الغافقى أصيب بسهم في جبينه وهو يقول المعركة فنال شرف الاستشهاد، وكانت الهزيمة في جيشه الذي انهارت معنوياته بعد مصرع قائده الغافقى البطل (انظر غزوات العرب في أوروبا وجزائر البحر الأبيض المتوسط للأمير شكيب أرسلان ﵀.
تقع منازل غافق في تهامة غربي اليمن، وقد قدموا على رسول الله ﷺ برئاسة جليحة بن شجار بن صحار الغافقى، وكان يصحبه رجال من قومه، فقالوا: يا رسول الله نحن الكواهل من قومنا، وقد أسلمنا، وصدقاتنا محبوسة (أي زكواتنا) بأفنيتنا، فقال: لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فقال عوز بن سرير الغافقى: آمنا باللهِ واتبعنا الرسول (٢).
стр. 2644
-٦٠ -
وفد بارق
بارق -بكسر الراء- بطن من خزاعة، وهم من نسل ملك مأرب عمرو مزيقيا الملقب (بماء السماء)، وهم بنو بارق بن علي بن حارثة بن مزيقيا بن غامر ماء السماء، كانوا حلفاء لبنى نمير وقد سكنوا الكوفة، منهم القائد الشهير هرثمة البارقى أحد الأبطال الذين ساهموا في القضاء على فتن المرتدين في عمان والمهرة.
قدم وفد بارق على رسول الله ﷺ المدينة فدعاهم إلى الإِسلام فأسلموا وبايعوا، وقد كتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا نصه: (هذا كتاب من محمَّد رسول الله لبارق: لا تجز ثمارهم ولا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق، ومن مر بهم من المسلمين في عراك أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط يوسف بطنه من غير أن يقتشم (١). شهد أبو عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان، كتب أبيّ بن كعب (٢).
- ٦١ -
وفد دوس
دوس -بفتح الدال وسكون الواو- اسم يطلق على عدة قبائل من قحطان وعدنان، ودوس الذين نحن بصددهم، قبيلة قحطانية من الأزد، أزد شنوءة، وهها فرع عن قبيلة زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك جرت نصر -وهو شنوءة- بن الأزد، مساكنهم في جبال السروات المطلة على تهامة اليمن.
كان الإِسلام قديمًا في دوس فقد أسلموا على يد سيدهم الطفيل بن عمرو قبل الهجرة، إلا أن وفدا منهم مكونا من ثمانين رجلًا فيهم أبو هريرة، قدموا
стр. 2645
المدينة والرسول ﷺ يحارب اليهود في خيبر، فالتحقوا به هناك، فقسم لهم رسول الله ﷺ من غنيمة خيبر. وقال رجل منهم اسمه عبد الله بن زيهرا (١): يا رسول الله إن لي في قومى سِطة (٢) ومكانًا فاجعلنى عليهم، فقال رسول الله ﷺ : يا أخا دوس إن الإِسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، فمن صدق الله نجا، ومن آل إلى غير ذلك هلك، إن أعظم قومك ثوابًا أعظمهم صدقًا ويوشك الحق أن يغلب الباطل.
شاركت قبيلة (دوس) الباسلة مع الرسول في حصار الطائف وكان معها من السلاح الثقيل منجنيق وكان الذي جمعها وجاء بها إلى الطائف سيدها الطفيل بن عمرو (٣) ومعه ٤٠٠ مقاتل.
- ٦٢ -
وفد ثمالة
ثمالة -بضم أوله- بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية، وهم من قبائل الحجاز، تقع ديارهم قريبًا من الطائف، وهم بنو ثمالة بن أسلم بن أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر (وهو شنوءة) بن الأزد. قدم وفدهم على رسول الله على ﷺ بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فيه ما فرض الله عليهم من الصدقة في أموالهم، وكتب الكتاب ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة.
- ٦٣ -
وفد الحدَّان
حُدّان -بضم الحاء وتشديد الدال- اسم يطلق على عدة قبائل من
стр. 2646
العرب، غير أن المرجح أن هؤلاء المشار إليهم، هم بطن من الأزد القحطانية، بدليل أنهم جاءوا إلى رسول الله ﷺ في وفد مشترك مع بني ثمالة الأزديين، وهم بنو حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، تقع منازلهم بجبال السراة بالحجاز، ويظهر أنهم -عند انتشار الإِسلام- سكنوا الصرة، وقد أسلموا وكتب لهم ولبنى ثمالة كتابًا مشتركًا فيه ما فرضه الله عليهم من الزكاة، وكان رئيس وفدهم مسلمة بن هزان الحدّانى (١).
- ٦٤ -
وفد أسلم
أسلم -بفتح الهمزة- اسم يطلق على عدة قبائل من العرب، غير أن سياق المؤرخين وأصحاب التراجم يدل على أن المشار إليهم هنا، هم بنو أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيًا ملك مأرب، وهم بطن من خزاعة (٢)، تقع منازلهم قريبًا من المدينة المنورة، ومن قراهم (وبرة) وهي ذات نخيل.
جاء وفد أسلم إلى رسول الله ﷺ برئاسة عميرة بن أفصى، فقالوا: آمنا بالله ورسوله واتبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها, فنحن إخوة الأنصار ولك علينا الوفاء والنصر في الشدة والرخاء، فقال رسول الله ﷺ : أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها (٣).
- ٦٥ -
وفد جذام
جذام -بضم الجيم- بطن كبير من القحطانية، وهم بنو جذام بن
стр. 2647
عدى بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد كهلان .. تتفرع من جذام بطون كثيرة، كانت تسكن جبال حسْمَى وتمتد منازلها من مدين فتبوك فأذرح بالشام. كانت جذام حليفة للرومان عند ظهور الإِسلام، وقد غزاهم زيد بن حارثة، وفي معركة مؤتة الشهيرة كانت جذام تقاتل مع الرومان ضد المسلمين عام ثمان هـ، كما أنها كذلك كانت عام ١٤ هـ ضمن جيش هرقل بإنطاكية.
وجذام أول من سكن مصر من العرب، جاءوا ضمن جيش عمرو بن العاص الذي فتح مصر، فأقطعوا فيها بلادًا، وكانوا حتى سنة ٨٠٣ هـ يسكنون الحوف شرقي دلتا النيل (١).
لم يكن الإِسلام قد عم جذام في العهد النبوي، بدليل أن طوائف كبيرة منهم حاربت جيوش الخلافة في الشام عام ١٤ هـ، ولكن عناصر من جذام وفدت على النبي ﷺ فأسلمت، وعنصر آخر بعث إلى الرسول ﷺ بإسلامه وكان واليا للرومان، فدفع حياته ثمنًا لإسلامه ﵀ حيث أعدمه الرومان لما علموا بإسلامه.
فقد ذكر المؤرخون أن رفاعة بن زيد الجذامى قدم على رسول الله ﷺ في فترة الهدنة بين النبي ﷺ وبين قريش، قبل فتح خيبر، فأسلم، فكتب له الرسول ﷺ كتابًا، نصه: (هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد إلى قومه ومن دخل معهم يدعوهم إلى الله، فمن أقبل ففي حزب الله ومن أبى فله أمان شهرين) قالوا: فأجابه قومه وأسلموا.
كما أن رجلًا من جذام يقال له فروة بن عمرو بن النافرة -وكان أميرًا للرومان على من يليه من العرب في الشام- بعث إلى رسول الله ﷺ ، وكان مقر فروة مدينة معان، فلما بلغ الرومان دخوله في الإِسلام اعتقلوه ثم أعدموه وصلبوه. فقال قبل أن يقتلوه.
أبلغ سراة المؤمنين بأننى ... سلم لربّى أعظمى ومقامى (٢).
стр. 2648
- ٦٦ -
وفد مهرة
مهرة قبيلة حميرية من قضاعة، وهم بنو مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، تقع ديارهم ما بين حضر موت وعمان، ومن مدنهم سيحوت وقشن والغيظة، ويحتلون مساحة كبيرة على سواحل بحر العرب، وكانت المهرة شعبًا شرسًا محاربًا، وفي بلادهم توجد أجود الإبل العربية على الإطلاق، وهي المسماة بالابل المهرية التي لا يوجد أسرع منها في الجرى .. ارتدت المهرة عن الإِسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، وتولى عكرمة بن أبي جهل تأديبها, ولم تخضع وتعد إلى الإِسلام إلا بعد معارك طاحنة لا تقل ضراوة عن معارك أنْامة، فقد قتل منهم في حرب الردة قرابة عشرة آلاف مقاتل.
وقد قدم وفد المهرة المدينة برئاسة مهريّ بن الأبيض (١) فعرض عليهم رسول الله ﷺ الإِسلام فأسلموا، وأكرمهم رسول الله ﷺ وكان يعتنى بهم لبعد المسافة التي قطعوها إليه فقد كان ما بين المهرة والمدينة مسافة حب إلى سبعين يومًا، وقد كتب النبي ﷺ للمهرة كتابًا هذا نصه: (هذا كتاب من محمَّد رسول الله لمهرى بن الأبيض على من آمن به من مهرة ألا يؤكلوا (٢)، ولا يعركوا وعليهم إقامة شرائع الإِسلام فمن بدل فقد حارب ومن آمن به فله ذمة الله وذمة رسوله، اللقطة مؤدَّاة والسارحة مندّاة والتفث السيئة والرفث الفسوق) وكتب محمَّد بن مسلمة (٣). ويذكر ابن سعد في طبقاته أن رجلًا من المهرة أيضًا وقد على رسول الله ﷺ ، اسمه زهير بن قرضم (٤)، فكان رسول الله ﷺ يدنيه ويكرمه لبعد مسافته، فلما أراد الانصراف ثبته وحمّله وكتب له كتابًا (٥).
стр. 2649
- ٦٧ -
وفد حمير
حمير -بكسر الحاء وسكون الميم- بطن عظيم من القحطانية، وهو أحد جرمين رئيسيين تنتسب إليهما جميع قبائل اليمن، وهما كهلان بن سبأ وحمير بن سبأ، واسم حمير هو (العرنج) قال الهمدانى: حمير في قحطان ثلاثة: الأكبر، والأصغر، والأدنى.
وديانة حمير قبل الإِسلام، بعضهم دان باليهودية، وبعضهم يعبد الشمس، وكان لحمير في الجاهلية بيت بصنعاء يقال له رئام، يعظمونه، ويتقربون عنده بالذبائح (١) وفي حمير كان الملك عظيمًا وكان منهم ملوك عظام، وقد امتدت رقعة مملكة حمير إلى أرض فارس وأفريقيا والهند فحكموا كل هذه الأقطار مدة طويلة قبل الإِسلام، وقد كان لحضارمة حمير ملك بالشام قبل الغساسنة، فقد كان جيل من قضاعة ملوكًا لجنوب الشام حتى حاربهم بنو عمهم الغساسنة وأزالوا ملكهم (٢).
ولما جاء الله بالإِسلام، وانتصر الرسول ﷺ في كل معاركه الحربية الرئيسية، قرر ملوك حمير الدخول في الإسلام، ولذلك - في شهر رمضان سنة تسع هـ - بعثوا إلى النبي ﷺ من اليمن رسولًا بإسلامهم، وهم أربعة ملوك، نعيم بن عبد كلال (٣)، والحارث بن عبد كلال (٤)، والنعمان (٥) قيل ذي رعين، وزرعة ذو يزن (٦)، وكان رسول هؤلاء الملوك إلى النبي ﷺ مالك بن مرارة الرهاوى (٧)، فقد كتب هؤلاء الملوك إلى
стр. 2650
الرسول ﷺ أنهم فارقوا الشرك وأهله، فأكرم الرسول ﷺ رسولهم فأنزله في دار الضيافة، ثم كتب النبي ﷺ إلى الملوك الأربعة كتابًا هذا نصه: (بسم الله ألرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى الحارس بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال وإلى النعمان قيل (١) ذي رعين ومعافر وإلى زرعة بن ذي يزن، أمّا بعد فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد فقد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلغ به وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين فإن الله ﵎ قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغنم خمس الله وخمس نبيه وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة والعقار (٢) عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب (٣) نصف العشر)، - وهو كتاب طويل فيه فرائض ووصايا كثيرة (٤).
- ٦٨ -
وفد نصارى نجران
كانت نجران قبل الإِسلام بها جماعة من العرب على النصرانية، وكان منهم -قبل تحريف الإنجيل- قوم على دين التوحيد دين عيسى بن مريم ﵇، ومنهم المؤمنون أصحاب الأخدود الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وكان اليهود هم الذين نكلوا بهؤلاء المؤمنين فحرقوهم في الأخدود.
وعندما جاء الله بالإِسلام كان بنجران قوم من النصارى العرب، كتب إليهم النبي ﷺ ، فجاؤوا إلى المدينة في وفد مكون من أربعة عشر رجلًا
стр. 2651
من أشرافهم، وكان رئيسهم رجل اسمه عبد المسيح ولقبه (العاقب)، وهو من كندة، وكان أميرهم ومرجعهم في السياسة والحكم، أما أسقفهم وحبرهم وإمامهم ورئيس مدارسهم فهو أبو الحارث بن علقمة، وهو من بني ربيعة.
ولما وصلوا المدينة دخلوا على رسول الله ﷺ وهو في المسجد، وعليهم ثياب الحبرة وأردية مكففة بالحرير، وأثناء وجودهم داخل المسجد قاموا يصلّون صلاتهم نحو المشرق، فأراد الصحابة اعتراضهم فقال رسول الله ﷺ : دعوهم، فأكملوا صلاتهم في المسجد، وقد أعرض عنهم الرسول ﷺ ولم يكلمهم (أول الأمر) فاستغربوا، فقال لهم عثمان بن عفان: ذلك من أجل زيكم هذا (أي ارتدائهم الحرير) فانصرفوا يومهم ذلك، ثم غدوا على الرسول ﷺ بزى الرهبان فسلموا فردّ عليهم، ثم دعاهم إلى الإِسلام فأبوا وكثر الكلام والحجاج بينهم، وتلا عليهم النبي ﷺ القرآن، ولكنهم أصرّوا على رفضهم الدخول في الإِسلام، فقال لهم ﷺ : إن أنكرتم ما أقول لكم فهلمّ أباهلكم، والمباهلة هي التي عناها القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
فوافقوا على المباهلة (أول الأمر)، ولكنهم تراجعوا فيما بعد فجاء منهم عبد المسيح ورجلان من ذوي الرأي فيهم. فقالوا: قد بدا لنا أن لا نباهلكم فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك، فصالحهم الرسول ﷺ على أن يدفعوا الجزية، وأعطاهم ضمانًا كتابيا على أنهم أحرار في دينهم وآمنون على أموالهم وأراضيهم، فرجعوا إلى بلادهم، غير أن اثنين من زعمائهم وهما العاقب أميرهم وصاحب أمرهم، والسيد أحد كبارهم، رجعا إلى النبي ﷺ وأسلما على يديه (٢).
стр. 2652
- ٦٩ -
وفد جيشان
جيشان، لم أجد لهذه القبيلة ترجمة في شيء من المعاجم، ويظهر أنها فخيذة من اليمن، قال ابن سعد: بلغني عن عمرو بن شعيب قال: قدم أبو وهب الجيشانى على رسول الله ﷺ في نفر من قومه فسألوه عن أشربة تكون باليمن، قال فسموا له البتع من العسل والمزر من الشعير، فقال رسول الله ﷺ : هل تسكرون منها؟ قالوا: إن أكثرنا سكرنا، قال: فحرام قليل ما أسكر كثيره. وسألوه عن الرجل يتخذ الشراب فيسقيه عماله، فقال رسول الله ﷺ : كل مسكر حرام (١).
- ٧٠ -
وفد السباع
وحتى السباع أرسلت وفدها إلى النبي ﷺ عام الوفد، فعن شعبة بن عبادة عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنظب، قال: بينا رسول الله ﷺ جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى. فقال رسول الله ﷺ : هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئًا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحذّرتم منه، فما أخذ فهو رزقه، فقالوا: يا رسول الله، ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه النبي ﷺ بأصابعه الثلاث، أي خالسهم، فولَّى وله عسلان.
وفي رواية للأمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعى فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال: ألا تتقى الله تنزع مني رزقا ساقه الله إليّ، فقال يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمنى كلام الإنس فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك، محمَّد رسول الله ﷺ بيثرب يخبر الناس بما قد سبق. قال: فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله
стр. 2653
- ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودى: الصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابي: أخبرهم، فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ : صدق والذي نفس محمَّد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وتكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده، ورواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (١).
سيطرة الإسلام الكاملة على جزيرة العرب
وهكذا وبتوافد هذه الوفود العربية من أقاصى الجزيرة في شمالها وجنوبها وغربها وشرقها لإِعلان الدخول في هذا الدين، ضرب الإِسلام بجرانه في هذه الجزيرة ولم يعد فيها من هو على غير دين الإسلام، سوى أقليات بسيطة من أهل الكتاب أقرهم النبي ﷺ على دينهم، بعد أن دفعوا الجزية وأقروا بدفعها كل سنة اعترافًا بسلطان الإِسلام.
وقد ظلت الوفود تتقاطر على المدينة لإعلان إسلام القبائل طوال السنة التاسعة الهجرية وحتى أوائل السنة العاشرة.
وفود ذي الكلاع الحميرى:
كان ذو الكلاع الحميرى من ملوك الطوائف، قد استعلى أمره حتى ادعى الربوبية، وقد بعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلى يدعوه إلى الإِسلام فأسلم وأسلمت امرأته صريمة بنت أبرهة بن الصباح. قال في تاريخ الخميس: واسم ذي الكلاع (ذو الكلاع بن باكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تُبَّع).
стр. 2654
قال الأصمعى: كاتب رسول الله ﷺ ذا الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد الله البجلى، يدعوه إلى الإِسلام، وكان قد استعلى أمره حتى ادعى الربوبية فأطيع، وتوفى النبي ﷺ ، ثم وفد في خلافة عمر ومعه ثمانية آلاف عبد، فأسلم على يده وأعتق من عبيده أربعة آلاف، ثم قال عمر: يا ذا الكلاع بعنى ما بقى عندك من عبيدك أعطك ثلث أثمانهم ها هنا وثلثًا باليمن وثلثًا بالشام، فقال: أجلنى يومى حتى أفكر فيما قلت ومضى إلى منزله فأعتقهم جميعًا، فلما غدا على عمر قال له: ما رأيك فيما قلت لك في عبيدك؟ . قال: قد اختار الله لي ولهم خيرًا مما رأيت. قال: وما هو؟ قال: هم أحرار لوجه الله تعالى، قال: أصبت ياذا الكلاع.
قال: يا أمير المؤمنين لي ذنب ما أظن الله يغفره لي. قال: وما هو؟ قال: تواريت يومًا ممن يتعبّدنى، ثم أشرفت عليهم من مكان عال، فسجد لي زهاء مائة ألف إنسان، فقال عمر: التوبة باخلاص والإنابة بإقلاع يرجى بهما مع رأفة الله الغفران، وقد قتل ذو الكلاع الحميرى بصفين مع فئة معاوية رحم الله الجميع.
стр. 2655
تجميع الزكواة
وبعد نجاح غزوة تبوك وبعد أن لف الإِسلام تحت جناحيه جميع أقاليم تجويف الجزيرة العربية، ولم يبق من يفكر في معارضة الإِسلام ومناوأة سلطانه أحد، شرع الرسول ﷺ فيما يمكن تسميته تنظيم الواردات المالية للدولة، وذلك لمواجهة احتياجات هذه الدولة التي ستتزايد يومًا بعد يوم.
وقد كان القرآن الكريم قد نزل بفرضية الزكاة على المسلمين بصفة عامة، وجاءت السنة المحمدية فبينت للمسلمين صنوف الأموال التي تجب فيها الزكاة، وكم هو الحد الأدنى من كل صنف الذي تجب فيه الزكاة، والهدف من فرضية الزكاة مواجهة سد حاجات المحتاجين من المسلمين، الذين لا يقدرون على الكسب من معوق أو أعمى أو يتيم أو ذي عاهة إلى غير ذلك. وكانت الزكاة أول نظام عامل محكم فعال يوضع للضمان الاجتماعى منذ فجر التاريخ.
ولا حاجة بنا إلى شرح شروط وأركان الزكاة وتحديد مصارفها، ففي كتب الفقه المطولة والمبسطة ما يشفى غليل الذي يريد معرفة التفاصيل.
وقد بعث رسول الله ﷺ برسل وكتب إلى جميع نواحى جزيرة العرب يعلم الناس فيها الركن الهام هذا من الإِسلام وهو الزكاة. فسمع الناس وأطاعوا. وصار جامعو الزكاة أيما ذهبوا في الجزيرة لا يلقون أية صعوبات تذكر في جمع هذه الزكاة. في عهد النبي ﷺ .
حجة الوداع:
وعندما أشرفت السنة العاشرة الهجرية على الانتهاء، شرع الرسول ﷺ في التهيؤ للحج قال في تاريخ الخميس ج ٢ ص ١٤٨: وقد كان النبي ﷺ أراد أن يحج مقفله من تبوك، وذلك إثر فتح مكة بيسير، ثم ذكر أن بقايا
стр. 2656
المشركين يحجون ويطوفون عراة فأخر الحج حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وذلك في السنة التاسعة ثم حج في العاشرة (بعد إمحاء رسوم الشرك) (١).
النبي لم يحج حجة الإِسلام في العمر إلا مرة:
والثابت عند المحققين أن النبي ﷺ لم يحج في حياته (بعد فرضية الحج) إلا مرة واحدة وقد كان النبي ﷺ قبل هجرته "وعندما كان مغلوبًا على أمره"، يشهد كل سنة مواسم الحج يعرض نفسه على القبائل يدعوهم إلى الإِسلام، في هذه المواسم التي كانت السيطرة الكاملة فيها للمشركين الذين يؤدون الحج حسب التقاليد مخالفين التعاليم الإِسلامية حتى أنهم دائمًا يقفون في غير التاسع من ذي الحجة وذلك التلاعب في الأشهر الذين يباشرونه وهو النسئ الذي نعاه الله تعالى عليهم.
قال السهيلى في شرح السيرة النبوية: "لا ينبغي أن يضاف إليه "أي النبي ﷺ " في الحقيقة إلا حجة الوداع، وإن حج مع الناس، إذ كان بمكة، فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج وكماله لأنه ﷺ كان مغلوبًا على أمره، وكان الحج منقولًا عن وقته، فقد ذكر أن أهل الجاهلية كانوا ينقلون الحج على حساب الشهور الشمسية ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يومًا (٢).
أما العمرة فالمتفق عليه بين المحققين أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر. أولها عمرة الحديبية حين منعه المشركون دخول مكة فعقد معهم الصلح المشهور في ذي القعدة عام ٦ هجرية فتحلل وحسبت له عمرة. وثانيها في
стр. 2657
ذي القعدة من العام المقبل وهي سنة سبع وهي عمرة القضاء، وثالثها في ذي القعدة سنة ثمان وهي عام الفتح، حيث اعتمر من الجعرانة بعد أن قسم غنائم حنين، وأربعها مع حجته الكبرى سنة عشر هجرية، وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في الحجة كذا رواه البخاري في صحيحه.
ولذا أعلم الرسول ﷺ الناس أنه حاج هذا العام، فاجتمع بشر كثير يريدون الاقتداء برسول الله ﷺ ، قيل إنهم كانوا يزيدون على مائة ألف.
وكان خروج النبي ﷺ من المدينة للحج يوم السبت في السادس والعشرين من شهر ذي القعدة عام ١٠ هجرية، وكان خروجه بين الظهر والعصر. فصلى رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر أربعا والعصر ركعتين بذى الحليفة قصرًا ولم يثبت عنه أنه صلى ركعتين خاصة قبل الإِحرام كما يفعل الكثير ظنًّا منهم أن أداءهما سنة.
وقد كان دخوله مكة للحج صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة فتكون السافة التي قطعها بين مكة والمدينة ثمانية أيام.
وكان النبي ﷺ قد أحرم بالمدينة في ثوبين صحاريين (١)، إزار ورداء، وأبدلهما بالتنعيم من جنسهما، قالوا وساق الرسول ﷺ مائة بدنة هديا (٢).
وكان دخوله مكة من أعلاها، حتى انتهى إلى الباب الذي يقال له، باب بني شيبة، وعندما دخل المسجد بدأ بالطواف قبل الصلاة، ولما انتهى استلم الركن وهو مضطبع (٣) بردائه وقال: بسم الله والله أكبر، وكان يقول بين الركن اليماني والأسود "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٤) ". ونهى عن المزاحمة على الحجر الأسود، فقد قال لعمر بن الخطاب: إنك رجل قوي، إن وجدت الركن خاليا فاستلمه، وإلا فلا
стр. 2658
تزاحم الناس فتؤذي وتؤذى. وقال لعبد الرحمن بن عوف: كيف صنعت بالركن يا أبا محمَّد؟ قال: استلمت وتركت. قال: أصبت.
وبعد أن انتهى ﷺ من الطواف الذي رمل فيه ثلاثًا ومشى أربعًا. تقدم إلى المقام، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) ثم جعل المقام بينه وبين البيت فصلى فيه ركعتين وكان يقرأ في الركعتين قل يا أيها الكافرون وقيل هو الله أحد. وبعد أن انتهى من صلاته رجع إلى الركن واستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفاء من باب بني مخزوم وقال: أبدأ بما بدأ الله به. ثم أكمل الطواف بين الصفاء والمروة على راحلته. وكان يقول عندما يرتقى الصفا أو المروة: لا إله إلا الله. وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات (٢).
فلما أكمل سعيه أمر كل من لا هدى معه أن يحل حتما قارنا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يحلوا الحل كله من وطء النساء ولبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية، ولم يحل هو ﷺ من أجل هديه، وهناك قال: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى معى ولجعلتها عمرة.
ولم يحل أبو بكر ولا عمر ولا على ولا طلحة من أجل الهدى. ولما قال النبي ﷺ لأصحابه الذين أحرموا بالحج اجعلوها عمرة، ترددوا وقالوا يا رسول الله فكيف نجعلها عمرة. فقال: انظروا ما آمركم به ثم بدا عليه الغضب من ترددهم حتى دخل على زوجه عائشة وهو غضبان فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ . فقال ﷺ : وما لي لا أغضب وأنا آمر أمرًا فلا يتبع (٣).
قال الإِمام ابن القيم في زاد المعاد: وروى عن النبي ﷺ بفسخ الحج إلى
стр. 2659
العمرة أربعة عشر من أصحابه، وأحاديثهم في الصحاح (١).
ثم قال ابن القيم: ونحن نشهد الله علينا أن لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ واتباعًا لأمره، فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعدها, ولا صح حرف واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة بن مالك أن يسأله: هل ذلك (أي فسخ الحج إلى العمرة) مختص بهم (أي الصحابة) فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندرى ما تقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه؟ . ولله در إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ إذ يقول لسلمة بن شبيب: وقد قال له: يا أبا عبد الله كل أمرك عندي حسن إلا خلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج إلى العمرة. فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صحاحًا أأتركها لقولك (٢). قلت والذي يؤيد كلام ابن القيم والإمام أحمد بأنه لا مناص من فسخ الحج إلى العمرة لن دخل مكة محرمًا وطاف وسعى. قول عبد الله بن عباس: من طاف بالبيت وسعى فقد حلّ شاء أم أبى.
النبي يكسو الكعبة في حجته:
فعن ابن أبي سبرة عن خالد بن رباح، عن المطلب بن عبد الله بن موسى قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: كسا رسول الله ﷺ البيت في حجته الحبرات.
ويذكر الإِمام الواقدي أن رسول الله ﷺ خطب الناس قبل يوم التروية بمكة بعد الظهر ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة (٣). قلت: ولم نجد نص هذه الخطبة التي أشار إليها الواقدي في المصادر التي بين أيدينا.
стр. 2660
واتفق رواة الحديث على أن النبي ﷺ نزل بظاهر مكة، وكان مدة مقامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه يصلى بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهرها أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والأربعاء فلما كان يوم الخميس (ضحَى) توجه بمن معه من المسلمين إلى منى، فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم، ولم يدخلوا المسجد ليحرموا منه بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم، فلما وصل إلى منى نزل بها وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح (١).
صلاة أهل مكة خلف النبي ﷺ -:
وقد صلى النبي ﷺ بمكة الرباعية قصر ولما صلى أهل مكة معه. قال: أتموا صلاتكم فإنا سفر (٢) وكان ذلك ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس سار من منى إلى عرفات وأخذ على طريق ضبّ على يمين طريق الناس اليوم، وكان من أصحابه الملبى ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء، فلما وصل نمرة (وهي شرقي عرفة) وجد قبة بها قد نصبت بأمره فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بناقته القصوى فرُحلت ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، (وعرنة ليست من عرفات) وهناك في وادي عرنة خطب الناس وهو على ناقته خطبة عظيمة جامعة قرر فيها قواعد الإِسلام وهدم قواعد الشرك وردم منابع الجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات وهي الأعراض والدماء والأموال ووضع كل أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرًا، وذكر ما لهن من حقوق وما عليهن من واجبات، وأوصى الأمة بالاعتصام بكتاب الله، وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه واستنطقهم بماذا يقولون؟ وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت، فرفع إصبعه
стр. 2661
إلى السماء واستشهد عليهم ثلاث مرات وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم (١).
وفي حجته هذه ﷺ أدخل على الحج إصلاحات كبرى لأن المشركين كانوا على مدى القرون أدخلوا على مناسك الحج مفاسد كبرى بالزيادة فيه أو النقصان.
ومن الإِصلاحات الكبرى الوقوف بعرفة، فقد كانت قريش دون سائر الناس لا يقفون بعرفة تكبرًا وإنما يقفون (فقط) بمزدلفة ويقولون: نحن أهل الحل، فأمر النبي ﷺ حميع الناس أن يقفوا بعرفة حتى إنه زيادة في تعظيم هذا المشعر قال: الحج عرفة.
كذلك من الإصلاحات التي أدخلها النبي ﷺ على الحج حتى عاد كما كان عليه في عهد أبينا إبراهيم ﷺ إقامة الخلل الخطير الذي أدخله المشركون في التلبية، فقد كانوا في حجهم يقولون: (لبيك اللهم لبيك: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا تملكه وما ملك) فانتزع الرسول ﷺ هذه الجملة الشركية الدخيلة على تلبية أبينا إبراهيم وهي (إلا شريكًا تملكه وما ملك) فصارت التلبية الشرعية هكذا (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك).
كذلك من الإصلاحات الهامة التي أعلنها الرسول ﷺ في خطبته التاريخية، إلغاء التلاعب الزمنى الذي كان يباشره المشركون حيث كانوا يستحلون بعض الأشهر الحرم ويستبدلونها بغيرها من غير الأشهر الحرم فيحرّمونها بدلًا منها وذلك بسبب الحرب المستمرة بينهم، ونتيجة هذا التلاعب الذي سماه الله تعالى نسيئًا: (﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٢) ظل حساب أشهر السنة مضطربًا شهر يقدم ليحل محل آخر. حتى إن الحج كثيرًا ما يأتي في غير ذي الحجة. فمثلًا مرة حج المشركون في شهر ذي القعدة، فأبطل النبي ﷺ هذا التلاعب في خطبته التاريخية هذه فقال: ألا
стр. 2662
وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، ذو الحجة والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى الأخرى وشعبان، والشهر تسعة وعشرون يومًا وثلاثون (١).
ومن المخالفات التي يفعلها المشركون في الحج وصححها الرسول ﷺ هو أن المشركين كانوا يدفعون من عرفة إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كهيئة العمائم على رؤوس الرجال، فظنت قريش أن الرسول ﷺ يدفع كذلك فأخر دفعه حتى غربت الشمس (٢).
وفي عرفة قال النبي ﷺ : (إن خير الدعاء دعاء يوم عرفة) وقال: (إن أفضل الدعاء دعائى ودعاء من كان قبلي من الأنبياء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) (٣).
وهناك حيث وقف النبي ﷺ بعرفة نزلت آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ "سورة المائدة آية ٤"، وقد وقف ﷺ على بعيره فأخذ في التضرع والدعاء والابتهال التي غروب الشمس، وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة (لأنها ليست من عرفة)، ثم أعلن أن عرفة لا تختص بموقفه الذي وقف فيه، بل قال: (وقفت هنا وعرفة كلها موقف) وأرسل التي الناس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها فإنها من إرث أبيهم إبراهيم (٤).
وبعد أن دفع الرسول ﷺ (بعد غروب الشمس وذهاب الصفرة) اتجه نحو مزدلفة والناس بين يديه لا يحدهم بصر بلغوا أكثر من مائة وعشرين ألفًا. وكان مردفًا خلفه على ناقته أسامة بن زيد، وكان يدعوا الناس في دفعهم التي الهدوء وعدم التزاحم فيقول: (أيها الناس عليكم السكينة فإن
стр. 2663
البرّ ليس بالإيضاع (١))، وكان في مسيره يلبى لم يقطع التلبية. حتى وصل المزدلفة توضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى بالناس المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى عشاء الآخرة بإقامة بلا أذان كما فعل في عرفات، ثم نام، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت بأذان وإقامة يوم النحر وهو يوم العيد ويوم الحج الأكبر وهو يوم الأذان ببراءة الله من كل مشرك (٢)، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر الصبح جدًّا وذلك قبل طلوع الشمس، وهناك سأله عروة بن مضرّس الطائى فقال: (يا رسول الله والله إني جئت من جبلى طئ، أكللت راحلتى وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا تم حجه وقضى تفثه) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
كذلك من آثار الجاهلية التي هدمها النبي ﷺ في حجته هذه عادة كان يتبعها المشركون ويعتبرونها من مناسك الحج وهي أنهم كانوا لا يدفعون من المزدلفة حتى تطلع الشمس على ثبير، ويقولون: أشرق تبير كيما نغير، فقال رسول الله ﷺ : إن قريشًا خالفت عهد إبراهيم، ولذلك دفع النبي ﷺ قبل طلوع الشمس (٣)، وعندما ركب ﷺ ووقف موقفه أعلن أن مزدلفة كلها موقف (٤).
وأثناء تحركه ﷺ إلى منى أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار (سبع حُصيَّات فقط) فالتقط له ابن عباس سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو
стр. 2664
في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين، رواه البيهقي من حديث ابن عباس. وهكذا فإن من البدع المذمومة غسل حصى الجمار كما يفعل اليوم كثير من العوام.
وهذا يعني أن النبي ﷺ إنما أمر بالتقاط الحصى من مزدلفة التي ترمى بها فقط ولمرة واحدة جمرة العقبة، أما بقية الجمار فليس من السنة التقاط الجمار لرميها من مزدلفة، بل يكفى التقاطها من منى وكذا الحصى التي ترمى بها جمرة العقبة في اليوم الثاني والثالث فلا يشترط التقاطها من مزدلفة كما يفعل بعض العوام.
هل وجه المرأة عورة:
وكان ﷺ مردفًا خلفه الفضل بن العباس، وفي طريقه إلى منى عرضت له فتاة خثعمية جميلة، فسألت عن الحج عن أبيها، وكان شيخا كبيرًا لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إلى الخثعمية وهي تنظر إليه وكان الفضل جميلًا، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، وضع يده الكريمة على وجه الفضل وصرفه إلى الشق الثاني حتى لا ينظر إليها ولا تنظر إليه، ولكن لم يثبت أن النبي ﷺ أمر بستر وجهها، وفي هذا دليل على أن وجه المرأة ليس عورة إذا لم تزينه بمختلف الزينات، وقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من الأئمة، وهو الأقرب إلى الصواب والله أعلم.
فلما وصل الرسول ﷺ وادي محسَّر أسرع في السير، وهذه عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فوادى محسر هذا حسر فيل الأحباش فيه، أي أعيى وامتنع عن الذهاب إلى مكة، واستمر جيش أبرهة الغاشم المعتدى هناك في الوادي حتى أرسل الله عليهم طير الأبابيل حتى أبادتهم. ولا يدرى أحد على وجه التحديد ما هي المادة التي أبادت هذه الطير بها جيش أبرهة، ويقال: إنها أصابتهم بوباء الجدرى حتى إن الجندى الواحد منهم يتورم ويتنفخ حتى ينفلق فلقتين نتيجة تأثير وباء الجدرى، والله على كل شيء قدير.
стр. 2665
النبي ﷺ في منى:
وكان النبي ﷺ يلبي ولم يقطع التلبية حتى رمى جرة العقبة، فعندما وصل الجمرة وقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على ناقته فرمى الجمرة راكبًا بعد طلوع الشمس، فكان رمى الجمرة أول نسك يباشره في منى، وكان رميه واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة يرمى بها، وكان أسامة وبلال معه أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلله بثوب من الحر (١).
خطبته يوم العيد يوم الحج الأكبر:
وعقب انصرافه من جرة العقبة ألقى على المسلمين بمنى خطبة عظيمة، فتح الله لها أسماع الناس حتى سمعها أهل منى بعيدًا في منازلهم. فعن عكرمة وابن عباس قالا: خطب رسول الله ﷺ من الغد يوم النحر بعد الظهر على ناقته القصواء. فقال ﷺ : أيها الناس اسمعوا من قولي فاعقلوه، فإني لا أدرى لعلّى لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف .. أيها الناس أي شهر هذا؟ قال: فسكتوا. فقال ﷺ : هذا شهر حرام، فأيُّ بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: بلد حرام، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتوا، فقال: يوم حرام، ثم قال ﷺ : إن الله قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثم: إنكم سوف تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا الجاهلية موضوع، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وأول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعًا في بني سعد بن ليث فقتلته هزيل-، ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرَّم على كل مسلم، ولا يحل مال مسلم