← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لا والله ما هذا لكم برأْي. والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أَمره من وراء الباب الذي أَغلقتم دونه إلى أَصحابه، فلأَوشكوا أَن يثبوا عليكم، فينزعوه من أَيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أَمركم، ما هذا لكم برأْي، فانظروا في غيره. الإجماع على قتل النبي ﷺ - غير أَن برلمان مكة وافق في النهاية على اقتراح آثم تقدم به كبير مجرمي مكة أَبو جهل بن هشام (أَحد نواب قبيلة بنى مخزوم) يقضى هذا الاقتراح بقتل النبي ﷺ ، على أَن تشترك في قتله جميع قبائل قريش لتكون كلها خصمًا لمن أَراد المطالبة بدمه فلا يجرؤ على ذلك. فقد قال هذا الشيطان الطاغية (أَبو جهل) في اقتراحه: والله إن لي فيه لرأَيا ما أَراكم وقعتم عليه بعد، قالوا ... وما هو يا أَبا الحكم؟ ؟ قال .. أَرى أَن نأَخذ من كل قبيلة في شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا فينًا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدوا إِليه، فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل. جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل (أَي الدية) فعقلناه لهم. فوافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، واعتمدت قريش هذا القرار الغاشم، وانصرف النواب من البرلمان وقد عقدوا العزم على تنفيذه فورًا. تطويق منزل الرسول ﷺ - وبعد أَن أَتخذ برلمان مكة هذا القرار الظالم الغاشم، أَبلغ الله نبيه ذلك، وأَمره بالهجرة إلى المدينة، قال ابن إسحاق

стр. 72

فأَتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال .. لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. وفي تلك الليلة التي اتخذ في يومها برلمان مكة قراره ذالك قامت فصيلة تمثل جميع قبائل قريش بتطويق بيت النبي ﷺ بغية تنفيذ المؤامرة الفظيعة التي تستهدف حياة الرسول الأعظم ﷺ ، الذي كان (فعلًا) موجودًا في منزله ساعة تطويقه بالفتيان المسلحين الذين أوكل إليهم القيام بقتله. فشل المؤامرة ونجاح الهجرة: وهكذا وقف الكفر على باب الإيمان ليطفئ شعلته إلى الأبد وليحرم العالم من موجات نوره الساطعة التي أخذت تتدفق لتضئ جنبات العالم المتوحلة في ظلمات الجهل والكفر والظلم والانحراف. ووقف قادة الشرك مع جندهم الذين أحاطوا بمنزل الرسول ﷺ ، ليشهدوا تنفيذ أبشع مؤامره دنيئة عرفها التاريخ من لدن آدم. ووقف أبو جهل بالذات وقفة الزهو والخيلاء، وكأنه قد ضمن نجاح المؤامرة .. وقف مخاطبًا عصابته المحاصره للمنزل النبوي قائلا (في سخرية واستهزاء): "إن محمدًا يزعم إنكم إن تابعتموه على أَمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان (الأردن)، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها". وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، وظل قادة مكة وجنودهم متيقظين في انتظار ساعة الصفر، ليفتكوا بالرسول الأعظم ﷺ ، ولكن الله غالب على أَمره.

стр. 73

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١). فقد فشلت تلك المؤامرة الرهيبة، حيث نجَّى الله من شرها رسوله ﷺ الذي خرج على المتآمرين وهم ينظرون إليه ولا يبصرون. خرج عليهم واخترق صفوفهم وفي يده حفنة من التراب ذرها على رؤوسهم المشحونة بالكفر والطغيان، ذرها وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٢). وقبل حلول ساعة الصفر بقليل: تجلت للكفر خيبة أمله، وظهرت للطغيان انهيار خططه، وعصفت رياح الحسرة بنفوس المتآمرين حينما آتاهم رجل ممن لم يكن معهم، وهم واقفون بباب منزل الرسول ﷺ ينتظرون دنو ساعة الصفر، فقال لهم: ما تنتظرون؟ ؟ . قالوا .. محمدًا .. قال .. خيبكم الله ... قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأْسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ .. فوضع كل رجل منهم يده على رأْسه فإذا عليه تراب. ولكنهم كانوا على يقين بأن النبي ﷺ داخل المنزل، ولهذا فقد تزاحموا على باب منزل الرسول يتطلعون من شقوقه، فيرون عليا ﵁ (٣) علي الفراش متسجيا ببرد رسول الله ﷺ ، فيظنونه

стр. 74

رسول الله، فيقولون والله أن هذا لمحمد نائمًا عليه برده، فيظلون نهبًا للشك والتردد لا يقدمون على عمل حاسم (١)، حتى طلع عليهم الصباح, وإذا بعلي بن أبي طالب ﵁ ينهض من فراش الرسول ﷺ ، وبهذا تبين لهم صدق ما قاله لهم ذلك الرجل الذي أخبرهم بخروج النبي عليهم من منزله. وهنا تأَكد لكفار مكة أن النبي ﷺ قد أفلت (فعلًا) من قبضتهم فجن جنون الشرك لهذا الفشل الذريع الذي انتهت إليه مؤامراتهم الخبيثة. ك يف نجحت الهجرة ك ان النبي ﷺ قد اتصل بصاحبه الأكبر (أَبى بكر الصديق) ليتفقا على خطة يغادران بموجبها مكة إلى المدينة، وذلك بعد أن تبلغ النبي ﷺ ذلك القرار الغاشم الذي اتخذه برلمان مكة ضده. فقد ذهب ﷺ إلى بيت الصديق لهذا الغرض، ولما كانت عملية الهجرة (بالنسبة للنبي ﷺ ) تعد مغامرة خطيرة فقد أحيطت بالكتمان الشديد , حتى إِن النبي ﷺ لما وصل إِلى منزل صاحبه الصديق للتشاور معه في وضع الخطة، طلب مسند أن يأْمر كل من عنده بالخروج لئلا يتسرب شيء مما يدور بينهما حول هذا الموضوع الخطير.

стр. 75

قال ابن إسحاق فيما رواه عن عائشة ﵂ أَنها قالت .. كان لا يخطيء رسہول الله ﷺ أَن يأْتي بيت أَبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإِما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أَذن فيه لرسول الله ﷺ في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أَتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة، في ساعة كان لا يأَتى فيها، قالت .. فلما رآه أَبو بكر قال .. ما جاءَ رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا لأَمر حدث , قالت .. فلما دخل، تأْخر له أَبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ ، وليس عند أبي بكر إلا أَنا وأُختي اسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : أخرج عني من عندك، فقال ... يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك؟ فداك أَبي وأُمي. فقال ﷺ .. إن الله قد أَذن لي في الخروج والهجرة، قالت .. فقال أَبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال ﷺ .. الصحبة. قالت عائشة .. فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم إن أَحدًا يبكى من الفرح، حتى رأَيت أَبا بكر يبكي يومئذ ثم قال ... يا نبي الله، أَن هاتين راحلتان قد كنت أَعددتهما لهذا، فاستأَجرا عبد الله بن أَرقط - رجلا من بنى الدؤل بن بكر وكان مشركًا - يدلهما علي الطريق فدفعًا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما (١). ك يف خرج النبي ﷺ من مكة وفي تلك الليلة التاريخية التي كانت بداية التحول الخطير في تاريخ الإسلام، بل الإنسانية كلها، وبينما كانت قريش (بزعمائها

стр. 76

وقادتها) تحيط بمنزل الرسول الأَعظم ﷺ في انتظار الصباح للفتك به (١) - تنفيذًا للقرار الذي اتخذه برلمان قريش - كان محمد ﷺ وصاحبه الصديق يغادران منزل الأَخير من باب خلفى ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أَن يطلع الفجر. الاختفاء في الغار ولما كان النبي ﷺ يعلم أَن قريشًا ستجدُّ في طلبه بمجرد علمها باختفائه من مكة، ولما كان يعلم (كذلك) أَن الطريق الذي ستتجه إليه الأَنظار (لأَول وهلة) ليكون تحت مراقبة المطاردين، هو طريق المدينة الرئيسي والمتجه شمالًا، فقد سلك طريقًا، من المستبعد أَن تفكر قريش في مراقبته (وخاصة في المرحلة الأُولى من البحث) وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن. وقد نجح النبي ﷺ في التعمية على كفار مكة، حيث تمكن من قطع مسافة كبيرة خارج مكة دون أَن يعرف أَحد من أَعدائه إلى أين اتجه. ومع نجاح هذه الخطة في مرحلتها الأُولى فإن النبي ﷺ قد أَدخل في حسابه إمكان تطور عملية البحث والمطاردة واتساع نطاقها بحيث تشمل المنطقة إلى سلكها في هجرته فتصبح تحت المراقبة. ولهذا قرر النبي ﷺ صبيحة تلك الليلة التاريخية التوقف (مؤقتًا) عن مواصلة السير حتى يسكن الناس وتهدأَ ثائرة زعماءِ مكة، واتفق

стр. 77

مع صاحبه الصدِّيق على أَن يختفيا في غار يقع في جبل جنوب مكة واسمه (ثور). المطاردة أَما قريش فقد طار صوابها وأُسقط في أَيديها حينما تأَكد لديها إفلات الرسول ﷺ من قبضتها ونجاته من شر مؤامرتها. فقد تجسد أَمام زعمائها الخطر الجسيم الذي يتهدد كيانها الوثني نتيجة إفلات النبي محمد من قبضتها، فقد كان إصرارها على الفتك بالنبي لا يستهدف قتل شخصه بقدر ما يستهدف قتل دعوته، ولهذا فهي تعلم أَن وصوله إلى يثرب سالمًا يعني أَن جبهة مسلحة قوية منظمة ستقف ضدها في جانب الإسلام بقيادة النبي في المدينة، الأَمر الذي يعرض تجارتها بين مكة والشام للخطر الشديد، ويجعل مكة نفسها معرضة لغزو مسلح قد تقوم به المدينة فيعصف بكيان قريش الوثني. لذلك سارع زعماءُ مكة إلى عقد جلسة طارئة مستعجلة لاتخاذ الخطوات الفعالة الحاسمة لمنع الرسول من الوصول إلى يثرب بأَية وسيلة ممكنة. وبسرعة قرر برلمان مكة بالإجماع وضع جميع الطرق النافذة من مكة (من جميع الجهات) تحت المراقبة المسلحة الشديدة (وخاصة الطرق المؤدية إلى المدينة رأَسًا) لمنع الرسول وصاحبه من الهجرة واعتقالهما. مائة ناقة مكافاة كما وافق برلمان مكة على إعطاء مكافأَة ضخمة قدرها مائة ناقة لمن يلقى القبض على النبي ﷺ ويعيده إلى قريش حيًّا أَو ميتًا.

стр. 78

وقد أَعلنت مكة ذلك على الجمهور , وهنا تجندت مكة بأْكملها للبحث عن النبي ﷺ وصاحبه , فانتشر فرسانها ومشاتها وقصَّاصوا الأَثر في الشعاب والوهاد والجبال والوديان يفتشون عن النبي ﷺ ، ﵁، وكان التفتيش دقيقًا للغاية. يفتشون بيت الصديق وكان أَبو جهل أَشد زعماء مكة هياجًا وأَكثرهم امتلاء بالغيظ لنجاة الرسول ﷺ من شر مؤامرتهم الخبيثة، فقد ذهب هذا الحاقد (في نفر من زعماء مكة) إلى بيت أَبي بكر الصديق لتفتيشه بحثًا عن الرسول ﷺ ، ولما وقفوا على الباب خرجت إليهم أسماء بنت أَبي بكر الصديق، فقالوا لها: أَين أَبوك يا ابنة أَبي بكر؟ فقالت لهم ... لا أَدري. وهنا رفع أَبو جهل المجرم يده وكان (كما قال ابن إسحاق) فاحشًا خبيثًا، فلطم خدّها حتى سقط منه قرطها من شدة اللطمة. المطاردون على باب الغار واستمر التفتيش عن النبي ﷺ : وصاحبه الصديق ثلاثة أَيام متوالية، ولكن دونما جدوى، إذ لم يعثروا له على أَي أَثر، فقد ظل ﷺ طيلة هذه الأَيام الثلاث مختفيًا مع صاحبه في الغار الذي لم تسلم منطقته من تفتيش قريش الدقيق، فقد وصل الطاردون في بحثهم إلى باب الغار الذي يمكن فيه محمد ﷺ وصاحبه وكادوا يكتشفونهما لولا عناية الله .

стр. 79

اللحظة الحرجة في تاريخ الإنسانية فهناك (وعلى مقربة من الغار) سأل كفار مكة أحد الرعاة فيما إذا كان رأى محمدًا ﷺ وصاحبه، فكان جوابه إنه لم ير أَحدًا، ولكنه من المحتمل أَن يكونا في هذا الغار وأشار إلى غار ثور. وهنا توقفت نبضات التاريخ، ووقفت الإنسانية المعذبة على مفترق الطرق، فإما إلى الارتكاس في حمأْة البغي والظلم والفساد من جديد، وإما إلى التخلص من ذلك وفتح صفحة جديدة مشرقة على يد الرجل الذي يكمن في الغار وجاءت قريش تطلب رأْسه. إن الله معنا ففي تلك اللحظات التي تقرر فيها مصير العالم بأجمعه، تسلق بعض المطاردين القرشيين الصخور ناحية الغار على أَثر سماع ما قاله الراعي، ليقوموا بتفتيش هذا الغار بحثًا عن النبي وصاحبه، وكان أبو بكر الصديق (الذي قد سمع حديث الراعي وشعر باقتراب فتيان قريش من الغار) يتصبب عرقًا من الخوف، واقترب من الرسول الأعظم ﷺ ليقول له هامسًا (في خوف وفزع): "لو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لأبصرنا. ولكن الرسول الأعظم أجاب الصديق في طمأْنينة النبي الواثق من صدق وعد ربه قائلًا: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ؟ وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه .. فقد رجع القرشيون الذين تسلقوا الصخور دون أن يدخلوا الغار، بعد أن وقفوا على بابه، ولم يبق بينهم وبين الوصول إلى النبي إلا عدة خطوات قليلة.

стр. 80

ولما رجعوا هكذا سألهم أصحابهم لماذا لم ينظروا في الغار وقد وصلوا إلى مدخله؟ ؟ فكان جوابهم: إن على بابه العنكبوت قبل أن يولد محمد، وقد رأَينا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفنا أن ليس به أحد. فاقتنع قادة المطاردين بخلو الغار من النبي وصاحبه، فعادوا أدراجهم إلى مكة وقد ملوا من البحث ويئسوا من العثور على النبي ﷺ وصاحبه. وهنا تنفست الإنسانية المبهورة الصعداء من جديد، وكتب الله لها أن تسعد فترة من الزمن على يد الذي كان مختفيًا في الغار مع صاحبه والذي نجَّاه الله من شر أعدائه. أيام الغار الثلاث وكان النبي ﷺ طيلة اختفائه وصاحبه في الغار لا يعلم بهما أحد سوى عبد الله بن أبي بكر (١) وعامر بن فهيرة مولى (٢) أَبى بكر ﵁. وكان النبي (ضمن الخطة المرسومة للهجرة) قد كلّف عبد الله بن أبي بكر أَن يقوم بأعمال الاستخبارات، فيكون عينًا على قريش،

стр. 81

فيسمع ما يقولون، ويراقب ما يفعلون طيلة الأَيام الثلاث، ثم ينقل كل ذلك إِلى النبي وصاحبه في الغار. فكان يقضي سحابة نهاره مع المشركين في مكة يراقب ما يقولون ويفعلون، فإِذا حلّ المساءُ ذهب إلى الغار ليبلغ الرسول وصاحبه كل ما سمع ورأى بشأنهما. أما عامر بن فهيرة (مولى الصدّيق) فقد أَوكلت إليه مهمة تموين النبي وصاحبه (طيلة اختفائهما في الغار) بالإِضافة إلى القيام بأعمال تضييع معالم آثار أقدام عبد الله بن أبي بكر الذي يذهب إلى الغار ويعود منه يوميًا. فقد كان عامر بن فهيرة (حسب الخطة المرسومة) يقضى سحابة نهاره يرعي الغنم مع رعيان مكة، فإذا أمسى راح على رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، فيحلبان ويذبحان، وفي الوقت نفسه يتبع أثر عبد الله بن أبي بكر عند ذهابه إلى الغار فيُعفِّي عليه بآثار الغنم، وكذلك يفعل عند ما يعود عبد الله من الغار إلى مكة، وذلك لئلا تكتشف قريش أثر عبد الله فتستدل به علي وجود النبي وصاحبه في الغار، أَما آثار الغنم وراعيها فلا يلفت النظر في تلك المنطقة، لأَنه أمر عادي. النبي يستأنف سيره إلى يثرب وهكذا، وبعد أَن استمرت المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام دونما جدوي، يئست قريش من العثور علي الرسول ﷺ وصاحبه، فهدأت ثائرتها، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش نهائيًا. وإذ ذاك غادر الرسول ﷺ وصاحبه الغار، واستأْنفا سيرهما

стр. 82

إلى المدينة، فقد قدمت لهما راحلتاهما، فامتطى كل منهما بعيره ثم ارتحلا يقدمهما دليلهما المشرك عبد الله بن أُريقط (١)، ومعهما مولى أبي بكر الصديق عامر بن فهيرة. وقبل الرحيل حضرت إِليهما أَسماء بنت أبي بكر الصديق (٢) لزاد أَعدته لهذه الرحلة الطويلة الخطيرة. ذات النطاقين وعندما أرادت أَسماءُ أَن تعلِّق الزاد بشداد الجمل لم تجد حبلًا تعلِّقه به، فشقَّت نطاقها (وهو ما تشد به المرأَة وسطها) اثنين فانتطقت بأَحد الشقين وعلَّقت الزاد بالشق الآخر، ولذلك سمِّيت أَسماءُ ﵂ فيما بعد بذات النطاقين. قال ابن إسحاق: فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر، ذات

стр. 83

النطاقين لذلك .. وقال ابن هشام: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول (أَى لأَسماء) ذات النطاقين، وتفسيره .. أنها لما أرادت أَن تعلّق السَّفرة شقَّت نطاقها باثنين، فعلَّقت السِّفرة بواحد، وانتطقت بالآخر .. الطريق إلى المدينة وزيادة في الحذر وإمعانا في التعمية على قريش سلك الدليل بالرسول ﷺ طريقًا مهجورًا لم يأْلفه الناس، كما أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، زيادة في التعمية على العدو، وحتى إذا ما ابتعد عن منطقة مكة اتجه غربًا نحو الساحل، ولما وصل الرسول وصاحبه إلى مكان في غير الطريق الذي أَلف الناس، اتجه بهما دليلهما شمالًا على مقربة من شاطئ البحر، متخذًا من السبل ما لم يطرقه أَحد إلا نادرًا، وكان هذا دأْبه حتى وصل النبي ﷺ قرية قباء من ضواحي المدينة. الفارس المطارد سراقة بن مالك وبالرغم من اجتياز النبي ﷺ وصاحبه منطقة الخطر الكبير، إلا أَنهما ظلا متيقظين للطوارئ، طيلة سيرهما، لاسيما وأن مكة قد جعلت مكافأَة ضخمة (مائة ناقة) لمن يأْتي إليها بالنبي حيًّا أو ميتًا الأمر الذي قد يحمل بعض الفتيان من فرسان مكة على تعقبهما بغية الظفر بهما لينال هذه المكافأة الكبيرة. وفعلًا كان الأمر كذلك، ذلك أَنه بينما كان سراقة بن مالك

стр. 84

ابن جعشم (١) جالسًا في نادى قومه بمكة - وقد سكن الناس وتوقف البحث عن النبي ﷺ إذ وقف رجل على القوم في ناديهم وقال: والله لقد رأَيت ركبة ثلاثة مروا على آنفًا، إِني لأَراهم محمدًا وأصحابه. وهنا أَشار سراقة بعينه إلى الرجل أن اسكت، ثم قال سراقة - ليضلل الحاضرين ويفوز هو بالمكافأَة الضخمة - إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، وبعد أن تغيَّر الحديث في النادى انسحب سراقة بن مالك، وذهب إلى بيته في الحال فأَمر بفرسه فأْسرج له، ثم أمر أَحد مواليه بأَن يربطه له في الوادي في مكان عيَّنه له، ثم أَخذ سلاحه وخرج من باب خلفي في بيته لئلا يراه أَحد، ثم امتطى صهوة جواده وأركضه في اتجاه المكان الذي ذكر الرجل أَنه رأَي فيه النبي ليعتقل النبي أو يقتله، ليفوز بالجائزة من قريش وحده. أراد قتله فأخذ منه الأمان ولم يخب ظن سراقة، فقد أدرك النبي ﷺ وصاحبه حوالي المنطقة التي أَشار إليها الرجل الذي أخبر خبرهما، وعندما أَبصر سراقة النبي ﷺ وصاحبه، سال لعابه للمكافأَة الضخمة التي تعهَّدت قريش بإعطائها لمن أعاد إليها محمدًا ﷺ حيًّا أو ميتًا، وهنا استعد سراقة للحظة الحاسمة، فإذا وجد النبي ﷺ منه قيد البصر دفع جواده نحوه ليعتقله أو يقتله، ولكن الجواد (وعلى مقربة من الرسول وصاحبه) كبا براكبه كبوة عنيفة تدحرج لها الفارس من على ظهره، وهنا أدخل

стр. 85

في روع سراقة أَنه لن يقدر على النبي ﷺ بأَى حال من الأَحوال، فعدل عن خطته. ولنترك هذا الفارس القرشي المطارد يحكى لنا قصته العجيبة، فقد روى عنه ابن إسحاق أن فرسه قد كبابه (قبل الكبوة العنيفة الأخيرة) مرتين ولكنه واصل المطاردة ولم يتوقف عنها إلا بعد الكبوة الثالثة العنيفة التي تدحرج لها من على ظهر فرسه. قال سراقة (يصف تلك اللحظة الحاسمة): فركبت في أثره (أي النبي ﷺ ) فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعها دخان كالإعصار، قال فعرفت حيث رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر (أي منتصر)، قال: فناديت القوم، فقلت .. أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فوالله لا أَريبكم، ولا يأْتيكم مني شيء تكرهونه، قال .. فقال .. رسول الله ﷺ لأبي بكر .. قل له .. وما يبتغى منا؟ قال .. فقال ذلك أبو بكر، قال سراقة ... قلت تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك قال .. اُكتب له يا أبا بكر. قال سراقة: فكتب لي كتابًا في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم أَلقاه إليّ، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئًا مما كان". كيف دخل الرسول المدينة وهكذا اجتاز الرسول ﷺ وصاحبه منطقة الخطر نهائيًا، إذ لم يتعرضا (بعد حادثة سراقة) لأَية مراقبة أو مطاردة.

стр. 86

فبعد رحلة مضنية محاطة بالأَخطار استغرقت أكثر من أَحد عشر يومًا، تشرّفت يثرب بطلعته الشريفة وعم المسلمين في المدينة الفرح والسرور بقدوم الرسول ﷺ . وكان أَهل المدينة قد ترامى إليهم خبر هجرته مع صاحبه الصديق إلى يثرب، قبل أن يصلا إليها، ولذلك كان المسلمون فيها و (خاصة: الذين لم يسبق لهم رؤية طلعتة الكريمة) يتلهفون شوقًا لرؤيته ﷺ ، ولهذا فقد كانوا (منذ ترامى إليهم نبأ هجرته) يخرجون كل يوم بعد صلاة الصبح إلى ظاهر المدينة يتلمسون النبي ﷺ حتى تغلبهم الشمس فيعودوا إلى بيوتهم. وبينما هم على هذه الحال من التلهف والشوق، إِذ صاح يهودي (وكان أَول من رأَى النبي وصاحبه قادمين) صاح منبها الأنصار إِلى قدوم الرسول ﷺ : يا بني قيلة (يعني الأَنصار) هذا صاحبكم قد جاءَ (١). اليوم التاريخي في المدينة وهنا زحفت المدينة كلها لاستقبال رسول الإنسانية ومنقذ البشرية محمد بن عبد الله ﷺ ، فكان يومًا تاريخيًا أغرًّا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها. وكانت قباء (وهي من ضواحي المدينة) أَول منزل نزله رسول الله ﷺ وهي منازل بني عمرو بن عوف من الأَنصار، وقد مكث النبي ﷺ بينهم أربعة أيام، دخل بعدها إلى قلب المدينة المنورة. أول مسجد في المدينة وفي تلك الأيام القلائل إلى أقامها النبي في قباء، أسس ﷺ ،

стр. 87

مسجد قباء المشهور، وهو المسجد الذي أشار القرآن الكريم بأنه أسس على التقوى. النبي في المدينة وبعد تلك الأَيام الأَربع التي قضاها الرسول في قباء، توجه ﷺ ، إلى قلب مدينة يثرب، التي أصبحت (بمجرد وصول الرسول إليها) عاصمة الإسلام. وأثناء سير النبي ﷺ نحو قلب العاصمة وقف زعماء القبائل اليثربية وعرض كل واحد منهم على النبي ﷺ أن يقيم عنده في العدد والعدة والمنعة، فاعتذر للجميع وامتطى ناقته وأَلقى لها خطامها، فانطلقت في طرق يثرب والمسلمون من حولها في حفل حافل يخلون لها طريقها، وسائر أهل يثرب من اليهود والمشركين ينظرون إلى هذه الحياة الجديدة التي دبت إلى مدينتهم، وإلى هذا القادم العظيم الذي اجتمع عليه من الأوس والخزرج من كانوا من قبل أعداء متقاتلين، ولا يجول بخاطر أحدهم، في هذه البرهة إلى اعتدل فيها ميزان التاريخ إلى وجهته الجديدة، ما أَعدّ القدر لمدينتهم من جلال وعظمة، يبقيان على الزمن ما بقي الزمن. وجعلت الناقة تسير حتى كانت عند مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، هنالك بركت، ونزل الرسول ﷺ عنها، وسأل: لمن المربد فأجابه معاذ بن عفراء .. إنه لسهل وسهيل أبي عمرو، وهما يتيمان له، وسيرضيهما، ورجا محمدًا ﷺ أن يتخذه مسجدًا، وقبل النبي ﷺ وأمر أن يبنى في هذا المكان مسجده وأن تبنى داره (١).

стр. 88

الفصل الثالث * اليوم التاريخي في حياة المدينة. * والنبي في المدينة. * البدء في بناء المجتمع الجديد . * الأنصار في الميزان العسكرى. * غير المسلمين في يثرب بعد الهجرة. * متاعب العهد الحديد. وهكذا نجحت الهجرة، ووصل النبي ﷺ إلى معقل أنصاره (المدينة) إلى سبقه إليها (بأمر منه) أكثر المهاجرين فصارت دارًا آمنة للإسلام، ومعسكرًا قويًّا للتوحيد تحسب له قريش (الخصم الأَلد للإسلام) ألف حساب، وصارت (منه) تنام على خوف وتصبح على فزع. المجتمع الجديد وكانت أول مسأَلة اهتم لها النبي ﷺ بمجرد وصوله إلى يثرب، هي التفكير في بناء المجتمع الجديد ليقوم كما أَراد الله له أن يقوم. وكانت هناك مشاكل لا بد للنبي من التغلب عليها ليسهل عليه وضع الأُسس القوية للمجتمع الجديد، وأهم هذه المشكلات: ١ - التنافر المستحكم والعداءُ المزمن بين عشائر يثرب من الأَوس

стр. 89

والخزرج والذي كانت تصاحبه (دائمًا) تلك الحروب الأَهلية الشهيرة المدمرة بين القبيلتين. ٢ - مشكلة اللاجئين من المهاجرين المكيين الذين تركوا كل ما يملكون من مال وعقار في مكة وجاءوا إلى المدينة فرارًا بدينهم، وهم فقراءُ لا يملكون من المال شيئًا، وعددهم غير قليل. ٣ - العناصر اليهودية الموجودة في المنطقة، والتي كان لها وزنها السياسي والعسكرى والاقتصادى في المجتمع اليثربى، والتي لا بد من تجنب شرها وكسب صداقتها لمواجهة ما يتوقعه المسلمون، من عدوان عليهم يقوم به القرشيون. بناء المسجد النبوي وكان أَول خطوات البناءِ للمجتمع الإسلامي الجديد هو إقامة المسجد النبوي لتظهر فيه شعائر الدين الجديد، وليكون جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقى وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي نافرت وباعدت بينها النزعات الجاهلية التي كانت النظام الموجه لهذه القبائل. ففي المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول ﷺ فور قدومه من مكة أَمر بإقامة هذا المسجد، فسارع المسلمون إلى جمع المواد التي يتطلبها بناؤه، فأَخذوا في قطع جذوع النخل، وشرعوا في صنع اللبِن، ثم شرعوا في بناء المسجد الذي كانت مساحته مائة ذراع في مثلها تقريبًا. وقد ساهم النبي ﷺ في بناء المسجد بنفسه مع أصحابه، فحمل التراب واللبن على كاهله الشريف مثلما حملوا.

стр. 90

وقد ضاعف من نشاط الصحابة في البناء أن رأوا محمدًا النبي، يرفض الامتياز عليهم، فيحمل التراب والمواد الأُخرى على ظهره مثلهم، حتى أن أحدهم قال ينشِّط أَخوانه: لئن قعدنا والرسول ﷺ يعمل ... لذاك منا العمل المضلّل وقد تم بناءِ المسجد النبوى على غاية من البساطة، إذ أَقيمت حيطانه من اللبن والطين، أما سقفه فقد جعل من سعف النخل الذي طالما تخللته مياه الأَمطار إلى الداخل، أما أرض المسجد فقد فرشت من الرمال والحصباء، وكانت الأَعمدة التي يقوم عليها السقف من جذوع النخيل. أول خطبة للرسول بالمدينة وبعد أن تم بناءُ هذا المسجد ذي البناء المتواضع والذي كان أول معهد مثالي في الدنيا تربى فيه (كما قال الأُستاذ الغزالى) ملائكة البشر ومؤدّبوا الجبابرة وملوك الدار الآخرة، أَلقى فيه النبي ﷺ أول خطبة على المسلمين قال فيها (كما رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف): "أما بعد أيها الناس فقدّموا لأَنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه -: أَلم يأْتك رسولى فبلغَّك؟ وآتيتك مالًا وأَفضلت عليك؟ فما قدّمت لنفسك؟ فينظر يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثم ينظر قدّامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي نفسه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أَمثالها إلى سبعمائة والسلام عليكم، وعلى رسول الله".

стр. 91

مؤتمر المؤاخاة بين المسلمين وبعد أَن أَقام النبي ﷺ للمسلمين (ببناء المسجد) مركز التجمع والتهذيب والتعارف والتآلف والارتباط، (عن طريق الصلوات) برب العالمين دونما وسيط أو شفيع، شرع ﷺ بحكمته الفذة وسياسته الصائبة الحكيمة في محو مخلفات الجاهلية ومترسبات العصبية. فقد كانت يثرب (كما قلنا) نهبا (طيلة مئات السنين) لحروب أهلية قبلية طاحنة أفنت زهرة شبابها ومزقت وحدتها شر ممزق، مما أعطى اليهود الدخلاء الفرصة للتمركز في تلك البقعة الطيبة من الجزيرة العربية. فكان العمل الحاسم الحكيم الذي اجتث به النبي ﷺ جذور البغضاء الجاهلية القديمة والحزازات العنصرية المزمنة المستحكمة بين قبيلتي الأَوس والخزرج، هو أَن آخى بين المسلمين جميعًا (المهاجرين والأَنصار) في مؤتمر أَقامه لهم في المدينة، آخى فيه بينهم، اثنين اثنين. قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأَنصار، فقال - فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - تآخوا في الله أَخوين أَخوين (١). فتآخوا جميعًا. وقد كانت رابطة هذا التآخى أقوى وأكثر فعالية، في إقامة الموحدة السياسية والنظامية والمصيرية بين عناصر المجتمع الجديد من رابطة التحالف إلى عهدها العرب.

стр. 92

ولقد اغتبط الأَنصار - وخاصة زعماءهم - بهذا التآخى الذي رأَوا فيه أَملهم المنشود يتحقق، وهو السلام والأَمن والاستقرار الذي حرمت منه يثرب مئات السنين، نتيجة الحروب الأَهلية المدمرة التي كانت تصطلى بنارها عشيرتا الأَوس والخزرج اللتين هما قبيلة واحدة (١). كما أَن المهاجرين قد وجدوا (نتيجة هذا التآخي) في كنف إِخوانهم الأَنصار، من العون والمساعدة ما خفف عليهم من وطأَة الفقر الشديد الذي منوا به نتيجة هجرتهم من وطنهم الأَصلي مكة، وتركهم فيها كل أَموالهم التي صادرها مشركوقريش. يعرض عليه نصف ماله فقد قابل الأَنصار إخوانهم من المهاجرين بكل حفاوة وتكريم، وبذلوا لهم (وخاصة بعد المؤاخاة) من العون والمساعدة ما بلغ بها البعض من الأنصار إلى أن عرضوا على إخوانهم من المهاجرين أن يقتسموا وإياهم كل ما يملكون مناصفة. ولكن المهاجرين - أمام هذا الكرم العظيم الذي فاضت به تلك الأنفس الزكية الطيبة - لم يسعهم إلا أَن يقدّروا هذا البذل والكرم حق قدره، فيقابلونه بكرم مثله، حيث لم يستغلوا كرم إخوانهم الأَنصار الفيَّاض ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أَودهم، ويعينهم على الوصول إلى العمل الشريف من تجارة أَو زراعة أَو ما شابه هذا من الأَعمال الحرة التي يجنى منها النشط الصبور، الكسب الحلال.

стр. 93

روى البخاري أَن سعد بن الربيع) (١) عرض على عبد الرحمن بن عوف (٢) أن يأْخذ نصف ماله (وكانا قد آخى بينهما الرسول ﷺ فقد قال سعد لعبد الرحمن .. إني أكثر الأَنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أَعجبهما إليك، فسمها لي أُطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال عبد الرحمن .. بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أَقط وسمن ... ثم تابع الغدو .. ثم جاء يومًا، وبه أَثر صفرة، فقال النبي مهيم (سؤال عن حاله) قال: تزوجت، قال كم سقت إليها؟ قال نواة من ذهب. أهم دعائم المجتمع الجديد وهكذا نجح الرسول ﷺ في إقامة المجتمع الإسلامي الجديد على دعائم قوية راسخة، أَهمها الموحدة الصحيحة إلى أَقامها بين قبيلتي الأَوس والخزرج، والتي لم تشهد يثرب مثلها في تاريخها .. وحدة استل بها النبي ﷺ من النفوس جميع ما خلَّفه ماضى الجاهلية من حزازات النعرة وسخائم العصبية. وقد استفادت الدعوة الإسلامية من هذه الموحدة إلى أقامها الرسول بين قبائل الأَوس والخزرج استفادة كبرى، وخاصة في المجال العسكري. الأنصار في الميزان الحربي فقد كانت القبائل القحطانية من الأَوس والخزرج تتمتع بطاقات

стр. 94

حربية كبيرة، لها وزنها في الجزيرة العربية، ولكن هذه الطاقات كانت تستنفد (قبل شروق أَنوار الطلعة المحمدية على يثرب) في الحروب الأهلية الجاهلية التي كان اليهود في المدينة يستغلونها لتدعيم سيطرتهم (وخاصة الاقتصادية) في المنطقة فيذكون لهيبها بأَساليبهم الخاصة المعروفة عنهم. ولكن الإِسلام لما جاء ووحَّد هذه القبائل في ظل عقيدة واحدة، استفاد من طاقات هذه القبائل الحربية ووجَّهها وجهة صالحة بناءة، حيث كانت هذه القبائل (أَيام الرسول) هي القوة الحربية الرئيسية الأُولى التي اعتمد عليها الإسلام في نشر التوحيد وإحلال السلام والعدل والاستقرار في أَرجاءِ الجزيرة العربية، وخاصة في معاركهـ الحاسمة مع أعدائه الرئيسيين كفار قريش. غير المسلمين في يثرب وبعد أَن وثق النبي ﷺ من رسوخ قواعد المجتمع الإسلامي الجديد بإقامة الموحدة العقائدية والسياسية والنظامية في المدينة بين المسلمين، شرع في تنظيم علاقاته بغير المسلمين من اليهود المقيمين في المدينة. لم يكن النبي ﷺ طالب ملك أَو باحث عن جاه أَو ساع وراء مال (وهي الأُمور التي تدفع بطالبها في طريق التسلط والتعسف، والعدوان) وإنما كان " ﷺ " نبيًّا مرسلًا همه توفير السعادة والخير للبشرية جمعاء. ولذلك اتجه في محادثاته مع اليهود اتجاهًا كله سماحة وتسامحًا،

стр. 95

فلم يشأْ (وقد أصبح زعيم أَقوى قوة حربية في يثرب) أَن يصادر حريتهم في دينهم أو مالهم، بل ترك لهم مطلق الحرية في كل ذلك، ولم يلجأْ إلى إبعادهم عن المدينة لاختلافهم معه في الدين، بل قبل وجودهم كأُمة من أَهل الكتاب، لهم دينهم وللمسلمين دينهم. بل لقد ذهب إلى أَبعد من ذلك حيث عقد مع هؤلاء اليهود معاهدة تضمنت التعايش السلمي وحسن الجوار بين المسلمين واليهود بالإضافة إِلى تضمنها الدفاع المشترك عن يثرب، وقد ضمن النبي ﷺ في هذه المعاهدة لليهود حرية الرأْى وحرية العقيدة، والتصرف المطلق فيما يملكون من أَموال (١). تكامل المجتمع الإسلامي وأثناءَ قيام النبي ﷺ بهذه الإنجازات السياسية والاجتماعية، كانت يثرب كلها تتفاعل بالإِسلام فيدخل أَهلها في دين الله أَفواجًا طوعًا واختيارًا. فقد كانت تعاليم الرسول وتصرفاته الحكيمة ومعاملاته الشريفة لكل الناس تترك في النفوس أَعمق الأَثر، مما جعل سكان يثرب كلها (وفي ظرف أَشهر قليلة) يعتنقون الإسلام ويدينون بالتوحيد. (عدا اليهود). وحتى الكارهين للنبي ودعوته (من غير اليهود) اضطروا إِلى إِعلان إِسلامهم، مع انطوائهم على البغض والعداءِ لهذا الدين وحامل رسالته. وهؤلاءِ هم المنافقون من أَهل المدينة الذين شرقوا بالإِسلام، ولكنهم

стр. 96

(لقلَّتهم) لم يقدروا على الوقوف أمام تياره القوى الدفاق، فاضطروا إِلى الاندماج في السواد الأَعظم من المسلمين. وهكذا، بعد مضي ما يقرب من ستة أَشهر على الهجرة النبوية أَصبحت المدينة عاصمة حقيقية للإِسلام، فصارت الكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين، وهذا الذي كانت تخشى قريش أَن يحدث فحاولت بكل قواها - منع الرسول من الهجرة إِلى المدينة. التشريعات للمجتمع وبدأَت تشريعات النظام الجديد تنزل من السماء، فقد فرضت الزكاة (وهي أَهم النظم الاجتماعية في الإِسلام) كما شرع (قبلها) الإِذن بحمل السلاح ضد أَعداءِ الإِسلام، وكان القتال قبل الهجرة غير مأْذون به للمسلمين. وكذلك شرع النداءُ للاجتماع للصلاة، وهو الأَذان، كما نزل القرآن بتشريعات أُخرى نظّم وهذب بها المجتمع الجديد، ليس هذا محل شرحها. متاعب العهد الجديد لم يظهر اليهود للنبي ﷺ عند قدومه يثرب، أَية مقاومة أَو خصومة، بالرغم من تخوفهم من وصوله، على نفوذهم الاقتصادي وسيطرتهم السياسية ونفوذهم الروحي. كما أَنه ﷺ سارع إِلى تطمينهم على عقائدهم وأَرواحهم وأَموالهم، فعقد معهم تلك المعاهدة التي كان القصد منها إحلال السلام،

стр. 97

وتوفير الأَمن والطمأْنينة لجميع سكان المنطقة على اختلاف عناصرهم ومعتقداتهم وقد وقع اليهود هذه المعاهدة والتزموا تنفيذ نصوصها كما النزم المسلمون. وقد كان بوسع اليهود أَن يعيشوا سعداء في ظل العهد الإسلامي الجديد، آمنين على عقائدهم وأرواحهم وأَموالهم. وكان هذا خيرًا لهم لو فعلوه. ولكن طبيعة الدس والتآمر المتآصلة في نفوسهم، والتي صارت جزءًا من كيانهم (طيلة عهودهم). لم تتركهم يفعلون ذلك، بل دفعت بهم إِلى ما أَلفوه من إِثارة القلاقل وخلق المشاكل وبعث الفتن. لقد تمسك المسلمون بنصوص المعاهدة المعقودة بينهم وبين اليهود، وكان حسن النية والرغبة الأكيدة في التعايش معهم بسلام ظاهرة بجلاء في تصرفات المسلمين. ولكن التحرش والشغب والإِعنات جاء من جانب اليهود أَنفسهم .. فقد هالهم وأَقضّ مضاجعهم أَن رأَوا سلطان الإسلام ينشر ظله على يثرب في سرعة مذهلة لم يكونوا يتوقعونها. وزادهم غمًّا وشحن نفوسهم بالحسد للرسول ﷺ أَن تأَكد لديهم أَن محمد بن عبد الله القرشي الوافد إِلى يثرب هو النبي الموعود ذاته كما يجدون ذلك مكتوبًا عندهم في كتبهم .. وبدلًا من أَن يسارعوا إِلى الإِيمان به ويغتبطوا بظهور رسالته، فاضت نفوسهم بالحسد وأَترعت قلوبهم بالبغض له. فهذان حبران من أَحبارهم قد أَثقل قلوبهما الهم وأَمرض نفوسهما

стр. 98

الغم نتيجة تأكدهما، من نبوة محمد ﷺ وهما حيى بن أخطب والد أم المؤمنين صفية ﵂ (١) وأخوه ياسر. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال .. حدثت عن صفية بنت حيى بن أخطب أنها قالت. . كنت أَحب ولد أبي إليه، وإلى عمي ياسر، لم ألقها قط مع ولد لهما إلا

стр. 99

أخذانى دونه، قالت. . فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونزل قباء، في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أَبي حييّ بن أخطب وعمي ياسر بن أخطب مغلسين، قالت. . فلم يرجعا حتى كأنا مع غروب الشمس، قالت. . فأَتيا كالئين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت. . وسمعت عمي ياسر يقول لأَبي حيى بن أخطب: أَهو هو؟ ؟ (يعني النبي ﷺ ). قال: . . نعم والله. قال: . . أتعرفه وتثبته؟ ؟ . . قال: . . نعم. قال .. فما في نفسك منه؟ ؟ . قال: . . عداوته والله ما بقيت. وروى ابن إسحاق كذلك عن عبد الله بن سلام (١) (وكأن يهوديًّا ثم أسلم) قال: جئت رسول الله ﷺ فقلت له:

стр. 100

يا رسول الله إن يهود قوم بهت، وإني أُحب أن تدخلنى في بعض بيوتك، وتغيبنى عنهم، ثم تسألهم عني، حتى يخبروك، كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا إسلانى فإنهم إن علموا به بهتونى وعابوني، قال .. فأدخلني رسول الله ﷺ في بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وسأَلهم ثم قال له .. أي رجل الحصين بن سلام فيكم? ? قالوا. . سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا، قال: . فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاء كم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأُؤمن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا: كذبت ثم وقعوا بي، قال: . فقلت لرسول الله ﷺ ألم أُخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور؟ ؟ محاولة الدس والفرقة ونتيجة لهذا العداء المستحكم والحسد القاتل المتغلغل في نفوس هؤلاء اليهود، شرعوا في محاربة النبي ﷺ ودعوته بمختلف الوسائل. إلا أن محاربتهم (في بادئ الأمر) كانت مقتصرة على إقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية بالإعنات ومحاولة ببث الفرقة بين

стр. 101

المسلمين لتصديع وحدتهم، بإثارة النعرات الجاهلية التي قضى الإسلام عليها وأراح يثرب من شرها. وقد شكل اليهود (في حربهم هذه) مع المنافقين جبهة واحدة للتشويش على المسلمين ومحاولة تشكيك البعض منهم بغية إعادتهم إلى الكفر. مثال من دسائس اليهود والمنافقين فمن ذلك أن شاس بن قيس وهو يهودي عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين مر يومًا بنفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون في إخوانًا متحابين فغاظهم ما رأى من أُلفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم (إذا اجتمع ملؤها بها) من قرار، وهنا (وعلى طريقة اليهود في الدس والكيد) طلب من أحد الشباب اليهود، وكان جالسًا مع أُولئك النفر من المسلمين، وقال له. . أعهد إلى هؤلاء فاجلس معهم، ثم اذكر لهم يوم (بُعاث) (١) وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان يوم بعاث يومًا تاريخيًا في الحروب الأهلية الطاحنة التي كانت تدور في (الجاهلية) بين الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل الشاب اليهودي ما أمره به زعيمه، وقد كاد هؤلاء اليهود ينجحون في مهمتهم الخبيثة، إذ ما كاد الشاب يذكر يوم بعاث،

стр. 102

حتى أخذ رأس الفتنة يظهر بين الفريقين، فقد تفاخر القوم وتنازعوا حتى توترت الحالة بينهم إلى درجة أن أحد زعماء الخزرج قال لأحد زعماء الأوس متحديًا. . إن شئتم رددناها جذعة (يعني الإستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم)، فغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة (والظاهرة الحرة) ثم تنادوا، السلاح السلاح، وأخذوا في التسابق للحرب إلى المكان المحدد، وكادت تنشب الحرب الأهلية بينهم، وهذا أعز أُمنيات اليهود والمنافقين. إلا أَن الأمر بلغ النبي ﷺ قبل أن تنشب الحرب بينهم، فسارع بالخروج إليهم فيمن معه من المهاجرين. وعمل بسرعة على إخماد نيران هذه الفتنة التي هي من صنع دسائس اليهود. فبمجرد وصول النبي ﷺ إلى مكان تجمعهم للحرب، وقف فيهم خطيبًا قائلًا: "يا معشر المسلمين. الله الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم"؟ ؟ . وهنا عاد إلى الفريقين (الأوس والخزرج) رشدهم وأدركوا أنها نزعة من الشيطان ودس وكيد من اليهود، فاسترجعوا وبكوا، ثم عانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، وعادوا راجعين إلى المدينة مع رسولهم الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إخوانًا متحابين، وبهذا حبطت مساعي اليهود الخبيثة ورد الله كيدهم في نحورهم، بعد أن كادوا ينجحوا في تفتيت وحدة المسلمين الوليدة

стр. 103

ولم ينقطع اليهود (يساندهم المنافقون) عن التشويش على الدعوة الإسلامية وخلق المتاعب لصاحبها، فقد ظل كل فريق، بل كل فرد منهم يعمل في هذا السبيل التخريبي. فبينما ظل اليهود في التشويش على النبي ودعوته ينشرون ظلالًا من الشكوك حولها وحول حاملها بما يثيرونه من جدل عقيم، وأسئلة متعنتة لا تمتُّ إلى البحث العلمي بشيء، كان المنافقون الذين يخالطون المسلمين (بحكم تظاهرهم بالإسلام) يثيرون المتاعب للعهد الجديد بإقامة العراقيل ونشر الأَرجاف، وتدبير المؤامرات، للتفريق بين المسلمين. وكر الدس والتآمر حتى إن هؤلاء المنافقين بلغ بهہم الحرص على الإطاحة بوحدة المسلمين إلى أن اتخذوا لهم وكرًا يجتمعون فيه لتدبير المؤامرات وتنسيق الدسائس للتفريق بين المسلمين. ولكي يتمكنوا من فعل ذلك بحرية تامة بنوا لهم مسجدًا يتظاهرون فيه بأَداء الصلوات، ولما كان لهم حكم المسلمين لاعتناقهم الإسلام ظاهرًا، لم يمنعهم أَحد من إقامة هذا المسجد. إلا أَنه لم يمض وقت طويل علي بناء هذا المسجد، حتى تبلغ الرسول ﷺ أن هذا المسجد إنما بيناه المنافقون ليتخذوا منه ستارًا لحبك الدسائس ورسم الخطط للإضرار بوحدة الأُمة وسلامتها، وبعد أن تأكد الرسول ﷺ من هذه الحقيقة أمر بهدم هذا المسجد، الذي لم يكن في حقيقته إلا وكرًا للتآمر ضد الإسلام والمسلمين. وفي المنافقين الذين بنوا هذا المسجد، أنزل الله تعالى قوله:

стр. 104

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. طرد المنافقين من المسجد النبوي غير أن هدم النبي ﷺ لوكر تآمر المنافقين (مسجد الضرار) لم يحل بين هؤلاء المنافقين وبين مواصلة نشاطهم للتشويش علي المسلمين والسخرية منهم وإيصال الضرر إلى دعوة الإسلام. فقد ظلوا على تكتلهم وتحزبهم للعمل ضد العهد الجديد، وحتى في المسجد النبوي وقت اجتماعهم للصلاة مع المسلمين كانوا يتكتلون ويجلس بعضهم إلى بعض، ويباشرون نشاطهم التخريبي ضد عقيدة الإسلام، محاولين التفريق بين المسلمين. ولما تزايد شرهم ووصل نشاطهم المعادي للنبي ودعوته إلى المسجد النبوي في أوقات العبادة، أمر النبي ﷺ بطردهم من المسجد علنًا تأديبًا لهم وتجنبًا لشر دسائسهم، لأن المسجد كان مجمع الأمة كلها في أوقات الصلاة، وهذا مما ييسر لهؤلاء المنافقين بث سمومهم بين البسطاء. قال ابن إسحاق: وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزئون بدينهم، فاجتمع يومًا في المسجد منهم ناس، فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون بينهم، خافضى أصواتهم

стр. 105

قد لصق بعضهم ببعض. فأمر بهم فأُخرجوا من المسجد إخراجًا عنيفًا. وهكذا صار اليهود والمنافقون يسببون المتاعب ويخلقون المشاكل للنبي ﷺ ويحاولون تهديم المجتمع الإسلامي الجديد وهو لم يزل وليدًا. ولكن الله (دائمًا) يكبتهم ويجعل محاولاتهم كلها تنتهي بالفشل، وبالرغم من أن مشاغبات اليهود والمنافقون قد جلبت متاعب على النبي ﷺ ، إلا أن أعمالهم الخبيثة قد كشفتهم للمسلمين وجعلتهم (منذ بداية عهدهم الجديد) يراقبونهم ولا يركنون إليهم في شأن من شؤونهم، وخاصة الحربية والسياسية باعتبارهم طابورًا خامسًا يعمل بين المسلمين ضدهم. ولما كانت الظروف بالنسبة للعهد الإسلامي الجديد. ظروفًا خطيرة، أحاطت فيها الأخطار بالمسلمين من كل جانب. إذ هم في بداية عهد جديد، لا يزال أكثر سكان الجزيرة العربية يقفون منه موقف العداء والخصومة، لا سيما قريش، التي تشعر عن تجربة (أكثر من غيرها) بخطورة الدين الجديد الذي لا يعني انتصاره شيئًا أكثر مما يعني نسف كيانها الوثني. ولما كانت الظروف هكذا وعلى ذلك الجانب من الخطورة، فإن النبي ﷺ لم يتخذ أي إجراء تأديبي ضد اليهود والمنافقين بالرغم من تأكده أنهم يمثلون داخل جسم المجتمع الجديد غدة مرض ستظل تسبب الآلام لهذا الجسم إذا لم تستأصل منه، فتركهم وشأنهم حتى جاء دور التصفية النهائية، وخاصة بالنسبة لليهود الذين بلغ بهم الغدر إلى درجة إشهار

стр. 106

السلاح في وجه المسلمين، ونقض المعاهدات والانضمام إلى أعداء المسلمين المحاربين في أحلك الظروف وأدق ساعات الحرج، كما فعل بنو قريظة في غزوة الأحزاب، حينما نقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين المحاصرين في المدينة، فكان جزاءُ غدرهم في تلك الظروف الحرجة أن نفذ النبي ﷺ حكم الإعدام في جميع رجالهم وصادر أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم -كما سنفصل ذلك في غزوة الأحزاب إن شاء الله. [خريطة]

стр. 107

الفصل الرابع * نشاط المسلمين العسكري قبل معركة بدر. * نجاح النبي في اتصالاته السياسية بقبائل المنطقة. * المعركة الفاصلة. * سبب المعركة. * خروج المسلمين لمصادرة عير قريش. * نجاة العير، وتحركات الجيش المكي نحو بدر. * النبي يستشير أصحابه في ملاقاة جيش مكة. * موافقة الصحابة على خوض المعركة. * التحام الفريقين في بدر. * هزيمة المشركين الساحقة. لقد كانت الظروف التي هاجر فيها الرسول هي ظروفًا حربية أَوجدها زعماء مكة أَنفسهم، عندما أَهدروا دمه وخفروا ذمته. إنها الحرب (إذن) ولا شيء سواها. فطبيعي (إذن) أَن يعمل كل من الفريقين (مكة والمدينة) عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ضد الآخر، فاستعمال السلاح وإضعاف شوكة العدو بأَية وسيلة من الوسائل، هو من الأُمور البديهية التي لا تقبل النقاش أَو الجدل.

стр. 108

فلا يلام فريق أُعلنت عليه الحرب وصمم أَعداؤه على الفتك به أَينما وجدوه, لا يلام إذا ما تربص بهم الدوائر ورسم الخطط لخضد شوكتهم ومنع أَذاهم. فمعركة بدر هذه التي خاضها المسلمون ضد المشركين إنما هي معركة عادلة, أملتها على المسلمين طبيعة الظروف العسكرية القائمة بينهم وبين أعدائهم. النشاط العسكري قبل معركة بدر كانت الفترة التي تلت هجرة الرسول حتى معركة بدر, حوالي تسعة عشہہر شهرًا, وفي أَثناءِ هذه الفترة لم يحدث أي عراك دامي بين مكة والمدينة، اللهم إلا ما حدث في السرية التي قادها عبد الله بن جحش (١) , والتي تلتها معركة بدر مباشرة. دوريات المسلمين قبل معركة بدر أَما بقية الحركات العسكرية فهي أَشبه بدوريات استطلاعية قام بها المسلمون للاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمسالك المؤدية إلى مكة، واختبار مدى قوة القبائل المحيطة بالمنطقة، ومحاولة كسب بعضها بالمحالفة أَو الموادعة, (على الأقل) كما كان الهدف منها أَيضًا إشعار المشركين واليهود بقوة المسلمين على صد أَي اعتداءٍ يتعرضون له. ويمكن تلخيص هذه الدوريات, أَو السرايا التي قام بها المسلمون قبل معركة بدر كمہايلي:

стр. 109

١ - دورية قتال بقيادة حمزة بن عبد المطلب، قوامها ثلاثون راكبًا من المهاجرين. التقت هذه الدورية بقافلة تجارية لقريش يحميها ثلاثمائة مقاتل من قريش بقيادة أَبي جهل بن هشام.، وذلك في ساحل البحر ناحية العيص (١) في شهر رمضان من السنة الأُولى للهجرة, ولم يحدث قتال بين الفريقين لتدخل مجدي بن عمرو الجهني الذي قام بدور حمامة سلام فحجز بينهما. ٢ - دورية قتال بقوة ستين راكبًا قادها عبيد بن الحارث إلى وادي رابغ, وذلك في شهر شوال من السنة الأُولى للهجرة, وكأن هدف الدورية تهديد تجارة قريش، وقد التقت هذه الدورية بأكثر من مائتي مقاتل من قريش بقيادة أَبي سفيان، إلا أَنه لم يحدث أَي قتال بين الفريقين. وفي هذه الغزوة انضم رجلان من جيش مكة إلى دورية عبيد بن الحارث، والرجلان هما المقداد بن عمرو البهراني وعتبة بن غزوان وقد كانا مسلمين خرج في جيش مكة. ٣ - دورية استطلاعية قوامها ثمانية من المهاجرين بقيادة سعد بن أَبي وقاص، وصلت إلى الخرار (٢) لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام, ولكن هذه الدورية لم تشتبك في أَي قتال مع العدو, وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الأُولى للهجرة. ٤ - غزوة ودان (٣)، وهي دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها

стр. 110

الرسول ﷺ بنفسه إلى منطقة ودان وذلك في صفر من السنة الثانية للهجرة، وعاد دون أن يلقى حربًا إلا أَنه عقد معاهدة عدم اعتداء مع قبائل بني ضمرة بن بكر بن كنانة. ٥ - غزوة بواط (١) وهي دورية قتال قادها الرسول ﷺ بنفسه إلى منطقة بواط على الطريق المؤدي من الشام إلى مكة، وذلك في ربيع الأَول من السنة الثانية للهجرة، وكان هدف هذه الدورية الإيقاع بقافلة لقريش ولكن القافلة نجت وعاد النبي دون أَن يلقى حربًا، وكان قوام هذه الدورية مائتا راكب. ٦ - غزوة العشيرة (٢)، دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها الرسول ﷺ بنفسه إلى موضع (العشيرة) بمنطقة ينبع (٣) لتهديد تجارة قريش، وعاد الرسول دون أَن يلقى حربًا، لتملص قافلة قريش من المرور في تلك المنطقة، إلا أَن النبي عقد (أَثناء هذه الغزوة) معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج (٤) وحلفائهم من بني ضمرة وذلك في جمادى الأُولى من السنة الثانية للهجرة. ٧ - غزوة بدر الأُولى: دورية قتال قوتها مائتا مقاتل، قادها الرسول بنفسه وذلك في جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة، طارد بها قوات خفيفة للمشركين أَغارت على مراعي المدينة ونهبت بعض
следующие страницы →