← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

مداخلة: طيب! واضح لأنها ستترتب على ذلك مفاسد أخرى. الشيخ: نعم. مداخلة: من باب المفاسد. الشيخ: نعم. مداخلة: الآن لما الحمد لله سمعت جوابكم وخاصةً فيما يتصل بالثأر القبلي، وفيما يتصل الآن بالكهرباء والمياه والذي يفعله الشباب. الشيخ: يعني: كان هذا في الكتاب مسطوراً. مداخلة: الحمد لله، ذكرت الذين يرمون أهل العلم الكبار أنهم لا يعرفون واقع الأمة، وإنما هم يعيشون في بعض الأشياء خذوا منهم فتاوى معينة فيما يتصل بأحكام شرعية، أما فيما يتصل بأمراض الأمة وأحكامها وواقعها وكذا، وكذا فلا يؤخذ منه هذا الشيء، فالله المستعان الله المستعان كم يجورون وكم يظلمون ولكن نسأل الله أن يهدينا وإياهم ويردنا إليه مرداً جميلاً. (الهدى والنور /٨٥٠/ ١٥: ٤٠: .. ). علي حسن: أقول أبو حاتم كان عنده شيء أرجئ إلى آخر المجلس. الشيخ: نعم، أعطينا ننظر. أبو حاتم: طيب! الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﵌ أما بعد: يا شيخ حفظك الله أنا لازمت الشيخ مقبل قدر سبع سنين أو أكثر من ذلك قبل ما حولت إلى مركز أخينا الشيخ أبي الحسن حفظهم الله جميعاً، وأنا أريد أنقل

стр. 2487

إليك هذا فالشيخ مقبل حفظه الله، يعني: ما رأيت أحداً مثله يجلك ويحبك ويعرف ما لك. الشيخ: بارك الله. أبو حاتم: يعني: من سبق القدم في هذا الباب، بل يصرح ويقول: الشيخ حفظه الله هو إمام هذا العصر ومجدد هذا الوقت، وهو أول من أخذ بأيدينا، وهذا من فضل الله ثم بجهوده هذه الكتب والتحقيقات والصحيح والضعيف والخير الكبير، حتى مرة من المرات قال بكلام أقول معناه قال: الآن الشيخ الحمد لله إذا جاءه من أهل البدع من يتكلم على كتبه قال: فهو ينافح عنها، يعني: معنى كلامك أنه آخذ كأنه آخذ فأساً وقائم على يدافع عن السنة وعن كتبه، فإذا أتيح لأهل البدع فإنهم سيتكلمون في كتب الشيخ، فعلى أهل السنة أن يشمروا عن سواعدهم ويستعدوا للدفاع عن السنة وعن كتب هؤلاء الذين هم يعتبروا هم قادة هذا الزمان في هذا الميدان، فأردت يا شيخ بهذه الكلمة لتبلغ منزلة الشيخ عندك؛ لأنه مهم جداً الله الذي يعلم أننا نحبكم أكثر من آبائنا. الشيخ: الله يجزيك الخير. أبو حاتم: أي والله. الشيخ: الله يبارك فيك. أبو حاتم: فحتى لا .. يعني: قصدي بعض الأحيان قد ربما الشيخ يسأل مثلاً تعرف اجتهاداتكم واجتهاد العلماء في بعض الأحاديث لو رأى مثلاً رأي غير

стр. 2488

رأيكم في بعض الأحاديث يقول الشيخ: ولكني أخاف من الشيخ خاصةً لما كلمتموه بالتلفون قال: الآن ما أتكلم بشيء أنا أخاف من الشيخ، يعني: ويضحك فبكل الإجلال والاحترام والحب يعني. الشيخ: الله يبارك فيه. مداخلة: بارك الله فيكم وجزآكم الله خير. الشيخ: وينفع المسلمين به، الحقيقة هو كان من إخوانا الطلبة في الجامعة المجدين والبارزين، وإن شاء الله العلم الذي اكتسبه هناك قد نمى وازداد ونفع الله به البلاد، إن شاء الله. على كل حال أبلغه سلامي وشكري وأيضاً لقد ذكرتني بشيء كنت زورته في نفسي لما قررنا أن نقدم لكم الحجاب أو الجلباب فأتساءل: عندك علم أن عند الشيخ موجود نسخة من الجلباب؟ مداخلة: لا والله ما أعرف. مداخلة: الطبعة الجديدة لا .. ما .. الشيخ: على كل حال قَدِّم نسخة. مداخلة: قبل أن يبدأ. (الهدى والنور /٨٥٠/ ٢٣: ٤٧: .. ) أبو الحسن: أخونا أبو الفضل رأى رؤيا قبل الليلة الماضية، قال: رأيت أن الشيخ الألباني حفظه الله في بيته .. هو الآن لا أعرفه أين بيته لكن بيته حوله

стр. 2489

أشجار وزراعة وكذا، ما يعرفه .. ويقول: قد اجتمع عليه جماعات من كل مكان، وهو الجماعات الإسلامية جماعة كذا، وجماعة كذا، وجماعة كذا .. جماعات إسلامية من كل ناحية، والشيخ عنده صحيح البخاري وصحيح مسلم وتفسير ابن كثير. الشيخ: ما شاء الله! مداخلة: نعم، هو يقول: ائتوني بكباركم أكلمهم وأناقشهم، فهم يرعدون ويمطرون ويضيقون ويزمجرون ويجمع بعضهم بعضاً إلى أن اجتمعوا حشود كثيرة، قال: فأنا جئت لكم حيث نحن ساكنون الآن وقال: هيا بنا الشيخ الألباني جاءنا خبر أنهم قد أحدقوا به كذا وكذا .. فجئنا إليكم وأنتم جالسون، فخلق الله بحيرة من الماء تحيط بنا وحالت بيننا وبينهم .. الشيخ: حياة حياة إن شاء الله. مداخلة: نعم، حالت بيننا وبينهم فتفرقوا وجاء بعد ذلك كبار هذه البلاد الساسة والملك وغير ذلك وجاؤوا وقالوا للشيخ: أعلن دعوتك وتكلم بما تراه يرضي الله ولا تبالي بأحد. الشيخ: ما شاء الله! رؤيا حق إن شاء الله. مداخلة: أسال الله ذلك. الشيخ: نعم، ما هي الكتب يا أستاذ؟ ستنسينا أنت .. مداخلة: الحمد لله! أخونا فهمي إن شاء الله يكتب لي قائمة بأسماء كتبكم؛ لأني بعضها يمكن لا أعرف أنها صدر، وأنا أعرف عندي، وأقول هذا الذي ليس

стр. 2490

موجوداً عندي، إن كان في يسركم فالحمد لله، وأنا أعتبره قبل كل شيء يعني: الحمد لله الكتاب هو في المكتبة وممكن أشتريه لكن منكم له شأن آخر. الشيخ: نعم، عندي هنا كتاب ينظر إلي وهو صحيح الأدب المفرد عندك؟ مداخلة: الحمد لله اشتريته هذه السنة من المعرض نعم. الشيخ: عند أبو حاتم؟ مداخلة: عندي الله يكرمك يا شيخ .. قد اشترينا بأغلى ثمن .. مداخلة: عندنا يا شيخنا! والله أن طلبة العلم يبيع الواحد منهم البندقية حقه والبلاد القبلية هناك البندقية هذه شيء كبير ما يتخلى منه .. الشيخ: أرسلوا لنا واحدة ههه. مداخلة: يبيع البندق .. يبيع ذهب زوجته .. يبيع كذا من أجل أن يعثر على كتاباتكم .. الشيخ: بارك الله فيكم، نحن على كل حال بدعواتكم نعيش، طيب السلسلة الصحيحة كلها عندك؟ مداخلة: نعم، إلى الخامس. الشيخ: والضعيفة؟ مداخلة: إلى الرابع نعم. الشيخ: ماذا يوجد عندنا يا جماعة؟ السنن ما عندنا ولكن ما الذي عندنا؟ مداخلة: حتى أخونا أبو الفضل يقول: أنا أريد أن أشكو للشيخ الألباني حفظه الله: أنه عندما يعير الكتب يضطرنا لشرائها مرة ثانية ونحن في حالة يعلم بها الله

стр. 2491

عز وجل ... الشيخ: تعرفون هل عنده صحيح الأدب المفرد؟ مداخلة: عنده اشتراه قبلنا أبو الفضل .. أتى به من مصر .. نزل في مصر وأتى به .. الشيخ: كنت أتمنى أن نحظى بأن نخدمكم ببعض الكتب أكثر مما حصل فجودوا علينا بالعطاء .. مداخلة: الله يحفظكم يا شيخنا الحمد لله .. نحن نتمنى أي شيء من عندكم .. الشيخ: طيب! هنا مثلاً لا يوجد شيء تلقي نظرة لعله يذكرك بما ليس عندك .. (الهدى والنور /٨٥٠/ .. : ٥١: .. )

стр. 2492

صفحات من النقد الذاتي في بيان أخطاء كثير من المنتسبين للدعوة السلفية

стр. 2493

نصيحة للسلفيين بالرفق واللين ونبذ الفرقة والاختلاف ... وترك الهجر غير الشرعي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فمن المعلوم عندنا جميعاً قول النبي ﵌: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، ونحن المسلمون اليوم من عامة الناس الذين يجب

стр. 2494

على كل ناصح أن يُوَجِّه النصح إليهم، وبصورة أخص نحن معشر السلفيين الذين يمثلون جانباً كبيراً من هذا العدد الضخم من المسلمين، ويفخرون بأن الله ﵎ قد فضلهم على كثير من المسلمين بأن يسر لهم فهم التوحيد الذي هو أصل النجاة في الآخرة من العذاب المقيم، هذا التوحيد الذي درسناه وعرفناه جيداً وتحققنا به عقيدةً، ولكني أشعر والأسف يملأ قلبي بأن ما ترون بأنفسنا حينما وقفنا عند هذه العقيدة ولوازمها مما هو معلوم من العمل بالكتاب والسنة وعدم تقديم غير كتاب الله وسنة نبيه ﵌، لقد وقفنا هذا الموقف الواجب على كل مسلم من الفهم الصحيح للتوحيد، والعمل بما ثبت في الكتاب والسنة بما يتعلق بالفقه الذي تفرق إلى مذاهب شتى، وطرائق قدداً على مر هذه السنين الطويلة. لكن يبدو وهذا ما كَرَّرته في مناسبات كثيرة أن هذا العالم الإسلامي بما فيه السلفيون أنفسهم قد شغلوا عن ناحية هامة من هذا الإسلام الذي تبنيناه فكراً، إسلاماً عاماً شاملاً لكل شؤون الحياة، ومن ذلك السلوك والاستقامة في الطريق، فكثير منا لا يتهم بهذا الجانب من الإسلام وهو تحسين السلوك وتحسين الأخلاق، ونقرأ في كتب السنة الصحيحة قول النبي ﵌: «إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار» ونقرأ في القرآن الكريم أنه ليس من الخلق الإسلامي أن يختلف المسلمون وبخاصة نحن السلفيين بين أنفسهم لأمور لا توجب الخلاف والنزاع، نقرأ في ذلك قوله ﵎: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وإن من المؤسف حقاً أن نسمع ليس فقط في البلاد الإسلامية أن المسلمين

стр. 2495

يتفرقون إلى طوائف كثيرة، وأحزاب عديدة حتى وفي المعرفة القائمة بينهم وبين الكفار المستحلون لبعض الديار كإخواننا مثلاً الأفغانيين، فكلنا يعلم أنهم الآن في معركة مع الشيوعيين، لكن مع الأسف لقد انقسموا إلى طوائف، وما سبب ذلك إلا الإعراض عن بعض ما جاء في الإسلام من التوجيه إلى الاتفاق ونبذ الشقاق والنزاع، الآية السابقة صريحة في ذلك ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. أقول: هذا الاختلاف وهذا النزاع لم يقف عند حدود البلاد البعيدة عنا، ولكنه قد وصل أيضاً إلينا نحن أنفسنا، ونحن السلفيين الذين نزعم أننا نتمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، لا ننكر فضل الله ﵎ علينا، بما تفضل به من هدايته لنا إلى التوحيد وإلى العمل بما ثبت بالكتاب والسنة، ولكن أليس من الثابت في الكتاب والسنة ألا نتحاسد وألا نتباغض وأن نكون إخواناً كما أمرنا الله في الكتاب، ونبيه ﵌ في سنته؟ نعم. ذلك مما عرفناه معرفة ولم نُطَبِّقه عملياً، وعسى أن نُطَبِّق ذلك وأن نسعى إليه حثيثاً. من المؤسف أن هناك شيء من التفرق وشيء من التنازع، لأسباب تافهة جداً، ولذلك فيجب أن نضع نصب أعيننا ما يسمى اليوم في لغة العصر الحاضر بالتسامح الديني، لكن بالمعنى الذي يسمح به الإسلام، التسامح الديني قد توسع دائرته إلى حيث لا يسمح للإسلام، ولكن نحن نعرف التسامح بالمعنى الصحيح، وذلك لأننا إذا رأينا شخصاً من غير السلفيين فضلاً عما إذا كان من السلفيين أن له رأي خاص أو اجتهاد خاص، أو بل رأيناه فعلاً قد أخطأ في شيء

стр. 2496

من تصرفاته ألا نبادر إلى نهره، ثم إلى مقاطعته، بل يجب علينا أن نسلك طريق النصح الذي ابتدأنا هذه الكلمة بالحديث: الدين النصيحة الدين النصيحة، فإن نصحناه فتجاوب معنا فذلك ما نبغي، وإن لم يستجب فليس علينا من سبيل، ولا يجوز لنا أن نبادره وأن نقاطعه، بل علينا أن نظل معه نتابعه بالنصحية ما بين الفينة والفينة، ما بين آونة وأخرى، حتى يستقيم على الجادة. نحن نلاحظ في كثير من جلساتنا الخاصة فضلاً عن غيرها بأن شخصين متنازعين في مسألة كل واحد يريد أن يجر الموضوع إلى صالحه، فهو لا يطرحه متجرداً عن أن يكون له أو عليه، كما هو المفروض أن يكون البحث للوصول إلى الحقيقة التي أمر الله ﵎، وليس لأظهر أنا أني أنا المحق وذاك هو المخطئ، ولذلك يجب أن نتذكر بهذه المناسبة بعض الآيات وبعض الأحاديث الصحيحة التي ما أظن أن أحداً منا تخفى عليه علماً، ولكنها تخفى عليه تطبيقاً وعملاً، ولذلك فإني قد استحضرت استعانة أو إعانة من ذاكرتي الضعيفة ببعض النصوص من الآيات الكريمة التي تفيدنا في هذا الصدد، وتعود بنا إن شاء الله إلى أن نكون يداً واحدة، وصفاً واحداً لا يقاطع أحدنا أحداً من إخوانه، بل يتابعه بالموعظة والنصيحة. فكلنا يعلم قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] التقوى هنا هي أمر عام بالابتعاد عن كل مخالفة لله ولنبيه ﵌، ومن ذلك الاتباع لما أمر الله ونبيه من الهدى والنور، ومنه ما قدمه بين يدي الأمر بالتقوى «وأصلحوا بين أخويكم»، فينبغي محاولة الإصلاح بين الإخوة إذا ما بدر بادرة تدل على أن هناك شيء مما يوحي

стр. 2497

بفرقة، والفرقة هذه ليست محصورة لمخالفة العقيدة فقط، بل وبمخالفة أحكام الشريعة التي جاء بها الإسلام الكريم، هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]، فالرحمة التي نرجوها جميعاً من الله ﵎ إنما تكون بتقوى الله ، ولذلك أن نصلح بين المختلفين، كذلك جاء في القرآن الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] لا شك أن هذه الآية وجهت إلى أصحاب النبي ﵌ مباشرة، فإنه تعالى خاطبهم بقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ بماذا كان الإنقاذ؟ بلا شك بإرسال النبي ﵌ إليهم بكتاب الله ، ولبيانه ﵊، ترى هل لنا نصيب من هذه الآية؟ نحمد الله على أن لنا نصيب لا يستهان به في مخاطبة الله في هذه الآية الكريمة وخاصة في وسطها ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ما الذي ألف بيننا وجمعنا هنا وهناك؟ إنما هو الإيمان بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما دائماً أبداً، فيما إذا نظر أو ظهر هناك ما يوحي بالاختلاف والافتراق، كما قال تعالى في الآية التي تعرفونها جيداً: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] هذا مما أنعم الله ﵎ علينا، وامتن به ... مخاطباً إيانا بعموم النص، بينما خاطب الصحابة بخصوص النص،

стр. 2498

ألا وهو قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] كنا كما يعيش اليوم أكثر المسلمين وهم مسلمون، لكنهم كثيرون منهم إن لم نقل أكثرهم يصدق فيه قوله ﵎: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] فنحن والحمد لله قد أنقذنا الله من الشرك بل من كل أنواع الشرك، فهذه من أكبر النعم علينا، ولكن علينا أن نحقق تمام نعمة الله علينا بأن نتفق وألا نختلف، كما تأمرنا هذه الآية في مقدمتها: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. مما يؤكد، أو مما يكون سبباً للمحافظة على وحدة الصف ووحدة الكلمة ولو صدر من هناك ما يوحي بالخلاف قلت آنفاً: التناصح في دين الله ، لكن هذه النصيحة يجب أن تكون كما أمر الله في الآية التالية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ هذا نقرؤه في القرآن دائماً وأبداً، لكننا مع الأسف كثيراً ما نخرج عن الآية، ولا نطبقها، ولا ندعو إخواننا في المشرب وفي المنهج السلفي فضلاً عن غيرهم نادراً ما نسلك هذا السبيل وهذا الطريق الذي أمرنا الله ﵎ به. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] المجادلة بالتي هي أحسن تتطلب ما قلناه آنفاً: شيء من التسامح، وهذا التسامح يستلزم منا شيئين اثنين:

стр. 2499

الشيء الأول: أن يخطر في بالنا أن يخطر كل منا في باله أنه لم ينزل عليه الوحي بما عنده من رأي وهو ممكن أن يكون مخطئ، وأن يكون الشخص الذي يجادله ويناقشه هو المصيب، ينبغي كل منا حينما يناقش صاحبه أن يستحضر هذه بدهية أننا لسنا معصومين، مهما كان الواحد منا متعلماً أو عالماً، فكثيراً ما يتحقق قول العلماء: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، قد يكون العالم على خطأ والمتعلم على صواب، قد يكون المتعلم على خطأ والأمي الذي لا يعلم يكون على صواب، وهذا الاستحضار لهذه الحقيقة مما يجعل الإنسان متأنياً متوقفاً مع صاحبه في مناقشته، وهذا أدب مأخوذ من القرآن الكريم؛ لأن الله قد ذكر في كتابه أن النبي ﵌ كان يخاطب قومه المشركين وشتان بين المشركين في ضلالهم وبين النبي ﵌ وأصحابه في إيمانهم، مع ذلك قد أدبه الله بهذا الأدب السامي الذي عبرنا عنه بالتسامح، وقال في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥ - ٢٦] فهذا منتهى التسامح في أثناء المناقشة، ليس فيه أن يتنازل المسلم عن عقيدته، لكن فيه افتراض أن أحد الفريقين هو على خطأ والآخر على ضلال، من هذا هو الفريق؟ لم يحدده هنا، لكنه دائماً وأبداً حين يدعوهم إلى الإيمان ويقول لهم: أنهم إن كفروا بما جاء به من عند الله ، يقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] في الوقت الذي يفصح لهم بعقيدته وبمصيرهم فيما إذا استمروا في مخالفته، يقول لهم حينما يجادلهم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] هذا خطاب الرسول ﵊ للمشركين،

стр. 2500

فكيف ينبغي أن يكون مخاطبة أحدنا لواحد منا؟ لا شك أنه يجب أن يتواضع له، وأن يتسامح معه، وألا يحمل عليه حملة شعواء، ويتباعد عنه كما يتباعد العدو عن عدوه. هذه الآية هامة جداً، وعلينا أن نتذكرها جيداً، ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥]. وهناك بعض الأحاديث الصحيحة التي أيضاً نحن بحاجة إلى أن نتذكرها عملياً، وليس فقط فكراً وعلماً، وهو قوله ﵊: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» لماذا يهجره؟ تباغضاً وتحاسداً، لا لأمر شرعي، لا لأنه عصى الله ورسوله، وإنما أسوأ ما يقال: أنه عصى الله ورسوله لسوء فهمه عندي، لكن هو لم يجاهر بالمعصية، لم يتعقد أن هذه معصية ومع ذلك فهو يعصي الله ، فجاء أحدنا وقاطعه، هذه المقاطعة مشروعة لا شك، لكن التقاطع بسبب اختلاف الأفكار وفي المفاهيم هذا هو التدابر المنهي في أول هذا الحديث: «لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا» أيضاً هذه الخليقة أو هذا الخلق وهو التحاسد مما دب بين بعض إخواننا السلفيين، فهناك تخاصم أحياناً في بعض المواطن حول الذي يتولى إلقاء الكلمة أو إلقاء الدرس ... لا أنا أولى لا ذاك أولى، يا جماعة اتقوا الله في أنفسكم، إذا كان هناك إنسان له شيء من المعرفة والعلم فأراد أن يلقي ما يعلمه بين الناس فدعوه فليتكلم وأعينوه على ذلك، ولا تنظروا إلى أنفسكم من باب الاستعلاء والاستكبار عليه، لأنك أنت تنظر أنه دونك في العلم، وقد يعكس هو القضية

стр. 2501

فيبدأ الشقاق ويبدأ النزاع، ويحصل من وراء ذلك هذه الأمور التي نهى عنها الرسول ﵇ في هذا الحديث الصحيح: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» هذا الهجر يجب قطعه وإنهاؤه، هذا الحديث هو في الواقع من رحمة الله على عباده؛ لأنه لم يمنع الهجر مطلقاً، فقد أفسح المجال لبعض النفوس المريضة أن تشفي غيظها وحقدها وحسدها في ظرف ثلاثة أيام، يكفي للإنسان أن يروي غيظ نفسه بهذه الثلاثة الأيام، سمح له بذلك، ولكن إذا جاوزها فقد ارتكب الحرام، وكما سيأتي في بعض الأحاديث الصحيحة أنه بذلك أي: إذا جاوز الأيام الثلاثة التي سمح له الشارع فيها بالمقاطعة فهو يستحق دخول النار، جاء في الحديث الآخر بعد قوله ﵇: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» أي: إذا كان من الصعب على هذا المسلم الذي هجر أخاه ثلاثة أيام ترخصاً، ولكنه لم ينسَ هذا الوعيد الشديد من النبي ﵌ أنه لا يحل له الاستمرار بعد ثلاثة أيام فأقل ما يبدو من الهجر والوعيد المترتب ... أن تتحقق المودة بين متهاجرين بعد الثلاثة الأيام التي كان فيها متهاجرون فوراً مباشرة يكفي للخلاص من هذا الوعيد بأن يبدأ أخاه بالسلام، فبعد ذلك السلام يجر الكلام، والكلام يجر المودة .... ونحو ذلك، وكما قيل: أول الغيث قطرة ثم ينهمر، فلا أقل من أن يبادر المسلم أخاه الذي كان هجره في ثالث الأيام بالسلام في ذلك الخلاص من وعيد المهاجرة ... لثلاثة أيام. اسمعوا معي هذا النص النبوي من النبي ﵌ وما فيه من الوعيد لمن يهجر

стр. 2502

أخاه بغير بحق، قال ﵌: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً» هذا نحن نستبشر به خيراً، لأننا نحن الدعاة إلى التوحيد، ونحن الذين نرفع راية الدعوة للتوحيد، وإلى نبذ الإشراك بالله في أي نوع من أنواع الشرك، فنظن أننا دخلنا الجنة خيراً بدون حساب ولا عذاب، وكما يقال: ترانزيت. لأننا موحدون لا نشرك بالله شيئاً، ليس الأمر كذلك، اسمعوا هذا الحديث وعوه وحاولوا أن تتمثلوه في منطلقكم في حياتكم: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجل كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أَنْظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» يعني: اصبروا عليهم لا تغفروا لهم حتى يصطلحا ويعودا إخواناً على سرر متقابلين. «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجل كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين، أنظروا هذين، أنظروا هذين» ثم قال ﵇ في حديث آخر: «ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم: رجل أم قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان» أي: متقاطعان متدابران، إذاً أمر المقاطعة والمهاجرة والمتاركة بدون مُبَرِّر شرعي سوى الاشتراك في الرأي هذا من آثاره السيئة أن الصلاة لا ترفع إلى الله ولا تقبل، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فصلاة هذين المتصارمين لا ترفع إلى الله ﵎ ولا تقبل. كثيراً ما تقع المقاطعة والمصارمة بما يخطر في بال إنسان من الظنون

стр. 2503

والأوهام بأخيه المسلم، فجاء هذا الحديث الأخير ليحذرنا وينهانا عن أن نظن بالمسلم ظن السوء، فيقول ﵊: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله ﵎». في أول الحديث ينهانا عن الظن بالأخ المسلم ويعلل ذلك بأنه أكذب الحديث أن تقول: فلان كذا وفلان كذا، وليس عندك على ذلك برهان من الله أولاً، ثم لو كان عندك على ذلك برهان يجيز لك أن تظن بأخيك ظن السوء فلا يجوز لك أن تستغيبه، بل عليك أن تبادر كما قلنا في أول هذه الكلمة هذه إلى نصحه وإرشاده وتوجيهه الوجهة التي تراها أنت مطابقة للشريعة، وكثيراً ما يدفع سوء الظن هذا المسلم المسيء ظنه بأخيه المسلم إلى ارتكاب هذه المخالفات التي عطفها الرسول ﵇ على المنهي من الظن بالمسلم بقوله: «ولا تجسسوا» «لا تحسسوا ولا تجسسوا» التجسس هو تتبع أخطاء المسلم لغمزه ولمزه والطعن فيه، والتحسس بعض العلماء يقولون: إنهما بمعنى واحد، لكن الحقيقة أن التحسس له معنى غير معنى التجسس، لأنه لا يصح في بعض الأحيان أن نقيم لفظة التجسس مقام التحسس، ففي القرآن الكريم قول يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧] فالتحسس هو تتبع أخبار الشخص، والاستماع إلى ذلك، فهنا التحسس كأنه في الحديث أخص من التجسس، التحسس يكون في الخير ويكون في الشر، أما التجسس فهو في الشر وحده، فالرسول ﵌ في هذا الحديث ينهى عن الأمرين، ينهى عن تتبع أخبار الإنسان وعن التجسس عليه؛ لأن الأمور بمقاصدها، فإذا كان المقصود

стр. 2504

من التحسس هو الوصول إلى الخير فلا بأس فيه، أما التجسس فليس فيه خير إطلاقاً، لذلك لا يجوز للمسلم أن يتحسس وأن يستمع لحديث المسلم بقصد تتبع الخطأ والعورة، وإيقاعه فيما لا يرضاه. «ولا تجسسوا ولا تحاسدوا» لماذا يحسد الإنسان أخاه المسلم؟ هذا أمر مع الأسف الشديد يكاد يكون مفطوراً في الإنسان، أقول: يكاد لأني لا أعتقد أن الله فطر الإنسان على أن يحسد أخاه المسلم، فلذلك قلت: يكاد يكون مفطوراً لكثرة ما يغلب على الناس من الحسد، والحقيقة أن داء الحسد داء عضال، وكثيراً ما يظهر بين الأغنياء الغناء المادي المالي والغناء العلمي، فالغني مالاً يحسد مِن مثله، والغني علماً يحسد مِن مثله ثم يكون ذلك سبباً لدخول البغضاء المتحاسدين. ويقول الرسول ﵇ تأديباً لنا: «ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله ﵎» يعني في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. فهذه كلمة وموعظة أرجو أن ينفعنا الله ﵎ بها، وأن يحقق فينا الأُخُوَّة الصادقة التي أشعر أننا بحاجة إلى تحقيقها جميعاً. نسأل الله أن يعيننا على طاعته في كل ما أمر، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. (الهدى والنور /٢٣/ ٤٤: .. : .. )

стр. 2505

الشدة عند السلفيين مداخلة: طيب في مباحثات الأخ كمال نعت السلفيين بالغلظة وعدم الرفق فلا أدري هل ترون .. أن هذه السمة هي سمة الكثرة الكاثرة، الناس التي هي الطائفة المنصورة إن شاء الله هم الغرباء، أم هي ميزة لبعض الأشخاص وما هي نصيحتكم حول هذا الأمر؟ الشيخ: والله يا أخي، أنا أعتقد أن لهذه التهمة أصلاً لكن يبالغ فيها، لا نستطيع أن نبرأ أنفسنا من مثل هذا العيب، لكن أيضاً أعتقد دائماً أن خصوم الدعوة يبالغون بتقديرها، ولذلك أسباب بعضها من طبيعة الجماعة، وبعضها من طبيعة خصومها، طبيعة الجماعة إن كان هناك جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر من المسلمين عامة، فهي هذه الطائفة، ولذلك فحينما هم يلحون على بعض الأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصبح هذا بالنسبة للآخرين المتساهلين بالقيام بهذا الواجب فيه شدة، فيه تطرف، ولذلك الآن الإعلام العالمي الكافر الظالم يسمي هؤلاء المتطرفين بالأصوليين؛ لأنهم صاروا متميزين عن الآخرين بأنهم حريصين كل الحرص للرجوع بدينهم وبإسلامهم إلى أن يجعلوه حكماً يمشي على وجه الأرض، فهذا ما يتعلق بواقع هؤلاء الغرباء أو أهل العقيدة أو الطائفة المنصورة. شيء آخر قد يكون عيباً فيهم أو في بعضهم وهذا لا يخلو منه أي طائفة وأي

стр. 2506

جماعة، أنهم قد يصدر منهم أحياناً بعض الشدة كان لا ينبغي أن تصدر، لكن هذه يبالغ فيها ويتعمم إلى كل من ينتسب إلى هذا المنهج الصحيح، فتخرج حينئذ المسألة عن الحقيقة إلى الخيال، فلهذين السببين أحدهما يتعلق بحقيقة هؤلاء الذين يقومون بواجب لا يقوم به الآخرون إلا ما قل وندر، والآخر يتعلق بخصومهم الذين لا يرضون هذا المنهج الذي هم يسيرون فيه خاصة حينما يعالجون أموراً هم الآخرون يسمونها بثانوية، هذا إذا ألان التعبير وإلا سماها قشوراً وسماها سبب في التفريق .. إلى آخر ما هناك من التعابير ... فهذا ما أراه جواباً عن سؤالك. (الهدى والنور/٦٠٩/ ١٦: ٢٢: ٠٠)

стр. 2507

السلفية والرفق واللين مداخلة -شو رأيك شيخنا تُوَجِّه نصيحة عامة للدعاة يعني يعني نصيحة حول كيفية الدعوة إلى إقامة منهجاً علمياً صحيحاً في الأردن؟ الشيخ: يجب قبل كل شيء على إخواننا الحريصين على اتباع الكتاب والسنة أن يتدارسوها دراسة علمية دقيقة فيها الوعي والفهم الصحيح وفيها التأني في عدم تبني الآراء الشخصية من الذين يرون أنفسهم أنهم صاروا من طلاب هذا العلم الشريف، ويجب بالإضافة إلى هذا وهو دراسة هذا العلم يجب أن يكون كلُّ دارس حريصا على العمل بما علم، حتى لا يكون علمه حجة عليه من جهة، وحتى ينفع الله ﵎ الناس بعلمه، ثم ينبغي أن يُلاحظ في ذلك أمر ثالث وهو: إذا أردنا أن ندعو الناس إلى ما امتن الله به علينا من الهدى والنور فيجب أن نترفق بهم وألا نتشدد عليهم وألا نظهر أمامهم بأننا متميزون عليهم بهذا العلم، يجب أن نعتبر الناس كل الناس الذين نراهم بعيدين عن هدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نعتبرهم مرضى، ولا شك أن المرض المعنوي أشد وأضر على صاحبه من المرض المادي البدني، وإذا كان من المفروض للطبيب البدني أن يترفق بالمريض حتى يقول كثير منهم أن بعض المرضى يعافون بمجرد أن يسمعوا كلاما لطيفا من طبيبهم، فأولى وأولى أن يكون طالب العلم الذي يتولى إرشاد الناس وهدايتهم إلى إتباع السنة، وإتباع ما كان عليه سلفنا الصالح،

стр. 2508

أن يكون رفيقاً في دعوتهم لطيفاً في معاملتهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينكر على السيدة عائشة ﵂ حينما قست في رد السلام على ذلك اليهودي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فألوى لسانه بالسلام، فقال: السام عليكم. فسلامه غير واضح أنه سلام المسلمين، ولا هو واضح أنه دعاء على سيد المرسلين بالموت، الذي هو السام، وهو لم ينطق بها فصيحةً صريحةً، وبالطبع لا يتجرأ أن يخاطب الرسول ﵇، والدولة له يومئذٍ بقوله: «السام عليك»، أي: الموت، ولكنه أيضاً لما في قلبه من ذُلٍّ وحقد وكُفر بالنبي ﵌ لا ينطلق ليلقي عليه ﵌ السلام الذي هو اسم من أسماء الله ، كما جاء في الحديث الصحيح، وإنما غمغمها وضَيَّعَهَا فقال: «السام عليكم»، ومن الأمر البدهي ألا يخفى ذلك على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فردَّ ﵇ بإيجاز وغاية الإيجاز بقوله: «وعليكم». أما السيدة عائشة وهي من وراء الحجاب فما كادت تسمع هذا الإلواء من ذاك اليهودي بالسلام حتى قالت: «وعليكم السام واللعنة والغضب إخوة القردة والخنازير» فلما خرج اليهودي قال الرسول ﵇: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قال؟ قال لها: ألم تسمعي ما قلته يا عائشة -وهنا الشاهد- «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه». وإذا كان هكذا يقول الرسول ﵇ لمن خاطب اليهود بتلك اللهجة القاسية وهي السيدة عائشة وحُقَّ لها ذلك؛ لأنها فهمت من اليهودي أنه يدعوا على النبي ﵌ بالموت، فماذا ينبغي أن يكون موقفنا مع إخواننا الذين يشتركون

стр. 2509

معنا على الأقل في الشهادتين، فلا شك أننا يجب أن نترفق بهم وألا نتشدد عليهم. ولهذا كان من وصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ ابن جبل وأبي موسى الأشعري ﵄ أن النبي ﵇ لما أرسلهما دُعَاةً إلى اليمن قال لهما «اذهبا وتطاوعا، ويسرا ولا تُعَسِّرا»، فهذا كله وذاك مما يجعلنا ننتبه لنكون في دعوتنا متسامحين متياسرين مع الناس. وكما أقول في هذه المناسبة وكثيراً ما أقول إن دعوتنا والحمد لله هي دعوة الحق، والناس عن الحق غافلون، وكلمة الحق بطبيعة الحال على الناس ثقيلة، فيكفي إثقالاً على الناس أن ندعوهم إلى هذا الحق الثقيل عليهم، فحسبهم ثقل كلمة الحق، وذلك ما ينبغي أن يردعنا وأن يصدنا عن أن نزيد في الإثقال عليهم في استعمالنا أسلوب التشديد في دعوتنا إياهم إلى الحق لأنه إذا انضم إلى شدة الحق، وثقله على الناس شِدَّة الأسلوب، إذا انضم إلى دعوة الناس شِدَّة الحق وثقله عليهم وهو حق، فلا ينبغي أن نضم إلى هذا الثِقَل ثِقْلا آخر ليس بحق، وحينئذ إذا يكون هذا الثقل الثاني صادًّا للناس عن تقبل الحق الثقيل بطبيعته كما قال تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. ولهذا كان من كلامه ﵇ بالنسبة لمعاذ في قصة إطالته للقراءة في صلاة العشاء تلك الإطالة التي حملت أحد الأنصار على أن يقطع الصلاة خلفه، وأن يصلي وحده، وينطلق إلى داره، ويترك الجماعة، فكان معاذ لما بلغه الخبر يشتد في الحمل على هذا الأنصاري، حتى كان يقول فيه: إنه منافق، واستعمل معاذ ﵁ استعمل هذا الكلمة انطلاقاً منه مع المبدأ العام ,المبدأ العام

стр. 2510

الذي يتحدث عنه ابن مسعود في حديثه الطويل في «صحيح مسلم»: «أنه ما كان يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق»، وكذلك هناك حديث آخر: «أن الذي يكون في المسجد ثم يسمع الأذان ثم يخرج فهو منافق»، استعمل معاذ هذا الاستعمال العام في حق ذلك الإنسان وكان مخطئا؛ لأن هذا الرجل لم يخرج اتباعاً للهوى، وإنما لعذر بينه للرسول ﵇ حينما شكى معاذاً إليه فأرسل الرسول ﵇ وراء معاذ، كما هو معلوم فقال له الرسول ﵇: «أفَتَّانٌ أنت يا معاذ؟ أفتَّان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ بحسبك أن تقرأ بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، ونحوها من السور، إذا أمَّ أحدكم فليخفف» إلى آخر الحديث، فالشاهد أن القسوة والشدة تضر في الدعوة، ونحن للأسف نلاحظ في كثير من إخواننا وكلما كان هذا الحديث حديث عهده بالدعوة كلما كان شديداً فيها؛ لأنه يتصور أن الشدة تنفع في الدعوة، والواقع أنه تضر وحسبكم بهذا الصدد قوله ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وأرى أيضا أن أُذَكِّر بأننا اليوم ابتلينا بنقيض ما كنا ابتلينا في القرون الماضية السابقة كنا ابتلينا في القرون السابقة بجمود العلماء، فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن العامة، ابتلينا بالجمود عن التقليد المذهبي، ومضى هذا الجمود على المسلمين قرون طويلة، الآن في فيئة، في صيحة مباركة للرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا شك قد آتت أكلَهَا وثمارَهَا اليانعة، ولكننا نشكوا الآن نقيض ذلك الأمر الذي كنا نشكوا عليه من قبل، كنا نشكوا الجمود فأصبحنا الآن نشكوا من الانطلاق، فأصبح كل من سمع كلمة الكتاب والسنة وهو لا يفقه من الكتاب

стр. 2511

والسنة شيئا إنما بعض العبارات وبعض الكلمات يسمعها من بعض الدعاة، وقد تكون هي كلمات حق، وقد تكون في بعضها خطأ، فيظن أنه أصبح بذلك عالما يجوز له أن يقول: أنا أرى كذا، وأنا رأيي كذا، وأنا أرى هذا القول خطأ، ويتدخل في كل كبيرٍ وصغير، وهو لا يُحسن أن يقرأ حديثا ... وهذه لها أخطارها، وإذا دار الأمر -هذا رأيي الشخصي- إذا دار الأمر بين اتباع مذهب من المذاهب الأربعة المُتَّبعة والجمود عليها، وبين أن يُصبح كل مسلمٍ مُدعيا العلم مُدَّعيا الاجتهاد، فلا شك أن البقاء على ما كان عليه الآباء والأجداد من اتباع المذهب وعدم الاعتداد بآراء الجهلة الذين ما درسوا العلم، ذلك خير، وهذا من باب حنانيك بعض الشر أهون من بعض. صحيح أن بعض الحكماء أو الأدباء من العراقيين قال كلمة جميلة جدا ولكن فيها استدراك جميل قال: لأن اجتهد فأخطئ أحب إلي من أن أقلد فأصيب قال إنما قلت أحب إلي وليس خير لأن أجتهد فأخطئ أحبُ إلي من أن أقلد فأصيب، عفوا أحب إليَّ من أن أجتهد فأصيب، قال: ولم أقل خيرا لأن الخطأ ليس خير من الصواب. لذلك يجب أن ننصح إخواننا الذين يشتركون معنا في الدعوة وتَبَنِّي الكتاب والسنة ألا يغتروا بنفوسهم وألا يغتروا ببعض المعلومات التي أخذوها من غيرهم، وليس كانت بدراستهم الشخصية، فإن هذا يفتح علينا بابا بالنسبة للآخرين لا قِبَلَ لنا برده، لأن الآخرين يحتجون علينا بأنكم تسمحون لمن لا يعرف بيقولوا عنا بالشام: «الألف من البسطية» البسطية: هي العصا الطويل، وبعض البلاد هنا يقولون: «ما بيعرف الخمسة من الطمسة»، هذا بلا شك عيب

стр. 2512

يؤخذ على الدعوة السلفية، لكن بلا شك الدعوة السلفية لا تقر ببناء الآراء الشخصية التي تنبع من ناس ليسوا من طلبة العلم، ولو كانوا كذلك من طلبة العلم ولكنهم بعد ما نضجوا في العلم، ولذلك فنحن نقترح على هؤلاء أن لا يَعْتَدُّوا بآرائهم وأن يستعينوا بأهل العلم؛ لأن القران الكريم كما تعلمون جعل المسلمين قسمين: عالم، وغير عالم وهكذا كان الأمر في كل العهود السابقة وبخاصَّة في القرن الأول، القرن الأنور، وهو قرن الرسول ﵇ وعصره، فقد كان الناس قسمين: عالم، وغير عالم، وهذا ما عناه الله بقوله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. يقول ابن القيم وغيره: بأن العلماء من الصحابة الذين كانوا يُفْتُون الناس يعني بالكاد أن يبلغ عددهم مائتي شخص، مائتي عالم، والألوف المؤلفة والألوف المؤلفة ما كانوا كما هو شأن الملايين وليس الألوف لكثرة المسلمين ما شاء الله اليوم على وجه الأرض، ما كان هؤلاء الذين هم الألوف المؤلفة من الصحابة كل واحد بيعطى رأي، بيدي رأي، وإنما كانوا يطبقون قوله تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وبناءً على هذه الآية يجب أن ننشر هذه الحقيقة بين شبابنا السلفي ونُعَيِّشهم عليها بحيث تكون نصب أعينهم دائماً وأبداً أنت عالم عالم تجتهد تفهم الكتاب والسنة ما أنت عالم إذاً ليس واجبك أن تقول أنا أرى كذا، وأنا اجتهدت فرأيت كذا، سواء كان ذلك في تصحيح حديث وهو ليس من أهل الحديث، أو كان في استنباط حكم وهو ليس من الفقهاء. فعليه إذاً أن يحقق هذه الآية ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ لأن

стр. 2513

هؤلاء الذين يتجرؤون على الإفتاء وهم ليسوا من أهل العلم والإفتاء، مثلهم كمثل ذلك الرجل الذي دعا عليه الرسول ﵇ بأن يهلكه الله لأنه أفتى بفتوى قضى بسببها على نفس بريئة مسلمة، تعلمون هذا الحديث الذي رواه أبو داوود في «سننه»: «أن النبيَّ ﵌ أرسل سرية، فلما قاتلوا الكفار وأمسوا وأصبح بهم الصباح، قام أحدهم وقد احتلم وفي جسده جراحات كثيرة، فسأل من حوله هل يجدون له رخصة في أن لا يغتسل؟ قال لا بد لك من أن تغتسل، فاغتسل فمات، فلما بلغ خبره رسول الله ﵌ فدعا عليه، فقال: قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العَيِّ السؤال» هذا الحديث يجب أن يكون ماثلا دائما وأبدا أمام أعين طلاب العلم حتى لا يتجرؤوا على الإفتاء فيصيبهم مثل ما أصاب ذلك الرجل الذي دعا عليه الرسول ﵇ بأن يقاتله الله ﵎. والتجرؤ على الإفتاء يبدو مما سبق من الكلام يعود وباله على المفتي أولاً، وعلى المفتى به ثانياً، وحينئذٍ إذا استقر هذا المعنى في طلاب العلم الذين لم يصلوا إلى معرفة الكتاب والسنة وتتبع أقوال الأئمة والمفاضلة والمراجحة بينها، وإنما مجرد أن يقول أنا أرى كذا، وأنا فهمت كذا، هؤلاء ليريحوا أنفسهم من المصيبتين اللذين أشرت لهما أولا أن يقعوا هم في الخطأ، وأن يُوْقِعوا غيرهم في الخطأ وذلك بأن يسألوا أهل العلم ولا عليهم بعد ذلك أخطأ هذا الذي أفتاه أو أصاب، لأنه إن أصاب فبها ونعمت وإن اخطأ فإنما إثمه على مفتيه، فبدل أن يتحمل هو بنفسه لأنه أفتى بغير علم وورَّط الذي أفتاه بغير علم فليجعل، الإثم على غيره، إن أفتاه بغير علم.

стр. 2514

وهذا لا يعنى أن لا يتحرى شبابنا في سؤالهم لأهل العلم أن يُمَيِّزوا بين عالم وعالم، بين مدعي للعلم وعالم حقيقة، وبين عالم بمذهب وجهال للكتاب والسنة، هذه قضية أخرى المهم أن يسأل من يثق بعلمه، ويثق بدينه، حين ذاك لا يقع في المشكلة التي وقع فيها ذاك الذي أفتى بأنه لا بد أن يغتسل، ولجهله بالسنة، لم يفته بجواز التيمم لأن الماء يضره، وفعلاً أضره وكان سبب وفاته، فهذه كلمة ولعلي أطلت بها فأرجوا من الله أن يُوَفِّقنا للعمل بالعلم النافع، وأن يُعَرِّفنا بذوات أنفسنا، وألَّا يجعلنا من المغترين بها؛ لأن الغرور مهلكهٌ ما بعدها مهلكة. (الهدى والنور /١٨١/ ٥١: ١٦: ٠٠)

стр. 2515

نصيحة السلفيين أن يُوَسِّعوا صدورهم لبعضهم البعض مداخلة: يا شيخنا بارك الله فيكم، يقول الله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. الشيخ: صدق. مداخلة: يقول هذا الشاب الذي نتحدث عنه: لماذا تتكلم على فلان وتقول فيه كذا وكذا؟ يقول: إني أبغضه في الله، يقولون له: ما سبب بغضك له في الله؟ يقول: إذا جلسنا في مجلس مع الشيخ ناصر بيقلب الجلسة العلمية إلى فكاهية. وردينا عليه يا شيخنا مع بعض الإخوة: قلنا إذا كان هذا الحكي صحيح فالشيخ ناصر لا يسمح بأن تكون الجلسة العلمية جلسة نكت وضحك. فماذا أيضاً يا شيخنا بارك الله فيكم تضيف على كلمتك الأولى، وهل في من طلابك يا شيخ من يقلب جلستكم العلمية إلى فكاهية؟ الشيخ: لا يجوز يكون في مبالغة من أحد الفريقين، بين الذي يدعي أنه يقلب الجلسة إلى جلسة فكاهية، وهذه طبعاً الواقع يشهد أنه ليس كذلك، فيكون في الكلام مبالغة لمعنى أنه قد يقع شيء من ذلك، وهذا لا يترفع عنه أي جلسة؛ لأننا أولاً كلنا بشر، وثانياً: قد تقع نكتة تجعل الجلسة فيها نوع من الفكاهة.

стр. 2516

لكن قد تكون المبالغة في الكلام من أجل المحافظة على حرمة الجلسة، وعلى قدرها من الناحية العلمية؛ ولذلك فما ينبغي أن نحاصر وأن ندقق في مثل هذه الدقة، ما دام أن فيها احتمال أنه يكون فيها مبالغة من الطرفين، الطرف الذي يدعي أن هناك يعني قلب الجلسة العلمية إلى جلسة فكاهية، فيه مبالغة، أو المبالغة من الطرف الآخر الذي ينقل هذا النقل، ولا يكون الأمر كذلك. بارك الله فيكم، ينبغي على المسلمين وبخاصة الملتزمين منهم أن يسع بعضهم بعضاً، وألا يحمل بعضهم على بعض، وأن يجري على سنن ما يروى، أقول ما يروى؛ لأني لست متثبتاً من صحة ما يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ حين قال في مثل هذا النقل: التمس لأخيك عذراً. يعني: إذا قال فعلاً كما نقلت، وأنا أستبعد ذلك، لكن قال كلمة من باب المبالغة والحرص على نقاوة الجلسة مما يعكر صفوها العلمي، ماذا ينبغي أن نظن به؟ هل يظن الطعن في ذلك الذي قد يلقي فكاهة عرضة، أم يريد المحافظة على نقاوة الجلسة؟ التمس لأخيك عذراً؛ ولذلك فما ينبغي توسيع الرقع على الراقع، ونسأل الله أن يلهمنا الصواب فيما نأتي وفيما نذر. (الهدى والنور /٧٢٩/ ١١: ٤٥: ٠٠)

стр. 2517

التعصب لمشايخ الدعوة السلفية مداخلة: عندنا هناك بعض الشباب في بادئ الأمر كانوا يرتاحون مثلاً إلى أحد العلماء والمجموعة الثانية كانوا يرتاحون إلى عالم آخر، ثم تطورت هذه الأمور إلى أن أصبحت تحزب، يعني أصبح كلاً يتحزب لهذا العالم، حتى أنهم أصبحوا يتعادون ولا يجلسون مع بعضهم؟ الشيخ: طبعاً هذا لا يجوز في الإسلام، نحن دائماً نقول لا حزبية في الإسلام، وهذا التعصب يحرمه الإسلام، لأن هذا الذي يتمسك برأي العالم الفلاني وذاك الذي يتمسك برأي عالم آخر، لا هذا العالم ولا ذاك هم معصومون كما الأنبياء والرسل فلذالك فينبغي أن يعيش المسلمون على تحابب وتناصح وعدم التعصب لأي شخص في الدنيا، إلا شخص واحد هو رسول الله ﵌، كل ما يمكن أن يفعله المسلم، هو أن يثق بعالم، في علمه، ولبعده عن مثلاً حطام الدنيا وعن الوظائف الحكومية التي كثيراً ما تكون سبباً لحمل الموظف على انحراف عن العلم الذي يدعوا الناس إليه، فإذا مسلم رأى أن هذا العالم أعلم من هذا وأتقى من هذا وإلى آخره، لا مانع أن يأخذ بقوله لكن بدون أن يطعن في العالم الآخر، أو في الشخص الآخر، الذي يتبنى رأي العالم الآخر، فعليهم أن يكونوا كما قيل المؤمنون نُصَّح، ينصح بعضهم بعضاً، وإذا كان أحدهم يرى أن العالم الفلاني، أعلم من فلان، يُقَدِّم أدلة وبراهين للآخر، بحيث أنه يتقاربان ولا

стр. 2518

يتعاديان، المهم أنه الحزبية في الإسلام محرمه بنص القرآن الكريم، لأنها تؤدي إلى ما ذكرت من الفرقة والبغضاء والعداوة والله يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]، ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، وفي بعض الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره: «لا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا إخواناً كما أمركم الله»، أو كما قال ﵊، فهكذا يجب أن يعيش المسلمون خاصَّة تحت هذه النُّظم التي تحاول بالقوة أن تحرف المسلمين عن دينهم وعن أخلاقهم. (الهدى والنور /٥٧٣/ ٤١: ١٣: ٠٠)

стр. 2519

الطعن في علماء الحجاز واتهامهم بأنهم يداهنون الطواغيت هناك بعض الشباب في هولندا وفي غيرها سلفيون والحمد لله لا نشك في عقيدتهم، ولكن يتكلمون كلام سيء في بعض العلماء، وخاصة علماء الحجاز، يقولون نحن ناس لا نثق بهم؛ لأن بعضهم يداهنون الطواغيت، هل هذا صحيح يا شيخ؟ الشيخ: الذي يبدو لي مما أسمع بنفسي مباشرة وبما أسمع مما يُنْقَل إلي بالواسطة كما قلت أنت آنفاً: إن هؤلاء الذين يتكلمون في حق بعض العلماء وينسبونهم إلى أنهم يداهنون الطواغيت، فهؤلاء الذين يتهمون العلماء في العصر الحاضر هم بلا شك من الشباب، وهؤلاء الشباب لا نستطيع نحن بدورنا أن نسيء الظن بهم أي بمقاصدهم، لكننا نسيء الظن بعلمهم، فضحالة علمهم وقلة معرفتهم أولاً بالفقه الإسلامي الصحيح، ثم بالأخلاق الإسلامية التي ينبغي أن يكون الشباب المسلم قد ربي ونشئ عليها، هذا مع الأسف مما حرمه الجيل من الشباب في العصر الحاضر. صحيح أنه يوجد الآن صحوة كما يقولون إسلامية، لكني أقول: أولاً: هذه الصحوة في أول مراحلها، ما انتصفت في المرحلة فضلاً أن تكون في خاتمتها،

стр. 2520

وثانياً: هذه الصحوة صحوة فكرية علمية لم يقترن معها صحوة أخلاقية. فلذلك نحن ننصح هؤلاء الشباب بأن ينكبوا على طلب العلم وأن يخلصوا فيه لله أولاً، ثم أن يهذبوا أنفسهم ويربوها على الأخلاق الإسلامية ثانياً، وهم إن فعلوا ذلك أمسكوا ألسنتهم عن الخوض في أعراض الناس بعامة فضلاً عن الخوض في أعراض العلماء خاصة؛ لأنهم خاصة الأمة. (الهدى والنور / ٥٧٤/ ٤٤: ٠٠: ٠٠)

стр. 2521

كيفية التعامل مع من خرج عن منهج السلف السائل: كيفية التعامل أو ما الحكم على من خرج عن منهج السلف الصالح من أهل العلم أو من دونهم، كيف التعامل معهم وكيف فالحكم معهم، مع هؤلاء، أفيدونا أفادكم الله. الشيخ: هو بارك الله فيك، كما ينبغي أن هذا العالم أو المتعلم أن يتعامل مع عامة المسلمين وهو على مقتضى النصيحة، يعني يجب دائماً في حدود مكانته وقدرتهِ أن يتصل معهم شخصياً أو هاتفياً أو تحريرياً بأي وسيلة من الوسائل التي يمكن بها تقديم النصيحة وتقديم العلم إلى هؤلاء، ولا ينبغي لمجرد وقوع اختلاف في جانبٍ أو جوانب من العلم أن نجعل ذلك سبباً لأن يبتعد المسلم عن أخيه المسلم، أنا مقتنع جداً بهذا الذي أقوله بشرط أن لا يظهر لي العناد من الشخص الذي يخالفنا في منهجنا وفي دعوتنا فإذا ما ظهر العناد حينئذٍ يبقى قبيل إضاعة الوقت للاتصال بهم، وبخاصة أنه قدرات الإنسان محدودة فهو لا يستطيع أن يلقى كل فرد من أفراد أهل البلد فضلاً عن البلاد فضلاً عن الدنيا كلها. فإذاً عليه أن يصل من الناس أيهم أقرب أن يستفيد من مخاطبته من مواصلته

стр. 2522

من مصادقتهِ من مصاحبتهِ أكثر من غيرهِ، فيبدأ كما قال ذلك الشاعر في أرجوزته: العلم إن طلبته كثيرُ ... والعمرُ عن تحصيلهُ قصيرُ فقدم الأهم منه فألاهم، على هذا الوزان قدم الأهم فألاهم، هذا عنده استعداد ليفهم عنك ويتجاوب معك أكثر من هذا إذاً هذا أعطيهِ حصتين من وقتك لا تعطيهِ حصة واحدة، هناك شخص يستحق ثلاث حصص وهكذا، لكن هذا الذي يستحق حصة واحدة إذا استطعت أن لا تقطعهُ لا تقطعهُ إلا إذا ظهر لك عنادهُ، والعناد كفرٌ فلا فائدة من إضاعة الوقت معه. وهكذا يكون جواب السؤال أن هؤلاء البعض الذين كانوا مثلاً على الخط السلفي ثم انخرطوا في خط حزبي هذا لا ينبغي أن يقاطعهُ بل ينبغي أن نتابعهُ في العلم والتذكير ونحو ذلك، حتى نيئسَ منه لا سمح الله، ونحشرهُ في زمرة المعاندين المستكبرين كما قال ﵇: لا يدخل الجنة من كان في قلبهِ مثقال ذرة من كبر، قالوا يا رسول الله فلان يحب الصوم و ... وإلى آخره ليكون حسناً فذلك من الكبر لا بد أن اختصر الحديث لأني افترض انك تعرفهُ، قالوا إذاً ما هو الكبر، قال: الكبر بطر الحق وغمط الناس، فإذا شعرت من إنسان انه يبطر الحق ويتكبر عليك فانفض يدك منه، أما الآخرون فيجب أن تكون معهم في حدود استطاعتك، وفي هذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور /٥٨١/ ٥٠: ٣٤: ٠٠)

стр. 2523

عدم إقبال طلاب العلم على القرآن الكريم مداخلة: نلحظ أيضاً مما ألحظه مع -الحمد لله- هذه الصحوة الطيبة والإقبال على العلم أن نسبة الإقبال على حفظ كتاب الله وكذلك تفسيره هذه الدروس قليلة جداً. الشيخ: نادرة جداً. مداخلة: إن لم تكن معدومة، فما هو رأيكم؟ الشيخ: هذا أنا ما قلته في بعض الجلسات يا جماعة نريد أن نرى واحداً منكم يحفظ القرآن، حتى أنا مثلاً إذا احتجت إلى آية وأنا لا أستطيع استحضارها، فأنا أستعين ببعضكم، لا يوجد من يحفظ القرآن إلا ما ندر جداً، والسبب هو كله يدور إلى أن طلب العلم اليوم ليس خالصاً لوجه الله، مصيبة هذه .. مداخلة: ومن ذلك أيضاً دروس التفسير، الآن في الرياض عندنا دروس التفسير محدودة جداً. الشيخ: نعم؟ مداخلة: أقول لك .. الشيخ: الآن دور علم الحديث وبس. مداخلة: نعم. الشيخ: والسبب واضح جداً، هو عدم الإخلاص في طلب العلم لله . (الهدى والنور / ٥٩٩/ ٢٣: ٥٠: ٠٠)

стр. 2524

طلاب العلم المبتدؤون الذين يناطحون الكبار مداخلة: وجدت أن -وأستغفر الله أرجو أن يكون إحساسي في غير مكانه، لكنني بدأت ألحظ شيء من هذا- أن بعض طلبة العلم صغار في السن وهم في الجملة طيبون والحمد لله، لكن تجده خمس سنوات أربع سنوات بدأ مثلاً في علم الحديث وتجد أنه يحاول أن يبني نفسه أنه يعارض فلان، مثلاً يعارض الألباني، أو في الفقه يعارض أو حتى يعارض الشيخ عبد العزيز بن باز أو ابن عثيمين، فهذه الظاهرة أخاف منها يا شيخ. الشيخ: نحن رجال وأولئك رجال! مداخلة: بل قالوا هذا، لكن رد عليهم يا شيخ، قال واحد: هم رجال وأنت دجال، لأن مرة كانت القضية عن الصحابة، ووصل النقاش إلى الصحابة، قال: هم رجال ونحن رجال، قال: لا، هم رجال وأنت دجال. الشيخ: الله أكبر! مداخلة: فهذه الملاحظة الآن منذ أيام أتناقش عن طالب علم وجزاه الله خير مهتم في هذا الجانب، فيقول لي واحد من الإخوان: لكنه يعارض الألباني أو يختلف مع الألباني، فصارت القضية .. وفلان يختلف مع الشيخ عبد العزيز،

стр. 2525

وفلان يختلف مع الشيخ ابن عثيمين. مداخلة: كأنها سلم الآن صارت لتحقيق المآرب .. الشيخ: حب الظهور يقطع الظهور. مداخلة: وأعجبتني هذه الكلمة بلغتني عنكم .. الشيخ: هو هذه آفة الشباب في العصر الحاضر إلا من عصم الله وقليل ما هم. مداخلة: لا حول ولا قوة إلا بالله. الشيخ: والله المستعان .. الله المستعان. (الهدى والنور / ٥٩٩/ ٢٧: ٥١: ٠٠)
следующие страницы →