Полный текст (5 605 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
٧ - رأي دعاة السنة في المذاهب:
وأما ترك المذاهب كلها، فعزو هذا إلى الدعاة إلى السنة لا يخلو مما يوهم خلاف ما هم عليه، ودفعاً لذلك أرى أنه لابد من بيان رأيهم في المذاهب وموقفهم منها فأقول:
من المعلوم عند العلماء أن المذاهب الأربعة وغيرها ليست آراؤها متفقة في كل الأحكام الشرعية، بل هي فيها على ثلاثة أقسام:
١ - قسم منها متفق عليه، كتحريم التشبه بالكفار-مثلاً-.
٢ - وقسم فيه خلاف، ولكنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، مثل أدعية الاستفتاح والتشهد.
٣ - وقسم فيه اختلاف شديد لا يمكن الجمع بين الآراء المختلفة فيه بوجه من وجوه الجمع المعروفة لدى العلماء، مثل: مس الرجل المرأة ونقض الوضوء به، فإن فيه ثلاثة أقوال مشهورة: النقض، وعدمه، والفرق بين أن يكون المس بشهوة فينقض وإلا فلا.
وإذا كان الأمر كما فصلنا، فكيف يعزو الشيخ للدعاة إلى السنة أنهم «يرون ترك المذاهب كلها»! مع أن هذا الترك يستلزم الإعراض عما فيها من الحق المسلم به لديهم؟ ! أليس هذا من الأدلة الكثيرة على أن الشيخ لا يتحرى الصواب حين يتهم خصومه في الرأي بما هم براء منه؟
ولعلم أنصار السنة بما سبق من التفصيل يضطرون إلى أن يبحثوا عن الحق في المذاهب كلها، ليس خارجاً عنها، ولا في مذهب معين منها، وهذا البحث
стр. 1962
قد بين لهم فضل أئمة المذاهب، وعلمهم، ودقة فهمهم للكتاب والسنة، وتنبهوا بسبب ذلك لكثير من دقائق المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة، فاستفادوا بسببهم علوماً كثيرة في أوقات يسيرة، لولاهم لما وصلوا إليها، فجزاهم الله عن المسلمين خيراً.
ولهذا فإن أنصار السنة أعرف بفضل الأئمة وعلمهم من أتباعهم الذين يقلدونهم على جهل بطرق الاستنباط والاستدلال، والله تعالى يقول: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
هذا، ثم إن الدعاة إلى السنة لما تبين لهم بعد البحث في المذاهب أن فيها الخلاف المذكور في القسم الثالث، لم يجيزوا لأنفسهم أن يتمسكوا بمذهب معين فيها، لأنهم علموا أن الصواب في الخلاف المذكور ليس محصوراً في مذهب واحد منها، بل هو مشاع بين جميعها، فالحق في المسألة الفلانية في المذهب الفلاني، وفي المسألة الفلانية في المذهب الفلاني وهكذا سائر المسائل، فلو أنهم تمسكوا فيها بالمذهب لأضاعوا كثيراً من الحق الوارد في المذاهب الأخرى وهذا لا يجوز عند مسلم عارف.
ولما كان لا سبيل لمعرفة الحق مما اختلف فيه الناس إلا بالرجوع إلى السنة على ما بيناه فيما سبق، جعلها الدعاة إلى السنة الأصل الذي يرجعون إليه، والأساس الذي يبنون آراءهم وأفكارهم عليه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لما كان الأئمة قد بذلوا جهوداً مشكورة في سبيل توضيح السنة وتقريبها للناس وبيان الأحكام الممكن استنباطها منها،
стр. 1963
فإن الدعاة إلى السنة لا يسعهم إلا الاستفادة من علمهم والاستعانة بآرائهم على فهم الكتاب والسنة، وبذلك يجمعون بين المحافظة على الأصل (السنة) وبين تقدير الأئمة قدرهم اللائق بهم، وذلك مما وصى به السلف أتباعهم، فقال عبد الله بن المبارك-﵁:
«ليكن الأمر الذي تعتمدون عليه هذا الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث».
ذلك رأي الدعاة إلى السنة في المذاهب، وذلك موقفهم من أئمتها، فهل فيه ما يحمل المنصف على الطعن بهم والتنفير منهم؟ أم ذلك ما ينبغي أن يكون عليه كل مسلم عرف الفرق بين كلام المعصوم وكلام غيره، ثم لم ينس الفرق بين الغاية والوسيلة؟
٨ - التقاء الطنطاوي مع الدعاة إلى السنة في ترك المذهب أتباعاً للسنة:
بعد هذا البيان أستطيع أن أقول: إن موقف الصديق الطنطاوي من المذاهب لا يختلف كثيراً عن موقف دعاة السنة منها، ذلك لأن الطنطاوي يرى الخروج من المذهب جائزاً، بدليل إنكاره في مقاله هذا «مشكلة» على من «يرى الإسلام في اتباع مذهب من المذاهب الأربعة والوقوف عندما أفتى به متأخرو فقهائه ... » ويؤيد هذا قوله في مقدمة كتاب «قانون الأحوال الشخصية» (ص/٦):
«ومن السياسة الشرعية أن يفتح للناس باب الرحمة من الشريعة، ويؤخذ من غير المذاهب الأربعة، ما يؤدي إلى جلب مصلحة عامة أو دفع ضرر عام».
стр. 1964
وعلى هذه السياسة جرى حضرة الصديق في «مشروع الأحوال الشخصية» الذي تحدث عنه في المقدمة المذكورة، فخالف فيه مذهبه الحنفي في مسائل كثيرة، أكتفي بذكر مسألتين منها على سبيل المثال:
١ - قال الشيخ في المقدمة (ص/٥):
«وقد عدل المشروع عن المذهب الحنفي الذي يحدد أقل المهر بعشرة دراهم إلى المذاهب الثلاثة التي لا تجعل لأقله حداً».
٢ - ثم قال فيها (ص/٦ - ٧):
«نص أيضاً (يعني المشروع) على وقوع طلقة واحدة بالطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة أخذاً بما رواه مسلم في صحيحه من أن (طلاق الثلاث كان يقع واحداً على عهد رسول الله ﵌ .. الخ) وبرأي ابن تيمية».
والواقع أن حضرة الشيخ الطنطاوي قد وُفِّقَ للصواب فيما ذهب إليه في هاتين المسألتين، وقد بين هو في المسألة الأولى خلافه للمذهب الحنفي، وذهابه إلى المذاهب الثلاثة.
وأما المسألة الأخرى فخلافه فيها أشد لأن أحداً من أئمة المذاهب الأربعة لم يأخذ بحديث مسلم الذي ذكره هو، وإن أخذ به غيرهم من الأئمة.
وما ذهب إليه الشيخ في هاتين المسألتين، هو مذهب الدعاة إلى السنة، قبل أن يكتبهما الشيخ في مشروعه بسنين.
وقد رأيت أنه في المسألة الثانية إنما ذهب إلى خلاف الأئمة الأربعة أخذاً بالحديث وبرأي ابن تيمية، وهذا هو عين ما يصنعه الدعاة إلى السنة، فإنهم
стр. 1965
يأخذون بالحديث الصحيح مدعمين فهمهم إياه بتبني بعض الأئمة له كابن تيمية ومن قبله من أئمة الفقه والحديث، فما بال الشيخ ينكر عليهم هذا وهو معهم فيه فعلاً؟ !
وخلاصة القول: إن الدعاة إلى السنة لا يتركون المذاهب كلها جملة وتفصيلاً، بل إنهم يحترمونها ويقدرون أئمتها، ويستعينون بها على فهم الكتاب والسنة، ثم يتركون من أقوالهم وآرائهم ما تبين أنه على خلاف الكتاب والسنة، وذلك من تمام إجلالهم واتباعهم، كما قال أبو الحسنات اللكنوي في «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» بعد أن ذكر أن عصام بن يوسف البلخي من أصحاب أبي يوسف ومحمد كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، قال أبو الحسنات (ص/١١٦):
«يُعلَمُ منه أن الحنفي لو ترك في مسألة مذهب إمامه لقوة دليل خلافه لا يخرج به عن ربقة التقليد، بل هو في عين التقليد في صورة ترك التقليد، ألا ترى إلى أن عصام بن يوسف ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع ومع ذلك هو معدود في الحنفية».
قال: «وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها ويخرجونه عن جماعة مقلديه، ولا عجب منهم فإنهم من العوام، إنما العجب ممن يتشبه بالعلماء، ويمشي مشيهم كالأنعام».
٢ - ثم قال الشيخ الطنطاوي تفريعاً على ما ذكر في الفقرة الأولى من
стр. 1966
المقال، عن الدعاة إلى السنة:
«فكل من استطاع أن يقرأ في البخاري ومسلم ومجمع الزوائد، وأن يفتش عن اسم الراوي في التقريب والتهذيب، وجب عليه الاجتهاد وحرم عليه التقليد».
أقول: في هذه الكلمة ما يوهم أيضاً خلاف ما عليه الدعاة إلى السنة وإليك البيان:
٩ - تعريف التقليد وبيان ما يحرم منه وما يجب:
من المقرر عند العلماء أن التقليد هو «أخذ القول من غير معرفة دليله» ومعنى ذلك أن التقليد ليس بعلم، ولذلك جزم العلماء بأن المقلد لا يسمى عالماً، بل نقل الاتفاق على ذلك ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٣٦، ١١٧)، وابن القيم في «أعلام الموقعين» (٣/ ٢٩٣) والسيوطي وغيرهم من المحققين، حتى بالغ بعضهم فقال: «لا فرق بين بهيمة تُقلدُ وإنسان يقلد»! وأطلق بعض الحنفية عليه اسم الجاهل!
فقال صاحب الهداية في صدد الكلام على تولية المقلد على القضاء:
«فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، خلافاً للشافعي».
ولذلك قالوا: إن المقلد لا يجوز له الإفتاء.
فإذا عرف هذا يظهر السبب الذي من أجله حمل السلف على التقليد والمقلدين وصرحوا بذمه وتحريمه. ذلك لأنه يؤدي بصاحبه إلى الإعراض عن الكتاب والسنة في سبيل التمسك بآراء الأئمة وتقليدهم فيها، كما هو
стр. 1967
الواقع بين المقلدين، مما هو مشهور عنهم، بل هو ما قرره بعض متأخريهم من الحنفية، فقال الشيخ محمد الخضري في صدد الكلام عن دور التقليد وأهله:
« ... ولا يستجيز الواحد منهم لنفسه أن يقول في مسألة من المسائل قولاً يخالف ما أفتى به إمامه، كأن الحق كله نزل على لسان إمامه وقلبه! حتى قال طليعة فقهاء الحنفية في هذا الدور وإمامهم غير منازع وهو أبو الحسن عبيد الله الكرخي: «كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ» وبمثل هذا أحكموا دونهم إرتاج باب الاختيار».
وقد استولى هذا التوجيه الخاطئ على قلوب كثير من المقلدة، لا سيما في الأزمنة المتأخرة، بحيث صار من المعروف المشهور ردهم السنن الصحيحة اتباعاً للمذهب فإذا قيل لأحدهم: هذه المسألة التي ذكرتها خلاف السنة، بادرك بقوله: أأنت أعلم بالسنة من علماء المذهب؟ ! لا يجوز العمل بالحديث لغير المجتهد! هذا جوابهم جميعاً لا فرق في ذلك بين عاميهم وعالمهم!
وهم حين يجيبونك بهذا الجواب الذي لا يمكن أن يصدر ممن عرف قدر حديث رسول الله ﵌ والأدب معه، يجهلون أو يتجاهلون أن الحديث الذي لم يأخذ به مذهبهم قد قال به مذهب آخر أو إمام آخر ليس هو دون مذهبهم أو إمامهم، فالذي ذهب إلى الحديث يكون قد أخذ به وبالمذهب الذي عمل به، بينما مخالفه إنما يعمل بالمذهب فقط! .
قد يقال: إن المذهب لابد له من دليل، ولكنا لا نعلمه، فنقول: إذا
стр. 1968
كان الأمر كما تقول فكيف يجوز لمسلم أن يترك الدليل الذي عرفه وهو حديث رسول الله ﵌ لدليل لا يعلمه، وقد يكون لو علمناه قياساً أو استنباطاً من عمومات أو كليات الشريعة لا ينهض تجاه الحديث إذ لا اجتهاد في مورد النص، وإذا ورد الأثر بطل النظر، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل؟
هذا التقليد الذي هو رد الحديث انتصاراً للمذهب ونحوه هو الذي يحرمه دعاة السنة، ويدعون المسلمين جميعاً إلى الخلاص منه، بالرجوع إلى اتباع السنة أينما كانت، وفي أي مذهب وجدت.
وأما تقليد المسلم من هو أعلم منه حين لا يجد نصاً عن الله ورسوله، أو حين لا يمكن الفهم عنهما فليس مما نحن فيه، بل لا يتصور أن يقول بتحريمه مسلم، لأنه مضطر إليه، والضرورات تبيح المحظورات، ولولا ذلك لصار الدين هوى متبعاً-والعياذ بالله تعالى-. ولهذا ذكر العلماء: «إن التقليد إنما يباح للمضطر، وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد، فهو كمن عدل إلى الميتة مع قدرته على المذكي، فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة».
١٠ - الفرق بين التقليد والاتباع:
ولا يليق بالعاقل البصير في دينه أن يفهم مما سبق من بيان تحريم التقليد، أن الاجتهاد واجب على كل مسلم مهما كان شأنه في العلم والفهم، فإنه خطأ بين، ويظهر أن الشيخ سبق إليه هذا الفهم مما بلغه من تحريم دعاة السنة للتقليد، فاستلزم من ذلك أنهم يوجبون الاجتهاد على كل مسلم، مهما كانت
стр. 1969
منزلته في العلم، وذلك واضح من كلمته في هذه الفقرة وهو قوله: «وجب عليه الاجتهاد وحرم عليه التقليد» فجعل المحرم، هو الاتباع الواجب على كل مسلم، وبينهما فرق ظاهر، قال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي:
«التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما يثبت عليه حجة، وقال في موضع آخر: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ، والتقليد ممنوع».
وأما الاجتهاد فمن المعلوم أنه «بذل الوسع لمعرفة الحكم من كتاب الله وسنة رسوله» ولا شك أنه فرض كفائي لا يجب على كل مسلم، بل لا يستطيعه إلا القليل منهم، بل قد ندر المجتهدون اليوم بسبب غلبة التقليد على العلماء والقيود التي وضعوها للمجتهد، ومن العجائب أن الذين اشترطوا تحقق تلك الشروط في العالم حتى يسوغ له الاجتهاد هم من المقلدة الذين لا يدينون إلا بما قال إمامهم! فهم في الواقع متناقضون، يمنعون الاجتهاد ويوجبون التقليد، ثم هم يجتهدون ولا يقلدون، وليتهم إذا اجتهدوا أصابوا الحق ولم يخطئوه!
ويطول بنا المقال لو أردنا أن نذكر الأدلة على ذلك، فأكتفي بمثال واحد يراجع في التعليق.
стр. 1970
والذي أراه أن (الاجتهاد) ليس عسيراً كما يظن البعض بل هو ميسور لمن كان عنده أهلية الخطاب، وفهم أدلة ما يحتاجه من أدلة الكتاب والسنة، وبتعبير آخر إن الذي عنده أهلية لفهم كتب المذاهب وعباراتهم، سيما ما كان منها للمتأخرين فإنها تشبه الألغاز أحياناً، يستطيع أن يفهم كتاب الله وسنة رسوله ﵌، فإنهما بدون ريب أبين وأوضح من كل ما سواهما من الكلام، خصوصاً إذا استعان على ذلك بكتب أهل العلم من التفسير، وشروح الحديث، وبمبسوطات الفقه، التي تتعرض لذكر أدلة المختلفين، كالمجموع للنووي، وفتح القدير لابن الهمام، ونيل الأوطار للشوكاني ونحوها، ومن أنفعها كتاب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» للعلامة ابن رشد، فإنه إنما ألفه لإعداد طلاب العلم للوصول إلى رتبة الاجتهاد، كما صرح بذلك في الكتاب نفسه.
وخلاصة القول: إن الدعاة إلى السنة لا يوجبون الاجتهاد إلا لمن كان عنده أهلية، وإنما يوجبون الاتباع على كل مسلم، ويحرمون-اتباعاً للسلف- التقليد إلا عند الضرورة وعدم الوقوف على السنة، فمن نسب إليهم خلاف هذا فقد تعدى وظلم، ومن طعن فيهم بعد هذا فإنما يطعن في السلف، وفيهم الأئمة الأربعة وإن ادعى أنه سلفي! إذ ليست السلفية إلا فهم ما كان عليه السلف الصالح، ثم السير على ذلك، وعدم الخروج عنه.
ومما سبق يتبين للقارئ الكريم خطأ قول الأستاذ الطنطاوي في تمام الفقرة الرابعة: «وإن المحدثين كالصيادلة والفقهاء كالأطباء، والصيدلي يحفظ ... » فإن هذه الكلمة على إطلاقها تجرد المحدثين من صنعة الفقه والفهم لما
стр. 1971
يحملون من حديث النبي ﵌، كما أنها تجرد أيضاً الفقهاء من العلم والإطلاع على حديثه ﵌، ولا يخفى ما في ذلك من الطعن في الفريقين معاً. وأنا لا أنكر أن يكون في الفقهاء من هو أفقه من بعض المحدثين، كيف وقد أشار لهذا قوله ﵌ في الحديث المشهور عنه: «نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ولكن ليس معنى ذلك أنه يسوغ لنا وصف المحدثين إطلاقاً بعدم الفقه، كما هو ظاهر عبارة الشيخ، فإن الحديث المذكور صريح في ردها حيث قال: «رب حامل فقه ليس بفقيه ... » فأشار إلى قلة ذلك في المحدثين، لأن الأصل في «رُبَّ» أنها للتقليل، وكيف لا يكون الأصل في حق المحدثين ما ذكرناه، وهم ممن عناهم رسول الله ﵌ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» قال ابن المديني: هم أصحاب الحديث، والذين يتعاهدون مذهب الرسول ﵌ ويذبون عن العلم، لولاهم لأهلك الناس المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي.
ثم إنما تظهر الفائدة من التفريق بين معرفة الحديث، وبين استنباط الأحكام منه والتفريق بين المحدث والفقيه في مسألة اختلف فيها الطرفان ودليل كل منهما هو عين دليل الآخر، وإنما الخلاف في فهمه وتطبيقه، ففي هذه الصورة يمكن ترجيح رأي الفقيه على رأي المحدث، وهذا على كل حال بالنسبة للمقلد الذي لا معرفة عنده بطرق الترجيح! وأما بالنسبة للمتبع فقد يترجح عنده رأي المحدث على رأي الفقيه لأدلة ظهرت له.
стр. 1972
وأما إذا كان منشأ الخلاف بين الطرفين إنما هو اختلاف الدليل فأحدهما يحتج بالحديث والآخر بالرأي والقياس أو بحديث ضعيف، فهاهنا لا تظهر الفائدة من التفريق الذي ذكره الشيخ، بل تكون النتيجة خلاف ما قصد إليه الشيخ-حفظه الله تعالى-، ولنوضح هذا بمثال:
رجل سها فصلى الظهر خمساً، فالحنفية تقول إن هذه الصلاة باطلة إن لم يكن قعد قدر التشهد وسجد في الخامسة، وإن كان قعد في الرابعة قدر التشهد فقد تمت له الظهر والخامسة تطوع، وعليه أن يضيف إليها ركعة ثم يتشهد ويسجد سجدتي السهو، وهذا يخالف مخالفة ظاهرة حديث الشيخين، عن ابن مسعود قال: صلى رسول الله ﵌ الظهر خمساً فقيل له أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذاك»؟ قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم فليس في الحديث ما يقوله الحنفية من إضافة الركعة السادسة، ولا أنه ﵌ جلس للرابعة، ولهذا ذهب إلى ظاهر الحديث الجمهور فقالوا: من صلى الظهر خمساً يكفيه سجدتا السهو، ولو لم يقعد في الرابعة.
فهاهنا نسأل فضيلة الشيخ: هل الفرق الذي ذكرته له تأثير في هذه المسألة وأمثالها، بمعنى هل يجوز للمحدث الذي نشأ مثلاً على المذهب الحنفي أن يأخذ بهذا الحديث ولو خالف المذهب، أم تقول: إنه يجب عليه التمسك بالمذهب ولو خالف الحديث بناء على «أن المحدثين كالصيادلة والفقهاء كالأطباء»؟ فإن قلت بالأول فقد وافقت الدعاة إلى السنة فإنه الميدان الذي يدعون الناس إليه، وإن قلت بالثاني-لا سمح الله- فهو مخالفة للكتاب والسنة، وخروج عن تقليدك لإمامك الذي أمرك بتقديم حديث رسول الله ﵌ -
стр. 1973
على قوله! كما أنه يلزمك أن تصف الجمهور من الأئمة الذين أخذوا بظاهر هذا الحديث بأنهم كالصيادلة، والذين خالفوه كالأطباء! !
أيها الصديق: إن الفهم في الدين ليس محصوراً بطائفة دون أخرى، فلا يلزم من اختصاص البعض في علم الفقه أن يكون مصيباً في كل ما يستنبطه من الشرع كما لا يلزم من اختصاص الآخر في علم الحديث أن يكون مخطئاً في كل ما يستنبطه منه، فالمرجع إذن هو الدليل، فمن قام الدليل على إصابته ومعرفته للحق فيما اختلف فيه الناس كان هو الفقيه سواءً كان معروفاً بالتخصص في الحديث أو الفقه، ولذلك كان الأحرى بك أن ترد على أنصار السنة في بعض المسائل التي تراهم أخطؤوا فيها الحق على ما تقتضيه الأدلة الشرعية لا حسبما يلزم من المذهبية الضيقة، إنك لو قبلت ذلك لظهر للناس أي الفريقين أهدى سبيلا، ولساعد ذلك المسلمين على السير في هذا المنهج العلمي الجديد، الذي يعين على كشف الحقائق، وتقريب وجهة الخلاف بين المسلمين ما استمروا فيه.
٤ - ثم قال الشيخ:
«وإن الصحابة أنفسهم لم يكن فيهم إلا مائة ممن يفتي، وإن مائة الألف من المسلمين الذين توفي عنهم رسول الله ﵌ كانوا يرجعون إلى هذه المائة، ولا يجتهدون لأنفسهم».
قلت: وهذه هفوة من الشيخ-حفظه الله-، فمن أين له أنه لم يكن في الصحابة إلا هذا العدد من المفتين؟ ! ونحن نقطع بأنهم كانوا أكثر من ذلك
стр. 1974
بكثير لأنه اللائق بفضلهم وصحبتهم للنبي ﵌ وإن كنا لا نستطيع أن نعين عددهم إلا أنه قد نص من قوله حجة في هذا الموضوع على عدد أكثر مما ذكره الشيخ، بل جزم بأن كل من تشرف بصحبته ﵌ والتلقي من علمه أفتى الناس، فقال الإمام ابن حزم:
«وكل من لقي النبي ﵌ وأخذ عنه أفتى أهله وجيرانه وقومه، وهذا أمر يعلم ضرورة، ثم لم ترو الفتيا في العبادات والأحكام إلا عن مائة ونيف وثلاثين منهم».
تعقيب الأستاذ علي الطنطاوي:
١ - أنا أولاً، لست ممن يتألم أو يغضب إن رد عليه، والرجوع عن رأي أعلنته، وظهر لي خطؤه، أهون علي من شربة الماء.
٢ - وقد قرأت رد الشيخ ناصر، منتظراً أن أرى فيه ما يظهر لي خطأ رأيي، فلم أجد فيه رداً، بل وجدت قد انتهى هو إلى مثل رأيي أنا.
٣ - وأنا أقول: (وقد أعلنت هذا في محاضرة مطبوعة ألقيتها سنة ١٣٥٠ هـ) إن الله إنما تعبدنا بالكتاب والسنة، وإن الاجتهاد أصل، والتقليد ضرورة، وإنه ليس كل ما قال الفقهاء على درجة سواء فما كان مستنداً فيه إلى نص فهذا هو القول الملزم، وما كان عن اجتهاد فهذا الذي قيل في مثله: إن تغير الأزمان لا يغير الأحكام.
٤ - ولكن المسألة هي: هل إن كل مسلم، حتى الجاهل الأمي يأخذ الأحكام رأساً من الكتاب والسنة، أم أن هنالك شروطاً للاجتهاد؟
стр. 1975
هناك شروط، والإطلاع على طرق الحديث، والاتساع في روايته (وهذا ما نقر به للشيخ ناصر) لا يكفي لاجتهاد، بل لابد مع ذلك من دراسة الفقه والوقوف على علم الخلاف، والتمكن من العربية علماً وسليقة، ومعرفة أسباب نزول الآية وورود الحديث (أي ظروف النص)، والوقوف على أعراف الناس وأوضاعهم، إلخ ما هنالك وشروطه.
وهذا ما تضمنه كلامي، الذي جاء الشيخ ناصر، يرد عليه فعاد إليه.
٥ - وإذا كان الشيخ ناصر يستطيع الاجتهاد، فأهلاً وسهلاً، ولكن لا في العبادات فقط، فهذه مسائل فيها نصوص كثيرة، وقد فرغ منها، وكل ما يأتي به قد أتى به ناس من قبل، ولكن ليتفضل فليأخذ القانون المدني (الذي ابتلينا به مع الأسف) وليبين لنا حكم الله في كل مادة منه، بدليل من الكتاب والسنة.
٦ - وأنا أشكر لأخي على كل حال ما بذل من جهد في إعداد هذا البحث والسلام عليه ورحمة الله.
«مقالات الألباني» (ص ٢٩ - ٥٤)
стр. 1976
خطر التعصب المذهبي
[قال الإمام معلقًا على قول أبي حنيفة بعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه]:
هذا والذي أعتقده أن أئمتنا الأولين-أبا حنيفة وغيره- لم تبلغهم تلك الأحاديث المتواترة عنه ﵌ في رفع اليدين في الموضعين المذكورين، ولو بلغتهم؛ لأخذوا بها، وتركوا حديث ابن مسعود؛ كما تركوا حديث التطبيق للأحاديث المعارضة لذلك.
ويؤيد ذلك أن أبا حنيفة ﵀ لما سأله بعض المحدثين عن سبب تركه رفع اليدين؟ قال: «لأنه لم يصح فيه حديث عن رسول الله ﵌». في حكاية ذكرها علماؤنا في كتبهم! فهل يعقل أن يقول عالم مثل أبي حنيفة هذا الجواب في حديث متواتر رواه عشرون من الصحابة، وعملوا به؟ ! كلا، ثم كلا. ولكن عذره في ذلك أنها لم تبلغه، ولم يكن عنده علم بها؛ فجاز له أن يقول: لم يصح فيه شيء. وبالتالي جاز له ترك العمل بها.
لكن إذا جاز ذلك لأبي حنيفة وأمثاله من المتقدمين؛ فلن يجوز ذلك مطلقاً للمتأخرين من أتباعه الذين اطلعوا على هذه الأحاديث الكثيرة، وعلموا صحتها، وأنه لا ينهض شيء من الأخبار لمعارضتها، فهم إذا تركوها تعصباً
стр. 1977
لأبي حنيفة، وتقليداً له؛ فهم مع مخالفتهم للسنة الثابتة عنه ﵌، مخالفون أيضاً لإمامهم؛ فإنه ﵁ لأمثال هؤلاء وَجَّه تلك الأقوال المأثورة عنه ﵁؛ كقوله:
«إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي». وقوله:
«لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا». فإذا كان ﵁ لا يحل لأحد أن يفتي بقوله في مسألة إلا إذا علم دليله فيها؛ فكيف يجيز لأحد من أتباعه أن يفتي فيها وقد علم ضعف ما استند إليه بالنسبة للأدلة الصحيحة الأخرى-كما في مسألتنا هذه، وغيرها من المسائل الماضية والآتية-؟ !
فنحن نحمد الله أن وفقنا لاتباع سنة نبيه ﵌، ونرجو منه تعالى أن يجزي خير الجزاء الإمام أبا حنيفة وغيره من الأئمة الذين وجهونا هذا الاتجاه الحسن نحو السنة؛ بأمثال هذه الأقوال الجوهرية الثمينة.
فثبت بما ذكرنا أن من ترك السنة الثابتة لقول إمام؛ فهو مخالف له، وهو غير راضٍ عنه. ولذلك خالفه في هذه المسألة غير ما واحد من أتباعه المتقدمين والمتأخرين. وأقدم من وقفنا عليه منهم هو عصام بن يوسف: أبو عصمة البلخي، تلميذ أبي يوسف ﵀، المتوفي سنة (٢١٥ هـ)، فقد أوردوه في تراجم الحنفية، وذكروا أنه كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه.
وعلق على ذلك العلامة أبو الحسنات اللكنوي في كتابه «الفوائد البهية»:
«يعلم منه بطلان رواية مكحول عن أبي حنيفة: «أن من رفع يديه في
стр. 1978
الصلاة؛ فسدت صلاته» -التي اغتر أمير كاتب الإتقاني بها-؛ فإن عصام بن يوسف كان من ملازمي أبي يوسف، وكان يرفع، فلو كان لتلك الرواية أصل؛ لعلم بها أبو يوسف وعصام». ثم قال:
«ويعلم أيضاً أن الحنفي لو ترك في مسألة مذهب إمامه لقوة دليل خلافه، لا يخرج به عن ربقة التقليد، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد ... » إلخ كلامه. وقد ذكرناه بتمامه في «المقدمة» فراجعه.
وأما المتأخرون، فهم كثيرون والحمد لله، لا سيما حنفية الهند؛ فإنهم-بارك الله فيهم- أكثر المسلمين اليوم علماً وعملاً بالسنة، وأقلهم تعصباً للمذهب، إلا ما وافق الحق منه، فمنهم: أبو الحسن السندي-وقد مضى كلامه في ذلك قريباً-. ومنهم: ولي الله الدهلوي في «حجة الله البالغة» (٢ - ١٠)، وأبو الحسنات اللكنوي في «التعليق الممجد على موطأ محمد» (٨٩ - ٩١)، والشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه «فيض الباري» (٢/ ٢٥٧) ولولا خشية الإطالة؛ لنقلت كلماتهم في ذلك، فاكتفينا بالإشارة إليها، وإلى مواضعها من كتبهم، فليراجعها من شاء.
وأقول أيضاً: إنه لم يخل قرن فيما مضى إلا ووجد فيه كثير من الحنفية يعملون بالسنة وإن خالفت المذهب، ولكن موانع-يعلمها أهل العلم- منعت من وصول أخبارهم إلينا، أو تظاهرهم بها أمام أتباعهم المتعصبين، وقد كان الشيخ صالح الحمصي ﵀-وهو من علماء الحنفية- يرى سنية الرفع هذا، ولكنه كان لا يفعل ذلك خوفاً من قيام المتعصبين عليه، كما صارحني بذلك ﵀.
стр. 1979
ومما يؤيد هذا الرأي أنه وجد في القرن الثامن من الهجرة بعض الأئمة الحنفية كان يرفع يديه في كل تكبيرة وهو إمام، فجاء في فتوى شيخ الإسلام ما ملخصه (٢/ ٣٧٥ - ٣٨٠): مسألة في رجل حنفي؛ صلى في جماعة، ورفع يديه في كل تكبيرة، فأنكر عليه فقيه الجماعة، وقال له: هذا لا يجوز في مذهبك، وأنت مبتدع فيه، وأنت مذبذب، لا بإمامك اقتديت، ولا بمذهبك اهتديت، فهل ما فعله نقص في صلاته، ومخالفة للسنة ولإمامه، أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى بعد أن أثبت سنية الرفع عند الركوع والرفع منه، ونفى سنية الرفع مع كل تكبيرة-وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم، ويأتي بيان خطأهما في ذلك في محله إن شاء الله تعالى-، قال شيخ الإسلام:
«وإذا كان الرجل متبعاً لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى، فاتبعه؛ كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله ﵌ ممن يتعصب لواحد معين غير النبي ﵌، ويرى أن قوله هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه، فمن فعل هذا؛ كان جاهلاً ضالاً، بل قد يكون كافراً، فإنه متى اعتقد أنه يجب على العامة تقليد فلان وفلان؛ فهذا لا يقوله مسلم. ومن كان موالياً للأئمة، محباً لهم، يقلد كل واحد منهم فيما يظهر أنه موافق للسنة؛ فهو محسن في ذلك، بل هو أحسن حالاً من غيره، ولا يقال لمثل هذا: مذبذب؛ على وجه الذم، وإنما المذبذب المذموم الذي لا يكون مع المؤمنين ولا مع الكفار؛ بل يأتي المؤمنين بوجه، ويأتي الكفار بوجه، كما قال تعالى في حق المنافقين: ﴿إن المنافقين يخادعون
стр. 1980
الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. مذبذبين بين ذلك ... ﴾ الآية». قال:
«ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين؛ فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين؛ كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ﵄ فهذه طرق أهل البدع والأهواء، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه؛ ففيه شبه من هؤلاء، سواءً تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم.
ثم غاية التعصب لواحد منهم أن يكون جاهلاً بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين؛ فيكون ظالماً جاهلاً، والله يأمر بالعدل والعلم، وينهى عن الجهل والظلم.
وهذا أبو يوسف ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة، وأعلمهم بقوله، وهما قد خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى؛ لما تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما اتباعه، وهما مع ذلك معظمان لإمامهما، لا يقال فيهما: مذبذبان! بل أبو حنيفة وغيره من الأئمة يقولو القول، ثم تتبين له الحجة في خلافه؛ فيقول بها، ولا يقال له: مذبذب.-فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان-، بل هذا مهتدٍ زاده الله هدى، وقد قال تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾.
فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق ويتبعه حيث وجده، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب؛ فله أجران، ومن
стр. 1981
اجتهد منهم فأخطأ؛ فله أجر لاجتهاده، وخطؤه مغفور له. وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ما يسوغ، وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعاراً يوجب اتباعه، وينهى عن غيره مما جاءت به السنة» قال:
«وجمهور المتعصبين لا يعرفون من الكتاب والسنة إلا ما شاء الله، بل يتمسكون بأحاديث ضعيفة، أو آراء فاسدة، أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ، قد تكون صدقاً، وقد تكون كذباً، وإن كانت صدقاً؛ فليس صاحبها معصوماً. يتمسكون بنقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، ويدعون النقل المصدق عن القائل المعصوم، وهو ما نقله الثقات من أهل العلم، ودونوه في الكتب الصحاح عن النبي ﵌؛ فإن الناقلين لذلك مصدقون باتفاق أئمة الدين، والمنقول عنه معصوم، لا ينطق عن الهوى، ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾، قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته واتباعه؛ قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، وقال: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾» أ. هـ.
(صفة صلاة النبي (٢/ ٦١٥ - ٦٢٠ - ٠٠)
стр. 1982
هل المسلم ملزم باتباع
أحد أصحاب المذاهب ؟
مداخلة: هل المسلم ملزم باتباع أحد أصحاب المذاهب المُتَّبعة: الإمام أحمد والإمام الشافعي؟
الشيخ: المسألة تختلف جداً بين شخص وآخر، بين مثلاً يكون في سؤالك المسلم تقصد الجاهل العامي، بين تقصد العالم الدكتور، يعني اللي آخذ شهادة الدكتوراة يختلف الجواب، العامي لا يلتزم مذهباً لأنه العامي لا مذهب له، مذهبه مذهب مفتيه، فهو أي عالم يسأله بيمشي على كلامه، أخطأ أو أصاب هو ما عليه مسؤولية، هو عامل بقول تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، أما إن كان من أهل العلم ونعني بأهل العلم أنه يستطيع أن يفهم القرآن ويفهم السنة بمعنى: أولاً عنده علم باللغة العربية، هذا العلم بيمكنه أن يفهم القرآن فهماً صحيحاً، وأحاديث الرسول ﵇ كذلك، ثم فيه عنده علم بالأحاديث ما يصح منها وما لا يصح، وعنده علم بالناسخ والمنسوخ من القرآن من السنة إلى آخره، هذا لا يجوز أن يقلد إماماً، لكن إذا كان لا علم عنده حينئذ يحشر هو مع العامة، ويشمله قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهذه مصيبة الدهر
стр. 1983
اليوم؛ لأنهم ما يستطيعون اجتهاد هؤلاء؛ لأنهم يحاربون الاجتهاد والمجتهدين وبيقولوا بعضهم ألف رسالة سماها اللامذهبية تفرض اللادينية، أخذت الجواب؟
مداخلة: يعني: في حالتي أنا الحمد لله رب العالمين احفظ القران برجع للتفسير من خلال التفاسير ودائماً إذا اختلفت في حكم ولا بشيء ... الإمام الشافعي ولا ... وأنا حقيقة يعني: أشوف الحكم اللي يرتاح له ... عن هذا قلبي أتبعه هل الشيء بيجوز أم لا؟ وخاصة مش عارف ... مش من ناحية التفكير بالعكس أنا بشوف من ناحية الشيء اللي يرتاح له قلبي ... من ناحية التفكير ...
الشيخ: هنا صعب الجواب عن هذا؛ لأنه أنت بلا مؤاخذة هل توفرت الشروط اللي ذكرتها لك آنفاً؟
مداخلة: .... أتبع مذهب أم ما أتبع مذهب؟
الشيخ: إذا عندك جو علمي.
مداخلة: مثلما تعرف ...
الشيخ: من الناحية أنا ما بعرفك.
مداخلة: ...
الشيخ: شو بيعرفني.
مداخلة: .... صاحب تعرفه؟
стр. 1984
الشيخ: بعرفه جيد.
مداخلة: خلاص زيه.
الشيخ: زيه؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: زيه أنت ما بيجوز تقلد مذهب؛ لأنه ما بيخلي المذهب، لكن هو بيشوف الدليل مع أي مذهب بيمشي عليه فإذا أنت مثل ابنك بيكون هو مثلك.
مداخلة: ....
الشيخ: ... الأولانية ما ضابطه، وهي قولك: أنت مثل ابنك.
مداخلة: .... حتى بيدرس المذاهب الأربعة كلها حتى ... هذا مذهب أفضل من الثاني؟
مداخلة: ...
الشيخ: لا. ما بدنا نخارجه بدنا نستمد منه هو قال هذه ما ضبطت كيف تضبط بدنا نستمد منه بعض ...
مداخلة: ما بعرف.
الشيخ: بس ابنك بيعرف.
مداخلة: هو ابني بتعرف بيجوز بيني وبينه مسافة، مش كل شغلة بدي أجيء قله: تعال خرج هذه ... ابني ... من فائدة فائدة فائدة فائدة ... كتب على
стр. 1985
الأحناف.
الشيخ: طيب.
مداخلة: ... زمن تركيا وتركيا كانت كلهم أحناف، واللي مش حنفي يرحل عن بلادنا.
الشيخ: طيب. ألا تدري إنه المذهب الحنفي فيه أقوال في المسألة الواحدة مش قول واحد، فإذا جاءك أقوال ماذا تسوي؟ ...
مداخلة: ...
[مداخلات خلاصتها أن الرجل عند الخلاف يأخذ بما يطمئن إليه قلبه]
الشيخ: طيب، هل هذا هو الطريق اللي أمرك فيه رب العالمين؟ قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وهذا الكلام يوجه لك مباشرة وإلى الجانب الجم بالتبعية إنه ماذا يفعل المسلم لما بيشوف الحنفي المذهب الواحد عنده ثلاثة أقوال؟ شو اللي يسوي فيها؟ هلا أنت انتقلت من المذهب الواحد اللي فيه ثلاثة أقوال إلى ثلاثة مذاهب، الثلاثة المذاهب فيها ثلاثة أقوال، فأخذت القضية بما تطمئن نفسك به شايف إذا كان هيك أولاً ما أصبت السنة، وثانياً: سوف تجيك مسألة تخالف فيها الدليل هذا مثلاً لحم الجزور ينقض الوضوء أم لا؟ مرت عليك المسألة كويس، ماذا تبنيت فيها؟ مذهب الجمهور طبعاً نعم؟
مداخلة: لحم الإبل؟
стр. 1986
الشيخ: نعم.
مداخلة: نعم ينقض الوضوء.
الشيخ: ينقض الوضوء ليش؟
مداخلة: فيه حديث عن الرسول ﵌ ...
الشيخ: كويس هذا الحديث أنت يعني استوثقت من صحته؟
مداخلة: لا.
الشيخ: هذه المشكلة، أنا بقول هذا مو من شأن تشكيكك هنا أنت أصبت السنة، والحديث اللي أسألك عنه هو حديث صحيح في مسلم من حديث جابر بن سمرة أن رجلاً جاء إلى النبي ﵌ فقال: «يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الغنم قال: إن شئتم. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل. قال: توضؤوا. قال: أنصلي في مبارك الغنم. قال: صلوا. قال: أنصلي في معاطن الإبل قال: لا تصلوا» هذا حديث صحيح، لكن المسألة الأولى خالفت السنة فيها؛ لأنك أخذت أنت المسألة من طريق ما اطمأنت به نفسك، نفسك قد تطمئن أحياناً للحق كما في الصورة الثانية، وقد تطمئن لغير الحق؛ لأن الرسول ﵇ ثبت عنه أنه كان يقبل السيدة عائشة ويقوم إلى الصلاة ولا يتوضأ، ما رأيك التقبيل فيه شهوة أم ما فيه شهوة؟
مداخلة: يا شيخنا أذكر بالنسبة للأحناف مرة ذكر إنه يبطل الوضوء.
الشيخ: أيش هو؟
مداخلة: لمس المرأة.
стр. 1987
الشيخ: الأحناف؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا. هؤلاء شوافعة.
مداخلة: شوافعة.
الشيخ: نعم، المذاهب مثل ما ذكره الأخ هنا الصباغ نعم؟
مداخلة: ...
الشيخ: فالأحناف ما بينقض الوضوء، الشوافع بيقولوا بنقض الوضوء مطلقاً، المالكية والحنابلة بيقولوا: إن كان بشهوة انتقض وإلا فلا.
مداخلة: هو طبعاً النوع هذا المذي.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: المرأة المرأة الأجنبية.
الشيخ: لا. ولو حلاله؛ لذلك ...
مداخلة: الإمام الشافعي ﵁ ما كان عنده الحديث تبع الرسول ﵌؟ يعني: كيف بنى حكمه أنه ينقض الوضوء؟
الشيخ: هذا السؤال اللي وجهته لي وجهته لك، ليش خالفت الإمام الشافعي وقلت: إن كان فيه شهوة بينتقض وإلا فلا، ما كان عنده علم الإمام الشافعي؟ ليش خالفته؟ هذه المشكلة، نحن بنسأل سؤال بناء على ذاك السؤال لنصل إلى الجواب عنه، هل تعتقد أنت أن الإمام الشافعي أحاط بكل
стр. 1988
شيء علماً؟ طبعاً الجواب لا، بيضيق شوية السؤال: أحاط بكل حديث علماً؟ كمان لا، مع أنه الأول «كل شيء» الله أكبر، كبيرة واسعة كثير، الآن صغرناها تماماً، أحاط بكل شيء علماً؟
مداخلة: لا.
الشيخ: إذاً: ما هو هذا الاستغراب في السؤال إنه ما كان الإمام الشافعي مطلع على هذا الحديث لا يرد هذا السؤال، لكن الذي ينبغي أن يقال في المناسبة، اللي بيخالف هذا الحديث خليه يقدم لنا حجة أقوى منه، وما فيه حجة طبعاً أكثر من حديث كل ما يمكن أن يقال: الحديث ضعيف أو صحيح، فهذا سؤال وارد، لكن لأنه أنت هلا تصور الآن عندك مؤتمر إسلامي، وما أكثر المؤتمرات ما شاء الله في آخر الزمان، وفي المؤتمر الإسلامي شيء من كل المذاهب الأربعة بيكفينا بدون ما نحشر بأه إباضية وزيدية وشيعية و .. و .. إلى آخره، أربعة مذاهب، مذاهب أهل السنة والجماعة، وأثيرت مسألة من المسائل كل واحد من هؤلاء إذا كان ليس من أهل العلم إذا طرح أحد الحاضرين من مذهب من المذاهب رأياً وتبناه سوف يجي يقول المخالف الأول للمذهب: إيه الإمام تبعنا ما عنده علم؟ وراح يقوم الثاني والثالث وكل واحد بيدعي نفس الدعوى وما بيوصلوا إلى نتيجة لماذا؟ لأن كل واحد متعصب لمذهبه، أما لو كانوا وضعوا قواعد علمية أصولية فقهية وحديثية وتبنوها سواء وافقت المذهب أو ما وافقت المذهب ممكن يتفقوا بكل سهولة، لكن ما فعلوا هذا مع الأسف جماهير علماء المسلمين اليوم يعيشون على هذا الأساس من التفرق في التمذهب، لذلك نحن نقول: التدين بالتمذهب هي البدعة، ولا نقول: التقليد هو بدعة، لا. نحن نقول: التقليد أمر لا بد منه، لكن التدين بالتقليد هو البدعة وهو الضلال، ومعنى ذلك: أن
стр. 1989
المقلد إذا قيل له: قال الله وقال رسول الله أعرض ونأى بجانبه، أن يقال الشيخ قال الإمام خلاص هذا قلب الحقيقة الشرعية، وتقليداً للنصارى الذين نزل في حقهم قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
الحقيقة مشكلة عويصة جداً؛ لأنه كان المفروض المذهب السلفي يستمر أثره إلى هذا الزمان، المذهب السلفي من اللي بيمثله؟ القرن الأول «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» القرن الأول يا ترى كان فيه علماء مثل الأئمة الأربعة أم لا؟ بلا شك كان فيه علماء، لكن ما كان فيه مقلدين لهؤلاء العلماء، فالواحد قد يسأل من يسأله من هؤلاء العلماء فما فيه يومئذ بكري ولا فيه عمري ولا فيه عثماني ولا فيه علوي ولا فيه مسعودي من ابن مسعود إلى آخره، فلان عالم عرض له سؤال بيسأله، مرة ثانية عرض له سؤال ثاني .. عالم ثاني بيسأله، ما بيقول: لا. أنا لا أسأل غير أبو بكر، وذاك بيقول: أنا ما أسأل غير عمر إلى آخره.
هذا النمط من الحياة العلمية اللي عاشوها هؤلاء السلف كان المفروض إنه يتوارثها الخلف عن السلف، لكن مع الأسف انقطعت هذه الطريقة من اتباع للعلماء دون تعصب لواحد منهم من القرن الثاني تقريباً حيث صار لهؤلاء الأئمة الأربعة أتباع يتعصب كل طائفة منهم لإمامهم، ثم صار ديناً وصار واجب على كل مسلم أنه يتخذ أية مذهب، وإلا يضيع، تعرف ليش بنضيع؟ لأن هؤلاء كل العلماء اللي كانوا يسألوهم كانوا هداة نور، كانوا هم اللي بيهدوا سبيل الجاهلين، هذه النوعية لم تبقى ما بقى غير فلان حنفي فلان شافعي بده يضطر لعامة الناس إنه يسألوا هؤلاء، بينما لو كان فيه جو علمي بيسأل زيد بيسأل بكر بيسأل عمرو إذا شك في شيء بيقول له: ما هو الدليل آية حديث إلى آخره، هذا النمط مفقود اليوم من العالم الإسلامي مع الأسف إلا ما ندر.
(الهدى والنور /١٣٨/ ٠٥: ٣٦: ٠٠)
стр. 1990
حكم التلفيق في الأخذ من المذاهب
مداخلة: أحسن الله إليك! يا شيخ يجوز للإنسان المسلم أن يأخذ بعض مما جاء به الإمام الشافعي وبعضاً مما جاء به الإمام أبو حنيفة ومالك و، و، إلى آخره.
الشيخ: سؤاله إنه رجل مثلاً من عامة الناس قد يكون مذهبه حنفي أو شافعي ووجد هذا الاختلاف وهو ليس أهلاً للترجيح، هل يجوز إذا كان شافعي أنه يأخذ من الحنفي أو العكس؟ أليس هكذا سؤالك؟
مداخلة: نعم ...
الشيخ: أقول: أنا سبق الجواب عن مثل هذا السؤال، لكن لا بد من بيان شيء جديد:
أولاً: ما ابتلي به المسلمون من تقليد (( .. انقطاع .. )) أي: أنه مثل هذا المجتمع عادةً فيه أحناف فيه شوافعة قد يكون فيهم بعض الموالك.
مداخلة: وهابية.
الشيخ: وحنابلة.
مداخلة: وهابية؟
стр. 1991
الشيخ: ما فيه وهابية في الدنيا وهذا اسمح لي يحتاج إلى بحث فاحفظ هذا اللفظ إن شئت الجواب عليه.
مداخلة: جزاك الله خير!
الشيخ: ثلاثة مذاهب أو أربع مذاهب يجتمعوا ناس كل واحد له مذهب، هذا ليس من الإسلام في شيء لأنه في زمن الصحابة بعد وفاة الرسول ﵇، كان فيه أئمة أربعة، من الأئمة الأربعة؟ احنا اللي نسميهم خلفاء أربعة، هم الخلفاء الراشدين، وهم بلا شك بعد رسول الله أعلم الناس أجمعين، والصحابة بالألوف المؤلفة، ومن بعدهم التابعين اللي أدركوا الصحابة، وأدرك بعضهم هؤلاء الخلفاء الأربعة، ما كان هناك أشخاص مثل الآن يقولوا نحن بكريين، ولا في أشخاص مقابل هذا يقولوا نحن عمريين، ولا في أشخاص يقولوا نحن عثمانين، ولا في أشخاص يقولوا نحن علويين، كيف عاش هؤلاء الجماهير الألوف المؤلفة بدون مذهب معين، هكذا نحن لا بد ما نعيش، يمكن يضيق عقل بعض الناس أن يدركوا هذه الحقيقة التاريخية التي لا تقبل الجدل، وهي أنه ما في بكري وعمري وعثماني وعلوي، إذاً هؤلاء كيف كانوا يتعبدوا الله ، على قاعدة ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
رجل وقعت له واقعة تيسر له أبو بكر بيسأله ما تيسر له، تيسر له عمر، ما تيسر لواحد من الخلفاء الراشدين، تيسر له ابن مسعود، ابن عمر، أبو هريرة إلى آخرة، يعني يسأل أهل العلم لأن هكذا ربنا أمر ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، ما قال اسألوا أبا بكر، عمر، عثمان، علي، إلى آخرة، يجب
стр. 1992
التاريخ أن يعيد نفسه، فبقاء المسلمين بعد زمن القرون الثلاثة كل طائفة لها إمام على ما قلنا حنفي شافعي مالكي حنبلي، هذا لا يجوز أن يبقى هكذا المسلمون، إذا يجب أن يعودوا سيرتهم الأولى، كيف كان السلف مع الصحابة؟ هكذا الخلف يجب أن يكونوا مع العلماء، أنت إذا عرفت هذه الحقيقة ريح حالك إن كنت شافعي من قولك أنا شافعي، أو إن كنت حنفي ريح حالك أنك تقول أنا حنفي، وعلى ذلك فقس، لما تريح حالك من النسبة غير المشروعة حينئذ ستجد نفسك مندفع إلى العمل بالآية السابقة، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، تسأل العالم الذي تثق به، ما تيسر لك هذا، يتيسر لك واحد ثاني وهكذا، يعني: التاريخ يعيد نفسه لازم نحن نقول الآن نعيش طريق السلف الأول، لا نتمسك بمذهب شخص معين، لأن الصحابة والتابعين ما تمسكوا بمذهب إمام معين وإنما أي عالم يتيسر له يسأله وذلك يتعبد الله به ويكون بريء الذمة عند الله، سواءً أصاب أم أخطأ، هذا هو جواب سؤالك.
فأنت الآن كما هو واقع، أنت والله شافعي، يعني: أنا ما اقدر الآن أجرد الناس عامة عن ما عاشوا عليه سنين طويلة، لأن هذا إرث ورثوه من آبائهم وأجدادهم، لكن هذا التجريد كيف يصير؟ يصير بالتوعية الصحيحة، بتنبيه الناس وإرجاعهم إلى الأصل، فأنا مثلاً ما أستطيع أنت شافعي أو حنفي أو غير ذلك أن أخلعك من كونك حنفي وتصير: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] هذا يمكن، لذلك سأفترض أنا ...
أنت مثلاً شافعي ومذهبك اللي عشت عليه إما بدراسة خاصة على شيخ
стр. 1993
شافعي أو سمعت، سألت أنا شافعي وأنا مضطر أن ألمس امرأتي أو ....... أو ما شابه ذلك، وأنا على وضوء ينتقض الوضوء وإلا لا؟ هذا أنت شافعي.
أو أنت حنفي مثلاً توضأت وخرج منك دم، كما سمعت من شيخ من مذهب يقول لك خروج الدم ينقض الوضوء ولو كان قليلاً.
طيب لو رجعنا إلى الفرضية الأولى أنت شافعي المذهب يجوز توضيح سؤالك يجوز أنت شافعي المذهب تأخذ بمذهب أبي حنيفة في المسألة هذه، هذه تتعرض فيها للمس النساء وأنت على وضوء من أجل أن تخلص حالك من المشكلة هذه، كلما داعبت زوجتك أو لا عبتها وإلى آخره.
مداخلة: ...
الشيخ: نعم. فينتقض وضوؤك وإلا لا، تلاقي نفسك مالت إلى أين؟
مداخلة: الحنفي.
الشيخ: المذهب الحنفي.
مداخلة: ...
الشيخ: الصورة الثانية: إن أنت حنفي، أنت شغال عمال إلى آخره، (( ... انقطاع ... )) معرض لماذا؟ تنجرح، تشوف نفسك بتميل أو تتساهل على الأقل ما يجوز أنا آخذ برأي الإمام الشافعي يقول: إن الدم ما ينقض الوضوء ولو كان أنهاراً.
الجواب الآن هذا سؤالك أنت، الجواب يجوز والا لا يجوز، إذا كنت
стр. 1994
عايش حنفي لماذا تسلك مسألتك هذه؛ لأنه هذاك أعجبك لنفسك أكثر، وذاك أنت عايش شافعي لماذا تركت مسألة إمامك في هذه المسألة وأخذت الإمام الثاني؛ لأنه أعجبتك أكثر.
إذاً بهذه الطريقة صار مذهبك هواك، المذهب فيه يسر وفيه شدة، اللي يقول لك مثلاً توضأ من لمس المرأة فيه شدة بالنسبة لمن؟ اللي يقول لا تتوضأ ولو قبلتها ولو ... لا تتوضأ، والعكس ذلك تماماً، إذاً صار الدين في الصورة هذه صار هوى، ما هو الدين جاء هكذا، لا، الدين ... صار هوى، إذاً هذا لا يجوز، أنا إذاً أعطيتك الجواب على صورتين.
الصورة الأخيرة وهي تعالج واقع الناس اللي هذا حنفي وهذا شافعي إلى آخره، ما يجوز إنه يعملوا هذا العمل؛ لأن هذا هم العلماء أنفسهم يقولوا: هذا نابع من التلفيق، تلفيق بين مذهبين، لماذا؟ لتتبع الرخص، هذا الجواب الأخير.
الجواب الأول: لا تربط حالك أنت بشافعي أو حنفي إلى آخره، لكن اربط حالك بالمذهب القرآني، مات هو؟ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
إذاً الصورة هذه بعض إخواننا بلا شك عايشينها، يعني: هم يطبقوا هذه الآية وما يلتزموا مذهب من المذاهب كما يفعل جماهير الناس اليوم؛ لأنه فهموا أن شرع الله ما كلف عباد الله أن يتمسكوا بإمام من أئمة المسلمين، لو كان هذا شرعاً كان الأولون تمسكوا بأبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
стр. 1995
أربعة مقابل ماذا؟ أربعة، أيهما أفضل، لا شك خلفاء الراشدين أفضل، فإذا كان هم ما كانوا أئمة لمن بعدهم ولمن هم أعلم منهم، فأولى وأولى غيرهم ممن هم دونهم لا ينبغي أن يجعلوا أئمة يتبعون دون الأئمة الآخرين، وإنما ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ما هو الفارق بين المنهجين والطريقتين، الفرق إنك أنت إذا فرضنا فعلاً اقتنعت بهذا المنهج القرآني، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، بطلت تقول: أنا حنفي، شافعي، أنا يا جماعة أريد تهدوني لشرع الله، كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، توضأت خرج منك دم رحت إلى عند هذا العالم اللي مش عامل عالم، عالم، يعني: بالكتاب والسنة، قلت له أنا توضأت خرج مني دم، إذا أفتاك بأنه ما ينتقض وضوؤك وأنت واثق بعلمه وبخاصة إذا دعم فتواه بحديث عن رسول الله ﵌ أخذت أنت بقوله فأنت يعني: طبقت الآية الكريمة.
كذلك لما وقعت معك قضية أخرى لنفترضها الآن عكس هذه، أنت يوم من الأيام دُعيت دعوة طبعاً ما هو مثل دعوتنا اليوم، لحمنا كان لحم ضاني، لكن دعيت إلى لحم ماذا؟
مداخلة: الجمل.
الشيخ: الجمل، وكنت سمعت أنت أنه في قول يقول: «أنه من أكل لحم جزور فليتوضأ» سألت واحد من أهل العلم حقاً صحيح يا شيخ إنه إذا واحد أكل لحم جزور لازم يتوضأ؟ يقول لك: نعم. لازم يتوضأ، هون بقي أنت ما
стр. 1996
ترجع إلى مذهبك القديم تتبع الهوى والله هذه فيها شدة، مجرد ما أنا آكل لحم لازم أتوضأ، لازم تتبع هذا الرجل، لأنه لما أفتاك إن خروج الدم ما ينقض الوضوء اتبعته، لما أفتاك إنه أكل لحم الجمل ينقض الوضوء ما تتبعه، رجعنا لنفس المشكلة وهي اتباع الهوى، فإذا المسلم تجرد عن اتباع الهوى واتبع كتاب الله وحديث رسول الله ﵌، هو مش عالم لكن يسأل أهل العلم فإذا أفتوه بناءً على هذين المصدرين: الكتاب والسنة فالسائل عمل واجبه والمفتي عمل واجبه، إن أخطأ فلا يتحمل السائل وزر خطئه وله أن يتحمل وزر خطئه إذا كان مخلصاً في الإفتاء يعني: خائف رب العالمين وأفتاه بدون ماذا؟ اتباع الهوى؛ لأنه الحقيقة الهوى مش يركب أحياناً السائلين، أحياناً يركب كذلك المسئولين. أنا في بعض كتب المتأخرين نص صريح مع الأسف الشديد في بعض المذاهب المتبعة اليوم يقول: نحن إذا سئلنا واستفتينا فتوى ففتوانا تكون حسب الدرهم والدينار، اللي يعطينا ما يعجبنا نفتيه بالرخصة اللي ما يعطينا ما يعجبنا نفتيه بالعزيمة، عرفت كيف؟ ... ،
فيجب على هؤلاء وهؤلاء أن يتقوا الله في أسئلتهم وأجوبتهم وحينئذ إذا ساروا هذه المسيرة فالمسؤول والسائل كلاهما على هدى من الله ولو كان هناك خطأ فالخطأ هنا مغفور لقوله ﵇: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد»، نهاية المطاف في هذا الكلام أن المسلمين يجب أن يعودوا بكلهم بجماعتهم كلها إلى ما كان عليه المسلمون الأولون، ما في مذاهب وإنما المذهب قال الله قال رسول الله، حينئذ ستجد العلماء الذين يفتونك من قال الله، قال رسول الله، أما الآن نادر جداً جداً جداً أن يفتيك المستفتى بناءً على
стр. 1997
قال الله وقال رسول الله، بيقول لك شو مذهبك شافعي لمست زوجتك انتقض وضوءك، إذا أنت قلت له حنفي يقول لك حنفي وضوؤك صحيح ما لزم شيء آه, في المسألة قولان: ما فيه في الإسلام في المسألة قولان، في بعض المنتمين إلى العلم في المسألة قولان .. وهذه نكتة نحن نرويها لكم من بلاد الشام من سوريا وبذلك نختم الجلسة الذي يسميها بعض الناس جافة، كلها علم، ما فيه ضحك، ما فيه قهقهة إلى آخره، فراح ننهيها بنكتة.
زعموا أن أحد المفتين قدر له أن يخرج من بلده إما لحج أو عمرة أو أي سفر فخلى مكان الإفتاء فقال لأبيه: اخلفني من بعدي، أبوه درويش ابنه عالم مفتي، قال له الأب يا إبني كيف تقول: أنا أخلف من بعدك، أنا رجل جاهل؟ قال له: أنا أعطيك طريقة يعني تمشي حالك لبينما أنا أرجع، قال له: تفضل، قال له: كلما جاءك سائل وسألك سؤال قل له: في المسألة قولان: لا تبت في الموضوع، في المسألة قولان.
مثلاً: الأمثلة اللي سبقت جاء واحد قال لك: يا فضيلة الشيخ! أنا لمست زوجتي وكنت متوضئ يجوز نصلي بدون وضوء وإلا لا؟ قل له في المسألة قولان، قول: يقول: لازم تتوضأ وقول يقول: ما لازم تتوضأ، يجي لك واحد يقول لك: أنا يا فضيلة الشيخ أنا تزوجت بدون إذن ولي المرأة مثلاً تزوجت بدون إذن أبوها أنت تفتيها بتقولها في المسألة قولان: قول إن هذا نكاح صحيح وقول: إن هذا نكاح غير صحيح.
وهكذا اطمأن يعني الوالد الجاهل، بهذا: الأسلوب اللي قدمه المفتي العالم إلى أبيه الجاهل، وراح في سبيله وجلس الأب الجاهل مقام ابنه المفتي
стр. 1998
وبدأت الناس وكالعادة المفتي وكل ما جاء سؤال كما علمه ابنه في المسألة قولان، انتبه أحد الأذكيا هناك وقال للمفتي إما مباشرة أو بواسطة واحد بس هو درويش يعني، من فضلك اسأل لي الشيخ قل له: أفي الله شك؟
يا سيدي الشيخ عندي سؤال، أفي الله شك؟ قال: في المسألة قولان، نسأل الله . أنه يخلصنا من هذه المشاكل بالرجوع إلى الكتاب والسنة.
(الهدى والنور / ١٧٦/ ١٥: ٢٩: ٠٠)
стр. 1999
هل يجوز ترك العمل بالدليل
لقول إمام ؟
السائل: هاي عن بعض العوام، [ ... ] أنا شو قلت له، قلت له واللهِ أنا زلمة في الشغلات هايه، وقت ما بسمع يقول ومعه الحديث، إذا بقبل بمخي هذا بآخذه، ما بأطلع يزعلوا أبو حنيفة يزعلوا الشافعي يزعلوا كذا وكذا، شو رأيك بهذي الفلسفة تبعي، مشان ما بيأخذوا فكرة عني أني وهابي وكذا وكذا، متى ما بعدت عن المذهبية؟
الألباني: هي مليحة بس عبارتك خطأ!
السائل: هاي الأخرانية؟
الألباني: الأخرانية أو الأولانية، عيد الكلام [ ... ]
أعني قولك أنه إذا جاءني القول عن أبي حنيفة، طبعا تعني مثلاً، ومعه حديث، وقبله عقلي، هذا اللي بطمأن له، فقرنَك الحديث مع قول أبي حنيفة، وتعبيرك: وقبله عقلي، هذا خطأ، وجه الخطأ أن المسلم إذا جاءه الحديث فقط فالواجب كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [٦٠: النساء]، الواجب كما هو معلوم بالنسبة للمسلم، أنه حينما يأتيه
стр. 2000
الحديث عن الرسول ﵇ أن يسلم تسليماً، وليس يشترط فيه يوافق عقله، فإذا جاءه الحديث ومعه قول إمام فهذا يمكن أن يقال إنه: نور على نور، لكن لمّا اقترن الحديث مع قول أبي حنيفة لم يجز للمسلم أن يقول: إذا قبله عقلي، لو جاء القول معراً غير مقرون بحديث الرسول ﵇ عن أي عالم من علماء المسلمين، وقال والله إذا قبله عقلي قبلته أنا، هذا يعني يمكن أن يقال لأنه هذا ليس كلام المعصوم، أما أن يأتي القول للإمام مقرونا بالحديث ثم نعامله كما لو كان قول الإمام غير مقرون للحديث ونعرضه على عقلنا، فإن وافقه قبلنا وإلا رفضنا، هنا يكمن الخطأ.
وهذا من أخطاء الألفاظ التي ندندن حولها كثيراً، وكثيراً جداً، كما ذكرنا آنفاً بالنسبة لخطأ (مثواهُ الأخير)، لا شك أن المسلم لما يقول عن الميت أنه نُقل إلى مثواه الأخير، لا يعني أنه ينكر البعث والنشور، وإنما هذا جاء من التقليد كما ذكرنا، والغفلة عن أن هذه العبارة قاصرة عن التعبير عن عقيدة المسلم، بأن القبر هو مرحلة من مراحل الحياة، وأنه برزخ بين الحياة الدنيا الفانية والحياة الأخرى الباقية.
كذلك يقع الناس في كثير من الأحيان في أخطاء لفظية لا تعبر عن العقيدة الكامنة والمستقرة في الصدر، لا يمكن مثلاً للمسلم الصحيح الإسلام أن يقول وإن كان هذا قد يقوله بعض المنحرفين، لذلك قلنا لا يمكن بالنسبة للمسلم الصحيح الإسلام، «والله إذا جاء الحديث وقبلته بعقلي قبلت، وإلا رفضته» لا يمكن للمسلم أن يقول هذا الكلام، وإن كان بعض المنحرفين عن السُّنة قد يقولون مثل هذا الكلام، بل ويروون في ذلك حديثاً موضوعاً عن
следующие страницы →