لقد كذبوا على الله وشايعوا بقولهم هذا باطنية الملحدين وخالفوا إجماع المسلمين ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (١).
ومنهم الإمام الشاطبي ﵀ (٢) فقال إجابة عن سؤال وجه إليه عن قوم ينتمون إلى الصوفية يجتمعون فيذكرون الله جهرا بصوت واحد ثم يغنون ويرقصون؟ :
إن ذلك كله من البدع المحدثات المخالفة طريقة رسول الله ﷺ وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان فنفع الله بذلك من شاء من خلقه.
ثم ذكر أن الجواب لما وصل إلى بعض البلاد قامت القيامة على العاملين بتلك البدع وخافوا اندراس طريقتهم وانقطاع أكلهم منها فلجأوا إلى فتاوى لبعض شيوخ الوقت يستغلونها لصالح بدعتهم فرد الشاطبي عليهم وبين أنها حجة عليهم.
وبسط الكلام في ذلك جدا في نحو ثلاثين صفحة ٣٥٨ - ٣٨٨ فمن شاء التوسع رجع إليه.
وكان قبل ذلك ذكر أصولا ومآخذ يعتمد عليها أهل البدع والأهواء وبين بطلانها ومخالفتها للشرع بيانا شافيا فرأيت أن أقدم إلى القراء خلاصة عنها لأهميتها ولأن علماء الأصول لم يبسطوا القول في بيانها كما قال هو نفسه ﵀ ١/ ٢٩٧
стр. 7352
فاطلبها من الحاشية (١).
ومنهم العلامة المحقق الأديب الأريب ابن قيم الجوزية (٢) وقد بلغ الغاية في الاحتجاج لتحريم الغناء والملاهي والغناء الصوفي في كتابه الكبير الكلام في مسألة السماع، وقد توسع جدا في الاستدلال على ذلك بالكتاب والسنة والآثار السلفية وبيان مذاهب العلماء والمراجحة بينها والرد على المستحلين لما حرم الله، ومن طرائفه أنه عقد مجلس مناظرة بين صاحب غناء وصاحب قرآن في فصول رائعة ممتعة الحجة فيها ساطعة على المستحلين والمبتدعة جزاه الله خيرا وقد قال في رده المجمل على الغناء الصوفي ما مختصره ص ١٠٦ - ١٠٨:
стр. 7353
إن هذا السماع على هذا الوجه حرام قبيح لا يبيحه أحد من المسلمين ولا يستحسنه إلا من خلع جلباب الحياء والدين عن وجهه وجاهر الله ورسوله ودينه وعباده بالقبيح وسماع مشتمل على مثل هذه الأمور قبحه مستقر في فطر الناس حتى إن الكفار ليعيرون به المسلمين ودينهم:
نعم خواص المسلمين ودين الإسلام براء من هذا السماع الذي كم حصل به من مفسدة في العقل والدين والحريم والصبيان فكم أفسد من دين وأمات من سنة وأحيا من فجور وبدعة!
ولو لم يكن فيه من المفاسد إلا ثقل استماع القرآن على قلوب أهله واستطالته إذا قرئ بين يدي سماعهم ومرورهم على آياته صما وعميا لم يحصل لهم من ذوق ولا وجد ولا حلاوة بل ولا يصغي أكثر الحاضرين أو كثير منهم إليه ولا يقومون معانيه ولا يغضون أصواتهم عند تلاوته:
تلي الكتاب فأطرقوا لا خفية ... لكنه إطراق ساهٍ لاهي
وإلى الغناء فكالذباب تراقصوا ... والله ما رقصوا لأجل الله
دف ومزمار ونغمة شادن (١) ... فمتى رأيت عبادة بملاهي
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي
والرقص خف عليهم بعد الغنا ... يا باطلا قد لاق بالأشباه
يا أمة ما خان دين محمد ... وجنى عليه ومله إلا هي (٢)
وبالجملة، فمفاسد هذا السماع في القلوب والنفوس والأديان أكثر من أن يحيط به العد.
ومنهم المفسر المحقق الآلوسي (٣) فقال بعد أن أطال النفس جدا في تفسير آية
стр. 7354
﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ والآثار وأقوال المفسرين فيها وفي دلالتها على تحريم الغناء ومذهب الفقهاء فيه ١١/ ٧٢ - ٧٣:
وأنا أقول: قد عمت البلوى بالغناء والسماع في سائر البلاد والبقاع ولا يتحاشى من ذلك في المساجد وغيرها بل قد عين مغنون يغنون على المنائر في أوقات مخصوصة شريفة بأشعار مشتملة على وصف الخمر والحانات وسائر ما يعد من المحظورات ومع ذلك قد وظف لهم من غلة الوقف ما وظف ويسمونهم الممجدين ويعدون خلو الجوامع من ذلك من قلة الاكتراث بالدين وأشنع من ذلك ما يفعله أبالسة المتصوفة ومردتهم ثم أنهم - قبحهم الله تعالى - إذا اعترض عليهم بما اشتمل عليه نشيدهم من الباطل يقولون: نعني بـ «الخمر» المحبة الإلهية أو بـ «السكر»: غلبتها أو بـ «مية» و «ليلى» و «سعدى» مثلا: المحبوب الأعظم وهو الله وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.
ثم نقل عن بعض الأجلة ص ٧٥ أنه قال: ومن السماع المحرم سماع متصوفة زماننا وإن خلا عن رقص فإن مفاسده أكثر من أن تحصى وكثير مما ينشدون من الأشعار من أشنع ما يتلى ومع هذا يعتقدونه قربة ويزعمون أن أكثرهم رغبة فيه أشدهم رغبة أو رهبة قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون.
وكان قبل ذلك نقل ص ٧٣ عن العز بن عبد السلام الإنكار الشديد لسماعهم ورقصهم وتصفيقهم ثم تحدث عن وجدهم وأقوال العلماء فيه وهل يؤاخذون عليه؟ وأنكره هو عليهم لأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ ثم عاد إلى التعرض لما يسمونه بـ «التمجيد» على المنائر وأنكره.
ثم ذكر الأحاديث في تحريم المعازف ومنها حديث البخاري ثم ذكر حكم القعود في مجلس فيه شيء منها وأقوال العلماء في ذلك .. ثم قال ص ٧٩:
ثم إنك إذا ابتليت بشيء من ذلك فإياك ثم إياك أن تعتقد أن فعله أو استماعه
стр. 7355
قربة كما يعتقد ذلك من لا خلاق له من المتصوفة فلو كان الأمر كما زعموا لما أهمل الأنبياء أن يفعلوه ويأمروا أتباعهم به ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أشار إليه كتاب من الكتب المنزلة من السماء وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولو كان استعمال الملاهي المطربات أو استماعها من الدين ومما يقرب إلى حضرة رب العالمين لبينه ﷺ وأوضحه كمال الإيضاح لأمته وقد قال ﵊: «والذي نفسي بيده ما تركت شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به وما تركت شيئا يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا نهيتكم عنه» (١).
وبعد فهذا ما تيسر لي ذكره من أقوال العلماء المشهورين في إنكار الغناء الصوفي وبيان أنه بدعة ضلالة بعد أن أثبتنا حرمة الغناء بالكتاب والسنة وتقدمت أقوال أخرى لآخرين في بعض الفصول المتقدمة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولا بد لي بهذه المناسبة أن أقص على القراء ما وقع لي مع بعض الطلبة المقلدين من المناقشة حول هذا الغناء اللعين وذلك منذ نصف قرن من الزمان وأنا في دكاني في دمشق أصلح الساعات جاءني زبون من الطلبة وعليه العمامة الأغبانية المزركشة المعروفة في سوريا فلفت نظري ظرف كبير يتأبطه ظننت أن فيه بعض إسطوانات صندوق سمع فونوغراف المعروفة في ذلك الزمان فلما سألته أجاب بما ظننت فقلت له مستنكرا: أأنت مغني؟ قال: لا ولكني أسمع الغناء قلت: أما تعلم أنه حرام باتفاق الأئمة الأربعة؟
قال: لكني أفعل بنية حسنة قلت: كيف ذلك؟ قال: إني أجلس أسبح الله وأذكره والسبحة بيدي وأستمع لغناء أم كلثوم فأتذكر بصوتها العذب صوت الحور العين في الجنة فأنكرت ذلك عليه أشد الإنكار ولا أذكر الآن ما قلت له بعدها ولكنه لما رجع بعد أسبوع ليأخذ ساعته بعد تصليحها جاء معه طالب أقوى منه معروف من جمعية رابطة العلماء فتكلم في الموضوع مؤيدا لصاحبه معتذرا عنه
стр. 7356
بحسن نيته فأجبته بأن حسن النية لا يجعل المحرم حلالا فضلا عن أن يجعله قربة إلى الله أرأيت لو أن مسلما استحل شرب الخمر بدعوى تذكر خمر الجنة؟ وهكذا يقال في الزنا أيضا فاتق الله ولا تفتح على الناس باب استحلال حرمات الله بل والتقرب إلى الله بأدنى الحيل فانقطع الرجل.
فهذا مثال من تأثير الغناء الصوفي.
وما لي أذهب بالقراء بعيدا، فهذا الشيخ الغزالي الذي اشتهر بأنه من الدعاة الإسلاميين، وأعطي من أجل ذلك جائزة إسلامية عالمية كبرىـ يستبيح الغناء المذكور ولو من أم كلثوم وفيروز وحينما أنكر عليه أحد الطلبة استماعه لأغنية أم كلثوم فيما أظن:
أين ما يدعى ظلاما ... يا رفيق الليل أينا؟
أجاب بقوله: إنني أعني شيئا آخر «ص ٧٥» السنة يعني أن نيته حسنة!
وكان قبل ذلك ص ٧٠ وضع حديث «إنما الأعمال بالنيات» في غير موضعه وذلك من الأدلة الكثيرة على جهله بفقه السنة لأن معناه: إنما الأعمال الصالحة بالنيات الصالحة كما يدل على ذلك تمام الحديث (١) وهو ظاهر بأدنى تأمل ولكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
وختاما أقول: لو لم يكن من شؤم الغناء الصوفي إلا قول أحدهم: سماع الغناء أنفع للمريد من سماع القرآن من ستة أوجه أو سبعة لكفى!
ولما قرأت هذا في مسألة السماع لابن القيم ١/ ١٦١ لم أكد أصدق أن هذا يقوله مسلم حتى رأيته في كلام الغزالي في الإحياء ٢/ ٢٩٨ وبعبارة مطلقة غير مقيدة بالمريد مع الأسف الشديد وأكده بأن أورده على نفسه سؤالا أو اعتراضا خلاصته:
стр. 7357
إذا كان كلام الله تعالى أفضل من الغناء لا محالة فما بالهم لا يجتمعون على قارئ القرآن؟ فأجاب بقوله: فاعلم أن الغناء أشد تهييجا للوجد من القرآن من سبعة أوجه ... !
ثم سود أكثر من صفحتين كبيرتين في بيانها فيتعجب الباحث كيف يصدر ذلك من فقيه من كبار فقهاء الشافعية بل قال فيه من نجله: حجة الإسلام ومع ذلك فكلامه فيها هزيل جدا ليس فيه علم ولا فقه يتبين ذلك من قوله:
الوجه السادس: أن المغني قد يغني ببيت لا يوافق حال السامع فيكرهه وينهاه عنه ويستدعي غيره فليس كل كلام موافقا لكل حال فلو اجتمعوا في الدعوات على القارئ فربما يقرأ آية لا يوافق حالهم إذ القرآن شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال ... فإذن لا يؤمن أن لا يوافق المقروء الحال وتكرهه النفس فيتعرض به لخطر كراهة كلام الله تعالى من حيث لا يجد سبيلا إلى دفعه .. وأما قول الشاعر فيجوز تنزيله على غير مراد .. فيجب توقير كلام الله وصيانته عن ذلك وهذا ما ينقدح في علل انصراف الشيوخ إلى سماع الغناء عن سماع القرآن.
فأقول: الله أكبر لقد بلغ السيل الزبى فقد تضخمت المصيبة لقد كانت محصورة في المريدين في نقل ابن القيم المتقدم وإذا بالغزالي يصرح بأنها في الشيوخ أيضا وعنهم يدافع بذلك التعليل البارد الذي تغني حكايته عن رده والله المستعان.
وإذا كان الغزالي هذا يصرح بأن القرآن شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال فما لنا وللوجد الذي من أجله سوغ الصوفية الإعراض عن سماع القرآن الوجد الذي أحسن أحواله أن يكون صاحبه مغلوبا عليه كالعطاس مثلا وأسوؤه أن يكون رياء ونفاقا وأين هم من قوله تعالى في القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾؟
ورحم الله ابن القيم وجزاه خيرا فقد عرف أضرار هذا السماع الشيطاني وجلى مخالفته للسماع القرآني من وجوه كثيرة في فصول علمية عديدة وبحوث فقهية مفيدة
стр. 7358
وبين ضلال المتمسكين به ضلالا بعيدا في كتابه السابق مسألة السماع ونحوه في إغاثة اللهفان وأنشأ فيهم قصائد من الشعر وصفهم فيها وصفا دقيقا صادقا منها قصيدة في ثلاثين ومائة بيت في الإغاثة جاء فيها ١/ ٢٣٢:
تركوا الحقائق والشرائع واقتدوا ... بظواهر الجهال والضلال
جعلوا المرا فتحا وألفاظ الخنا ... شطحا وصالوا صولة الإدلال
نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم ... نبذ المسافر فضلة الأكال
جعلوا السماع مطية لهواهم ... وغلوا فقالوا فيه كل محال
هو طاعة هو قربة هو سنة ... صدقوا لذاك الشيخ ذي الإضلال
شيخ قديم صادهم بتحيل ... حتى أجابوا دعوة المحتال
هجروا له القرآن والأخبار وال ... آثار إذ شهدت لهم بضلال
ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى ... من أوجه سبع لهم بنوال
تالله ما ظفر العدو بمثلها ... من مثلهم واخيبة الآمال
[تحريم آلات الطرب ص (١٥٨)]
كلمة في الأناشيد الإسلامية
هذا وقد بقي عندي كلمة أخيرة أختم بها هذه الرسالة النافعة إن شاء الله تعالى وهي حول ما يسمونه بالأناشيد الإسلامية أو الدينية فأقول: قد تبين من الفصل السابع ما يجوز التغني به من الشعر وما لا يجوز، كما تبين مما قبله تحريم آلات الطرب كلها إلا الدف في العيد والعرس للنساء، ومن هذا الفصل الأخير أنه لا يجوز التقرب إلى الله إلا بما شرع الله فكيف يجوز التقرب إليه بما حرم؟ وأنه من أجل ذلك حرم العلماء الغناء الصوفي واشتد إنكارهم على مستحليه، فإذا استحضر القارئ في باله هذه الأصول القوية تبين له بكل وضوح أنه لا فرق من حيث الحكم
стр. 7359
بين الغناء الصوفي والأناشيد الدينية.
بل قد يكون في هذه آفة أخرى وهي أنها قد تلحن على ألحان الأغاني الماجنة وتوقع على القوانين الموسيقية الشرقية أو الغربية التي تطرب السامعين وترقصهم وتخرجهم عن طورهم، فيكون المقصود هو اللحن والطرب وليس النشيد بالذات، وهذه مخالفة جديدة وهي التشبه بالكفار والمجان.
وقد ينتج من وراء ذلك مخالفة أخرى وهي التشبه بهم في إعراضهم عن القرآن وهجرهم إياه فيدخلون في عموم شكوى النبي ﷺ من قومه كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾
وإني لأذكر جيدا أنني لما كنت في دمشق - قبل هجرتي إلى هنا عمان بسنتين - أن بعض الشباب المسلم بدأ يتغنى ببعض الأناشيد السليمة المعنى قاصدا بذلك معارضة غناء الصوفية بمثل قصائد البوصيري وغيره، وسجل ذلك في شريط، فلم يلبث إلا قليلا حتى قرن معه الضرب على الدف، ثم استعملوه في أول الأمر في حفلات الأعراس على أساس أن الدف جائز فيها ثم شاع الشريط واستنسخت منه نسخ وانتشر استعماله في كثير من البيوت وأخذوا يستمعون إليه ليلا نهارا بمناسبة وبغير مناسبة وصار ذلك سلواهم وهجيراهم، وما ذلك إلا من غلبة الهوى والجهل بمكائد الشيطان فصرفهم عن الاهتمام بالقرآن وسماعه، فضلا عن دراسته وصار عندهم مهجورا كما جاء في الآية الكريمة قل الحافظ ابن كثير في تفسيرها ٣/ ٣١٧:
يقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد ﷺ أنه قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ وذلك أن المشركين كانوا لا يسمعون القرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه فهذا من هجرانه وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من
стр. 7360
هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء أن يخلصنا مما يسخطه ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب.
[تحريم آلات الطرب ص (١٨١)]
حكم ما يسمى بالأناشيد الإسلامية
الشيخ: .. يوجد في الإسلام شعر بلا شك، ويقول الرسول ﵇ في بعضه: «إن من الشعر لحكمة» أما أن نتغنى بأشعار ونسميها أناشيد وأناشيد دينية فهذا شيء لا يعرفه سلفنا الصالح إطلاقًا.
وهذا في الواقع له علاقة بمبدأ كنا تحدثنا عنه قريبًا في بعض جلساتنا هنا، وهو يتخلص بالاعتقاد بما يدندن حوله العلماء في مثل هذه المناسبة:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
لم يكن من عادة السلف أن ينشدوا أناشيد ويسموها دينية، لا سيما إذا اقترن بها بعض الآلات الموسيقية كالدف، وأنكر من ذلك أن نسمي أذكارًا يقترن بها بعض الآلات الموسيقية أيضًا ونسميها ذكرًا وليس هو من الذكر الإسلامي في شيء، فليس هناك خلاصة القول: أناشيد دينية وإنما هناك أشعار لطيفة في معانيها يجوز أن يتغنى بها إما انفرادًا وإما في بعض الاجتماعات كالعرس، وكما جاء من حديث عائشة ﵂ أنها أقبلت من عرس للأنصار فسألها الرسول: من أين؟ قالت: من عرس للأنصار، قال ﵊ لها: «هل غنيتم لهم فإن الأنصار يحبون الغناء، قالت: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال ﵇: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم .. » انظروا الشعر العربي النزيه ليس فيه شيء من الكلام الذي لا يليق .. «أتيناكم أتيناك فحيونا نحييكم ولو الحنطة السمراء لم تسمن عذاراكم» هذا شعر لكن ليس شعر ديني شعر ترويح عن النفس بكلام مباح، هذا
стр. 7361
هو الذي كان معروفًا في ذلك العهد.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٢/ ٠٠: ٠٠: ٠٠)
حكم الأناشيد
مداخلة: هل من حرج [في الأناشيد]؟
الشيخ: نحن على القاعدة: «فإياكم ومحدثات الأمور» هل كانت مثل هذه الأناشيد في القرون الأولى؟ لكن موضة العصر الحاضر الآن [إلصاق] كل أمر حادث بالإسلام، والبنوك الإسلامية ليس الخبر عنكم ببعيد، فهل هناك بنوك إسلامية .. هل هناك اشتراكية إسلامية .. هل هناك أناشيد إسلامية؟ كانت الأناشيد من قبل خاصة في بلادنا السورية والأردن تلك البلاد كانت أناشيد صوفية يتغنون بها في أذكارهم، ثم لما أفاق الشباب على ما يسمى الآن بالصحوة الإسلامية فهو على شيء من الحق فعرفوا أن تلك الأذكار التي كانوا يسمونها بالذكر وعلى طريقة الصوفية وإلى آخره، فتبين أن هذا بعيد عن الشرع، فالشيطان أوحى لهم بالبديل، لا شك أن هذا البديل في اعتقادي خير من الصوفية أو الأناشيد القديمة، لكن يكفي في هذه الأناشيد أنها تلحن على القوانين الموسيقية وعلى الأغاني الماجنة، النغم هو هو لكن ألفاظ تختلف، فلا يوجد شيء في الإسلام من هذا القبيل أبداً، يوجد في الإسلام قصائد بلا شك وشعر إسلامي قوي يثير مثلاً الشجاعة في النفوس، والعواطف ... ونحو ذلك، لكن هؤلاء [أخذوا] ميوعة الأغاني الماجنة .. موسيقاها وأساليبها.
أنا أذكر في صغري كنت قرأت في بعض كتب الأدب قصيدة:
اعتزل ذكر الأغاني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكرى لأيام الصبى ... فلأيام الصبى نجم أفل
стр. 7362
هذه القصيدة لو ألقاها الإنسان بلغة عربية فصيحة وبلهجة عربية بعيدة عن الأغاني هذه الماجنة والمائعة يمكن ذلك، لكن أن نجعل من الدين أناشيد دينية عقدتها وقد ذرت قرنها أن تحل محل القرآن الكريم، الأشرطة الآن التي تسجل فيها هذه الأناشيد التي يسمونها بالأناشيد الدينية ليتسلى بها الشباب، بدل أن يتغنوا بالقرآن كما قال ﵇: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا».
ولذلك ... كل خير في اتباع من سلف وكل شر في اتباع من خلف، فالبدع في الدين لا يعرف أثرها كل الناس، أنا أتصور أن بعض البدع تكون محرمة بلا شك، ومن باب سد الذريعة لأنه في المستقبل يترتب وراءها شيء يخالف الشريعة، ولذلك ما ينبغي نحن أن نغير شيء مما كان عليه أسلافنا الأولون.
السائل: [إذا كانت الأنشودة قصيدة عربية فيها وعظ وبطريقة الحداء]؟
الشيخ: تكلمنا آنفاً يا أخي .. إذا كانت قصيدة باللغة العربية فيها وعظ .. فيها حض على طلب العلم .. فيها حض على الصبر وعلى الشجاعة والثبات عند ملاقاة الكفار والأعداء وإلى آخره وباللهجة العربية السليمة غير متأثرة بالأذواق الأعجمية والقوانين الموسيقية فأنا ما عندي منها مانع، لكن العصر الحاضر .. هذا الشيء القديم، [الآن] يقرب الممنوع باسم المرغوب، والمرغوب الآن هي هذه الموازين الموسيقية حتى القراء اليوم أصبحوا الذين يقرؤون القرآن يلتزم كثير منهم القوانين الموسيقية [تجد] الواحد منهم يصعد بالآية ويقلب فيها وينزل مراعياً .. ليس مراعياً التجاوب مع الآيات رهبةً رغبةً وإنما مع الموازين الموسيقية، فإذا كان كلام الله أنزلوه على هذه القوانين فكيف لا يفعلون مثل ذلك وأكثر منه في الأشعار؟
(رحلة النور: ١٩ ب/٠٠: ٠٢: ٣٩)
стр. 7363
كتاب اللهو المباح واللهو المحرم
стр. 7364
حكم الشطرنج والنرد والشدة وغيرها
стр. 7365
حكم الشطرنج
السؤال: حديث له حكم المرفوع وهو في المشكاة وصحيح الجامع، أن الرسول ﷺ نهى عن الكوبة -هكذا أحفظ ضبطها - نهى عن الكوبة والغبيراء، والكوبة كما رجعت إليها من معانيها الشطرنج، ونعلم أن فضيلتكم أو نعلم حكم فضيلتكم بالنسبة للشطرنج، فنرجو توضيح هذا الأمر؟
الشيخ: أنت تقول: نعلم أم تريد أن تعلم؟
السائل: لا، نعلم أن شيخنا يبيح الشطرنج ضمن شروط معينة، وهذا الحديث نهى عن الكوبة أي: الشطرنج؟
الشيخ: حسن، لكن ضبط اللفظة الكُوبة وليس الكَوبة، هذه أولاً، ثانياً: قلت في أول كلامك أن من معاني الكوبة الشطرنج فهذا صدر منك بقصد منك أم بدون قصد وأن الكوبة معناها الشطرنج وليس من معاني الكوبة الشطرنج، فيه فرق بين العبارتين، أليس كذلك؟
السائل: صدر مني بقصد.
الشيخ: فحينئذٍ ما هو المعنى المقصود بهذا اللفظة في حديث الرسول أهو الشطرنج أم غير الشطرنج ما دام الكوبة إذا أطلقت يعنى بها أكثر من معنى واحد، فمن معاني الكوبة كما قلت الشطرنج، ما هو المعنى الآخر، ثم مهما كان هذا المعنى الآخر فأيهما الراجح؟
السائل: يا شيخنا ما تضم هذه اللفظة كل هذه المعاني.
الشيخ: لا.
السائل: يعني: إذا كلمة الكوبة فهم منها أنها النرد والشطرنج.
الشيخ: لا، لأن الكوبة ليس لها معاني متعددة، هو معنى واحد، لكن بعضهم
стр. 7366
قد يفسرها بشيء وبعضهم يفسره بشيء آخر، لذلك إذا أردت أن ترجح أن لفظ الكوبة يعني الشطرنج فلا بد من مرجح، وإلا يكون مجرد دعوى، ثانياً وأخيراً أقول: الحديث لما رواه الراوي جاء مفسراً فيه الكوبة: الطبل، هكذا جاء في مسند الإمام أحمد، وباستطاعتك أن تعود إليه، وأريدك تطول بالك، الكوبة بمعنى الطبل كما جاء في رواية الحديث نفسه هو المعروف عند العلماء، فحينما يسردون الأحاديث في موضوع الآلات الطرب يأتون بهذا الحديث على أن المقصود به الطبل، وحينما يتحدثون وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية عن الشطرنج وعن حكمه في الإسلام، وهو متحمس ويميل إلى تحريم هذه اللعبة الشطرنج لا نجده لا هو ولا غيره يحتج بحديث النهي عن الكوبة، والحديث لفظه في مسند أحمد من أجل الفائدة أقول: «إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والكوبة، وقال الراوي: الكوبة الطبل» الشاهد أن ابن تيمية المتحمس والمندفع إلى تحريم الشطرنج لما له من آثار سيئة في المدمنين له ما احتج بمثل هذا الحديث، لا هو ولا غيره، ولذلك إن كان هناك من فسر الكوبة بالشطرنج فيكون قد أخذ المعنى المرجوح وليس المعنى الراجح والرد أولاً في نفس الآية مفسراً بها الكوبة، وثانياً: أنا شخصياً الآن بحاجة أن أعرف من الذي فسر الكوبة بالشطرنج حتى أعود إليه، تذكر من هو؟
السائل: نعم أذكر.
الشيخ: من؟
السائل: قرأتها أنا وأحد طلبة العلم في صحيح الجامع، وينقل هذا عن كتاب لسان العرب لابن منظور.
الشيخ: إذاً في لسان العرب، أنا سأعود إلى لسان العرب، فإذا وجدنا أنه من معاني الكوبة هو الشطرنج فاحفظ أنت الجواب أن الراوي فسر روايته بالطبل وليس بالشطرنج.
السائل: هنا قيد معناها ما أطلق، على هذا تفسيرها لغوي.
стр. 7367
الشيخ: ليس من عندنا التقييد، التقييد من الراوي، وهذه قاعدة أن الراوي أدرى بمرويه من غيره، فهذا نحن جوابنا.
(الهدى والنور/٢٨٩/ ١١: ٤٠: ٠٠)
حكم الشطرنج
مداخلة: بالنسبة للعب الشطرنج، حكم لعبة الشطرنج الحكم الشرعي في ذلك؟
الشيخ: الشطرنج إذا أزيلت الأصنام التي فيه، وقيد أيضاً اللعب بالشطرنج بالقيود الشرعية فهي لا تلهي عن القيام بالواجبات، سواء كانت واجبات دينية أو كانت واجبات عائلية، أو واجبات اجتماعية، فهو جائز، بخلاف النرد؛ لأن النرد أولاً: فيه نص في تحريمه أشد التحريم، وثانياً: هو قائم على الحظ؛ ولذلك تجد اللاعبين به أو بما يشبهه من الألعاب تجد اللاعب منهم يصيح ويقول: يا دهر يا حظ، الشطرنج ليس فيه شيء من ذلك، كل ما فيه هو إعمال الفكر فهو نوع من الرياضة الفكرية، فإذا كانت هذه الرياضة في بعض الأحيان وبالشروط التي ذكرناها آنفاً فلا نرى منها مانعاً، مع العلم بأن بعض العلماء كابن تيمية مثلاً وغيره يذهب إلى تحريمها، وهو يعلل التحريم بعلة معقولة، والفرق بين ما ذهب وأذهبه: هو أنه لا يجوز في اعتقادي إطلاق التحريم لشيء لا نص فيه إلا إذا ترتب منه ما يخالف النص، فهو يقول: بأن الشطرنج يصد عن ذكر الله. وهذا إذا تذكرنا بعض المباريات التي تجري اليوم وتذكر بعض تفاصيلها على صفحات الجرائد والمجلات لا شك أنها تصد عن ذكر الله، لأنه شيء مثل الخيال يعني يبقى اللعبة مش ساعات، أيام إذا كانوا ماذا؟ المتلاعبين أقران بعضهم لبعض.
فإذا وصل اللاعب بالشطرنج إلى أن تصد عن ذكر الله فهي كالخمر، لكن هذا ليس باللازم بالنسبة لكل لاعب، ولذلك فنحن نقول ما هو الأصل فيها ونضع
стр. 7368
الشروط التي تبعد اللاعب بها عن أن يقع في مخالفة الأحكام الشرعية، أو في مخالفة حكم من الأحكام الشرعية.
(الهدى والنور /٣٠٦/ ٥٢: ٤٧: ٠٠)
(الهدى والنور /٣٠٧/ ٣٥: ٠٠: ٠٠)
حكم الشطرنج
مداخلة: حكم الشطرنج؟
الشيخ: الشطرنج لا يصح في تحريمه حديث، إلا أن شأنه ككثير من الملاهي الحادثة، فإذا لم يكن فيها مخالفة صريحة للشرع فيجوز اللعب بها أحيانًا من باب الترويح عن النفس وليس من باب اعتيادها والاهتمام بها فإنه سيؤدي بصاحبها إلى الإهمال لكثير من الواجبات التي تجب عليه أن يكون ملتزمًا لها ومراعيًا لها، ولكن الشطرنج إلى اليوم فيه سيئة ملازمة أحجارها، ففيها بعض الأصنام كالفيل والفرس ونحو ذلك، ولهذا فمن كان في بيته شطرنج وأراد أن يلهو به بالشرط السابق، أي: أحيانًا فيجب أن يغير هذه الصور وهذه التماثيل وأن [نضرب] على رؤوسها؛ لأن الصورة الرأس كما جاء في الحديث، فحينئذ يمكن التلاعب بها بالشرط الذي ذكرته آنفًا.
وقد روي عن علي ﵁ وأنا حين أقول: روي، أعني ما أقول، يعني: بسند فيه ضعف، أنه مر بناس منكبين على لعب الشطرنج، فقال لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن الحقيقة جلسة هؤلاء اللاعبين والمتفرجين من حولهم تراهم مهتمين منكبين على اللعب، فنزع علي بهذه الآية إنكارًا عليهم، قال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فقبل كل شيء يجب تغيير هذه التماثيل، بعد ذلك إذا لعب بها أحيانًا كما قلنا لم تصرفه عن حضور المسجد والصلاة مع المسلمين، ولم تشغله عن القيام بواجباته الدينية والبيتية ونحو ذلك.
(فتاوى رابغ (١) /٠٠: ٣٥: ٤١)
стр. 7369
حكم اللعب بالزهر والشطرنج والشدة
مداخلة: ما حكم اللعب بالزهر والشطرنج والشدة وما شابه؟
الشيخ: اللعب بالشطرنج والشدة والنرد ونحو ذلك فبالنسبة للنرد هناك أحاديث صحيحة تحرم اللعب بالنرد، بالنسبة للشطرنج هناك بعض الأحاديث لكنها لا تصح، لكن هذا لا يعني أن كل لعب ليس فيه حديث يكون مباحاً وإنما يؤخذ حكمه من القواعد الشرعية التي يعرفها الفقهاء في الكتاب والسنة، مثلاً: الشدة .. الشدة هذه لعبة غربية أجنبية لم تكن معروفة في عهد الرسول ﵇ فأمر طبيعي جداً أن لا يكون فيها حديث، فما حكم اللعب بالشدة؟ نقول: هو نفس الحكم المتعلق بالشطرنج وذلك لا بد من شيء من التفصيل:
الشطرنج اللعب به أولاً لا ينبغي أن يلعب به وفيه الأصنام .. ما يسمى بالملك والفرس وغيره .. فهذه إذا غيرت وبدلت، والشرط الثاني: أن لا يتخذ عادة وبحيث أنه يصاب بالإدمان على اللعب بالشطرنج فهذا بلا شك سيكون حكمه حكم الخمر من حيث أنها تصد عن ذكر الله وتلهي عن الصلاة؛ ولذلك فلا يجوز اللعب بالشطرنج لا لذاته وإنما للأمرين المذكورين آنفاً .. فيه تماثيل يجب أن تزال فإذا أزيلت ولعب بها تارة ولم يجعلها [عادته] وديدنه فحينئذٍ يجوز وإلا فلا، كذلك الشدة فهي تشابه تماماً الشطرنج فيها صور .. فيها صورة البنت والخوري ولا أعرف إذا كان هناك شيء آخر .. الولد، فإذا طمست هذه الأصنام وهذه التماثيل ولعب بها في بعض الأوقات لدفع الملل لكن لا لتقطيع الوقت وإضاعة الوقت؛ لأنه كما قيل في الوقت: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، هذا أولاً، وثانياً: أن لا يكون اللعب بالشدة على طريقة الزهر .. على طريقة اليانصيب فحينئذٍ تلحق بالنرد المنصوص على تحريمه.
مداخلة: هكذا الشدة يا شيخ.
الشيخ: لا ليس ضروري .. هناك بعض لعب مبنية على الذاكرة ..
стр. 7370
مداخلة: بالنسبة للنردشير أنا قرأت في قاموس المحيط تعريفه: هو الزهر والشطرنج ..
الشيخ: لا، لا أنت واهم، الشطرنج شيء والنرد شيء آخر ..
(الهدى والنور /٧٣٢/ ١٠: ٠٧: ٠١)
الأدلة على تحريم النرد واضحة بينة
انظر الضعيفة «١٤/ ١/ ٨٧»
صفة الصلاة ما يقطع الصلاة
هل مرور الكافر يقطع الصلاة؟
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب والمرأة». منكر بذكر: «الكافر».
[ثم قال الإمام مبينًا وجه النكارة]: وأيضاً: ففيه ذكر «الكافر»، وهو خلاف الأحاديث الصحيحة التي اقتصرت على ذكر الثلاثة المذكورة دونه، وهي من حديث أبي ذر وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم، وقد خرجتها في «الروض النضير» «٩٥٦»، وبعضها في «صحيح أبي داود» «٦٩٩، ٧٠٠». نعم، جاء ذكر «اليهودي والمجوسي» في حديث لابن عباس، لا يصح إسناده، وهو مخرج في «ضعيف أبي داود» «١١٠»، وهو خلاف الصحيح عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً. انظر «صحيح أبي داود»، «٧٠٠».
السلسلة الضعيفة (١٤/ ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤)
حكم الشدة
مداخلة: حكم الشدة, تعرفها؟
الشيخ: الذي فيها صورة الولد والبنت ..
стр. 7371
مداخلة: يسأل عن حكمها؟
الشيخ: طبعاً لا يجوز.
مداخلة: حكمها التحريم؟
الشيخ: التحريم.
لعب الشدة حرام من وجوه، الوجه الأول أنها من بدع النصارى، ولعلك تعلم قول الرسول صلى الله عليه وآله سلم: «هدينا خالف هدي المشركين».
والحديث الثاني: «من تشبه بقوم فهو منهم».
والوجه الثاني أو السبب الثاني في التحريم: هو أن فيها صور، والصور إذا كانت في مكان لا تدخله الملائكة لقوله صلى الله عليه وآله سلم: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب».
وثالثاً وأخيراً: أنه بعض الصور فيها تمثل النصرانية، ففي ما يتعلق بالخوري صورة الخوري, ويمثل الإشراك بالله كما قال ربنا في القرآن: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وكذلك صورة البنت، وإن كانت هي صورة يدوية، لكن تمثل صورة بنت كافرة، فلو أن سبباً واحداً من هذه الأسباب، ولم يكن هناك سبب آخر كان يكفي للمنع من اللعب بهذا الورق، فكيف وقد اجتمعت في اللعب بها هذه الأسباب كلها، لذلك ينبغي للمسلم أن ينتهي من اللعب بها.
يأتي أخيراً وإن كان هذا ليس شرطاً أن يقع، لكنه قد يقع، حينما يتلاعب الناس بهذه الأوراق لا يكون هناك قمار، أنا أقول هذا، لكن مع الزمن قد الشيطان يدهى بعقلهم ويوسوس لهم أن يتعاطوا القمار، فيكون بدء اللعب بهذه الأوراق بدون قمار ذريعة وسبب للعب بها للقمار، ولذلك يقولون عندنا بالشام: ابعد عن الشر وغني له.
مداخلة: بس الغناء حرام يا شيخ ولا لا؟
стр. 7372
الشيخ: لا هذا غناء مباح.
مداخلة: أضيف فائدة حتى تجمعها إلى هذه الأسباب، في أثناء اللعبة لا يخرجون اللاعبين إلا وقلوبهم متشاحنة فيما بينهم.
الشيخ: بغضاء يعني.
مداخلة: وقد يتضاربون وقد يضرب بعضهم بعضاً بالورقة.
الشيخ: هذا إذا كان هذا سبب آخر، وحينئذ يلحق اللعب بهذا الورق بالخمر.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأن الآية تقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١].
هذا هنا إذا وقفت اللعبة بدون قمار، قلنا قد يوصل إلى الميسر، لكن مع ذلك ليس هناك ميسر، هل تصل إلى البغضاء؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذاً يجب الابتعاد عنها قولاً واحداً.
مداخلة: جزاك الله خير.
الشيخ: وإياك.
(الهدى والنور /٤١٠/ ١٥: ٠٧: ٠٠)
حكم البلياردو والدومينو والورق
مداخلة: بعض الألعاب العصرية نريد أن نعرف حكمها عندنا نسميه الكيرم والدومينو والبلياردوا، ما حكم الإسلام في اللعب، أو تعرفون الورق ..
الشيخ: نعم، هذه الألعاب بلا شك هي أنواع، مثلًا: الشدة هذه لعبة الورق،
стр. 7373
هذه بلا شك لعبة الكفار المشركين الذين مثلوا عقيدتهم وشركهم في بعض الصور التي طبعوها على بعض الأوراق، ففيها الشاب وفيها البنت ونحو ذلك، فاللعب بهذا النوع من الورق كما تعلمون البحث الآن ليس للمقامرة، لكن اللعب بهذا النوع من الورق من باب التسلية، وكما يقولون تقطيع الوقت وتضييع وقت، وهذا من جهل المسلمين اليوم حيث لا يذكرون الحكمة العربية القديمة: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا مما يعيشه المسلمون اليوم فيضيعون ما قيمته أغلى من الذهب والفضة ألا وهو الوقت.
الشاهد: فاللعب بهذا الورق بدون قمار لا يخلو من [كراهة] على الأقل لما فيها من استعمال هذه [الصور] والإقبال والانكباب عليها باهتمام باللعب فيها، كما هو مشاهد من اللاعبين، وهذا يذكرني بأثر روي عن علي، وأنا أعني ما أقول حينما أقول: روي؛ لأن كلمة روي كناية عن التضعيف، فروي عن علي ﵁ أنه مر بقوم يعلبون الشطرنج وهم منكبون عليه، فقال لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] فنزع عليهم بهذا الآية، لماذا؟ لأن فعلًا الشطرنج فيه تماثيل، فيه الفرس .. فيه الفيل .. فيه الملك إلى آخره، وهؤلاء منكبون عليه فاستدل عليهم منكرًا هذا الاهتمام وهذا الانكباب، وهم بلا شك لا يقصدون التماثيل، يقصدون اللعب وشحن الذاكرة والحافظة ونحو ذلك، لكن هذه الهيئة قبيحة الانكباب على التماثيل من هذا الجانب أرى كراهة اللعب بهذه الأوراق لما فيها من الصور التي يتمثل فيها كفر أولئك الذين ابتدعوا هذا الورق.
ثم اللعب بهذا الورق له أنواع، بعضهم قائم على تشغيل الحافظة والذاكرة، وبعضه قائم على ما يسمونه بالحظ، فهذا النوع الأخير في شبه بينه وبين النرد الذي جاء النص الصحيح الصريح في تحريمه فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: أن الذي يلعب بالنرد فمثله كمثل الذي يغمس يده في لحم خنزير ودمه.
كذلك نهى في حديث أبي موسى الأشعري .. نهى رسول الله ﷺ عن النرد،
стр. 7374
فالنرد قائم على الحظ، ولذلك تجد اللاعبين به ينادي أحدهم يا زهر .. يا حظ .. هذا النوع من اللعب بالورق هو حكمه كحكم اللعب بالنرد المحرم نصًا، أما ما كان منه من باب تشحيذ الذاكرة فحكمه حكم الشطرنج باستثناء .. فأقول: حكمه حكم الشطرنج من حيث أن فيه إعمال العقل، لكن استثنينا هذه الصور وأنه لا يجوز الانكباب عليها ولذلك ننصح من كان مبتلًا بهذا اللعب أحيانًا أن تقطع رؤوس هذه التماثيل الصغيرة حتى يجوز المحافظة عليها في هذا اللعب، وهكذا البحث هذا له صور وله تفاصيل قد يطول الوقت في الخوض فيها، وإنما الضابط أن أي لعب فيه تماثيل .. فيه صور فيجب الابتعاد عنه، أما ما ليس فيه شيء من ذلك فيجوز اللعب به أحيانًا من باب الترويح عن النفس، أما أن يتخذ ذلك ديدنًا بحيث أنه يأخذ كل وقته وكل تفكيره وربما ينسى صلاته وعبادته، وربما ينسى أهله وأولاده فهذا حينئذٍ يعتبر كالخمر، التي تصد عن الصلاة وعن ذكر الله، ففي بعض الأحيان تعاطي هذه اللعب من باب التسلية والترويح عن النفس لا مانع من ذلك، أما في بعض [الألعاب] ففي الواقع أنا أجهل مسمياتها لأني ما سمعتها إلا الآن، فإذا كان هذا يكفي في الجواب كقاعدة يمكن أن يتضح من هذه الوصفة، ما كان من الألعاب فيها صور وتماثيل فيجب الابتعاد عنها، وما لم يكن فيها شيء من ذلك وكان اللعب ليس مبنيًا على الحظ واليانصيب، وإنما على الذاكرة واستعمال العقل فيجوز بالشرط الأخير وهو ألا يصد عن الصلاة وعن ذكر الله.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٥/ ٠٠: ٤٦: ٣٣)
стр. 7375
حكم لعب كرة القدم
стр. 7376
حكم لعب الكرة إذا لم يتضمن مناهي شرعية
مداخلة: لعب الكرة من أجل تقوية الأجسام ويكون مرة في الأسبوع مرة بلبس معقول.
الشيخ: بلبس معقول والمحافظة على أداء الصلوات في أوقاتها فهو جائز.
(الهدى والنور / ٨٢/ ٣١: ٢٠: .. )
حكم لعب كرة القدم
[الشيخ الألباني]: سأل سائلٌ في الأمس القريب عن مسألة قد ابتُلي بها أكثر المسلمين في كل بلاد الإسلام، فأحَبّ أن يعرف حكم الله ﵎ فيها، ألا وهي اللعب بكرة القدم حيث صارت شهرة كل شابٍّ نشأ في مجتمعٍ فيه شيءٌ مما يسمى اليوم بالمدنية، وجوابي على ذلك كما يأتي:
اللعب بالكرة لا يخرج عن أي لعبةٍ أخرى يتعاطاها المسلم فهي داخلة في عموم قوله ﵊: «كل لهوٍ يلهو به ابن آدم باطلٌ إلا ملاعبته لزوجه ومداعبته لفرسه، ورميه بقوسه، والسباحة». لقد ذكر النبي ﷺ هذه اللُعب والملاهي التي كان يلهو بها الناس يومئذٍ، فاستثناها من اللهو الباطل، ويجب أن نتنبّه هنا بمناسبة هذا الحديث بأمرين اثنين:
الأول: أن الحديث كما سمعتم بلفظ «باطلٌ» وليس بلفظ «محرمٌ».
والأمر الثاني: أننا إذا انتبهنا لهذا الفرق فحينئذ نعلم أن هناك فرقًا فقهيًّا أيضًا فإذا كان الحديث إنما ورد بلفظ باطلٌ فلا يعني أنه بمعنى محرمٌ، لأن الباطل هو أشبه ما يكون من حيث المعنى المراد منه هو «اللغو»، أما المحرم فهو حكمٌ صريحٌ في وجوب الابتعاد عنه، إذا عرفنا ذلك فحينئذٍ نستطيع أن نقول إن كلّ لهوٍ يلهو به الإنسان في أي زمان ومكان فهو لغوٌ باطلُ لا أجر له، هذا إن نجى من الإثمِ،
стр. 7377
والإثمُ قد يأتي من ذات النوع الذي يلعب به وقد يأتي مما يحيط بنوع اللعب الذي يلعب به، ولنضرب على ذلك مثلين اثنين فالأمر كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، المثلان هما: اللعب بالنرد، واللعب بالشطرنج.
فاللعب بالنرد منهي عنه بالنصّ ولذاته، فقد جاء وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه»، والنص الآخر هو: «من لعب بالنّرد فقد عصى الله ورسوله»، فإذَن لا يجوز اللعب بالنرد لذاته لما فيه من هذا الترهيب الشديد. «من لعب بالنرد فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه»، ومعلوم عند الجميع أن لحم الخنزير ودمه نجسٌ نجاسة عينية، فلا يجوز إذن اللعب بهذا النوع من الملاهي وهذا هو المثال الأول.
أما المثال الثاني: فكما ذكرت آنفًا اللعب بالشطرنج، لا يوجد هناك حديث صحيح في النّهي عن اللعب بالشطرنج وإذ الأمر كذلك فما حكمه؟ لا نستطيع أن نقول إنه حرام، لأنه لم يرد فيه نصٌ، ولا نستطيع أن نقول إنه مباحٌ مطلقا، لأنه داخل في الحديث الأول وهو: «كل لهوٍ» والنكنِ عنه باسم راويه وهو جابر بن عبد الله الأنصاري، فحديث جابر هذا فيه هذا العموم أن كل اللعب إنما هو باطل، فمن ذلك إذن اللعب بالشطرنج فهو باطل، هذا الباطل يجب أن يُنظر إليه بالنسبة لما قد يحيط به من منكرٍ يرفعه ويصُفّه في مصاف المحرمات، وإما أن يرفعه إلى مصاف المباحات، فإذا كان اللعب بالشطرنج كما هو الواقع اليوم فيه بعض التماثيل، مما يُعرف بمثلاً «الفيل» و «الفرس» و «المَلِك»، وأنا لا ألعبها لكن حسب ما أقرأ وأسمع أذكر هذه الأشياء منها، ولا شك عندكم جميعًا إن شاء الله إن لم يكن قد تسرّب إليكم بعض الآراء المنافية للسنة الصحيحة من أن الصور المحرمة إنما هي التي تضر في الأخلاق وليس هناك ما يضر في مثل هذه الأصنام في العقيدة لأن النبي ﷺ بما زعموا- نهى عن التصوير وعن اقتنائه نهيًا موقتًا من باب سد الذريعة وذلك قبل أن يتمكن التوحيد من قلوب أصحابه، فلما زالت الشبهة من
стр. 7378
قلوبهم وتمكن التوحيد من نفوسهم فانتفى هذا الحكم الشرعي ألا وهو التشديد في النهي عن التصوير وعن اقتناء الصور، هذه شبهة طالما سمعناها كثيرًا من بعض من لم يتفقهوا في الدين، ولا أريد أن أطيل في هذا المجال الآن، وإنما حسبي أن أذكّر أن التصوير بكل أنواعه سواء كان مصورًا بالقلم أو بالريشة أو بالدهان أو بالتطريز أو بأي آلة حديثة اليوم وهي كثيرة فما دام أن هناك ما يصح أن يطلق عليه لغةً إنه مُصوَّر وإنها صورة فلا يجوزُ تصويرها، وبالتالي لا يجوز اقتناؤها لدخول تلك الأنواع كلها في عموم هذه الأحاديث المشار إليها كمثل قوله ﵇ من حيث تحذيره عن التصوير:
«كل مصور في النار» ومن حيث نهيه عن اقتناء كل صورة ألا وهو قوله ﵇: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة أو كلب» إذ الأمر كذلك فلا يجوز اللعب بالشطرنج ما دامت هذه التماثيل ظاهرة فيه، وحينئذٍ إذا كان ولا بدّ من اللعب بالشطرنج فيجب القضاء على هذه التماثيل. بعد ذلك يأتي شرط ثاني؛ ألا وهو ألاّ يصبح اللاعب بالشطرنج عبدًا له، يصرفه عن عبوديته الحق بالنسبة لله ، يصرفه عن القيام بالفرائض الواجبة عليه، وليست هي الصلوات الخمس مثلاً ومع الجماعة؛ أي: لايكفي أن نقول إن المحضور من اللعب بالشطرنج هو فقط ألا يلهيه عن القيام بالواجبات والفرائض الخمس ومع الجماعة، بل يجب أن نقرن إلى ذلك أن هذا اللعب لا يصرفه عن كل واجبٍ فرضه الله ﵎ عليه كمثل مثلاً القيام بواجبه تجاه أهله، تجاه أولاده، تجاه إخوانه بصورةٍ عامة فإن خلا ولا أقول إذا خلا فإن خلا اللعب بالشطرنج من هذا النوع من المعاصي نقول حينذاك فهو جائز تمسكًا بالبراءة الأصلية، حيث أن الأصل في الأشياء الإباحة إلاّ إذا جاء نصٌّ يضطرّنا أن ننتقل منه إلى ما تضمنه الناقل من الحكم إما تحريمًا وإما كراهةً.
هذانِ مثالان من الأمثلة التي ابتلي الناس باللهو بها وإضاعة الوقت عليها مثالٌ منهيٌّ عنه مباشرةً ولا يجوز تعاطيه مطلقًا ألا وهو النرد، ومثالٌ لم يصح فيه نهي خاص ألا وهو الشطرنج، فيجب أن يدار الحكمُ فيه حسب ما يحيط به من المحاذير،
стр. 7379
فإن خلا عن شيء من ذلك جاز اللعب به من باب الترويح على النفس ليس إلا كما يقال.
إذا عرفنا حكم هذين المثالين انتقلنا إلى الجواب عن السؤال: وهو اللعب بالكرة. لاشك أن اللعب بالكرة هو شأن كل ألعاب أو شأن كل الألعاب التي تعرف اليوم -إلاّ ما ندر منها- فإن أصلها أعجميٌّ، فالنرد اسمه نردشير من فارس، والشطرنج أصله فيما أظن لعله من الصين أو غيره من البلاد، الشاهد كذلك كرة القدم فهذه لعبة وبدعة عصرية جاءتنا من البلاد الأوروبية، فإذا أراد المسلمون أن يلعبوا بها فأول كل شيء يجب أن ينوُوا التقوِّي؛ تقوية البدن استعدادًا لما يجب عليهم أن يخوضوا في العهد القريب أو البعيد في لقاء أعداء الله ﵎ فلا بد والحالة هذه أن تكون أبدانهم صلبةً قوية تثبتُ أمام أعداء الله الأشدّاء، فقد جاء في الحديث الصحيح من قوله ﵊: «إن المؤمن القويّ أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير» فلا يخلو المؤمن ولو كان ضعيفًا حتى في إيمانه لا يخلو من خير قد ينجيه من الخلود في العذاب يوم يقال لجهنم هل امتلأتِ فتقول هل من مزيد، فإذا كانت القوة مرغوبه في المسلم فإذَن لا مانع بل لعله يستحب أن يتعاطى المسلم هذا اللعب بهذه النيّة الصالحة، فقد جاء أيضًا في الصحيح قوله ﷺ في تفسير الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، قال ﵇: «ألا إن القوة الرميُ، ألا إن القوة الرميُ، ألا إن القوة الرمي» فاللعب بالرمي سواء كان قديمًا بالقوس أو حديثًا بالرصاص أو القذائف أو نحو ذلك من الأسلحة المدمّرة اليوم، فهو من الوسائل التي لا بد أن يتعاطاها المسلم لتقوية جسمه، ذلك قد يتطلب خروجًا عن البلد حتى لا يصاب بعض المسلمين خطأً بأذى الرمي.
أما هذه اللعبة، لعبة الكرة فهذه ليس فيها ما يخشى منها سوى ما قد أشرنا إليه آنفًا مما قد يتعرض له اللاعب بالشطرنج؛ فينبغي أن نقيد الجواز بتلك الشروط. ومن الملاحظ أن أكثر الألعاب ولنقُل بخاصة المبارايات التي تجري بين فريقين ولو
стр. 7380
كانا مسلمَين فإنه لا يُراعى في ذلك حدود الله ﵎ فقد تفوت اللاعبين بعض الصلوات كصلاة العصر مثلاً إذا بدأت المباراة قبل العصر أو صلاة المغرب إذا بدأت المباراة بعد صلاة العصر وقبيل صلاة المغرب، فهذا شرط يشمله ما سبق من الكلام. وثمة شيء آخر يتعلق بهذه اللعبة ومثيلاتها كلعبة كرة السلة ونحوها، فإن عادة الكفار ما دام أنهم هم الذين ابتدعوا هذه اللعبة أنهم يلبسون لها لباسًا خاصًا، ولباسًا قصيرًا لا يستر العورة الواجب سترها شرعًا، فاللباس هذا يكشف عن الفخذ، والفخذ كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: «الفخذُ عورة» فلا يجوز للاّعبين ولو كانوا متمرنين فضلاً عن ما إذا كانوا مبارين لغيرهم لا يجوز لهم أن يلبسوا هذا اللباس القصير، الذي يسمَّى في لغة الشرع -اللغة العربية- بالتُّبّان، والتبان هو السروال الذي ليس له كُمًّا، ويسمى في بعض البلاد باللغة الأجنبية بالشورت، وأنتم ما أدري ماذا تسمونه؟ هاه؟ كذلك؟ لعلها لفظة إنجليزية، فاسمها العربي احفظوا هذا، لأن من الإسلام أن نستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى، أن نستبدل اللفظ العربي باللفظ الأجنبي، أن نقيم اللفظ الأجنبي ونحل مكانه اللفظ العربي لأنها لغة القرآن الكريم.
فهذا اللباس التُّبّان لا يجوز للمسلم أن يلبسه أمام أحدٍ سوى زوجته فقط، فالذي إذَن يلعب هذه اللعبة أمام مرأى بعض الناس فذلك حرام، لا لذاتها وإنما لما أحاط بها من اللباس الغير مشروع فصار عندنا بالنسبة لهذه اللعبة خاصةً ألاّ تلهي كالشطرنج عن بعض الواجبات الشرعية وبخاصة الصلاة، وثانيًا أن يكون اللباس شرعيًا ساترًا للعورة، ويأتي ثالثًا أن يكون اللعب بما يسمى اليوم اسمًا على غير مسمّى بالروح الرياضية، أقولُ اسم على غير مسمى لأن كثيرًا مما يقع قتال وضرب بين المسلمين المتبارين فضلاً عن الكافرين، وفي الغرب تقع مشاكل ضخمة جدًا يروح فيها قتلى وهم يزعمون أن المقصود من هذه الألعاب هو تنمية الروح الرياضية، والمقصود بها بطبيعة الحال أن الإنسان لا يحقد إذا ما شعر بأن خصمه سيتغلب عليه أو تغلّب عليه فعلاً، فالمسلم لا يحقد ولا يحسد، فلا ينبغي أن تصبح
стр. 7381
هذه اللعبة أداة إفساد للأخلاق فحينذاك ولو توفرت الشروط أو الشرطان السابقان من حيث عدم أن يكون سببًا لإضاعة الصلوات أو لكشف العورات فلو فرضنا أن هذه اللعبة خلت من هاتين الظاهرتين المخالفتين للشرع ولكنها تنمي وتقوي في نفوس اللاعبين بها روح الانتقام والحقد والتغلب بالباطل على الخصم، فحينذاك يكون هذا الأمر من جملة الأسباب التي ينبغي منع تعاطي هذه اللعبة.
فإذَن الأصل-ألخّص الآن ما تقدم- الأصل في الملاهي التي يلهو بها الناس ما عدا الأربع الخصال المذكورة في حديث جابر أنها باطل لغو لا قيمة له ولا ينبغي للمسلم أن يضيّع وقته من ورائها اللهم إلاّ إذا حسنت النية ولا أقل فيها أن يكون المقصود الترويح عن النفس مع ملاحظة الشروط التي سبق ذكرها، هذا ما يتيسر لي من الجواب عن ذاك السؤال الذي كان وجه إليّ في الجلسة القريبة.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٣٢)
стр. 7382
متفرقات
стр. 7383
هل تدخل الألعاب التي تقوي الجسد في اللهو الباطل ؟
مداخلة: يا شيخ بالنسبة لحديث الرسول ﷺ أنه يعني: «كل لهو فهو باطل إلا من ثلاث»، يا شيخ يعني في باب يعني ما يتلهى به الإنسان قد يكون يعني له مصلحة جسدية فرضاً، في مثلاً لعب الكرة أو كذا من باب تنشيط الإنسان وإعانته على أمور الحق، فهل هذا مما يستثنى من الحديث؟
الشيخ: في حدود ما ذكرت يستثنى، لكن ما الذي تفهم من قوله: «باطل»؟
مداخلة: يعني: ذكر كثير يعني من العلماء أنه محرم، قول الرسول ﷺ باطل، ومنهم أذكر يعني الخطابي وأذكر هذا الكلام ابن القيم والله أعلم.
الشيخ: لكن بقى إذا كنا نأخذ قاعدة أنه مفاهيم المشايخ معتبرة، فقولك: كثير، له مفهوم.
ما هو مقابل الكثير؟
مداخلة: لا يعني أنا حينما قلت كثير أقصد يعني الذين قرأت عنهم كثير، ما أعرف إذا كان في أحد مخالف.
الشيخ: هاه، خير وكلمة: «باطل» تعني حرام ... ؟
مداخلة: الباطل؟
الشيخ: هاه.
مداخلة: هنا قد يكون وهو الظاهر يا شيخ.
الشيخ: طيب، فهي المسألة إذاً تحتاج إلى تحرير معنى هذه الكلمة؛ لأنه أنا لا أفهم أن كلمة باطل تعني حرام، أي: لا يجوز أن نقول إذا جاز لنا رواية الحديث بالمعنى: كل لهو يلهو به ابن آدم فهو حرام إلا الأشياء التي ذكرت أو الأربعة، وإنما باطل يعني: لا فائدة منه ضياع وقت .. ونحو ذلك.
стр. 7384
مداخلة: عبث يعني.
الشيخ: هاه؟
مداخلة: عبث.
الشيخ: عبث، لكن على كل حال لو نظرنا إلى الواقع الذي كان في ذلك العام لربما وجدنا أشياء لا تدخل في هذا المستثنى، فمسابقة الرسول لعائشة مثلاً، هذا لا يمكن أن نلحقه بالكلية، بل أن نلحقه بالأمور المستثناة في الحديث، هذا مثال مما كان في ذلك الزمان، الآن طبعاً جدت ملاهي كثيرة، فهذه الملاهي يجب أن تقيد بضوابط شرعية .. [حصل انقطاع يسير] .. هي هي بحكم المناط والعلة المفهومة، وأنت ذكرت مثالاً كرة القدم مثلاً، قلت أنا في حدود ما ذكرت [لا نرى] ذلك باطلاً فضلاً عن أن نراه محرماً، لكن بشروط لا تخفى على أهل العلم التي منها مثلاً: أن يكون اللباس شرعياً ولا يكون كاشفاً للعورة كما هو شأن إذا ما قلنا كل اللاعبين فجلُّ اللاعبين لهذه الكرة أو غيرها، كذلك: ألا تكون توقيت المباريات في أوقات الصلوات بحيث قد يضيعون الصلاة من أصلها، أو على الأقل يضيعون الصلاة مع الجماعة، فإذا ضبطت هذه الملاهي بضوابط شرعية فهي ليست ملاهي وإنما تكون مساعدة فعلاً لتقوية بدن المسلم، كما قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى خلافاً لظاهر الحديث: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، قال ﵊ كما في حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»، فهذا الحديث قد يفهم منه بعضهم حصر القوة بالرمي، لكن حقيقة الذي يفهم من الأسلوب العربي وبخاصة إذا كانت القوة هنا منافية لعموم قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فلا مجال لفهم الحديث إلا على الأسلوب العربي كمثل قوله ﵇: «الحج عرفة»، الحج عرفة إذا لم يفعل شيئاً إلا الوقوف في عرفة ...
جهلاً بالأسلوب العربي فلا حج له، ولكن قوله ﵇: «الحج عرفة» يعني: أنه أعظم ركن من أركان الحج هو الوقوف في عرفة،
стр. 7385
كذلك بالنسبة لذلك الزمان الذي كانت وسائل القتال فيه محدودة ما بين حربة وسهم وسيف، فكانت الحراب هي القوة التي يعني تشل قوة العدو، فقال ﵇ من باب بيان أهمية الرمي: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي».
فإذا وجدت الآن بعض الألعاب أو الملاهي تقوي أبدان المسلمين فلا مانع من ذلك أبداً، بل لعله يكون من الفروض الكفائية بالشروط الشرعية التي أشرت إلى بعضها على الأقل آنفاً.
(الهدى والنور /٣٠٦/ ٥٢: ٤٧: ٠٠)
من اللعب المباح
عن الشعبي رفعه: «أنه مر على أصحاب الدركلة، فقال: «خذوا يا بني أرفدة! حتى تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة». «قال: فبينما هم كذلك إذا جاء عمر، فلما رأوه انذعروا».
[ترجم له الإمام بقوله: من اللعب المباح].
[ثم قال]: غريب الحديث: «الدركلة» قال ابن الأثير: «يروى بكسر الدال وفتح الراء وسكون الكاف، ويروى بكسر الدال وسكون الراء وكسر الكاف وفتحها، ويروى بالقاف عوض الكاف، وهي ضرب من لعب الصبيان. قال ابن دريد: أحسبها حبشية. وقيل هو الرقص. «بني أرفدة» هو لقب للحبشة. وقيل هو اسم أبيهم الأقدم يعرفون به. وفاؤه مكسورة، وقد تفتح.
السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٤٣).
стр. 7386
حكم المزاح بما يُسمَّى بالنكت
مداخلة: ما حكم مسألة المزاح، ما حكمها؟ [وهل هو من] الكنايات؟
مداخلة: ... الكنايات ..
الشيخ: الكناية والمعاريض بارك الله فيك غير المزاح، الكذب في المزاح هو لعله أسوأ من الكذب في التعبير السوري: حاه، يعني: وحده، عرفت كيف؟ لأن الرسول ﵇ كان يمزح ولا يقول إلا حقًا، فإذا هذا زيد من الناس يمزح ويكذب فهذا معناه بأنه يرتكب إثمًا ومخالفة لسنة الرسول ﵇ الذي كان يمزح ولا يقول إلا حقًا، أما التعريض والكنايات فهذه قضايا أخرى، إذا كان هناك ضرورة للتعريض والكناية فهذا أولى من الكذب الصريح، لكن متى يفعل ذلك؟ لوجود الحاجة، أما هكذا يعتاد بدون مناسبة وبدون حاجة ولا يجوز أيضًا.
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (١) /٠٠: ٥٢: ٣٧)
ما صحة حديث: «أن الإنسان يؤجر في كل شيء إلا في البناء» وما مفهومه ؟
السائل: ما صحة الحديث: «أن الإنسان يؤجر في كل شيء إلا في البناء» وما مفهوم هذا الحديث الذي ورد في مشكاة المصابيح؟
الشيخ ﵀: نعم، هذا الحديث ثابت إذا ما تُتبعت طرقه ولا إشكال فيه، لأن المقصود فيه ما ابتلي المسلمون اليوم في هذا الزمان من الغلو في رفع البنيان وفي الإكثار من الغرف، فليس للمسلم في ذلك أجر بل يخشى أن يكون في ذلك عليه وزر.
أما المسلم إذا بنى دارًا حسب حاجته ونوى في ذلك كما ينوي بكل المباحات أن يستر نفسه، وأن يحفظها من الحر والقر، ومن أن يحتاج إلى النزول في الفنادق التي قد
стр. 7387
يجد فيها ما لا يسعه تغييره من المنكرات، فهو يؤجر لأن بناءه كان على قدر ما يسمح به الشرع، لقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله سلم أنه قال: «فراش لك وفراش لزوجك وفراش لضيفك والرابع للشيطان» ففي هذا تنصيص أن المسلم لا يجوز له أن يتوسع في البنيان وفي الثياب واللباس بأكثر مما هو بحاجة إليه فإنه يقع في الإسراف الذي يأمر به الشيطان وينهى عنه الرحمن ﵎, فالحديث الذي ينص على أن المسلم يؤجر في كل شيء إلا في البنيان لأنه يغلب على الباني أن يبني ما لا يستفيد منه إلا الأُبَّهة والفخفخة، وهذا بلا شك من عمل الشيطان لا يرضاه الله ﵎.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٦)
стр. 7388
كتاب الطب
стр. 7389
الحجامة
стр. 7390
حكم إسقاط الجنين المشوه
مداخلة: فيه عندي مشكلة شخصية تصادَف زوجتي حامل بالخمسة شهور ونصف، الأطباء يجمعوا على أن الطفل في رحمها مشوه، ودرجة التشويه فيه عالية جداً لدرجة أن الأطراف نبتت براعم فما أعرف ما الحكم .. الأطباء يقولون أن رأيي أن ينزل خوفاً من ضرر الأم النفسي والصحى، كون الطفل مش طبيعي في الرحم ..
الشيخ: هي زوجتك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لك منها أولاد سابقاً؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كم؟
مداخلة: عندي بنت والحمد لله سليمة معافة.
الشيخ: وزوجتك إن شاء الله ملتزمة؟
مداخلة: كيف ملتزمة؟
الشيخ: يعني متدينة؟
مداخلة: نعم والحمد لله.
الشيخ: متدينة، طبعاً أنا حينما أسأل هذا السؤال أولاً هو أني لأتمكن من إعطاء الجواب الشرعي، وثانياً لا أعني بالالتزام مجرد الصلاة والصيام فهل هي مؤمنة بقضاء الله وقدره وأن كل قضاء الله بالنسبة للمؤمن خير؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذا كان هكذا فإذاً ليس لك حاجة إلى سؤال الطبيب، إذا كان كذلك