الناس بغير علم، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وكما جاء في الحديث في سنن أبي داود وغيره: أن النبي ﵌ أرسل سرية فجرح فيها رجل، فلما أصبح الصباح وجد نفسه جنباً، وهو يعلم أنه يجب عليه الغسل، لكن عليه جراحات كثيرة، فسأل من حوله: هل يجدون له رخصة في أن لا يغتسل لما به من جراحات؟
قالوا: لا، لابد لك من الغسل، فاغتسل فمات، فلما بلغ خبره رسول الله ﵌ دعا على الذين أفتوه وكانوا سبب موته بقوله: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العي السؤال» ففي هذا الحديث وجوب سؤال غير العالم العالم، وتحريم إفتاء غير العالم، الذين أفتوه بوجوب الاغتسال مع وجود جراحات في بدنه كانوا غير علماء، فكان من الواجب عليهم أن يعودوا إلى علمائهم في تلك السرية، فيسألوهم حتى ما يقعوا في مثل هذه الفتوى القاتلة: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العي السؤال».
إذاً: نحن نفرق بين أن يتدين المسلم باتباع مذهب من ألفه إلى يائه، لا يخرج عنه قيد شعرة، وكأنما هو كتاب الله وحديث رسول الله ﵌ الذي يجب الاستسلام له بالكلية، ليس الأمر كذلك، لأن المذهب أي مذهب اليوم عليه المسلمون هو أولاً ابتداء اجتهاد إمام من أئمة المسلمين، وانتهاء دخل في هذا المذهب مئات بل ألوف الآراء والأقوال للذين ينتمون إلى الإمام، فالمسائل الموجودة الآن في كل مذهب ليس كما يتوهم كثير من الناس أن هذه المسائل كلها صدرت ونبعت من نفس الإمام، لا، أصول هذه المسائل وأمهاتها هي من
стр. 1927
الإمام سواء كان أبا حنيفة أو مالكاً أو الشافعي أو أحمد، لكن مع الزمن توسعت هذه المسائل كثيراً كثيراً جداً، ولذلك فإذا خرج أحد المتمسكين بمذهب ما عن مسألة ما اتباعاً لحديث ما أو آية ما لا يكون في ذلك أولاً خالف الإمام ضرورة، يمكن يكون خالف من جاء بعد الإمام بمئات السنين.
ثم لو فرض أنه خالف الإمام فهو خالف الإمام الدون لاتباع الإمام الأعلى الذي ليس بعده اتباع ألا وهو رسول الله ﵌، ولذلك فما أجمل كلام أحد علماء الحنفية الهنود وهو أبو الحسنات اللكنوي، لما ترجم لأحد تلامذة لتلميذ من تلامذة أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، وهو عصام البلخي، هو حنفي تلميذ أبي يوسف الذي هو تلميذ الإمام أبي حنيفة، يقول: كان يرفع يديه في الصلاة، عصام البلخي تلميذ أبي يوسف الذي هو تلميذ أبي حنيفة كان يرفع يديه في الصلاة، يعني: عند الركوع والرفع منه، وهذا مكروه تحريماً عند الحنفية، فيعلق صاحب الكتاب أبو الحسنات اللكنوي فيقول ونعم ما يقول، قال: ومنه نأخذ أن الحنفي إذا ترك مسألة من مسائل إمامه اتباعاً للدليل لم يخرج بذلك عن التقليد، بل هو لا يزال في رقة التقليد في صورة ترك التقليد. كلام شويه من كلام الفقهاء صعب فهمه، لكن هو واضح جداً، لا يزال في رقة التقليد في صورة ترك التقليد.
يشير أن هناك تقليدين: تقليد في الأصول وتقليد في الفروع، من الأصول قول الأئمة كلهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا جاءكم الحديث عني خلاف قول رسول الله ﵌ فخذوا به واضربوا بقولي عرض الحائط، هذا شأن كل مسلم، هذه القاعدة: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» حينما رفع عصام
стр. 1928
البلخي يديه، فهو أخذ بالأحاديث التي أبلغها الإمام الحافظ الزيلعي الحنفي نحو خمسة عشر حديثاً، عن خمسة عشر صحابياً أن الرسول كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، لما فعل هذا عصام البلخي وخالف إمامه في هذا الفرع فهو ترك تقليده في الفرع، لكنه لا يزال مقلداً في الأصل، ولذلك قال أنه عصام هذا لما رفع يديه ما خرج عن التقليد، وإن كان هو لا يزال في رقة التقليد، هذا هو الأصل، في صورة ترك التقليد أي: في الفرع، هذا هو موقف العلماء، أنهم لا يعرضون عن السنة من أجل أقوال أئمة، ولا أيضاً يعرضون عن أقوال الأئمة كلها إذا لم تخالف السنة، بل كما قلنا آنفاً أن من لا علم عنده عليه تقليد من كان عنده علم، إلا في مخالفة السنة.
(الهدى والنور / ٣٩/ ٢٨: ٨.: .. )
стр. 1929
ما الجواب على من يقول: إن الأئمة
هم القرون الأولى فوجب اتباعهم
السؤال: بعض المشايخ يردوا علينا، قالوا: إن الأئمة هم القرون الأولى، فوجب علينا اتباعهم.
الشيخ: بدليل؟
مداخلة: ...
الشيخ: معليش هذا مذهب في التاريخ، أبو حنيفة تابعي على قول بعضهم، ويقيناً من أتباع التابعين، فهو من السلف الصالح، لكن ما الدليل أنه يجب اتباعه بعينه، ولماذا لا يكون اتباع أبو بكر مثلاً وعمر كما قلنا آنفاً؟
مداخلة: يقول لك: أبو بكر ما عنده مؤلفات ولا عمر.
الشيخ: ولا أبو حنيفة له مؤلفات حقيقة، لكن له أتباع، ترى أبو بكر ليس له أتباع؟ ! !
ثم إذا فرضنا ما له أتباع هذه مصيبة الدهر، أفضل إنسان بعد رسول الله ليس له أتباع، ثم من يأتي بعده على رأسنا وعيننا: عالم صالح تقي ورع .. إلخ، لكن لماذا ذاك الأفضل لا يكون له أتباع؟ وهذا مفضول بالنسبة لي أن يكون له
стр. 1930
أتباع، معناه أننا قلبنا الحقيقة.
المهم أن المسألة فيها الحقيقة صعوبة بالغة جداً من الناحية الدينية ومن الناحية العلمية، ربنا يقول: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] فقول من يقول كذا أي شيء كان، هذا أولاً ليس مما أنزل علينا، فضلاً عن أن يكون أحسن ما أنزل إلينا، واضح هذا؟
ثم لو أن الأئمة كانوا متفقين على رأي واحد في كل مسألة وجاء إنسان قميء يعني: لا قيمة له، بده يأتي إلينا بفهم يخالف هؤلاء الأئمة، هذا نرفضه، لكن إذا اتبعنا واحداً منهم مع وجود آخر يخالفه في رأيه، فمن الذي نتبعه حين ذاك؟ نعم صريح كتاب الله الذي نزل لحل مشاكل الناس، لحل الخلافات بينهم، فهو يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
الآن نأخذ مسألة كثيرة الوقوع، وكثيراً ما نسأل عنها: ربما يكون في الحاضرين من يخطر في باله إن ما خطر له الآن، يخطر في باله في غير هذا الزمان، لأنه مسألة كما يقول الفقهاء: تكثر بها بلوى بلوى، هو مثلاً يأخذ حاجة من زوجته من امرأة غريبة عنه، فمس يدها، وهو متوضئ انتقض وضوءه أم لا؟ من نتبع الآن أبو حنيفة يقول: ما انتقض، الشافعي يقول: انتقض مطلقاً، مالك يقول: إن كان اللمس بشهوة انتقض وإلا فلا، هات نرى هؤلاء الجماعة الذين يقولوا: لازم نتبع الأئمة، هل أنت تستطيع أن تتبع الأئمة الثلاثة هؤلاء في هذه الأقوال المتناقضة؟ لا يمكن، إذاً: ما العمل؟ كل واحد الآن سيقول: إمامي، الحنفي راح يقول: إمامي الله يرضى عنه، المالكي راح
стр. 1931
يقول: إمامي الله يرضى عليه، والشافعي سيقول: إمامي الله يرضى عنه، ونحن نقول: رضي الله عن الجميع، لكن لا يمكننا أن نتبع الجميع، فإذاً: الدعاة إلى التمسك بالمذهب لا أحد يستطيع أن يقول بالتمسك على إطلاقه، وأنا أتحدى أي إنسان إن كان عالماً كبيراً كبيراً جداً يتمذهب بمذهب من هذه المذاهب، أو طويلباً أتحداهم جميعاً أن يوجد فيهم رجل حنفي قح، حنفي يعني بالمائة مائة، مالكي مائة بالمائة، شافعي مائة بالمائة، حنبلي .. ، مستحيل هذا، لا وجود له في الدنيا أبداً.
إذاً: نفترض الآن: حنفي خالف مذهبه في المائة واحد شو، الفرق بينه وبين الذي خالف الحنفي اثنين في المائة؟ ليس هناك فرق، لأنه علة الحض على التمسك بما عليه الشرع ... هو أن هذا إمام أفقه منه وأعلم منه، هذه دعوة صريحة، لكن ما لك أنت خالفته في هذه المسألة، هل يعني مخالفتك له بهذه المسألة أنك أنت أصبحت أعلم منه؟ لا أحد يقول بهذا أبداً.
وحينئذٍ نفس الجواب بالنسبة للذي خالف الإمام بمسألتين أو ثلاثة أو خمسة، هم يتوهمون وهماً لو خضعوا للبحث العلمي المحض لتبين لهم أنهم واهمون، يتوهمون أن من يدعو الناس إلى اتباع الكتاب والسنة وعلى الطريقة العادلة المنصفة التي قلناها آنفاً أن هذا فيه حط من قيمة الأئمة، ما فيه حط لقيمة الأئمة، لماذا؟ نحن نقول: أنهم أعلم وأفقه وأقرب طبقة، وهذا أمر ظاهر جلي، لكن العصمة للرسول ﵇ فقط دون سائر الناس جميعاً، فنحن حبنا للأئمة ما لازم يحملنا على أن نقلل من قيمة اتباعنا للرسول ﵇ في سبيل حبنا للعلم، وإلا سيصيبنا ما أصاب الشيعة، فالشيعة ماذا فعلوا؟
стр. 1932
نسوا الرسول ﵇، علي ﵇ الحسن والحسين ﵉، أما الرسول ﵇ فقلما يذكر، وإن ذكر فمن طريق من أهل البيت فقط، أما الألوف المؤلفة من الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر فلا قيمة لهم، نحن تجاوزنا الشيعة حينما لا نقول: قال رسول الله، وإنما المذهب هكذا، المذهب هكذا، سبحان الله! لماذا هذا الجمود؟ احتراماً للأئمة، ترى هل احترمنا الرسول ﵇ حينما أعرضنا عن العمل بسنته؟
المشكلة عميقة ووسيعة جداً، اليوم خذ أي عالم من هؤلاء الذين يحترمون المذاهب أو يحترمون العلم احتراماً لفظياً، وليس احتراماً حقيقياً، لأن الاحترام الحقيقي لا يأتي بمخالفتهم في الأصول وتقليدهم في الفروع، هو يقول لك: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فأنت تخالفه في عشرات الأحاديث لا تأخذ بها؛ لأن الإمام قال بخلافها، هو لما قال بخلافها له عذره بلا شك، وهو مأجور على كل حال، لكن أنت ما عذرك؟ عذره أنه حنفي، وذاك عذره أنه مالكي، وهكذا، أين في كتاب الله أن هذا عذر يبرر له أن لا يسلم لرسوله تسليماً ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] لهذا نعتقد جازمين ومستعدين أن نتفاهم مع أي شخص يريد الوصول إلى الحق وبالحكمة والموعظة الحسنة.
وصل الأمر إلى أنه لم يبق أي صلة بين المقلدين وبين سيد الأنبياء والمرسلين، ودليل إذا قلت له: صف لنا صفة صلاة الرسول؟ الصلاة التي يصليها خمس مرات ما يستطيع أن يصفها لك، لأنه يستطيع أن يصف لك
стр. 1933
صلاة إمامه، وهناك ستجد بوناً شاسعاً بين هذا الذي يصلي على مذهب إمام وبين هذا الذي يصلي على مذهب إمام آخر، ومذهب الرسول ﵇ أين هو؟ ! ! أصبح في خبر كان.
أنا يؤسفني أن أذكر قصة وإن كنت أعتقد أنها غير واقعية، لكن حسبنا لنعرف ما فعل التمذهب أن يوجد هذا الكتاب وفيه القصة الآتية مطبوعاً ومنشوراً بين المسلمين، القصة التي فيها أنا لا أؤمن بصحتها، لكنها ذكرت على أنها صحيحة وواقعة، وأنها كانت سبباً قوياً لتبني أحد ولاة مصر الشيعة المذهب الحنفي على المذهب الشافعي، ... الحكاية، ما هي؟
صوروا رجلاً في كتب التاريخ من أمراء مصر في هذا التاريخ الإسلامي الطويل، أنه كان شيعياً فلسبب حكمه في مصر وكونهم من أهل السنة اتصلوا به وبلغوه المذهب السني إلخ، لكن هو قال لم: أنا شايف فيه مذاهب عندكم، في المذهب الشافعي والحنفي إلخ، ولذلك أنا أريد أن أدخل في المذهب السني على بصيرة، فما هي المذاهب المنتشرة عندكم؟ قالوا: الحنفي والشافعي، قال: هاتوا عالمين كل منهما يمثل مذهبه، واحد حنفي وواحد شافعي، فأتي بهم، قال لهما: أريد من كل منكما أن يصلي أمامي صلاة مذهبه، حتى أنا أشوف أي صلاة أنسب فأتبنى ذاك المذهب الذي يصف هذه الصلاة، قال- وهنا تبدأ المشكلة-، قال: جاء الحنفي والقضية كما يقولوا عندنا في الشام قضية محبوكة، يعني: رواية، أتي بجلد كلب ذُكَّيَ أي: ذبح، غير مدبوغ، فتلبس به، فهجم الذباب عليه، جلد الكلب المذبوح مذكى في المذهب الحنفي تذكيته تطهره، عند الأئمة الآخرين لابد من دبغه، وهذا ليس عندهم
стр. 1934
جميعاً أيضاً، المهم وضع الجلد عليه وهجم الذباب، ذلك لبس أحسن الثياب، انظر كيف القضية باينة أنها مركبة، الحنفي دخل في الصلاة بدل ما يقول: الله أكبر قال مثلاً بالتركي: ( ... ) بالألباني (زوتي مه) ذاك الشافعي قال: الله أكبر، من الذي لن يفضل هذه الصلاة التي من أولها على ذيك، وتكملة الحكاية من شان يتبين أنها مركبة تركيبة الحنفي جلس في الصلاة بالتشهد وبدل ما يقرأ التشهد أو أي شيء وبدل ما يقول: السلام عليكم ولا مؤاخذة فلتها، المذهب الشافعي يقول: الخروج من الصلاة بالسلام ركن من أركان الصلاة، لقوله ﵇: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» ذلك سلم وذلك مع الأسف ... ، ليش؟
قال: لأن الحنفية يقولوا: الواجب هو الخروج بصنعه، هذا الصنع كان سب كان تسبيح كان أي شيء خرج بصنعه، وأتوا لك بهذا المثال، أي واحد في الدنيا ما يفضل ذلك الشافعي على هذه الصلاة الحنفية، لكن هو من شروطه التحامل على الحنفية، لماذا؟ لأن الأحناف وإن كانوا قالوا مع الأسف هذه الأشياء لكن هذا الإمام الذي يصلي صلاة المغرب الحنفي يأخذ أدون صلاة عندهم، لم يأخذ أكملها، ذلك بالعكس لبس ثياب أنيقة وتأنى واطمأن، إلخ.
أنا ما بيدخل في عقلي أن هذه القصة تقع بهذه الصورة، لكن كما قلت آنفاً: ما رأيكم مطبوع الكتاب، مطبوع على أساس وتحت رسالة اسمها: المذهب الحق، شو هو المذهب الحق؟ مذهب الإمام الشافعي، أي إنسان يريد أن يرى هذه الصورة المعروضة بهذين الوجهين يأخذ المذهب الشافعي، لكن انظر الآن لو درست المسألة من زاوية أخرى مثلاً: الإمام الشافعي يقول: يجوز
стр. 1935
للرجل الزاني بامرأة وحملت منه بنتاً أن يتزوجها، أبو حنيفة يقول: هذا حرام ما يجوز، كيف الواحد ينكح ما هو من مائه، فلو قيل لذاك الرجل: هذا شافعي هيك بيقول طبعاً عم بيصير نفرة، لا، بالعكس هنا القضية بالعكس تماماً، لذلك ما يجوز أن الإنسان تعصباً لمذهبه أن يأخذ من مذهبه أحسن ما فيه ويحتج به على الآخرين، لأن الآخرين عندهم أحسن أيضاً ولو من بعض النواحي، ولهذا فهذا سيكون سبب لإيقاع الفرقة بين المتمذهبين، وهذا ما وقع، وهذا موجود آثاره حتى اليوم.
من الآثار مثلاً وجود في بعض البلاد الشامية الكبرى في المسجد الواحد محاريب عديدة، محاريب عديدة، من اثنين إلى أربعة على حسب شهرة المذاهب هناك، عندنا في دمشق المسجد الأموي فيه أربعة محاريب، مساجد أخرى فيها محرابين، ليه؟ لأنه فيها أحناف وفيها شوافع، ما فيها مالكية وما فيها حنابلة، لماذا هذه المحاريب؟ كل إمام يصلي في محرابه؛ لأنه تكره الصلاة وراء المخالف للمذهب، فإذاً: كيف يصح لهؤلاء أن يقولوا: لا، نحن ما نتبع الكتاب والسنة، نتبع الأئمة لأن الأئمة أعلم. كلمة حق أريد بها باطل، لأن الطريقة التي بها يصل طالب العلم إلى معرفة قول الإمام أي إمام كان نفس الطريق وأحسن منه يستطيع أن يصل به إلى أن يعرف قول سيد الأئمة المفروض علينا اتباعه دون سواه، الطريق التي يطلب بها المعرفة لمذهب من المذاهب هو نفس الطريق وأحسن منه يمكن سلوكه لمعرفة ما كان عليه الرسول ﵇ الذي قال وقد رأى يوماً في يد عمر بن الخطاب صحيفة سأله عنها؟ قال: هذه من التوراة كتبها له رجل من اليهود، قال: «يا ابن
стр. 1936
الخطاب! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ والذي نفس محمد بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي» فيا ترى موسى أم أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي؟ شو الجواب موسى كليم الله، ومن أولي العزم من الرسل لو كان حياً لما وسعه إلا اتباعي.
في ظني أن التعصب سيفرض على هؤلاء ضد هذا الحديث، أن يقولوا ضد هذا الحديث، وإلا تركوا التمذهب واتبعوا السنة، ما هو؟
سيقولون: لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبع مذهباً. سبحان الله! هل يمكن أن يكون إنسان يقول هذا؟ إن قالوا: لا، أستغفر الله إذا كان موسى أنه هذا رجل نبي مكلم ما بيصير يتبع إمام لأنه أعلم منه، طيب الأعلم منهم موجود وهو الرسول، موسى هنا هو يتبع الرسول، سلموا معنا أنه يتبع الرسول ما يتبع إمام، طيب! وأنتم ما تتبعوا الرسول ﵇؟ ! !
الجواب: إني أعلم منه، يعود جوابنا: إني أعلم منه فيما اتفقوا وأجمعوا، أما إذا اختلفوا فقد عرفنا حكم الله، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
باختصار: أننا بسبب اتباعنا للتدين بالمذاهب انقطعنا عن معرفة هدي الرسول ﵌ في سنته وفي عبادته، نحن مثلاً عندنا نماذج كثيرة وكثيرة جداً على الرغم من وجود بعض الأحكام في بعض المذاهب مطابقة للسنة أصبحت هذه السنن مهجورة، والسبب يعود إلى أنه بعض المذاهب التي سيطرت في بعض البلاد وكان هذا المذهب لا يرى سنية تلك السنة مثلاً لا
стр. 1937
تجد لتلك السنة ذكراً في تلك البلاد.
مثاله مثلاً: أنا أعرف في سوريا لم يكن للعقيقة ذكر ما بين أيدي الناس إطلاقاً، أولهم والدي ﵀ وغفر لنا وله، جئنا إلى هنا منذ ست سبع سنين ... ما عنده خبر، ما عنده الإمام الشافعي يقول فيها والإمام مالك يقول فيها، لماذا؟ لأن المذهب الحنفي التركي كان هو الحاكم، وأبو حنيفة ﵀ باجتهاده قال: إن هذه عادة جاهلية كانت في زمن الجاهلية، وهذه ليست مشروعة، خفي عليه الأحاديث التي جاءت مؤكدة وجوب ليس استحباب فقط وجوب العقيقة عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة واحدة: «كل غلام مرتهن بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه»، هذه الأحاديث موجودة، وقال بها كثير من الأئمة ليس لها ذكر في كثير من البلاد الإسلامية، لماذا؟ لأننا تركنا السنة، ما عاد نهتم فيها، فهذه سنة مستحبة، فمع الزمن نسخت من آذان الناس فلا تكاد تجد اليوم بعض الشباب الملتزمين بالسنة إلا يسأل: أنا أبي ما ذبح عني ماذا أفعل أنا؟
نقول له: ذبح رسول الله ﵌ بعد أن جاءته النبوة، عق عن نفسه، فلك أسوة برسول الله ﵌، لكن عليك أن تذبح عن أولادك. إلخ.
هذا مثال بسيط من الأمثلة التي هي من آثار عدم اهتمامنا بالسنة، أو بعبارة أوضح قطع العلاقات بيننا وبين الرسول لأنه ما عاد يهمنا دراسة السنة بقدر ما يهمنا دراسة مذهب من المذاهب المتبعة.
وعلى كل حال نسأل الله أن يلمهنا رشدنا، وأن يوفقنا لاتباع سنة
стр. 1938
نبينا ﵌، مع الاستفادة من علمائنا سلفاً وخلفاً.
(الهدى والنور / ٣٩/ ٢.: ٢٦: .. )
стр. 1939
هل من خالف الأئمة الأربعة يكفر ؟
مداخلة: في بعض الناس يقول: من خالف الأئمة -يسيء المعنى العلمي كمان يعني- فقد كفر، فهم يكفروا ابن تيمية في هذه المسألة [مسألة الطلاق].
الشيخ: ما أحد يقول بهذا الكلام بارك الله فيك.
مداخلة: أنا أقول أني جلست في مجلس ...
الشيح: معليش، أنت تجلس مجالس وتسمع أشكالاً وألواناً، لكن أنا أقول: لا أحد من علماء المسلمين يقول: أن من خالف الأئمة الأربعة فقد كفر.
مداخلة: لا يوجد نقل على إجماع أن الأئمة الذي يخالفهم فقد كفر؟
الشيخ: لذلك أنا أقول لك: لا أحد يقول بهذا، أما إذا كان بعض من يقول في هذا الزمان، فعش رجباً ترى عجباً.
(الهدى والنور / ٧٠/ ١٣: ٤١: .. )
стр. 1940
هل يجب اتباع مذهب معين ؟
مداخلة: فهمت أننا طالبات بجامعة الملك عبد العزيز، ففي قسم الشريعة تدرس الأحكام على المذاهب، والأخوات كن جميعاً يدرسن على هذا الأساس، فعند النقاش معهن على أساس أنه كان حديث ضعيف، أو يجب علينا عدم اتباع مذهب معين، يعني: نجد إنه مناقشة عقيمة تقام، فما نعرف كيف نتصرف ونرد عليهن، خصوصاً احنا لما نبحث في مسألة نبحثها عن طريق الكتاب والسنة دون اللجوء إلى كتب المذاهب، فإذا كنا عرفنا أنه هذه الطريقة خاطئة، وهو اتباع مذهب معين بعينه، فما هي الطريقة الصحيحة التي تنصحنا (انقطاع) جماعة الإخوان، أو جماعة التبليغ والدعوة لأن بعضهم ما يفهموا هذا الشيء، يعني: قسم ناسين أنهن ينتمين يعني لأي هذه المجموعات، فما هي الطريقة الصحيحة لتوجيههن.
الشيخ: مما لا شك فيه أن الواجب على كل مسلم سواء كان عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو جاهلاً، من الواجب على هؤلاء جميعاً إنما هو اتباع الكتاب والسنة، هذه يجب أن نعتبرها مقدمة أولى ولا خلاف ولا نقاش فيها بين أحد من المسلمين.
الشيء الثاني: أن الله بعد أن فرض على كل المسلمين أن يحكموا وأن يتبعوا كتاب الله وسنة نبيه ﵌، وهذا أمر لا حاجة بنا للخوض فيه؛ لأنه
стр. 1941
مسلم به عند الجميع، جعل المجتمع الإسلامي أن يتحاكموا إلى الله ورسوله، فقد جعل المسلمين قسمين من حيث العلم وعدمه.
القسم الأول: هم العلماء، والقسم الآخر: هم الذين لا يعلمون، وقد قال تعالى في صريح القرآن الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأهل الذكر لا شك هم أهل القرآن كما قال ﵊ في الحديث الثابت.
«أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» أهل الذكر هم أهل القرآن، والرسول يقول: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» فعلى جميع المسلمين الذين ليسوا من العلماء أن يسألوا العلماء كما جاء في حديث أبي داود الذي يؤكد أن المبتلى بشيء ما يريد أن يعرف حكمه إذا استفتى غيره فيجب على هذا المفتي أن يكون عالماً ليجوز له الإفتاء، وإلا دخل في قوله ﵇: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقي عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا»، حديث أبي دود يقول: أن النبي ﵌ أرسل سرية فلما وضعت الحرب أوزارها بينه وبين المشركين وناموا أصبح أحدهم جنباً، وبه جراحات من أثر المعركة، فسأل من حوله هل يجدون له رخصة في أن لا يغتسل قالوا له: لا بد لك من اغتسال فاغتسل فأصابته الحماء ثم مات، ولما بلغ خبره إلى النبي ﵌ غضب غضباً شديداً ودعا على الذين أفتوه بتلك الفتوى قال: «قتلوه قاتلهم الله ألا سألوا حين جهلوا» السؤال الشاهد هنا: «ألا سألوا حين جهلوا فإنما شفاء العي السؤال».
إذاً: الواجب على من لا يعلم أن يسأل أهل العلم، والواجب على أهل
стр. 1942
العلم أن يفتوا هؤلاء الناس كما قال ﵇: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» إذا كان هذا هو الواجب فمن الواجب أن يسلك المسلم طريق السؤال المشروع؛ ليعرف حكم الله فيما هو بحاجة إلى معرفته، ولا شك ولا ريب أننا نعلم جميعاً أن الأمر كما قال ﵇: «خير الناس قرني ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وهؤلاء القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية لم يوجد فيهم من يتمسك بقول عالم من علماء هذه القرون الثلاثة.
مثلاً: لم يكن في الصحابة ولا فيمن بعدهم من هو بكري المذهب، أبو بكر الصديق، ولا من هو عمري، ولا من هو عثماني، ولا من هو علوي، وإنما كانوا جميعاً يتحاكمون إلى كتاب الله وإلى حديث رسول الله ﵌، أهل العلم يلتقون مع الكتاب والسنة مباشرة، من لا علم عنده يسأل مَنْ؟ هؤلاء العلماء دون أن يتعصبوا لشخص معين منهم؛ لأن هذا التعصب من سمات التوحيد الخالص، التوحيد الخالص الذي هو اتباع المعصوم، وليس هناك معصوم من البشر إلا رسول الله ﵌، وفيما يتعلق بالدين، أما أمور الدنيا فقد قال ﵇ في الحديث الصحيح: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».
وإذا كان الأمر كذلك، فإذا ما تمسك رجل مسلم لا يعلم في سبيل أن يتعلم يتمسك بقول إمام من أئمة المسلمين سواء كان من الصحابة أو التابعين أو أتباعهم فقد جعل هذا الإنسان معصوماً كالرسول ﵇، وهذا من الغلو في الدين الذي لا يجوز أن يقع فيه شيء منه مع المسلمين، لذلك قال رب العالمين بالنسبة للنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] هذه الآية ظاهرها أشكل على أحد الصحابة الذين كانوا تنصروا
стр. 1943
في الجاهلية ثم لما بعث الله محمداً ﵌ بالإسلام هداه الله إلى الإسلام، ألا وهو عدي بن حاتم الطائي، فلما تلا رسول الله ﵌ هذه الآية كان عدي في المجلس فأشكلت الآية عليه؛ لأنه فهمها على غير المراد منها، قال: والله يا رسول الله ما اتخذناهم أرباباً من دون الله، لماذا قال هو هكذا؟ لأنه فهم أنهم اتخذوهم أرباباً يعني: يخلقون مع الله، الله رب العالمين أي: جعلوهم كرب العالمين، فبين لهم الرسول ﵇، أو بين له الرسول ﵇ بأن المقصود بالآية الربوبية المتعلقة بالتشريع، فالله كما أنه واحد في ذاته، وواحد في صفاته فهو أيضاً واحد في حكمه فليس لأحد حكم معه إطلاقاً، ولذلك ظهر اليوم العبارة العصرية أن الحاكمية لله ، وهذا فعلاً شيء جميل جداً، لم يتبادر هذا المعنى إلى عدي بن حاتم، ولهذا قال له ﵇ حينما استغرب المعنى الذي يتبادر إلى ذهنه أنه المراد وحق له ذلك، لكن ليس هو المراد بالآية فقال له ﵇ موضحاً ومبيناً: «ألستم كنتم إذا حرموا لكم حلالاً حرمتموه وإذا حللوا لكم حراماً حللتموه قال: أما هذا فقد كان يا رسول الله قال: فذاك اتخاذكم إياهم أرباباً من دون الله».
فاتباع الإنسان المسلم لشخص عالم لا يتعداه إلى غيره فيه كأنه رب العالمين له حق التشريع وليس هذا الحق لأحد من البشر إطلاقاً، حتى الرسول ﵌ إنما هو يحكي ما أوحي إليه من ربه كما قال ﵇ في حديث في سنن أبي داود أن عبد الله بن عمرو بن العاص جاء إلى النبي ﵌ يوماً فقال: يا رسول الله! كنت في مجلسٍ فيه مشركون فقالوا لي تكتب عن رسول الله ﵌ ما يقوله في حالة الرضا والغضب؟ ! فقال له ﵇: «أكتب
стр. 1944
فوالذي نفس محمدٍ بيده ما يخرج منه إلا حق» فالرسول ﵌ هو وحده الذي يتميز عن كل البشر أن ما يخرج منه هو كله حق، أما من أبو بكر الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والرسل وأنت نازل تقول لهم: لا يمكن أن نصفهم بأن كل ما يخرج من فم أحدهم هو الحق؛ لذلك لا يجوز أن نتخذ إنساناً بعينه إماماً لا نستفيد من علم آخرين لأن هذا الحق الذي أوحاه الله ﵎ إلى النبي ﵌ ليس محصوراً في شخصٍ بذاته من بعده، فنحن لا نعتقد في من خلفه ﵇ من الصحابة ما يعتقده الشيعة في علي بن أبي طالب حيث يعتقدوا أن العلم الذي كان في صدر النبي ﵌ انتقل كله إلى علي، نحن لا نعتقد هذا، ولذلك اعتقدوا فيه العصمة وجعلوه كالنبي ﵊ في العصمة، نحن نقول: العلم الذي كان في صدر الرسول ﵇ انتقل إلى الصحابة وليس إلى صحابي واحد، ولذلك فمن شاء أن يأخذ العلم، أو أن يأخذ بحظٍ وافر من هذا العلم، فلا يستطيع أن يأخذه من شخص واحد، وإنما ينبغي أن يستفيد من جميعهم، وإلا فقد أضاع على نفسه علماً كبيراً.
إذا عرفنا هذه الحقيقة وخلاصتها أننا مكلفون باتباع الكتاب والسنة، وأن المجتمع الإسلامي فيه العلماء وفيه غير العلماء، وأن واجب هؤلاء غير العلماء أن يسألوا أهل العلم، ليس أن يسألوا عالماً واحداً؛ لذلك لم يكن التدين بالتمذهب في إمام واحدٍ أو مذهب إمامٍ واحدٍ في القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية كما ذكرنا آنفاً، وإنما كما كان العلم مشاعاً بين كبار الصحابة العلماء والفقهاء منهم، كذلك كانت الفتوى تتوجه إلى عديدٍ منهم، وليس إلى شخص واحد منهم.
стр. 1945
وإذا كان الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع فيجب أن تعود سيرة المسلمين اليوم في التدين سيرتها الأولى في القرون المشهود لها بالخيرية، أي: ليس للمسلمين أن يتخذوا إماماً بعينه، وإنما عليهم أن يستفيدوا من أهل العلم كما في الآية السابقة، فإن فعلوا ذلك فقد اقتدوا بالسلف الصالح، وإن لم يفعلوا فقد خالفوا السلف الصالح، زايد على ذلك أنهم خالفوا أئمتهم الذين يدَّعون بأنهم يتبعونهم أو يقلدونهم؛ لأننا نعلم جميعاً أنه قد صح عن كل إمام منهم أنه قال ناصحاً للأمة كلها: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» وهذا اعتراف منهم بأنه لا يمكن لعالم من علماء المسلمين أن يحيط بالحديث كله، لهذا يقول ناصحاً لأفراد الأمة كما ذكرنا إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقال بعضهم: ما هو أصرح من ذلك وهو الإمام الشافعي قال: قد تخفى السنة عن النبي ﵌ فرداً من أفراد المسلمين، فمهما قلت من قولٍ أو أصلت من أصلٍ وحديث رسول الله ﵌ على خلاف قولي أقول بقول النبي ﵌: «واضربوا بقولي عرض الحائط».
(انقطاع) الأئمة في اتباع السنة واتباع قول الرسول ﵇، وعدم تقليد الإمام إذا تبينت السنة، يكون والحالة هذه التمذهب بمذهب إمام واحد ليس فقط مخالفاً للكتاب والسنة، بل هو أيضاً مخالف لأقوال الأئمة الذين يتمذهبون بمذهب إمام معين، هم مخالفون للكتاب والسنة، وغير متبعين لأقوال الأئمة، فأصبحوا خارجين عن اتباع الكتاب والسنة وعن تقليد الأئمة.
لذلك يعجبني في هذه المناسبة ما ذكره أحد كبار علماء الهند والمعروف بأبي الحسنات اللكنوي، في كتاب له اسمه: «الفوائد البهية في طبقات علماء
стр. 1946
الحنفية» ذكر ترجمة من أحد علماء الحنفية، وهو المسمى بعصام البلخي، عصام البلخي هذا من الطبقة الثانية من تلامذة أبي حنيفة، لأن شيخ عصام البلخي هو أبو يوسف، وهو كما هو معلوم تلميذ أبي حنيفة، عصام البلخي هذا تلميذ أبي يوسف ذكر أبو الحسنات اللكنوي في ترجمته أنه كان يرفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وهذا بلا شك كما يعلم العارفون بتراجم الحنفية أمر غريب شاذ بالنسبة لعلماء الأحناف؛ لأنهم مطبقون تبعاً لأئمتهم الثلاثة: أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف القاضي، كل هؤلاء الثلاثة قالوا بعدم شرعية رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، بل قالوا بكراهية هذا الرفع كراهة تحريم، فلما رئي عصام البلخي هذا وهو منهم يرفع يديه في الصلاة سئل: كيف أنت ترفع يديك في الصلاة وأنت تابع لأبي يوسف، وأبو يوسف تلميذ أبي حنيفة، وهم قالوا بأن هذا الرفع لا يشرع؟ قال وهذه كلمة حق: إن الله ﵎ قد كلف كل منا أن يعمل بما علم، وقد علمت أن النبي ﵌ رفع يديه عند الركوع والرفع منه، والله لم يكلفنا أن نفهم شريعة ربنا بعقل أبي حنيفة، وإنما كل إنسان بعقله وبعلمه، ويوم نلقاه سوف لا يقول لي: لماذا خالفت أبى حنيفة؟ على العكس فيما لو تركت هذه السنة سيقول لي: لماذا تركت هذه السنة وقد عرفت أن نبيك ﵌ كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه.
علق على فعل عصام هذا، هو في عبارة أخرى على اتباعه لهذه السنة، ومخالفته للإمام أبي حنيفة، أو أبي يوسف علق تعليقاً بديعاً ورائعاً جداً، حيث قال: ومن هذا يؤخذ أن من ترك تقليد إمامه في مسألة اتباعاً منه لقوة دليل
стр. 1947
مخالفه أنه لا يخرج بذلك عن التقليد أي: تقليد الإمام، بل هو في رقة التقليد في صورة ترك التقليد، ترك التقليد إذا صح الحديث فهو مذهبي، فقد صح الحديث عند عصام، فترك قول الإمام واتبع الحديث، وحينما اتبع الحديث فقد اتبع الإمام، لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
لذلك قال هذه الكلمة أبو الحسنات وهو أيضاً حنفي، وعالم فاضل من علماء الهند نأخذ من هذه المسألة، أو يؤخذ من هذه المسألة أن الحنفي إذا ترك مسألة من مسائل إمامه اتباعاً لقوة دليل مخالفه أنه لا يخرج بذلك عن التقليد، بل هو في رقة التقليد في صورة ترك التقيلد.
فإذاً: الكتاب والسنة واتفاق الأئمة كلهم يأمرون المسلمين بأن يأخذوا دينهم عن الكتاب والسنة كل بحسبه: أهل العلم من الكتاب والسنة، ومن لا علم عنده بسؤال أهل العلم، وليس بسؤال عالم واحد فقط، إذا عرفت هذه الحقيقة فيجب على عامة المسلمين علمائهم وغير علمائهم أن يحيوا هذا الاتجاه الذي كان عليه سلفنا الصالح، وهو: أن لا تتعصب طائفة منهم لإمام فتتعصب طائفة أخرى لإمام آخر، وبذلك يقع المسلمون في محذور كبير، وهو الاختلاف والافتراق، وهذا لا يجوز في دين الله كما قال : ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢].
ومن يقرأ التأريخ الإسلامي، وما وقع بين متعصبة المذاهب من فتنٍ تتجلى له ضرورة عود المسلمين إلى اتباع الكتاب والسنة على التفصيل السابق، أعيد فأكرر العالم بعلمه، وغير العالم بسؤال أهل العلم، وليس بالتدين باتباع مذهب
стр. 1948
معين، نحن مثلاً إلى عهد قريب أظن أنتم ما أدركتم الذي أدركناه، في مسجد بني أمية في دمشق يوجدِ المسجد الأمويِ، توجد فيه أربعة محاريب، يصلي في هذه المحاريب الأربعة أربعة من الأئمة الحنفي، والشافعي، والملكي والحنبلي، فتجد ناساً يجلسون والصلاة قائمة لماذا؟ هذا ليس إماماً لنا، فإذا انتهت الصلاة قام إمام ثاني وصلى وناس جالسون، ما يصلوا مع الإمام هذا ليس إمامهم، وهكذا تفرقت جماعة المسلمين بسبب تعصبهم لإمام واحد، كل منهم كل منهم قنع بإمام.
هذه الظاهرة لم تكن في عهد السلف الصالح إطلاقاً، كان يؤم المسلمين جميعاً إمام واحد، مع أننا نعلم أن بعض الصحابة كانوا يختلفون في بعض المسائل، وكذلك التابعون ومن بعدهم، لكن مع ذلك كانوا يصلون جماعة واحدة، وفي مسجد واحد، ترى لماذا حصل هذا الفرق بين ما كان وبين ما عليه نحن اليوم، هو: أن المنهج العلمي الذي كانوا عليه، نحن حدنا عنه، وتمسكنا بمنهج منحرف عما كانوا عليه، فانحرفنا عن الكتاب والسنة واتبع كل منا إمام قنع به كما ذكرنا حنفي وشافعي ونحو ذلك.
لا يعني هذا الكلام شيئاً يخطر في بال بعض الناس، وقد ينقلونه ويتهمون فيه الأبرياء، لا يعني هذا الكلام أننا نحن اليوم حينما ندعوا لاتباع الكتاب والسنة لا نقيم وزناً لهؤلاء الأئمة وأمثالهم حاشا لله ، إنما نحن نقدرهم ونحترمهم تمام التقدير والاحترام، ومن ذلك أننا أخذنا هذا النهج الذي بيناه آنفاً من كلماتهم، وهم الذين قالوا: إذا صح الحديث فهو مذهبي إلى آخر ما هنالك من أقوال كنت جمعتها وأودعتها في مقدمة: كتاب صفة صلاة النبي ﵌ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها، فنحن إذاً بهم نقتدي،
стр. 1949
ولهم نتبع في هذا المنهج الذي أمر الله ﵎ به الناس جميعاً ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
فتعظيم الأئمة وتقديرهم شيء، وتعظيم حكم الشرع الصادر عن الله وعن رسول الله هذا شيء آخر، الغاية بالاتباع من البشر هو رسول الله، أما الأئمة كل الأئمة لا نستثني منهم أحداً سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو أتباعهم، فهم أدلاء، فهم وسطاء بيننا وبين نبينا ﵌، فمن تمسك بواحدٍ منهم فقد ضيع علوم الآخرين، ويجب أن نؤكد هذا نرسخه في هذا إذا ما تذكرنا الحقيقة السابقة أن علم الرسول ﵇ لم يودع في صدر واحد من الصحابة، وإنما في صدور جميع الصحابة، وهذا العلم الذي انتقل من صدور الصحابة لم ينتقل إلى صدر واحد من التابعين، وإنما إلى مجموع علماء التابعين، ثم هذا العلم أيضاً لم ينتقل من مجموع صدور التابعين إلى صدر إمام من أئمة أتباع التابعين.
فإذاً العلم موزع بين العلماء جميعاً، فينبغي نحن إذا أردنا أن نتلقى العلم أن نتلقاه منهم جميعاً لا نستثني منهم أحداً، لا نتعصب لأحدٍ على أحد، وإنما كلهم كما يقال في غير هذه المناسبة، وكلهم لرسول الله ملتمس، أقول: يقولون هذا في غير هذه المناسبة؛ لأننا حينما نبين للناس أن الصحابة اختلفوا في بعض المسائل، فعلينا أن ننظر مع من الحق فنتبعه، كذلك الأئمة من بعدهم اختلفوا في بعض المسائل يجابهوننا بقولهم: وكلهم لرسول الله ملتمس، هذا نقوله نحن، لكن فرق كبير جداً بين ما نقوله نحن، وبينما يقوله هؤلاء الناس، نحن نقول: كل واحدٍ منهم كان هدفه وكانت غايته اتباع الكتاب والسنة،
стр. 1950
ولكن هذا لا يعني أن كل واحدٍ منهم أصاب الحق في كل مسألة وإلا تناقضت أقوال الأئمة وبالتالي تناقضت الشريعة، وهذا مستحيل؛ لأن الله يقول في حق القرآن الكريم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
لو كان هذا القرآن من البشر، والبشر مختلف مضطرب الفكر لوجدو فيه اختلافاً كثيراً، لكن هذا من وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لكننا في الواقع نجد خلافاً كثيراً بين الأئمة، الأمثلة التي يبتلى فيها الناس كثيراً، مثلاً: خروج الدم ينقض الوضوء أم لا ينقض الوضوء، ثلاثة مذاهب، ثلاثة أقوال: لا يمكن هذه الأقوال أن تكون من عند الله أبداً، للآية السابقة ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
الدم ينقض سواء كان كثيراً أو قليلاً هذا قول.
الدم لا ينقض سواء كان قليلاً أو كثيراً القول الثاني.
القول الثالث: إن كان كثيراً نقض وإن كان قليلاً لم ينقض.
ثلاثة أقوال تكون من رسول الله حاشا برسول الله أن يقول مثل هذه الأقوال المضطربة، هذا مثالاً من الأمثلة التي يقتدى بها الناس جميعاً نساءً ورجالاً.
خذوا مثال آخر وهو أدق بالنسبة لكونه له علاقة اجتماعية: المذهب الحنفي مثلاً يقول: إذا بلغت المرأة سن الرشد فلها أن تزوج نفسها بنفسها ولو لم يأذن لها بذلك ولي أمرها، الشافعي والجمهور يقولون: لا. هذا ... غير صحيح.
(الهدى والنور /١٠١/ ٣٤: ٣١: ٠٠)
стр. 1951
عودة إلى السنة (١)
كتب الأستاذ الفاضل صديقنا الشيخ علي الطنطاوي مقالاً مسهباً تحت عنوان «مشكلة» نشره في عدد جمادى الأولى سنة ١٣٧٥ هـ من مجلة «المسلمون».
بدأ فيه فوصف أفراداً من المسلمين جعلهم أمثلة للذين يدعون الإسلام منهم ولا يعملون به، ثم تعرض لنقد طوائف نعتهم بـ «الدعاة إلى الله، الذين نرجو بهم نصرة الإسلام، وإعادة أهله إليه».
فبدأ بنقد «من يرى الإسلام في اتباع مذهب من المذاهب الأربعة والوقوف عندما أفتى به متأخرو فقهائه» ثم ثنى بالرد على «من يدعو إلى العودة إلى السنة» وأفاض هنا ما لم يفض في رده على غيرهم!
ثم ختم الشيخ مقاله بما خلاصته: «وهؤلاء الدعاة مختلفون أبداً، آخذ بعضهم بخناق بعض، يتناظرون أبداً ويتجادلون، يتقاذفون الردود، لا في مصر والشام والعراق وحدها، بل في بلاد الإسلام جميعاً ... والإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله ﵌ واحد، له مفهوم واحد، فعلام هذا الاختلاف؟ ... ».
стр. 1952
«وأنا لا أقول بتوحيد الأفهام ومنع الاختلاف، فما أظن أن هذا يكون ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ ولكن الذي أقوله هو وجوب الاتفاق على الأسلوب الذي ندعو به إلى الإسلام، والصورة التي نعرضها على التلاميذ في المدارس، والعامة في المساجد، والأجانب في بلاد الغرب لنقول لهم هذا هو أساس الإسلام، وهذه أركانه، وهذا طريق الدخول فيه، لا نفاجئ واحداً من هؤلاء بالخلاف في فهم مشكلات الآيات، ولا الاجتهاد والتقليد، ولا نبدؤهم بمستحدثات المتصوفة وقوانين الطرق، ولا نحملهم على الآراء الفردية التي لا يقرها الجميع».
«فما هو الأسلوب (العملي) الممكن للوصول إلى هذه الغاية؟ هل يكون ذلك بمؤتمر لعلماء المسلمين، أم يتولاهم معهد من المعاهد العلمية أم يقوم به واحد من المسلمين؟ ما هو الأسلوب؟
وللجواب عن سؤال الأستاذ نسوق هذا المقال فنقول:
١ - لا اتفاق على الأسلوب قبل الاتفاق على الهدف: (الإسلام):
إن الذي يقرأ مقال الشيخ بتدبر وإمعان، يظهر له أن فيه فجوة تركها الشيخ دون أن يملأها ببيانه، ذلك أنه بعد أن عرض «المشكلة» عرضاً بيناً قفز إلى الدعوة إلى وضع أسلوب عملي للدعوة إلى الإسلام والمنطق يشهد أنه كان من الواجب بعد عرض المشكلة التحدث عن طريقة حلها أو على الأقل دعوة العلماء إلى حلها، ثم بعد ذلك يأتي دور الدعوة إلى وضع أسلوب عملي للدعوة إلى الإسلام، لأنه من البدهي أنه ما دام الدعاة إلى الإسلام مختلفين
стр. 1953
في فهم الإسلام ذلك الاختلاف الذي وصفه الشيخ وهو في الواقع أكثر مما وصف! فإنه من غير الممكن أن يتفق هؤلاء على الأسلوب العملي، كيف وهم لم يتفقوا على فهم الهدف (الإسلام) ولو فرضنا أنهم اتفقوا على أسلوب ما، فلن يؤدي بهم إلى الدعوة إلى «إسلام واحد له مفهوم واحد»، بل سيدعو كل منهم إلى الإسلام الذي فهمه هو، أو تلقاه عن آبائه ومشايخه، وبذلك تعود المشكلة كما هي دون أن نستفيد من أسلوب الدعوة شيئاً لو تمكنوا من وضعه!
إذن لابد من وضع حل لهذه «المشكلة» فما هو؟ وأين هو؟ .
٢ - حل المشكلة بالرجوع إلى السنة:
لا شك أن المفروض في الدعاة إلى الله تعالى أن يكونوا من أطوع الناس لله تعالى، وأسرعهم مبادرة إلى تطبيق أحكامه ، فإذا كانوا مختلفين في فهم الإسلام فمن الواجب عليهم أن يحتكموا إلى ما أمر الله به، من الرجوع إلى السنة، لأنها هي التي تفسر القرآن، وتوضحه، وتبين مجمله، وتقيد مطلقه، كما يشير لهذا قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، وقد قال : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.
فهذه الآية الكريمة صريحة في أن من كان مؤمناً حقاً رجع عند الاختلاف إلى حكم الله في كتابه، وبيان رسول الله ﵌ في سنته، وأن الرجوع إليهما يرفع الخلاف، فوجب بنص هذه الآية على الدعاة أن يرجعو إلى السنة
стр. 1954
الكريمة ليرفعوا الخلاف بينهم.
ومما لا شك فيه أن الرجوع إلى السنة يقتضي العلم بها والمعرفة بما صح منها وما لم يصح، والدعاة في هذا العصر بين إحدى حالتين:
١ - إما أن يكونوا قادرين على الرجوع إليها، وحينئذ فالطريق سهل بين ليس عليهم إلا سلوكه، وهم في الغالب لم يفكروا في سلوكه بعد! وهنا يقال: كيف يدعو إلى الإسلام من لا يُحكِّم الإسلام في نفسه؟
٢ - وإما أن يكونوا عاجزين عن الرجوع إليها بسبب جهلهم بها، كما هو الغالب مع الأسف على أكثر الدعاة، ففي هذه الحالة عليهم أن يعدوا العدة لتخريج جماعة، بل جماعات من العلماء، يتدارسون كتاب الله وسنة رسوله ﵌ ويتفقهون فيهما، ويصدرون الفتاوى معتمدين عليهما، كما كان عليه الأمر في عهد السلف الصالح، فإذا تحقق هذا-وهو واقع إن شاء الله تعالى ولو بعد حين- نكون قد سلكنا النهج المستقيم للقضاء على الخلاف في فهم الإسلام على الصورة التي عرضها الشيخ الطنطاوي-حفظه الله تعالى- في مقال: «المشكلة» وبذلك يمكن حل (المشكلة) التي تقف عقبة في سبيل «الاتفاق على الأسلوب الذي ندعو به إلى الإسلام».
٣ - هل يرضى الدعاة بهذا الحل؟
لكن يبدو للباحث أن كثيراً من الدعاة اليوم لا استعداد عندهم-مع الأسف الشديد- لتقبل الحل المذكور منهجاً للقضاء على الخلاف، مما يحملنا على أن نعتقد أن تحقيق الاتفاق الذي يدعو إليه الشيخ بعيد المنال في الوقت
стр. 1955
الحاضر، كيف لا، ونحن نرى حضرته-وهو ممن كنا نظن أنه من أقربهم إلى السنة وأدناهم للتفاهم معه في سبيل الدعوة إليها والعمل بها- نراه قد حمل في مشكلته هذه على الدعاة إلى السنة حملة شعواء، وهجاهم فيها بما لم يهج به القائلين بوحدة الوجود!
وهذا في الواقع من غرائب الاختلاف، فبينما يرى دعاة السنة أن «المشكلة» لا تحل إلا بتبني الدعاة لدعوتهم حقاً، إذا ببعض هؤلاء الدعاة يجعلهم من الدعائم التي قامت بسببهم «المشكلة»!
هذا ولما كان في رده عليهم كثير من الأخطاء والآراء التي يفهم منها القراء خلاف ما عليه دعاة السنة، رأيت أنه لابد من بيان ذلك إظهاراً للحق ودفعاً للتهمة، راجياً من فضيلة الشيخ أن يتقبل ما عسى أن يظهر له صوابه، وأن يدلنا على ما تبين له خطؤه، سائلاً المولى- أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، موافقة لسنة نبيه ﵌.
٤ - نص كلام الأستاذ الطنطاوي:
«وآخرُ يرى الإسلام في ترك المذاهب كلها، والعودة إلى السنة، فكل من استطاع أن يقرأ البخاري ومسلم ومجمع الزوائد، وأن يفتش عن اسم الراوي في التقريب أو التهذيب، وجب عليه الاجتهاد، وحرم عليه التقليد، ويسمون هذا الفقه العجيب الذي يشبه فقه برد (والد بشار) بفقه السنة، لا يدرون أن الوقوف على الأحاديث ومعرفة إسنادها ودرجاتها شيء، واستنباط الأحكام منها شيء آخر، وأن المحدثين كالصيادلة، والفقهاء كالأطباء، والصيدلي
стр. 1956
يحفظ من أسماء الأدوية ويعرف من أصنافها ما لا يعرفه الطبيب، ولكنه لا يستطيع أن (يشخص) الأمراض ويشفي المرضى، وأن الصحابة أنفسهم لم يكن فيهم إلا مائة ممن يفتي، وأن مائة الألف من المسلمين الذين توفى عنهم الرسول ﵌ كانوا يرجعون إلى هذه المائة، ولا يجتهدون لأنفسهم، وأنه إن لم يطلع الإمام من الأئمة على الحديث من الأحاديث، فإن اتباع مذهبه قد اطلعوا عليه خلال هذه القرون الطويلة، وأنهم كانوا أتقى لله وأحرص على دينهم من أن يخالفوا حديثاً صحيحاً لقول إمام أو غير إمام، وإن المذاهب لم تأخذ الأحاديث وحدها، بل أخذت الحديث وما قال فيه الصحابي، والتابعي، ومن بعده، وسجلت هذه الشروح والأفهام المتعاقبة ثم استخلصت منها الحكم، وأن من يترك اجتهادات الأئمة كمن يرى الطيارة وما بلغت إليه بعد الجهود المتتالية والرقي المتسلسل، فيتركها ويعرض عنها، ويحاول الطيران بأجنحة ليركبها لنفسه كما فعل العباس بن فرناس، وإن دعوى منع التقليد في الدين دعوى باطلة، لأن في كل علم أهل اختصاص فيه، وغرباء عنه فإذا احتاج الغريب إلى معرفة حكم فيه رجع إلى أهله، كالعامي يحتاج إلى مداواة مريضه، أو عمارة بيته، أو إصلاح ساعته، فلا يستطيع إلا الرجوع إلى الطبيب أو المهندس أو الساعاتي، وتقليده فيما يذهب به إليه اجتهاده» أ. هـ.
٥ - لماذا يدعو دعاة السنة للعودة إلى السنة:
وإني قبل الشروع في بيان ما في كلام الأستاذ الطنطاوي من الأخطاء، أرى لزاماً علي أن أبين الأسباب التي تحمل دعاة السنة على الدعوة إليها، وترك كل قول يخالفها فأقول:
стр. 1957
أولاً: إنها المرجع الوحيد بعد القرآن الكريم، وفي ذلك آيات كثيرة معروفة وعلى ذلك إجماع الأمة.
ثانياً: إنها عصمة من الوقوع في الخطأ وأمان من التردي في الضلال كما قال ﵌ في حجة الوداع: «ياأيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه»، وليس كذلك اجتهادات الرجال وآراؤهم، ولذلك قال الإمام مالك-﵁: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه»، وقال شُرَيحٌ القاضي: «إن السنة سبقت قياسكم، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإنكم لن تضلوا ما أخذتم بالأثر».
ثالثاً: إنها حجة ملزمة باتفاق المسلمين، بخلاف آراء الرجال فإنها غير ملزمة عند السلف وغيرهم من المحققين، قال الإمام أحمد-﵁: «رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار».
رابعاً: إنه لا يمكن لطالب العلم أن يصير فقيهاً حقاً إلا بدراستها، فهي وحدها بعد القرآن الكريم تؤهله لأن يستنبط ويقيس قياساً صحيحاً إذا أعوزه النص، فلا يقع مثلاً في مثل الأخطاء التي يقع فيها الجهال بها، كقياس الفرع على الفرع، أو الضد على الضد، أو القياس مع وجود النص، ولهذا قال ابن القيم-﵀:
«إن أصح الناس قياساً أهل الحديث، وكلما كان الرجل إلى الحديث
стр. 1958
أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد».
خامساً: إنه لا يمكن القضاء على ما دخل في المسلمين من البدع والأهواء إلا من طريق السنة، كما أنها سد منيعٌ للوقوف في وجه المذاهب الهدامة، والآراء الغربية التي يزينها أصحابها للمسلمين، فيتبناها بعض دعاتهم ممن يدعي التجديد والإصلاح ونحو ذلك!
سادساً: إن المسلمين اليوم قد شعروا-على اختلاف مذاهبهم وفرقهم- أن لا مناص لهم من الاتحاد ونبذ الخلاف حتى يستطيعوا الوقوف صفاً واحداً تجاه أعدائهم، وهذا لا يمكن إلا بالرجوع إلى السنة لما سبق ذكره في الأسباب (١، ٢، ٣).
سابعاً: إنها تقرن مع ما تحمله من أحكام مرغبات في تنفيذها، ومرهبات عن التساهل بها، وذلك أسلوب النبوة، وروح الشرع، مما يجعل أصحابها أرغب في القيام بأحكامها من الذين يأخذونها من كتب الفقه العارية عن الدليل، وهذا أمر مشهود ما أظن أن أحداً حتى من المتعصبين للمذاهب ينكره.
ثامناً: إن المتمسك بها يكون على مثل اليقين في الأحكام التي يأخذها منها، بخلاف المقلدين الجهال بها، فإنهم يضلون بين الأقوال الكثيرة المتضاربة التي يجدونها في كتبهم، ولا يعرفون خطأها من صوابها، ولذلك قد يفتي أحدهم في مسألة بقولين متعارضين، فيقول مثلاً: يجوز ذلك عند أبي حنيفة، ولا يجوز عند صاحبيه، مع أن السنة الصحيحة الصريحة مع أحد
стр. 1959
القولين، ولكنه لجهله بها يحكي القول المعارض لها، بدون إنكار منه له، ولو بطريق الإشارة، فيلقي بذلك المستفتي في الحيرة! بل إن بعضهم يجعل القولين المتناقضين كشريعتين محكمتين يجوز للمسلم أن يأخذ بأيهما شاء! بل إن بعض الشافعية أجاز لنفسه أن يفتي بالقول الذي يعطي عليه أجراً أكبر.
تاسعاً: إن السنة تسد الطريق على الذين يريدون أن يتحللوا من الإسلام باسم المذاهب الفقهية نفسها، ويتخذون من التلفيق باسم المصلحة ما يؤيد حجتهم! ولا يعجزون أن يجدوا في ثنايا المذاهب في كل مسألة من المسائل ما يوافق ويؤيد «مصلحتهم» المخالفة للسنة، وهم لذلك يحاربون الرجوع إلى السنة، لأنها تسد الطريق عليهم كما قلنا، وتكشف تسترهم وراء المذاهب وسعة الشريعة الإسلامية بسعة الأقوال الكثيرة، والاجتهادات الغزيرة والثروة الفقهية الطائلة التي قل أن تخرج مسألة عنها»؟ ! والله أعلم بما يوعون.
فهذه بعض الأسباب التي تحضرني الآن مما يحمل أنصار السنة على الدعوة إليها، وإيثارها على خلافها، فكيف لا يدعون الناس إليها ويرغبونهم في الاهتداء بهديها، والاستنارة بنورها؟ بل كيف لا يفدون أرواحهم في سبيلها؟
فالعجب ممن يريد أن يصدهم عنها، ويحملهم على تركها إلى التمسك بالمذهب، مع أن إمامه يأمر بالرجوع إليها، وتسليم القياد بها، هيهات هيهات!
٦ - بيان ما في كلام الأستاذ الطنطاوي من المآخذ:
بعد هذا نعود فنذكر ما بدا لنا من المآخذ في كلام الطنطاوي فأقول:
стр. 1960
١ - قال الشيخ: «وآخر يرى الإسلام في ترك المذاهب كلها، والعودة إلى السنة».
أقول: أما العودة إلى السنة فحق واجب، وقد سبق بيان أسباب ذلك في الفصل السابق، وأزيد هنا فأقول: إنه يجب على كل مسلم أن يستجيب لدعوتهم هذه إن كان مؤمناً حقاً، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١ - ٥٢]، وقال في المنافقين: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، وهي معروفة، وإنما أوردنا بعضها للذكرى.
فلا حجة لأحدٍ في أن لا يستجيب لدعوتهم هذه، فكيف في الإنكار عليهم بسببها؟ ولئن كان بعض الناس يزعم أن الدعاة إليها ليسوا أهلاً من الوجهة العلمية للقيام بها- كما قد يشير لهذا قول الشيخ في الفقرة الآتية، فهذا-لو صح- ليس بمسوغ لهم أبداً أن يردوها عليهم، لأن الحق يجب قبوله، ولا يجوز رده مهما كان مصدره، وهذا شيء بين لا يحتاج إلى تدليل.
ثم إنهم لو كانوا صادقين في ذلك الزعم، لبادروا إلى بيان ذلك للناس، بضرب أمثلة يظهرون بها جهل هؤلاء الدعاة بالسنة وسوء فهمهم لها، حتى يعرفهم الناس ويجتنبوهم ولا يغتروا بدعوتهم إلى السنة! ولكنهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك، ولعلهم لن يفعلوا، والسبب معلوم لديهم، وعند أهل العلم من غيرهم!
стр. 1961
٧ - رأي دعاة السنة في المذاهب:
وأما ترك المذاهب كلها، فعزو هذا إلى الدعاة إلى السنة لا يخلو مما يوهم خلاف ما هم عليه، ودفعاً لذلك أرى أنه لابد من بيان رأيهم في المذاهب وموقفهم منها فأقول:
من المعلوم عند العلماء أن المذاهب الأربعة وغيرها ليست آراؤها متفقة في كل الأحكام الشرعية، بل هي فيها على ثلاثة أقسام:
١ - قسم منها متفق عليه، كتحريم التشبه بالكفار-مثلاً-.
٢ - وقسم فيه خلاف، ولكنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، مثل أدعية الاستفتاح والتشهد.
٣ - وقسم فيه اختلاف شديد لا يمكن الجمع بين الآراء المختلفة فيه بوجه من وجوه الجمع المعروفة لدى العلماء، مثل: مس الرجل المرأة ونقض الوضوء به، فإن فيه ثلاثة أقوال مشهورة: النقض، وعدمه، والفرق بين أن يكون المس بشهوة فينقض وإلا فلا.
وإذا كان الأمر كما فصلنا، فكيف يعزو الشيخ للدعاة إلى السنة أنهم «يرون ترك المذاهب كلها»! مع أن هذا الترك يستلزم الإعراض عما فيها من الحق المسلم به لديهم؟ ! أليس هذا من الأدلة الكثيرة على أن الشيخ لا يتحرى الصواب حين يتهم خصومه في الرأي بما هم براء منه؟
ولعلم أنصار السنة بما سبق من التفصيل يضطرون إلى أن يبحثوا عن الحق في المذاهب كلها، ليس خارجاً عنها، ولا في مذهب معين منها، وهذا البحث
стр. 1962
قد بين لهم فضل أئمة المذاهب، وعلمهم، ودقة فهمهم للكتاب والسنة، وتنبهوا بسبب ذلك لكثير من دقائق المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة، فاستفادوا بسببهم علوماً كثيرة في أوقات يسيرة، لولاهم لما وصلوا إليها، فجزاهم الله عن المسلمين خيراً.
ولهذا فإن أنصار السنة أعرف بفضل الأئمة وعلمهم من أتباعهم الذين يقلدونهم على جهل بطرق الاستنباط والاستدلال، والله تعالى يقول: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
هذا، ثم إن الدعاة إلى السنة لما تبين لهم بعد البحث في المذاهب أن فيها الخلاف المذكور في القسم الثالث، لم يجيزوا لأنفسهم أن يتمسكوا بمذهب معين فيها، لأنهم علموا أن الصواب في الخلاف المذكور ليس محصوراً في مذهب واحد منها، بل هو مشاع بين جميعها، فالحق في المسألة الفلانية في المذهب الفلاني، وفي المسألة الفلانية في المذهب الفلاني وهكذا سائر المسائل، فلو أنهم تمسكوا فيها بالمذهب لأضاعوا كثيراً من الحق الوارد في المذاهب الأخرى وهذا لا يجوز عند مسلم عارف.
ولما كان لا سبيل لمعرفة الحق مما اختلف فيه الناس إلا بالرجوع إلى السنة على ما بيناه فيما سبق، جعلها الدعاة إلى السنة الأصل الذي يرجعون إليه، والأساس الذي يبنون آراءهم وأفكارهم عليه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لما كان الأئمة قد بذلوا جهوداً مشكورة في سبيل توضيح السنة وتقريبها للناس وبيان الأحكام الممكن استنباطها منها،
стр. 1963
فإن الدعاة إلى السنة لا يسعهم إلا الاستفادة من علمهم والاستعانة بآرائهم على فهم الكتاب والسنة، وبذلك يجمعون بين المحافظة على الأصل (السنة) وبين تقدير الأئمة قدرهم اللائق بهم، وذلك مما وصى به السلف أتباعهم، فقال عبد الله بن المبارك-﵁:
«ليكن الأمر الذي تعتمدون عليه هذا الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث».
ذلك رأي الدعاة إلى السنة في المذاهب، وذلك موقفهم من أئمتها، فهل فيه ما يحمل المنصف على الطعن بهم والتنفير منهم؟ أم ذلك ما ينبغي أن يكون عليه كل مسلم عرف الفرق بين كلام المعصوم وكلام غيره، ثم لم ينس الفرق بين الغاية والوسيلة؟
٨ - التقاء الطنطاوي مع الدعاة إلى السنة في ترك المذهب أتباعاً للسنة:
بعد هذا البيان أستطيع أن أقول: إن موقف الصديق الطنطاوي من المذاهب لا يختلف كثيراً عن موقف دعاة السنة منها، ذلك لأن الطنطاوي يرى الخروج من المذهب جائزاً، بدليل إنكاره في مقاله هذا «مشكلة» على من «يرى الإسلام في اتباع مذهب من المذاهب الأربعة والوقوف عندما أفتى به متأخرو فقهائه ... » ويؤيد هذا قوله في مقدمة كتاب «قانون الأحوال الشخصية» (ص/٦):
«ومن السياسة الشرعية أن يفتح للناس باب الرحمة من الشريعة، ويؤخذ من غير المذاهب الأربعة، ما يؤدي إلى جلب مصلحة عامة أو دفع ضرر عام».
стр. 1964
وعلى هذه السياسة جرى حضرة الصديق في «مشروع الأحوال الشخصية» الذي تحدث عنه في المقدمة المذكورة، فخالف فيه مذهبه الحنفي في مسائل كثيرة، أكتفي بذكر مسألتين منها على سبيل المثال:
١ - قال الشيخ في المقدمة (ص/٥):
«وقد عدل المشروع عن المذهب الحنفي الذي يحدد أقل المهر بعشرة دراهم إلى المذاهب الثلاثة التي لا تجعل لأقله حداً».
٢ - ثم قال فيها (ص/٦ - ٧):
«نص أيضاً (يعني المشروع) على وقوع طلقة واحدة بالطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة أخذاً بما رواه مسلم في صحيحه من أن (طلاق الثلاث كان يقع واحداً على عهد رسول الله ﵌ .. الخ) وبرأي ابن تيمية».
والواقع أن حضرة الشيخ الطنطاوي قد وُفِّقَ للصواب فيما ذهب إليه في هاتين المسألتين، وقد بين هو في المسألة الأولى خلافه للمذهب الحنفي، وذهابه إلى المذاهب الثلاثة.
وأما المسألة الأخرى فخلافه فيها أشد لأن أحداً من أئمة المذاهب الأربعة لم يأخذ بحديث مسلم الذي ذكره هو، وإن أخذ به غيرهم من الأئمة.
وما ذهب إليه الشيخ في هاتين المسألتين، هو مذهب الدعاة إلى السنة، قبل أن يكتبهما الشيخ في مشروعه بسنين.
وقد رأيت أنه في المسألة الثانية إنما ذهب إلى خلاف الأئمة الأربعة أخذاً بالحديث وبرأي ابن تيمية، وهذا هو عين ما يصنعه الدعاة إلى السنة، فإنهم
стр. 1965
يأخذون بالحديث الصحيح مدعمين فهمهم إياه بتبني بعض الأئمة له كابن تيمية ومن قبله من أئمة الفقه والحديث، فما بال الشيخ ينكر عليهم هذا وهو معهم فيه فعلاً؟ !
وخلاصة القول: إن الدعاة إلى السنة لا يتركون المذاهب كلها جملة وتفصيلاً، بل إنهم يحترمونها ويقدرون أئمتها، ويستعينون بها على فهم الكتاب والسنة، ثم يتركون من أقوالهم وآرائهم ما تبين أنه على خلاف الكتاب والسنة، وذلك من تمام إجلالهم واتباعهم، كما قال أبو الحسنات اللكنوي في «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» بعد أن ذكر أن عصام بن يوسف البلخي من أصحاب أبي يوسف ومحمد كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، قال أبو الحسنات (ص/١١٦):
«يُعلَمُ منه أن الحنفي لو ترك في مسألة مذهب إمامه لقوة دليل خلافه لا يخرج به عن ربقة التقليد، بل هو في عين التقليد في صورة ترك التقليد، ألا ترى إلى أن عصام بن يوسف ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع ومع ذلك هو معدود في الحنفية».
قال: «وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها ويخرجونه عن جماعة مقلديه، ولا عجب منهم فإنهم من العوام، إنما العجب ممن يتشبه بالعلماء، ويمشي مشيهم كالأنعام».
٢ - ثم قال الشيخ الطنطاوي تفريعاً على ما ذكر في الفقرة الأولى من