← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

أتكشف فادع الله لي. قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. [متفق عليه]. ١٠ - وعن ابن عباس أيضًا، قال: «كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس [قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط] فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه [وجافى يديه] فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾». رواه أصحاب «السنن» وغيرهم كالحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو مخرج عندي في كتابي «الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب» «الصلاة»، وفي «الصحيحة» «٢٤٧٢»، وصححه الشيخ أحمد شاكر «٤/ ٢٧٨». قلت: وهذا قاطع في إبطال قول الشيخ التويجري «ص ١٧٠»: «من كانت بحضرة الرجال الأجانب؛ فعليها أن تستر وجهها عنهم، ولو في الصلاة»! ومثله ما نقله عن أحمد ﵀ أنه قال: «المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها»! ! وهل هذا ممكن يا عباد الله؟ ! فإنه لا بد لها أن ترفع يديها مع التكبير، وأن تضعهما في الركوع والسجود والتشهد! وينقضه الإجماع الذي نقله ابن بطال فيما تقدم «٦٣». ١١ - عن ابن مسعود قال: رأى رسول الله ﷺ امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبًا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال: «أيما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها». [صحيح]. ١٢ - عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسرى فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال: «لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا»، أو قال: «وقد أطلق الله لك يمينا». [حسن].

стр. 6512

١٣ - عن ثوبان ﵁ قال: جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ من ذهب [أي: خواتيم كبار] فجعل النبي ﷺ يضرب يدها بعصية معه يقول: «أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟ »، الحديث. ففي هذه الأحاديث دلالة على جواز كشف المرأة عن وجهها وكفيها فهي تؤيد حديث عائشة المتقدم وتبين أن ذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] كما سبق «ص ٥١» على أن قوله تعالى فيما بعد: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يدل على ما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة من عدم وجوب ستر المرأة لوجهها؛ لأن «الخمر» جمع خمار وهو ما يغطى به الرأس. و «الجيوب» جمع «الجيب»، وهو موضع القطع من الدرع والقميص وهو من الجوب وهو القطع فأمر تعالى بلَيِّ الخمار على العنق والصدر فدل على وجوب سترهما ولم يأمر بلبسه على الوجه فدل على أنه ليس بعورة، ولذلك قال ابن حزم في «المحلى» «٣/ ٢١٦ - ٢١٧»: «فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك». وإسناده صحيح، رغم أنف المكابرين من الجمهوريين والمتبعين لأهوائهم، وقد صححه ابن حزم والحاكم والذهبي والمنذري والعراقي؛ كما حققته في «آداب الزفاف» «ص ١٧ - ٣٠ - ط. عمان»، ثم رأيت ابن القطان في «الوهم والإيهام» «١/ ٢٧٨/ ٢» قد مال إلى تصحيحه أيضًا. وقوله: «وهو ما يغطي به الرأس»: كذا في «النهاية» لابن الأثير، و «تفسير الحافظ ابن كثير»، و «فتح القدير» للشوكاني، وغيرهم من أهل العلم والمعرفة باللغة العربية وآدابها، وقال الحافظ في «الفتح» «٨/ ٤٩٠»: «والخمار للمرأة كالعمامة للرجل». وهو أمر لا نعلم فيه خلافًا، ولا ينافيه ما جاء في ترجمة القاضي أبي علي التنوخي أنه أنشد:

стр. 6513

قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المذهب نور الخمار ونور خدك تحته ... عجبًا لوجهك كيف لم يتلهب فقد وصفها بأن خمارها كان على وجهها أيضًا. فأقول: لا ينافي هذا ما ذكرنا من معنى الخمار؛ لأنه لا يلزم من تغطية الوجه به أحيانًا، أن ذلك من لوازمه عادة، كلا، ألا ترى أن النبي ﷺ لما حمل صفية وراءه جعل رداءه على ظهرها وجهها كما يأتي «ص ٩٤». وأن عائشة قالت في قصة الإفك: «فخمرت وجهي بجلبابي» كما سيأتي «ص ١٠٦»، فهل يمكن أن يؤخذ من ذلك أن الرداء والجلباب ثوبان يغطيان الوجه عادة؟ ! فكذلك وصف الشاعر للمليحة بما سبق لا يمكن أن يؤخذ منه تعريف الخمار وأنه ما يغطى به الرأس والوجه معًا! غاية ما يقال أنه قد يغطى به الوجه، كما قد يغطى بأي شيء آخر من الثياب كالرداء والجلباب والبردة وغيرها. وهذا كله يقال على افتراض أن وصف الشاعر للمليحة كان وصفًا حقيقيًّا. وغالب الظن أنه وصف شعري خيالي، فلا يمكن حينئذ أن يؤخذ منه معنى حقيقي يعتمد عليه. [جلباب المرأة المسلمة ص (٣٩)] إبطال دعوى أن الأدلة السابقة كلها كانت قبل فرضية الجلباب أقول: فإن قيل: إن ما ذكرته واضح جدًّا غير أنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل فرض الجلباب فلا يصح الاستدلال حينئذ إلا بعد إثبات وقوعه بعد الجلباب. وجوابنا عليه من وجهين. الأول: أن الظاهر من الأدلة أنه وقع بعد الجلباب وقد حضرنا في ذلك حديثان: الأول: حديث أم عطية ﵂: أن النبي ﷺ لما أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد قالت أم عطية: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: «لتلبسها أختها من جلبابها». متفق عليه.

стр. 6514

ففيه دليل على أن النساء إنما كن يخرجن إلى العيد في جلابيبهن وعليه فالمرأة السفعاء الخدين كانت متجلببة. ويؤيده الحديث الآتي وهو: الحديث الثاني: حديثها أيضًا قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم عليهن، فرددن السلام فقال: «أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن»، فقلن: مرحبًا برسول الله ﷺ وبرسوله فقال: «تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئًا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين في معروف؟ »، فقلن: نعم فمد عمر يده من خارج الباب، ومددن أيديهن من داخل، ثم قال: «اللهم اشهد»، وأمرنا «وفي رواية: فأمرنا» أن نخرج في العيدين العتق والحيض ونهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا فسألته عن البهتان وعن قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾؟ قال: هي النياحة» (١). ووجه الاستشهاد به: إنما يتبين إذا تذكرنا أن آية بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] إنما نزلت يوم الفتح كما قال مقاتل «الدر» «٦/ ٢٠٩» ونزلت بعد آية الامتحان كما أخرجه ابن مردويه عن جابر «الدر» «٦/ ٢١١» وفي «البخاري» عن المسور أن آية الامتحان نزلت في يوم الحديبية وكان ذلك سنة ست على الصحيح كما قال ابن القيم في «الزاد» وآية الحجاب إنما نزلت سنة ثلاثة وقيل: خمس حين بنى ﷺ بزينب بنت جحش كما في ترجمتها من «الإصابة».

стр. 6515

فثبت من ذلك أن أمر النساء بالخروج إلى العيد إنما كان بعد فرض الجلباب، ويؤيده أن في حديث عمر أنه لم يدخل على النساء وإنما بايعهن من وراء الباب وفي هذه القصة أبلغهن أمر النبي ﷺ النساء بأن يخرجن للعيد وكان ذلك في السنة السادسة عقب رجوعه ﷺ من الحديبية بعد نزول آية الامتحان والبيعة كما تقدم وبهذا تعلم معنى قول أم عطية في أول حديثها الثاني: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة» أي: من الحديبية ولا تعني قدومه إليها من مكة مهاجرًا كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. فتأمل. الوجه الآخر: إذا فرضنا عجزنا عن إثبات ما ذكرنا فإن مما لا شك فيه عند العلماء أن إقراره ﷺ المرأة على كشف وجهها أمام الرجال دليل على الجواز وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الأصل بقاء كل حكم على ما كان عليه حتى يأتي ما يدل على نسخه ورفعه ونحن ندعي أنه لم يأت شيء من ذلك هنا بل جاء ما يؤيد بقاءه واستمراره كما سترى فمن ادعى خلاف ذلك فهو الذي عليه أن يأتي بالدليل الناسخ وهيهات هيهات. على أننا قد أثبتنا فيما تقدم من حديث الخثعمية أن الحادثة كانت في حجة النبي ﷺ وهي كانت بعد فرض الجلباب يقينًا وما أجابوا عنها تقدم إبطاله بما لا يبقي شبهة. ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية [النور: ٣٠ - ٣١] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئًا مكشوفًا يمكن النظر إليه فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير الوجه والكفين. ومثلها قوله ﷺ : «إياكم والجلوس بالطرقات، فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». [متفق عليه].

стр. 6516

وقوله: «يا علي! لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» [حسن لغيره] .. وعن جرير بن عبد الله قال: «سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني ﷺ أن أصرف بصري» [أخرجه مسلم]. هذا؛ وقد ذكر القرطبي «١٢/ ٢٣٠» وغيره في سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. «أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بلَيِّ الخمار على الجيوب». وعن عائشة ﵂ قالت: «يرحم الله نساء المهاجرين الأُوَل لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها «وفي رواية: أخذن أُزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها». أخرجه البخاري «٢/ ١٨٢ و ٨/ ٣٩٧»، وأبو داود، واستدرك الحاكم «٤/ ١٩٤» الرواية الثانية على الشيخين، فوهم في استدراكه على البخاري، ورواه ابن أبي حاتم بلفظ أكمل بسنده عن صفية بنت شيبة، قال: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، وأشد تصديقًا لكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل، فقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ [يصلين الصبح] معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. وذكره ابن كثير، والحافظ في «الفتح» «٨/ ٤٩٠» والزيادة منه، وفي سنده

стр. 6517

الزنجي بن خالد، واسمه مسلم، وفيه ضعف، لكنه قد توبع عند ابن مردويه في «تفسيره» كما في «تخريج الكشاف» للزيلعي «ص ٤٣٥ - مخطوط». والحديث كالنص على أنهن قمن وراءه ﷺ كاشفات الوجوه؛ لأن الاعتجار بمعنى الاختمار ففي «الصحاح»: «والمعجر: ما تشده المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة». وعن الحارث بن الحارث الغامدي قال: «[قلت لأبي ونحن بمنى: ] ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا «وفي رواية: فتشرفنا» فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه [قوله] ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها [تبكي] تحمل قدحًا [فيه ماء] ومنديلًا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه [إليها] فقال: «يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك [غلبة ولا ذلا]»، قلت: من هذه؟ قالوا: [هذه] زينب بنته» [صحيح]. ثم إن قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضًا. وإلا لاستطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة «وهي الخلاخيل» ولاستغنيت بذلك عن الضرب بالرجل ولكنها كانت لا تستطيع ذلك، لأنه مخالفة للشرع مكشوفة ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرجل لتعلم الرجال ما تخفي من الزينة فنهاهن الله تعالى عن ذلك وبناء على ما أوضحنا قال ابن حزم في «المحلى» «٣/ ٢١٦»: «هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه». ويشهد لهذا من السنة حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرًا» [أي: من نصف الساقين، وقيل: من الكعبين]، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: «فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه».

стр. 6518

أخرجه الترمذي «٣/ ٤٧» وقال: «هذا حديث حسن صحيح». وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار؛ لأنه يكون أستر لهن وقال البيهقي: «وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها». وعلى هذا جرى العمل من النساء في عهده ﷺ وما بعده وترتب عليه بعض المسائل الشرعية فقد أخرج مالك وغيره عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ قالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ : «يطهره ما بعده». وعن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: «قلت: يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: «أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ »، قالت: قلت: بلى، قال: «فهذه بهذه» [صحيح]. ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأولين على أهل الذمة أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن لكي لا يتشبهن بالمسلمات كما جاء في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» «ص ٥٩». ثم إن الله تعالى بعد أن بين في الآية السابقة -آية النور- ما يجب على المرأة أن تخفي من زينتها أمام الأجانب ومن يجوز أن تظهرها أمامهم أمرها في الآية الأخرى إذا خرجت من دارها أن تلتحف فوق ثيابها وخمارها بالجلباب أو الملاءة؛ لأنه أستر لها وأشرف لسيرتها وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]. ولما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية [صحيح]. «والغربان»: جمع غراب شبهت الأكسية في سوادها بالغربان. والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال.

стр. 6519

وقد قيل في تفسيره سبعة أقوال أوردها الحافظ في «الفتح» «١/ ٣٣٦»؛ وهذا أحدها، وبه جزم البغوي في «تفسيره» «٣/ ٥٤٤»، فقال: «هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار». وقال ابن حزم «٣/ ٢١٧»: «والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه». وصححه القرطبي في «تفسيره»، وقال ابن كثير «٣/ ٥١٨». «هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم». قلت: ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما. وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق [جمع العاتق، وهي الشابة أول ما تدرك]، والحيَّض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: «لتلبسها أختها من جلبابها». قال الشيخ أنور الكشميري في «فيض الباري» «١/ ٣٨٨» تعليقًا على هذا الحديث: «وعلم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب». والجلباب رداء ساتر من القرن إلى القدم. وقد مر مني أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج وبه شرحت الآيتين في الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والثانية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]». وقال في المكان الذي أشار إليه «١/ ٢٥٦» بعد أن فسر الجلباب والخمار بنحو ما تقدم: «فإن قلت: إن إدناء الجلباب يغني عن ضرب الخمر على جيوبهن قلت: بل إدناء الجلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة وضرب الخمر في عامة الأحوال فضرب الخمر محتاج إليه».

стр. 6520

قلت: وتقييده الخمر بالبيوت فيه نظر؛ لأنه خلاف الظاهر من الآية الأولى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾. .. ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فإن النهي عن الضرب بالأرجل قرينة واضحة على أن الأمر بضرب الخمر خارج الدار أيضًا وكذلك قوله في صدر الآية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ .. . الآية [النور: ٣١] فالحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر وتلبس الجلباب على الخمار؛ لأنه كما قلنا سابقًا أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها وهذا أمر يطلبه الشارع كما سيأتي بيانه عند الكلام على «الشرط الرابع» والذي ذكرته هو الذي فسر به بعض السلف آية الإدناء ففي «الدر» «٥/ ٢٢٢». «وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ قال: يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها». واعلم أن هذا الجمع بين الخمار والجلباب من المرأة إذا خرجت قد أخل به جماهير النساء المسلمات فإن الواقع منهن إما الجلباب وحده على رءوسهن أو الخمار وقد يكون غير سابغ في بعضهن كالذي يسمى اليوم بـ «الإشارب» بحيث ينكشف منهن بعض ما حرم الله عليهن أن يظهرن من زينتهن الباطنة كشعر الناصية أو الرقبة مثلًا. وإن مما يؤكد وجوب هذا الجمع حديث ابن عباس: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية واستثنى من ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية. وتمام الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]. وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: «أن يضعن من ثيابهن»؛ قال: الجلباب. وكذا قال ابن مسعود [سنده جيد].

стр. 6521

قلت: فهذا نص في وجوب وضع الجلباب على الخمار على جميع النساء إلا القواعد منهن «وهن اللاتي لا يطمع فيهن لكبرهن» فيجوز لهن أن لا يضعن الحجاب على رؤوسهن. أفما آن للنساء الصالحات حيثما كن أن يتنبهن من غفلتهن ويتقين الله في أنفسهن ويضعن الجلابيب على خمرهن؟ ! ومن الغريب حقًّا أن لا يتعرض لبيان هذا الحكم الصريح في الكتاب والسنة كل الذين كتبوا اليوم -فيما علمت- عن لباس المرأة مع توسع بعضهم على الأقل في الكلام على أن وجه المرأة عورة مع كون ذلك مما اختلف فيه والصواب خلافه كما تراه مفصلًا في هذا الكتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ثم إن قوله: «والجلابيب عند الخروج» لا مفهوم له إذ إن الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب فسواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها فلا بد على كل حال من أن تتجلبب ويؤيد هذا ما قاله قيس بن زيد: «إن رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر. .. فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها، فتجلببت، فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل أتاني فقال لي: أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" [حسن لغيره]. هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم قي ذلك ابن جرير في «تفسيره» والسيوطي في «الدر المنثور» ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا فنكتفي بالإشارة إليها ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما ١. ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:

стр. 6522

الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين. الآخر: أن السنة تبين القرآن فتخصص عمومه وتقيد مطلقه وقد دلت النصوص الكثيرة منها ١ على أن الوجه لا يجب ستره فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها وتقييدها بها. فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في «البداية» «١/ ٨٩» ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في «المجموع» «٣/ ١٦٩» وحكاه الطحاوي في «شرح المعاني» «٢/ ٩» عن صاحِبَي أبي حنيفة أيضًا، وجزم في «المهمات» من كتب الشافعية أنه الصواب كما ذكره الشيخ الشربيني في «الإقناع» «٢/ ١١٠». [جلباب المرأة المسلمة ص (٧٤)] تقييد جواز كشف الوجه والكفين فيما إذا لم يكن على الوجه والكفين شئ من الزينة لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وإلا وجب ستر ذلك ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم -بل عاقل ذو غيرة- في تحريمه وليس من ذلك الكحل والخضاب لاستثنائهما في الآية كما تقدم. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد «٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩» من طريق سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأة عن أخت حذيفة وكان له أخوات قد أدركن النبي ﷺ قالت: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر النساء أليس لكن في الفضة ما تحلين؟ أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به»، قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: قد أدركتهن وإن

стр. 6523

إحداهن لتتخذ لكمها زرًّا تواري خاتمها. وليس استشهادي في هذه الرواية بالحديث المرفوع وإن كان صريحًا في ذلك؛ لأن في إسناده المرأة التي لم تسم- وإنما هو بقول مجاهد: «تواري خاتمها» فهو نص صريح فيما ذكرت والحمد لله على توفيقه. ثم رأيت قول مجاهد بسند آخر صحيح عنه في «مسند أبي يعلى» «٦٩٨٩». [جلباب المرأة المسلمة ص (٨٩)] الحكمة من الأمر بإدناء الحجاب هذا وقد أبان الله تعالى عن حكمة الأمر بإدناء الجلباب بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] يعني أن المرأة إذا التحفت بالجلباب عرفت بأنها من العفائف المحصنات الطيبات فلا يؤذيهن الفساق بما لا يليق من الكلام بخلاف ما لو خرجت متبذلة غير مستترة فإن هذا مما يطمع الفساق فيها والتحرش بها، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر. فأمر الله تعالى نساء المؤمنين جميعًا بالحجاب سدًّا للذريعة. وأما ما أخرجه ابن سعد «٨/ ١٧٦»: أخبرنا محمد بن عمر عن ابن أبي سبرة عن أبي صخر عن ابن كعب القرظي قال: «كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له؟ قال: كنت أحسبها أمة فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن». فلا يصح بل هو ضعيف جدًّا لأمور: الأول: أن ابن كعب القرظي -واسمه محمد- تابعي لم يدرك عصر النبوة فهو مرسل. الثاني: أن ابن أبي سبرة وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة ضعيف

стр. 6524

جدًّا قال الحافظ في «التقريب»: «رموه بالوضع». والثالث: ضعف محمد بن عمر وهو الواقدي وهو مشهور بذلك عند المحدثين بل هو متهم. وفي معنى هذه الرواية روايات أخرى أوردها السيوطي في «الدر المنثور» وبعضها عند ابن جرير وغيره وكلها مرسلة لا تصح؛ لأن منتهاها إلى أبي مالك وأبي صالح والكلبي ومعاوية بن قرة والحسن البصري ولم يأت شيء منها مسندًا فلا يحتج بها ولا سيما أن ظاهرها مما لا تقبله الشريعة المطهرة ولا العقول النيرة؛ لأنها توهم أن الله تعالى أقر إماء المسلمين -وفيهن مسلمات قطعًا- على حالهن من ترك التستر ولم يأمرهن بالجلباب ليدفعن به إيذاء المنافقين لهن. ومن العجائب أن يغتر بعض المفسرين بهذه الروايات الضعيفة فيذهبوا بسببها إلى تقييد قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] بالحرائر دون الإماء وبنوا على ذلك أنه لا يجب على الأمة ما يجب على الحرة من ستر الرأس والشعر بل بالغ بعض المذاهب فذكر أن عورتها مثل عورة الرجل: من السرة إلى الركبة وقالوا: «فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها» (١). وهذا -مع أنه لا دليل عليه من كتاب أو سنة- مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فإنه من حيث العموم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ... ﴾ الآية [النساء: ٤٣] ولهذا قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره: «البحر المحيط» «٧/ ٢٥٠»: «والظاهر أن قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر؛ لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر؛ فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح».

стр. 6525

وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن القطان في «أحكام النظر» «ق ٢٤/ ٢» وغيره. وما أحسن ما قال ابن حزم في «المحلى» «٣/ ٢١٨ - ٢١٩»: «وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة كل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شيء فيوقف عنده». قال: «وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾؛ إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك؛ لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق، فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن». ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم أو وهلة فاضل عاقل أو افتراء كاذب فاسق؛ لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة، ولا فرق وأن تعرض الحرة في التحريم، كتعرض الأمة ولا فرق ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله ﷺ إلا بأن يسنده إليه ﵇». ولا يعارض ما تقدم حديث أنس: «أن النبي ﷺ لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي قال الصحابة: ما ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ فقالوا: إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما أراد أن يركب حجبها حتى قعدت على عجز البعير فعرفوا أنه تزوجها» «وفي رواية: وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه». نقول: لا مخالفة بين هذا الحديث وبين ما اخترناه من تفسير الآية؛ لأنه ليس فيه نفي الجلباب وإنما فيه نفي «الحجاب» ولا يلزم منه نفي الجلباب مطلقًا إلا احتمالًا ويحتمل أن يكون المنفي الجلباب الذي يتضمن حجب الوجه أيضًا، كما هو

стр. 6526

صريح قوله في الحديث نفسه: «وجعل رداءه على ظهرها ووجهها»، ويقوي هذا الاحتمال أيضًا ما سيأتي بيانه، فهذه الخصوصية هي التي كان بها يعرف الصحابة حرائره ﵇ من إمائه، وهي المراد من قولهم المتقدم سلبًا وإيجابًا: «إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد». فيتضح من هذا أن معنى قولهم: «وإن لم يحجبها» أي: في وجهها فلا ينفي حجب سائر البدن من الأمة وفيه الرأس فضلًا عن الصدر والعنق فاتفق الحديث مع الآية والحمد لله على توفيقه. والخلاصة: أنه يجب على النساء جميعًا أن يتسترن إذا خرجن من بيوتهن بالجلابيب لا فرق في ذلك بين الحرائر والإماء ويجوز لهن الكشف عن الوجه والكفين فقط لجريان العمل بذلك في عهد النبي ﷺ مع إقراره إياهن على ذلك. [جلباب المرأة المسلمة ص (٩٠)] الآثار التي تدل على جريان كشف الوجه واليدين للنساء بعد النبي ﷺ - ومن المفيد هنا أن نستدرك ما فاتنا في الطبعات السابقة من الآثار السلفية التي تنص على جريان العمل بذلك أيضًا بعد النبي ﷺ فأقول: ١ - عن قيس بن أبي حازم قال: «دخلت أنا وأبي على أبي بكر ﵁ وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء بنت عميس تذب عنه وهي [امرأة بيضاء] موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر». [إسناده صحيح]. ٢ - عن أبي السليل قال: جاءت ابنة أبي ذر وعليها مِجْنَبَتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها، فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت: يا أبتاه! زعم الحراثون والزراعون أن أفلُسَك هذه بهرجة فقال: يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما

стр. 6527

يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه. [إسناده جيد في الشواهد]. ٣ - عن عمران بن حصين قال: كنت مع رسول الله ﷺ قاعدًا إذ أقبلت فاطمة -رحمها الله- فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها فقال: ادني يا فاطمة فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال: «اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضيعة لا تجع فاطمة بنت محمد ﷺ ». قال عمران: فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم. [إسناده لا بأس به في الشواهد]. قال عمران: فلقيتها بعد فسألتها؟ فقالت: ما جعت بعد يا عمران! ٤ - عن قبيصة بن جابر قال: «كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود [في بيته] في ثلاث نفر فرأى جبينها يبرق فقال: أتحلقينه؟ فغضبت وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك قال: فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لعن الله الواشمات والمستوشمات .... » إلخ. [سنده حسن]. ٥ - عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر [الغفاري ﵁] وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مُسغِبة. .. قال: فقال: «ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء. .. ». [سنده صحيح]. ٦ - وفي «تاريخ ابن عساكر» «١٩/ ٧٣/ ٢» وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه «أسماء بنت أبي بكر» جاءت مسفرة الوجه متبسمة. ٧ - عن أنس قال: دخلَتْ على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها: عتقت؟ قالت: لا. قال: فما

стр. 6528

بال الجلباب؟ ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب رأسها حتى ألقته عن رأسها. ووجه الاستدلال بهذا الأثر أن عمر ﵁ عرف هذه الأمة مع أنها كانت متقنعة بالجلباب؛ أي: متغطية به، وذلك يعني بكل وضوح أن وجهها كان ظاهرًا، وإلا لم يعرفها. وإذ الأمر كذلك؛ فقوله ﵁: «إنما الجلباب على الحرائر»؛ دليل واضح جدًّا أن الجلباب ليس من شرطه عند عمر أن يعطي الوجه، فلو أن النساء -كل النساء- كن في العهد الأول يسترن وجوههن بالجلابيب ما قال عمر ﵁ ما قال. فليضم إذن هذا الأثر إلى الآثار المتقدمة عن ابنه عبد الله وابن عباس وعائشة ﵃ أن الوجه ليس بعورة. ٨ - عن عمر بن محمد أن أباه حدثه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وأباها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طُوِّقه في سبع أرضين يوم القيامة». اللهمَّ إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها واجعل قبرها في دارها. قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد. فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها. قلت: هذا الأثر يرد على القائلين بأن وجه المرأة عورة، ولا يجوز كشف شيء منها! إلا أن قالوا: إن أجمل ما في المرأة عيناها، وما دام أنها قد عميت؛ فقد ذهب جمالها، وبالتالي لم يبقَ مجال لافتتان الرجال بها! قلنا: وهذا مع كونه يخالف طريق استدلالهم بحديث: «أفعمياوان أنتما؟ » -وهو ضعيف عندنا- فلماذا إذن أبحتم لغير العميان أن تستر وجهها بالنقاب وهو يكشف عن أجمل ما فيها؟ ! .

стр. 6529

٩ - عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت عائشة ﵂ تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا. [إسناده صحيح]. ١٠ - عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: أرسلني علي بن الحسين إلى الرُّبَيِّع بنت معوذ أسألها عن وضوء رسول الله ﷺ وكان يتوضأ عندها فأتيتها فأخرجت إلَيَّ إناء يكون مدًّا. .. فقالت: بهذا كنت أخرج لرسول الله ﷺ للوضوء. .. الحديث. [صحيح]. ١١ - عن عروة بن عبد الله بن قشير: أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب قال: فرأيت في يديها مسكًا غلاظًا في كل يد اثنين اثنين. قال: ورأيت في يدها خاتمًا. .. إلخ. [إسناده صحيح]. ١٢ - وعن عيسى بن عثمان قال: كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادًا فسفت في وجهه. [إسناده جيد]. ١٣ - وعن يحيى بن أبي سليم قال: رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي ﷺ عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. [سنده جيد]. ١٤ - عن ميمون -هو ابن مهران- قال: دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها. قال: وكان فيه قصر فوصلته بسير. قال: وما دخلت في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية. [إسناده صحيح]. ١٥ - عن معاوية ﵁: دخلت مع أبي على أبي بكر-﵁ فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر-﵁ أبيض نحيفًا. [سنده جيد في الشواهد]. ١٦ - عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: «جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها فسأل الرجل فأنكر ذلك وكتب فيه إلى معاوية ﵁ قال: فكتب: أن زوجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين. .. قال: ففعل. .. قال:

стр. 6530

وجاءت المرأة متقنعة. .. ». كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك؛ لأن التقنع هو ستر المرأة لرأسها دون وجهها؛ كما شرحته في مقدمة هذه الطبعة؛ فهو من الأدلة الكثيرة التي لا ترضي المتعصبين لمذاهبهم والمتشددين في أقوالهم، والله أعلم بسلوكهم مع نسائهم، ولذلك نقلت هذا الأثر إلى هنا. [جلباب المرأة المسلمة ص (٩٦)] مشروعية ستر الوجه هذا ثم إن كثيرًا من المشايخ اليوم يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه بل يحرم وفيما تقدم في هذا البحث كفاية في الرد عليهم، ويقابل هؤلاء طائفة أخرى يرون أن ستره بدعة وتنطع في الدين، كما قد بلغنا عن بعض من يتمسك بما ثبت في السنة في بعض البلاد اللبنانية، فإلى هؤلاء الإخوان وغيرهم نسوق الكلمة التالية: ليعلم أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وقد كان ذلك معهودًا في زمنه ﷺ كما يشير إليه ﷺ بقوله: «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين». رواه البخاري «٤/ ٤٢»، والنسائي «٢/ ٩ و ١٠»، والبيهقي «٥/ ٤٦ - ٤٧»، وأحمد «رقم ٦٠٠٣» عن ابن عمرو مرفوعًا. و«القفاز» ما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها والساعد أحيانًا من البرد، أو عند معاناة الشيء كغزل ونحوه، وهو لليد كالخف أو الجورب للرجل. و«النقاب» الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «تفسير سورة النور» «ص ٥٦»: «وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر

стр. 6531

وجوههن وأيديهن». والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي ﷺ كن يحتجبن حتى في وجوههن وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول: ١ - عن عائشة قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق -هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم- فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: «إنه أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن». أخرجه البخاري «٨/ ٤٣٠ - ٤٣١»، ومسلم «٧/ ٦ - ٧»، وابن سعد «٨/ ١٢٥ - ١٢٦»، وابن جرير «٢٢/ ٢٥»، والبيهقي «٧/ ٨٨»، وأحمد «٦/ ٥٦». قوله: «ضرب الحجاب»: تعني حجاب أشخاص نسائه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، وهذه الآية مما وافق تنزيلها قول عمر ﵁ كما روى البخاري «٨/ ٤٢٨» وغيره عن أنس قال: قال عمر ﵁: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. وفي الحديث دلالة على أن عمر ﵁ إنما عرف سودة من جسمها، فدل على أنها كانت مستورة الوجه، وقد ذكرت عائشة أنها كانت ﵂ تعرف بجسامتها، فلذلك رغب عمر ﵁ أن لا تعرف من شخصها، وذلك بأن لا تخرج من بيتها، ولكن الشارع الحكيم لم يوافقه هذه المرة لما في ذلك من الحرج.

стр. 6532

قال الحافظ ﵀ في شرحه للحديث المذكور: «إن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ﵊: «احجب نساءك»، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لجاجتهن؛ دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج». وقال القاضي عياض: «فرض الحجاب مما اختصصن به «أي: أمهات المؤمنين»، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات؛ إلا ما دعت إليه ضرورة من براز». قال الحافظ «٨/ ٥٣٠»: «ثم استدل بما في «الموطأ» أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها، انتهى. وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في «الحج» قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: «أقبل الحجاب أو بعده؟ » قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب». ٢ - وعنها أيضًا في حديث قصة الإفك قالت: «فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرتُ -وفي رواية: فسترتُ- وجهي عنه بجلبابي»، الحديث. [متفق عليه]. ٣ - عن أنس في قصة غزوة خيبر واصطفائه ﷺ صفية لنفسه قال: «فخرج

стр. 6533

رسول الله ﷺ من خيبر ولم يُعَرِّس بها، فلما قرب البعير لرسول الله ليخرج وضع رسول الله ﷺ رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت، ووضعت ركبتها على فخذه وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه، وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها، وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه». [صحيح]. ٤ - عن عائشة قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه». [حسن في الشواهد]. ٥ - عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام». والمراد بـ «نغطي»؛ أي: نسدل؛ كما في الحديث الذي قبله. ٦ - عن صفية بنت شيبة قالت: «رأيت عائشة طافت بالبيت وهي منتقبة». [إسناد رجاله ثقات غير أن فيه ابن جريج وهو مدلس وقد عنعنه]. ٧ - عن عبد الله بن عمر قال: «لما اجتلى النبي ﷺ صفية رأى عائشة منتقبة وسط الناس فعرفها». [جيد بشواهده]. ٨ - عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: «أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال: كان عثمان ينادي: ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد». ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفًا في عهده ﷺ وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن وإليك مثالين على ذلك:

стр. 6534

١ - عن عاصم الأحول قال: «كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ -هو الجلباب- قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب». قوله تعالى: ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾: اختلفت أقوال المفسرين في المراد من هذه الكلمة. فالأكثرون على أنه «الجلباب»؛ كما قالت حفصة هذه. ورواه ابن جرير «١٨/ ١١٤» عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من التابعين، وصححه القرطبي. وقال جابر بن زيد «وهو ثقة مات سنة ٩٣ هـ»: إنه «الخمار». رواه ابن جرير، وأبو بكر الجصاص «٣/ ٤١١»، ولعل مستنده ما في «القرطبي»: «والعرب تقول: امرأة واضع؛ للتي كبرت، فوضعت خمارها». ويؤيده أن هذه الآية ذكرها الله في سورة النور بعد آية أمر النساء بالخمر المتقدمة، وهي مطلقة، فكأن الله تعالى أراد تقييدها، فأورد هذه في السورة ذاتها. والله أعلم. ثم رأيت ابن عباس ﵄ قد صرح بهذا المعنى، وأن آية «القواعد» مستثناة من آية «الخمر». رواه أبو داود «٤١١١»، والبيهقي «٧/ ٩٣» بسند حسن عنه. فالظاهر أن جابر بن زيد تلقى ذلك عن ابن عباس؛ فإنه ﵀ من المكثرين عنه، ولعل هذا هو الأليق بلفظ: «ثيابهن»؛ فإنه جمع، وقد رأيت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ قد تنبه لهذا، فقال في «تفسيره» «٥/ ٤٤٥»، فقال: «أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾». وسبقه إلى هذا الحافظ أبو الحسن بن القطان في «النظر إلى أحكام النظر».

стр. 6535

٢ - عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال: حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري، سنة ست وثمانين ومائتين، وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا فأنكر فقال القاضي: شهودك. قال: قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته، فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي. فقال الزوج: تفعلون ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج: وإني أشهد القاضي أن لها عليَّ هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها. فردت المرأة -وأخبرت بما كان من زوجها- فقالت: فإني أشهد القاضي: أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة. فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق. فيستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود وإن كان لا يجب ذلك عليها بل من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. ومما تقدم بيانه يتضح ثبوت الشرط الأول في لباس المرأة إذا خرجت ألا وهو أن يستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها. [جلباب المرأة المسلمة ص (١٠٤)] خطورة جلب الخادمات الكافرات في البيوت من الخطورة بمكان ما ابتلي به كثير من أغنياء المسلمين اليوم من استخدامهم النساء الكافرات في بيوتهم؛ لأنه لا يخلو الأمر من أن يقع الزوجان أو أحدهما في

стр. 6536

الفتنة والمخالفة للشريعة! أما الزوج فواضح؛ لأنه يخشى أن يزني بها وبخاصة أنه لا عفة عندهن بحكم كونهن كافرات لا يحرمن ولا يحللن كما صرح بذلك القرآن الكريم بحق أهل الكتاب، فكيف يكون حال الوثنيات «كالسيريلانكيات» اللاتي لا كتاب لهن؟ ! وأما بالنسبة للزوجة فمن الصعب جدًّا على أكثر مسلمات هذا الزمان، زوجات وبنات بالغات أن يحتجبن من تلك الخادمات كما تحتجب من الرجال إلا من عصم الله وقليل ما هن. ولو أننا فرضنا سلامة الزوجين من الفتنة فلن يسلم أولادهما من التأثر بأخلاقهن وعاداتهن المخالفة لشريعتنا هذا إذا لم يقصدن إفساد تربيتهم وتشكيكهم في دينهم كما سمعنا بذلك عن بعضهن. هذا ولقد بلغني عن أحد المفتين -والعهدة على الراوي- أنه سئل عن استخدامهن، فأجاب بالجواز؛ لأنهن عنده بمنزلة السبايا والجواري اللاتي استحلت شرعًا بملك اليمين، فأخشى ما أخشاه أن يصل الأمر بمثل هذا المفتي أن يستحل أيضًا وطأهن قياسًا على ملك اليمين وبخاصة أن هناك من أسقط الحد عمن زنى بخادمته -ولو كانت مسلمة- بشبهة استئجاره إياها! ! قال ذلك بعض الآرائيين القدامى، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا ما أردت بيانه للناس حول هذه المسألة لعل الله ينفع بها من قد يكون غافلًا عنها وينفع من كان معرضًا عن العمل بها وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق. [جلباب المرأة المسلمة ص (١١٦)] الشرط الثاني من شروط الجلباب: (أن لا يكون زينة في نفسه) لقوله تعالى في الآية المتقدمة من سورة النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فإنه

стр. 6537

بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها، ويشهد لذلك قوله تعالى في [الأحزاب: ٣٣]: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾. وقوله ﷺ : «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيًا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم». قوله: «لا تسأل عنهم» يعني لأنهم من الهالكين. و«التبرج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل». والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة، فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في «كتاب الكبائر» «ص ١٣١»: «ومن الأفعال التي تُلْعَن عليها المرأة إظهار الزينة، والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت، ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه، ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء قال عنهن النبي ﷺ : «اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء». قلت: وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عمران بن حصين وغيره وزاد أحمد وغيره من حديث ابن عمرو مرفوعًا: «والأغنياء». وهذه الزيادة منكرة كما حققته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» برقم «٢٨٠٠» من المجلد السادس يسر الله طباعته. قلت: ولقد بالغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة وغيرها من المحرمات، وذلك حين بايع النبي ﷺ النساء على أن

стр. 6538

لا يفعلن ذلك، فقال عبد الله بن عمرو ﵁: «جاءت أميمة بنت رُقَيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى». [سنده حسن]. [جلباب المرأة المسلمة ص (١١٩)] جواز كون الجلباب ملونًا ولو بغير البياض والسواد واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونًا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء الملتزمات وذلك لأمرين: الأول: قوله ﷺ : «طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه». وهو مخرج في «مختصر الشمائل» «١٨٨». والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك، وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في «المصنف» «٨/ ٣٧١ - ٣٧٢»: ١ - عن إبراهيم -وهوالنخعي: أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر. ٢ - عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعًا وملحفة مصبغتين بالعصفر. ٣ - عن القاسم -وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. وفي رواية عن القاسم: أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي مُحْرِمَة. ٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر، أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي

стр. 6539

محرمة. ٥ - عن سعيد بن جبير، أنه رأى بعض أزواج النبي ﷺ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة. [جلباب المرأة المسلمة ص (١٢٢)] الشرط الثالث من شروط الجلباب (أن يكون صفيقًا لا يشف) الشرط الثالث: «أن يكون صفيقًا لا يشف» لأن الستر لا يتحقق إلا به وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة وفي ذلك يقول ﷺ : «سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات». زاد في حديث آخر: «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا». قال ابن عبد البر: «أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة». وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: «رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها فشقته عائشة عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها». [جيد في الشواهد]. وعن هشام بن عروة: «أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية رقاق عتاق بعدما كف بصرها، قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أف ردوا عليه كسوته قال: فشق ذلك عليه وقال: يا أمه إنه لا يشف. قالت إنها إن لم تشف فإنها تصف». مروية: ثياب مشهورة بالعراق، منسوبة إلى «مرو» قرية بالكوفة. وقوهية: من

стр. 6540

نسيج «قوهستان» ناحية بخراسان كما في «الأنساب» للسمعاني. وعن عبد الله بن أبي سلمة: «أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي، ثم قال: لا تَدَّرِعها نساؤكم فقال رجل: يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يكن يشف فإنه يصف». «القباطي» جمع «القبطية»، قال في «النهاية»: «هي الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وكأنه منسوب إلى القبط، وهم أهل مصر، وضم القاف من تغيير النسب، وهذا في الثياب، فأما في الناس فقبطي بالكسر». وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز وأن الذي يشف شر من الذي يصف ولذلك قالت عائشة ﵂: «إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر». «صحيح» وقالت شميسة: «دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار ونقبة قد لونت بشيء من عصفر». من أجل ذلك كله قال العلماء: ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. .. من ثوب صفيق أو جلد أو رق، فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل بذلك. وقد عقد ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» «١/ ١٢٧» بابًا خاصًّا في لبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصف بشرتها وأنه من الكبائر ثم ساق فيه الحديث المتقدم «ص ١٢٥» ثم قال: «وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد ولم أر من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال». قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس. [جلباب المرأة المسلمة ص (١٢٥)]

стр. 6541

الشرط الرابع من شروط الجلباب: (أن يكون فضفاضًا غير ضيق فيصف شيئًا من جسمها) الشرط الرابع: «أن يكون فضفاضًا غير ضيق فيصف شيئًا من جسمها» لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه ويصوره في أعين الرجال وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى فوجب أن يكون واسعًا وقد قال أسامة بن زيد: «كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: «مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها». فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة -وهي شعار يلبس تحت الثوب- ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول ولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث «٢/ ٩٧» ما نصه: «والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط ساتر العورة وإنما أمر بالثوب تحته؛ لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها». وهو كما ترى قد حمل الحديث على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة فهو على هذا يصلح أن يورد في الشرط السابق ولكن هذا الحمل غير متجه عندي بل هو وارد على الثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها ولو كانت غير رقيقة وشفافة وذلك واضح من الحديث لأمرين: الأول: أنه قد صرح فيه بأن القبطية كانت كثيفة أي: ثخينة غليظة فمثله كيف يصف البشرة ولا يسترها عن رؤية الناظر؟ ولعل الشوكاني ﵀ ذهل عن هذا القيد «كثيفة» في الحديث ففسر القبطية بما هو الأصل فيها. الثاني: أن النبي ﷺ قد صرح فيه بالمحذور الذي خشيه من هذه القبطية فقال:

стр. 6542

«إني أخاف أن تصف حجم عظامها». فهذا نص في أن المحذور إنما هو وصف الحجم لا اللون. فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت وكانت القبطية ثخينة فما فائدة الغلالة؟ قلت: فائدتها دفع ذلك المحذور؛ لأن الثوب قد يصف الجسم ولو كان ثخينًا إذا كان من طبيعته الليونة والانثناء على الجسد كبعض الثياب الحريرية والجوخ المعروفة في هذا العصر فأمر ﷺ بالشعار من أجل ذلك. والله تعالى أعلم. وقد أغرب الشافعية فقالوا: «أما لو ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالًا ضيقًا». قالوا: «ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها ولا يتبين حجم أعضائها» ١. والقول بالاستحباب فقط ينافي ظاهر الأمر فإنه للوجوب كما تقدم وعبارة الإمام الشافعي ﵁ في «الأم» قريب مما ذهبنا فقد قال: «١/ ٧٨»: «وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة. .. فإن صلى في قميص واحد يصفه ولم يشف كرهت له ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة. .. والمرأة في ذلك أشد حالًا من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها الدرع وأحب إلي أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك وتجافيه عنها لئلا يصفها الدرع». وقد قالت عائشة ﵂: «لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار، وكانت عائشة تحل إزارها فتجلبب به» ١. [إسناده صحيح على شرط مسلم]. وإنما كانت تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها وقولها: «لا بد» دليل على وجوب ذلك وفي معناه قول ابن عمر ﵄: «إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة». [سنده صحيح].

стр. 6543

وهذا يؤيد ما سبق أن ذهبنا إليه من وجوب الجمع بين الخمار والجلباب على المرأة إذا خرجت. «انظر ص ٨٤ - ٨٥». ومما يحسن إيراده هنا استئناسًا ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: «يا أسماء! إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ﷺ ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل. فإذا مت أنا فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحد فلما توفيت غسلها علي وأسماء ﵄». [له شواهد]. فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة التي تصف نهودهن وخصورهن وألياتهن وسوقهن وغير ذلك من أعضائهن ثم ليستغفرن الله تعالى وليتبن إليه وليذكرن قوله ﷺ : «الحياء والإيمان قرنا جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر». [جلباب المرأة المسلمة ص (١٣١)] خطأ ما تفعله بعض الفتيات من الاعتناء بستر أعلى البدن دون أسفله وبهذه المناسبة أقول: إن كثيرًا من الفتيات المؤمنات يبالغن في ستر أعلى البدن -أعني الرأس- فيسترن الشعر والنحر، ثم لا يبالين بما دون ذلك فيلبسن الألبسة الضيقة والقصيرة التي لا تتجاوز نصف الساق! أو يسترن النصف الآخر بالجوارب اللحمية التي تزيده جمالًا، وقد تصلي بعضهن بهذه الهيئة، فهذا لا يجوز، ويجب عليهن أن يبادرن إلى إتمام الستر كما أمر الله تعالى، أسوة بنساء المهاجرين الأول، حين نزل الأمر بضرب الخمر؛ شققن مروطهن فاختمرن بها، ولكننا لا نطالبهن

стр. 6544

بشق شيء من ثيابهن! وإنما بإطالته وتوسيعه حتى يكون ثوبًا سائرًا لجميع ما أمرهن الله بستره. ولقد رأينا كثيرًا من الفتيات المغرورات ببعض من يزعمن أنهن من الداعيات! قد جعلن شعارًا لهن تقصير ثيابهن إلى نصف الساق، مع لبس الجوارب التي تحجم السيقان، مع وضع الخمار «الإيشارب» فقط على رءوسهن؛ دون الجلباب على الخمار كما هو نص القرآن الكريم على ما تقدم بيانه، وهن بذلك لا يشعرن أنهن يحشرن أنفسهن في زمرة من قال الله تعالى فيهم: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، فإلى المخلصات منهن أوجه نصيحتي هذه أن لا يؤثرن على اتباع الكتاب والسنة تقليد حزب أو شيخ، بَلْهَ شيخة! والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. [جلباب المرأة المسلمة ص ١٣٣ في الحاشية]. الشرط الخامس من شروط الجلباب: (أن لا يكون مبخرًا مطيبًا) الشرط الخامس: «أن لا يكون مبخرًا مطيبًا» لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن ونحن نسوق الآن بين يديك ما صح سنده منها: ١ - عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية». ٢ - عن زينب الثقفية أن النبي ﷺ قال: «إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيبًا». ٣ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة».

стр. 6545

٤ - عن موسى بن يسار عن أبي هريرة: «أن امرأة مرت به تعصف ريحها فقال: يا أمة الجبار المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قالت: نعم قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل». ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العموم الذي فيها. فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن يستعمل في الثوب أيضًا لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور فإنه بالثياب أكثر استعمالًا وأخص. وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة وقد ألحق به العلماء ما في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال. وقال ابن دقيق العيد: «وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال». قلت: فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة وأكبر إِثْمًا وقد ذكر الهيتمي في «الزواجر» «٢/ ٣٧» أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر ولو أذن لها زوجها. ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة في الحديث الثالث؛ لأن الفتنة وقتها أشد فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز. وقال ابن الملك: «والأظهر أنها خصت بالنهي؛ لأنها وقت الظلمة وخلو الطريق والعطر يهيج الشهوة، فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة بخلاف الصبح والمغرب فإنهما وقتان فاضحان وقد تقدم أن مس الطيب يمنع المرأة من

стр. 6546

حضور المسجد مطلقًا». [جلباب المرأة المسلمة ص (١/ ١٣٧)] الشرط السادس من شروط الجلباب: (أن لا يشبه لباس الرجل) الشرط السادس: «أن لا يشبه لباس الرجل» لما ورد من الأحاديث الصحيحة في لعن المرأة التي تتشبه بالرجل في اللباس أو غيره. وإليك ما نعلمه منها: ١ - عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل». ٢ - عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال». ٣ - عن ابن عباس قال: «لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: «أخرجوهم من بيوتكم». قال: فأخرج النبي ﷺ فلانًا وأخرج عمر فلانًا». وفي لفظ: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال». ٤ - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث». ٥ - عن ابن أبي مليكة -واسمه عبد الله بن عبيد الله- قال: قيل لعائشة ﵂: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت: «لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء». وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال، وعلى

стр. 6547

العكس وهي عامة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول فهو نص في اللباس وحده وقد قال أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» «ص ٢٦١»: «سمعت أحمد سئل عن الرجل يُلبس جاريته القرطق؟ قال: لا يلبسها من زي الرجال لا يشبهها بالرجال». قال أبو داود: «قلت لأحمد: يلبسها النعل الصرارة؟ قال: لا إلا أن يكون لبسها للوضوء. قلت: للجمال؟ قال: لا. قلت: فيجز شعرها؟ قال: لا». وقد أورد الذهبي تشبه المرأة بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء في «الكبائر» «ص ١٢٩» وأورد بعض الأحاديث المتقدمة ثم قال: «فإذا لبست المرأة زي الرجال من المقالب والفرج والأكمام الضيقة فقد شابهت الرجال في لبسهم قتلحقها لعنة الله ورسوله ولزوجها إذا أمكنها من ذلك أو رضي به ولم ينهها؛ لأنه مأمور بتقويمها على طاعة الله ونهيها عن المعصية لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾». ولقول النبي ﷺ : «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عنهم يوم القيامة» متفق عليه وهو مخرج في «غاية المرام» «٢٦٩». وتبعه على ذلك الهيتمي في «الزواجر» «١/ ١٢٦» ثم قال: «عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان: أحدهما: أنه حرام، وصححه النووي بل صوبه، وثانيهما أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع، والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة، بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيت بعض المتكلمين على الكبائر عده منها وهو ظاهر». وقال الحافظ في «الفتح» «١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤» عند شرح حديث ابن عباس المتقدم برقم «٣» باللفظ الثاني: «لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» ما مختصره: «قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة

стр. 6548

التي تختص بالنساء ولا العكس وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها لا التشبه في أمور الخير. قال: والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: «المغيرات لخلق الله». فثبت مما تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن يكون زيها مشابِهًا لزي الرجل فلا يحل لها أن تلبس رداءه وإزاره ونحو ذلك كما تفعله بعض بنات المسلمين في هذا العصر من لبسهن ما يعرف بـ «الجاكيت» و «البنطلون» وإن كان هذا في الواقع أستر لهن من ثيابهن الأخرى الأجنبية. فاعتبروا يا أولي الأبصار. ثم وجدت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فصلًا جيدًا رأيت من المناسب إيراده في هذا المكان لوثيق صلته به ولما فيه من الفوائد الغزيرة والتحقيق العلمي وهو جواب سؤال وجه إليه وهذا نصه مع الجواب كما جاء في «الكواكب» لابن عروة الحنبلي «ج ٩٣/ ١٣٢ - ١٣٤» المحفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم «٥٧٩ - تفسير»: «مسألة في لبس الكوفية للنساء ما حكمها إذا كانت بالداير والفرق وفي لبسهن الفراجي فما الضابط في التشبه بالرجال في الملبوس؟ هل هو بالنسبة إلى ما كان على عهد رسول الله ﷺ أو كل زمان بحسبه؟ ». الجواب: الحمد لله. الكوفية التي بالفرق والداير من غير أن تستر الشعر المسدول هي من لباس الصبيان والمرأة اللابسة لذلك متشبهة بهم. وهذا النوع قد يكون أوله من قبل النساء قصدن التشبه بالمردان كما يقصد بعض البغايا أن تضفر شعرها ضفيرًا واحدًا مسدولًا بين الكتفين وأن ترخي لها السوالف وأن تعتم لتشبه المردان في العمامة والعذار والشعر ثم قد تفعل الحرة بعض ذلك لا تقصد هذا لكن هي في ذلك متشبهة بالرجال. وقد استفاضت السنن عن النبي ﷺ في الصحاح وغيرها بلعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء وفي رواية: أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات

стр. 6549

من النساء وأمر بنفي المخنثين وقد نص على نفيهم الشافعي وأحمد وغيرهما وقالوا: جاءت سنة رسول الله ﷺ بالنفي في حد الزنا وبنفي المخنثين. وفي «صحيح مسلم» عنه أنه قال: «صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله». وقد فسر قوله: «كاسيات عاريات» بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهى في الحقيقة عارية مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل: عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما تسترها، فلا تبدي جسمها ولا حجم أعضائها؛ لكونه كثيفًا واسعًا. ومن هنا يظهر الضابط في نهيه ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء وعن تشبه النساء بالرجال وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعًا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه فإنه لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أن يكون هذا سائغًا! وهذا خلاف النص والإجماع فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية وقال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾، فلو كان اللباس الفارق بين الرجال والنساء مستنده مجرد ما يعتاده النساء أو الرجال باختيارهم وشهوتهم لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب ولا أن يضربن بالخمر على الجيوب ولم يحرم عليهن التبرج، تبرج الجاهلية الأولى؛ لأن ذلك كان عادة لأولئك وليس الضابط في ذلك لباسًا معينًا من جهة نص النبي ﷺ أو من جهة عادة الرجال والنساء على عهده بحيث يقال: إن ذلك هو الواجب وغيره يحرم

стр. 6550

فإن النساء على عهده كن يلبسن ثيابًا طويلات الذيل، بحيث ينجرُّ خلف المرأة إذا خرجت، والرجل مأمور بأن يشمر ذيله حتى لا يبلغ الكعبين، ولهذا لما نهى ﷺ الرجال عن إسبال الإزار وقيل له: فالنساء؟ قال: «يرخين شبرًا»، قيل له: إذن تنكشف سوقهن قال: «ذراعا لا يزدن عليه»، قال الترمذي: «حديث صحيح» حتى إنه لأجل ذلك روي أنه رخص للمرأة إذا جرت ذيلها على مكان قذر ثم مرت به على مكان طيب أنه يطهر بذلك (١)، وذلك قول طائفة من أهل العلم في مذهب أحمد وغيره جعلا المجرور بمنزلة النعل الذي يكثر ملاقاته النجاسة، فيطهر بالجامد كما يطهر السبيلان بالجامد؛ لما تكرر ملاقاتهما النجاسة، ثم إن هذا ليس معينًا للستر، فلو لبست المرأة سراويل أو خفًّا واسعًا صلبًا كالمعرق وتدلي فوقه الجلباب بحيث لا يظهر حجم القدم؛ لكان محصلًا للمقصود بخلاف الخف اللين الذي يبدي حجم القدم، فإن هذا من لباس الرجال، وكذلك المرأة لو لبست جبة وفروة لحاجتها إلى ذلك لدفع البرد لم تنه عن ذلك، فلو قال قائل: لم يكن النساء يلبسن الفراء؟ قلنا: فإن ذلك يتعلق بالحاجة، فالبلاد الباردة تحتاج إلى غلظ الكسوة وكونها مدفئة وإن لم يحتج إلى ذلك في البلاد الحارة. فالفارقة بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال وما يصلح للنساء وهو ما ناسب ما يؤمر به الرجال وما يؤمر به النساء، فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور؛ ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان والتلبية ولا الصعود «كذا ولعله: في الصعود» إلى الصفا والمروة ولا التجرد في الإحرام كما يتجرد الرجل فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه وأن لا يلبس الثياب المعتادة وهي التي تصنع على قدر أعضائه، فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا الخف، لكن لما كان محتاجًا إلى ما يستر العورة ويمشي فيه، رخص له في آخر الأمر إذا لم يجد إزارًا أن يلبس سراويل، وإذا لم يجد نعلين أن يلبس خفين، وجعل ذلك بدلًا للحاجة العامة، بخلاف ما يحتاج إليه حاجة خاصة لمرض أو برد، فإن عليه الفدية إذا لبسه ولهذا طرد أبو حنيفة هذا القياس، وخالفه الأكثرون للحديث
следующие страницы →