← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

كيفية التعامل مع من خرج عن منهج السلف السائل: كيفية التعامل أو ما الحكم على من خرج عن منهج السلف الصالح من أهل العلم أو من دونهم، كيف التعامل معهم وكيف فالحكم معهم، مع هؤلاء، أفيدونا أفادكم الله. الشيخ: هو بارك الله فيك، كما ينبغي أن هذا العالم أو المتعلم أن يتعامل مع عامة المسلمين وهو على مقتضى النصيحة، يعني يجب دائماً في حدود مكانته وقدرتهِ أن يتصل معهم شخصياً أو هاتفياً أو تحريرياً بأي وسيلة من الوسائل التي يمكن بها تقديم النصيحة وتقديم العلم إلى هؤلاء، ولا ينبغي لمجرد وقوع اختلاف في جانبٍ أو جوانب من العلم أن نجعل ذلك سبباً لأن يبتعد المسلم عن أخيه المسلم، أنا مقتنع جداً بهذا الذي أقوله بشرط أن لا يظهر لي العناد من الشخص الذي يخالفنا في منهجنا وفي دعوتنا فإذا ما ظهر العناد حينئذٍ يبقى قبيل إضاعة الوقت للاتصال بهم، وبخاصة أنه قدرات الإنسان محدودة فهو لا يستطيع أن يلقى كل فرد من أفراد أهل البلد فضلاً عن البلاد فضلاً عن الدنيا كلها. فإذاً عليه أن يصل من الناس أيهم أقرب أن يستفيد من مخاطبته من مواصلته

стр. 2522

من مصادقتهِ من مصاحبتهِ أكثر من غيرهِ، فيبدأ كما قال ذلك الشاعر في أرجوزته: العلم إن طلبته كثيرُ ... والعمرُ عن تحصيلهُ قصيرُ فقدم الأهم منه فألاهم، على هذا الوزان قدم الأهم فألاهم، هذا عنده استعداد ليفهم عنك ويتجاوب معك أكثر من هذا إذاً هذا أعطيهِ حصتين من وقتك لا تعطيهِ حصة واحدة، هناك شخص يستحق ثلاث حصص وهكذا، لكن هذا الذي يستحق حصة واحدة إذا استطعت أن لا تقطعهُ لا تقطعهُ إلا إذا ظهر لك عنادهُ، والعناد كفرٌ فلا فائدة من إضاعة الوقت معه. وهكذا يكون جواب السؤال أن هؤلاء البعض الذين كانوا مثلاً على الخط السلفي ثم انخرطوا في خط حزبي هذا لا ينبغي أن يقاطعهُ بل ينبغي أن نتابعهُ في العلم والتذكير ونحو ذلك، حتى نيئسَ منه لا سمح الله، ونحشرهُ في زمرة المعاندين المستكبرين كما قال ﵇: لا يدخل الجنة من كان في قلبهِ مثقال ذرة من كبر، قالوا يا رسول الله فلان يحب الصوم و ... وإلى آخره ليكون حسناً فذلك من الكبر لا بد أن اختصر الحديث لأني افترض انك تعرفهُ، قالوا إذاً ما هو الكبر، قال: الكبر بطر الحق وغمط الناس، فإذا شعرت من إنسان انه يبطر الحق ويتكبر عليك فانفض يدك منه، أما الآخرون فيجب أن تكون معهم في حدود استطاعتك، وفي هذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور /٥٨١/ ٥٠: ٣٤: ٠٠)

стр. 2523

عدم إقبال طلاب العلم على القرآن الكريم مداخلة: نلحظ أيضاً مما ألحظه مع -الحمد لله- هذه الصحوة الطيبة والإقبال على العلم أن نسبة الإقبال على حفظ كتاب الله وكذلك تفسيره هذه الدروس قليلة جداً. الشيخ: نادرة جداً. مداخلة: إن لم تكن معدومة، فما هو رأيكم؟ الشيخ: هذا أنا ما قلته في بعض الجلسات يا جماعة نريد أن نرى واحداً منكم يحفظ القرآن، حتى أنا مثلاً إذا احتجت إلى آية وأنا لا أستطيع استحضارها، فأنا أستعين ببعضكم، لا يوجد من يحفظ القرآن إلا ما ندر جداً، والسبب هو كله يدور إلى أن طلب العلم اليوم ليس خالصاً لوجه الله، مصيبة هذه .. مداخلة: ومن ذلك أيضاً دروس التفسير، الآن في الرياض عندنا دروس التفسير محدودة جداً. الشيخ: نعم؟ مداخلة: أقول لك .. الشيخ: الآن دور علم الحديث وبس. مداخلة: نعم. الشيخ: والسبب واضح جداً، هو عدم الإخلاص في طلب العلم لله . (الهدى والنور / ٥٩٩/ ٢٣: ٥٠: ٠٠)

стр. 2524

طلاب العلم المبتدؤون الذين يناطحون الكبار مداخلة: وجدت أن -وأستغفر الله أرجو أن يكون إحساسي في غير مكانه، لكنني بدأت ألحظ شيء من هذا- أن بعض طلبة العلم صغار في السن وهم في الجملة طيبون والحمد لله، لكن تجده خمس سنوات أربع سنوات بدأ مثلاً في علم الحديث وتجد أنه يحاول أن يبني نفسه أنه يعارض فلان، مثلاً يعارض الألباني، أو في الفقه يعارض أو حتى يعارض الشيخ عبد العزيز بن باز أو ابن عثيمين، فهذه الظاهرة أخاف منها يا شيخ. الشيخ: نحن رجال وأولئك رجال! مداخلة: بل قالوا هذا، لكن رد عليهم يا شيخ، قال واحد: هم رجال وأنت دجال، لأن مرة كانت القضية عن الصحابة، ووصل النقاش إلى الصحابة، قال: هم رجال ونحن رجال، قال: لا، هم رجال وأنت دجال. الشيخ: الله أكبر! مداخلة: فهذه الملاحظة الآن منذ أيام أتناقش عن طالب علم وجزاه الله خير مهتم في هذا الجانب، فيقول لي واحد من الإخوان: لكنه يعارض الألباني أو يختلف مع الألباني، فصارت القضية .. وفلان يختلف مع الشيخ عبد العزيز،

стр. 2525

وفلان يختلف مع الشيخ ابن عثيمين. مداخلة: كأنها سلم الآن صارت لتحقيق المآرب .. الشيخ: حب الظهور يقطع الظهور. مداخلة: وأعجبتني هذه الكلمة بلغتني عنكم .. الشيخ: هو هذه آفة الشباب في العصر الحاضر إلا من عصم الله وقليل ما هم. مداخلة: لا حول ولا قوة إلا بالله. الشيخ: والله المستعان .. الله المستعان. (الهدى والنور / ٥٩٩/ ٢٧: ٥١: ٠٠)

стр. 2526

حول التسامح مع أصحاب البدع العقدية السؤال: قال بعض الناس إن التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة مذهب تلفيقي لا يمس الإسلام بصلة، فقول هذا الرجل البدع الاعتقادية الغليظة هل هو قيد صحيح، بمعنى هل التسامح مع غير أهل البدع الاعتقادية والغليظة يجوز ومن الإسلام؟ الشيخ: لا شك أن هناك فرقاً في المخالفة بين عقيدة وأخرى، وبخاصة إذا تذكرنا أن التفريق بين العقيدة وبين الأحكام الشرعية العملية هو مجرد اصطلاح، ولقد كان لهذا الاصطلاح أثره السيئ في بعض الفرق الإسلامية قديماً، والجماعات الإسلامية حديثاً، فقد استغلوا هذا التفريق ليردوا وجوب الأخذ بعشرات إن لم أقل المئات من الأحاديث الصحيحة بدعوى أن هذه الأحاديث ليست عملية، وإنما هي اعتقادية فكرية ليس لها علاقة بالأحكام الشرعية، ومن الواضح أنني أعني بهذا البيان من ينسب إليه القول من الماضين ومن يتبناه من المعاصرين أنه لا يجب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، فهذا بلا شك قول باطل لا يقوم عليه دليل من الشرع فضلاً عن العقل إن كان للعقل حجة في الأحكام الشرعية، فيتبنى هذا بعض الأحزاب الإسلامية اليوم، فعارضوا عن الأخذ بأحاديث كثيرة صحيحة؛ لأنها ليست عملية وردي على ذلك أن أي حكم

стр. 2527

شرعي هو أهم من أي عقيدة شرعية من حيث تعلق هذا الحكم بالأمر بالتعبد به إلى الله ﵎، فكل حكم شرعي يتضمن عقيدة ولا عكس، ليس كل عقيدة تتضمن حكماً شرعياً عملياً، والأمر في اعتقادي واضح جداً لا يحتاج إلى كثير من التوضيح لكن حسبنا أن نأخذ مثلاً واحداً من أي عبادة من العبادات التي لا يصنفونها في العقائد؛ لأنها من العمليات، فلو أن رجلاً صلى أو صام أو فعل أي شيء من العبادات المعروفة في الشرع ليس بنية التقرب إلى الله والتعبد إليه كان عمله هباءً منثوراً. إذاً: لا بد أن يقترن مع كل عبادة الاعتقاد قبل كل شيء أن هذه العبادة هي شرع من الله ﵎، فإن فعلها غير مقرون بالعبادة كان عمله هباءً منثوراً، فإذا كان الأمر كذلك نعود الآن إلى أن كل عقيدة يجب أن يتبناها المسلم سواء كانت مقرونة بالعمل أو كانت غير مقرونة بالعمل وبعض العلماء يفرقون بين الأمرين، فيقولون العلميات العمليات وهذا التفريق لطيف، كاصطلاح لا مانع منه، لكن العمليات لا يمكن إلا أن يسبقها العلم .. مداخلة: متضمنة له. الشيخ: بلا شك كما ذكرنا آنفاً، إذا كان الأمر كذلك نعود لنفرق أو لنبين الفرق بين اعتقاد .. (حصل هنا انقطاع صوتي) الشيخ: هل يستوي هذا وذاك، لا يستويان. إذاً: كلاهما اشترك في عقيدة، وعلى حد ما نقلت عمن أشرت إليه بأنه عقيدة

стр. 2528

غليظة وخفيفة، فهذا مثال واضح أن الذي ينكر السنة جملة وتفصيلاً ليس كالذي ينكر جزءاً من السنة، إما لعذر فحينئذ هذا لا إشكال فيه أنه غير مؤاخذ عند رب العالمين، أو لغير عذر كالجهل مثلاً ونحو ذلك، فهذا التقسيم وإن كان لم يعجبني تعبيره بالغلظة، ولا أدري هل نقل هذا باللفظ أم بالمعنى؟ مداخلة: باللفظ يا شيخ. الشيخ: نعم، لكن أعتقد أن التعبير أنه فيه عقيدة أهم من عقيدة، فهذا الواقع كما شرحنا آنفاً. إذاً: الجواب التفريق بين عقيدة وأخرى هذا أمر واقع لا مرد له أولاً، ثم علماء السلف فرقوا فهم مثلاً كفروا الجهمية، وآمنوا بكفرهم، وأفتوا بقتل رأسهم، لكن لا يكفرون مثلاً الإباضية الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة، كذلك المعتزلة الذين يشاركونهم في هذه الضلالة، لكنهم يكتفون بتضليلهم دون تكفيرهم، فهذا أمر في اعتقادي لا ينبغي أن يتناقش فيه من حيث تقسيم العقيدة إلى مهم وإلى أهم. وخذ مثلاً البحث الذي طرقناه في الأمس القريب، وهذا لعله يصلح ليكون مثلاً لقول الآنف ذكره أن كل حكم لا بد أن يقترن به عقيدة، ماذا نقول بأولئك الذين خالفوا قول الرسول صلى الله علي وسلم: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» فقالوا: لا، ليس الأمر كذلك، هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، كما شرحنا أيضاً في الأمس حول حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. ». إذاً: هم اعتقدوا خلاف هذا الحديث فهل نكفرهم؟

стр. 2529

لا ما نكفرهم، فهذا كمثال يمكن أن يكون للعقيدة الخفيفة بحد تعبير من نقلت عنه ذلك التعبير. نعم. مداخلة: ولكن في لفظ التسامح، أما يرى شيخنا أن هذا يتعارض مع ما جاء عن الرسول ﵌ وعن أصحابه وعن سلف هذه الأمة من التحذير من البدع، ويتمثل هذا في قول البربهاري الذي نقلتموه في بعض كتبكم: احذروا صغار المحدثات، فإنها تعود حتى تصير كبارا. وقول ابن مسعود لأولئك النفر الذين رآهم متحلقين في المسجد، قال في آخر الحديث الذي روى عن ابن مسعود عن أبي موسى، قال: فرأيت أولئك النفر يقاتلوننا يوم النهروان. فلفظ التسامح لا يرد عليه أي إشكال؟ الشيخ: أنا لا أفهم من كلمة التسامح التي نقلتها عن المومأ إليه، أن التسامح متعلق بالشخص المعتقد، لا، التسامح يتعلق مع الشخص الآخر المعتقد، أي: هناك رجلان لنعبر عن أحدهم بأنه سلفي والآخر خلفي. الخلفي هذا مبتدع غريق في البدع، فأنا السلفي أتسامح معه لا أتسامح مع البدعة، فأفرق بين بدعة غليظة على حد تعبيره وبين بدعة خفيفة، فأنا أتسامح مع البدع الخفيفة دون الغليظة، لا، ليس هذا هو المقصود. المقصود أنا السلفي أتسامح مع الخلفي في البدعة الخفيفة دون الغليظة، هذا الذي أفهمه، فإن كان هناك وجه للفهم الآخر، فأنا أعتقد أن هذا بلا شك خطأ؛ لأن المسلم يجب أن يمشي سوياً على صراط مستقيم في كل ما جاء عن الله

стр. 2530

ورسوله، لا فرق الآن أقول في العمليات بين فريضة وسنة مؤكدة، وبين نافلة كل هذا وهذا وهذا يجب أن يتبناه المسلم أولاً كاعتقاد أن هذا مشروع، وثانياً كعمل في حدود ما أشرنا إليه آنفاً على مذهب ذلك الأعرابي قال: والله يا رسول الله! .. (الهدى والنور /٦١١/ ٣٩: ١٦: ٠٠)

стр. 2531

الشدة في التعامل مع المخالف مداخلة: يا شيخ! سؤال آخر وهو الأخير: وهو أن هناك من هو سليط اللسان على العلماء بحيث لا يراعي كبير ولا صغير، مثلاً أضرب على ذلك مثالاً: كل من هو وصف بالأشعرية أو قيل: أن معتقده أشعري فتجده يتعرض له في كتبه بأقبح الأقوال، فنريد نصيحة لهذا الرجل، خصوصاً كثيراً من الناس اغتروا به أو يقولون: أن فيه سمات الصالحين، فنريد أن تنصحه يا شيخ! توجه له نصيحة. الشيخ: نعم، جزاك الله خير، أنا أعتقد أن العدل أن يذكر كل مسلم بما فيه من خير وصواب، وأن يذكر بما فيه من خطأ ولا أقول: من شر؛ لأن الشر أخص من الخطأ، أنا أعتقد أن هذا الشخص المشار إليه في السؤال ليس فقيهاً، قد يكون صالحاً ولكن الصلاح شيء والفقه شيء آخر. ولعله يحسن بي أن أذكر بعاقبة الصلاح الذي لم يقترن معه العلم أن يكون عاقبة هذا الصالح أن يحكم على نفسه بالإعدام، كما حدثنا ﵊ في الحديث الصحيح المتفق عليه بين البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، وأراد أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض؟ فدل على راهب» أي: عبد صالح منزو عن الناس لعبادة الله على طريقتهم يومئذٍ من الترهب:

стр. 2532

«فجاء إليه وقال: أنا قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قال: قتلت تسعة وتسعين نفساً وتسأل هل لك من توبة؟ لا توبة لك، فقتله وأكمل به العدد المائة» ويبدو من تضاعيف القصة وسياقها أن رجلاً فعلاً كان مخلصاً في توبته، لكن يريد عالماً يدله على المنهج الذي ينبغي عليه أن ينهجه: «فلم يزل يسأل حتى دل على عالم فجاء إليه وقال له: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ! ولكنك بأرض سوء - هذا جواب العالم - فاخرج منها إلى الأرض الفلانية الصالح أهلها» فخرج يمشي وجاءه الأجل في الطريق فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كل يدعي أنه من حقه، فأرسل الله إليهم ملك يحكم بينهم فقال لهم: قيسوا ما بينه وبين كل من القريتين التي خرج منها والتي قصد إليها، فإلى أيهما كان أقرب فألحقوه بأهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية التي خرج إليها فتولت ملائكة الرحمة إخراج روحه. الشاهد: أظن أن هذا الرجل إذا كان صالحاً كما نرجو فهو ليس فقيهاً، هو لا يتصور وهذا ليس هو فريداً، وهذه أظن أنها فائدة مهمة جداً، كثير من الناس يفرقون بين الخطأ في الفروع وهذا اصطلاح يفرقون بين الخطأ في الفروع والخطأ في الأصول، فيقولون: الخطأ في الفروع مغتفر إذا صدر من اجتهاد، أما الخطأ في الأصول فغير مغتفر، هذا خطأ. والسبب أولاً: لا دليل على هذا التقسيم، أعني: تقسيم الشريعة إلى أصول وفروع، وترتيب هذا الحكم على هذا التقسيم هذا لا أصل له. ثانياً: الأدلة أو بعضها على الأقل تؤكد أن الإنسان لو أخطأ حتى فيما يتعلق بالعقيدة فهو معذور أيضاً، وأكبر دليل على ذلك: حديثان اثنان يمكن الآن أن

стр. 2533

أسردهما سرداً، الحديث الأول: حديث ذاك الرجل الذي جمع أولاده حينما حضره الموت فقال لهم: «أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً، فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم خذوا نصفي فذروه في الريح والنصف الثاني في البحر» فلما مات نفذوا فيه هذه الوصية التي ربما لا يتصور في الجور والبعد عن الشرع أبعد منها: «فقال الله لذراته: كوني فلاناً فكان، فقال الله له: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: ربي خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك». فهذا كفر لا شك أنه كفر، لأنه أوصى بهذه الوصية الجائرة بزعمه: ليضل عن ربه، يذكرنا بقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فهذا الرجل يضمن هذه الوصية أن الله غير قادر على أن يعيده كما كان بشراً سوياً، لكن الله أحياه وقال له: كن فلاناً وخاطبه، لكن الله وهو العليم بما في الصدور عرف من هذا الإنسان أنه ما فعل فعلته أنه كان جاحداً للبعث وللنشور وإنما كان الخوف من العذاب المدخر له والمعترف هو به وأنه مستحق له أعمى بصيرته فأوصى بهذه الوصية الجائرة. أما الحديث الثاني فهو قوله ﵇، وهذا أيضاً مهم جداً وله علاقة بمسألة أهل الفترة، وهذه لها طبعاً مجالس عديدة سبقت وهو قوله ﵇: «ما من رجل في هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» إذاً: هؤلاء الذين لم يسمعوا بالرسول ﵇ وماتوا كفاراً ماتوا مشركين لا يعذبون على شركهم وعلى ضلالهم، بل أقول أكثر من ذلك تفقهاً في قوله ﵇: «يسمع بي» يعني: بحقيقتي؛ لأننا إن تصورنا أن بعض

стр. 2534

الأوروبيين: كالبريطان والألمان وأمثالهم ممن تأثروا بدعوة القاديانيين وآمنوا بأن هناك أنبياء بعد رسول الله ﵌، وأن أحدهم بعث في قاديان، وهو الذي كان معروفاً في نشأته الأولى: بميرزا غلام أحمد القادياني، ثم حرف اسمه فجعله: أحمد لغاية في نفسه معروفة، الشاهد: هؤلاء الألمان والبريطان الذين ضللوا باسم دعوة الإسلام أن الإسلام يقرر مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ وأن هذا أحدهم: ميرزا غلام أحمد القدياني، وأن الإسلام ينكر خلقاً اسمه الجن وله المواصفات المعروفة في الكتاب والسنة إلى آخره، هؤلاء بلا شك أنهم ضلوا، لكنهم هل سمعوا به ﵇ حقاً؟ الجواب: لا، إذاً: هذا الحديث يعطينا: أولاً: من لم تبلغهم الدعوة مطلقاً فهم ليسوا معذبين، لهم معاملة معروفة في عرصات يوم القيامة. ثانياً: إذا بلغتهم دعوة الإسلام مُحَرّفة مُغَيّرة مُبَدَّلة فآمنوا بها أيضاً لا يؤاخذون عليها، إذاً التفريق بين الأصول والفروع هذا انحراف عن الكتاب وعن السنة، لذلك أقول: إن هذا الأخ الصالح إن شاء الله يجب أن يصلح علمه على الأقل في فتواه الجائرة؛ لأن كون الرجل العالم الفاضل منحرفاً في قضية ما من العقائد: كالأسماء والصفات ونحو ذلك مما وقع فيه بعض الأشاعرة وبعض الماتريدية، فيمكن أن يكون ذلك باجتهاد منهم وليس بسوء قصد منهم، فلا يجوز إطلاق هذا القول إلا مقيداً: من علم الحق ثم انحرف عنه فهو كذا وكذا، ثم لا يفرق بين من انحرف في مسألة الأسماء والصفات أو ما يتعلق بالعقيدة وبين من انحرف في حكم شرعي، مثلاً: من عرف أن الحق مثلاً: أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، وهو يضل يصر مكابراً للأدلة، وعلى ذلك فقس وما أكثر المسائل

стр. 2535

الفرعية التي اختلف فيها العلماء والتي بعضها قد يكون أثرها في المجتمع إفساداً أكثر بكثير من بعض المسائل التي هي تتعلق فقط في العقيدة. ترى! من أنكر كبعض الأحزاب القائمة اليوم على الأرض الإسلامية .. أنكر عذاب القبر، ترى! هذا ضرره أكثر أم ذلك الرأي الفقهي الذي يقول: إن الفتاة المسلمة إذا بلغت سن الرشد فيجوز لها أن تزوج نفسها بنفسها دون إذن وليها خلافاً للحديث؟ أي الرأيين أشد إفساداً في المجتمع؟ الأول الذي أنكر عذاب القبر أم هذا الذي أنكر شرط إذن الولي؟ لا شك أن هذا أكثر فساداً، لكن هذا اسمه فروع وذاك أصول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين. مداخلة: جزاك الله خير. (الهدى والنور / ٦٣٥/ ٢٣: ٣٢: ٠٠) (الهدى والنور / ٦٣٥/ ٣٥: ٤٠: ٠٠)

стр. 2536

رأي الشيخ فيمن لا يترحم على العلماء الذين وقعوا في أخطاء عقدية السؤال: ما قولكم يا شيخ فيمن يقول: لا يترحم على من خالف عقيدة السلف كالنووي وابن حجر وابن حزم وابن الجوزي وغيرهم، ومن المعاصرين سيد قطب وحسن البنا مع أنكم تعلمون ما عند البنا في مذكرات الدعوة والداعية وعند سيد قطب في «ظلال القرآن»؟ الجواب: نحن نعتقد أن الرحمة أو بعبارة أصح الدعاء بالرحمة جائز لكل مسلم ومحرمة على كل كافر، فالجواب هذا يتفرع على اعتقاد يقوم في نفس الشخص، فمن كان يرى أن هؤلاء الذين سموا في السؤال وفي أمثالهم، يرى أنهم مسلمون فالجواب عرف مما سبق أنه يجوز الدعاء لهم بالرحمة وبالمغفرة، ومن كان يرى لا سمح الله أن هؤلاء المسلمين الذين ذكروا في السؤال هم ليسوا من المسلمين فلا يجوز الترحم عليهم؛ لأن الرحمة قد حرمت على الكافرين. هذا هو الجواب بالنسبة لما جاء في السؤال. مداخلة: على أساس يقولون هم أن منهج السلف أنهم كانوا لا يترحمون على أهل البدع، فبالتالي يعدون هؤلاء الذين ذكروا في السؤال من أهل البدع، فهم من هذا الباب لا يترحمون عليهم.

стр. 2537

الشيخ: نحن الآن قلنا كلمة، الرحمة تجوز لكل مسلم ولا تجوز للكافر، هل هذا الكلام صحيح أم لا؟ مداخلة: صحيح. الشيخ: إن كان صحيحاً فالسؤال الثاني غير وارد، وإن كان غير صحيح فالمناقشة واردة. ألا يُصَلَّى على هؤلاء الذين يطلق عليهم بعضهم أنهم من أهل البدع، ألا يُصَلَّى عليهم صلاة المسلمين ومن عقائد السلف التي توارثها الخلف عن السلف أنه يصلى وراء كل بر وفاجر ويصلى على كل بر وفاجر، أما الكافر فلا يصلى عليه. إذاً: هؤلاء الذين لا أرى السؤال الثاني حولهم أنهم من أهل البدع، هل يصلى عليهم أم لا يصلى عليهم؟ لا أريد أن أدخل في نقاش إلا إذا اضطررت إلى ذلك، فإن كان الجواب بأنهم يُصَلَّى عليهم انتهى الموضوع ولم يبق للسؤال الثاني محل من الإعراب كما يقول النحويون، وإلا فمجال البحث مفتوح ووارد. مداخلة: طيب والذي يقول يا شيخ لا يصلى عليهم على أساس أنهم من أهل البدع، فكيف يكون الجواب عندك؟ الشيخ: ما هو الدليل؟ مداخلة: يستدل بالسلف، مثلاً يفرق بين الفسق والفجور وأهل البدع الذين يبتدعون في الدين، وما كان أهل السلف يصلي مع أهل البدع ولا يجالسونهم

стр. 2538

ولا يؤاكلونهم ولا يشاربونهم، فمن هذا الباب هو يقول هذا الشيء. الشيخ: حدت، فانتبه. ماذا كان السؤال؟ مداخلة: عن الصلاة عليهم؟ الشيخ: لا، وحق لك أن تحيد؛ لأنك أطلت الجواب في غير جواب، كان السؤال: ما هو الدليل؟ أنت ذكرت الدعوى، والدعوى غير الدليل، أي: من يقول إنه لا يصلى على المسلم المبتدع، ما هو الدليل؟ مداخلة: هو ما عنده دليل إلا بس فقط يستدل بفعل السلف. الشيخ: أهو دليل فعل السلف؟ مداخلة: هكذا يقول. الشيخ: طيب، أين هذا الدليل؟ مداخلة: هو لا يذكر، لكن الكلام دائماً يكون عام في هذا الأمر. الشيخ: طيب، السلف أليس كانوا يقاطعون بعض الأشخاص بذنب ما أو لبدعة ما، فهل معنى ذلك أنهم كفروهم؟ مداخلة: لا. الشيخ: إذاً: حكموا بإسلامه. مداخلة: بلى.

стр. 2539

الشيخ: طيب، نحن ما عندنا وسط بين مسلم وكافر، يعني ما عندنا كالمعتزلة منزلة بين المنزلتين، إما مسلم فيعامل معاملة المسلمين، وإما كافر فيعامل معاملة الكافرين. ثم يا أخي بارك الله فيك هذه مجرد دعوى، أن السلف ما كانوا يصلون على عامة المبتدعة، وعلى كل المبتدعة، هذه مجرد دعوى تقوم في أذهان بعض الناس الطيبين الذين يأخذون المسائل بحماس وبعاطفة غير مقرونة بالعلم الصحيح القائم على قال الله قال رسول الله ﵌، وأنا قدمت لك حقيقة لا يختلف فيها اثنان، وهي إما مسلم وإما كافر، فالمسلم مهما كان شأنه، يصلى ويورث ويورث ويغسل ويكفن ويدفن في مقابر المسلمين، وإن لم يكن مسلماً نبذ نبذ النواة ودفن في قبور الكافرين، ليس عندنا شيء وسط، لكن إن لم يُصَلِّ مُصَلٍّ ما أو عالم ما على مسلم ما فذلك لا يعني أن الصلاة عليه لا تجوز، وإنما يعني أنه يرمي إلى حكمة قد لا تتحقق هذه الحكمة بغيره، مثل الأحاديث الذي لا بد أنك تذكر شيئاً منها التي يقول الرسول ﵇ في بعضها: «صلوا على صاحبكم» ما صلى الرسول عليه، ترى آلرسول الممتنع عن الصلاة على مسلم أهم أم العالم السلفي إذا امتنع من الصلاة على المسلم أهم، قل لي، ما هو الأهم؟ مداخلة: ترك النبي ﵌. الشيخ: حسناً، فإذا كان ترك الرسول الصلاة على مسلم لا يدل أن تركه للصلاة عليه، أنه لا يجوز الصلاة عليه، فمن باب أولى حينئذ ترك عالم من علماء السلف الصلاة على مسلم مبتدع أنه لا يدل على أنه لا يصلى عليه، ثم إن دل أنه

стр. 2540

لا يصلى عليه فهل معنى ذلك أنه لا يدعى له بالرحمة والمغفرة ما دام أننا نعتقد أنه مسلم؟ إذاً: باختصار امتناع بعض السلف عن الصلاة على بعض المسلمين بسبب بدعة لهم فذلك لا ينفي شرعية الصلاة على كل مسلم لأن هذا من باب الزجر والتأديب لأمثاله كما فعل الرسول ﵇ في الذي لم يصل عليه، وليس له ذنب إلا أنه مات وعليه دين، والغال ومن الغنيمة ونحو ذلك، فإذاً هذا الامتناع، أي امتناع الرسول ﵌ أهم من امتناع بعض السلف، فهذا وذاك لا يدلان على أنه لا يجوز الصلاة على المسلم المبتدع. ثم هنا لا بد من بحث، يجب أن نعرف من هو المبتدع، تماماً كما يجب أن نعرف من هو الكافر، فهنا سؤال كما يقولون اليوم يطرح نفسه: هل كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه وكذلك كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه أم الأمر ليس كذلك؟ إذا كان الجواب ليس كذلك نمضي في الموضوع، وإن كان خافياً فلا بد من بيانه، أعيد المسألة بشيء من التفصيل: ما هي البدعة؟ هي الأمر الحادث على خلاف سنة النبي ﵌ يريد بها صاحبها أن يزداد تقرباً إلى الله ﵎، فهل كل من ابتدع بدعة يكون مبتدعاً؟ أريد أن أسمع الجواب باختصار، لا، بلى؟ مداخلة: لا. الشيخ: إذاً: من هو المبتدع؟

стр. 2541

مداخلة: الذي تقام عليه الحجة ويصر بعد ذلك على بدعته؟ الشيخ: حسناً، فهؤلاء الذين نقول نحن عليهم لا يترحم عليهم، هل أقيمت الحجة عليهم؟ الله أعلم. أنا أقول من عندي الله أعلم، أما أنت ماذا تقول .. عندك. مداخلة: نفس جوابك يا شيخ. الشيخ: جزاك الله خير. إذاً: ما هو الأصل في هؤلاء الإسلام أم الكفر؟ مداخلة: الإسلام. الشيخ: طيب، إذاً: الأصل أن يترحم عليهم أليس كذلك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: إذاً: انتهت القضية، فلا يجوز أن نتبنى اليوم مذهباً فنقول: لا يجوز الترحم على فلان وفلان وفلان من عامة المسلمين فضلاً عن خاصتهم، فضلاً عن علمائهم؛ لسببين اثنين، وهذا تلخيص ما تقدم: السبب الأول: أنهم مسلمون، السبب الثاني: أنهم إن كانوا مبتدعين فلا نعلم أنهم أقيمت عليهم الحجة وأصروا على بدعتهم، وأصروا على ضلالهم. لهذا أنا أقول من الأخطاء الفاحشة اليوم أن الشباب الملتزم والمتمسك بالكتاب والسنة فيما يظن هو يقع في مخالفة الكتاب والسنة من حيث لا يدري ولا يشعر، وبالتالي يحق لي على مذهبهم أن أسميهم مبتدعة؛ لأنهم خالفوا

стр. 2542

الكتاب والسنة، لكن لا أخالف مذهبي، الأصل في هؤلاء أنهم مسلمون وأنهم لا يتقصدون البدعة ولا يكابرون الحجة ولا يردون البرهان والدليل، لذلك نقول أخطؤوا من حيث أرادوا الصواب. وإذا عرفنا هذه الحقيقة نجونا من كثير من الأمور الشائكة في هذا الزمان، ومن ذلك جماعة الهجرة والتكفير التي كانت في مصر، وكانت نشرت شيئاً من أفكارها وكانت وصلت إلى سوريا يوم كنت هناك، ثم إلى هنا أيضاً وكان لنا هنا إخوان على المنهج السلفي الكتاب والسنة، تأثروا بتلك الدعوى الباطلة، وتركوا الصلاة مع الجماعة بل والجمعة، وكانوا يصلون في دورهم وفي بيوتهم حتى اجتمعنا معهم، عقدنا ثلاث جلسات، الجلسة الأولى ما بين المغرب والعشاء، وامتنعوا من الصلاة خلفنا، أعني: خلفنا نحن السلفيين، وما أردت أن أقول خلفي؛ لأني سأتحدث عن نفسي، كانوا يقولون نحن نعتمد على كتبك ومع ذلك لا يصلون خلفي؛ لماذا لأنهم لا يكفرون المسلمين الذين هم يكفرونهم، هذا في الجلسة الأولى، في الجلسة الثانية كانت في عقر دارهم، واستمرت إلى نصف الليل، لكن بدأت البشائر والحمد لله تظهر في استجابتهم لدعوة الحق حيث أذنا وأقمنا الصلاة وصلينا هناك قبيل نصف الليل فصلوا خلفنا، هذه الجلسة الثانية. أما الجلسة الثالثة فقد استمرت من بعد صلاة العشاء إلى أذان الفجر، فترة واحدة، وكانت والحمد لله القاضية، وهم إلى اليوم معنا، وقد مضى على ذلك نحو اثني عشرة سنة، والحمد لله. فما هي إلا شبهات جاءتهم من عدم فقههم في الكتاب والسنة، ولعلك تعلم

стр. 2543

يا أخانا خالد بأن التفقه في الكتاب والسنة ليس أمراً سهلاً اليوم بعد أن ورثنا مذاهب شتى، وفرق كثيرة جداً في العقائد وفي الفقه، فلا يستطيع الطالب الناشئ أن يخوض في خضم هذه الخلافات إلا بعد زمن مديد وطويل جداً من دراسة ما يسمى اليوم بالفقه المقارن ودراسة أدلة المختلفين في الأصول وفي الفروع وهذا في الواقع يحتاج إلى عمر مديد أولاً، ثم إلى توفيق من رب العالمين ثانياً حتى يتمكن المسلم أن يحقق الله له دعوته التي سنها لنا رسول الله ﵌ حينما كان يدعو في بعض أدعية صلاة الليل: «اللهم! اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». ولذلك فنحن ننصح شبابنا الناشئ اليوم على مذهب الكتاب والسنة بأن يتئدوا وأن يترووا وأن لا يصدروا أحكاماً يبنونها على بعض ظواهر الأدلة؛ لأنه ليس كل ظاهر ينبغي للمسلم أن يقف عنده، وإلا عاش في بلبلة علمية لا نهاية لها. أظنك تعلم أن أقرب المذاهب إلى الكتاب والسنة هو مذهب أهل الحديث، وأنك تعلم أن أهل الحديث يعتمدون على رواية المبتدعة إذا كانوا ثقات صادقين حافظين، ومعنى هذا أنهم لم يحشروهم في زمرة الكافرين ولا في زمرة أولئك الذين لا يترحمون عليهم، بل أنت تعلم أن هناك في بعض الأئمة المتبعين اليوم، والذين لا يشك عالم مسلم عالم حقاً بأنه مسلم وليس هذا فقط بل وعالم فاضل ومع ذلك فقد خالف الكتاب والسنة وخالف السلف الصالح في غير ما مسألة، أعني بذلك مثلاً أن النعمان بن ثابت أبا حنيفة ﵀ الذي يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والذي يقول: لا يجوز للمسلم أن يقول أنا مؤمن إن

стр. 2544

شاء الله. وأنه إذا قال إن شاء الله فليس مسلماً، لا شك أن هذا القول بدعة في الدين؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة، لكن هو ما أراد البدعة هو أراد الحق فأخطأه، ولذلك ففتح هذا الباب من التشكيك بعلماء المسلمين سواء كانوا من السلف أو من الخلف ففي ذلك مخالفة لما عليه المسلمون وربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وأخيراً: أريد أن أُذَكِّر بحقيقة لا خلاف فيها لكني أريد أن ألحق بها شيئاً لا يفكر فيه شبابنا ... في هذا العصر، تلك الحقيقة هي قوله ﵇ في كثير من الأحاديث: «من كفر مسلماً فقد كفر» هذه حقيقة لا ريب فيها، ومعروف تفصيل هذا الحديث في بعض الروايات الأخرى أنه إن كان الذي كفره كافراً فقد أصاب، وإلا حارت عليه ورجعت عليه، هذا لا يحتاج إلى بحث لأن الحديث في ذلك صريح، لكني أريد أن ألحق به فأقول: من بَدَّع مسلماً فإما أن يكون هذا مسلم مبتدعاً، وإلا فهو المبتدع وهذا هو الواقع الذي قلته لكم آنفاً أن شبابنا يبدعون العلماء وهم الذين وقعوا في البدعة، لكنهم لا يعلمون ولا يريدون البدعة بل هم يحاربونها، لكن يصدق عليهم قول من قال قديماً: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل لذلك نحن ننصح شبابنا ليلتزموا العمل بالكتاب والسنة في حدود علمهم ولا يتطاولوا على غيرهم من من لا يقرنون بهم علماً وفهماً، وربما وصلاحاً، فمثل النووي ومثل الحافظ ابن حجر العسقلاني، أعطنا اليوم في العالم الإسلامي مثل هؤلاء الرجلين، ودعك والسيد قطب، هذا رجل نحن نجله على

стр. 2545

جهاده، لكنه لا يزيد على كونه كان كاتباً، كان أديباً منشئاً، لكنه لم يكن عالماً، فلا غرابة أن يصدر منه أشياء وأشياء وأشياء تخالف المنهج الصحيح، أما من ذكر معه مثل النووي وابن حجر العقسلاني وأمثالهم فهم ... من الظلم أن يقال عنهم إنهم من أهل البدعة، أنا أعرف أنهما من الأشاعرة لكنهما ما قصدوا مخالفة الكتاب والسنة وإنما وهموا وظنوا أن ما ورثوه من العقيدة الأشعرية، ظنوا شيئين اثنين، أولاً: أن الإمام الأشعري يقول ذلك وهو لا يقول ذلك إلا قديماً؛ لأنه رجع عنه، وثانياً: توهموه صواباً وليس بصواب. هات مددك ... مداخلة: يا شيخ .. كان السلف من منهجهم أن لا يحكموا على الرجل أنه من أهل السنة إلا إذا اتصف بصفات السنة، وأنه إذا ابتدع أو أثنى على أهل البدع يعد منهم، كما كان يقول السلف مثلاً، من قال إن الله ليس في السماء فهو جهمي. الشيخ: يوجد شيء من ذلك، لكن لا تنسى ما قلته لك آنفاً، هذا لا يعني أنه ليس مسلماً، كما أن امتناع الرسول ﵇ من الصلاة على الذي مات وعليه دين أو على الذي غل أو على الذي قتل لا يعني أنه ليس مسلماً، هذا يا أخي من باب التأديب كما سبق أن قلنا ذلك، هذا شيء آخر، الآثار السلفية إذا لم تكن متضافرة متواترة فلا ينبغي أن يؤخذ عن فرد من أفرادها منهج، عن فرد من أفرادها لا ينبغي أن يؤخذ من ذلك منهج، ثم يكون هذا المنهج خلاف ما هو معلوم عن السلف أنفسهم، أن المسلم لا يخرج من دائرة الإسلام بمجرد معصية أو بدعة أو ذم يرتكبه، فإذا وجدنا من يخالف هذه القاعدة لجأنا إلى تأويلها بما ذكرته لك آنفاً أن هذا من باب التعزير والتأديب.

стр. 2546

عندنا في الإمام البخاري وما أدراك ما الإمام البخاري، بعض علماء الحديث ترك الإمام البخاري ولم يرو عنه، لماذا؟ قال: لأنه فصل بين قول من يقول القرآن مخلوق هذا ضال مبتدع كافر على حسب اختلاف العلماء في تعابيرهم، وبين من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق»، الإمام أحمد ألحق من قال بهذه القولة لفظي بالقرآن مخلوق بالجهمية، وبناء على ذلك حكم بعض من جاؤوا بعد الإمام أحمد على البخاري بأنه لا يؤخذ منه لأنه قال قولة الجهمية، الجهمية لا يقولون لفظي فقط بالقرآن مخلوق، يقولون القرآن هو ليس كلام الله إنما هو مخلوق من خلق الله . فماذا يقال في البخاري الذي قال كلمة لفظي بالقرآن مخلوق، والمحدثون ومنهم الإمام أحمد، الذي يقول من قال هذه الكلمة فهو جهمي؟ لا يمكن أن نصحح كلاً من الأمرين إلا بتأويل صحيح يتماشى مع القواعد، وقبل أن أمضي، أنت أظن تفرق معي بين من يقول القرآن مخلوق، وبين من يقول لفظي بالقرآن مخلوق، أليس كذلك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: إذاً: بماذا نجيب عن كلمة الإمام أحمد من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. ماذا نجيب عن هذا الكلام؟ لا جواب إلا ما ذكرته لك، تحذيراً من أن يقول المسلم قولاً يتخذ ذريعة لأهل البدعة والضلالة وهم الجهمية، فقد يقول قائل لتوريط من حوله لفظي بالقرآن مخلوق، وهو يعني نفس القرآن، لكن ليس ضروري كل مسلم يتكلم

стр. 2547

بهذه الكلمة يكون قصده ذاك القصد السيئ نفسه، فالآن الإمام البخاري هو ليس بحاجة إلى أن يزكى، فالله قد زكاه حيث جعل كتابه بعد القرآن الكريم كله مقبولاً عند عامة المسلمين على ما بينهم من خلاف، فإذاً: هو حينما قال لفظي بالقرآن مخلوق عنى شيئاً صحيحاً، لكن الإمام أحمد خاف فقال: من قال كذا فهو كذا، إذاً: هذا من باب التحذير وليس من باب الاعتقاد أن من قال كذا فهو حقيقة جهمية، لا. ولذلك إذا وجدنا في بعض عبارات السلف الحكم على من واقع بدعة بأنه مبتدع، فهو من باب التعزير وليس من باب الاعتقاد. لعله يحسن ذكره بالمناسبة الأثر المعروف عن الإمام مالك لما جاءه سائل قال: يا مالك! الاستواء؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل فإنه مبتدع. فهو ما صار مبتدعاً بمجرد ما سأله عن الجواب، لكن أراد أن يفهم شيئاً لكن خشي الإمام مالك أن يرمي وراء ذلك مخالفة للعقيدة السلفية، فقال أخرجوا الرجل فإنه مبتدع. انظر الآن كيف الوسائل تختلف، هل ترى أنت وأنا وبكر وعمر وزيد .. إلى آخره، لو سألنا واحد من عامة المسلمين أو من خاصة المسلمين مثل هذا السؤال؟ نجيبه نفس جواب مالك ونلحقه [بذلك الرجل] فنقول: أخرجوا الرجل فإنه مبتدع؟ لا، لماذا؟ لأن الزمن اختلف، فالوسائل التي كانت يومئذ مقبولة اليوم ليست مقبولة؛

стр. 2548

لأنها تضر أكثر مما تنفع، وهذا الكلام له صلة بمبدأ المقاطعة المعروفة في الإسلام، أو الهجر في الله. كثيراً ما نسأل فلان صديقنا وصاحبنا لكنه لا يصلي، يشرب دخان، يفعل كذا .. إلى آخره، نقاطعه؟ أقول له: لا تقاطعه، لأن مقاطعتك له هو الذي يريد هو، مقاطعتك له لا تفيده، بالعكس بتسره وتجعله في ضلالة، وأذكر بهذه المناسبة مثل ثاني بالنسبة لذاك الرجل الفاسق التارك للصلاة تاب، وراح يصلي أول صلاة في المسجد وإذا به يجد الباب مغلقاً، قال له أنت مسكر وأنا مبطل، فهذا الفاسق هل يريد هذا المسلم يقاطعه، هذا لسان حاله، أنت مسكر أنا مبطل، ... لأنه صحبة الصالح للطالح بتحجر عليه من صلاحه، وهذا الطالح لا يرده، فإذا الصالح قاطعه فذلك ما يريده، لذلك فالمقاطعة وسيلة شرعية يراد بها تحقيق مصلحة شرعية، وهو تأديب المهاجر المقاطع، فإذا كانت المقاطعة لا تؤدبه بل تزيده ضلالاً على ضلال، حينئذ لا ترد المقاطعة في ذلك. نحن اليوم لا ينبغي أن نتشبث بالوسائل التي كان يتعاطاها السلف لأنهم كانوا ينطلقون بها من موقف القوة والبدعة، واليوم شاهدوا كيف أوضاع المسلمين، ضعفاء في كل شيء، ليس فقط في الحكومات، الأفراد، الأمر كما قال ﵇: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، قالوا: من هم يا رسول الله؟ ! قال: ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» فلو نحن فتحنا باب المقاطعة والهجر والتبديع لازم نعيش في الجبال، إنما نحن واجبنا اليوم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

стр. 2549

وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. مداخلة: من تمام المسألة شيخنا، هذه المسألة كما لاحظتم من المسائل التي تتردد اليوم كثيراً، .. البحث التالي أنبه حول شيء حتى تتم الفائدة إن شاء الله، وهذا شيء يذكره الإخوة الذين يتبنون هذه المسائل، يقولون نحن نقول بعد الترحم عنهم؛ لأن الترحم ليس بواجب وجائز، نحن لا نمنع ولا نحرم الترحم، ولكن نمتنع منه حتى لا يكون فيه نوع ثناء وتزكية ومدح لأهل البدع هؤلاء الذين قد لا نقول إنهم مبتدعة مثلاً، ونحكم عليهم بأنهم مبتدعة من الكبراء، ولكن مثلاً لا نثني عليهم ولا نقول هم أئمة مثلاً، إذا ورد ذكر النووي لا نقول قال الإمام النووي، بل هم يتجنبون أحياناً ويتحاشون النقل عنهم والعزو إليهم، حتى بعض إخواننا في محاضرة له نقل عن بعض هؤلاء نقولاً سلفية في الحقيقة وتؤيد المنهج، فقالوا له كيف أنت تنقل عن هؤلاء؟ وأعني بهؤلاء الآن ليس من ذكرهم شيخنا بأنهم مثلاً ابن حجر أو النووي، ولكن نقل مثلاً عن السيد قطب وقال كيف تنقل عن هؤلاء، وهؤلاء معروفون أنهم ليسوا سلفيين، فأنت وبصفتك سلفياً إذا نقلت عنهم، فكأنك ... عليهم وبالتالي تقول للناس هؤلاء سلفيون، وهذا سبيل للتغرير من الناس بهؤلاء فلعلهم يصبحون كمثلهم في البدعة والانحراف والبعد عن الجادة. فإذا رأيتم يا شيخنا التعليق على هذه. الشيخ: أنا لا أعتقد أن هذا مقصدهم أولاً، وثانياً أنه لو كان هذا مقصدهم أنه أسلوب في التوعية، فأنا سأقول:

стр. 2550

هؤلاء الذين أشرت إليهم هل يقرؤون فتح الباري أم لا يقرؤونه؟ أيما الأمرين افترض فهو خطأ بالنسبة إليهم، إن قيل لا يقرؤون، إذاً: من أين يفهمون صحيح البخاري شرحاً وفقهاً وخلافاً ومصطلحاً وحديثاً .. إلى آخره، سوف لا يجدون فيه الشروح عند البخاري في الدنيا كلها سلفية، لا يجدون سلفياً كما نريد نحن شرح البخاري، ثم إن وجد مشروحاً فسيوجد من شروح هي رؤوس أقلام فقط، أما هذا البحر الزاخر من العلم المتضمن والمفتوح على صاحب الفتح به عليه، كما لا يجدوا في أي كتاب من الكتب التي تولت الكلام على صحيح البخاري. إذاً: هم سيخسرون علماً كثيراً، فإن كانوا يعنون أو يضمنون هذا الكلام تحذير الناس في جملة ما يحذرون أنهم ما ينتفعون من كلام هذا الإمام خسروا العلم مع أنهم بإمكانهم أن يجمعوا بين جلب المصلحة ودفع المفسدة كما هو شأن العلماء، الآن لا يوجد عالم في الدنيا من بعد العسقلاني ومن بعد النووي إلى اليوم يمكنه أن يستغني من الاستفادة من شرحيهما، هذا للبخاري وذاك لمسلم، ومع ذلك فهم حينما يستفيدون من كتابيهما هم يعرفون أنهم في كثير من المسائل أشاعرة ومخالفون لمنهج السلف الصالح، فاستطاعوا بعلمهم وليس بجهلهم أن يأخذوا من هذين الكتابين أو من صاحبها من العلم ما ينفعهم، وأن يعرضوا عما يضرهم ولا ينفعهم، فأريد أن أقول أنا أخشى ما أخشاه أن يكون وراء هذا الكلام المعسول هو التحذير من الانتفاع من كتبهم، وحينئذ فيه خسارة. وإذا قالوا نحن ننتفع من كتابهما ونقرأهما ونقرئهما أيضاً، حينئذ ما فائدة هذا

стр. 2551

الأسلوب بالامتناع عن الترحم، وهو مسلم كما قلنا في أول الكلام، ثم ما الفائدة أو ما الثمرة بين قولهم: نحن لا نقول بأنه لا يجوز الترحم، لكنننا لا نترحم؛ لأنه خاض البدعة، قد ذكرنا آنفاً ليس كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه، ليس من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، هذا تلبسه الكفر وذاك تلبسته البدعة، وقد قلنا نحن هذا. فإذاً: هذا التحفظ لا فائدة منه الآن، ثم يا أخي سلفية وخلفية هل العلماء الذين ورثنا عنهم هذه الدعوة الطيبة، أهكذا كان موقفهم من أمثال هؤلاء الأئمة كموقف هؤلاء أو هذا النشء الناشئ الجديد ممن يدعي السلفية، أولئك كانوا كهؤلاء، العكس هو الصواب، الطبيعي أن يكون هؤلاء كأولئك الذين سبقونا إلى هذه الدعوة الصالحة، غير ذلك؟ (الهدى والنور/٦٦٥/ ٥٥: ٠٠: ٠٠)

стр. 2552

التفريق بين البدعة المُكَفِّرة والمُفَسِّقة في الحكم على الرجل بأنه من أهل السنة السؤال: البعض يقول إن من ابتدع بدعة مكفرة يخرج عن أهل السنة، ومن ابتدع بدعة مفسقة لا يخرج عن أهل السنة، وحتى لو أقيمت عليه الحجة، وأصر عليها، هل يعد من أهل السنة حينئذ؟ الشيخ: أعد. السؤال: البعض يقول أن من ابتدع بدعة مكفرة يخرج عن أهل السنة .. الشيخ: أولاً، ما هي البدعة المكفرة وما هي البدعة غير المكفرة؟ مداخلة: بدعة مفسقة وبدعة مكفرة. الشيخ: ما هي؟ مداخلة: المكفرة كأن يبتدع بدعة كفرية مثل القول بعدم استواء الله على العرش ونحو ذلك، والبدعة المفسقة كأن يقع في بدعة من بدع العبادات كالمولد مثلاً. الشيخ: هذا كلام غير صحيح، هذا الكلام منشؤه من علم الكلام، التفريق بين البدعة الأصولية، والبدعة الفروعية، أو البدعة في الأحكام والبدعة في

стр. 2553

العبادات، هذا التفريق هو بدعة. أرأيت لو أن رجلاً جاء إلى سنة من سنن الرسول ﵌ كسنة الفجر مثلاً، فجعلها أربعاً وأصر على ذلك، من أي نوع هذه البدعة، الأولى المكفرة أو المفسقة؟ مداخلة: على التقسيم تكون من المفسقة. الشيخ: هذا كلام باطل، من الأشياء التي ورثها الخلف عن السلف وأعني هنا بكلمة السلف غير المعنى الاصطلاحي بيننا، هو التفريق بين الخطأ في الفروع والخطأ في الأصول، الخطأ في الفروع مغتفر، الخطأ في الأصول غير مغتفر، والحديث المعروف صحته: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد»، هذا في الفروع، أما في الأصول فالخطأ غير مغفور، هذا لا أصل له لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في أقوال السلف الصالح، وما يوجد في أقوال السلف الصالح فيها ترهيب شديد عن البدعة مطلقاً سواء كانت في العقيدة أو كانت في العبادة، أنا ذكرت آنفاً في الحقيقة: «من كفر مسلماً فقد كفر» وألحقت بها: من بدع مسلماً .. إلى آخره؛ لأن الحقيقة لا فرق عندي بين كفر وبين بدعة، لو أن مسلماً ابتدع بدعة وتبينت له بدعته وأصر عليها كالمثال الذي أوردته آنفاً، فهو كما لو أنكر استواء الله على خلقه، أو أنكر أن القرآن من كلامه أو .. أو .. إلى آخره، لا فرق بين هذا وهذا إطلاقاً، لا سلباً ولا إيجاباً، إيجاباً نقول هذا كفر بالشرط المذكور آنفاً أقيمت عليه الحجة، وذاك كفر بالشرط المذكور آنفاً، بعد إذ قامت الحجة، هذا إيجاباً، سلباً أي لا تكفر لا في هذا ولا في هذا إلا بالشرط المذكور.

стр. 2554

أعود المعتزلة والخوارج يلتقون في بعض الضلالات ويختلفون في بعض، مثلاً الخوارج يلتقون مع المعتزلة بالقول بأن القرآن مخلوق، وقد ذكرت لك آنفاً أن المحدثين لا يكفرون الخوارج، إذاً: كيف نجمع في ذهننا أن من أنكر عقيدة فهو كافر، أما من ابتدع بدعة في العبادة فهو فاسق، وها نحن نرى أئمة الحديث يروون عن الخوارج وعن المعتزلة مع أنهم يخالفون العقيدة الصحيحة في غيرما مسألة، فهم مثلاً هؤلاء الذين قالوا بأن كلام الله مخلوق ينكرون أيضاً رؤية الله في الآخرة، هذا الإنكار والذي قبله ينصب عليهما تعريفنا السابق، هو كفر لكن ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، كيف نوفق حينما نجد أئمة الحديث وأئمة السلف كابن تيمية وابن القيم يحكمون بضلال الخوارج والمعتزلة ولا شك، لكن لا يقولون بأنهم كفار مرتدون عن دينهم؛ لأنهم يضعون احتمال أن الأمر شبه لهم أولاً، وأن الحجة لم تقم عليهم ثانياً، نرجع لأصل موضوعنا الأول أن هؤلاء مبتدعة، لكن ما ندري هل هم قصدوا البدعة، هل أقيمت الحجة عليهم .. إلى آخره، هذا هو منهج العلماء يحكمون بضلال المعتزلة وبضلال الخوارج وبضلال الأشاعرة في غيرما مسألة، لكنهم لا يكفرونهم، لا يخرجونهم من دائرة الإسلام، للاحتمال الذي ذكرناه آنفاً، وهو يعود إلى أمرين أذكر بهما: الأول أنهم ما قصدوا الابتداع والمخالفة وهكذا .. ثانياً: أننا لا ندري أقيمت الحجة عليهم أو لا، فإذاً: حسابهم إلى الله ولنا ظاهرهم، فظاهرم الإسلام وماتوا على الإسلام ودفنوا في مقابر المسلمين، فإذاً هم مسلمون. فالتفريق إذاً بين البدعة المكفرة والبدعة المفسقة هذا أولاً تفريق اصطلاحي

стр. 2555

ناشئ من علماء الكلام، وثانياً لا دليل عليه إطلاقاً. وأختم الكلام على هذه المسألة بالتذكير بحديث يدلك على ما ذكرته آنفاً أن ليس كل من وقع في الكفر تلبسه الكفر ووقع الكفر عليه، أعني به حديث البخاري من رواية صحابيين جليلين وهما أبو سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، قالا: قال رسول الله ﵌: كان فيمن قبلكم رجل حضرته الوفاة فجمع أولاده حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فإني مذنب على ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً، فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في البحر ونصفي في الريح، فمات فحرقوه بالنار فذروا نصفه في الريح ونصفه في البحر، فقال الله لذراته كون فلاناً فكان، قال الله : أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: رب خشيتك. قال: اذهب فقد غفرت لك. فالآن نحن نتساءل كفر هذا الرجل أو لم يكفر؟ مداخلة: كفر. الشيخ: كفر، لكن الله غفر له. مداخلة: ما كفر. الشيخ: أما سمعت، لقوله: ولئن قدر الله علي، ما كفر؟ مداخلة: بهذا القول نعم. الشيخ: أنا ما حددت، قلت كفر أم لا؟

стр. 2556

ونحن نعلم من القرآن الكريم أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، كيف الجمع؟ الجمع يفهم من الكلام السابق، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، لا يغفر أن يشرك به عامداً متعمداً، ما رأيك بهذا القيد؟ مداخلة: جيد. الشيخ: كويس، لكن موجود في الآية؟ مداخلة: غير موجود. الشيخ: هل أتينا به على هوانا؟ مداخلة: لا. الشيخ: هكذا الشريعة لا تؤخذ من آية من حديث واحد، وإنما من مجموع ما جاء به المسألة، لذلك ليس فقط المسائل الفقهية يجب أن تجمع كل نصوصها حتى نعرف الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمطلق من المقيد، .. إلى آخره، بل العقيدة أولى من ذلك بكثير، فحينما يشرح العلماء هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، عادة لا يتعرضون لمثل هذه التفاصيل، لأن الأمر فيما يبدو لهم واضح ولا يحتاج إلى مثل هذا التفصيل، لكن حينما تأتي الإشكالات والشبهات فهنا يضطر العالم أن يبين ما عنده من علم، فهذا الرجل الذي أوصى بوصية لا أتصور أنها في الجور والظلم والضلالة يمكن أن يكون لها مثل، يحرقوه في النار لكي يضل على ربه، والله يقول: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]،

стр. 2557

مع ذلك ربنا غفر له؛ لأن الكفر ما انعقد في قلب هذا الإنسان، وإنما هو تصور ذنوبه مع الله وخوفه منه وأن الله إذا وصل إليه أنه سيعذبه عذاباً شديداً، هذه الرغبة وهذه الخشية أعمت عليه العقيدة الصحيحة، فأمر بهذه الوصية الجائرة، والحديث واضح، «اذهب فقد غفرت لك». إذاً: لا ينبغي نحن أن نتصور أن السيد قطب وقع في وحدة الوجود مثلاً كما نحن نعتقد أنه قاصدها وعقد القلب عليها مثل ابن عربي هذا الذي أضل ملايين من المسلمين الصوفيين إلى آخره، ربما هذه .. فكرية صوفية وهو سجين خطرت في باله وما أحاط بالمسألة علماً، فكتب تلك العبارة التي كنت أنا من أول من انتقدها، ما نحكم عليه بالكفر، لأننا ما ندري انعقد الكفر في قلبه ثم هل أقيمت الحجة عليه وبخاصة وهو في سجنه أنى له ذلك؟ لهذا لا نربط بين كون المسلم وقع في الكفر وبين كونه كافر، ما نربط بين أمرين، هذا أولاً وقد تكرر هذا تحذيراً، وثانياً لا نفرق بين البدعة في العقيدة وبين البدعة في العبادة، كلاهما إما ضلال وإما كفر. ولعل في هذا القدر كفاية يا أبا عبد الرحمن. (الهدى والنور/٦٦٤/ ٠٥: ٤٦: ٠٠)

стр. 2558

هل يجوز الثناء على أهل البدع مداخلة: هل يجوز الثناء على أهل البدع وإن ادَّعوا خدمة الإسلام، وأنهم يسعون وراء ذلك كالترابي ومن على شاكلته؟ الشيخ: الجواب يختلف باختلاف المقام، إذا كان المقصود بالثناء على مسلم نظنه مبتدعاً ولا نقول إنه مبتدع بعد تلك المحاضرة الطويلة نفرق بين الأمرين إن شاء الله، فإذا كان المقصود بالثناء عليه هو الدفاع عنه تجاه الكفار فهذا واجب، أما إذا كان المقصود بالثناء عليه هو تزيين منهجه ودعوة الناس إليه -ففي تفصيل- لا يجوز. نعم. مداخلة: جزاك الله خير. (الهدى والنور/٦٦٤/ ١٥: ٠٠: ٠١)

стр. 2559

هل يلزم شيء غير إقامة الحجة في التكفير والتبديع والتفسيق مداخلة: هل يلزم غير إقامة الحجة في الحكم على الكافر بأنه كافر والمبتدع بأنه مبتدع والفاسق بأنه فاسق في الاقتناع وإزالة الشبهة؟ الشيخ: لا يلزم، لكن الذي يلزم هو العلم الذي يقيم الحجة، أي هو وارث رسول الله ﵌ وليس كل فرد من الأفراد. (الهدى والنور/٦٦٤/ ٠٥: ٠٧: ٠١)

стр. 2560

هل يجوز التجسس على أناس يريدون الضرر بعلماء الأمة الملقي: هل يجوز التجسس على أناس أرادوا الضرر بعلماء الأمة أو دعاة الأمة؟ من أجل نبعد هذا الضرر عنهم هل يجوز التجسس؟ الشيخ: أعتقد أنه سؤال ينقض بعضه بعضاً، كيف عرف هذا الذي يريد أن يتجسس أن هناك أناساً يريدون الضرر بالأمة إلا بالتجسس. مداخلة: ههه ههه (الهدى والنور /٦٧٤/ ٥٧: ٤٣: ٠٠)
следующие страницы →