Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
الشيخ: أراد الاستيطان في بلاد الكفر.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا منهي عنه طبعاً، المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما قال ﵇، أي: لا يتجاوران؛ وذلك لأن المسلم إذا عاش في جو كفر قد يتشرب فيه من عاداتهم ومن تقاليدهم من حيث لا يشعروا، نعم.
جرت لي واقعة .. سافرت مرة إلى بريطانيا مع الشيخ محمد عبد الوهاب البنا ويومئذ كان صيام رمضان، قيل لنا في قرية بعيدة عن لندن يمكن نحو مائتين كيلو متر أن هناك شاب هندي متدين ومتزي بزي الإسلام ملتح فأثنوا عليه خيراً فقصدناه، وجلسنا على مائدة الطعام للإفطار فرأيته قد عقد العقدة هذه التي يسمونها (الجرافيت) فتحدثت مطولاً في موضوع قوله ﵇: «من تشبه بقوم فهو منهم» وذكرت ما كان يحضرني يومئذ من الأحاديث التي تنهى عن التشبه بالكفار، فوجدت الرجل قد استجاب فوراً مع أنه يتعشى ورماها أرضاً، بقدر ما سررت من هذه الاستجابة السريعة أسفت حينما سمعت كلامه حول هذه القضية، حيث قال: أنا والله يا أستاذ! إنما أضع هذه فقط لأن هنا من البريطانيين ينظرون إلى إخواننا الفلسطينيين نظرة احتقار؛ لأنهم لا يضعون (الجرافيت) هذه ويضعوا القميص هكذا مفتحاً زر فينظرون إليه نظرة احتقار، لكي لا ينظر الأوربيون إليه هذه النظرة هو وضع هذا العقال، قلت له: سبحان الله! يعني: أنت تتأثر بذوق البريطانيين الكفار وتضع الجرافيت هذه متشبهاً بهم وتأبى أن تتشبه بإخوانك المسلمين.
فالشاهد: أن الاستيطان في بلاد الكفر فيه محاظير كثيرة جداً ...
(الهدى والنور / ٧٩/ ٤.: ٥٢: .. )
стр. 3292
الزواج من الكتابيات
السؤال: يقول السائل: نرجو تفصيل القول في حكم الزواج من الكتابيات، فإن كان المنع فنرجو تفصيل سبب التحريم وبيانه؟
الجواب: لا شك أن الأصل في الزواج من الكتابيات هو الإباحة، وذلك منصوص في الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] لكن هذه الإباحة ليست واجبة، وكثير من المباحات قد يحيط بها في بعض الأحيان ما يدخلها في باب الممنوع وغير الجائز بل والمحرم.
خلينا نضرب مثل بسيط جداً: رجل عنده زوجة والزوجة صالحة ولا عيب فيها ويريد أن يتزوج عليها، وهذا جائز أيضاً التزوج بالكتابية.
﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] لكنه يعتقد أنه لا يستطيع أن يعدل بين القديمة وبين الجديدة، فما حكم هذا الزواج الثاني الذي أصله الإباحة؟ ينقلب هذا الحكم إلى أنه لا يجوز، لماذا؟ لأن هذه الإباحة مقيدة بنص القرآن بالعدل، مقيدة بنص القرآن الكريم فلا يجوز.
كذلك حينما ربنا أباح للمسلم أن يتزوج بالكتابية كانت هذه الإباحة ليس في أول الإسلام، لم تكن الإباحة والمسلمون ضعفاء وفي مكة، كانت هذه الإباحة حينما بدأ دولة الإسلام تثبت وجودها وتنشر ظلها على ما حولها من البلاد بحيث أنه صدق في ذلك الوقت وليس وهو في مكة، صدق قوله ﵇ وهناك قال ﵇: «فضلت على الأنبياء قبلي بخمس، منها:
стр. 3293
ونصرت بالرعب مسيرة شهر» حين ذاك شرع الله للمسلمين أن يتزوجوا من الكتابيات، لأن الدولة والصولة والمجتمع صار إسلامياً.
فكل من دخل فيه بطريق زواج بل وبطريق الاسترقاق استفاد من حيث أنه هو رقيق. انظروا هذه الملاحظة فإن فيها دقة.
يقول الرسول ﵇ في الحديث الصحيح: «إن ربك ليعجب من أقوام يجرون إلى الجنة في السلاسل» من هم؟ كأسرى من الكفار يصبحون أرقاء ويوزعون على المسلمين الذين انتصروا عليهم فيصبح خادماً رقيقاً في بيت المسلم، لكن هذا الرق يعود عليه بالسعادة في الدنيا قبل الآخرة، لأنه يصبح مسلماً عارفاً بالله وبرسوله فيسعد السعادة التي كان يشقاها من قبل كما يشهد بذلك قوله تعالى أولاً ثم واقع الكفار اليوم ثانياً: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
فالغالب اليوم. نعم. الغالب اليوم يعيش هذه الحياة الضنكا، وهكذا طبيعة الكفار في كل زمان وفي كل مكان، فحينما ينتقل الرقيق بطريق لا يعجبه بطبيعة الحال مأسور مغلل في الأصفاد ينتقل إلى بلاد الإسلام ويعيش رقيقاً خادماً رغم أنفه لا يأخذ أجراً، وإن حصل هو أجراً بمهنة له فهذا الأجر يعود إلى سيده، لكن مع ذلك والتاريخ يشهد أن من كبار علماء المسلمين من كان أصله رقيقاً فصاروا من العلماء، من الصالحين الأتقياء، نحن الأحرار نأخذ علمنا عن أولئك العبيد لكن هم في الحقيقة هم الأحرار.
من أين جاء هذا؟ من الرق. احفظوا هذا أولاً.
حديث آخر يقول الرسول ﵇، وهذا من عجائب بلاغة الرسول عليه
стр. 3294
السلام: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم» أيش عوان عندكم؟ يعني: أسيرات، يعني مثل ... اللي يجر بالسلاسل، كما ندعو للنساء التي زوجتموهن: «استوصوا بهن خيراً فإنهن عوان عندكم» ليش عوان؟ ليش أسيرات؟ لأنها مأمورة أن تطيع زوجها: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].
فإذاً: هذا الرق يعود بالفائدة إلى من؟ إلى الزوجة لو كانت مسلمة فما بالكم إذا كانت كتابية؟ فشأنها شأن الرقيق الأول الكافر حينما يأتي مغللاً إلى بلاد الإسلام، شأن هذه المرأة النصرانية أو اليهودية حينما يتزوجها المسلم أنها بطريق الزواج تصبح تتعرف على الإسلام عن كثب وعن قرب فينشرح قلبها للإسلام، بينما وهي بعيدة عن هذا الجو الخاص كانت أكبر عدوة للإسلام.
وهذا يذكرني بأن النبي ﵌ والحديث كما يقال: ذو شجون، لكنه الحقيقة من عجائب أحاديث الرسول ﵇ وسيرته الكريمة، يذكرني بأنه ﵇ حينما استصفى لنفسه صفية اليهودية وكانت وقعت أسيرة وخرجت من نصيب رجل من الصحابة فقال بعض الناس أنها لا تصلح إلا لك.
الخلاصة: الرسول اصطفاها لنفسه وأعطى من كانت من حصته خمس أو ستة رؤوس من الأسرى، يعني من العبيد.
الشاهد تقول صفية: أنه كنت قبل ذلك أبغض الرسول كأشد ما أبغض إنسان على وجه الأرض، لكن لما دخلت في عصمة الرسول وشافت لطفه وتحققت من وصف الله له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] صار رسول الله أحب إليها ممن على وجه الأرض كلهم.
إذا لاحظنا هذه المعاني حينئذ نعرف السر لماذا أباح الله للمسلمين أن يتزوجوا الكتابيات؟ لأن كما يعبرون اليوم باللغة الأجنبية البوتقة يعني الظرف اللي ستوجد فيه ستدمغها وتطبعها بطابعها.
стр. 3295
أما اليوم فالأمر اختلف أشد الاختلاف، اليوم لا يوجد هذا الطابع الإسلامي وهذا الظرف المسلم الذي يطبع هذه المرأة اليهودية أو النصرانية بطابع الإسلام، بل على العكس من ذلك كما هو مشاهد في كثير من الأزواج الذين يتزوجون بكتابيات يأتون بفساد يدخلونه إلى دارهم وإلى بيتهم فتقوم هي تربي الأولاد التربية الأوربية، وربما تتولى تربية الزوج أيضاً لأنه ليس عنده تلك الحصانة التربية الإسلامية، ولهذا نحن نقول: إنه لا يجوز اليوم لأي مسلم أن يسافر إلى بلاد الغرب ولو في سبيل ما يسمونه اليوم بالعلم إلا بشرطين اثنين:
الشرط الأول: أن يكون محصناً (( ... انقطاع ... )) لكنها لطيفة، أن يكون محُصَّناً بالأخلاق الإسلامية، أما مُحْصَناً فمعروف هذا تعبير شرعي أن يكون متزوجاً وبذلك يحفظ نفسه من أن يتسرب إليه الشيء من فساد ذلك المجتمع الذي اضطر للذهاب إليه من أجل تحصيل العلم الذي ارتضاه لنفسه وبشرط أن يكون هذا العلم في نظر الإسلام مقبولاً مشروعاً جائزاً على الأقل.
فإذاً نحن نقول اليوم: لا يجوز أن يتزوج المسلم بغير المسلمة، لأن هذه غير المسلمة ليست تدخل جواً إسلامياً تنطبع بأخلاقه لأنه نفس الجو هذا ليس إسلامياً، لأنه عم نشوف نحن نساءنا المسلمات وبناتنا المسلمات ما نستطيع نربيهم تربية إسلامية، إلا ما قل وندر جداً والنادر لا حكم له كما يقال، فكيف ندخل إلى بيوتنا من يكون أبعد ما يكون عن عقائدنا وأخلاقنا وسلوكنا فضلاً عن عاداتنا؟ لذلك نسأل الله ﵎ أن يلهمنا رشدنا، وأن يوفقنا للتفقه في كتاب ربنا وفي سنة نبينا وعلى منهج سلفنا الصالح فإنهم هم القوم لا يشقى جليسهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(الهدى والنور /٢١٩/ ٢٤: ٤٣: ٠٠)
(الهدى والنور /٢١٩/ ٤٦: ٥٢: ٠٠)
стр. 3296
باب منه
في الأمس القريب كان عندي زوار سهروا معنا، جاء السؤال التالي:
هل يجوز للمسلم أن يتزوج بنصرانية أو يهودية؟
كان الجواب: الأصل أنه يجوز، لكن في هذا الزمان أنا أقول: لا أرى ذلك؛ لأن هذا الزواج سيترتب من ورائه مفاسد؛ بسبب اختلاف الجو الإسلامي عن جو الإسلام الأول، وبسبب اختلاف تربية أهل الكتاب الآن عن تربيتهم في ذاك الزمان؛ في ذاك الزمان مع أنهم كفار ومشركين، لكن كان عندهم شيء اسمه غيرة، شيء اسمه شرف، كانوا يهتمون بالمحافظة على أعراضهم، لكن اليوم مثلما أنت ترى القضية هناك في أوروبا وأمريكا ..
(حصل هنا انقطاع صوتي)
الشيخ: أراد أحد المسلمين وهذا الواقع اليوم، ما نسمع إلا نادراً جداً أن مسلماً تزوج بكتابية من المواطنين كما يقولون في العصر الحاضر، يعني: من بلده، وهي نصرانية أو يهودية، وإنما الذي يقع أنه شاب من الشباب يسافر إلى أوروبا وأمريكا، وهناك ربما خادن واحدة من هؤلاء الكافرات، فتعجبه ويعجبها، فيأتي بها زوجة وحليلة لها.
مداخلة: من أجل الجرين كارد.
الشيخ: هذا الذي أقول أنا لا يجوز للسببين المذكورين آنفاً، مجتمعنا
стр. 3297
الإسلامي اليوم غير المجتمع، مجتمعهم الكافر غير ذاك المجتمع من الناحية الخلقية، وأنتم تعلمون بعضهم رؤية ومشاهدة، وبعضكم سماعاً، أن اليهوديات والنصرانيات العايشات في البلاد الإسلامية كانوا متجلببات، وكنت تراها وما تفرق بينها وبين المسلمة؛ لأنها تأثرت بالجو الإسلامي التي عاشت فيه، لكن هذا الآن مفقود تماماً في أوروبا، فهو يأتي بها على زيها، على تبرجها، وعلى بالغ زينتها .. وإلى آخره، هذه زوجتي، فماذا سيكون مصير الأولاد الذين يرزقون من هذين الزوجين؟
لا شك أنه يكون في الغالب تربيتهم لن تكون تربية إسلامية، لهذا نقول مع أن الأصل في ذلك الإباحة، ولكن قد يعرض للأمر المباح ما يجعله ممنوعاً وغير مباح، هذا تماماً كموضوع تعدد الزوجات.
(الهدى والنور/٢٨٢/ ٣٣: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٢٨٢/ ٥٦: ٠٢: ٠٠)
стр. 3298
باب منه
السؤال: يقول السائل: نرجو تفصيل القول في حكم الزواج من الكتابيات؟
الشيخ: (انقطاع) فلتة في التعبير لكنها لطيفة، أن يكون محصَّنا بالأخلاق الإسلامية، أما محصَناً فمعروف هذا تعبير شرعي أن يكون متزوجاً، وبذلك يحفظ نفسه من أن يتسرب شيء من فساد ذلك المجتمع الذي اضطر للذهاب إليه من أجل تحصيل العلم الذي ارتضاه لنفسه، وبشرط أن يكون هذا العلم في نظر الإسلام مقبولاً مشروعاً جائزاً على الأقل.
فإذاً: نحن نقول اليوم: لا يجوز أن يتزوج المسلم بغير المسلمة؛ لأن هذه غير المسلمة ليست تدخل جواً إسلامياً تنطبع بأخلاقه، لأنه نفس الجو هذا ليس إسلامياً، نحن نرى نساءنا المسلمات وبناتنا المسلمات ما عاد نستطيع نربيهم تربية إسلامية إلا ما قل وندر جداً، والنادر لا حكم له كما يقال، فكيف نُدْخِل إلى بيوتنا من يكون أبعد ما يكون عن عقائدنا وأخلاقنا وسلوكنا، فضلاً عن عاداتنا، لذلك نسأل الله ﵎ أن يلهمنا رشدنا، وأن يُوَفِّقنا للتفقه في كتاب ربنا وفي سنة نبينا، وعلى منهج سلفنا الصالح، فإنهم هم القوم لا يشقى جليسهم.
(الهدى والنور/٢٩٠/ ١٠: ٢٨: ٠٠)
стр. 3299
باب منه
مداخلة: فيه عندنا ... يعني: زواج يعني بالنسبة لزواج المسلم من النصرانية الآن.
الشيخ: نحن بتزوج من المسلمين ما احنا خالصين، فالله يهدينا.
مداخلة: يعني فلا يجوز؟
الشيخ: ما بيجوز اليوم؛ لأنه ربنا لما أباح قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
(الهدى والنور/٣٢٨/ ٣٠: ٣٠: ٠٠)
باب منه
مداخلة: السؤال الثالث يتعلق بموضوع الزواج من الكتابيات، إذا كان الأمر بالنسبة لمرافقة المشركين أو معاشرتهم .. إلى آخره، فكيف نوفق بين هذا وبين ...
الشيخ: ليس هناك تعارض بين الأمرين شتان ما بينهما، مخالطة المشركين أولاً مخالطة الضعيف للقوي، مخالطة القليل للكثير، بينما سماح الشارع الحكيم للمسلم أن يتزوج بالكتابية هي بالعكس تماماً، فهي وحيدة وضعيفة والزوج هو القوي أولاً بكونه رجلاً، وثانياً بكونه رب عائلة، فهو أقوى منها،
стр. 3300
ودائماً القوي هو الذي يؤثر في الضعيف وليس العكس، ولذلك فافترقا تماماً، ومن ملاحظتنا لهذه الملاحظة نحن اليوم لا نرى جواز تزوج المسلم بالكتابية، خاصة إذا كانت كتابية غربية أو أمريكية، والسبب في هذا من نفس القرآن الكريم أولاً، ثم من التفقه المشار إليه في كلامي آنفاً ثانياً، أما القرآن فهو لم يطلق الإذن بزواج المسلم من الكتابية وإنما قيدها بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولا يخفى على الجميع أن المحصنات إنما تعني هذه الكلمة العفيفات، وأين العفة اليوم في النساء الأوروبيات أو الأمريكيات خلاف القاعدة الآن أن تجد عفيفة في بعض تلك البلاد، هذا خلاف الأصل وكما يقال أيضاً أقول: الإنسان ينسى خاصة إذا بلغ من الكبر عتياً، لكن هناك أشياء لأهميتها لا تنسى أبد الزمان، حدثني رجل من العسكريين الأتراك، هذا طبعاً قبل أربعين أو خمسين سنة وأنا شاب، وأذكر في دكاني في دمشق كان من الجنود الأتراك الذين وصلوا النمسا في الفتوحات العثمانية القديمة، هو كان ضابط، حدثني بأن النمساويين هناك القابلة عندهم، النظام المتبع لديهم أنها حينما تتولى تلقي الجنين من بطن الحامل تنظر إن كانت أنثى فوراً فضت بكارتها؛ لكي لا تعير فيما بعد أن هذه مفضوضة البكارة، يعني أنها مسافحة؛ لأنه معروف مسبقاً أن بكارتها تفض وهي بعد لما سقطت من بطن أمها، لكثرت الفساد والزنا .. إلى آخره، أوحى إليهم الشيطان هذه الوسيلة، فإذاً المحصنات ..
بينهم، ولذلك فنحن لا نشجع الشباب المسلم أن يتزوجوا من الكتابيات اليوم؛ لأن الحقيقة كما سبقت الإشارة آنفاً في مناسبة مضت كما أن المجتمع الإسلامي اليوم في محافظته على الأخلاق الإسلامية دون المستوى الإسلامي الأول، كذلك المجتمع النصراني، صحيح المجتمع النصراني واليهودي كانوا على انحراف كبير جداً، خاصة في العقيدة فيما يتعلق بالتوراة والإنجيل لكن كانوا
стр. 3301
على شيء من الهدى والتقى والعفاف، ولعل الكثيرين منكم يذكر أن النصرانيات واليهوديات في بلاد الإسلام كن يتجلببن ويلبسن الملاءة السوداء التي تلبسها المسلمات، هذا كما كان في الزمان الأول، أما اليوم المسلمات كما يقولون عندنا بالشام (شلطوا) إلا من عصم الله منهم، فما بالك بالكتابيات، لذلك نحن لا نرى أبداً للمسلم أن يتزوج بالكتابية لما ذكرت آنفاً.
ثانياً وأخيراً عندنا كساد في الزواج ذكرت لكم اليوم صباحاً أن تلك الأم تشكي أن عندها ثلاثة بنات من سن سبع وعشرين وتحت لعلها مسحورة، لأنه كلما أتى خاطب لا يروه، ربما يكون فيه سحر، معناه أن المجتمع الآن غير المجتمع السابق، المجتمع السابق كان من نظامهم يزوجون أولادهم وهم صغار، وقصة عبد الله بن عمرو بن العاص الذي زوجه فتاة من قريش وكان بينه وبين أبيه خمسة عشر سنة، معناها أبوه تزوج صغيراً.
إذاً: زوج ابنه صغيراً، لكن الولد ما شاء الله متعبد زاهد قائم الليل صائم النهار، فلما سأل العم بنته: كيف حالك أنت وزوجك، قالت: نعم الرجل هو ولكنه لم يطأ لنا بعد فراشاً، هكذا كانوا من قبل.
الآن ما شاء الله الشاب يصبح عمره ثلاثين والفتاة كذلك ليس هناك زواج، هذه الدراسة التي لا فائدة منها إلا ما ندر والنادر لا حكم له، لا يتزوج الواحد إلا بعد الثلاثين.
مداخلة: ... المرأة المشركة، ولأنه مثلما سمعت ... المجتمع الأوروبي يقلد، فهي التي تربي الأبناء.
الشيخ: هذه مصيبة كبرى.
مداخلة: والطامة الكبرى التي نلمسها ونراها الآن في البيوتات المختلفة، أن
стр. 3302
الأم هي التي تأخذ على مدارس ... بالمدرسة، ويخترن المدارس التبيشرية.
مداخلة: ... هل الكتابيات اللواتي كن في عهد النبي ﵌ كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم.
الشيخ: أي لا شك، معلوم.
مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أحل الزواج منهم ولم يكن هذا الزواج مشروطاً بتغيير دينهن إلى الإسلام.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ... هل ... لما تحدثنا على ... أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالاً ويذكون.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق.
الشيخ: ...
مداخلة: فطعامهم ما عاد حلاً لنا.
الشيخ: هو هذا.
مداخلة: ... مشركات.
الشيخ: هن مشركات لكن كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابياً أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات.
مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك.
стр. 3303
الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنس هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركاً لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: سمعت الكلمة في هذا.
مداخلة: لا ما سمعت.
الشيخ: إذاً لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة تريد بحث.
الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الخالق لهذا الكون خالقاً، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقاً، لو أن مسلماً حتى لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك.
مداخلة: لا.
الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح.
الشرك في اللغة أخف من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركاً، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركاً، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغة كفر، لكنه ما أشرك، أما شرعاً فقد أشرك
стр. 3304
أيضاً، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، إذاً: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهاً.
إذاً: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهاً، وليس من الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركاً، وإليك الآن النص الصريح للقرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: و ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٥].
هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا بأنه أشرك.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨].
فهو قال له: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ لأنه اعتبره مشركاً حينما قال: (ما أظن أن تبيد هذه أبداً .. وما أظن الساعة قائمة)
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ
стр. 3305
السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤٢].
إذاً شركه كان شكه في البعث والنشور، إذاً: الشرع وقدمت آنفاً التعليل يعتبر كل كفر شركاً، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابناً لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد.
مداخلة: هو مشرك لأنه كافر.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: ...
الشيخ: كل كافر مشرك.
(الهدى والنور /٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠)
(الهدى والنور /٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠)
стр. 3306
ضابط الكتابي الذي يجوز مناكحته
والأكل من طعامه
السائل: ما هو الضابط لبقاء الكتابي على دينه الذي يجيز لنا الزواج منه وأكل طعامه؟
الشيخ: ضابطه أن يظل منتسباً إليه اسماً وليس عملاً لأن هذا لم يكن قائماً يوماً ولا في يوم نزل قوله ﵎ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وقد قال فيهم ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] هذا جوابي.
مداخلة: لو وجد هناك شخصاً نصرانياً ينكر البعث أو ينكر وجود الرب ينطبق عليه هذا الحكم؟
الشيخ: لا هذا يكون خرج عن ملة النصرانية.
مداخلة: وهو ينتسب إلى النصرانية؟
الشيخ: نعم ينتسب، شو معنى الانتساب ليس معنى الانتساب أن لا يدين بالنصرانية لكن قد يخل بكثير من النصرانية الحق التي جاء بها عيسى ﵊ أما إذا أنكر النصرانية جملة وتفصيلاً فهو شر بلا شك من المسلم الذي ارتد عن دينه ولا يفيد أن يسمى أحمد بن محمد.
(الهدى والنور / ٧٩١/ ٠٣: ١٢: ٠١)
стр. 3307
كيف تتزوج الفتاة في الدول الكافرة
مداخلة: سؤال: يقول: في الدول التي لا تقيم شرع الله وليست فيها محاكم شرعية، هل يجوز للفتاة التزويج لنفسها عن عضل وليها، إذا كان لا يجوز فما الدليل الشرعي؟
الشيخ: لا يوجد في تلك الدولة مسلمين؟ لا يتصور هذا! يعني: ..
مداخلة: الدول لا تقيم نفسها لا تقيم ...
الشيخ: نعم، أنا أعرف لكن أسأل: ألا يوجد فيها مسلمين صالحين .. ألا تستطيع أن تتصل ببعض البلاد الإسلامية وتوكل رجلًا تثق بدينه وبعلمه إن لم يوجد مثله في بلدها، فلا يجوز القول بأنها تزوج نفسها بنفسها إلا بعد أن تسد الطرق كلها، وهذا أبعد ما يكون عن الواقع.
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٢٩: ٥٢)
стр. 3308
الهجرة من بلاد الكفر
стр. 3309
الهجرة من الدار التي يكثر فيها الفسق
مداخلة: بالنسبة أن كثيراً من البلدان لا تُطَبِّق الشريعة الإسلامية، وهناك من الزناة، ومن القتلة من يقتلون ومن يزنون ضمن الزناة يكون ثيب، فما حكمه إن أراد أن يتوب إلى الله ، هل يخرج من بلده التي لا تُطَبِّق الإسلام إلى دولةٍ ما تطبق الإسلام فيعترف لولي الأمر هناك فيطبقون عليه الحد؟
الشيخ: سؤالك له شعبتان: الأولى: هل يخرج، والأخرى: هل يسلم نفسه للقضاء الشرعي؟
أما ما يتعلق بالشعبة الأولى: فنقول: يخرج، ويجب أن يخرج إن وجد مخرجاً؛ لأنه مع الأسف اليوم أصبح الوضع في المجتمعات وفي الحكومات الإسلامية يكاد المسلم لا يتمكن بسبب النظم القائمة فيها من الفرار بدينه، والخروج بنفسه من البلد الفاسد أهلها، فإن وجد مخرجاً وجب أن يفعل ذلك؛ لأنه هذا هو السبيل ليخلص المسلم نفسه من أن يتورط بالوقوع في بعض المعاصي أو الفواحش.
وقد جاء في ذلك حديث رائع جداً: أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً» فأراد أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب أي: على جاهل لا علم عنده ولكنه متعبد، وهذه مصيبة عامة الناس بسبب الغفلة والجهالة المسيطرة على عامة الناس يتوهمون أن الصلاح ملازم للعلم،
стр. 3310
كما أن ناساً آخرين يتوهمون أن العلم ملازم للعمل الصالح، وكلاهما قد وقد قد يجتمعان وقد يفترقان، يعني: قد يكون الرجل عالم وصالح، أو على العكس لفظاً قد يكون صالحاً وعالماً أيضاً، وهذا كما كانوا يقولون قديماً: نادر وأعز من الكبريت الأحمر أن يكون الإنسان عالم وعامل بعلمه؛ لأن العلم اليوم أصبح مهنة، وأصبح تجارة وأصبح وظيفة يعتاش به صاحبه، بينما ينبغي أن يكون العلم كما تعلمون خالصاً لوجه الله ﵎، وعلى العكس من ذلك: نجد جماهير الصالحين يتقربون إلى الله، ويتعبدون الله ﵎ بالجهل، وليس بالعلم، فهذا الجاني على نفسه الذي قتل تسعة وتسعين نفساً لما أراد أن يتوب إلى الله وأن يرجع إليه سأل سؤالاً صحيحاً عن أعلم أهل الأرض كان الجواب خطأً دل على عابد، على راهب أي: جاهل، فأتاه، قال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قال: قتلت تسعة وتسعين نفساً وتطمع في التوبة لا توبة لك، فقطع رأسه من أجل يكمل العدد مائة على الكامل، لكن الرجل يبدو من سيرته التي قصها علينا نبينا صلوات الله وسلامه عليه أنه كان مخلصاً، وجاداً في معرفته لطريقة توبته، ورجوع إلى ربه، فاستمر يسأل، واستمر يسأل حتى دل على عالم فأتاه فقال: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة، وهنا الشاهد: ولكنك بأرض سوء فاخرج منها، فعزم وخرج، كان من تمام نصيحة العالم حقاً لما قال له: ولكنك بأرض سوء فاخرج منها قال: واذهب إلى
القرية الفلانية الصالح أهلها، فخرج يمشي إلى القرية الصالحة في منتصف الطريق جاءه ملك الموت، أو جاءه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل يدعي أنه أولى من الآخر بقبض روحه ملائكة الرحمة نظراً للخاتمة التي أقدم عليها، ملائكة العذاب نظراً لحياته كلها، ومن شؤمها أنه قتل مائة نفس، فأرسل الله ﵎ إليهم حكماً
стр. 3311
قال لهم: قيسوا ما بين المكان الذي مات فيه، وما بينه وبين كل من القريتين التي خرج منها، والتي قصد إليها، فوجدوه أقرب إلى هذه من تلك بمقدار ميل الإنسان في مشيته، فتولته ملائكة الرحمة.
الشاهد: هذا الحديث، مما يحسن أن يفسر به مثل قوله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
هذه عبرة نأخذ منها درساً وعظة وهي: أن الرجل إذا كان يعيش في بلد أهلها فاسقون ظالمون، أو على الأقل من ذلك كان يعيش في قرية أو في محلة صغيرة يغلب على أهلها الشر والفساد فعليه أن ينجو بنفسه، وأن يغير البيئة التي يعيش فيها؛ لأن الحديث السابق وأحاديث أخرى مثله كلها تدل مجتمعة على أن البيئة لها تأثير في النفوس إن كانت صالحة فصلاحاً، وإن كانت فاسدة ففساداً، لذلك حكى لنا الرسول ﵇ هذه النصيحة التي وجهها ذلك العالم حقاً إلى ذلك المجرم قال: إنك بأرض سوء فاخرج منها.
فنحن نأخذ من هذه القصة عبرة أن المسلم يجب ألا يعيش في مجتمع سوء، في مجتمع فاسد بل عليه أن يختار المجتمع الصالح قد أكد الرسول ﵇ هذا المعنى، المأخوذ من ذاك الحديث في أحاديث أخرى كثيرة منها: قوله ﵊: «مثل الجليس الصالح كمثل بائع المسك إما أن يحذيك» يعطيك مجاناً، «وإما أن تشتري منه، وإما أن تشم منه رائحة طيبة، ومثل الجليس السوء كمثل الحداد إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تشم منه رائحة كريهة».
فأنت أيها المسلم إذا خالطت الصالحين فلابد أنك ستكسب من صلاحهم إن قليلاً أو كثيراً، والعكس بالعكس إن صاحبت الطالحين الفاسقين فلابد من أن تكسب شيئاً من طلاحهم وفسادهم، إن قليلاً أو كثيراً كما قلنا آنفاً.
стр. 3312
وكذلك قوله ﵇: «من جامع المشرك فهو مثله» جامع أي: خالطه وساكنه، «من جامع المشرك فهو مثله» أي: يتأثر به فيصبح عمله كعمله، أكد ﵊ هذا المعنى في حديث آخر، وهو قوله ﵇ وهو حديث رائعٍ جداً من حيث تصويره لكيف ينبغي أن يبتعد المسلم عن الكافر - فقال ﵇: «أنا برئٌ من كلِّ مسلم يقيم بين المشركين»، المسلم والمشرك لا تتراء نارهما» يعني: كانوا قديماً كما تعلمون يوقدون النيران في خيامهم أو أمام خيامهم، فيعرف من بعيد أن هناك بيت من خيش من خيمة، فيقصده الطارق فيقول الرسول ﵇: «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما» أي: لا يكون مسكن أحدهما من الآخر من القرب بأن أحدهما يرى ما يرى الآخر، وإنما يذهب من بعيد، وبعيد جداً بحيث أنه لهب النيران مهما كانت مشتعلة، ومهما كانت ملتهبة إلى السماء، فلا ترى؛ لأن المسلم ابتعد عن مسكن هذا المشرك؛ حتى لا يتأثر بعاداته وتقاليده وأخلاقه، وهذه حقيقة نلمسها مع الأسف في هذا الزمان لمساً تارة جماعياً ما يحتاج إلى أن يقال: انظر إلى كل الناس هكذا تأثروا بالمجتمعات الكافرة التي سيطرت على البلاد الإسلامية فضلاً عن المجتمعات الكافرة التي قصدها المسلمون مع الأسف للعلم زعموا، أو للكسب المادي أو ما شابه ذلك، لم يكن المسلمون قبل بالكثير قبل قرن من الزمان لا يعرفون بعض العادات التي نحن نحياها اليوم في شخص أكثر المسلمين، ما كان المسلمون يعرفون قديماً أبداً أن الرجل يتأنث ويتخنث بحلق لحيته، وأحياناً مع لحيته شاربه، فيصبح امرأة خاصة إذا كان شاباً غضاً طرياً لا تكاد تفرق بينه وبين فتاة هيفاء جميلة إلى آخره.
لم تكن هذه العادة أبداً معروفة قبل استعمار الكفار لهذه الديار أو تلك، كذلك ما هو أهون من ذلك: ما كنت ترى المسلمين ينطلقون في أعمالهم فضلاً
стр. 3313
عن أنهم يدخلون إلى مساجدهم وهم حسر مكشوفين الرؤوس مع ملاحظة أو التنبيه إلى أن ثمة فرقاً بين حلق اللحية فهو فسق، وبين حسر الرأس وهو إخلال بالأدب الإسلامي كيف صار هذا وهذا؟
جاء الأوربيون جاء الانجليز هنا وفي مصر فجاؤوا بعاداتهم، واحتل الفرنسيون سوريا وأيضاً: جاؤوا بعاداتهم كنا ونحن في سوريا في بعض الأدوار التي مرت بنا جاء الجيش البريطاني بعد أن انسحب الجيش؟ الفرنسي، الجيش الفرنسي أو يمكن الشعب الفرنسي كله عادته أن الرجال يحلقون شواربهم ولحاهم، فعمت هذه الضلالة في شباب المسلم عندنا في سوريا؛ لأن الاستعمار الفرنسي حكم بلادنا يمكن خمس وعشرين ثلاثين سنة ما أحفظ التاريخ جيداً.
لما رحل الفرنسيون كما يقال إلى غير الرجعة وحل محلهم بريطانيون وإلا البريطانيون يحلقون لحاهم، ويُوَفِّرون شواربهم تغيرت الحياة الاجتماعية بين السوريين، كان الشباب من قبل على نظيف شارباً ولحية، صاروا الآن يوفرون ماذا؟ شواربهم لماذا؟ ذاك الاستعمار.
هذا دليل واقعي أن البيئة تُؤَثِّر في أصحابها خاصة إذا كانت البيئة مدعمة بقوة مادية أو بقوة معنوية، لكني أقول مزعومة؛ لأن كثيراً من الجهلة لما ينظرون هذه القوة هؤلاء الكفار الأوربيين أو أمريكيين يأخذون بها، ويظنون أنهم على شيء من الهدى والنور، وإنما هم في ضلال مبين، هذا في الأثر قلت نراه في المجتمع العام، لكن هناك تأثيرات تظهر في بعض الأفراد بسبب يتعلق بشخصه، وليس فقط بالمجتمع الذي يحياه ويعيش فيه.
قدر لي أنني سافرت قبل نحو عشرين سنة إلى بعض البلاد الأوربية إلى سويسرا مثلاً وألمانيا وبريطانيا وأسبانيا التي هي الأندلس الضائع بسبب فسق
стр. 3314
المسلمين، وجرمهم والتاريخ يعيد نفسه، فخرجنا من لندن مدعوين لزيارة قرية فيها بعض الدعاة الإسلاميين الباكستانيين من جماعة المودودي ﵀، وكان ذلك في يوم من أيام رمضان، فأكرمنا الرجل وسمته سمت مُفْرِح وملتحي، لكن من زاوية أخرى محزن لماذا؟ لأنه شد الطوق على عنقه أي: الذي يسموه، فجلسنا على المائدة على الإفطار نتحدث، وأنا كواجبي انطلاقاً من قوله نبينا: «إنما الدين النصيحة إنما الدين النصيحة».
رأيت هذا الرجل عنده ثقافة إسلامية جيدة، عنده تدين أيضاً؛ لأنه ملتحي في بلاد الكفر والضلال، لكن ما بال هذه العقدة؟ فتكلمت عن مبدأ التشبه بالكفار، ونهي الرسول ﵊ في غير ما حديث عن التشبه بالكفار، وأشهر هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم».
طرقت هذا الباب بتوسع لا يسعني الوقت الآن عليه أو على مثله، لكن الرجل كان عند حسن ظني به، فقد فهم الموضوع فهماً جيداً، وتجاوب معنا عملاً فرضياً حيث مد يده وهو على الطعام وفك العقدة ورماها أرضاً قلنا: الحمد لله، لكن ما كادت فرحتي تتم إلا وقد تبعها ترحة يعني: ضد الفرحة كيف ذلك؟ وهنا الشاهد: قال: الحقيقة إنه أنا ما وضعتها تشبهاً انظروا الآن هنا في يعني: في نكتة فظيعة جداً قال: ما وضعتها تشبهاً، ولكن القوم هنا يعني: البريطانيين لهم نظرة خاصة في الفلسطنيين الذين هناك, الفلسطينيون عادتهم هو يقول: أنهم يفتحوا القميص من هنا زر، ولا يحطوا ايش؟ العلاقة هذه فكأنه صار شعار للفلسطينيين
стр. 3315
عند البريطانيين، إذا رأوا هذا المرأى أو نظروا هذا المنظر حكموا أنه هذا فلسطيني، وكيف معنى فلسطيني عندهم؟ يعني: هذا من سقط المتاع يعني: هذا لا قيمة له، انظر الداعية المسلم ماذا يقول، يقول: حتى ما ينظر البريطانيون إلينا، هذه النظرة المزرية فأنا وضعتها قلت: سامحك الله.
مداخلة: خربها.
الشيخ: خربت، قلت: أنت تقيم وزناً في نظرة هؤلاء الكفار في إخوانك المسلمين؟ هذه يعني: ربنا يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] أنت عكست الموضوع، أذهبت الحسنة بهذه السيئة، فأرجو أن تتوب إلى الله من هذه القولة، ومن هذه الكلمة في أنك أفهمتني هنا الشاهد: بأنك متأثر بمفاهيم هؤلاء الناس، وبتقاليدهم وعاداتهم وأذواقهم حتى تجاوبت معهم بلا شعور، ووضعت هذه العقدة؛ لكي لا ينظروا إليك تلك النظرة.
انظروا إذاً كيف أن الحديث الأول: اخْرُج من هذه القرية، فالخروج هذا مما جاءت به شريعة الإسلام تؤكد على كل مسلم أن يحوط نفسه بمجتمع صالح؛ لأن الصلاح ينتج الصلاح، والفساد ينتج الفساد.
فنسأل الله أن يلهمنا أن ننطلق في كل أعمالنا وحياتنا على هدي نبينا محمد ﵌، وأن يتوفانا على التوحيد، والإيمان الصحيح.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
ما يمكن بد نصلي، ولكن.
مداخلة: لا لا، تفضل.
الشيخ: لأنه نحن كنا قلنا: إنه في سؤاله شعبتان تكلمنا عن الشعبة الأولى
стр. 3316
وبقي الكلام شعبة أخرى، ولا نقول الثانية؛ لأن الثانية تستدعي الثالثة، وليس عندنا ثالثة.
مداخلة: بارك الله فيك.
الشيخ: وفيك.
فبقي علينا الجواب عن الشعبة الثانية وهي:
هل عليه أن يُسَلِّم نفسه للقضاء الشرعي ويُنَفَّذ فيه الحد الذي يستحقه؟ الجواب: لا، لا يجب ذلك عليه، وإن كان يجوز، ويجب أن نُفَرِّق بين لا يجب، وبين يجوز، ذلك مما يدل عليه مجموعة من النصوص بعضها توجيه من الرسول ﵇ لكل من اجترح أو ارتكب معصية أن يسترها.
(الهدى والنور /٢٠١/ ٤٣: ٣٧: ٠٠)
(الهدى والنور /٢٠١/ ٠٥: ٤٩: ٠٠)
стр. 3317
الهجرة من البلاد التي تُحَارب فيها الدعوة
مداخلة: شيخنا! أنا مرسل من شباب أهل بغداد وهناك سؤال يَحِيْك في صدورهم ولا يجدون له جواباً عند علماء أهل بغداد، السؤال هو: هل البقاء في بلاد المعصية أو الفسوق أو الكفر إذا صح التعبير أن نسميها بلاد كفر .. هل البقاء في هذه البلاد أولى وأفضل مع نشر الدعوة إلى الله تعالى وبيان السنن وتطبيق السنة وتعليم الناس أمور الدين .. هذا أفضل أم الهجرة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى والقتال مع أهل الدين أفضل؟
الشيخ: هذا سؤال يتكرر سواء كان متعلقاً بالعراق أو بمثيلاتها سوريا أو ليبيا أو نحو ذلك.
أولاً: في سؤالك ما ينبغي تحرير المقال فيه، وقبل ذلك لا بد لي من تنبيهك؛ لأن بعض إخواننا يبتدؤون السؤال بالسلام عليكم، هذا الابتداء لا نعرفه في السنة؛ لأنك أنت جالس معنا فلا فارقتنا حتى تدخل علينا وتباشرنا بالسلام كما هو السنة، فأنت معنا وفينا جالس؛ ولذلك لا نعرف في السنة أن أحد السلف الصحابة أو غيرهم إذا سألوا الرسول ﵇ أو غيره سؤالاً قدموا بين يدي السؤال: السلام عليكم، أنا أقول لك أيضاً: السلام عليكم لكن ليس هذا محله.
وبالمناسبة أقول: اليوم ونحن ذاهبون إلى المسجد لصلاة الجمعة كنا نسمع خطبة الجمعة من المسجد الحرام، وإذا بالخطيب الفاضل المحترم يورد الآية ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يذكر الآية، هذا أيضاً من الأخطاء
стр. 3318
الماشية سواء بين العلماء أو بين القراء، إذا أراد أن يستشهد بآية ابتدأها بالاستعاذة، هم يظنون أن هذا من تطبيقهم لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] هذه آية لا إشكال فيها، وهنا يظهر أهمية الدعوة التي نحن ندندن حولها، وفي الأمس القريب كنا في بعض المجالس في السهرة ودندنا حول بحث طويل خلاصته: أنه يجب علينا أن نتلقَّى تفسير القرآن على منهج السلف الصالح .. القرآن يُفَسَّر بالسنة، والسنة تُفَسَّر بتطبيق السلف الصالح لها.
القرآن الآن يأمر بالاستعاذة بين يدي التلاوة ترى! هل كان رسول الله ﵌ كلما نزع بآية واستدل بها في مناسبة ما ابتدأها بالاستعاذة؟ لا، إنما الاستعاذة المأمور في الآية السابقة بها هي إذا جلست لتلاوة القرآن .. إذا جلست لتلاوة القرآن فلا بد لك من الاستعاذة، وقد يكون لا بد لك أيضاً من التسمية لكن التسمية ليس ذلك دائماً: إذا ابتدأت السورة من أولها وكانت غير سورة التوبة فتفتتح التلاوة بالاستعاذة وبالبسملة، أما إذا ابتدأت القراءة من وسط السورة أو من آخرها فتبتدئ التلاوة بالاستعاذة فقط دون البسملة، أما إذا أردت أن تورد آية فلا تقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. كثير من المرشدين والوعاظ ليس يخطئون هذا الخطأ المخالف للسنة، أي: أن يستعيذوا بالله بين يدي الآية المُسْتَدَل بها بل يضيفون إلى ذلك خطأ فاحشاً جداً ولكنه الحمد لله خطأ لفظي وليس خطأ قلبياً ماذا يقول أحدهم؟ قال الله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا كذب على الله قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأمر بالمعروف وانه عن المنكر؟ ما قال هكذا قال الله بعد، أو يقول الله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويأتي بالآية، هذا كذب على الله، كل هذا غفلة عن هدي الرسول ﵇ وعن سنته.
стр. 3319
أعود بعد هذه التوطئة ولو أنها طالت شيئاً قليلاً ولكنها لا تخلو من فائدة ينبغي ذكرها.
فسؤالك قلت: يحتاج في بعضه إلى تحرير؛ لأنه كان متردداً بين رأيين: أيهاجر أو يقيم حيث هو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وينصر السنة ويدعو إليها إلى آخره، أنا أقول: إذا كان هناك حرية دينية كما يقولون اليوم فهو يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأن ينشر السنة دون أن توضع العراقيل في طريقه، بل ودون أن يُسْجَن ويُعَذَّب ويحال بينه وبين ما كان في صدده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بينما في بلد آخر يستطيع أن يقوم بذلك حينئذٍ نحن نقول: يجب عليه الهجرة، أما إن كان هناك حرية كاملة ويستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى السنة وأن يحارب البدعة ولو بلسانه على الأقل فنقول له: الأقربون أولى بالمعروف وحذاري أن يسبق إلى ذهن أحد الحاضرين أنها آية؛ لأن كثيراً من الناس يتوهمون حينما يقولون هذه الكلمة: الأقربون أولى بالمعروف أنها آية وليست بآية لكن معنى هذه الجملة معنىً صحيح.
فأنت أهل بلدك أحق بنصحك وعلمك إذا كنت مستطيعاً إلى ذلك، لكن هل الأمر في العراق كذلك؟ فإذاً: هنا يجب الهجرة وإذاً: كان ينبغي عليك أن لا تطرح السؤال ليحتمل هكذا وهكذا لكن كان من الطرح لهذا السؤال فائدة للحاضرين؛ لأنه اضطرنا أن نقول: إن كان كذا فالجواب كذا وإن كذا فالجواب كذا.
الذي نعلمه أن الكبت هو المسيطر سواء في العراق أو في سوريا أو في ليبيا وربما في بلاد أخرى نعرفها أو لا نعرفها .. نذكرها أو لا نذكرها.
(الهدى والنور/٤٦٥/ ١٠: ٤٩: ٠٠)
стр. 3320
جواز الهجرة إلى بلاد الكفر
إذا عدمت البلاد الإسلامية
الملقي: طبعاً حالة شباب الصحوة في ليبيا، يعني حالة الشباب حالة صعبة جداً، فبيحاربها بجميع الوسائل، أمثلة مثلاً ممنوع يصلي الخمس الصلوات في المسجد، بالذات صلاة الفجر يكون مراقب، يلبس اللبس العربي.
الشيخ: هو يعني موظف؟
الملقي: نعم؟
الشيخ: موظف في الدولة؟
الملقي: لا قصدي الشباب العامة في المساجد.
الشيخ: بصورة عامة.
الملقي: آه بصورة عامة في ليبيا كلها، يعني اللي يصلي في المساجد ... مراقب.
الشيخ: الله أكبر.
الملقي: وبالذات اللي يطلق اللحية. الثاني: أنه يلبس اللبس العربي وبالذات يعني إذا كانوا رأوا منه إزار أو شيء من هذا، يعني آثار السنة فيتم مشبوه، وأي علامة تدل على أنه من شباب الصحوة أو شباب السنة فالقبض عليه في السجن،
стр. 3321
ويوجد حالياً في السجن آلاف من المشايخ، الأشرطة الإسلامية ممنوعة، الكتب الإسلامية ممنوعة، التحدث في الدين ممنوع، التجمعات عقب الصلاة مثلاً ممنوع، الدروس في المساجد ممنوعة، بس خطبة الجمعة، فهذا الحالة أصبح يعني أي شبهة أو يعرف حتى إن كان محلق لحيته ويعرف من شباب الصحوة يقبض عليه على الفور يعني، واقتحامات يعني ... في نهاية شهور ثمانية، صارت في حملة، وقبضت من ... من خمسين شاب، في هذه الحالة من هذا الوضع المؤسف، الشباب في كثير محلق اللحية، ومنهم من ... ضعف، وحرب يعني كثير من ... يسلط الحروب يجي من جوانب من بين الأهل، فيهدد بالقتل، ويشوه الشباب ويصفون بالزندقة، هؤلاء الذين عملاء أمريكا عملاء اليهود يريدون أن يقضوا على ديننا وكذا، فيدعي بأنه هو المنقذ المسلم أو القائد المسلم، في هذا الظرف الشباب انقسموا إلى قسمين: قسم قال بوجوب الهجرة، في هذا الظرف الصعب يعني لا يستطيع أن يعبد الله، إذا كان اللبس لا يستطيع اللبس، اللحية لا يستطيع أن .. يحلقها، المسجد محظور، بالذات ... الوقوف أمام المسجد بعد الصلاة يعني ممنوع، فقالوا بوجوب الهجرة واستدلوا بآية الاستضعاف في الأرض. فالقسم الثاني قال بضرورة البقاء والقيام بالدعوة، بأن الناس تحتاج إلينا، وبالذات الأسرة، فصارت صدامات بيناتهم، كثير منهم مشاحنات كلامية أدت بالـ يعني انقطاع الكلام بيناتهم.
الشيخ: الفرقة ...
الملقي: فتحت هذا الظرف يعني، نرجو إجابتك على هذا السؤال، يعني: الشباب هل يعني يخرجوا من البلاد تحت هذا الظرف أم يبقوا ويعملوا بأسباب معينة.
стр. 3322
طبعاً هم ... بأي طريقة، يعني مثلاً في الكلية في الجامعة يعني يجدوك ... لا تتخلط لا تعمل اختلاط مع البنات لا تعمل شيء مثلاً منكر، يعني في ... يقولوا أكيد انته من شباب الصحوة، أكيد انته من السنة، أكيد انته من الزندقة، يعني فمحاولة يعني إغراؤه ... وأشياء صعبة.
الشيخ: -بارك الله فيك- على حسب ما وصفت الفريق الثاني الذين لا يؤيد الهجرة إلى بلاد يتمكن فيها من القيام بشعائر دينه، هل هم يوافقون على هذا الوصف الذي أنت وصفته، حينما يقولون: لا نحن نرى أن نظل في بلدنا هنا لنستمر في الدعوة، والناس بحاجة إلينا، هل هم يستطيعون أن يقوموا بالدعوة حسب ما ذكرت أنت ما يستطيعون.
الملقي: ما يستطيعون يعني رد عليهم الذين قالوا بوجوب الهجرة: يعني أنتم لا تستطيعون أن تدعوا حتى أهلكم أنفسكم، يعني حتى التجمعات في البيوت ممنوعة، ... يعني لما يلاقون انته الشباب بالذات اللي شاكين فيه، فمجرد انك تدخل المسجد وأنت ... إطلاق اللحية ولو كان خفيفة، يعني حتى التجمعات في البيوت ممنوعة، ... يعني لما يلاقون انته الشباب بالذات اللي شاكين فيه، فمجرد انك تدخل المسجد وأنت ... إطلاق اللحية ولو كان خفيفة، فأنت مراقب.
الشيخ: فإذاً القضية واضحة كالشمس في رابعة النهار أن الذين يقولون بوجوب الهجرة هم قولهم هو الحق، والذين يقولون بالبقاء هم يظهر أنهم يرمون ويميلون إلى المصالح المادية، هذا بناءً على ما وصفت، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، إذا كان الأمر كما وصفت فيجب الهجرة، حتى إني لأقول قولاً ما قلته من قبل: «يجب الهجرة من هذه البلدة إلى بلدة كافرة، إلى دولة كافرة»، كأي
стр. 3323
دولة من الدول الأخرى فيها شيء من الحرية الدينية أو كما يقولون اليوم في العصر الحاضر الديمقراطية؛ لأنه هذا التضييق وهذا التحجير الذي ذكرته آنفاً في ذلك البلد الذي أصله إسلامي، هذا التضييق لا يوجد في البلاد الأخرى، ولذلك فيجب على هؤلاء المسلمين الذين تنبهوا لدينهم وصحوا مع الذين صحوا أن يهاجروا أولاً إلى بلاد الإسلام، ولكن إن فرضنا وهذا أنا لا أراه واقعاً إن فرضنا أنهم لا يجدون سبيلاً للهجرة إلى بلد إسلامي يسمح لهم بالإقامة فيه، فهجرتهم إلى بلد آخر، كما فعل أصحاب النبي ﵌ في الهجرة الأولى إلى الحبشة والثانية، ذلك خير لهم وأبقى من بقائهم في هذا البلد الذي يحجر على هؤلاء المسلمين، ذلك التحجير الذي لا يفعله حتى الكفار من الحاكمين، هذا جواب ما سألت.
(الهدى والنور /٥٢١/ ٠٥: ٢٤: ٠٠)
стр. 3324
الرجوع من بلاد الهجرة
الملقي: هل يجوز لمن هاجر من أرضه لضيق أصابه بها أن يعود لها إذا زال ذلك الضيق؟
الشيخ: أيش هذا السؤال؟ ! !
الملقي: السبب
مداخلة: سبب هجرته يعني هاجر مثلاً.
الشيخ: هاه، هلا أنته الآن بيقول هجرة.
مداخلة: نعم.
الملقي: صيغة السؤال هكذا.
الشيخ: كيف؟
الملقي: يقول: إذاً لمن هاجر من أرضه.
مداخلة: رجل هاجر من بلاده لضيق أصابه ليست يعني كما فيه أمر دينه مثلاً.
الشيخ: هاجر إلى أمريكا؟
الملقي: لا، بلاد مسلمة مثلاً.
الشيخ: طيب.
الملقي: يعني أفضل من بلاده.
الشيخ: إيه.
стр. 3325
الملقي: ثم زال هذا السبب يعني زالت أسباب الضيق، هل يرجع إلى بلده أو أنه إذا نوى الهجرة لا يعود أبداً.
الشيخ: هو الرسول ﵇ أجاب عن مثل هذا السؤال إذا كان هذا هو المقصود بقوله: «لا هجرة بعد الفتح»، كانت الهجرة من مكة فضلاً عن غيرها من بلاد الإسلام واجبة إلى مقر الرسالة والنبوة وإقامة الدولة المسلمة وهي المدينة، فلما فتح الله على نبيه ﵌ مكة وأعز جنده ونصره وأذل الكفر وأهله، حينئذٍ قال ﵊: «لا هجرة بعد الفتح، وإذا استنفرتم فانفروا»، فيجوز أن يعود إلى أي بلد كان ما دام أن هذا البلد بلد إسلامي، ولو أنه كان في بلد خير من البلد الذي كان فيه من قبل، لكن الجواز بابه مفتوح فلك أن تتنقل من بلد إسلامي إلى بلد آخر إسلامي، لكن ليس لك أن تسافر إلى بلاد الكفر والضلال كأوربا وأمريكا كما هو مع الأسف الشديد عادة كثير من الشباب حينما يصابون بشيء من الضيق الذي أشير إليه في السؤال، فيقولون: هاجرنا إلى أمريكا، حتى مع الأسف الشديد صارت بعض البلاد الأمريكا أو أمريكا كلها تسمى مهجراً، هذا قلب للحقائق الشرعية، الحقيقة الشرعية تقول: إن الأمريكي أو الأوربي سواء كان فرنسيا أو بلجيكياً أو ألمانيا أو فرنسياً إذا أسلم يجب أن يهاجر من بلد الكفر إلى بلاد الإسلام، فالآن بسبب ضعف المسلمين إيماناً وضعف المسلمين علماً بدينهم قلبوا هذه الحقائق الشرعية فيهاجرون من بلاد الإسلام لسبب أو آخر من ضيق سياسي أو ضيق اقتصادي أو ما شابه ذلك، يسافرون إلى بلاد الكفر والضلال ويسمون ذلك بغير اسمه فيقولون: هاجرنا، هذا لا يجوز، أما الهجرة من بلد مسلم إلى بلد مسلم فذا هو أمر جائز لا سيما إذا زال السبب المشار إليه، فلا شيء في ذلك.
(الهدى والنور / ٦٤١/ ٤٤: ٠٨: ٠٠)
стр. 3326
الهجرة من بلاد الكفر
السائل: [سؤال بالإنجليزي]
ترجمة السؤال من أحد الحاضرين: سؤال الأخ الكريم عن موضوع الهجرة أنه هو يعيش في بلد بريطاني غير مسلم، والحكومة البريطانية لاتضع أمامه أي يعني عراقيل من حيث الصلاة أو الذهاب للمسجد، وهنالك بعض المساجد، ولكن يسأل مثل أطفاله أنه هل- مسلمين الحمدلله رب العالمين- يجب عليه أن يهاجر من تلك البلاد إلى هذه البلاد من أجل الأحكام الشرعية في هذه البلاد، أو أنه يبقى مسلم في تلك البلاد ويذهب للمسجد ويصلي ويدعو للإسلام في تلك البلاد؟
الشيخ: هذا سؤال مهم وبخاصة بالنسبة لمن كان كافرًا ثم هداه الله فأسلم، ونحن نقول بصراحة يجب على كل مسلم في كل بلاد الله الواسعة، إذا هداه الله للإسلام بعد أن كان كافرًا أن يهاجر من تلك الأرض إلى أرض مسلمة، تقام فيها أحكام الله لأن النبي ﵌ كان يقول: «المسلم والمشرك لاتتراءى نارهما» يشير ﵊ في هذا الحديث الصحيح إلى ماكان عليه العرب قبل الإسلام وبخاصة البدو منهم، حيث كان كل منهم يوقد نارًا بين يدي خيمته، فيقول ﵌ ينبغي على المسلم أن يكون مسكنه بعيدًا عن مسكن المشرك، بحيث لو أن كلاً منهما أوقد نارًا بين يدي خيمته لاتبدو نار أحدهما للآخر لبعد المسافة من بينهما، هذا معنى قوله ﵇: «المؤمن والمشرك لاتتراءى
стр. 3327
نارهما» وفي الحديث الآخر: «من جامع المشرك فهو مثله» أي من خالطه بجسده وسكنه ومعاملته، وكان ذلك غالبًا عليه فهو مثله في الضلال، وإن كانت نسبة الضلال تختلف كما ذلك في الإيمان، فكما أن الإيمان درجات فكذلك الضلال درجات فمن جامع المشرك فهو مثله، ثم أكد ذلك ﵊ بعبارةٍ فيها رهبة شديدة ألا وهي قوله ﵊: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين» والسبب في ذلك من الناحية [النفسية] أن الطبع سرّاق، وبخاصة أنه يسرق الشر ولايمتص الخير إلا بصعوبة، وقد أشار النبي ﵌ إلى هذه الحقيقة في بعض الأحاديث الصحيحة منها قوله ﵌: «مثل الجليس الصالح كمثل بائع المسك إما أن يحذيك-أي يعطيك مجانًا- وإما أن تشتري منه وإما أن تشم منه رائحةً طيبة» يعني ﵊ أن المسلم إذا خالط الناس الصالحين اكتسب منهم ولابد، وأدنى درجات الاكتساب في هذا المثال أن يشم منه رائحة سليمة وطيبة، وبالعكس قال ﵇: «ومثل الجليس السوء كمثل الحداد
إما أن يحرق ثيابك وإما أن تشم منه رائحة كريهة» وباختصار هذا الحديث يعني: أن الصاحب ساحب، الصاحب ساحب إن كان صالحًا سحب جاره إلى الخير، وإن كان طالحًا فاسدًا سحب جاره إلى الشر، ثم حكى رسول الله ﵌ لنا مثالاً واقعيًا ممن وقع في بعض الأمم من قبلنا، فقال ﵊: «قتل رجلٌ ممن قبلكم تسعة وتسعين نفسًا، ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب- يعني دُل على عابد ولكنه جاهل ليس بالعالم- فجاءه وقال له: أنا قتلت تسعة وتسعين نفسًا وأريد أن أتوب فهل لي من توبه، قال: قتلت تسعة وتسعين نفسًا وتريد أن تتوب، لاتوبة لك، فما كان من هذا القاتل إلا أن قتله وأتمم بذلك الرقم المائة نفس قتلها بغير حق، ولكنه كان جادًا في رجوعه إلى ربه وتوبته إليه، فلم يزل يسأل عن أعلم أهل
стр. 3328
الأرض، حتى دُل في هذه المرة على عالم حقًا، فسأله وقال له: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة، لكنك- هنا الشاهد- ولكنك بأرض سوء فأخرج منها إلى البلدة الفلانية الصالح أهلها، فخرج من بلدته يمشي تائباً إلى ربه إلى تلك البلدة الصالح أهلها -باعتبار أن العالم نصحه بذلك- وفي الطريق جاءه الأجل، فاختلفت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كلاً يدّعي أنه من حقه، ملائكة العذاب يعرفون من حياته الشر المستطير، ولذلك فهم يرون أن يتولوا قبض روحه، وملائكة الرحمة يرون» كما قال الرسول ﵊ في حديث آخر: «إنما الأعمال بالخواتيم» وهذا الرجل خرج تائبًا إلى ربه، فهو من حقنا نحن ملائكة الرحمة أن نتولى قبض روحه، فأرسل الله إليهم حكمًا، فقال لهم: قيسوا ما بينه وبين كلٍ من القريتين، فإلى أيهما كان أقرب فألحقوه بأهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالح أهلها بنحو ميل الرجل في أثناء مشيه، أن الرجل لايمشي هكذا، وإنما يمشي هكذا، هذه الميلة هي التي رجّحت
المسافة القريبة منه إلى القرية الصالح أهلها، فتولت ملائكة الرحمة قبض روحه، والشاهد من هذا الحديث الصحيح -وهو في الصحيحين البخاري ومسلم - الشاهد منه أن هذا العالم الفاضل عرف أن هذا الرجل الذي بلغت به الجرأة إلى أن يقتل تسعة وتسعين نفسًا من قبل، ثم أتم العدد بذلك العابد الجاهل، فصار القتلى الذين قتلهم مائة بغير حق، يشير هذا العالم أن هذه النفس الأمارة بالسوء إنما ساعدها على ذلك البيئة التي كان يعيش فيها وقضى شطر حياته الأكبر فيها، ولذلك ناصحه بأن ينتقل من تلك البلد الشريرة إلى البلدة الصالحة.
والأحاديث التي تؤكد هذه الحقيقة أن البيئة تؤثر في الإنسان صلاحًا أو طلاحًا، ومن العجائب أن البيئة تؤثر من الناحية الأخلاقية والإيمانية كما تؤثر من
стр. 3329
الناحية الطبية، والناس اليوم بصورة خاصة يعنون بتصفية البيئة من كل مايؤثر بالصحة البدنية، والطب قائم اليوم على أساس يقره الشرع، بل قد جاء قبل الطب به ألا وهو الحجر الطبي، وذلك معناه أن الإنسان يجب قبل كل شيء أن يختار المناخ الصحي الذي يساعده على أن يحافظ على صحته، ولاينتقل إلى أرض موبوءة هذا مما يهتم به الناس اليوم كثيرًا وكثيرًا جدًا، أما الجانب الأخلاقي ومراعاة البيئة الصالحة، فهذا مما لايهتم به إلا المسلمون -بخاصة- وبعض الناس الآخرين من أصحاب الأديان الأخرى بقلة جدًا، ولذلك فقد يؤثر من يقيم بين ظهراني المشركين وقد يتأثر كثيرًا كثيرًا جدًا بهذه الإقامة وقد لمستُ أنا هذا في تطوافي في بعض البلاد لمس اليد، بعد أن آمنت بذلك إيمانًا بالغيب لما قرأناه عليكم من بعض الأحاديث الصحيحة خلاصتها: أن الجو الذي يحيط بالإنسان إن كان صالحًا أثر في المواطن أو الساكن في ذلك الجو خيرًا وإلا أثر فيه شرا، لمستُ هذا التأثير لمس اليد، ومما وقع لي أنه كان قدر لي أن أسافر إلى بريطانيا نفسها وطفت في بعض بلادها، وكان الوقت يومئذٍ شهر رمضان، فقيل لي بأن هناك في بلدة بعيدة عن الأردن نحو ٢٠٠ كيلو متر جالية إسلامية من الهنود أو الباكستانين وأن عليها شخص فاضل ملتزم للكتاب ولسنة فذهبنا إلى تلك القرية، وجلسنا على مائدة الإفطار وفعلاً رأيت الرجل كما وصف لي، ولكن رابني منه مظهره فإن مظهره بريطاني، ليس مظهره مظهر المسلمين، وذلك أنه لابس للجاكيت والبنطلون، زائد العقدة هذه الكرافيت، ونحن نجلس أو نفطر تكلمنا في بعض المسائل الدينية، فلفت نظره إلى زيه هذا الذي ليس هو زي الباكستانين المعروفين في كل البلاد، وبخاصة أنه عقد هذه العقدة على رقبته، ومن فضل الرجل أنه استجاب
للنصيحة بعد أن ذكرت له بعض الأحاديث التي تنهى المسلمين عن التشبه بالكافرين من ذلك قوله ﵊:
стр. 3330
«بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لاشريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» وماكدت أنتهي من هذه الموعظة مع ذاك الرجل الفاضل حتى بادر وحل العقدة من رقبته ورمى بها أرضًا، فشكرت له ذلك ولكن بقدر ماسرني استجابته الفعلية لموعظتي ساءني بعد ذلك تعليله لوضعه لهذه العقدة -وهنا الشاهد- قال: أنا إنما فعلت ذلك لأن أهل هذه البلاد يعني الإنجليز ينظرون إلى إخواننا الفلسطينيين نظرة بغض وحقد، ومن شعار الفلسطينيين أنهم لا يضعون العقدة بل يفكون الزر الأعلى وربما الأدنى قليلاً بحيث يظهر شيء من العنق، هكذا حدثني هناك وينظر فلما كان الإنجليز ينظرون إلى هذا الجنس من المسلمين نظرة احتقار قال صاحبي: فنحن حتى لا ينظر إلينا هؤلاء تلك النظرة نفسها وضعنا العقدة هذه، قلت له آسفًا: ليتك لم تتكلم، لأن هذا عذرٌ -كما يقال- أقبح من الذنب، أنت تهتم بنظرة الكفار إلى إخوانك المسلمين نظرة احتقار، فتتجاوب أنت مع هذه النظرة، وتريد أن لا ينظر إليك أولئك تلك النظرة نفسها، ويجمع بينك وبين الفلسطينيين الإيمان والتوحيد، ويفرق بينك وبين الإنجليز الذين تسكن أنت بين ظهرانيهم الكفر والشرك والضلال.
هذه قصة من قصص كثيرة تدل على أن البيئة لها تأثيرها وهذا ظاهر جدًا جدًا، حتى أن بعض أهل هذه البلاد نجدهم -كما نراكم والحمدلله- جميعًا بأزياء عربية إسلامية، فإذا ماسافر بعضهم إلى تلك البلاد الغربية تغيرت شخصيته تغيرًا جذريًا، رفع العمامة هذه ورفع القلنسوة ولبس الجاكيت والبنطلون وعقد العقدة وصار إنسانًا كأنه غير مسلم، هذا يدل على أقل الأحوال أنه لا يعتز بدينه، ولا يعتز بالتالي بقومه بعاداتهم، فلا يجوز للمسلم إذن أن يتشبه بالكفار، ونحن نعلم أن الذي يعيش في بلاد الكفار ولو كان من قبل كافرًا أنه لا يستطيع أن يتخلص
следующие страницы →