Полный текст (5 605 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
كان في الفروع، ما يضر مثل هذا الاختلاف إطلاقاً ما دام أن السبب الحامل عليه إنما هو اختلاف أفهام الناس في فهم النصوص.
أما إذا كان الاختلاف إنما يحمل عليه التحزب والتكتل والتعصب فهذا ممقوت ومذموم سواء كان في الفروع أو كان في الأصول، إذاً: الاختلاف المقصود والذي لا يحاول أصحابه الخلاص منه فهو كله مذموم فروعاً وأصولاً.
والعكس بالعكس: الاختلاف فيما يسمونه في الأصول وفي الفروع دون تعصب ودون تحزب وإنما نشأ ذلك بسبب الاختلاف في الأفهام فهذا أمر جائز في الإسلام بناءً على القاعدة العظيمة المقررة فيه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فإذا عدنا إلى المثال المطروح في تواليف السؤال: أن أصحاب الرسول ﵇ اختلفوا في كون الرسول ﵇ رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج أو لم يره؟ فعلاً اختلفوا، فيتوهم بعض الناس وهنا يأتي النكتة التي قلناها آنفاً: لا بأس في أن يصطلح الناس على بعض الاصطلاحات لكن بشرط أن لا تبنى أحكام على هذه الاصطلاحات هي أحكام مخالفة للشريعة.
فهنا يقول بعض الناس: لا نستطيع أن نقول: إن الرؤية .. رؤية الله التي اختلف فيها أصحاب الرسول فضلاً عمن بعدهم رؤيته لربه هي مسألة فرعية أو مسألة حكمية وإنما هي مسألة أصولية عقائدية فإذاً لماذا يأتي السؤال هنا الذي نشأ منه توجيه هذا السؤال، لماذا تنكرون على الماتريدية وعلى
стр. 2312
الأشاعرة؛ لأنهم تبنوا عقائد أو أصولاً تخالف ما كان عليه السلف الصالح والسلف الصالح أنفسهم اختلفوا في بعض هذه الأصول .. في بعض هذه العقائد والاختلاف في زعم هؤلاء الذين قسموا الشريعة إلى أصول وفروع يقولون: إنما يجوز الاختلاف في الفروع دون الأصول، لكنهم في الواقع يصطدمون بالواقع فيرون الصحابة اختلفوا أيضاً ليس في الفروع بل وفي الأصول فاستغلوها فرصة يبنوا على ذلك الإنكار على الذين يخالفون السلف في فهمهم لبعض الآيات المتعلقة بصورة عامة بالأمور الغيبية منها مسألة رؤية الرسول ﵇ ربه ليلة الإسراء، ومنها الرحمن على العرش استوى.
فنحن نقول: كما ننكر الاختلاف في هذه الأمور التي يسمونها أمور أصول وعقائد لا فرق عندنا، نحن ننكر هذا الاختلاف كما ننكر اختلافهم في تعصبهم لقولهم: هذه الصلاة صحيحة، وأولئك يقولون: باطلة، هذا الوضوء صحيح وآخرون يقولون: غير صحيح ونحو ذلك، كل ما كان مخالفاً للكتاب والسنة فنحن ننكره ونعود في ذلك إلى الكتاب والسنة بضميمة الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح؛ وذلك لأنهم كانوا أطهر الناس قلوباً وأزكاهم فهماً إلى آخر ما هناك من صفات معروفة فيهم.
من ذلك: أنهم كانوا أقرب عهداً بالقرآن وبحديث الرسول ﵊.
إذاً: خلاصة الجواب: من الخطأ التفريق بين مسألة وأخرى بدعوى هذه الأصول وهذه الفروع، وما دام أن الصحابة اختلفوا في الأصول فيجوز أن نختلف في الأصول.
стр. 2313
جوابنا: إذا كان الاختلاف في الأصول ناشئاً عن فهم خاص وليس عن تعصب لعقيدة معينة أو لمذهب معين فهذا جائز، ومن هذا الباب اختلف أصحاب الرسول ﵇ في تلك المسألة التي ذكره السائل كمثال، وهي: هل رأى رسول الله ﵌ ربه؟
منهم من قال: رآه، ومنهم من قال: لم يره.
ولكن: ما الذي يقصده هؤلاء حينما يقولون: ما دام أن الصحابة اختلفوا في الأصول في حد تعبيرهم فإذاً: لماذا تنكرون الاختلاف علينا نحن المتأخرين بحجة أن هذا اختلاف في الأصول.
نحن نقول: ليس بحجة أنه اختلاف في الأصول فقط، وإنما نحن ننكر الاختلاف كله ما دام صار مذهباً متبعاً سواءً كان في الأصول أو كان في الفروع، ونقر الاختلاف الصادر عن إخلاص وعن حرص في فهم النص من الكتاب والسنة فهماً صحيحاً ومع ذلك اختلفت المفاهيم فنحن نقر هذا ولا ننكره، ومعنى نقره: أي: لا نتخذ الذين يخالفون رأينا في هذه المسألة التي يسمونها من العقل .. لا نتخذهم أعداء وخصوماً لنا؛ لأنهم خالفونا باجتهاد منهم، لكننا ننكر التعصب المذهبي بصورة عامة سواء كان هذا التعصب متعلقاً بالأصول أو الفروع.
هذا أظن جواب سؤالك هذا.
(الهدى والنور / ١٧٠/ ٠٧: ٠٤: ٠٠)
стр. 2314
الاختلاف بين الأئمة
الشيخ: بهذه المناسبة يحسن أن أذكر لأن المناسبات قد تفوتنا، هذا الذي تعرفونه حسن السقاف اتصل بي أكثر من مرة، آخر مرة سألني أنه ماذا تقولون في اختلاف الأئمة؟ هل هذا الاختلاف تُقِرُونه أو تُنْكِرونه؟ أنا ذكرت له أن الاختلاف على نوعين اختلاف تنوع واختلاف تضاد، فإذا كان من النوع الأول فنحن نقره، قال: مثاله؟
قلنا له: مثال أدعية الاستفتاح وأنواع التشهد والصلاة الإبراهيمية، وإذا كان من اختلاف التضاد فنحن نعتقد أن الحق واحد وأن ما يخالفه هو خطأ واضح.
وذكرت له الآية قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] أخذ يحاول أن يجد ثغرة ليصل إلى هدف له لا يخفاه، فعرفت مقصده، فقلت له: أنت ما رأيك؟ قال: إذا كان الخلاف مع كلٍّ من المختلفين أو المختلفين - على حسب الواقع- حديث فنحن نقر هذا الخلاف، فعرفت أنه يريد أن لا يفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد.
مداخلة: لكل مجتهد نصيب.
الشيخ: نعم، قلت: وماذا تقول في حديث هنا الشاهد كمثال لما نحن في صدده، ما تقول في حديث «من مس ذكره فليتوضأ» صحيح؟ قال: صحيح،
стр. 2315
لاحظوا الآن يجيب فوراً بأنه صحيح لأنه يوافق مذهبه، قلت له: هل تعمل به؟ قال: نعم، قلت له: ماذا تقول في حديث «هل هو إلا بضعة منك». هل هو صحيح؟ بدأت الحيدة، قال: بعضهم يصححه وبعضهم يضعفه.
قلت: لماذا هذه الحيدة، قال: ما حدت، قلت: لا لما سألتك عن الحديث الأول قلت صحيح، لما سألتك عن الآخر بدأت تشكك، بعضهم صححوها، أنا أسألك عنك أنت ما تقول في هذا الحديث، أنا أعرف الخلاف لكن أنت ما رأيك صحيح وإلا ضعيف؟ ما وسعه إلا أن يعترف بصحته.
فهنا وقع، قلت: هل تقول به؟ قال: لا، قلت: إذاً أنت تُخَطِّئ الإمام أبي حنيفة الذي يقول: بأنه يجوز الوضوء صحيح ولا شيء في ذلك ولا يؤخذ بالحديث الأول، عن مسألة من أراد أن يتوضأ.
مداخلة: ...
الشيخ: أي نعم. وبعدين استمررت معه في شيء من النصيحة لكن من العيار الثقيل، قلت: لذلك أنا لا أرغب أن ألتقي معك لأنه لا يظهر لي أنك تريد الحق في الواقع، ولذلك أقول: السلام عليك إن شاء الله. بعد قليل عاد الرجل وقال: لقد كشفت شبهة كانت لدي فأنا أريد أن أسألك سؤالاً آخر، قلت: لا استعداد عندي لأن الشبهة التي كشفتها لا تزال عندك قائمة كما هي.
(الهدى والنور /٢١٠/ ٠٤: ٥٤: ٠٠)
الشاهد إذا ما جاءه مثل هذا المثال لا شك أنه سيجد بعض المحدثين يضعفون الحديث الثاني فهو سيحار كيف يستطيع أن يأخذ بحديث يقول
стр. 2316
يتوضأ وبحديث لا يتوضأ؟ إما أن يجري عملية تصفية ويستريح من أحد الحديثين إذا كان هناك مجال من الناحية الحديثية وإلا لا بد أن ينتقل من المجال الحديثي إلى المجال الفقهي فيوفق بين الحديثين، وهذا يحتاج بلا شك إلى معرفة القواعد العلمية الأصولية، فإذا كان طالب العلم بهذه المثابة الجواب أن نقول لا يجب عليه أن يسأل أهل الذكر؛ لأننا نحن نقول في كثير من أجوبتنا ومحاضراتنا إن ربنا في مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] قد جعل المجتمع الإسلامي قسمين: قسم يجب عليه السؤال، وقسم يجب عليه الجواب .. وليس هناك حل وسط، مرتبة وسطى، إما أهل علم فعليهم أن يجيبوا، وإما غير أهل علم فعليهم أن يسألوا أولئك هكذا؛ فطلاب العلم إذا وصلوا إلى المرتبة أنهم علماء فهؤلاء صاروا علماء وليسوا بحاجة إلى أن يسألوا أهل العلم، وإلا فهم داخلون في عداد الجمهور الذين عليهم أن يسألوا أهل العلم، فمن وجد في نفسه هذه القدرة العلمية لنقل الآن معرفته باللغة العربية، معرفته بعلم أصول الحديث والجرح والتعديل، معرفته بأصول الفقه وقضى على ذلك شطراً من زمان يختبر نفسه في استنباط الأحكام وعرضها على ما درس من أقوال العلماء الذين اختلفوا في كثير من المسائل هذا ليس واجب عليه أن يسأل أهل العلم، أما إذا كان ليس كذلك فنحن نعتقد قول الذين قالوا بأنه لا بد من الرجوع إلى أهل العلم؛ لكن هذا لا يحط شيئاً من قيمة الاتباع فيجب أن نعرف أن هناك ثلاثة مراتب فيما يتعلق بهذا المجتمع الذي جعله ربنا من حيث المعرفة بالعلم والجهل به قسمين كما ذكرنا آنفاً فهناك مرتبة وسطى، فأكثر الناس هم
стр. 2317
مقلدون ..
حرام حرام، حلال حلال، هذا هو التقليد؛ وهذا الذي نحن نحذّر منه المجتمع الإسلامي أن يقع في مثله لأنه يجب عليه أن ينطلق في عبادته لربه ليكون على بصيرة من دينه كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] فالمقلدون ليسوا على بصيرة حتماً، لكن المتبعون الذين من ديدنهم أن يعرفوا أن قول هذا العالم أو ذاك هو نابع من دليل من كتاب الله أو حديث رسول الله ﵌، لا يجوز لأحد أن يخالفه، أو هو الرأي والاجتهاد، والرأي والاجتهاد معرض للخطأ وللصواب، هذا إنما يفعله قلة من جمهور المسلمين الأكبر وهم الذين نسميهم بالمتبعين، فليس من الضروري أن يُصبح هؤلاء علماء لكن أيضاً لا أقول ليس من الضروري بل ليس من الجائز أن يضلوا في نشاط المقلدين فهناك مرتبة وسطى لا هم علماء ولا هم مقلدون وإنما هم متبصرون متبعون للعلماء على بصيرة من دينهم، هذا هو رأيي وحسبنا الآن هذه الجلسة، وعسى أن نراكم مرة أخرى في عودتكم للعمرة، وعمرة متقبلة إن شاء الله.
(الهدى والنور /٢١١/ ٣٦: ٠٠: ٠٠)
стр. 2318
الاختلاف في طريقة الوصول إلى السعادة
مداخلة: يسعى الناس في الوصول إلى السعادة فتعددت مذاهبهم في هذا، لو أراد شيخنا أن يبين للناس معالم في طريقهم للوصول إلى السعادة ماذا يفعل؟
الشيخ: ما أظن في هذا اختلاف إلا بين الفلاسفة، أما بين الإسلاميين الذين يؤمنون بالله ورسوله ويؤمنون بأنه ليس هناك طريق للوصول إلى السعادة في الدنيا والآخرة إلا التمسك بالإسلام فليس هناك أجوبة متعددة إنما هو التمسك بالإسلام، والعكس بالعكس من أراد الشقاوة أعرض عن الإسلام، وذلك واضح جداً في آيات كثيرة كقوله تعالى في الآية المعروفة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
ولكن الذي يجب أن نتنبه له هي حقيقة عظيمة جداً ومؤلمة من ناحية أخرى لفقدان كثير من المسلمين لها علماً كثيرون منهم وتطبيقاً بعضهم، ألا وهي: أن الإسلام بكتاب الله وسنة رسول الله ﵌ وفهم السلف الصالح لهما هو العلاج لكل الأدواء والأمراض النفسية التي إذا أصابت أمة أو شعباً لم تطعم هذه الأمة أو هذا الشعب طعم السعادة.
стр. 2319
الإسلام المستقى من الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح هو العلاج، ولكن الشيء الذي أريد أن أدندن حوله الآن: هذا العلاج دخله كثير من المواد الغريبة التي إن لم نقل: إنه أفسدته بالكلية فلا أقل إنه منعت كونه علاجاً حاسماً، ذلك مما دخل في هذا الإسلام ما ليس منه سواءٌ ما كان هذا الدخيل في العقيدة أو في العبادة أو في السلوك والأخلاق، ولذلك فقد ينقلب هذا الإسلام بسبب ما أصابه من هذه الأمور الدخيلة عليه أنه لا يظهر أثره في ذاك المجتمع الذي يدين به، فلا يكون العيب هو من الإسلام وإنما العيب مما دخل في هذا الإسلام، ولذلك فنحن نلح وندندن دائماً وأبداً أننا إذا كنا نبتغي هذه السعادة ولا طريق لها - كما قلنا - إلا الإسلام ولكن ليس الإسلام بمفهومه إذا صح التعبير المطاطي، إنما بمفهوم خاص قائم على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، حينئذ فهو منبع السعادة ولا شيء سواه.
وعلى كل حال: فأنا أرى أن مثل هذا السؤال قد يحسن طرقه في بعض الجامعات التي لا تختص بل وقد لا تهتم بدراسة الإسلام، وإنما تهتم بدراسة الثقافة العامة سواء كان إسلاماً أو كان فلسفة أو كان علمانياً أو ما شابه ذلك، وإلا مفهومه بين المسلمين ألا سعادة إلا التمسك بالإسلام، لكن أنا أردت أن أضيف إليه التمسك بالإسلام بمفهومه الصحيح.
(الهدى والنور / ٣١١/ ٥١: ٣٣: ٠٠)
مداخلة: يا شيخ، أنا كنت أخذت منكم رسالة صورتها اسمها رسالة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي اسمها: الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، على قلة أوراقها من أعظم ما كتب شيخنا.
стр. 2320
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: لو أن إنساناً مغموماً مهموماً متضايقاً، يعني لا تسعه الدنيا يقرأها سبحان الله! يعني إن جاز التعبير كأنها سحر.
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: إي والله، الوسائل المفيدة للحياة السعيدة رائعة جداً يا شيخ.
الشيخ: عليك بها.
مداخلة: يعني عظيمة سبحان الله! للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. أستاذي.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور / ٣١١/ ٣٣: ٣٩: ٠٠)
стр. 2321
اختلاف الفتاوى
الملقي: يسأل سائل فيقول: نشاهد في هذه الأيام ولله الحمد نهضة علمية طيبة، وبخاصة بين الشباب المسلم الصاعد، وهذه النهضة تواجهها إشكالات عدة، من أهمها اختلاف أهل العلم في الفتيا مما يؤدي إلى تحير البعض واضطرابهم؛ فما هو موقف الشباب المسلم من ذلك؛ أفيدونا -بارك الله فيكم-؟
الشيخ: هذا السؤال بلا شك من وحي الساعة، وقد سمعناه في رحلتنا السابقة مراراً وتكراراً، والإشكال هذا في الواقع إنما يرد على الشباب الذين لم يتمكن فيهم المنهج العلمي الصحيح، أعني به ما جاء عن بعض السلف كابن عباس ومن تبعه من الأئمة كمجاهد ومالك وغيرهما: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى النبي ﵌، هذه حقيقة يجب أن يستحضرها شبابنا المسلم الطالب للعلم الصحيح، وليس هو إلا قال الله وقال رسول الله، وعلى ما أكدنا مراراً وتكراراً على منهج السلف الصالح، وينبغي عليه أن يستحضر حقيقة أخرى، حقيقة قرآنية، قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، فالاختلاف لا منجاة منه ولا خلاص، هذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً لكن
стр. 2322
الخلاف منه ما هو يعذر عليه الناس ومنه ما لا يعذرون عليه، يعذرون على الخلاف الذي لا بد منه، وهو ما أشارت الآية السابقة الذكر: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]، فربنا ما شاء أن يجعل الناس على منهج واحد، وعلى فهم واحد، ولو كان كذلك لكان أحق الناس بذلك هم أصحاب النبي ﵌ الذين هم خير الناس كما جاء ذلك صراحة في الحديث المتواتر المعروف، ولكن شاء الله بحكمة البالغة قد يدركها من يفهمها وقد لا يدركها أكثر الناس، ولا يضرنا ذلك، فالخلاف أمر طبيعي كما ذكرنا، أما الاختلاف والتخاصم من أجل سوء التفاهم في المسألة الواحدة، هذا هو المحظور، وهذا هو الممنوع، وهذا هو الذي نجا منه السلف ووقع فيه الخلف، إذا استحضر الشباب هذه الحقيقة، فلا ينبغي لهم أن يستغربوا اختلاف بعض العلماء، وبخاصة إذا كانوا ممن يشملهم المنهج الواحد
وهو المنهج الحق: الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه السلف الصالح، لا يستنكروا ذلك ولا يستغربوه؛ لأنه سنة الله في خلقه، وإذا أرادوا الخلاص منه فعليهم أن يسلكوا سبيل أهل العلم، وهو المنصوص عليه في القرآن الكريم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، فإذا ورد إلى طالب العلم قولان متباينان أو أكثر عن عالمين فاضلين، والظن أنهما متساويان في العلم والفضل، فيحار وقد يحق له أن يحتار بادئ الرأي، لكن لا يجوز له أن يستمر في ذلك؛ لأن عليه أن يسأل الدليل أن يطلب الدليل من كلٍ من العالمين، سواء كان الكلام معهما مباشرة أو بواسطة المراسلة، أو المهاتفة أو نحو ذلك من الوسائل التي تتيسر اليوم، فبعد أن يسمع دليل كل منهم، فليس
стр. 2323
هو بالمكلف بأن يؤثر زيداً على عمرو، أو أن يؤثر عمرواً على زيد، بل هو يتبع من كان معه الدليل الذي اطمأنت له النفس، وانشرح له الصدر، ولعل هذا وبه ينتهي الجواب من معاني قوله ﵊: «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون» جاءك قولان من عالمين جليلين فاستفت قلبك بعد أن تستوضح للدليل فإلى أيهما مال قلبك فهو الذي إذا أخذت به كنت معذوراً عند الله ﵎، أما أن تتعصب لأحدهما على الآخر، فهذا هو سبيل المقلدين الذين نجانا الله وأخرجنا عن سبيلهم إلى سبيل الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين.
(الهدى والنور/٣٧٥/ ٣١: ٣٤: ٠٠)
стр. 2324
حول حديث لا يُصَلّين أحدكم العصر ...
مداخلة: حديث: «لا يصَلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة» الكلام فيه كثير، يعني: يستدل به بعض المبتدعة لما يريدون، فنريد الفهم الصحيح .. ؟
الشيخ: هنا سؤال يقول وهو أيضاً من مشاكل الساعة ومن بعض الجماعات .. هذه الجماعة أو تلك ممن يريدون تسليك الواقع السيئ الذي عليه المسلمون مع الأسف الشديد ولا يريدون في الأرض إصلاحاً وإنما يريدون أن يدعو القديم على قدمه، ولا يريدون أن يحيوا السنة التي أماتها الناس بسبب جهلهم أو بسبب إهمالهم ولا يريدون أن يدخلوا تحت عموم الحديث السابق بعد فهمه فهماً صحيحاً: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» الحديث.
أقول: يتشبث كثير من الناس وفيهم بعض الدعاة على إبقاء الخلافات التي توارثناها اليوم طيلة هذه القرون الطويلة، وهذه الخلافات ليتها وقفت عند ما يسمونها خطأ .. أقول وأعني ما أقول: ليت هذه الخلافات وقعت عند ما يسمونها فروعاً ولكنها مع الأسف تجاوزتها إلى ما يسمونها أيضاً أصولاً.
وأعني أنا بقولي: يسمونها فروعاً ويسمونها أصولاً أن هذه بدعة عصرية دخلت في المسلمين وجعلت الشريعة عندهم قسمين: قسم يجب الاهتمام به،
стр. 2325
وقسم لا يجب الاهتمام به، من فعل ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج.
ومن شؤم -إن صح هذا التعبير- التقسيم المذكور: أن هؤلاء الذين ذهبوا إليه سوف لا يفعلون لا بما سموه بالأصول ولا بالفروع وإنما يعود دينهم هوىً؛ ذلك لأن تقسيم الإسلام إلى أصول وفروع:
أولاً: يحتاج إلى علم واسع بالكتاب والسنة، وهذا كما ترون مع الأسف الشديد أهله في هذا العصر قليل وقليل جداً، لأن أكثر من يظن أنهم من أهل العلم، إنما هم أهل علم بالمذهب أو بالمذاهب، أما القرآن والسنة، والسنة الصحيحة بخاصة فقليل جداً من علماء العصر الحاضر ممن يتصفون بهذا العلم الصحيح.
أقول: لتقسيم أو لتحقيق الإسلام وجعله قسمين أصولاً وفروعاً يحتاج إلى هذا العلم الواسع بالكتاب والسنة.
وثانياً: هل يمكن للمسلمين لو اجتمعوا على صعيد واحد وفي مكان واحد، كل أهل العلم، وأهل العلم بحق، لو اجتمعوا على صعيد واحد، هل يمكنهم أن يجعلوا الإسلام قسمين: أصولاً يتفقون عليها وفروعاً يتفقون عليها، أم سيبقى هناك بعض المسائل ممكن بعضهم يدخلها في القسم الأول، وبعضهم يدخلها في القسم الآخر.
فحينئذ ما حال عامة المسلمين إذا كان أهل العلم يختلفون، وهو كما ترون حتى الآن صدق الله العظيم: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
стр. 2326
فإذاً: الخلاف من طبيعة البشر، فلو اجتمعوا في صعيد واحد، وأرادوا أن يبينوا للناس ما يجوز أن يكون من القسم الأول، وما يجوز من القسم الآخر، لما تمكنوا من الاتفاق على ذلك، بل سيظلون مختلفين، لذلك اعتقادي الجازم أنه لا يجوز التفريق بين شرع وشرع، فيقال هذا أصل لا يجوز التهاون به، وهذا فرع يجوز التهاون به.
نعم إذا كان المقصود بالفرع والأصل هو ما يقابل الفرض ويقابل السنة هذا بلا شك ممكن، لكن ليس هذا هو المقصود، المقصود هو ما يتعلق بالعقيدة وما يتعلق بالعبادة، وما كان متعلق بالعقيدة وهو الأصل وهو الذي يجب الاعتماد والتمسك به وعدم الإخلال بشيء منه، وما يتعلق بالعبادات فالخطب سهل وبخاصة أنهم جاؤوا بمعول من قلد عالماً لقي الله سالماً، وهذا لشهرة هذه الجملة يتوهم كثير من الناس أنها حديث عن الرسول ﵇، ولا أصل له حتى في الأحاديث الموضوعة، لا أصل لهذه الجملة: من قلد عالماً لقي الله سالماً، حتى في الأحاديث الموضوعة، ونستطيع أن نقول هذا حديث موضوع طازج، يعني حديث في العصر الحاضر، وهذا من مشاكل هذا العصر أنه تروج هناك عبارات لم نجدها حتى في الأحاديث الموضوعة، فمن أين جاءت؟
من ذاك المنبع الذي جاءت الأحاديث الموضوعة القديمة التي وضعت لها كتب الموضوعات، والشاهد يستدل أولئك الذين أشرنا إليهم على معنى هذه الجملة: من قلد عالماً لقي الله سالماً، بحديث صحيح واستدلالهم هذا يشبه تماماً من حيث الانحراف عن معناه الصحيح كاستدلال المبتدعة بقولهم أن
стр. 2327
في الإسلام بدعة حسنة، بحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ما هو هذا الحديث الصحيح الذي ركن إليه أولئك الذين يقررون الخلاف، ولا يريدون أبداً حمل المسلمين إلى قول رب العالمين: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
تأملوا معي هذه الآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ما قال عقيدة وغير عقيدة، ما قال أصلاً وفرعاً، وإنما في أي شيء من أحكام الشريعة، إن تنازعتم في شيء ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ﴾ .. الآية، هؤلاء الذين لا يريدون، ولا ينطلقون معنا لإصلاح ما أفسد الناس من قبلنا، يقولون: حجتنا في ذلك حديث بني قريظة لما أرسل النبي ﵌ طائفة من أصحابه إلى بني قريظة قال لهم: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، وانطلقوا وهم مسرعون، ثم أدركهم وقت العصر فتفرقوا إلى قسمين إلى قولين منهم من قال لا بد أن نصلي العصر قبل خروج وقتها ومنهم من قال لا نبينا قال: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، فاختلفوا ناس منهم فعلاً صلوا العصر في الوقت المعتاد قبل غروب الشمس وناس أخروا الصلاة لما رجعوا إلى النبي ﵌ وذكروا له الخلاف الذي وقع بينهم، الخطأ الآن من أولئك الناس أنهم يروون الحديث خطأً عمداً أو سهواً ربهم اعلم بهم لكن الواقع أنهم يقولون أن النبي ﵌ اقر كلاً من الفريقين على عملهم وهذا خطاء روايةً ودرايةً أما الرواية لان الحديث في الصحيحين كما ذكرنا من رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
стр. 2328
فهو قال أن النبي ﵌ لما سمع اختلافهم قال ابن عمر فلم يعنف طائفة منهم لم يعنف طائفة منهم، ليس أقرهم جميعاً وإنما لم يعنف وهذا هو مقتضى الشريعة بقواعدها العامة كما تعلمون جميعاً إن شاء الله من قوله ﵊: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد»، إذا الذي يكون مأجورا لايعنف ومن هنا ينبغي أن نأخذ أدباً هذه جملة معترضة قد تطول كثيراً، فمعذرة من هذا الحديث ينبغي أن نأخذ أننا إذا رأينا إماماً من أئمة المسلمين قد خالف سنة من السنن الصحيحة، لا ينبغي أن نحط عليه وأن نطعن فيه، وإنما أن نلتمس له عذراً؛ ذلك أنه كان مجتهداً فإن أصاب فله أجران وان أخطأ فله أجر واحد، ومن الأعذار التي شرحها شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» شرح من هذه الأسباب أن السنة لم تكن قد تجمعت يومئذ، فقد كانت السنة متفرقة في البلاد الإسلامية التي تفرق إليها الأولون من أصحاب الرسول ﵇، فبذلك تفرقت السنة ولم يتمكن المسلمون علماؤهم في ما بعد أن يجمعوا هذه السنة، إلا في القرن الثاني أخيراً والقرن الثالث وهكذا .. ولذلك كان من ميزة من تأخر من علماء المسلمين يتميز؛ لأنه جمع من السنة أكثر من الإمام الذي قبله، ولذلك نجد الواقع يشهد أن أكثرهم جمعاً هو آخرهم عصراً فأكثر الأئمة الأربعة سنةً وجمعاً للحديث إلامام احمد ثم شيخه الشافعي، ثم شيخه الإمام مالك، أخيراً يأتي الإمام الأول من حيث العصر وهو أبو حنيفة، وهو أقلهم حديثاً؛ بسبب أنه لم يخرج من الكوفة التي نشأ فيها وترعرع فيها إلا نادراً جداً بمناسبة حج أو عمرة، فلم يطف البلاد يجمع السنة كما فعل الشافعي في
стр. 2329
رحلته إلى مصر وكما فعل تلميذه الإمام احمد حيث طاف البلاد.
الشاهد فقوله في الحديث لم يعنف طائفة منهم، ينسجم تماماً مع ملاحظة أنهم كانوا مجتهدين أما أقرهم على ذلك لا، لأن هذه مسألة السر فيها أنه لم يبين هنا يرد سؤال تقليدي، أو كما يقولون اليوم يطرح نفسه بنفسه، لماذا لم يبين الرسول ﵇ الطائفة التي أصابت والطائفة التي أخطأت بينما نجد خلاف ذلك تماماً .. (انقطاع)، أخرى جاء في سنن أبي داوود وغيره أن رجلين من أصحاب النبي ﵌ خرجا مسافرين، ثم حضرتهم الصلاة ولم يجدا الماء فتيمما صعيداً طيبا وصليا، ثم وجدا الماء أحدهما أعاد الصلاة والآخر لم يعد، فلما عادا إلى النبي ﵌ قال للذي أعاد الصلاة: «لك أجرك مرتين وللذي لم يعد أصبت السنة»، أيضاً هذا الحديث والحديث أيضاً والحديث ذو شجون ترى هل الأفضل الذي أعاد، أم الذي لم يعد؟ أو بعبارة أخرى: إذا وقعت هذه القصة لبعض الناس فيما بعد، وهذا طبعاً يقع كثيراً وهنا الشاهد، هل السنة أو هل الصح أن يعيد من صلى متيمماً بعد أن يجد الماء، أم يقتصر على الصلاة التي صلاها ولا يعيد؟ إن وقفنا دون تأمل ما في الحديث السابق قد يتبادر للذهن، أن الأفضل أن يعيد؛ لأن الرسول ﵇ قال: «لك أجرك مرتين»، لكن هذا الجواب خطأ نحن نقول قال له لك أجرك مرتين؛ لأنه اجتهد، ولأنه لم يكن بين يديه السنة، أما وواقعنا اليوم أننا عرفنا السنة وأن النبي ﵌ الله عليه وسلم قال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، فإذاً: من ابتلي بمثل ما ابتلي الذي أعاد فلا يعيد اليوم؛ لأن ذاك كان معذوراً مجتهداً، ولا اجتهاد في مورد النص ولا يجوز مخالفة السنة، وقد قال ﵇ في
стр. 2330
الحديث الصحيح: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
فإذاً: في هذه الحادثة نفهم أنه من صلى متيمماً، ثم وجد الماء أنه لا يعود؛ لأنه خلاف السنة.
الشاهد من هذه الحادثة أن الرسول قال لفلان: «لك أجرك مرتين» ولفلان: «أصبت السنة»، ولماذا لم يقل أنتم أصبتم السنة، وأنتم لكم أجركم مرتين؟
الجواب: لأن هذه الحادثة لم تتكرر، حادثة مخالفة صلاة نظام الصلاة، لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر فقد أدرك العصر، ومن لم يدرك فلا صلاة له، هذه الحادثة لن تتكرر، ولذلك اكتفى ﵊ بأنه لم يعنف لماذا؟ لا تتكرر يفترض الآن مثل هذه الحادثة تماماً يقع فيها الخليفة الأول الخليفة الراشد يقول لمن يرسلهم إلى مكان ما: لا تصلوا العصر إلا في ذلك المكان، سوف لا يتخلف هؤلاء المسلمون إذا تداركهم الوقت؛ لأنهم يعلمون أن الإسلام قد تم كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإذا كان من الممكن أن تتغير الأحكام في زمن الرسول ﵇؛ لأن الوحي كان لا يزال ينزل عليه تتراً، فذلك لا سبيل إليه بعد وفاة النبي ﵌، فلو أن خليفة مسلماً قرشياً راشداً قال لطائفة منهم: لا تصلوا العصر إلا في مكان كذا، ثم ضاق عليهم العصر لوجب عليهم جميعاً ولما وقع بينهم أي اختلاف إطلاقاً أنهم يصلون الآن، أو يصلون في ذلك المكان، السبب أن في حادثة بني قريظة كان هناك شبهة لدى بعضهم أن في هذا حكم جديد الرسول ﵌ قال: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، أما لو وقع مثل
стр. 2331
ذلك بعد الرسول ﵇، فليس لأحد أن يدخل تخصيصاً ولا تقييداً في نص عام، ولا مبدءاً عاماً بعد وفاة الرسول ﵊؛ لأن الكلام قد تم ولا مجال للاستدراك عليه.
(الهدى والنور /٣٩١/ ٤٤: ٠٠: ٠٠)
стр. 2332
الخلاف بين أتباع الأئمة
-التوضيح الذي أحببت أن أسمع من فضيلة الشيخ أن الحديث الذي تحدث به لم يقله الشافعي ولا الحنفي وإنما بعض المسلمين ممن انحطت أفكارهم وأفهامهم للإسلام أما الإمام الحنفي والإمام الشافعي فحاشا لله أن يقولوا هذا الكلام.
-هذا نتمنى أن يكون الأمر كذلك لكن آسف أنه ليس كذلك إنما هو اجتهاد وبعدين أريد أن تكون معي فيما يأتي إذا كنا نجل الإمام أبا حنيفة والشافعي ومالكاً وأحمد، فنحن في الوقت نفسه نجل أتباعهم نجل مثلاً من الشافعية الرافعي الذي ذكرنا قوله آنفاً والنووي الذي جاء من بعده مصححاً، وكذلك يعني نجل من جاء بعد أبي حنيفة من أتباعهم كالإمام ابن الهمام صاحب فتح القدير إلخ، ولكن هؤلاء هم الذين أشاعوا هذه الأفكار ونحن لا نؤاخذهم، لكننا لا نوافقهم وهذا هو الفرق بين من يريد العدل والإنصاف ألا يرفع الأئمة إلى مصاف زعم الشيعة في أئمتهم أي أن يرفعهم إلى مصاف العصمة، ولا أنه يحط عليهم أيضاً ويذمهم ويضللهم كما يفعل بعض الجهلة، لا إنما الحق كما قال تعالى ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] مثل هذا موجود مع الأسف منذ القديم لكن إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، نحن نعلم من كبار الأصحاب من قال قولاً يعجب طالب
стр. 2333
العلم المبتدي منه فيهم من قال بأن الصائم في رمضان إذا أكل من البرد وأطفأ به حر عطشه وجوفه فهو صائم وهذه قصة وقعت ليست خيالية وقعت بالسند الصحيح الذي به نعرف الحديث الصحيح المروي عن الرسول ﵇ أن رجلاً من الصحابة كان صائماً مع أصحابه في رمضان فأمطرت السماء برداً هذا يأكل قالوا له أنت صائم قال هذا: ليس بطعام هذه بركة من السماء وهو منه، هكذا قام في نفسه وهو صحابي جليل لكنه مخطئ لا نوافقه على فعله ولا نؤاخذه على فعله لأنه مجتهد في أحد الخلفاء الراشدين ولا أُسميه من قال أن رجل لو اجهد زوجته وأهلكها ثم لم ينزل فليس عليه إلا الوضوء وهكذا توجد آراء غريبة جداً
عرفنا خطأها من صوابها بعد أن تجاوبت آراء العلماء وأدلتهم وأمكننا إجراء التصفية التي نحن نأمر بها دائماً وأبداً التصفية والتربية حينئذ يمكننا أن نقول فلان أصاب فلان أخطأ وحينما نقول فلان أخطأ ما نعيبه ولا نعتبه بل نقول له أجر عند الله ﵎، طيب غيره.
(الهدى والنور / ٥٣٩/ ٠٩: ٠٥: ٠٠)
стр. 2334
الاختلاف بين الشيخ وعلماء الحجاز
السائل: يا شيخ من خلال قراءة بعض الكتب التي كتبتها حضرتك، كتبتها.
الشيخ: نعم، نعم.
السائل: نعم، لاحظنا بعض الاختلافات فيما بين قولك وقول اهل الحجاز في بعض المسائل، هذا الخلاف هل أساسهُ في مسألة التصحيح والتضعيف للأحاديث التي يستدل بها كل طرف.
الشيخ: ليس دائماً، ليس دائماً، قد يكون هناك سبب آخر ويحسن في توضيح المسألة أن تأتي بمثال أو أكثر.
السائل: بمثال.
الشيخ: بمثال أو أكثر.
السائل: مثال على ذلك، صلاة التسابيح، هل يعني الفرق في المسألة.
الشيخ: وضح الآن المثال يوضح جانباً من السؤال والجواب في آن واحد، أنا أجيبكَ بجوابين اثنين، الجواب الأول أن سبب الخلاف هو اختلاف في الطرق التي اطلع عليها أحد الفريقين، فأحدنا يطلع على ثلاثة طرق مثلاً والآخر يطلع على طريقين، والخلاف قد يكون أدق من هذا الخلاف حيث يعود إلى رأي كلٍّ من الفريقين في بعض رواة هذه الطرق فهذا البعض من
стр. 2335
الرواة قد يكون عند أحد الفريقين ضعيفاً سيء الحفظ، هذا الراوي قد يكون عند أحد الفريقين ضعيفاً في حفظهِ، لكنه يجد في الطريق الأخرى راوياً آخر مثلهُ، فَيُقَوِّي أحدَهما بالأخر وهذا مما يدخل في بعض علوم الحديث مما يسمى بالمتابعات والشواهد ومنه يخرجُ بالقاعدة التي تقول إن الحديث يتقوى بكافة الطرق، فنحنُ نرى قديماً وحديثاً، أن كثيرا من الذين يشتغلون بهذا العلم ويضعفون بعض الأحاديث لا يرفعوا رؤوسهم إلى القاعدة المذكورة آنفاً، أي تقوية الحديث بكافة الطرق، باختصار الخلاف هنا يعود إلى تفاوت المختلفين في معرفتهم بعلم الحديث نظرياً أولاً ثم تطبيقاً عملياً ثانيا، هذا من أسباب الاختلاف وقد يراعي بعضهم معنىً غريباً في الحديث فيساعدهُ على ترجيح ضعف الحديث، بينما لا يوافق البعض الأخر على هذه الملاحظة بل يلاحظُ شيئاً أخر أن بعض علماء السلف قد عملَ بهذا الحديث، فيعتبر ذلك شاهداً مُقَوِّياً للحديث بعد أن قواه بمجموع الطرق، فهذا المثال يبين لك سبب من أسباب الاختلاق وهو الاختلاف في تصحيح الحديث وتضعيفهِ.
السائل: نعم
الشيخ: وسبب هذا الاختلاف هو ما ذكرتهُ وما شرحتهُ لك آنفا.
(الهدى والنور / ٥٨٠/ ٢٥: ٣٠: ٠٠)
стр. 2336
كيف نتعامل مع المخالفين
إذا كانت القوة لهم
الملقي: طعن في الأولياء والصالحين، والرسول ﵌ وهكذا، ويلقون طبعاً .... هناك هناك أناس كثيرين قد يسمعون لهم يعني، ومنهم من علا منابر، وأغلبهم هكذا؛ لأن الذين هم على حق قد نُحُّوا عن المنابر وعن الدعوة وقد قيدوا وأظنك تعلم يا شيخنا. ومنهم من انجرف معهم إما مداراة إما خوفاً لا نعلم. ماذا ينبغي علينا في هذه المرحلة؟ كيف نواجههم؟ إن واجهناهم وجهاً لوجه هذا لا يخلوا من أننا سوف نتعرض لأشياء عديدة يعني، ممكن فيها هلاك يعني، ممكن أنه في عندهم تعاهد .... مع الدولة أو مع ناس ..... والله تعالى أعلم، أو أنهم يجعلون أن هذا الذي يعاديهم أو يبين لهم الحق بأنهم يضعون له في دوائر معينة بأنه يطعنون فيه، يطعنون ممكن في عرضه، يعني يريدون أن يجعلونه ليس سوياً ليس على الصراط المستقيم لكي يقللوا من شأنه، نحن والله تعالى أعلم نقول: نحن ماضين في التعليم يعني العلم الشرعي الصحيح الذي من خلاله نبين للناس أصحية المنهج، والشباب أو الناس هم الذين يميزون بين هذا وهذا، فكيفية ....
الشيخ: يا أخي -بارك الله فيك- أنت الآن تسأل كيفية التعامل مع هؤلاء،
стр. 2337
ومن قبل قلت: هل نواجههم؟ ما تؤاخذني إذا قلت لك: الضعيف يواجه القوي؟
الملقي: لا طبعاً، ما عنده قدرة على المواجهة.
الشيخ: فإذاً السؤال من أصله غير وارد. المواجهة غير واردة، ولكن ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فمن حيث الضعف والقوة وضعكم الآن كما هو وضع كثير من السلفيين في كثير من البلاد الإسلامية أشبه بموقف الصحابة في العهد المكي من حيث الضعف وليس من حيث الأحكام الشرعية، وأظن تُفَرِّق معي بين هذا وهذا؛ لأننا نسمع أحياناً بعض الأشرطة تكاد تكون هذه الأشرطة صريحة بأنه الآن نحن يجب أن نعود إلى العهد المكي، وهذا فيه تعطيل للأحكام الشرعية لا يجوز لمسلم أن يقع فيه، لكن من حيث الضعف والقوة، كثير من المسلمين في كثير من البلاد الإسلامية هم كالصحابة في العهد المكي، فماذا كانوا يفعلون؟ كانوا يواجهون؟ قل: لا.
الملقي: نعم.
الشيخ: وسأقول ما هو أكثر: هل كانوا يفكرون في المواجهة؟ لا، ماذا كانوا يفكرون، كانوا يفكرون في المهاجرة أي في الهجرة وهذا الذي وقع في أول الأمر من هجرة الحبشة ثم الهجرة الثانية ثم الهجرة إلى المدينة.
هو كما ألمحت أنت في بعض كلماتك هو أن تُعْنَوا بالعلم والعمل بهذا العلم، يعني كل واحد منا في حدود استطاعته يهتم بما نكني عنه بكلمتين بـ: التصفية والتربية، فنحاول أن نتبنى الإسلام في حدود إمكانية كل واحد منا،
стр. 2338
واحد دائرته ضيقة صغيرة واحد أكبر واحد أكبر، على هذا ثم مع هذا العلم يقترن به العمل، وهو تربية أنفسنا ومن يلوذ بنا، هكذا بدأ الرسول ﵊ الدعوة وهكذا ينبغي نحن أن نستن بسنته، أما رأساً ننصب حالاً تجاه الطواغيت المختلفة الأسماء والحزبيات ونحو ذلك، هذا يعني ليس من الشرع بل ولا من العقل في شيء، فما عليكم إلا العلم والعمل، ثم ربنا هو الذي يجعل الخاتمة للضعفاء وللمتمسكين بالكتاب والسنة، ولا يهمنكم ما أشرت إليه آنفاً من أنكم تنسبون إلى الطعن في الرسول والأولياء والصالحين والأئمة وإلى آخره؛ لأنه هذه سنة الله في خلقه دائماً الحق في خصام وفي جدال مع الباطل، والخاتمة للمتقين، كما قال رب العالمين، ﴿فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾؛ لذلك نحن ننصح إخواننا أن يمشوا الهوينة، ولا يفعلون كما يقولون في بعض البلاد السورية: يحملوا هالسلم بالعرض ويمشوا، لا، وإنما رويداً رويداً، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، أما أنه يقال فيكم كذا وكذا، قد قيل في الرسول ما هو أكثر من ذلك، وقال الله مسلياً له: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣].
الملقي: ... ممكن يواجهونا كثيراً، ونحن لا بد من التبيين والتوضيح
الشيخ: هاه ...
الملقي: إن استطعنا في هذا؛ وهناك شيء مهم فاتني حقيقة بأنهم يقولون: نحن سلفيون، ونحن على الكتاب والسنة، وهذا أخطر ما يكون فينخدع بهم
стр. 2339
شباب وناس كثيرون.
الشيخ: نقول لهم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].
الملقي: في على سبيل المثال في الجمعة يعني في صلاة الجمعة بيروجوا كتاب لشيخنا عبد الرحمن عبد الخالق -جزاه الله خيراً-: المسلمون والعمل السياسي.
الشيخ: آه
الملقي: ونحن في العراق كما يعلم بعض الأخوة أنه لا يجوز الاستنساخ.
الشيخ: لا ..
الملقي: ممنوع، الاستنساخ لا يجوز.
الشيخ: أيوه.
الملقي: الكتب المستنسخة وأي مستنسخ.
الشيخ: الله أكبر.
الملقي: نهائياً.
الشيخ: الله أكبر.
الملقي: وهؤلاء علناً أما المساجد بعض المساجد مستنسخ هذا الكتيب ويوزع هه هه يباع بأثمان يعني تكاد تكون معتدلة، لكي يوهمون الناس الذين يصلون بأنه يعني من منهجية النبي ﵌ أنه هكذا في الأحداث أو في التنظيمات.
стр. 2340
الشيخ: هاه
الملقي: الإسلامية أو غيرها.
الشيخ: أي نعم.
الملقي: فاختلط ... هو إن كان في لقاء لكم بالكاسيت جزاكم الله خيراً في الرد على هذا، نحن حقيقة نروجه للناس حتى يفهمون بعض إخوتنا -إن شاء الله-.
الشيخ: أي نعم.
الملقي: ولكن حقيقة هذا لا يكفي يعني، يعني إن كان هناك ردوداً ردوداً كتابية لسهولة النقل يعني تنقل بشكل أفضل -إن شاء الله- هناك، هذا من ناحية. من ناحية الأخرى هم يوالون الحكومة هناك، وممكن أن يؤيدونهم في مسائل، بل إن بعضهم يقول: لا أسمح في بيتي يعني على المنبر، لا أسمح في بيتي أن يسب أو يقال على الطاغوت فلان، لا أقبل، وبعضهم لا يكفره حقيقة أو يكفر غيره، ويقول بأن الناس هم على أصلهم مسلمون ولا يجوز أنه تكفرونه، ونحن لا نقول بتكفيرهم حقيقةً، هذا ليس من شأننا، ولكن لا بد من التوضيح والتبيين، فإن اهتدوا فهم على الحق -إن شاء الله-، وإن أصروا فما العمل حقيقة هنا شيخنا معهم، إن أصر الناس على أنهم يشركون بالله ولا يهتدون بهدي النبي ﵌ الحق في العقائد مثلاً. فكيفية التعامل معهم، هل أن نقول: هؤلاء كفار، أم فعلهم كفر أما ماذا، أم هذا ليس من شأننا أصلاً.
стр. 2341
الشيخ: لا يا أخي، أولاً: لا يجوز المبادرة مبادرة المسلم إلى تكفير المسلم؛ لأنه التكفير من أخطر الأمور هذا أولاً، وثانياً من أصعب الأمور، ولا يستطيع أن يتقدم إلى الحكم على إنسان بأنه كفر إلا من كان متمكناً في الكتاب والسنة معرفة وعلماً، هذا أولاً ثم كان من الذين عرفوا برباطة الجأش وعدم الاستسلام للهوى، الذي إذا تغلب على صاحبه أعماه عن أن يبصر الحق الذي جاء به الشرع، هذا من جهة، من جهة أخرى ليس هناك يا أخي فائدة تذكر من وراء إعلان التكفير لزيد أو بكر أو عمرو، سواءً كانوا من الحكام أو كانوا من المحكومين؛ لأنه نعود نحن إلى الأصل الذي لفت نظرك إليه، نحن الآن ضعفاء، فنحن الآن في موضع يتوجه إلينا قول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أما لما بدك تعلن: (فلان كافر فلان كافر حينئذٍ هذا يجب أن يكون معه هذا سيف أن يدعو هذا الكافر فيتوبه فإن تاب وإلا قتل)، أين نحن وأين هذا الحكم، ولذلك ما ينبغي أن ندندن حول التكفير، بل حتى أقول وحتى حول التضليل، لسنا نحن في موقع القوة حتى التضليل الذي هو أيش دون التكفير؛ لأننا إذا ضللنا غيرنا عاد هؤلاء فضللونا، بل إن كفرنا غيرنا عاد هؤلاء بتكفيرنا، بل هم يكفروننا وعلى الأقل يضللونا ونحن لا نكفرهم ولا ..
لماذا؟ لأنهم ينظرون هم من فوق، وينظرون إلى أننا ضعفاء، ولذلك ما ينبغي نحن نفكر في موضوع التكفير، بل حتى ولا موضوع التضليل، وإنما كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ
стр. 2342
شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، فنحن نعرض دعوتنا كما أنزلها الله صافية منقاة عن كل دخيل على مر هذه السنين الطويلة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، لأنه الحقيقة هذا الأمر يحتاج إلى جهود جبارة، ومن علماء كبار وفحول عاشوا حياتهم في دراسة الكتاب والسنة حتى يتمكنوا من تصفية الإسلام مما دخل فيه سواء في العقائد أو سواءً في الأحكام الفقهية أو في السلوك والأخلاق، أو في تمييز الأحاديث الضعيفة من الموضوعة إلى آخره، هذه التصفية من كل هذه الجوانب المتعلقة بالإسلام، هذه في الحقيقة تحتاج إلى علماء كبار، وكثيرين منبثين في العالم الإسلامي، ومع ذلك فهؤلاء كما قال الشاعر:
وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلاً ... فصاروا اليوم أقل من القليل
وعلى هذا فطالب العلم من أمثالنا يقنع بأن يفهم هو في نفسه أولاً هذا الإسلام وأن يطبقه في نفسه -أيضاً- في حدود الإمكان، ثم ينقل هذه الدائرة من نفسه إلى من حوله إن كان له زوجة فزوجته، إن كان له منها أولاد فأولاده، إن كان له جيران فجيرانه إن كان له أصحاب وهكذا، كالحصوة تلقى في الماء الهادئ فتعمل أيش الدائرة الأولى والثانية والثالثة حتى تضيع الدوائر بسبب سعة الانتشار، هكذا انتشر الإسلام في الأول، والرسول ﵇ يقول: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء»، من هم الغرباء؟ لقد جاء تفسير الرسول ﵊ في عدة مناسبات صح منها مناسبتان: مرة سئل ﵇: من هم الغرباء؟ قال: «هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وهذا الوصف منطبق الآن
стр. 2343
تماماً، والوصف الثاني وهذا أعز وأندر قال ﵇ في مناسبة أخرى قال: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي» «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي» الإفساد بحر لا ساحل له، كل هذه القرون والسنة تُفْسَد والبدعة تحيا، وهكذا، فالذي يريد أن يصلح ما أفسد الناس ينبغي أن يكون كما قلنا آنفاً: أولاً متمكناً متضلعاً في معرفة الكتاب والسنة وما كان عليه سلفنا الصالح، ثانياً: أن يكون مخلصاً لله في عمله، أن لا يكون موظفاً؛ لأن الوظيفة كما نشاهد في كل البلاد الإسلامية هي غِلٌ هي طوقٌ في عنق الموظفين لا يتحركون إلا في حدود هذا الطوق إن كان مشدوداً أو كان مرخياً كالفرس يمد لها في المقود فيتحرك في حدود هذا المقود، إن كان قصيراً كانت الدائرة التي تدور فيها وتأكل فيها قليلة جداً وإن مد لها توسعت وهكذا، فلذلك فنحن الآن في غربة مضاعفة الأشكال والألوان، غربة من حيث أن المسلمين لا يعملون بإسلامهم الذي لا يزال معروفاً لديهم وأنه من الإسلام وأنه ليس فيه اختلاف، مثلاً تبرج النساء،
والحمد لله فيما أعلم أنه لا يوجد هناك علماء يبيحون تبرج النساء، لا يوجد هناك أحزاب إسلامية يبيحون تبرج النساء، لكن هذا التبرج واقع، ففي هناك أحكام والحمد لله كما أنزلت، مع ذلك فهي متروكة، لكن أخطر من هذا أحكام قلبت ظهراً لبطن، وغير الحكم الشرعي فيها، هذا هو المهم وهذا هو الذي ينبغي أن يهتم علماء المسلمين الناصحين بتغييره، وهؤلاء هم المقصودون بالحديث الثاني: الغرباء «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي»، ونحن نشاهد والحمد لله أنه يوجد في العالم الإسلامي ما
стр. 2344
أصبح معروفاً بـ الصحوة الإسلامية، لكن هذه الصحوة أولاً هي في خطوتها الأولى، في خطوتها الأولى، وهي تحتاج إلى خطوات كثيرة وكثيرة جداً ومديدة وطويلة، وثانياً في صحوة من الناحية الفكرية والعلمية، لكن لا يوجد هناك صحوة أخلاقية، والآن ما يقع من بين الأحزاب المختلفة في كثير من الأحيان إنما سببه فساد الأخلاق؛ ليس لأنه فلان يجهل أنه الحق مع فلان، هذا قد يكون لكن أحياناً قد لا يكون ومع ذلك تجد العداء الشديد بين الحزبين؛ لماذا؟ لأن الأهواء تسلطت على أكثر الناس فهم لا ينطلقون من علمهم، وإنما ينطلقون من أهويتهم؛ لهذا نحن نقول إنه علينا نحن الآن أن نعمل مقروناً العمل بالعلم النافع: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، لعل في هذا القدر الآن كفاية.
(الهدى والنور /٦٧٥/ ٣٩: ٠٠: ٠٠)
стр. 2345
أدب الحوار والخلاف
مداخلة: ما هي الآداب التي يجب المحافظة عليها في محاورات أهل السنة عند تبادل الآراء وحل الاختلافات؛ حتى لا يتحول الحوار إلى إثارة زوابع الفتن والفرقة أو يكون دوراً فعالاً؟
الشيخ: هذا أظن جوابه فيما سبق، وتلخيصه: التزام النصح والتزام الصدق، وأزيد على ما سبق: أن يكون الرد الغاية من وراء ذلك هو التعبد والتقرب إلى الله ﵎ بمثل هذا الرد، ولا يكون ذلك إلا بأن يكون الرد خالصاً لوجه الله ﵎، ولا يكون من باب إرواء شفاء غيظ قلبه على أخيه المسلم، فهذا السؤال جوابه أيضاً سبق في نفس الجواب عن السؤال الأول، وهذا تلخيصه تقريباً.
(الهدى والنور / ٦٩٨/ ١٦: ١٤: ٠٠)
стр. 2346
حكم منكر الإجماع
السائل: هل يكون من ينكر حجية الإجماع مخالفاً لأهل السنة والجماعة في هذا الباب؟
الشيخ: الإجماع كما تعلمون له تعاريف كثيرة، والذي نعتقده وندين الله ﵎ به أن الإجماع الذي لا يُعْذَر منكرُه بل قد يكفر جاحده إنما هو المعلوم كما يقول ابن حزم ﵀ من الدين بالضرورة، أما إجماع طائفة من أهل العلم أو جمهور من أهل العلم مع وجود المخالفين لهم هذا ليس إجماعاً، وإن كنا نقول إن مثل هذا الإجماع الذي لا يعرف له مخالف ينبغي التزامه وينبغي اتباعه إلا بحجة قوية ناهضة تدفع المخالف إلى مخالفة الجمهور وإلا إن لم تكن هذه الحجة فعليه أن يتبع هؤلاء وهذا من معاني قوله ﵎ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] فسبيل المؤمنين هو السبيل المعروف أنه مسلوك ومطروق عند جماهير المسلمين فلو كانت المسألة خلافية معروفة الخلاف حينئذ جاء قوله ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] نعم.
стр. 2347
مداخلة: القياس من أنكر مثلاً حجية الإجماع والقياس هل يعتبر مثلاً مخالف ....
الشيخ: لماذا أنت تخلط بين الإجماع والقياس وقد انتهينا من الجواب على الإجماع، الآن السؤال على القياس؟
مداخلة: هو نفس السؤال عن الإجماع والقياس؟
الشيخ: القياس في اعتقادي الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب، مذهبان على طرفي نقيض، الذين أنكروا القياس كالظاهرية، والذين توسعوا في تطبيق القياس توسعاً إلى درجة أنهم يقدمونه أحياناً على النص، والحق التوسط بين هؤلاء وهؤلاء، وأحسن ما وجدت من عبارات السلف والأئمة هو قول الإمام الشافعي ﵀ ألا وهو قوله: «القياس ضرورة» فلا يلجأ المسلم إلى استعمال القياس إلا للضرورة، وهذا يوصلنا إلى سؤال الأخ آنفاً أنه هل يجوز للمسلم أن يفتي بالرأي لا بد من استعمال الرأي في بعض الأحكام التي لا يجد العالم فيها نصاً يركن إليه ويعتمد عليه، من هنا كان قول الإمام الشافعي القياس ضرورة والأحكام التي لا بد في الحقيقة من اللجوء إلى القياس فيها كثيرة، وكما يقول بعض العلماء بحق أنه إذا أنكرنا القياس فقد خسرنا أنواعاً من الفقه الكثير، وإن كان ابن حزم ﵀ يدفع هذه الحجة بقوله في النصوص العامة ما يغني ويكفي عن استعمال القياس، ولذلك يذكر بعض الرادين عليه وأظن من بعض الأمثلة على ذلك أن ابن حزم نفسه يقع في بعض الأحيان في القياس الذي أنكره وذلك مصداق قول الإمام الشافعي القياس ضرورة.
стр. 2348
مداخلة: هناك بالمناسبة رسالة يا شيخ الصنعاني سماها الاقتباس لمعرفة الحق من أنواع القياس، وهذه رسالة كانت مخطوطة وقد حُقِّقت وهي الآن تحت الطبع إن شاء الله تعالى.
الشيخ: والآن أيش؟
مداخلة: تحت الطبع ستخرج عما قريب إن شاء الله قال بمثل ما قلت تماماً إن الناس بين إفراط وتفريط ووسط، وفصل التفصيل الذي ذكرته.
الشيخ: ما شاء الله جزاه الله خيراً.
(الهدى والنور / ٧٩١/ ٢٧: ٣٩: ٠٠)
стр. 2349
موقف العامة من اختلاف الفتاوى
مداخلة: سائل يقول: إذا أفتى بعض العلماء بمسألة ما، وأفتى فريق من العلماء آخر بعكس الفتوى الأولى، فأيهما يتبع العامة؟
الجواب: إن عامة المسلمين يجب أن يكون عندهم ثقافة عامة .. العامَّة يجب أن يكون عندهم ثقافة إسلامية عامة، أعني: من الثقافة العامة التي يجب أن يعرفها كل مسلم ولو كان من العامة، أن يعرف أن الحق لا يتعدد، فإذا ما كان هناك كما جاء في السؤال قولان متناقضان، يجب أن يستحضر هذا العامي أن أحدهما هو الصواب، والآخر هو الخطأ، لقول : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢].
وإذا استحضر هذه القاعدة حفزه ذلك إلى أن يسأل أهل العلم، أنت تقول جائز، وأنت تقول غير جائز، ما دليلك .. ما دليلك؟ هذا سيفتح أمامه طريقًا من الفهم والوعي فيختار حينئذٍ ما انشرحت له نفسه واطمأن له قلبه، ويكون مأجورًا، أما أن يعمل بخلاف هذه القاعدة الشرعية، وأن يقول كما يقول كثير من الناس اليوم: من قلد عالمًا لقي الله سالمًا، ومن أين جاءت هذه الجملة؟ ليست لا في كتاب الله، ولا في حديث رسول الله ﵌، وإنما هي على ألسنة العامة: من قلد عالمًا لقي الله سالمًا .. لا.
стр. 2350
لكن من اتبع هدى الله فهو المهتدي، ومن ضل فعليها، قلنا لكم آنفًا: قال الله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] قال ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أهل الذكر ليس المقصود بالذكر هنا هو الذكر الذي يعرفه بعض جهلة الصوفية الذي هو الرقص في الذكر والجنون فيه، ويسمونه كما قال ﵇ في غير هذه المناسبة: «يسمونها بغير اسمها» يسمون الرقص والتواجد ذكرًا لله ، وإنما هو اللهو واللعب، مع إثم الآخر وهو تسمية الأشياء بغير أسمائها الشرعية.
فالذكر في الآية هو القرآن، كما قال : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فالذكر هنا هو القرآن، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وهنا تنبيه آخر لهذا السائل الذي يسأل: هذا يقول جائز وهذا يقول جائز، يا أخي انظر! هل هنا علماء فعلًا .. هل هم علماء بكتاب الله، وبحديث رسول الله ﵌، أم هما مختلفان أشد الاختلاف؟ هذا يفتي على كتاب الله، وعلى حديث رسول الله ﵌، وذاك ربما يمشي على أربع، أي: لا يمشي على الكتاب والسنة، وإنما المذاهب الأربعة، يأخذ منها هو ما يشتهي.
فشتان بين هذا وبين هذا، لذلك ينبغي أن يميز العامي .. نحن نقول: عامي، ليس معناه أنه لا يعقل .. لا، لو كان لا يعقل كان مجنونًا، ولو كان مجنونًا كان غير مكلف، لكنه يعقل إلا أنه ليس بعالم، إذًا: يجب أن يشغل عقله، فحينما يأتيه قولان، فإما أن يكون أحدهما صدر من غير عالم، فليس لهذا القول أي وزن، فيصفى القول الأول، وقد يقع وهذا لا ننكره: أن كلًا منهما عالم
следующие страницы →