لكن لا يوجد هناك في اعتقادي بنك إسلامي قائم على الإسلام المُصَفَّى من الكتاب والسنة مأخوذ منهما، وليس من آراء المتأخرين.
لا أعتقد أن مثل هذا البنك موجود، وعلى هذا بتصور أنه الجواب: لا يجوز.
الملقي: لأنه ليس هناك بنوك إسلامية، لكن وجدت البنوك الإسلامية، والكرت هذا هون أصل التعامل، نتكلم عن أصل التعامل.
الشيخ: حينما يوجد نبحث في التفاصيل، كما هو طريق السلف الصالح.
(الهدى والنور/٧٥٩/ ٥٤: ٠٠: ٠٠)
стр. 6477
متفرقات في مسائل متعلقة بالبنوك والربا
стр. 6478
حرمة الربا في دار الحرب كحرمته في دار الإسلام
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]:
«لا ربا بين أهل الحرب وأهل الإسلام». منكر. قال الشافعي في «الأم» «٧/ ٣٢٦» - وعنه البيهقي في «المعرفة» «٧/ ٤٧ - ٤٨» -: «قال أبو حنيفة ﵁: لو أن مسلماً دخل أرض الحرب بأمان فباعهم الدرهم بالدرهمين، لم يكن بذلك بأس، لأن أحكام المسلمين لا تجري عليهم، فبأي وجه أخذ أموالهم برضى منهم، فهو جائز».
قال الأوزاعي: الربا عليه حرام في أرض الحرب وغيرها، لأن رسول الله ﷺ قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلام من ذلك، وكان أول ربا وضعه ربا العباس بن عبد المطلب، فكيف يستحل المسلم أكل الربا في قوم قد حرم الله عليه دماءهم وأموالهم؟ وقد كان المسلم يبايع الكافر في عهد رسول الله ﷺ ، فلا يستحل ذلك. وقال أبو يوسف: القول ما قال الأوزاعي: لا يحل هذا ولا يجوز، وقد بلغتنا الآثار التي ذكر الأوزاعي في الربا، وإنما أحل أبو حنيفة هذا، لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال: ... فذكر الحديث. قال الشافعي ﵀: «القول كما قال الأوزاعي وأبو يوسف، والحجة كما احتج الأوزاعي، وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة ليس بثابت، فلا حجة فيه». قلت: ومِن تعصُّب بعض الحنفية لإمامهم أبي حنيفة ﵀: قول العيني في «البناية شرح الهداية» «٦/ ٥٧١» عقب قول الشافعي المذكور: «قلت: لا نسلم عدم ثبوته، لأن جلالة قدر الإمام لا تقتضي أن يجعل لنفسه مذهباً من غير دليل واضح. وأما قوله: ولا حجة فيه. فبالنسبة إليه، لأن مذهبه عدم العمل بالمرسلات، إلا مرسل سعيد بن المسيب، والمرسل عندنا حجة على ما عرف في موضعه. والله أعلم». قلت: وهذا رد عجيب غريب لا يصدر من عالم فقيه، ورده من وجوه: الأول: قوله: « .... من غير دليل واضح».
стр. 6479
فأقول: وكذلك شأن سائر الأمة، ومنهم الذين خالفوه: الأوزاعي والشافعي وأبو يوسف. فهل خالفوه «من غير دليل واضح»؟ ! أم الأدلة متناقضة؟ كلا، لا هذا ولا هذا. وإنما هو الصواب وخطأ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾، فالتعصب لإمام منهم معناه الرضا بالتنازع والعياذ بالله. الثاني: التزام القول بثبوت الحديث يعني القول بإباحة الربا في دار الحرب سواء كان الربا لصالح المسلم، أو لصالح الحربي، وهذا ينافي تعليلهم الإباحة بأن مال الحربي مباح، وهم لا يقولون بذلك، ولهذا قال ابن الهمام في «فتح القدير» «٦/ ١٧٨»: «وقد التزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم من حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم نظراً إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه. والله أعلم بالصواب».
قلت: وبهذا يظهر تناقضهم، فإنهم إن أصروا على تصحيح الحديث، بطل تعليلهم، ووجب عليهم الأخذ بعمومه، وهنا تتجلى المخالفة التي من أجلها رفض الحديث الأئمة الثلاثة، وإن ظلوا متمسكين بالتعليل، لم يستفيدوا من الحديث شيئاً، لأن التعليل أغناهم عن دلالته التي قيدوه به! وإن من العجيب أيضاً أن ابن الهمام قرن مع الربا «القمار»، وهذا لا يمكن أن يضمن كونه في صالح المسلم - كما هو ظاهر -، وهذا في الواقع ممن يشعر أنهم يقولون بعموم الحديث. ولعل هذا من أسباب إقبال كثير من أغنياء المسلمين ودولهم على إيداع أموالهم في بنوك الحربيين. والله المستعان.
السلسلة الضعيفة (١٤/ ١/ ٧٩ - ٨١)
الرد على من جوز للمقرض أن يأخذ فائدة مسماة كل شهر أو كل سنة من المستقرض إلى أن يوفي إليه دينه
[تكلم الإمام على كتاب لأحد مشايخ شمال سوريا اسمه «تعاليم الإسلام» وعلى ما فيه من غرائب وآراء باطلة وذكر من ذلك مثالين ثم قال]:
стр. 6480
وإليك مثالا ثالثا هو أخطر من المثالين السابقين لتضمنه الاحتيال على استحلال ما حرمه الله ورسوله، بل هو من الكبائر بإجماع الأمة ألا وهو الربا! قال ذلك المسكين «ص ٣٢١»: «إذا نذر المقترض مالا معينا لمقرضه ما دام دينه أو شيء منه صح نذره، بأن يقول: لله علي ما دام المبلغ المذكور أو شيء منه في ذمتي أن أعطيك كل شهر أو كل سنة كذا. ومعنى ذلك أنه يحلل للمقترض أن يأخذ فائدة مسماه كل شهر أو كل سنة من المستقرض إلى أن يوفي إليه دينه، ولكنه ليس باسم ربا، بل باسم نذر يجب الوفاء به وهو قربة عنده! ! فهل رأيت أيها القاريء تلاعبا بأحكام الشريعة واحتيالا على حرمات الله مثلما فعل هذا الرجل المتعالم؟
السلسلة الضعيفة (١/ ٦٠٧).
فضل القرض الحسن
[قال رسول الله ﷺ ]: «إن السلف يجري مجرى شطر الصدقة».
[ترجم له الإمام بقوله]: فضل القرض الحسن وانه يجري مجرى شطر الصدقة.
[ثم قال]: «السلف»: القرض الذي لا منفعة للمقرض فيه. قلت: ومع هذا الفضيلة البالغة للقرض الحسن، فإنه يكاد أن يزول من بيوع المسلمين، لغلبة الجشع والتكالب على الدنيا على الكثيرين أو الأكثرين منهم، فإنك لا تكاد تجد فيهم من يقرضك شيئا إلا مقابل فائدة إلا نادرا، فإنك قليل ما يتيسر لك تاجر يبيعك الحاجة بثمن واحد نقدا أو نسيئة، بل جمهورهم يطلبون منك زيادة في بيع النسيئة، وهو المعروف اليوم ببيع التقسيط، مع كونها ربا في صريح قوله ﷺ : «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا». وقد فسره جماعة من السلف بأن المراد به بيع النسيئة، ومنه بيع التقسيط، كما سيأتي بيانه عند تخريج الحديث برقم «٢٣٢٦».
السلسلة الصحيحة (٤/ ٧٠).
стр. 6481
علة النهي عن سلف وبيع
[قال الإمام]: لعل الأولى في التعليل قول ابن القيم في «تهذيب السنن» «٥/ ١٤٩»:
«فلأنه إذا أقرضه مئة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمئة؛ فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك».
التعليقات الرضية (٢/ ٣٧٧)
هل يجوز الحج من أموال البنك
مداخلة: هل يجوز الحج من أموال البنك موظف بنك طبعاً.
الشيخ: يسقط الفرض عن صاحب هذا المال الحرام.
(الهدى والنور / ٢٩/ ٦.: ١.: ١.)
رجل يقيم في أمريكا يتعامل بالربا وتهرب من دفع الزيادة الربوية، وكلمة حول حرمة المعاملات الربوية
مداخلة: إحنا كنا في أمريكا يا شيخ، وبعدين في عندنا.
الشيخ: الحمد لله على السلامة.
مداخلة: الله يسلمك.
مداخلة: في في أمريكا الكريدت كارد أو الفيزة كارد، يستلف عليه شخص فلوس من البنك أو .. من الضرورات يعتبر في أمريكا؛ حتى تستطيع التَعَامُل مع بعض الشركات وشراء بعض الحاجيات، ولكن عليه فوائد ربوية عالية جداً،
стр. 6482
وشخص قال: هاجر إلى هذه البلاد فدفع المبلغ المستحق والمبلغ الأصلي، ولم يدفع الفوائد الربوية وتركها، هل يجوز له أم لا؟
الشيخ: من أين يجوز له، هو غرقان في عدم الجواز، الخيانة في الإسلام لا تجوز، «أَدَّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
مداخلة: حتى لو كانت ربا.
الشيخ: إيه؟
مداخلة: حتى لو كانت ربا.
الشيخ: يعني هنا تعرف أنه ربا، ولما تتعامل بالربا ما تعرف؟
مداخلة: هي حتماً من الضروريات يعني الإنسان ..
الشيخ: حتماً ليس من الضروريات؛ لأنه لو بقي في بلاد الإسلام ما شعر بمثل هذه الضرورة أبداً.
مداخلة: إيه نعم.
الشيخ: نعم.
مداخلة أخرى: عفواً يا شيخ، هي ليست من الضروريات.
الشيخ: جزاك الله خيرًا شهد شاهد من أهلها.
مداخلة: وأنا واثق مائة في المائة، أن الإنسان ممكن أن يعيش هناك من غير ما يحتاج إليه.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: وممكن أن يعيش ويتصرف من غير أن يتورط في الربا، أعرف شخصًا في مدينة تُسمى كلورادو نسي أن يدفع الفاتورة، وإذا دفع الفاتورة لا يضعون عليه نسبة مئوية من الربا، فنسي آخر يوم فأرسل الدفعة في البريد المستعجل ودفع ثمان
стр. 6483
دولارات على البريد ولو صبر، لو تأخر لكان دفع دولارين ربا، ولكن لما علمت الشركة سألوه لماذا فعلت هذا؟
قال لهم: أنا ديني يُحَرِّم الربا، فأنا مستعد أدفع ثمان دولارات ثمن البريد ولا أدفع لكم دولارين للربا، رفعوا حسابه.
هذه يعرفوا على حسب الحساب، ممكن خصمية دولار يستعمله، رفعوا حسابه لأمانته إلى ألفين دولار.
الشيخ: على كل حال، يا إخواننا لا تنسوا قوله تعالى، -مع الأسف المنسي من جماهير المسلمين-: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، هذه واحدة.
والأخرى: أنصحك وأنصح الجالسين معنا جميعاً، أن لا يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأن هذا عمل اليهود كما تعلمون.
فلا تقولوا: فائدة وفوائد بدل الربا، وهذه لفظة عامة اليوم، حتى في البنك الإسلامي مكتوب عليه بنك إسلامي، يُسَمُّون الربا فائدة، من الذي يسمي الربا فائدة؟
هم الذين قال الله فيهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
الشيخ: الآن أتذكر نكتة.
أقول: مثل الذين يريدون أن يقيموا الدولة المسلمة بهذه الطرق الملتوية ما بين عشية وضحاها مثل الذين يطبقوا هذه الآية، يريدون أن يأخذوا الجزية من الكفار وهم صاغرون، هل هذا ممكن؟
هذا ممكن ولكن متى؟ حينما تقوم قائمة الدولة المسلمة، ويطمئن لها الحكم ويبدأ هذا الحاكم المسلم يدعو إلى الإسلام.
стр. 6484
حينئذٍ يمكن أن نطالب من حولنا من دول الكفر، أن يُعْطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، كيف هذا؟ وهم في بلادهم على الكفر، نرسل مثلاً إلى روسيا وأمريكا أن أنتم كفار وفرنسا وألمانيا والبلاد القريبة إلينا كاليونان مثلاً، أنتم كفار لازم تدفعوا الجزية عن يد؟ لا.
يجب أن تنطلق الدعوة من أرض الإسلام إلى ما يجاورها، فإذا كانت البلدة التي تَحُدّ حدود البلاد الإسلامية كافرة، وذهب الداعية المسلم إلى تلك الأرض يدعو فيها إلى الإسلام، فأذنوا له وأخذ يدعو وأقام في بلد الكفر يدعو للإسلام، وهم لا يَحُولون بينه وبين الدعوة للإسلام والكفار هناك يدخلون في دين الله أفواجا لا يؤخذ منهم الجزية، ولكن إذا منعوا الدعاة المسلمين من أن يدعو إلى الإسلام في بلادهم أعني بلاد الكفر، حينئذٍ ينطلق الجيش المسلم لينقل الدعوة بقوة السيف، بعد أن منع الكفار الدعوة الإسلامية بالتي هي أحسن.
فإذا ما احتل الجيش المسلم تلك البلاد الكافرة وتَغلَّظوا عليهم حينئذٍ يُخيرونهم بين إحدى ثلاث: إما الإسلام وإما دفع الجزية عن يد وهم صاغرون وإما القتل، فهم وما يختارونه.
وهذا من تفاصيل الآية التي تُشكل على بعض الناس: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
ليس معنى لا إكراه في الدين، يعني: كما يقول بعض الكُتَّاب اليوم الذين في قلبهم ريب في الإسلام، يقول لك: لا يجوز مقاتلة الكفار على الإسلام، وإنما فقط أنت تقاتل دفاعاً عن أرضك فقط.
فهم يُقَسّمون الجهاد قسمين: جهاد دفاعي وجهاد هجومي، يقولون بأن الجهاد الهجومي لا يأمر به الإسلام، ويتجاهلون كل هذه الفتوحات الإسلامية التي لولاها كانت بلدنا هذه لا تزال في يد الروم أو الرومان.
فهم يُبيحون الجهاد في سبيل الدفاع.
стр. 6485
يعني: نحن نبقى في عقر دارنا وندعو إلى الإسلام في وسط دارنا، لكن لا يجوز أن ننطلق بالدعوة إلى بلاد الكفر، وإذا انطلقنا فمنعونا لا يجوز لنا أن نقاتل، وهذا الخلاف في الإسلام.
الشاهد: قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أي: ليس هناك في الإسلام إما تُسْلم أو أقتلك، لا فيه هناك لحلحة، رحرحة، و .. و .. إما أن تسلم وإما أن تدفع الجزية وإما القتل، أما تعيش هكذا لا تعيش في نظام الإسلام وذلك ..
ودليل على أنك ارتضيت هذا النظام مع الاحتفاظ بالعقيدة الكافرة، أن تدفع الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، فلا أنت ترضى بهذا ولا تحكم .. لا تدين بالإسلام، فإذاً: أمامك القتل.
إذاً: الكافر يُخَيَّر بين أن يدخل في الإسلام، وبين أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، هذا معنى لا إكراه في الدين.
وليس كما يفسرونه أنه لا يجوز للجيش الإسلامي، إذا ما اعتُدي على الدعاة الإسلاميين في بلد كافر، أن يقاتل ذلك البلد الكافر، لا، هذا من الإسلام ومن شريعة الإسلام.
الشاهد: لا يجوز أن نُسَمِّي الربا فائدة؛ لأن للأسماء آثارها في نفوس الناس.
ومن أسماء فشو الربا بين الناس تضليل الجماهير عن الحقائق الشرعية بأسماء ناعمة، فالربا لا يسمونه ربا؛ لأنه لو سُمِّى ربا لتَقَزَّز بدن المسلم بمجرد ما يسمع هذا الاسم؛ لأنه يعرف يقيناً أن الربا محرم، معي فائدة، فائدة.
وأخيراً، وأخيراً طلع لنا البنك الإسلامي ببدعة جديدة واضحة، كنا نشكوا من قبل أنهم يسمون الربا بغير اسمها، يسمونها فائدة، الآن يسمون الربا بغير كمان لفظة الفائدة مرابحة وهو الربا بعينه.
إذاً: نرجو من إخواننا جميعاً أن يستعملوا الألفاظ الشرعية، وأن ينحرفوا عن الألفاظ البدعية؛ لأن للأسماء تأثيرها في نفوس الناس، ومن ذلك تسمية الربا
стр. 6486
بالفائدة، فيها ضرر، كيف يسمونها بالفائدة؟
(الهدى والنور / ٣٥٥/ ٥٤: ٣٠: ٠٠)
(الهدى والنور / ٣٥٥/ ٣٨: ٣٥: ٠٠)
رجل اقترض مالاً على أنه بدون ربا، ثم أدخل المقرِض نظام الربا
شخصاً قدم في قرض على أساس أنه بدون ربا، وبعد أن بنى به بيتًا وأخذ في تسديده، في تسديد القرض، علم أنه قد أدخل عليه ربا فما يصنع؟
الشيخ: كيف الأول أنه بدون ربا، كيف؟
مداخلة: عندنا بعض القروض هناك، يعني كانت في الأول كان ظاهر الحكم إسلامي، فهناك قروض يعني في الأول كانت قروض يعني بدون ربا بدون ما يسمونها.
الشيخ: من الدولة وإلا من البنوك؟
مداخلة: من الدولة هي ما عندنا بنوك .. بالدولة البنوك كلها لجيب واحد وأنت تعلم هذا جَيّدا، فيعني كانت الظاهر دولة إسلامية فكانت الظاهر تعطي قروضاً بدون ما يسمونه الفائدة وهو الربا.
الشيخ: معليش، أنا بِدّي أفهم هذا منذ كم مثلاً منذ كم سنة؟
مداخلة: منذ خمسة وسبعين أو ستة وسبعين تقريباً.
الشيخ: خمسة وسبعين أفرنجي؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني خمسه وثلاثون سنة.
مداخلة: سبعة عشر عاماً، يعني في الخمس ألف وأربعمائة وثلاثون.
стр. 6487
الشيخ: من كان حاكم يومئذٍ؟
مداخلة: هو نفس الحاكم نفس الطاغوت.
الشيخ: الطاغوت نفسه، كيف كان هذا إذاً؟
مداخلة: كان في أول حكمة كان يستميل الناس إليه، فكان يحكم لا يحكم بالشريعة الإسلامية، ولكن بما يظهر له أنه يحكم بالشريعة الإسلامية.
فمثلاً: الأشياء الظاهرة، فمثلاً لا يحارب المصلين في بيوتهم، وعندنا بعض الملاحدة هناك حتى في قريتنا يعني.
عندنا بعض الملاحدة، وضعهم في السجن، على أساس يعني عمل لهم تحقيقًا، أو برنامج في التلفزيون، بس يعني على شان يشوفوهم الناس يعني على أساس أنهم ملا حدة.
الشيخ: لفضحهم، يعني؟
مداخلة: نعم، وبقوا خمسة عشر سنة، ثم خرجوا في الأيام الماضية، طبعاً المسلمين باقيين في السجن وهم أخرجهم يعني بعد أن تَقَوّت عقيدتهم.
فهذه الأشياء كلها فعلها؛ ليظهر للناس أنها دولة إسلامية، وأنها تدعو إلى الإسلام وإلى توحيد الله ، ثم تقريباً في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وسبعون بدأ يكشر عن أنيابه علناً؛ لأنه تمكن من الحكم.
فيعني في بعض الناس آخذين قروضًا يعني يفترض عليهم ربا، بعد أن قارب على تسديد القرض كله ظهر له أن في هذا القرض ربا، أو تبين له أن في هذا القرض ربا.
الشيخ: طيب، هو استقرض في وقت القرض الحسن؟
مداخلة: نعم، قبل أن تفرض عليه قرض ربا.
الشيخ: استقرض في ذاك الزمان؟
مداخلة: نعم.
стр. 6488
الشيخ: والظاهر أنه تأخر بالوفاء؟
مداخلة: لا، يُسَدّد على أقساط.
الشيخ: طيب، يسدد على أقساط حتى القسط الأول كان فيه ربا؟
مداخلة: لا، القسط الأول ما كان فيه ربا، ثم كيف مثلاً أعطوك عشره ألف دينار، تسدد كل شهر مثلاً عشرين دينار فتسدد عشرين، عندما تسدد العشرة ألف كلها يطلبون منك زيادة على هذا المبلغ، بحجة أنها عمولة؟
الشيخ: إذا كان الاستقراض كان في الزمن الأول، الذين كانوا يجعلون القرض قرضاً حسناً فلا شيء على المستقرض الذي أُخذ منه الربا فيما بعد؛ لأن هذا الذي أخذ منه، شأن ذلك الضرائب التي تفرض على الشعوب كلهم.
والمهم والواجب على المسلم أن لا يتعامل باختياره معاملات لا شرعية أو معاملة ربوية باختياره، أما إذا فُرض عليه شيء من ذلك، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَأخذنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فهذه الدار التي بناها بهذا القرض لا شيء فيها.
(الهدى والنور /٥٧٣/ ٤٣: ٣٦: ٠٠)
هل يقع الربا في العملات الورقية ؟ !
مداخلة: الربا في الدنانير الورقية، هل يقع فيها الربا أم لا يقع؛ لأن بعضهم يقول: إنها مال ..
الشيخ: كيف لا يقع؟ ! إذا قيل بأنه لا يقع، فالقول بأنه لا زكاة فيها يقع.
(الهدى والنور /٨٣٥/ ٥١: ٣٨: .. )
تعريف ربا النسيئة
الشيخ: ربا النسيئة: هو كلما تأخر من الوفاء كلما تضاعف الربا، يعني مثلًا: كان المرابون
стр. 6489
كانوا يقرضون مثلًا إلى شهر، والربا بالمائة خمسة، فإذا صار إلى شهرين في المائة عشرة، وهكذا دواليك، وهذا موجود اليوم، هذا هو ربا النسيئة، يعني: كلما تأخر كلما زاد الربا، هذا منهي بنص القرآن: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠].
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٠٤: ٢٧)
ما مدى صحة حديث: (كل قرض جر نفعًا فهو ربا) وما علته، وما الحكم الذي يترتب على ذلك بناءً على الصحة والضعف ؟
مداخلة: يقول السائل: ما مدى صحة حديث: «كل قرض جر نفعًا فهو ربا» وما علته، وما الحكم الذي يترتب على ذلك بناءً على الصحة والضعف؟
الشيخ: أما الصحة عن هذا الحديث فهي منفية، أما العلة علة الضعف فهي غير مستحضرة، أما معنى الحديث فليس صحيحًا على إطلاقه؛ لأن المعنى المراد من هذه الجملة: كل قرض جر نفعًا فهو ربا، فالجملة إذا فسرت بقيد: كل قرض جر نفعًا مشروطًا فهو ربا، فتكون هذه الجملة - ولا نقول هذا الحديث - تكون هذه الجملة بهذا القيد صحيحة المعنى، كل قرض جر نفعًا مشروطًا فهو ربا، وليس كذلك كل قرض جر نفعًا غير مشروط فهو ربا، لا، ليس ربا لما ثبت بقصة قضاء النبي ﷺ لذلك الأعرابي رباعيًا جملًا كبيرًا مقابل جمله الصغير، وفي بعض الروايات جملين مقابل جمل واحد، وعلل ذلك ﵊ بقوله: «خيركم خيركم قضاءً، وأنا خيركم قضاءً» فإذًا القرض الذي جر نفعًا غير مشروط فهو من مكارم الأخلاق، أما القرض المشروط بزيادة فهو ربا مشروط.
(رحلة النور: ٣١ ب/٠٠: ٢٠: ٥٣)
هل تقبل هدية رجل كسبه من ربا خالص
مداخلة: يسأل بعضهم هل تُقبل هدية رجل كسبه من ربا خالص؟
стр. 6490
الشيخ: أما أن تقبل هديته هكذا، لا، أما إذا كان قبوله لهديته كوسيلة لتأليف قلبه، فقبوله لهديته كما لو قبل هدية كافر بنفس القصد، واضح الجواب؟
مداخلة: نعم، قضية التأليف هذه من أي ناحية تكون يعني، من أجل دعوته للدين؟
الشيخ: هو هذا، لكان شو؟
مداخلة: وإذا كان ماله مختلط يعني حلال وحرام، يعني يحمل تجارةً وربما يأخذ راتبًا فيه من بنك أو كذا؟
الشيخ: هذا إذا كان الغالب عليه الربا، فالحكم هو هو، وإذا كان الغالب الحلال فيجوز مع الكراهة التنزيهية.
مداخلة: كراهة تنزيهية.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور/٦٦٤/ ١٠: ٣٣: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٢٤: ١٨: ٠٠)
حكم مشاركة من يتعامل بالربا في التجارة
مداخلة: هل يجوز للمسلم أن يشارك شخص بتجارة، ولعل هذا الشخص لعله عنده بعض المعاملات الربوية، فكيف هذه الحالة؟
الشيخ: هناك فتوى وهناك تقوى، الفتوى: أنه يجوز ما دام أن ماله ليس ربويًا ... وما دام أن الشركة ليست قائمة على أساس ربوي، لكن التقوى الابتعاد عن التعاون معه [أما من ناحية] المشروع فجائز شرعًا.
(فتاوى جدة (٢) /٠٠: ٣٦: ٥٧)
стр. 6491
حكم قراءة الكتب العلمية التي تطبعها البنوك الربوية
مداخلة: بعض البنوك الربوية تطبع كتب العقيدة السلفية، كيف قراءة هذه الكتب ...
الشيخ: من عرف أن هذه الكتب من تلك البنوك أو ذاك البنك لا يستعين بها على العلم.
مداخلة: يكتبون خلف الكتاب: إيمانًا من البنك الفلاني بوجوب الدعوة إلى الله طبعت هذا الكتاب ...
الشيخ: هو تهوين لمنكرهم إن لم يكن سخرية في كتب العلم.
(فتاوى جدة (٢) /٠٠: ٣٧: ٣٢)
حكم صناعة أبواب لبنك ربوي
السؤال: يقول السائل: أعمل بالألمنيوم وطُلِبَ مني أن أقوم بعمل أبواب لبنك ربوي فهل يجوز ذلك؟
الشيخ: لا يجوز.
(الهدى والنور /٣٤٢/ ٤٠: ٤١: ٠٠)
حكم التعامل مع المرابي كأن نبني له بيتاً أو ما إلى ذلك
السائل: هل يجوز التعامل مع المرابي كأن نبني له بيتاً أو ما إلى ذلك؟
الشيخ: إذا كان البنيان الذي يراد إقامته ليس فيه في نفس البنيان مخالفة للشرع فيجوز؛ لأن هذا النوع من التعامُل ليس فيه إعانة مباشرة لهذا المراد به على كسب
стр. 6492
المال الحرام، بخلاف التعاون معه في بنكه في شركته الذي أو التي به أو بها يكسب المال الحرام، فهنا لا يجوز التعاون معه؛ لأن فيه إعانة مباشرة على المنكر.
(الهدى والنور / ٥٤١/ ٢٨: ٠٨: ٠٠)
حكم السكن في بيت بُني من مال الربا
مداخلة: السكن في بيت بمال الربا.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: السكن، مثل شاب يسكن في بيت أبيه بنى هذا البيت بمال ربا، هل يجوز له السكن فيه أم [يجب] الخروج منه؟
الشيخ: إذا كان أبوه في عالم الأحياء، فيجب أن يخرج الابن من هذا الحي، وإذا كان أبوه في عالم الأموات وورث هذا البيت من أبيه، فحلال له أن يتمتع ببيت أبيه الذي بناه بالمال الحرام، واضح الجواب؟
مداخلة: واضح.
(الهدى والنور/٥٤٧/ ٤٣: ٢٧: ٠٠)
стр. 6493
جامع تراث العلامة الألباني في الفقه
صَنَعَهُ
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
المجلد الخامس عشر
[مسائل النساء - والخلوة والاختلاط]
стр. 6494
كتاب جلباب المرأة المسلمة
стр. 6495
إجمال شروط الجلباب الشرعي للمرأة
إن تتبعنا الآيات القرآنية والسنة المحمدية والآثار السلفية في هذا الموضوع الهام قد بين لنا أن المرأة إذا خرجت من دارها وجب عليها أن تستر جميع بدنها وأن لا تظهر شيئا من زينتها حاشا وجهها وكفيها - إن شاءت - بأي نوع أو زي من اللباس ما وجدت فيه الشروط الآتية:
شروط الجلباب:
١ - استيعاب جميع البدن إلا ما استثني.
٢ - أن لا يكون زينة في نفسه.
٣ - أن يكون صفيقا لا يشف.
٤ - أن يكون فضفاضا غير ضيق.
٥ - أن لا يكون مبخرا مطيبا.
٦ - أن لا يشبه لباس الرجل.
٧ - أن لا يشبه لباس الكافرات.
٨ - أن لا يكون لباس شهرة.
وبعضها يحرم عليها مطلقا سواء كانت في دارها أو خارجها كالشروط الثلاثة الأخيرة، ولكن لما كان موضوع البحث إنما هو في لباسها إذا خرجت انحصر كلامنا فيه فلا يتوهمن منه التخصيص.
[جلباب المرأة المسلمة ص (٣٧)]
стр. 6496
بعض الشروط المتقدمة تشمل الرجال والنساء في أحكام اللباس
واعلم أن بعض هذه الشروط ليست خاصة بالنساء بل يشترك فيها الرجال والنساء معا كما لا يخفى.
[جلباب المرأة المسلمة ص (٣٨)]
الكلام على الشرط الأول من شروط الجلباب: استيعاب جميع البدن عدا الوجه والكفين وسرد أدلة ذلك
الشرط الأول: «استيعاب جميع البدن إلا ما استثني»
فهو في قوله تعالى في [سورة النور: الآية ٣١]: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.
وقوله تعالى في [سورة الأحزاب: الآية ٥٩]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ففي الآية الأولى التصريح بوجوب ستر الزينة كلها، وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب إلا ما ظهر بغير قصد منهن، فلا يؤاخذن عليه إذا بادرن إلى ستره، قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره»: «أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب؛ يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها
стр. 6497
فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه».
وقد روى البخاري «٧/ ٢٩٠»، ومسلم» ٥/ ١٩٧ «عن أنس ﵁ قال: «لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة (١) له، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما «يعني الخلاخيل» تنقزان (٢) القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم».
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «وهذه كانت قبل الحجاب، ويحتمل أنها كانت عن غير قصد للنظر».
قلت: وهذا المعنى الذي ذكرنا في تفسير: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] هو المتبادر من سياق الآية، وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها: فمن قائل: إنها الثياب الظاهرة.
ومن قائل: إنها الكحل والخاتم والسوار والوجه وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في «تفسيره» «١٨/ ٨٤» عن بعض الصحابة والتابعين، ثم اختار هو أن المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان (٣)، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كل مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من
стр. 6498
بدنها، إلا ما روي (١) عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدر النصف، فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعًا؛ كان معلومًا بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلومًا أنه مما استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]؛ لأن كل ذلك ظاهر منها».
وهذا الترجيح غير قوي عندي؛ لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي وهو غير لازم هنا؛ لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين.
أقول هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى فالحق في معنى هذا الاستثناء ما أسلفناه أول البحث وأيدناه بكلام ابن كثير. ويؤيده أيضًا ما في «تفسير القرطبي» «١٢/ ٢٢٩»:
«قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ﴾ على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه».
قال القرطبي: «قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى
стр. 6499
منها إلا هذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه، فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها والله الموفق لا رب سواه».
قلت: وفي هذا التعقيب نظر أيضًا؛ لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة فإنما ذلك بقصد من المكلف والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلًا شاملًا لما ظهر بالقصد؟ فتأمل.
ثم تأملت فبدا لي أن قول هؤلاء العلماء هو الصواب وأن ذلك من دقة نظرهم ﵏ وبيانه: أن السلف اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعود إلى فعل يصدر من المرأة المكلفة غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصد منها فابن مسعود يقول: هو ثيابها أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها. فمعنى الآية حينئذ: إلا ما ظهر عادة بإذن الشارع وأمره. ألست ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها -كما يفعل ذلك بعض المتجلببات السعوديات- أنها تكون قد خالفت الآية باتفاق العلماء فقد التقى فعلها هذا مع فعلها الأول وكلاهما بقصد منها لا يمكن إلا هذا فمناط الحكم إذن في الآية ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة -فهذا مما لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضًا اتفاقًا- وإنما هو فيما ظهر دون إذن من الشارع الحكيم فإذا ثبت أن الشرع سمح للمرأة بإظهار شيء من زينتها سواء كان كفًّا أو وجهًا أو غيرهما فلا يعترض عليه بما كنا ذكرناه من القصد؛ لأنه مأذون فيه كإظهار الجلباب تمامًا كما بينت آنفًا.
فهذا هو توجيه تفسير الصحابة الذين قالوا: إن المراد بالاستثناء في الآية الوجه والكفان وجريان عمل كثير من النساء في عهد النبي ﷺ وبعده كما سترى في النصوص الآتية المتواترة معنا.
ويعود الفضل في التنبه لهذا التوجيه -بعد الله تعالى- إلى الحافظ أبي الحسن بن
стр. 6500
القطان الفاسي (١) -رحمه الله تعالى- في كتابه القيم الفريد
الذي أطلعني الله عليه وأنا أهيئ مقدمة هذه الطبعة الجديدة ألا وهو: «النظر في أحكام النظر» فقد تكلم فيها بعلم واسع ونظر ثاقب على كل مسائله ومنها ما نحن فيه فنبهني على ما أشرت إليه قوله فيه «ق ١٤/ ٢»:
«وإنما نعني بالعادة هنا عادة من نزل عليهم القرآن وبلغوا عن النبي ﷺ الشرع وحضروا به خطاب المواجهة ومن لزم تلك العادة بعدهم إلى هلم جرا لا لعادة النسوان وغيرهم المبدين أجسادهم وعوراتهم».
قلت: فابن عباس ومن معه من الأصحاب والتابعين والمفسرين إنما يشيرون بتفسيرهم لآية ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نزولها وأقروا عليها فلا يجوز إذن معارضة تفسيرهم بتفسير ابن مسعود الذي لم يتابعه عليه أحد من الصحابة لأمرين اثنين:
الأول: أنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق؛ لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة كما تفعله بعض السعوديات كما تقدم فإذن هو يريد منها الجلباب فقط الذي تظهره المرأة من ثيابها إذا خرجت من دارها.
والآخر: أن هذا التفسير -وإن تحمس له بعض المتشددين- لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ. .. ﴾ الآية؛ فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسْمًا معرّفًا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الآباء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن ينظروا إلا إلى ثيابهن الباطنة؟ ولذلك قال أبو بكر الجصاص ﵀ في «أحكام القرآن» «٣/ ٣١٦»:
«وقول ابن مسعود في أن ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو الثياب لا معنى له؛ لأنه معلوم
стр. 6501
أنه ذكر الزينة والمراد العضو الذي عليه الزينة ألا ترى أن سائر ما تتزين به من الحلي والقلب والخلخال والقلادة يجوز أن تظهرها للرجال إذا لم تكن هي لابستها فعلمنا أن المراد مواضع الزينة كما قال في نسق الآية بعد هذا: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ والمراد موضع الزينة فتأويلها على الثياب لا معنى له إذ كان مما يرى الثياب عليها دون شيء من بدنها كما يراها إذا لم تكن لابستها».
وكأنه لهذا لم يعرِّج عليه الحافظ ابن القطان في كتابه الآنف الذكر وقد ذكره في جملة ما قيل في تفسير الآية كما ذكر أقوال العلماء والمذاهب حولها بتفصيل وتحرير وتحقيق فيها لا أعرف له مثيلًا ثم ساق بعض الأحاديث التي يمكن الاستدلال بها على جواز إبداء المرأة لوجهها وكفيها للأجانب ومع أنه فاته الكثير من الأحاديث التي ذكرت في كتابنا هذا فقد ناقشها مناقشة دقيقة وميز صحيحها وسقيمها وما يصح الاستدلال به وما لا يصح من الناحية الفقهية دون أن يتحيز لفئة.
ثم تكلَّم على الآية وفسرها تفسيرًا بديعًا يدل على أنه إمام في التفسير والفقه أيضًا كما هو في الحديث فأفاد ﵀ أن النهي فيها مطلق من وجوه ذكرها وهي أربعة، وفصل القول فيها تفصيلًا رائعًا ويهمنا هنا منها رابعها فقال «ق ١٥/ ١»: ... «ومطلقة بالنسبة إلى كل ناظر ورد على إطلاقه منها استثناءان:
أحدهما: على مطلق الزينة وخصص به منها ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فيجوز إبداؤه لكل واحد.
والآخر: على مطلق الناظرين الذين يبدي لهم شيء من ذلك فخصص منهم البعولة ومن بعدهم».
وبعد أن ساق قول ابن مسعود وأقوال الصحابة والتابعين المخالفة وأقوال المذاهب والأحاديث المشار إليها آنفًا قال ملخصًا للموضوع وموضحًا رأيه فيه «ق ٢١/ ١»:
«الأحاديث المذكورة في الباب إما أن تدل على إبدائها جميع ذلك «يعني: الوجه والكفين» أو بعضه دلالة يمكن الانصراف عنها بتحميل اللفظ أو القصة غير ذلك
стр. 6502
لكن الانصراف عما يدل عليه ظاهر اللفظ أو سياق القصة لا يكون جائزًا إلا بدليل عاضد يصير الانصراف تأويلًا، وإذا لم يكن هناك دليل كان الانصراف تحكمًا، فعلى هذا يجب القول بما تظاهرت هذه الظواهر وتعاضدت عليه من جواز إبداء المرأة وجهها وكفيها لكن يستثنى من ذلك ما لا بد من استثنائه قطعًا وهو ما إذا قصدت بإبداء ذلك التبرج وإظهار المحاسن فإن هذا يكون حرامًا ويكون الذي يجوز لها إنما هو إبداء ما هو في حكم العادة ظاهر حين التصرف والتبذل فلا يجب عليها أن تتعاهده بالستر بخلاف ما هو في العادة «أي الشرعية» مستور إلا أن يظهر بقصد كالصدر والبطن فإن هذا لا يجوز لها إبداؤه ولا يعفى لها عن بدوه ويجب عليها ستره في حين التصرف كما يجب من ستره في حين الطمأنينة ويعضد هذه الظواهر وهذا المنزع قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ فمعنى الآية: لا يبدين زينتهن في مواضعها لأحد من الخلق إلا ما كان عادة ظاهرة عند التصرف فما وقع من بدوِّه وإبدائه بغير قصد التبرج والتعرض للفتنة فلا حرج فيه».
ثم قال «ق ٢١/ ٢»: «ويتأيَّد المعنى الذي حملنا عليه الآية من أن الظاهر هو الوجه والكفان بقوله تعالى المتقدم متصلًا به: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فإنه يفهم منه أن القرطة قد يعفيهن عند بدو وجوههنَّ عن تعاهد سترها فتنكشف، فأمرن أن يضربن بالخمر على الجيوب حتى لا يظهر شيء من ذلك إلا الوجه الذي من شأنه أن يظهر حين التصرف؛ إلا أن يستر بقصد وتكلف مشقة، وكذلك الكفان وذكر أهل التفسير أن سبب نزول الآية هو أن النساء كن وقت نزولها إذا غطين رءوسهن بالخمر يسدلنها خلفهن كما تصنع النبط فتبقى النحور والأعناق بادية فأمر الله سبحانه بضرب الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر وبالغ في امتثال هذا الأمر نساء المهاجرين والأنصار فزدن فيه تكثيف الخمر».
ثم ذكر حديث عائشة الآتي «ص ٧٨» لكن من رواية أبي داود بلفظ: «شققن أكنَف -وقال ابن صالح: أكثف- مروطهن فاختمرن بها». وقال: «هذا إسناد حسن»! .
стр. 6503
ثم قال الحافظ ابن القطان -رحمه الله تعالى: «فإن قيل: هذا الذي ذهبت إليه من أن المرأة معفو لها عن بدو وجهها وكفيها -وإن كانت مأمورة بالستر جهدها- يظهر خلافه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية؟
فالجواب أن يقال: يمكن أن يفسر هذا «الإدناء» تفسيرًا لا يناقض ما قلناه وذلك بأن يكون معناه: يدنين عليهنَّ من جلابيبهن ما لا يظهر معه القلائد والقرطة مثل قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فإن «الإدناء» المأمور به مطلق بالنسبة إلى كل ما يطلق عليه «إدناء» فإذا حملناه على واحد مما يقال عليه «إدناء» يقضي به عن عهدة الخطاب إذ لم يطلب به كل «إدناء» فإنه إيجاب بخلاف النهي والنفي».
ويلاحظ القراء الكرام أنَّ هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهادًا مني وتوفيقًا بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحًا به «ص ٨٧» فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
نعم حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين لولا أن فيه ما بيناه في التعليق ١، إلا أنه من الممكن أن
يقال: إنه يقوى بكثرة طرقه وقد قواه البيهقي كما يأتي أدناه فيصلح حينئذ دليلًا على الجواز المذكور لا سيما وقد عمل به كثير من النساء في عهد النبي ﷺ حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته ﷺ وهو لا ينكر ذلك عليهن وفي ذلك عدة أحاديث نسوق ما يحضرنا الآن منها:
١ - عن جابر بن عبد الله قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم»، فقامت امرأة من سِطَة النساء
стр. 6504
«أي: جالسة في وسطهن» سفعاء الخدين «أي: فيهما تغير وسواد» فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير»، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن».
أخرجه مسلم «٣/ ١٩»، والحديث واضح الدلالة على ما من أجله أوردناه، وإلا لما استطاع الراوي أن يصف تلك المرأة بأنها: «سفعاء الخدين».
قوله: «سطة النساء»: هذه رواية مسلم، ولفظ رواية الآخرين: «سفلة النساء». قال ابن الأثير: «بفتح السين وكسر الفاء: السقاط من الناس».
٢ - عن ابن عباس «عن الفضل بن عباس»: «أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع [يوم النحر] والفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ [وكان الفضل رجلًا وضيئًا. .. فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم]»، الحديث وفيه: «فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء «وفي رواية: وضيئة» «وفي رواية: فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها» [وتنظر إليه] فأخذ رسول الله ﷺ بذقن الفضل فحول وجهه من الشق الآخر». وفي رواية لأحمد «١/ ٢١١» من حديث الفضل نفسه:
«فكنت أنظر إليها فنظر إلَيّ النبي ﷺ فقلب وجهي عن وجهها، ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها، حتى فعل ذلك ثلاثًا وأنا لا أنتهي».
ورجاله ثقات لكنه منقطع إن كان الحكم بن عتيبة لم يسمعه من ابن عباس
وروى هذه القصة علي بن أبي طالب ﵁ وذكر أن الاستفتاء كان عند المنحر بعد ما رمى رسول الله ﷺ الجمرة وزاد:
«فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: «رأيت شابًّا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما».
أخرجه البخاري «٣/ ٢٩٥ و ٤/ ٥٤ و ١١/ ٨»، ومسلم «٤/ ١٠١»، وغيرهما.
стр. 6505
وبه استدل الحافظ في «الفتح» «٤/ ٦٧» على أن الاستفتاء وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي. قلت: ومعنى ذلك أن السؤال كان بعد التحلل من الإحرام؛ لما هو معلوم أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء، وحينئذ فالمرأة الخثعمية لم تكن محرمة.
والحديث يدل على ما دل عليه الذي قبله من أن الوجه ليس بعورة؛ لأنه كما قال ابن حزم: «ولو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء».
وفي «الفتح» «١١/ ٨»: «قال ابن بطال: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع.
قال: ويؤيده أنه ﷺ لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه. وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهن.
وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي ﷺ ، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي ﷺ الخثعمية بالاستتار، ولما صرف وجه الفضل.
قال: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجههًا في الصلاة، ولو رآه الغرباء».
هذا كله كلام ابن بطال، وهو متين جيد. غير أن الحافظ تعقبه بقوله:
«قلت: وفي استدلاله بقصة الخثعمية لما ادعاه نظر؛ لأنها كانت محرمة».
قلت: كلا، فإنه لا دليل على أنها كانت محرمة، بل الظاهر خلافه، فقد قدمنا عن الحافظ نفسه أن سؤال الخثعمية للنبي ﷺ إنما كان بعد رمي جمرة العقبة، أي
стр. 6506
بعد التحلل، فكان الحافظ نسي ما كان حققه هو بنفسه -رحمه الله تعالى.
ثم هب أنها كانت محرمة، فإن ذلك لا يخدج في استدلال ابن بطال المذكور البتة؛ ذلك لأن المحرمة في جواز ستر وجهها بالسدل عليه كما يدل على ذلك الحديث الرابع والخامس الآتيان «ص ١٠٨»، وإنما يجب عليها أن لا تنتقب فقط، فلو أن كشف المرأة لوجهها أمام الأجانب لا يجوز؛ لأمرها ﷺ أن تسبل عليه من فوق كما قال ابن حزم، ولا سيما وهي من أحسن النساء وأجملهن، وقد كاد الفضل بن عباس أن يفتتن بها! ومع هذا كله لم يأمرها ﷺ ، بل صرف وجه الفضل عنها، ففي هذا دليل أيضًا على أن الستر المذكور لا يجب على المرأة ولو كانت جميلة، وإنما يستحب ذلك لها كما يستحب لغيرها.
وأما قول بعض الفضلاء: ليس في الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها؛ فمن أبعد الأقوال عن الصواب، إذ لو لم يكن الأمر كذلك، فمن أين للراوي أو الرائي أن يعرفها أنها امرأة حسناء وضيئة؟ !
ولو كان الأمر كما قال، فإلى ماذا كان ينظر الفضل ويكرر النظر؟ ! والحق أن هذا الحديث من أوضح الأدلة وأقواها على أن وجه المرأة ليس بعورة.
لأن القصة وقعت في آخر حياته ﷺ وعلى مشهد منه ﷺ ؛ مما يجعل الحكم ثابتًا محكمًا، فهو نص مبين لمعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾، وأنه لا يشمل الوجه، فمن حاول أن يفهم الآية دون الاستعانة بالسنة فقد أخطأ.
٣ - عن سهل بن سعد: «أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ [وهو في المسجد] فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي [فصمت فلقد رأيتها قائمة مليًّا أو قال: هوينًا] فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئًا جلست»، الحديث.
أخرجه البخاري «٩/ ١٠٧»، ومسلم «٤/ ١٤٣» .. والبيهقي «٧/ ٨٤»، وترجم له «باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها».
стр. 6507
وقال الحافظ في «الفتح» «٩/ ٢١٠»: «وفيه جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها؛ لأنه ﷺ صعد فيها النظر وصوبه، وفي الصيغة ما يدل على المبالغة في ذلك، ولم يتقدم منه رغبة فيها ولا خطبة، ثم قال: «لا حاجة لي في النساء» «يعني: كما في بعض طرق القصة»، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يعجبه أنه يقبلها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة. ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة، والذي تحرر عندنا أنه ﷺ كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره. وسلك ابن العربي «قلت: وهو غير ابن عربي الصوفي النكرة المتوفى بدمشق سنة ٦٣٨ هـ» في الجواب مسلكًا آخر، فقال: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلفعة. وسياق الحديث يبعد ما قال».
٤ - عن عائشة ﵂ قالت: «كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغلس».
ووجه الاستدلال بها هو قولها: «لا يعرفن من الغلس» فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة فثبت المطلوب. وقد ذكر معنى هذا الشوكاني «٢/ ١٥» عن الباجي.
ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: «وما يعرف بعضنا وجوه بعض».
الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق خرجتها في «صحيح أبي داود» «٤٤٩».
٥ - عن فاطمة بنت قيس: «أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة «وفي رواية: آخر ثلاث تطليقات» وهو غائب. .. فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. .. فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك [عنده]»، «وفي رواية: «انتقلي إلى أم شريك» -وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها
стр. 6508
الضيفان- فقلت: سأفعل فقال: «لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم [الأعمى]» -وهو من البطن الذي هي منه- «[فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك]»، فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد.
٥ - أخرجه مسلم في «صحيحه» «٤/ ١٩٥ و ٩٦ و ٨/ ٢٠٣»، ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر؛ وذلك لأن النبي ﷺ أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار -وهو غطاء الرأس- فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها، ولكنه ﷺ خشي عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم بالنص، فأمرها عليه الصلاة السلام بما هو الأحوط لها، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى؛ فإنه لا يراها إذا وضعت خمارها، وحديث: «أفعمياوان أنتما؟ ! » ضعيف الإسناد، منكر المتن؛ كما حققته في «الضعيفة» «٥٩٥٨».
ومعنى قوله ﷺ : «إذا وضعت خمارك»؛ أي: إذا حطته؛ كما في كتب اللغة.
عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم [الأعمى]» -وهو من البطن الذي هي منه- «[فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك]»، فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد. فصليت مع رسول الله ﷺ فلما قضى صلاته جلس على المنبر فقال: «إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال»، الحديث.
وينبغي أن يعلم أن هذه القصة وقعت في آخر حياته ﷺ لأن فاطمة بنت قيس ذكرت أنها بعد انقضاء عدتها سمعت النبي ﷺ يحدث بحديث تميم الداري وأنه جاء وأسلم.
وقد ثبت في ترجمة تميم أنه أسلم سنة تسع فدل ذلك على تأخر القصة عن آية
стр. 6509
الجلباب فالحديث إذن نص على أن الوجه ليس بعورة.
أخرجه مسلم في «صحيحه» «٤/ ١٩٥ و ٩٦ و ٨/ ٢٠٣»، ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر؛ وذلك لأن النبي ﷺ أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار -وهو غطاء الرأس- فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها، ولكنه ﷺ خشي عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم بالنص، فأمرها عليه الصلاة السلام بما هو الأحوط لها، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى؛ فإنه لا يراها إذا وضعت خمارها، وحديث: «أفعمياوان أنتما؟ ! » ضعيف الإسناد، منكر المتن؛ كما حققته في «الضعيفة» «٥٩٥٨».
ومعنى قوله ﷺ : «إذا وضعت خمارك»؛ أي: إذا حطته؛ كما في كتب اللغة.
٦ - عن ابن عباس ﵄: «قيل له: شهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى [قال: فنزل نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم] ثم أتى النساء ومعه بلال [فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم قال حين فرغ منها: «أنتن على ذلك؟ »، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله قال: ] فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة [قال: فبسط بلال ثوبه ثم قال: هلم لكن فداكن أبي وأمي] فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه، «وفي رواية: فجعلن يلقين الفتخ والخواتم» في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته».
أخرجه البخاري «٢/ ٢٧٣»، وغيره.
قال ابن حزم بعد أن استدل بآية الضرب بالخمار على أن الوجه ليس بعورة: «فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره».
стр. 6510
قلت: وفي مبايعته ﷺ النساء في هذه القصة، دليل على أنها وقعت بعد فرض الجلباب؛ لأنه إنما فرض في السنة الثالثة، وآية المبايعة نزلت في السنة السادسة كما يأتي تحقيقه صفحة «٧٤»، ويؤيده ما ذكر في «الفتح» «٢/ ٣٧٧» أن شهود ابن عباس القصة كان بعد فتح مكة، ويشهد له ما سيأتي.
٧ - عن سُبَيْعَةَ بنت الحارث: أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع وكان بدريًّا، فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلَّت ١، من نفاسها وقد اكتحلت [واختضبت وتهيأت] فقال لها: اربعي ٢ على نفسك -أو نحو هذا- لعلك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت: فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك فقال: «قد حللت حين وضعت».
أخرجه الإمام أحمد «٦/ ٤٣٢» من طريقين عنها أحدهما صحيح، والآخر حسن، وأصله في الصحيحين وغيرهما، وفي روايتهما: «تجملت للخطاب». وفيها أن أبا السنابل كان خطبها، فأبت أن تنكحه، وفي رواية النسائي: «تشوَّفت للأزواج».
والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل، وإلا لما جاز لسبيعة ﵂ أن تظهر ذلك أمام أبي السنابل، ولا سيما وقد كان خطبها فلم ترضه.
وراجع لهذا «النظر في أحكام النظر» للحافظ ابن القطان «ق ٦٧/ ٢ - ٦٨/ ٢».
وقوله «تعلت»: أي خرجت من نفاسها وسلمت.
وقوله: «اربعي»: بهمزة وصل وبفتح الباء، أي: ارفقي.
٨ - عن عائشة ﵂: «أن امرأة أتت النبي ﷺ تبايعه ولم تكن مختضبة فلم يبايعها حتى اختضبت». [حديث حسن أو صحيح].
٩ - عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ قالت: إني أصرع وإني
стр. 6511
أتكشف فادع الله لي. قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. [متفق عليه].
١٠ - وعن ابن عباس أيضًا، قال: «كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس [قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط] فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه [وجافى يديه] فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾».
رواه أصحاب «السنن» وغيرهم كالحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو مخرج عندي في كتابي «الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب» «الصلاة»، وفي «الصحيحة» «٢٤٧٢»، وصححه الشيخ أحمد شاكر «٤/ ٢٧٨». قلت: وهذا قاطع في إبطال قول الشيخ التويجري «ص ١٧٠»: «من كانت بحضرة الرجال الأجانب؛ فعليها أن تستر وجهها عنهم، ولو في الصلاة»! ومثله ما نقله عن أحمد ﵀ أنه قال: «المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها»! ! وهل هذا ممكن يا عباد الله؟ ! فإنه لا بد لها أن ترفع يديها مع التكبير، وأن تضعهما في الركوع والسجود والتشهد! وينقضه الإجماع الذي نقله ابن بطال فيما تقدم «٦٣».
١١ - عن ابن مسعود قال: رأى رسول الله ﷺ امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبًا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال: «أيما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها». [صحيح].
١٢ - عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسرى فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال: «لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا»، أو قال: «وقد أطلق الله لك يمينا». [حسن].
стр. 6512
١٣ - عن ثوبان ﵁ قال: جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ من ذهب [أي: خواتيم كبار] فجعل النبي ﷺ يضرب يدها بعصية معه يقول: «أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟ »، الحديث.
ففي هذه الأحاديث دلالة على جواز كشف المرأة عن وجهها وكفيها فهي تؤيد حديث عائشة المتقدم وتبين أن ذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] كما سبق «ص ٥١» على أن قوله تعالى فيما بعد: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يدل على ما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة من عدم وجوب ستر المرأة لوجهها؛ لأن «الخمر» جمع خمار وهو ما يغطى به الرأس. و «الجيوب» جمع «الجيب»، وهو موضع القطع من الدرع والقميص وهو من الجوب وهو القطع فأمر تعالى بلَيِّ الخمار على العنق والصدر فدل على وجوب سترهما ولم يأمر بلبسه على الوجه فدل على أنه ليس بعورة، ولذلك قال ابن حزم في «المحلى» «٣/ ٢١٦ - ٢١٧»: «فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك».
وإسناده صحيح، رغم أنف المكابرين من الجمهوريين والمتبعين لأهوائهم، وقد صححه ابن حزم والحاكم والذهبي والمنذري والعراقي؛ كما حققته في «آداب الزفاف» «ص ١٧ - ٣٠ - ط. عمان»، ثم رأيت ابن القطان في «الوهم والإيهام» «١/ ٢٧٨/ ٢» قد مال إلى تصحيحه أيضًا.
وقوله: «وهو ما يغطي به الرأس»: كذا في «النهاية» لابن الأثير، و «تفسير الحافظ ابن كثير»، و «فتح القدير» للشوكاني، وغيرهم من أهل العلم والمعرفة باللغة العربية وآدابها، وقال الحافظ في «الفتح» «٨/ ٤٩٠»: «والخمار للمرأة كالعمامة للرجل».
وهو أمر لا نعلم فيه خلافًا، ولا ينافيه ما جاء في ترجمة القاضي أبي علي التنوخي أنه أنشد:
стр. 6513
قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المذهب
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجبًا لوجهك كيف لم يتلهب
فقد وصفها بأن خمارها كان على وجهها أيضًا.
فأقول: لا ينافي هذا ما ذكرنا من معنى الخمار؛ لأنه لا يلزم من تغطية الوجه به أحيانًا، أن ذلك من لوازمه عادة، كلا، ألا ترى أن النبي ﷺ لما حمل صفية وراءه جعل رداءه على ظهرها وجهها كما يأتي «ص ٩٤». وأن عائشة قالت في قصة الإفك: «فخمرت وجهي بجلبابي» كما سيأتي «ص ١٠٦»، فهل يمكن أن يؤخذ من ذلك أن الرداء والجلباب ثوبان يغطيان الوجه عادة؟ ! فكذلك وصف الشاعر للمليحة بما سبق لا يمكن أن يؤخذ منه تعريف الخمار وأنه ما يغطى به الرأس والوجه معًا! غاية ما يقال أنه قد يغطى به الوجه، كما قد يغطى بأي شيء آخر من الثياب كالرداء والجلباب والبردة وغيرها.
وهذا كله يقال على افتراض أن وصف الشاعر للمليحة كان وصفًا حقيقيًّا. وغالب الظن أنه وصف شعري خيالي، فلا يمكن حينئذ أن يؤخذ منه معنى حقيقي يعتمد عليه.
[جلباب المرأة المسلمة ص (٣٩)]
إبطال دعوى أن الأدلة السابقة كلها كانت قبل فرضية الجلباب
أقول: فإن قيل: إن ما ذكرته واضح جدًّا غير أنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل فرض الجلباب فلا يصح الاستدلال حينئذ إلا بعد إثبات وقوعه بعد الجلباب. وجوابنا عليه من وجهين.
الأول: أن الظاهر من الأدلة أنه وقع بعد الجلباب وقد حضرنا في ذلك حديثان:
الأول: حديث أم عطية ﵂:
أن النبي ﷺ لما أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد قالت أم عطية: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: «لتلبسها أختها من جلبابها». متفق عليه.
стр. 6514
ففيه دليل على أن النساء إنما كن يخرجن إلى العيد في جلابيبهن وعليه فالمرأة السفعاء الخدين كانت متجلببة. ويؤيده الحديث الآتي وهو:
الحديث الثاني: حديثها أيضًا قالت:
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم عليهن، فرددن السلام فقال: «أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن»، فقلن: مرحبًا برسول الله ﷺ وبرسوله فقال: «تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئًا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين في معروف؟ »، فقلن: نعم فمد عمر يده من خارج الباب، ومددن أيديهن من داخل، ثم قال: «اللهم اشهد»، وأمرنا «وفي رواية: فأمرنا» أن نخرج في العيدين العتق والحيض ونهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا فسألته عن البهتان وعن قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾؟ قال: هي النياحة» (١).
ووجه الاستشهاد به: إنما يتبين إذا تذكرنا أن آية بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] إنما نزلت يوم الفتح كما قال مقاتل «الدر» «٦/ ٢٠٩» ونزلت بعد آية الامتحان كما أخرجه ابن مردويه عن جابر «الدر» «٦/ ٢١١» وفي «البخاري» عن المسور أن آية الامتحان نزلت في يوم الحديبية وكان ذلك سنة ست على الصحيح كما قال ابن القيم في «الزاد» وآية الحجاب إنما نزلت سنة ثلاثة وقيل: خمس حين بنى ﷺ بزينب بنت جحش كما في ترجمتها من «الإصابة».
стр. 6515
فثبت من ذلك أن أمر النساء بالخروج إلى العيد إنما كان بعد فرض الجلباب، ويؤيده أن في حديث عمر أنه لم يدخل على النساء وإنما بايعهن من وراء الباب وفي هذه القصة أبلغهن أمر النبي ﷺ النساء بأن يخرجن للعيد وكان ذلك في السنة السادسة عقب رجوعه ﷺ من الحديبية بعد نزول آية الامتحان والبيعة كما تقدم وبهذا تعلم معنى قول أم عطية في أول حديثها الثاني: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة» أي: من الحديبية ولا تعني قدومه إليها من مكة مهاجرًا كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. فتأمل.
الوجه الآخر: إذا فرضنا عجزنا عن إثبات ما ذكرنا فإن مما لا شك فيه عند العلماء أن إقراره ﷺ المرأة على كشف وجهها أمام الرجال دليل على الجواز وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الأصل بقاء كل حكم على ما كان عليه حتى يأتي ما يدل على نسخه ورفعه ونحن ندعي أنه لم يأت شيء من ذلك هنا بل جاء ما يؤيد بقاءه واستمراره كما سترى فمن ادعى خلاف ذلك فهو الذي عليه أن يأتي بالدليل الناسخ وهيهات هيهات.
على أننا قد أثبتنا فيما تقدم من حديث الخثعمية أن الحادثة كانت في حجة النبي ﷺ وهي كانت بعد فرض الجلباب يقينًا وما أجابوا عنها تقدم إبطاله بما لا يبقي شبهة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية [النور: ٣٠ - ٣١] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئًا مكشوفًا يمكن النظر إليه فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير الوجه والكفين.
ومثلها قوله ﷺ : «إياكم والجلوس بالطرقات، فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». [متفق عليه].