Полный текст (5 605 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
المؤمنين أحمد بن حجر العسقلاني قال: إن قوله ﵌: «الأئمة من قريش» هذا حديث صحيح وليس فقط صحيحاً بل وهو متواتر أيضاً بشهادة أمير المؤمنين في زمنه وبعد زمنه أيضاً فيما نعلم.
إذاً: رسولنا ﵌ يضع في هذا الحديث شرطاً في الحاكم الذي يريد أن يحكم المسلمين وهو أن يكون قرشياً، وأنا أعلم أن بعض ذوي الأهواء قديماً وحديثاً يتأولون هذا الحديث بما ذكره أحد مؤرخيهم قديماً أن ذلك كان لأن قريشاً كانت صولة وكانت لهم قوة ومكانة ومنزلة في العرب حيث كانوا يخضعون لهم وراثة وإجلالاً وتقديراً لهم وعلى هذا جاء قوله ﵇: «الأئمة من قريش» أما بعد أن تفككت هذه الرابطة القبلية العربية بين قبيلة قريش وسائر القبائل لم يبق هناك مجال للاستمرار لتحكيم هذا الحديث؛ لأنه قيل في زعمهم للسبب المذكور آنفاً، وردنا تبعاً لعلمائنا على هذا التأويل الذي هو أشبه بالتعطيل في موضوع آيات الصفات وأحاديث الصفات .. ردنا على هذا التأويل بقوله ﵌: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان».
إذاً: تأويلهم الحديث الأول؛ لأنها كانت على حد تعبيرهم في العصر الحاضر شريعة زمنية، يبطل هذا التأويل هذا الحديث الصحيح .. إذا عرفنا هذه الحقيقة ومجال الكلام في هذه المسألة واسع أيضاً نظراً لظروفنا الحاضرة لكن لا بد من ربط أيضاً هذه المقدمة للإجابة عن الشبهة التي ذكرها الأخ الفاضل آنفاً.
لقد جاء في السنن ومسند أحمد ومن طُرُق يقوي بعضها بعضاً عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه عن النبي ﵌ أنه خطبهم يوماً فقالوا:
стр. 2277
«يا رسول الله! أوصنا وصية لا نحتاج إلى أحد بعدها أبداً، قال ﵇: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وزاد في رواية وهي صحيحة في غير هذا الحديث: «وكل ضلالة في النار».
إذاً: قوله ﵇: «وإن ولي عليكم عبد حبشي» وله شواهد بعضها في صحيح مسلم، لا يعني: وإن ولي عليكم من ناس لا يحكمون شريعة الله وإنما ولي عليكم من حاكم يحكم بما أنزل الله؛ لأن هذا الحاكم قد عرفنا مما سبق أنه يشترط فيه أن يكون عربياً قرشياً فهذا إذا ولَّى عبداً حبشياً على ولايةٍ ما وجب إطاعته؛ لا لأنه عبد حبشي وإنما لأنه ولاه مسلم قرشي له حق الولاية.
وعلى هذا أيضاً جرى عمل المسلمين فهنا نحن أمام قضيتين اثنتين لا تنافر ولا تعارض بينهما:
القضية الأولى: الولاية الكبرى، جرى المسلمون على أنه يشترط فيها أن يكون عربياً قرشياً.
الولاية الصغرى: لا يشترط فيها أن يكون قرشياً، على هذا أيضاً جرى عمل المسلمين، وإذا عرفنا هذه الحقيقة تم الاستدلال الصحيح على رد دعوى من يتخذ حديث: «وإن كان عبداً حبشياً» دليلاً على أنه يجوز تولية المرأة؛ لأننا سنقول: إن كان عبداً حبشياً فهو أولى بالولاية التي تليق به على التفصيل
стр. 2278
السابق آنفاً ذكره .. أولى من المرأة القرشية؛ لأن المرأة القرشية ليس لها ولاية بحكم ما سبق آنفاً، فبذلك ينتهي ما عندي من الجواب عن ذاك السؤال.
(الهدى والنور /٣٩٠/ .. : ٣٣: .. )
стр. 2279
العلامة الألباني وفقه الخلاف
стр. 2280
هل الاختلاف رحمة ؟
قال رسول الله ﵌:
«قدِ اختلفتُم وأنا بين أظهُركم، وأنتُم بعدِي أشدُ اختلافاً».
قال الإمام:
أخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (١١/ ٣٨٩/٢٠٨١٨)، ومن طريقه:
الطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ١٤٦) عن معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان أنه سمع حسين بن علي يحدث:
أن النبي ﵌ خبأ لابن صياد (دخاناً)، فسأله عما خبأ له؟ فقال: دخ. فقال:
«اخسأ؟ فلن تعدو قدرك».
فلما ولى قال النبي ﵌:
«ماقال؟ ».
فقال بعضهم:
دخ. وقال بعضهم:
بل قال: زخ. فقال النبي ﵌: ... فذكره.
стр. 2281
قلت: وهذا إسناد صحيح.
ثم رواه الطبراني (٢٩٠٩) من طريق عبدالله بن صالح: حدثني الليث:
حدثني عُقيل [عن] ابن شهاب به. وقال الهيثمي (٨/ ٥):
«رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح».
وكأنه يعني الأول، والثاني كذلك عندي لولا أن عبدالله بن صالح فيه ضعف من قبل حفظه، ولكنه ممن يستشهد به، فيزداد الحديث به قوة على قوة. واعلم أن أحاديث ابن صياد وسؤال النبي ﵌ إياه عن (الدخان) وعجزه عن الجواب كثيرة، وبعضها في «الصحيح» و «السنن»، فانظر: «المشكاة» (٥٤٩٤)، و «صحيح سنن أبي داود» (الملاحم)، وليس هذا فيها، وإنما خرجته هنا لأمرين: الأول: لما فيه من الزيادة عليها من سؤاله ﵌ أصحابه عما قال ابن صياد، ورده ﵌ عليهم بقوله: «قد اختلفتم ... ».
والآخر: أنني أردت أن أذكر به أولئك الغافلين الذين ينسبون إلى الدين ما ليس منه، فيقولون: إن النبي ﵌ قال: «اختلاف أمتي رحمة» أو: «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وغير ذلك مما بينت وضعه في محله، ولهذا فهم يقرون الاختلاف الشديد بين المذاهب ويتخذونه ديناً، خلافاً للكتاب والسنة كما بينه العلماء- رحمهم الله تعالى-، ويغلو بعض أولئك فيزعم أن لكل قول من تلك الأقوال المتناقضة دليلاً من السنة؛ كخروج الدم مثلاً، فيتخيلون أن النبي ﵌ سئل مرة عنه، فأجاب بأنه ينقض الوضوء، وسئل مرة أخرى فأجاب بأنه لا ينقض! ونحو ذلك من التخيلات التي لا أصل لها في السنة، وينشدون بهذه
стр. 2282
المناسبة قول (بُوصيريِّهم) في مدح النبي ﵌:
وكُلُّهمِ مِن رسُولِ اللهِ مُلتمِس ...
وغير ذلك من الأقوال التي لم يقلها عالم من قبل.
فلعل في أولئك الغافلين من يتنبه من غفلته، ويعود إلى رشده حين يرون النبي ﵌ لا يرضى من الصحابة- ﵃ اختلافهم في تحديد ما قاال ابن صياد؛ هل هو (الدُّخ) أو (الزخ)؟ مع أن مثل هذا الاختلاف ليس له علاقة بالدين مطلقاً كما هو ظاهر، لعلهم حين يتنبهون لهذا يتبين لهم أنه ﵌ لا يرضى منهم الاختلاف في الدين ولا يقره من باب أولى.
فالحق أن الخلاف- وهو الذي يسميه ابن تيمية- ﵀ اختلاف تضاد- إنما هو نقمة وليس برحمة.
وحسب المسلم البصير في دينه أن يعتذر عن المختلفين بعذر معقول، ويعتقد بأنهم جميعاً مأجورون على التفصيل الوارد في الحديث. أما أن يقر الاختلاف نفسه ويدافع عنه، بدعوى الدفاع عن الأئمة، كما يعلن ذلك بعضهم في بعض الإذاعات الإسلامية، فذلك من التدليس على الناس، والخلط بين الحق والباطل. نسأل الله السلامة في ديننا وعقولنا.
الصحيحة (٧/ ٢/٧٧١ - ٧٧٣).
стр. 2283
باب منه
روي عن النبي ﵌ أنه قال:
«اختلاف أمتي رحمة».
قال الإمام: لا أصل له.
ثم قال:
وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرا من المسلمين يُقِرُّون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة، ولا يحاولون أبدا الرجوع بها إلى الكتاب والسنة الصحيحة، كما أمرهم بذلك أئمتهم ﵃، بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة ﵃ إنما هي كشرائع متعددة! يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف للدليل، وقبول البعض الآخر الموافق له، وهذا ما لا يفعلون! وبذلك فقد نسبوا إلى الشريعة التناقض! وهو وحده دليل على أنه ليس من الله لو كانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن: ﴿ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذن جعله شريعة متبعة، ورحمة منزلة؟ .
وبسبب هذا الحديث ونحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى
стр. 2284
اليوم مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شر كما قال ابن مسعود وغيره ﵃ ودلت على ذمه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة، لسعوا إلى الاتفاق، ولأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، ثم عذر بعضهم بعضا فيما قد يختلفون فيه، ولكن لماذا هذا السعي وهم يرون أن الاختلاف رحمة، وأن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة! وإن شئت أن ترى أثر هذا الاختلاف والإصرار عليه، فانظر إلى كثير من المساجد، تجد فيها أربعة محاريب يصلى فيها أربعة من الأئمة!
ولكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة مع إمامهم كأنهم أصحاب أديان مختلفة! وكيف لا وعالمهم يقول: إن مذاهبهم كشرائع متعددة! يفعلون ذلك وهم يعلمون قوله ﵌:
«إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» رواه مسلم وغيره، ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب كأن المذهب معظم عندهم ومحفوظ أكثر من أحاديثه ﵊! وجملة القول أن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن، لأنه من أسباب ضعف الأمة كما قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾، أما الرضا به وتسميته رحمة فخلاف الآيات الكريمة المصرحة بذمه، ولا مستند له إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله ﵌.
стр. 2285
وهنا قد يرد سؤال وهو: إن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذم المذكور؟ .
وقد أجاب عنه ابن حزم رحمه الله تعالى فقال (٥/ ٦٧ - ٦٨): كلا ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله، ووجهته الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجرا واحدا لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن، وكلام النبي ﵌ بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه، وتعلق بفلان وفلان، مقلدا عامدا للاختلاف، داعيا إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصدا للفرقة، متحريا في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته، وترك القرآن وكلام النبي ﵌، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون.
وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم، مقلدين له غير طالبين ما أو جبه النص عن الله وعن رسوله ﵌.
ويشير في آخر كلامه إلى «التلفيق» المعروف عند الفقهاء، وهو أخذ قول العالم بدون دليل، وإنما اتباعا للهو ى أو الرخص، وقد اختلفوا في جوازه، والحق تحريمه لوجوه لا مجال الآن لبيانها، وتجويزه مستوحى من هذا الحديث وعليه استند من قال: «من قلد عالما لقي الله سالما»! وكل هذا من
стр. 2286
آثار الأحاديث الضعيفة، فكن في حذر منها إن كنت ترجوالنجاة ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾.
«الضعيفة» (١/ ١٤١ - ١٤٤).
стр. 2287
باب منه
روي عن النبي ﵌ أنه قال:
«مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة».
قال الإمام: موضوع.
ثم قال:
فإذا عرفت هذا فمن الغريب قول السيوطي في الرسالة المشار إليها: في هذا الحديث فوائد، منها إخباره ﵌ باختلاف المذاهب بعده في الفروع، وذلك من معجزاته، لأنه من الإخبار بالمغيبات، ورضاه بذلك وتقريره عليه حيث جعله رحمة، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء ... فيقال له: أثبت العرش ثم انقش، وما ذكره من التخيير باطل لا يمكن لمسلم أن يلتزم القول والعمل به على إطلاقه لأنه يؤدي إلى التحلل من التكاليف الشرعية كما لا يخفى.
«الضعيفة» (١/ ١٤٦ - ١٤٧).
стр. 2288
باب منه
روي عن النبي ﵌ أنه قال:
«سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إلي يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى».
قال الإمام: موضوع.
ثم قال: روى عن المزني ﵀ أنه قال: إن صح هذا الخبر فمعناه: فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم فلوكان عند أنفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضا، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه فتدبر.
قلت: الظاهر من ألفاظ الحديث خلاف المعنى الذي حمله عليه المزني ﵀، بل المراد ما قالوه برأيهم، وعليه يكون معنى الحديث دليلا آخر على أن الحديث موضوع ليس من كلامه ﵌، إذ كيف يسوغ لنا أن نتصور أن النبي ﵌ يجيز لنا أن نقتدي بكل رجل من الصحابة مع أن فيهم العالم والمتوسط في العلم ومن هو دون ذلك! وكان فيهم مثلا من يرى أن البرد لا يفطر الصائم بأكله! كما سيأتي ذكره بعد حديث.
«الضعيفة» (١/ ١٤٧ - ١٤٩).
стр. 2289
باب منه
روي عن النبي ﵌ أنه قال:
«إنما أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم».
قال الإمام: موضوع.
ثم قال:
قال ابن حزم (٦/ ٨٣): فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلا، بل لا شك أنها مكذوبة، لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه ﵌: ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾، فإذا كان كلامه ﵊ في الشريعة حقا كله وواجبا فهو من الله تعالى بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه لقوله تعالى: ﴿ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾.
وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله: ﴿ولا تنازعوا﴾، فمن المحال أن يأمر رسوله ﵌ باتباع كل قائل من الصحابة ﵃ وفيهم من يحلل الشيء، وغيره يحرمه، ولوكان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن جندب، ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة، وحراما اقتداء بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبا بعلي وعثمان وطلحة
стр. 2290
وأبي أيوب وأبي بن كعب وحراما اقتداء بعائشة وابن عمر وكل هذا مروى عندنا بالأسانيد الصحيحة.
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة وأخطأوا فيها السنة، وذلك في حياته ﵌ وبعد مماته، ثم قال (٦/ ٨٦): فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون؟ ! .
وقال قبل ذلك (٥/ ٦٤) تحت باب ذم الاختلاف: وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن رسول الله ﵌ الذي أمره الله تعالى ببيان الدين ... فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلا، وقد غلط قوم فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجوا بما روي عن النبي ﵌: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية.
أحدها: أنه لم يصح من طريق النقل.
والثاني: أنه ﵌ لم يجز أن يأمر بما نهى عنه، وهو ﵇ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره، وكذب عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة، فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون ﵇ يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ.
فيكون حينئذ أمر بالخطأ تعالى الله عن ذلك، وحاشا له ﵌ من هذه الصفة، وهو ﵊ قد أخبر أنهم يخطئون، فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطيء، إلا أن يكون ﵇ أراد نقلهم لما رووا عنه فهذا صحيح
стр. 2291
لأنهم ﵃ كلهم ثقات، فمن أيهم نقل، فقد اهتدى الناقل.
والثالث: أن النبي ﵌ لا يقول الباطل، بل قوله الحق، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر، لأنه من أراد جهة مطلع الجدي، فأم جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضل ضلالا بعيدا وأخطأ خطأ فاحشا، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق، فبطل التشبيه المذكور ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحا ضرورياً.
الضعيفة (١/ ١٤٩ - ١٥٢).
باب منه
قال الإمام معلقا على حديث صلاة العصر في بني قريظة:
(تنبيه): يحتج بعض الناس اليوم بهذا الحديث على الدعاة من السلفيين وغيرهم الذي يدعون إلى الرجوع فيما اختلف فيه المسلمون إلى الكتاب والسنة، يحتج أولئك على هؤلاء بأن النبي ﵌ أقر خلاف الصحابة في هذه القصة، وهي حجة داحضة واهية، لأنه ليس في الحديث إلا أنه لم يعنف واحدا منهم، وهذا يتفق تماما مع حديث الاجتهاد المعروف، وفيه أن من اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فكيف يعقل أن يعنف من قد أجر؟ ! وأما حمل الحديث على الإقرار للخلاف فهو باطل لمخالفته للنصوص القاطعة الآمرة بالرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع والاختلاف، كقوله تعالى: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيراً وأحسن تأويلا». وقوله «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
стр. 2292
ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» الآية. وإن عجبي لا يكاد ينتهي من أناس يزعمون أنهم يدعون إلى الإسلام، فإذا دعوا إلى التحاكم إليه قالوا: قال ﵊: «اختلاف أمتي رحمة»! وهو حديث ضعيف لا أصل له كما تقدم تحقيقه في أول هذه السلسلة، وهم يقرؤون قول الله تعالى في المسلمين حقا: «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون». وقد بسط القول في هذه المسألة بعض الشيء، وفي قول أحد الدعاة: نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، في تعليق لي كتبته على رسالة «كلمة سواء» لأحد المعاصرين لم يسم نفسه! لعله يتاح لي إعادة النظر فيه وينشر.
«الضعيفة» (٤/ ٤٤٨).
стр. 2293
سبب اختلافات الجماعات السنية
السؤال: بالنسبة لاختلافات الجماعات السنية هل هي اختلافات في الأصول يعني: مثل العقيدة الإسلامية، أو اختلافات مثلاً في روايات مختلفة مثل الأحاديث ..
الشيخ: عفواً حتى أستطيع الجواب ما تعني بأهل السنة يعني: قديماً؟
السؤال: قديماً وحديثاً يعني الموجودين الآن نقول.
الشيخ: صعب قليلاً الجواب عن هذا السؤال إلا بعد تمهيد
قديماً معروف عند العلماء والفقهاء أن أهل السنة ثلاثة ذلك وكل هذه المذاهب تنتمي إلى السنة بغض النظر عن صوابها وخطئها لكن نبهت من حيث الانتماء فهذه المذاهب هي ثلاثة في العقيدة، وأربعة في الفروع.
فالمذاهب الثلاثة المتعلقة بالعقيدة هي: مذهب أهل الحديث وهو الذي نتبناه ولا نرضى به بديلاً.
والمذهب الثاني: مذهب الماتريدية.
والمذهب الثالث: الأشعرية، أو الأشاعرة.
أما فيما يتعلق بالمسائل الفقهية فكلكم يعرف أن المذاهب أربعة طبعاً من
стр. 2294
أهل السنة: المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، اليوم يختلف بعض الاختلاف هذا التفصيل فليس هناك الآن طائفة تنتمي إلى السنة بالمعنى العام انتماءً ثم تبنياً، معروفين بأسماء متعددة وكلها تنتهي إلى العمل بالحديث والسنة ففي الهند والباكستان يقال: أهل الحديث مثلاً، في مصر يقال: أنصار السنة، في سوريا وهاهنا يقال: السلفيون، فهؤلاء ينتمون صراحة إلى السنة ولا يتبنون مذهباً من هذه المذاهب بالذات لعلمهم بأن في كل مذهب من السنة ومن الحديث ما لا يوجد في المذاهب الأخرى، فإذا هم انتموا لمذهب واحد فقد يفوتهم شيء من الخير الموجود في المذاهب الأخرى اللهم إلا فيما يتعلق بالعقيدة فهم يتمسكون بمذهب أهل الحديث وأهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد ﵀؛ لأن أهل الحديث فيما يتعلق بالعقيدة يفهمون الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح خلافاً للمذاهب الأخرى مما ذكرناه آنفاً كالماتريدية والأشعرية فهم لا يتبنون هذا الأسلوب أو هذا المنهج في فهم الكتاب وفي السنة، أي: لا يقولون: لا انتماءً ولا تبنياً نحن على منهج السلف الصالح في فهم الآيات وفي فهم الأحاديث.
بل قد قال بعضهم كلمة كنا نتمنى أن لا يقولها، وهي كلمة مشهورة مسلمة عندهم لا شية فيها ومع الأسف حيث قالوا: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، فهذا التفصيل بالنسبة لليوم لا ينطبق لماذا؟ لأنك إذا أخذت المسألة من الناحية الأولى، أي: فيما يتعلق بالعقيدة فأنت نادراً ما تجد من يقول لك: أنا أشعري أو أنا ماتريدي ما تجد من يقولها؛ لأنه مع الأسف الشديد لم تعد العقيدة تدرس دراسة جامعة في المدارس بل في الجامعات إلا
стр. 2295
نتف متفرقة، وإذا درست في الغالب يختلف ذلك باختلاف البلاد التي توجد فيها تلك الجامعات.
مثلاً: في المغرب، المغرب كله ابتداءً من ليبيا مثلاً وانتهاءً إلى المغرب فهم يدرسون العقيدة الأشعرية، كذلك مثلاً في مصر، بينما في البلاد التركية مثلاً وكثير من بلاد الأعاجم قديماً يدرسون مذهب الماتريدي، لكن اليوم ضاعت هذه التخصصات بالسبب الذي ذكرته آنفاً، كما أنه ضاع أن يقول واحد من عامة الناس: أنا حنفي أو شافعي أو مالكي أو حنبلي إلا ما ندر جداً لماذا؟ لأنه أيضاً لم يعد الفقه يدرس في الجامعات كما كان الفقه يدرس قديماً في الحلقات العلمية في المساجد، وإنما أيضاً كما نشاهد الآن دكتور متخرج معه شهادة في الشريعة لكن هو لم يدرس إلا مسائل قليلة متفرقة فيما يتعلق بالفقه؛ لأنه الطريقة السابقة التي كانت أنفع وأثمر طريقة الحلقات لم تعد الآن موجودة مع الأسف الشديد في المساجد.
لم يبق إذاً في الميدان الموجود اليوم إلا من ينتمي إلى السنة صراحة ومنهجاً سواءً بالعقيدة أو في الفقه، أما المذاهب القديمة فهي كما ذكرت آنفاً ثلاثة في العقيدة: أهل الحديث والماتريديون والأشعريون والفقه كما تعلمون اليوم.
هذه المذاهب كلها بلا شك لا يوجد مذهب منها يتبرأ من السنة أو من العمل بالحديث، وهذه نقطة في الواقع يجب الانتباه لها ... قَوَّمْنَا إنساناً مسلماً يقول: أنا لا أعمل بالحديث، فهذا خرج من جماعة المسلمين؛ لأن الحديث هو الذي به يستطيع العالم أن يفهم كلام الله ﵎، ولذلك
стр. 2296
أكد هذا المعنى ﵊ في الحديث المعروف: «تركت أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي ولا يتفرقا حتى يردا علي الحوض» فنجد المسلم يقول: أنا لا آخذ بالحديث، لكن يوجد مسلمون بالألوف المؤلفة، بل يوجد ملايين من يفعلون ذلك عملاً وليس اعتقاداً، وقد يجدون لهم من الأعذار ما يكون عذراً عند الله وما لا يكون.
مثلاً: كثير من المتخرجين من كليات الشريعة لا يتجاوبون مع الدعوة السلفية التي تدعوا جميع المسلمين للعمل بما ثبت في السنة وعدم التزام مذهب معين لأن ذلك ما أمر به القرآن والسنة أولاً ثم ما أمرت به الأئمة أئمة الفقه ثانياً فلماذا لا يقفون بالموقف مع الجمهور الداعي إلى العمل بالكتاب والسنة، يقولون لك: نحن ما نقدر أو ما عندنا طاقة هذه تحتاج إلى علم بالكتاب والسنة وعلم أصول الحديث وعلم أصول الفقه وإلى آخره.
وهذا طبعاً بحث طويل ولنا عليه أجوبة كثيرة لكن القصد الآن أن نقول: إن الموجود في الساحة الآن لا توجد ناس صريحين يدعون إلى العمل بالكتاب والسنة إلا الذين ينتمون إلى العمل بالحديث والسنة، أما الآخرون فكل منهم قانع بما درس أو بما لم يدرس إن كان درس الماتريدية فهو ماتريدي وهذا يغلب على الأتراك المتعصبين تمام التعصب للماتريدية في العقيدة وللحنفية في الفروع.
أما جماهير الناس فكما يقولون عندنا في سوريا: هات يدك ونمشي لا يعرف هو حنفي أو شافعي؟ ولذلك نجد كثير من أئمة المساجد من ناحية تراه يصلي كأنه شافعي، من ناحية أخرى تراه كأنه حنفي فهو كما يقولون أيضاً
стр. 2297
عندنا: حنفشعي
مداخلة: يعني: كوكتيل أستاذنا
الشيخ: يعني مثلاً واضحاً جداً تجد إمام يرفع يديه ويحرص على القنوت في صلاة الفجر كأنه من الواجبات، لكنه لا يتورك في الصلاة في التشهد دائماً يفترش يفترش، مع أنه هذا مذهب الإمام الشافعي أولاً، ومما حضَّ عليه بصورة خاصة الإمام النووي في كتابه العظيم: «المجموع شرح المهذب» نبه على أنه يجب الاعتناء بالجلسة بالتورك هذه، ولعله ضم إليها بجلسة الاستراحة، وهذه أيضاً لا يفعلونها، فما تدري هذا حنفي لأنه ما يتورك وما يجلس جلسة الاستراحة، لكن اقتنع أنه رفع اليدين سنة فهو يرفع، أو على العكس من ذلك هو شافعي فيرفع تقليداً لمذهبه لكن ما بيتورك ولا يجلس جلسة الاستراحة تبعاً للناس.
لا أدري كنت أجبتك عما سألته؟ لكن إذا كان هناك أشياء بحاجة إلى استيضاح فما عندي مانع.
السؤال: يا شيخ! ... أكمل على سؤاله أو أستوضح ..
الشيخ: لا، اسمح لي اجعله هو يعطي فرصة لغيره ..
مداخلة: تفضلوا ... الأسئلة ترتبط على نفس الموضوع ...
السؤال: الاختلاف في الفروع أو الأصول؟
الشيخ: كلاهما.
стр. 2298
السؤال: في الأصول يا شيخ مثل ماذا يعني؟
الشيخ: نأخذ المذاهب الثلاثة، هذه أصول أو فروع؟
مداخلة: أصول ..
الشيخ: المذاهب الثلاثة أصول أو فروع؟ ما لكم لا تنطقون؟
مداخلة: أصول ..
الشيخ: هذه أصول ما هي فروع لأنها تبحث في العقيدة فقط، أس الأصول كلها الإيمان؛ لأنه بدون إيمان لا ينفع أي شيء كما هو مقطوع به عند جميع المسلمين، فما رأيكم إذا كان العلماء اختلفوا في هذا الأس وفي هذا الأصل ألا وهو الإيمان؟ ! اختلفوا فيه، هل الإيمان قول وعمل أو اعتقاد وعمل ويتبع العمل طبعاً القول، أم هو اعتقاد وليس العمل من الإيمان؟ مذهبان:
أهل الحديث والأشاعرة يقولون: قولة الحق في اعتقادنا: الإيمان اعتقاد وعمل؛ ولذلك لا تأتي آية تذكر الإيمان إلا وتذكر معه العمل الصالح ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥].
الماتريدية يقولون: الإيمان هو الاعتقاد فقط وليس العمل الصالح من الإيمان، هذا اختلاف كما قلنا في أصل الشريعة وهو الإيمان، تفرعت من هذا الاختلاف اختلاف آخر: هل يزيد الإيمان وينقص، أم لا يزيد ولا ينقص؟ قولان: من يقول: بأن الإيمان اعتقاد وعمل يقول: يزيد وينقص، زيادته الطاعة ونقصانه المعصية.
من يقول: بأن الإيمان اعتقاد وليس يدخل فيه العمل الصالح يقولوا: لا
стр. 2299
يزيد ولا ينقص.
الآن وصلنا في هذه القضية الهامة إلى أنه يوجد اختلافان أو يوجد مذهبان في العقيدة في الفهم، لكن تفرع من هذا الاختلاف اختلاف فقهي، لا يزال مسطوراً في بطون الكتب وهو: هل يجوز لمن يعتقد أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص أن يتزوج امرأة تعتقد بأن الإيمان يزيد وينقص أم لا يجوز؟ صدرت فتوى بأنه لا يجوز لماذا؟ الآن هم يُطَبِّقون مذهبهم يقولون: الذين يقولون: بأن الإيمان يزيد وينقص إذا سئل أحدهم: هل أنت مؤمن؟ يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، والذين يقولون: لا يزيد ولا ينقص إذا قيل لهم: هل أنت مؤمن يقول لك: أنا مؤمن حقاً، هذا الذي يقول: أنا مؤمن حقاً يقول: أنا لا أتزوج امرأة تشك في إيمانها تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله.
هكذا صدرت فتوى وعمل بها أصحاب هذا الرأي عشرات السنين، إلى أن جاء أحد كبار علمائهم ولعل بعض الحاضرين يعرفون تفسير .. مطبوع هذا التفسير تفسير أبو السعود مفتي الثقلين، هذا من كبار علماء الأحناف، أجاب وقد سئل: هل يجوز لحنفي أن يتزوج بشافعية؟ قال: يجوز تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب، وهذا معناه مع الأسف: معناه خطير لا يجوز العكس يجوز للحنفي باعتباره رجل أن يتزوج شافعية باعتبارها امرأة صارت كالكتابية، لكن الكتابي يجوز له أن يتزوج مسلمة؟ ! لا، فما يجوز للشافعي الذي يشك في إيمانه بزعمهم أن يتزوج حنفية، هذا كله مكتوب في الكتب، وإن شئتم سميت لكم بعض أسمائها.
هذا يا جماعة موجود وخلاف كما ترون في الأصول في أس الأصول، ثم
стр. 2300
هناك مسائل كثيرة وكثيرة جداً ليس من السهل على عامة الناس أن يدركوها كهذه المسألة، أنتم تعلمون أن الخلاف القديم الذي أثاره المعتزلة خاصة في زمن دولة المأمون العباسي.
هذا القرآن هل هو كلام الله، أم ليس بكلام الله؟ فأهل السنة كلهم يقولون: القرآن كلام الله، المعتزلة يقولوا: لا، هذا القرآن كلام الله لكن كلام الله مخلوق يعني: ليس هو بكلام الله ، هنا الآن تظهر الدقة في الموضوع؛ لأن مذاهب السنة الثلاثة الآن يلتقوا لفظاً ويختلفون معناً، أهل الحديث يقولوا: كلام الله صفة من صفات الله ويستحيل أن يكون مخلوقاً، وهو كلام مسموع تسمعه الملائكة .. تسمعه الرسل .. لأن الله يقول مثلاً الذي قال في حق موسى: كلم الله موسى تكليماً، قال له لما كلمه تكليماً: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤] فإذاً: قال له: استمع، أي: كلام الله مسموع.
ويعبر عنه علماء الحديث أهل السنة حقاً بأن كلام الله أحرف وهذا ما صرح به ﵊ في الحديث الصحيح: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول: ألف لام ميم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف» فكلام الله عند أهل الحديث مسموع عند المصطفين الأخيار، وله أحرف.
أما عند المذهبين الآخرين من أهل السنة فكلام الله عندهم ليس بحرف ولا هو مسموع ويعبرون عن هذا النفي بعبارة مثبتة في زعمهم كلام الله نفسي، ويقولون بالكلام النفسي أي: الكلام النفسي في تعبيرهم تماماً كالعلم
стр. 2301
الإلهي، أي: لا هو يسمع ولا هو يرى ولا أي شيء، هنا اشتد النزاع بين أهل الحديث وبين الأشاعرة والماتريدية؛ لأن هؤلاء عندما يقولون: كلام الله غير مخلوق يعنون: الكلام النفسي، يعني: يعنون ما يشبه العلم الإلهي المستقر في الذات الإلهية ، لا يعنون ما يعنيه الحديث وما يعنيه القرآن.
لو أراد الإنسان يحصر الآيات لربما بلغت المئات التي فيها مخاطبة الله لبعض خلقه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] قال: قال! ما هذا الكلام؟ ! عند أهل الحديث عرفتم، يعني: ربنا يخاطب آدم .. يخاطب الملائكة .. يخاطب إبليس في لحظة معينة، وإذ هذه ظرفية في اللغة العربية، في ظرف معين ربنا قال للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤].
أما الذين يقولون بالكلام النفسي ولا يقولون بالكلام اللفظي فهؤلاء يقولون ومن عجب ما يقولون ربنا عندما قال لموسى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] منذ الأزل ربنا يقول: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] فهذا خلاف الحقيقة يؤدي إلى إنكار معجزة القرآن؛ لأن المعتزلة يقولون صراحة: هذا مخلوق.
الأشاعرة والماتريدية مع أهل الحديث لفظاً مع المعتزلة عقيدةً؛ لأنهم لا ينكرون العلم الإلهي القائم في ذات الله وشبيه ما اختلقوه من الاسم الكلام النفسي، خلاف الواقع يعني: مع الأسف على عكس ما تسمعون تماماً من بعض المحاضرين والدكاترة المعاصرين أن الخلاف يا أخي في الفروع وليس في الأصول! هذا في الواقع إذا ما قلنا: تضليل فهو جهل عميق بالشريعة
стр. 2302
بالكتاب والسنة وواقع المذاهب الإسلامية المجودة اليوم.
ترى هل هذا في الأصول أم في الفروع؟ قول أئمة الفقه: إذا صح الحديث فهو مذهبي، هذا أصول أو فروع؟
مداخلة: ...
الشيخ: طيب! هات اليوم ملايين المسلمين لا يوافقوا معك على هذا الأصل بل قال قائلهم:
وواجب تقليد حبر منهم .. وواجب تقليد حبر منهم .. من الأربعة هؤلاء، فأنت ما يجب لك أن تتبع السنة من هنا ومن هنا ومن هنا لكن لازم تكون حنفي قح أو مالكي قح أو شافعي قح، كيف هذا ولم تكن هذه المذهبية الضيقة قبل الأئمة الأربعة؟ وكان هناك من قبل عشرات بل مئات بل ألوف الأئمة وعلى رأس الأئمة الخلفاء الأربعة فهل كان في زمانهم بكريين .. عمريين .. عثمانيين .. علويين .. لم يكن شيء من ذلك، الخلاف مع الأسف ما هو في الفروع فقط ..
انحراف عن أصول من الشريعة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] خذ الآن من شئت من الأئمة، لا أعني أئمة المساجد؛ لأن هؤلاء غالبهم غالبهم لا فقه عندهم، وظيفة من جملة الوظائف في الدوائر هذه، ما أعني هؤلاء لكن أعني الكبار الذين يقولون علماء ويقولون دكاترة وإلى آخره، ستجد كل منهم على مذهب، هذا حنفي وهذا شافعي، ادعوهم
стр. 2303
إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة لا تجد تجاوباً، إذاً: أين الخلاف في الفروع؟ الخلاف في الأصول بل في أصول الأصول.
مداخلة: يعني: أولى للإنسان أن يتبع هدي الرسول ﵌ ولا يتعصب لأي مذهب من المذاهب؟
الشيخ: نعم طبعاً! لكن .. هناك ملاحظة مهمة: سبحان الله! سنة الله في خلقه إفراط وتفريط خلافاً لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] استمرار جمود المسلمين عامتهم وخاصتهم إلا أفراد قليلين طيلة هذه القرون المديدة على التمذهب هذا أوجد ردة فعل، ردة الفعل هذه ابتداءً كانت جيدة وهو رجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح أي: العمل بالكتاب والسنة دون تعصب لأئمة المسلمين، لكن هذا الرجوع الآن بسبب أنه ليس له ضوابط وقواعد جماعية أعطى ردة فعل عكسية تماماً فصار رجل لا يعرف من الفقه شيئاً يقرأ حديث أو يسمع حديث، أصبح هو من الضروري يسلط فهمه والأصح أن نقول: جهله في هذا الحديث ويتبنى منه حكم ويذهب، في زعمه أنه من السهل بمكان أن كل إنسان يعمل مجتهد والأمر ليس كذلك.
ولأمر ما نحن نقول دائماً وأبداً كما قال علماؤنا من قبل:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
تُرى! السلف الأول .. القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية .. الصحابة والتابعون لهم وأتباعهم، هل كانوا كلهم علماء بالكتاب والسنة؟ لا، القليل
стр. 2304
من الصحابة كانوا هم العلماء وجمهورهم لم يكونوا علماء، هذا الواقع ربنا وضع له منهاجاً في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فالسلف الأول: كانوا يعرفون مقدار علمهم أي: يعرفون نفوسهم، وأنهم ليسوا من أهل العلم فحينئذ إذا ما احتاجوا إلى معرفة مسألة ما سألوا؛ لأنهم يقرؤون في القرآن أو يسمعون على الأقل قول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فربنا في هذه الآية جعل المجتمع الإسلامي قسمين:
أهل ذكر وأهل جهل وأوجب على كل من القسمين واجباً خلاف الواجب الذي على الآخر، فأوجب على من لا علم عنده أن يسأل أهل العلم، وأوجب على أهل العلم أن يجيبوا، وأكد ذلك ﵇ في حديثه المشهور: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» الآن المجتمع مع الأسف ما هو مجتمع إسلامي من جوانب كثيرة وكثيرة جداً، لكن أخطرها من الزاوية الإسلامية ما هي إسلامية أيضاً، يعني: من زاوية الخلاص من التقليد الذي ران على القلوب المئات من السنين فبزعم الخلاص وقعنا في مشكلة معاكسة وهو أن يفتي كل إنسان بنفسه نفسه بل وربما غَيْرَه بغير علم، فهو ربما لا يحسن تلاوة آية كما هي مقروءة أو مكتوبة في القرآن الكريم فضلاً عن حديث نبوي مع ذلك فهو يخل بتطبيق هذه الآية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ومن أسباب ذلك: فساد الخلق وركوب الغرور في نفوس الناس والعجب فأصبح طالب العلم إن كان طالب علم لمجرد أن يشعر بأنه عنده قليل من
стр. 2305
العلم صار لسان حاله كما يقولون عندنا في سوريا: يا أرض اشتدي ما أحد عليك قدي، وهو لا يكاد يفهم من العلم إلا شيئاً قليلاً جداً فهؤلاء في واد والمتزمتون الجامدون على تقليد المذهب بل المذاهب في واد آخر، والحق وسط بين ذلك وهو تحكيم فعلي للآية السابقة: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ويقولون: في الأحاديث التي تذكر كحديث لا أصل له لكن هو حكمة: (من عرف نفسه فقد عرف ربه) فأكثر الناس اليوم لا يعرفون أنفسهم؛ لأنهم ركبهم العجب والغرور، الله أكبر .. الحديث الذي يقول: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه» هذا داء من الأدواء التي نحن مصابون الآن في هذا الزمن، نعم؟
السؤال: هذا حديث؟
الشيخ: صحيح هذا ..
السؤال: «فعليك بخويصة نفسك».
الشيخ: هذا حديث صحيح لكن دع «خويصة نفسك» ثلاث مهلكات.
السؤال: بالنسبة سؤال الأخ هنا: سمعت أحدهم يقول: أن من الجامعات الإسلامية حالياً لا تدرس العقيدة إلا عقيدة الأشاعرة إلا جامعتين .. الجامعات عفواً من ناحية الدول طبعاً: العربية السعودية وفي قطر أما مثلاً الجامعأت الأردنية وجامعة الكويت وكذا إلى آخره فلا تدرس العقيدة الصحيحة فهل هذا صحيح؟
стр. 2306
الشيخ: إيه طبعاً هذا صحيح وهذا ما ألمحنا إليه آنفاً.
السؤال: يعني بالتحديد حتى الإنسان يدرك كثير من اللي تفضلت دكاترة في العلم فقه وفي كذا وفي كذا .. فيخرج على التلفزيون ويخرج في المجلات فلو عرفنا مصادر هؤلاء ومصادر علمهم إن شاء الله نتحرص من فتاويهم أو نقول فيهم: كذا وكذا فلو سمحت يعني: تعقب على هذا.
الشيخ: على كل حال هذا الذي ألمحت إليه هو الواقع وأنا أشرت إلى شيء منه آنفاً، عندما قلت في المغرب بطوله من شرقه إلى غربه تدرس العقيدة الأشعرية؛ لأنه هناك تلازم واقعي كل ما لكي فقهاً فهو أشعري عقيدة كذلك كل شافعي فقهاً فهو أيضاً أشعري عقيدةً، كذلك إلا القليل: كل حنبلي فهو أيضاً عقيدة أشعري إلا نوادر خاصة في العصر الحاضر، وهذا بلا شك يعود الفضل فيه إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم، والذي يصرحون بالدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة كالشيخ ابن باز وأمثاله لكن المذاهب الثلاثة هذه خاصة بالمالكية والشافعية فهؤلاء لا يمكن أن يكونوا في العقيدة إلا أشاعرة.
وكل حنفي لزاماً أن يكون ماتريدياً لا يمكن إلا هكذا، نعم.
السؤال: لزاماً؟
السؤال: نعم، فلا تجد مثلاً حنفي أشعري أو شافعي ماتريدياً هذا مستحيل كواقع، لكن إذا رجعت إلى أهل السنة حقاً وأهل الحديث فستجد كثيرين منهم عاشوا في جو حنفي فروعاً وأصولاً لكن حينما هداهم الله عز وجل
стр. 2307
للأصول حقاً لم يبقوا أحناف لا في الأصول ولا في الفروع، وإنما أخذوا الحق حيثما كان فمصر يغلب عليها التمذهب بالمذهب الشافعي فهناك تدرس العقيدة الأشعرية.
وقلت آنفاً: الأتراك ما يعرفون إلا المذهب الماتريدي .. الحنابلة يختلفون: حنابلة بلاد نجد يختلفون تماماً عن حنابلة في بلاد أخرى، مثلاً: نحن في سوريا عندنا حنابلة في بعض البلاد الشرقية عن دمشق ... ورحيبة ودير عطية ونحو ذلك هؤلاء في الفروع حنابلة وفي العقيدة أشاعرة، هؤلاء أصابهم ما أصاب الأشاعرة، أي: تركوا مذهب إمامهم الأول، إمام السنة الإمام أحمد وتأثروا بالمذهب مذهب الأشاعرة، والآن لا أقول بالمذهب الأشعري؛ لأني قلت آنفاً: إن هؤلاء أصابهم أي: حنابلة سوريا وأمثالهم ما أصاب الأشاعرة.
الأشاعرة ينتمون إلى أبي الحسن الأشعري، لكن أبو الحسن الأشعري رجع عن أشعريته واتبع مذهب الإمام أحمد بن حنبل وله كتاب هام جداً مطبوع عدة مرات اسمه: «الإبانة في أصول الديانة» مذهبه هناك على مذهب أهل الحديث مذهب الإمام أحمد، ليت الأشاعرة يعملون بهذا الكتاب في كل بلاد الإسلام إن كان في مثلاً مصر أو هنا؛ لأنه ألاحظ أيضاً هنا يغلب عليها من ناحية الفروع التمذهب بالمذهب الشافعي والكثير منهم لا يعرفون العقيدة الماتريدية بغض النظر عن صوابها أو خطئها بقدر ما يعرفون المذهب الأشعري.
فالدراسة في الجامعات في هذه البلاد هي الحقيقة من ناحية الفروع إما جموداً على مذهب معين أو على طريقة ما قلناه نقلاً عن الاصطلاح السوري:
стр. 2308
حنفشعي، أو ما يسمى بالاصطلاح الفقهي: بالتلفيق فهناك تقليد وهناك تلفيق، التقليد: هو اتباع إمام معين وهذا طبعاً لا يجوز بينما التقليد لا بد منه.
قلنا نحن آنفاً في التعليق على قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] إن عامة الناس يسألوا أهل الذكر لكن أهل الذكر فيهم الخير والبركة ليس زيد وبكر وانتهى الأمر، لا، كلما عَنَّ لفرد من أفراد المسلمين أن يسأل عن مسألة ليس من اللازم أن يتعصب ويتقصد لشخص معين وإنما يسأل من يعتقد أنه من أهل العلم فحينئذ وجب عليه الاتباع: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] من أجل ماذا؟ من أجل العمل بقولهم، أم من أجل مخالفتهم، طبعاً العمل بقولهم.
(الهدى والنور /٥١/ ٢٧: ١٥: .. )
стр. 2309
حول الاختلاف في الأصول وفي الفروع
مداخلة: البعض يقول: الفروع موجودة في العقيدة وفي العبادات، مثلاً موضوع رؤية الله هل هذا من الفروع؟ أقصد في الدنيا هل النبي ﵌ رأى الله في المعراج أو لم يره، هل هذا من الفروع أو من الأصول؟
إذا كان من الفروع فهل يجوز قياساً على هذا الاختلاف بين الصحابة في هذه النقطة أن يختلف المسلمون في قضية العرش وبعض ما يتعلق بالأسماء والصفات؟
الشيخ: الجواب على هذا السؤال يكون من ناحيتين:
الأولى: أن هذا السؤال نابع من العرف السائد عند المتأخرين بأن الإسلام ينقسم إلى قسمين: أصول، وفروع، هذا التقسيم يجب أن نعلم أنه من محدثات الأمور، وأنه أمر لا يعرفه الصحابة ولا التابعون، ولا الأئمة المجتهدون وإنما هذا التقسيم نبع من المعتزلة ثم سرت عدواه إلى غيرهم ممن ينتمون إلى جماعة أهل السنة.
ليس هناك في الإسلام شيء اسمه فرع وآخر اسمه أصل، وهذا على كل حال إن سلم به فإنما يسلم به على أنه اصطلاح وليس ديناً، وللناس أن يصطلحوا على ما شاءوا ولكن بشرط ألا يرتبوا على ما اصطلحوا عليه
стр. 2310
أحكاماً متباينة.
من هنا يأتي الجواب من الناحية الأخرى: إذا عرفنا أنه لا فرق بين الأصول والفروع بل كل ما جاء في الكتاب والسنة فيجب اتباعه ويجب محاولة فهمه على الوجه الصحيح لا فرق في ذلك بين فرع وأصل.
إذا عرفنا هذه الحقيقة سهل علينا الجواب: وهو الناحية الثانية:
يجوز الاختلاف فيما يسمونه في الأصول كما يجوز في الفروع لكن أي نوع من أنواع الاختلاف؟ أنا ذكرت آنفاً أن هناك اختلافين اثنين: اختلاف يعود إلى المفاهيم كما وقع لأصحاب الرسول ﵇ في قصة الصلاة في بني قريظة هذا طبيعي واختلاف متعمد مقصود يحمل عليه التكتل الحزبي والتعصب المذهبي، سواء كان الاختلاف من هذا النوع الثاني فيما يسمونه في الفروع أو في الأصول فهو مما نهى رب العالمين في كتابه الكريم في آية سبقت: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] بخلاف الاختلاف الآخر الذي ينتج من الاختلاف في الفهم فسواء كان هذا الفهم فيما يسمونه أصلاً أو يسمونه فرعاً فالمختلفون في ذلك معذورون.
إذاً: حينما نريد أن نجيب عن مثل هذا السؤال فيجب أن نتذكر أن الاختلاف اختلافين:
اختلاف مذموم، واختلاف غير مذموم، لا أقول: ممدوح، يجب أيضاً أن نكون دقيقين فهماً وتعبيراً، إذا كان الاختلاف اختلاف فهم فهو اختلاف غير مذموم، سواء كان في العقيدة أو في الأصول حسب الاصطلاح المذكور، أو
стр. 2311
كان في الفروع، ما يضر مثل هذا الاختلاف إطلاقاً ما دام أن السبب الحامل عليه إنما هو اختلاف أفهام الناس في فهم النصوص.
أما إذا كان الاختلاف إنما يحمل عليه التحزب والتكتل والتعصب فهذا ممقوت ومذموم سواء كان في الفروع أو كان في الأصول، إذاً: الاختلاف المقصود والذي لا يحاول أصحابه الخلاص منه فهو كله مذموم فروعاً وأصولاً.
والعكس بالعكس: الاختلاف فيما يسمونه في الأصول وفي الفروع دون تعصب ودون تحزب وإنما نشأ ذلك بسبب الاختلاف في الأفهام فهذا أمر جائز في الإسلام بناءً على القاعدة العظيمة المقررة فيه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فإذا عدنا إلى المثال المطروح في تواليف السؤال: أن أصحاب الرسول ﵇ اختلفوا في كون الرسول ﵇ رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج أو لم يره؟ فعلاً اختلفوا، فيتوهم بعض الناس وهنا يأتي النكتة التي قلناها آنفاً: لا بأس في أن يصطلح الناس على بعض الاصطلاحات لكن بشرط أن لا تبنى أحكام على هذه الاصطلاحات هي أحكام مخالفة للشريعة.
فهنا يقول بعض الناس: لا نستطيع أن نقول: إن الرؤية .. رؤية الله التي اختلف فيها أصحاب الرسول فضلاً عمن بعدهم رؤيته لربه هي مسألة فرعية أو مسألة حكمية وإنما هي مسألة أصولية عقائدية فإذاً لماذا يأتي السؤال هنا الذي نشأ منه توجيه هذا السؤال، لماذا تنكرون على الماتريدية وعلى
стр. 2312
الأشاعرة؛ لأنهم تبنوا عقائد أو أصولاً تخالف ما كان عليه السلف الصالح والسلف الصالح أنفسهم اختلفوا في بعض هذه الأصول .. في بعض هذه العقائد والاختلاف في زعم هؤلاء الذين قسموا الشريعة إلى أصول وفروع يقولون: إنما يجوز الاختلاف في الفروع دون الأصول، لكنهم في الواقع يصطدمون بالواقع فيرون الصحابة اختلفوا أيضاً ليس في الفروع بل وفي الأصول فاستغلوها فرصة يبنوا على ذلك الإنكار على الذين يخالفون السلف في فهمهم لبعض الآيات المتعلقة بصورة عامة بالأمور الغيبية منها مسألة رؤية الرسول ﵇ ربه ليلة الإسراء، ومنها الرحمن على العرش استوى.
فنحن نقول: كما ننكر الاختلاف في هذه الأمور التي يسمونها أمور أصول وعقائد لا فرق عندنا، نحن ننكر هذا الاختلاف كما ننكر اختلافهم في تعصبهم لقولهم: هذه الصلاة صحيحة، وأولئك يقولون: باطلة، هذا الوضوء صحيح وآخرون يقولون: غير صحيح ونحو ذلك، كل ما كان مخالفاً للكتاب والسنة فنحن ننكره ونعود في ذلك إلى الكتاب والسنة بضميمة الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح؛ وذلك لأنهم كانوا أطهر الناس قلوباً وأزكاهم فهماً إلى آخر ما هناك من صفات معروفة فيهم.
من ذلك: أنهم كانوا أقرب عهداً بالقرآن وبحديث الرسول ﵊.
إذاً: خلاصة الجواب: من الخطأ التفريق بين مسألة وأخرى بدعوى هذه الأصول وهذه الفروع، وما دام أن الصحابة اختلفوا في الأصول فيجوز أن نختلف في الأصول.
стр. 2313
جوابنا: إذا كان الاختلاف في الأصول ناشئاً عن فهم خاص وليس عن تعصب لعقيدة معينة أو لمذهب معين فهذا جائز، ومن هذا الباب اختلف أصحاب الرسول ﵇ في تلك المسألة التي ذكره السائل كمثال، وهي: هل رأى رسول الله ﵌ ربه؟
منهم من قال: رآه، ومنهم من قال: لم يره.
ولكن: ما الذي يقصده هؤلاء حينما يقولون: ما دام أن الصحابة اختلفوا في الأصول في حد تعبيرهم فإذاً: لماذا تنكرون الاختلاف علينا نحن المتأخرين بحجة أن هذا اختلاف في الأصول.
نحن نقول: ليس بحجة أنه اختلاف في الأصول فقط، وإنما نحن ننكر الاختلاف كله ما دام صار مذهباً متبعاً سواءً كان في الأصول أو كان في الفروع، ونقر الاختلاف الصادر عن إخلاص وعن حرص في فهم النص من الكتاب والسنة فهماً صحيحاً ومع ذلك اختلفت المفاهيم فنحن نقر هذا ولا ننكره، ومعنى نقره: أي: لا نتخذ الذين يخالفون رأينا في هذه المسألة التي يسمونها من العقل .. لا نتخذهم أعداء وخصوماً لنا؛ لأنهم خالفونا باجتهاد منهم، لكننا ننكر التعصب المذهبي بصورة عامة سواء كان هذا التعصب متعلقاً بالأصول أو الفروع.
هذا أظن جواب سؤالك هذا.
(الهدى والنور / ١٧٠/ ٠٧: ٠٤: ٠٠)
стр. 2314
الاختلاف بين الأئمة
الشيخ: بهذه المناسبة يحسن أن أذكر لأن المناسبات قد تفوتنا، هذا الذي تعرفونه حسن السقاف اتصل بي أكثر من مرة، آخر مرة سألني أنه ماذا تقولون في اختلاف الأئمة؟ هل هذا الاختلاف تُقِرُونه أو تُنْكِرونه؟ أنا ذكرت له أن الاختلاف على نوعين اختلاف تنوع واختلاف تضاد، فإذا كان من النوع الأول فنحن نقره، قال: مثاله؟
قلنا له: مثال أدعية الاستفتاح وأنواع التشهد والصلاة الإبراهيمية، وإذا كان من اختلاف التضاد فنحن نعتقد أن الحق واحد وأن ما يخالفه هو خطأ واضح.
وذكرت له الآية قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] أخذ يحاول أن يجد ثغرة ليصل إلى هدف له لا يخفاه، فعرفت مقصده، فقلت له: أنت ما رأيك؟ قال: إذا كان الخلاف مع كلٍّ من المختلفين أو المختلفين - على حسب الواقع- حديث فنحن نقر هذا الخلاف، فعرفت أنه يريد أن لا يفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد.
مداخلة: لكل مجتهد نصيب.
الشيخ: نعم، قلت: وماذا تقول في حديث هنا الشاهد كمثال لما نحن في صدده، ما تقول في حديث «من مس ذكره فليتوضأ» صحيح؟ قال: صحيح،
стр. 2315
لاحظوا الآن يجيب فوراً بأنه صحيح لأنه يوافق مذهبه، قلت له: هل تعمل به؟ قال: نعم، قلت له: ماذا تقول في حديث «هل هو إلا بضعة منك». هل هو صحيح؟ بدأت الحيدة، قال: بعضهم يصححه وبعضهم يضعفه.
قلت: لماذا هذه الحيدة، قال: ما حدت، قلت: لا لما سألتك عن الحديث الأول قلت صحيح، لما سألتك عن الآخر بدأت تشكك، بعضهم صححوها، أنا أسألك عنك أنت ما تقول في هذا الحديث، أنا أعرف الخلاف لكن أنت ما رأيك صحيح وإلا ضعيف؟ ما وسعه إلا أن يعترف بصحته.
فهنا وقع، قلت: هل تقول به؟ قال: لا، قلت: إذاً أنت تُخَطِّئ الإمام أبي حنيفة الذي يقول: بأنه يجوز الوضوء صحيح ولا شيء في ذلك ولا يؤخذ بالحديث الأول، عن مسألة من أراد أن يتوضأ.
مداخلة: ...
الشيخ: أي نعم. وبعدين استمررت معه في شيء من النصيحة لكن من العيار الثقيل، قلت: لذلك أنا لا أرغب أن ألتقي معك لأنه لا يظهر لي أنك تريد الحق في الواقع، ولذلك أقول: السلام عليك إن شاء الله. بعد قليل عاد الرجل وقال: لقد كشفت شبهة كانت لدي فأنا أريد أن أسألك سؤالاً آخر، قلت: لا استعداد عندي لأن الشبهة التي كشفتها لا تزال عندك قائمة كما هي.
(الهدى والنور /٢١٠/ ٠٤: ٥٤: ٠٠)
الشاهد إذا ما جاءه مثل هذا المثال لا شك أنه سيجد بعض المحدثين يضعفون الحديث الثاني فهو سيحار كيف يستطيع أن يأخذ بحديث يقول
следующие страницы →