Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
التحذير من البدع
стр. 3432
ذم البدع
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لعل الإخوان الحاضرين جميعاً يعلمون من دلالة هذا الحديث وأمثاله مما هو ثابت في كتب السنة، وصحيح الإسناد إلى النبي ﵌، فحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وكحديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
هذه الأحاديث تؤكد ما أظنه أنكم تفهمونه وتعتقدونه أن الابتداع في الدين كله ضلال، وأعني في الدين لأن الابتداع المذموم هو خاص بالدين، وأما في أمور الدنيا فمنه ما هو ممدوح، ومنه ما هو مذموم، حسب هذا المحدث إذا كان
стр. 3433
عارض شرعاً فهو مذموم، وإذا لم يعارض شرعاً فهو على الأقل جائز.
ومن أحسن ما ينقل في هذه المناسبة كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث أنه وضع قاعدة مهمة جداً، استنبطها من تلك الأحاديث زائد النصوص الأخرى التي تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وهذه قاعدة أصولية، فقال ﵀: الأصل في الدين هو الامتناع، إلا لنص، والأصل في الدنيا الجواز إلا لنص. وهو يعني: كل محدث في الدين ممنوع، أما المحدث في الدنيا فهو مباح إلا إن عارض نصاً كما ذكرنا.
ثم مما ينبغي التنبيه عليه هو أن قوله ﵇: «وإياكم ومحدثات الأمور» إنما يعني كل عبادة حدثت بعد النبي ﵌ فتكون ضلالة، وإن كان في ظن كثير من الناس يحسبونها أنها حسنة، وبحق قال عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة؛ ذلك لأن الاستحسان في الدين معناه أن هذا المستحسن قرن نفسه مع رب العالمين، الذي ليس لأحد سواه أن يشرع إلا ما شاء الله ، ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀: من استحسن فقد شرع؛ لأنه لا يدري هذا المستحسن أن هذا الذي استحسنه بعقله وفكره فقط ولم يستمد ذلك من كتاب ربه أو من سنة نبيه من أين له أن يعرف أن هذا أمر حسن.
لهذا يجب أن يكون موقفنا جميعاً من كل محدثة في الدين الامتناع عنها لما سبق ذكره من أحاديث صحيحة.
(الهدى والنور / ١/ ٠٠: ٠٠: ٢٧)
стр. 3434
التحذير من الابتداع في الدين
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فمن المعلوم عند كل مسلم مهما كان علمه وثقافته أن العمل الصالح لا يفيد صاحبه شيئاً ما لم يكن مقروناً بالإيمان بالله ورسوله، ذلك هو الأصل
стр. 3435
الأول من أصول الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵌، وأن هذا الإيمان لا يفيد صاحبه شيئاً إذا ما أخل به صاحبه في جانب من جوانب الإيمان وأعظم هذه الجوانب هو الإشراك بالله ﵎ نوعاً من أنواع الشرك الأكبر الذي حدثنا عنه القرآن الكريم مخاطباً لنا في شخص نبينا ﵌ حينما قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
لا يشك مسلم أن النبي ﵌ معصوم أن يقع في شيء من الشرك ولذلك قلنا بأن الله خاطب أمته ﵌ حينما خاطبه وَوَجَّه خطابه له بما سمعتم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وكذلك العمل الصالح ولو اقترن به الإيمان النافع فهذا العمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا اقترن به أمران اثنان، وفي هذه النقطة أريد أن أجعل أو أن أدير هذه في هذه الأمسية الطيبة إن شاء الله:
لقد ذهب علماء المسلمين انطلاقاً من قول رب العالمين: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ فهذا أول شرط لمن يريد النجاة يوم القيام .. ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] هو أن يعمل عملاً صالحاً، وقد جاءت الآيات الكريمة تترا كلما ذكرت الإيمان قرنت مع الإيمان العمل الصالح، ومن أشهر ما جاء في ذلك تلك السورة التي جمعت فأوعت وهي سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
ولقد كان من هدي أصحاب النبي ﵌ هدي طالما أصبح المسلمون الخلف قد أعرضوا عن هذه العادة الطيبة التي كان عليها الصحابة حيث كانوا إذا تفرقوا
стр. 3436
تفرقوا بعد أن يذكر بعضهم بعضاً بهذه السورة المباركة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
فيجب إذاً بعد أن يعلم المسلم علماً يقينياً ما هو الإيمان المنجي، ثم يؤمن به حقاً يجب عليه أن يعلم ما هو العمل الصالح حتى يتقرب به إلى الله ﵎ زلفى.
لقد اشترط علماء التفسير عند الآية السابقة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] شرطين اثنين، وعليهما مدار الكلام الآن:
أما الشرط الأول: فهو أن يكون العمل الذي يريد المسلم أن يتقرب به إلى الله ﵎ على وفق السنة .. مطابقاً لما كان عليه رسول الله ﵌ من العمل الصالح، وهذا معناه: أن يكون متبعاً للنبي ﵌، وأن لا يكون مبتدعاً شيئاً في سنته مهما كانت نيته صالحةً يبتغي بها وجه الله، فلن يفيده هذا العمل ولو كان مقترناً بالنية الصالحة ما دام أنه خالف في عمله سنة نبيه ﵌.
والأدلة التي استند واعتمد عليها العلماء في وضعهم لهذا الشرط ليكون العمل صالحاً وهو الشرط الأول الأدلة الدالة على ذلك كثيرة وكثيرة جداً، من أشهرها ما سمعتم آنفاً في خطبتي لهذه الجلسة وهذه الخطبة أيضاً من الأمور التي أخل بها .. لا أعني المسلمين كلهم وعامتهم وإنما أعني به خاصة المسلمين فإنكم لا تكادون تسمعون درساً أو محاضرة أو توجيهاً سواء كان ذلك هكذا مباشرة أو بالإذاعة أو بأي وسيلة أخرى .. لا تكادون تسمعون أحداً يفتتح خطبته أو درسه أو بحثه بما سمعتم آنفاً:
стр. 3437
إن الحمد لله نحمده ونستيعنه ونستغفره إلى آخر ذلك، وفيه يقول الرسول ﵊: «وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» هذه الخطبة يجب أن نهتم بها نحن الذين نزعم أننا نريد أن نكون هداة للناس ندعوهم إلى اتباع الكتاب والسنة، وإلى العمل الصالح ثم نحن نبدأ فنخالف هذه السنة في أول دروسنا.
لقد كان النبي ﵌ يخطب في الصحابة هذه الخطبة وتسمى بخطبة الحاجة، وقد يستعملها بعضهم في مناسبة عقد الزواج، وهي محلها في كل خطبة وفي كل درس يرجوا المدرس أن يصل في درسه إلى حاجته التي يبتغيها ألا وهي أن ينتفع الحاضرون بما يسمعون منه، فالنبي ﵌ كان يفتتح خطبه كلها ودروسه كلها بهذه الخطبة التي تعرف عند العلماء بخطبة الحاجة وكان يكرر هذا الكلام في هذه الخطبة لترسخ في أذهان الصحابة وهم بالتالي ينقلون إلى من بعدهم.
«أما بعد: فإن خير الهدى هدي محمد ﵌» وفي رواية: «فإن خير الهدي هدي محمد ﵌ وشر الأمر محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» يقول العلماء المُحَقِّقون: إنما كان النبي ﵌ يكرر هذه الخطبة بكل مناسبة ترسيخاً لهذه القاعدة العظيمة في أذهان السامعين: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
من الأدلة الكثيرة التي تؤيد أن يكون العمل الصالح على ما كان عليه رسول الله ﵌: الحديث المتفق عليه بين الشيخين بين البخاري ومسلم، أما الحديث الأول حديث خطبة الحاجة فهو في صحيح مسلم، أما حديثنا التالي فقد اتفق البخاري مع مسلم في روايتهما إياه من حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» في
стр. 3438
هذا الحديث بيان يحتاجه كثير من الناس الذين تلتبس عليهم البدعة الدينية بالبدعة الدنيوية، وهذه نقطة يجب أن نكون على بينة منها حتى لا يختلط علينا الحق بالباطل؛ ذلك أن الإسلام إنما جاء ليكمل العبادات .. ليهيئ المسلمين ليكونوا سعداء في الدنيا والأخرى؛ وذلك بأن يشرع لهم هذه الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله زلفى، ولم يأت لإصلاح الأمور الدنيوية التي هم يصلون إليها باجتهادهم وبابتكاراتهم وباختراعاتهم كما ترون الآن الكفار قد سبقوا المسلمين أشواطاً كثيرة في الاختراعات والابتكارات المتعلقة بتسهيل أمور الدنيا، هذه الأمور المتعلقة بالأمور الدنيوية ليس لها علاقة مطلقاً بالبدعة المذمومة شرعاً.
هذا الحديث الثاني يوضح لنا الحديث الأول حينما قال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا» أي: من أحدث في ديننا هذا «ما ليس منه فهو رد - على صاحبه -» ولذلك فلا ينبغي أن يشكل على أحد من الناس كما سمعنا ذلك كثير وكثير جداً حينما نحض المسلمين جميعاً إلى أن يعودوا في عباداتهم إلى سنة نبيهم ﵌ ونحذرهم اتباعاً منا له ﵊ من كل محدثة في الدين كما سمعتم: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
هذا الحديث الثاني إذاً يوضح أن البدعة الضلالة ما كان لها علاقة بالعبادة وبالدين «من أحدث في أمرنا هذا» أي: في ديننا هذا، «ما ليس منه فهو رد».
ولأمر ما نحن ننتمي إلى السلف الصالح؛ ذلك .. لعلي في الجلسة السابقة تعرضت لهذا الجانب أن السلف الصالح هم الذين تلقوا القرآن وحديث الرسول ﵇ من فمه غضاً طرياً، ثم تلقوه من الرسول ﵊ مطبقاً
стр. 3439
عملياً، فهم الذين فهموه فهماً صحيحاً بالتالي وجب علينا أن نفهم أمر ديننا من كتاب ربنا ومن سنة نبينا، وتطبيق علماء السلف في هذه السنة.
هنا نحن نقول في قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة»: جاء عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قوله الذي يعتبر مفسراً لهذا العموم: «كل بدعة ضلالة» قال ابن عمر مفسراً وموضحاً ومبيناً: وإن رآها الناس حسنة، كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة، وهذا يلفت نظرنا إلى مسألة طالما سمعناها انحرف القائلون بها عن سنة نبينا ﵌.
ولعلي أتعرض إلى هذا فيما بعد وقريباً إن شاء الله، فإني أريد أن أذكركم بتتمة لبعض هذه النصوص التي تؤكد لكم هذه القاعدة العظيمة جداً جداً، «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وبخاصة بعد تفسير ابن عمر لها بقوله: وإن رآها الناس حسنة.
أظن أن الكثيرين منكم قرأ أو سمع حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» هنا لا توجد زيادة وكل: «وكل ضلالة في النار» وإنما هي في الحديث الأول حديث خطبة الحاجة.
الشاهد من هذا الحديث: أنه يفيدنا فائدة جديدة لم تذكر في الأحاديث السابقة، وهكذا يجب على كل باحث فقيه يريد أن يتفقه في السنة أن يلم وأن يجمع كل الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد حتى يخرج من هذا الجمع
стр. 3440
بقضية كاملة لا نقص فيها، هنا يقول الرسول ﵇ مخبراً لنا بقوله: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً» كأن سائل سأل والواقع أنه ما سأل؛ لأن الله يلهم نبيه ﵌ أن يجيب قبل أن يسأل .. كأن سائلاً سأل: يا رسول الله! إذا نحن رأينا هذا الخلاف الذي أنت تخبرنا به بقولك: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً» فماذا نفعل يا رسول الله إذا رأينا هذا الاختلاف الكثير فماذا نفعل؟ فأجابهم ﵊ دون أن يسألوه كما ذكرنا .. «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» إلى آخر الحديث.
إذاً: المخلص من أي فرقة، ومن أي خلاف يقع بين المسلمين هو اللجوء إلى سبيل المؤمنين الأولين، حيث قال ﵇ بلسان عربي مبين: فإذا رأيتم الخلاف فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فهل المسلمون اليوم إذا ما وقعوا في مسألة خلافية رجعوا فيها إلى الائتمار بأمره ﵇ هذا وغيره مما جاء في القرآن وفي السنة فإذا رأيتم خلافاً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
الجواب مع الأسف: قل من يفعل ذلك من المسلمين، وهم الذين يحرصون أشد الحرص على أمرين اثنين لا انفصام ولا انفصال بينهما، ألا وهو معرفة السنة التي كان عليها الرسول ﵌ أولاً، ثم الحرص كل الحرص على تطبيقها ثانياً في أنفسهم، ثم فيمن يلوذ بهم، ثم فيمن يعيشون حوله وهكذا.
الآن نحن في مسألة واحدة وهي أن النبي ﵌ ذم ذماً عاماً كل بدعة في الدين، فهل المسلمون وقفوا عند هذا الذم العام لكل بدعة في العبادة في الإسلام أم اختلفوا؟ الواقع أنهم اختلفوا؛ لأنني أعتقد أن من كان منكم من طلاب العلم، بل ومن كان سامعاً للعلم ائتماراً منه بالأثر الوارد عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى
стр. 3441
عنه حين قال: كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابعة فتهلك.
فلا بد أنكم إما أنكم من طلاب العلم، أو على الأقل من الذين يجلسون في مجالس العلم أنكم سمعتم يوماً ما مقولة تقال في مثل هذه المناسبة: ما رآه المسلمون حسن فهو حسن، ويضاف إلى ذلك أن بعضهم يقول: لا يا أخي! هناك في الإسلام بدعة حسنة، فكيف أنت تقول: كل بدعة ضلالة، هذه النقطة يجب أن يكون المسلم الذي يريد فعلاً أن يأتمر بالآية التي نحن في صدد بيانها ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] فإن البدعة الدخيلة في الإسلام ليست من الإسلام في شيء، وبطبيعة الحال ليس من العمل الصالح في شيء، فإذا الإنسان المسلم تقرب إلى الله بما لم يشرعه الله على لسان رسول الله فذلك يكون عملاً غير صالح وبالتالي يكون عملاً غير مرجو النجاة يوم القيامة به.
فهنا شبهتان تذكران بهذه المناسبة: الأولى ذكرتها مع الأخرى، ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن، فما يكاد العالم البصير في دينه ينكر أمراً يعلم أن هذا الأمر ليس من الإسلام في شيء إلا جوبه بقوله: يا أخي! المسلمون هكذا يفعلون، وقال رسول الله ﵌: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» وقد يحتج بعضهم بحديث آخر، والحديث الأول لا يصح حتى لا يفوتني ولأعود إليه، أما الحديث الآخر فهو صحيح ولكن لا يصح الاستدلال به على معارضة قوله ﵇ في الأحاديث السابقة: «كل بدعة ضلالة» .. «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وحديث العرباض بن سارية وغير ذلك.
هذا الحديث الثاني هو قوله ﵊: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم
стр. 3442
شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء».
هذا حديث صحيح أما الحديث الأول فهو غير صحيح، ومع ذلك فلكل من الحديثين معنىً غير المعنى الذي يركن إليه الذين يضربون بهذا المعنى .. القاعدة الجوهرية التي كان الرسول ﵇ يذكر بها أصحابه بين يدي كل خطبة.
أما الحديث الأول: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» نبحث الآن في الحديث من الناحية الحديثية ثم نثني عليه للكلام في الناحية الفقهية منه، أما الناحية الحديثية فالحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق أبي داود الطيالسي وهذا أيضاً في مسنده كلاهما بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال هو، ولم يقل: قال رسول الله ﵌، في هذا الحديث الذي سمعتم مصدره من مسندي أبي داود الطيالسي وأحمد بن حنبل الشيباني .. «إن الله ﵎ بعث محمداً رسولاً وجعل له وزراء وأنصار فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» أظن من كان منكم يعلم شيئاً من اللغة العربية وآدابها سيفهم ما أقوله بسرعة واضحة.
أل .. فما رآه المسلمون: أل هنا في اصطلاح العلماء إما أن يكون هذا الحرف للاستغراق والشمول فيشمل كل المسلمين في كل العصور وفي كل الدهور، وإما أن يكون هذا الحرف هنا أل التعريف ما يسمى عندهم بأل العهد، وهذا يفيد التخصيص العموم أو الشمول، وهذا المعنى الثاني هو المقصود في هذا الحديث الموقوف على ابن مسعود، لماذا؟ لأن السياق الذي بعده جاء هذا السياق هو يتحدث عن أصحاب الرسول ﵇؛ لأنه ذكر أن الله بعث محمداً رسولاً، قال: «جعل له وزراء وأنصاراً» إذاً: هؤلاء الوزراء
стр. 3443
والأنصار هم المقصودون في قوله: «فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن».
وبخاصة أنه ذكر هذا الحديث الموقوف عليه بمناسبة اختيار أصحاب النبي ﵌ أبا بكر الصديق خليفةً بعد رسول الله ﵌، قال: «فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» أي: ما دام أن المسلمين اختاروا أبا بكر خليفة بعد رسول الله ﵌ ورأوه أمراً حسناً بل واجباً فهو عند الله حسن.
وحينئذٍ يكون الحديث هذا الموقوف ليس له علاقة مطلقاً بموضوع ما رآه جماعة من المسلمين في عصر من العصور حسناً .. كلا ثم كلا، ليس لهذا الحديث على أنه موقوف .. أكرر على مسامعكم أن هذا الحديث لا يجوز للمسلم أن يقول: قال رسول الله ﵌: «ما رآه المسلمون .. » إلى آخره، وإنما يقول: قال صحابي رسول الله ﵌ عبد الله بن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» ويفسره على هذا النحو الذي ذكرته لكم .. هذا النحو الذي دلت عليه المناسبة التي فيها ذكر هذا الحديث الموقوف أولاً، ثم أل .. المسلمون .. أل العهد، أي: الذين ذكروا قبل قوله: «فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» حينئذٍ يكون هذا الحديث يلتقي تماماً مع آية في القرآن الكريم ألا وهي قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] أي: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» أي: هؤلاء المسلمون الذين ذكروا في هذه الآية أن أحداً إذا خالف سبيل المسلمين كما لو خالف سيد المرسلين، وأظن أيضاً تعرضت لهذه الآية في الجلسة السابقة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] أي: يخالف
стр. 3444
بالسبيل التي كان عليها السلف الأول .. السلف الصالح.
فهل كان السلف الصالح يرون أن في الإسلام عبادة لم يشرعها الرسول ﵊ ولا فعلها الصحابة الكرام ومع ذلك يجوز للمسلم أن يتقرب بها إلى الله ﵎؟ الجواب: لا، وبخاصة وقد ذكرنا لكم قول ابن عمر في توضيح قول الرسول ﵇: «كل بدعة ضلالة» قال ابن عمر: وإن رآها الناس حسنة.
أم الأقوال الأخرى التي أثرت ورويت عن أصحاب النبي ﵌ تأكيداً منهم بأقوالهم وبأفعالهم لهذه القاعدة العامة .. كل بدعة ضلالة فهي أشياء كثيرة وكثيرة جداً لا يمكن إحصاؤها في هذه الجلسة ولكن لا بأس من التذكير ببعضها ..
ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي هو من كبار علماء الصحابة وقرائهم بخاصة حيث صح عن النبي ﵌ أنه قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
هذا الصحابي الجليل الذي من فضله أن فقه الإمام أبي حنيفة أول الأئمة الأربعة ﵏ ﵎ .. فقه هذا الإمام أكثره قائم على أحاديث وفتاوى ابن مسعود، ماذا قال هذا الصحابي الجليل؟ قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم عليكم بالأمر العتيق، هذا الحقيقة نصيحة عالم ما أحوجنا نحن أن ننصح أنفسنا بها .. اتبعوا، أي: النبي ﵌ وأصحابه؛ لأنهم هم الذين يمثلون سبيل المؤمنين .. أو من يمثل هذه السبيل هم أصحاب الرسول ﵇ وعلى رأسهم رسول الله ﵌.
قال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا .. لماذا؟ فقد كفيتم .. عليكم بالأمر
стр. 3445
العتيق .. قد كفيتم يشير بهذا إلى نصوص في الكتاب والسنة منها الآية المشهورة ألا وهي قوله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إذاً: فقد كفيتم .. لقد جاء الله بهذا القرآن وببيان الرسول ﵊ بكل ما يحتاجه المسلمون من العبادات؛ ولذلك لا قياس في العبادة ..
القياس هو الأصل الرابع من الأصول الأربعة عند جماهير العلماء .. الكتاب والسنة والإجماع الصحيح والقياس .. لكن هذا الأصل الرابع وهو القياس لا يجوز أن يصار إليه في العبادات؛ ذلك لأن العبادات محصورة بخلاف الحوادث التي تقع على الناس فهي لا يمكن أن تنتهي؛ ولذلك كان الرأي الراجح عند العلماء أن القياس مصدر .. بل هو المصدر الرابع من مصادر الشريعة، لكن هذا القياس لا يعمل عمله في توسيع دائرة العبادة؛ لأن الله قد أكمل تشريع العبادات بتمامها؛ ولذلك قال ﵊ .. حديثين اثنين:
الحديث الأول في صحيح مسلم: «ما بعث الله نبياً إلا وكان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم» ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً، أي: واجباً لازماً عليه، أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ترى! هل قام رسول الله ﵌ بهذا الواجب؟ لا شك أنه قام به خير قيام، وقد قال ربه له في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
الحديث الثاني: وهو أمس بموضوعنا من الحديث الأول، ألا وهو قوله ﵊: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» رواه الإمام الشافعي في
стр. 3446
مسنده أو في سننه.
إذاً: صدق الله حينما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الدين هو ما يتدين به الإنسان ويتقرب به إلى رب الأنام، فإذاً: صدق ابن مسعود حينما قال في الأثر السابق: فقد كفيتم، أي: لماذا تتعبون أنفسكم بابتداعكم العبادات في الدين وقد كفاكم رب العالمين بأن أرسل إليكم رسولاً مُبَيِّناً مُوَضِّحاً كل ما أنتم بحاجة إليه من عبادات تفصيلياً لا حاجة للقياس فيها إطلاقاً وبخاصة إذا ما كان هذا القياس مخالفاً للنصوص الصريحة المتقدمة آنفاً والآثار الثابتة عن السلف الصالح.
ثانياً: ومنها قول ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق.
هذا قوله، ويحسن أن نقدم إليكم مثلاً يمس حياة كثير من المتعبدين اليوم بحسن نية ولكن بسوء عمل، ما هو العمل؟ هو الابتداع في الدين .. اسمعوا القصة التالية: القصة يرويها الإمام الدارمي في سننه بإسناده الصحيح أن أبا موسى الأشعري جاء صباح يوم إلى دار عبد الله بن مسعود فوجد الناس ينتظرونه قال لهم: أخرج أبو عبد الرحمن - عبد الله بن مسعود كنيته أبو عبد الرحمن - قالوا له: لا، فجلس ينتظره إلى أن خرج، فقال له: يا أبا عبد الرحمن: لقد رأيت في المسجد آنفاً شيئاً أنكرته - وأرجوا الانتباه إلى هذه الكلمة والتي تليها - رأيت في المسجد آنفاً شيئاً أنكرته ومع ذلك لم أر إلا خيراً .. كيف يجتمعان؟ ! رأى خيراً ومع ذلك أنكره .. حق ذلك؛ لأنه رأى عبادةً لم يرها في عهد النبي ﵌، قال له: ماذا رأيت؟ قال: إن عشت فستراه .. رأيت في المسجد أناساً حلقاً حلقاً وفي وسط كل حلقة منها رجل يقول لمن حوله: سبحوا كذا .. احمدوا كذا ..
стр. 3447
كبروا كذا .. وأمام كل رجل منهم حصى يعد به التسبيح والتكبير والتحميد، قال ابن مسعود: أفلا أنكرت عليهم؟ ! قال: لا، انتظار أمرك أو انتظار رأيك .. قال: أفلا أنكرت عليهم وأمرتهم أن يعدوا سيئاتهم فلن تضيع من حسناتهم عند الله شيء .. ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] قال: لا، انتظار أمرك أو انتظار رأيك.
عاد ابن مسعود إلى داره وخرج متلثماً هكذا، وانطلق إلى المسجد حتى لا يرى ووقف عند الحلقات فرأى ما وصف له أبو موسى، فكشف عن وجهه اللثام وقال لهم: ويحكم! ما هذا الذي تصنعون؟ أنا عبد الله بن مسعود صحابي رسول الله ﵌، لما عرفوه قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى .. حصى، يعني: شيء بسيط، حصى نعد به التسبيح والتكبير والتحميد، قال: عُدُّوا سيئاتكم وأنا الضامن لكم أن لا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحكم ما أسرع هلكتكم! هذه ثيابه ﵌ لم تبل وهذه آنيته لم تكسر، أي: إن النبي ﵌ حديث عهد بمفارقة الأصحاب .. أما آن لكم أن تحدثوا في الدين ما لم يكن معروفاً في عهده ﵊، فأجابوه، والحق أن هذا الجواب هو لسان أكثر المتعبدين ولكن على غير هدى من ربهم .. نفوسهم طيبة .. نواياهم حسنة .. ولكنهم لما خالفوا سنة الرسول ﵇ ما أجروا إن لم يكن قد وزروا، قالوا: ماذا قالوا؟ والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.
ترى! هل تغني النية الصالحة عن العمل، أي: أن يكون عمل الإنسان غير صالح لكن نيته صالحة يكفيه؟ ! لا يكفيه .. وهنا بيت القصيد: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] كما أن النية الصالحة لا تشفع للعمل الطالح فيجعله صالحاً، كذلك إذا كان العمل
стр. 3448
صالحاً موافقاً للسنة ولكن النية غير صالحة لا يفيده هذا العمل الصالح شيئاً إطلاقاً فلا بد من اجتماع الشرطين المذكورين.
عندما قال أولئك الناس لابن مسعود وهم صادقون فيما يقولون: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لا يصيبه .. هذه حقيقة مرة! أي: من أراد الخير اتخذ سبيله، سلك السبيل الذي يوصل إلى الخير كما قال ﵊ مؤكداً لكلمة ابن مسعود ..
بل والله أعلم - والآن هذه خاطرة بدرت لي لأول مرة في حياتي - والله أعلم أن ابن مسعود أخذ هذه الكلمة من حديث الذي رواه عن الرسول ﵇: «أن النبي ﵌ كان بين أصحابه يوماً فخط لهم على الأرض خطاً مستقيماً، وقرأ الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وخط خطوطاً عن يمين الخط المستقيم ويساره - وقال ﵇ موضحاً للخط المستقيم -: هذا صراط الله، وهذه طرق على جنبي الطريق المستقيم وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعوا الناس إليه».
وهذا الحديث يجب أن نأخذ عبرة .. ما يكفي المسلم أن يعيش هكذا سبهللاً، فلتان في الحياة .. يا أيها الناس اتبعوا الناس! لا، أيها الناس اتبعوا سيد الناس، أي: عليكم أن تعرفوا سنة نبيكم ﵌ في أمور حياتكم الدينية كلها، سواء ما كان منها عقيدةً، أو ما كان منها عبادةً، أو ما كان منها سلوكاً، كل ذلك يجب أن يكون معلوماً عند كل مسلم يرجو النجاة يوم القيامة كما قلنا آنفاً.
فالظاهر أن ابن مسعود لما قال لهم: وكم من مريد للخير لا يصيبه، يشير إلى هذا الحديث أنهم ما سلكوا الطريق المستقيم، وإذاً: فهم سوف لا يصلون كما قال الشاعر القديم:
стр. 3449
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
فإذاً: الذي يرجو النجاة يجب أن يتمسك بسفينة النجاة وهي ما جاء به رسول الله ﵌ من الهدى والنور، قال: وكم من مريد للخير لا يصيبه! إن محمداً ﵌ حدثنا فقال: «سيكون في أمتي أقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» سيكون في أمتي أقوام يمرقون من الدين بسرعة غريبة جداً كما يمرق السهم من الرمية، أي: من الدابة المرمية.
العبرة من هذه القصة في خاتمتها .. قال الذي حدث بهذه القصة: فلقد رأيت أولئك الأقوام أي: أصحاب الحلقات .. حلقات الذكر غير المشروع، قال: فلقد رأينا أولئك الأقوام يقاتلوننا يوم النهروان! وما معنى هذا الكلام؟ أصحاب الذكر غير المشروع هذه البدعة الصغيرة أودت بهم إلى البدعة الكبيرة وهي الخروج على علي بن أبي طالب الخليفة الراشد ومقاتلتهم له، فما كان منه ولم يسعه إلا أن يقاتلهم حتى استأصل شأفتهم ولم ينج منهم إلا رجلين أو ثلاثة.
لذلك اقتبسنا من هذه القصة شبيه ما يذكره بعض الفقهاء أن الذنوب الصغائر بريد الكبائر .. الذنوب الصغائر إذا ما استمر عليها المسلم وأصر عليها فستكون عاقبة أمرها أن توصله إلى الذنوب الكبائر، كذلك البدع الصغائر التي يستسهلها بعض الناس .. ويقولون لك: يا أخي! ماذا فيها هذه؟ ! لا يفكر تماماً كما قال بعض الفقهاء أيضاً: لا تستصغر المعصية فإنها عظيمة حينما تتذكر عظمة الله ﵎ وأنه قد نهاك عنها فيجب أن تنتهي منها، كذلك أيها المبتلى ببعض البدع تتقرب بها إلى الله ﵎ لا تقل: ماذا فيها؟ فيها أن الإسلام قد كمل فإذا ما قلت: هذه بدعة حسنة فمعنى ذلك أنك تستدرك على هذا الرب الذي أنزل في القرآن الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
стр. 3450
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
-بقي في نفسي كلمات أرجو أن تكون قليلات حتى نفسح المجال لتلقي بعض الأسئلة حول الموضوع السابق إن كان هناك سائل أو حول غيره ذكرت لكم آنفاً أكثر من مرة في تضاعيف كلمة الآية الكريمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخرها فالذي يريد أن أثني على ما مضى من البيان والكلام تنبيه الحاضرين إلى ألا ينظروا إلى هذه المسألة بنظرة اللا مبالاة وقلة الاهتمام والتي قد يعبر عن ذلك بعض الناس بقولهم هذه يا أخي مسائل فرعية بل قد يقول بعضهم هذه من القشور وليست من اللباب فلا تشغلونا بالقشور عن اللباب ولا تشغلونا بتوافه من الأمور عن مهمها، فأقول تحذيراً ونصحاً والدين النصيحة كما تعلمون: لا يجوز أن يصدر شيء من هذا الكلام من مسلم بعد أن نُبِّهَ على خطورة هذه القاعدة وهي قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» مع ذاك البيان الذي أحاط بجوانب كثيرة من نصوص السنة والآثار السلفية لا ينبغي للمسلم أن يقول، أولاً بعامة لا يجوز أن يقسم الشريعة إلى لباب وقشور أو إلى مسائل هامة وغير هامة، لأنه من المعلوم عند جميع الباحثين أن الإسلام يجب أن يتبنى كلاً لا يجزأ، ومعنى هذا بقواعده وفروعه، ومعنى هذا بفروضه ومندوباته، يجب أن يحمل الإسلام أولاً علماً وثانياً عملاً ولكن في حدود لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فإذا كنت أنت أيها المسلم اخترت لك منهجاً في حياتك يشبه ذاك المنهج الذي عبر عنه ذلك الرجل الأعرابي أو النجدي حينما جاء سائلاً نبيه ﵊ عما فرض الله له فبعد أن بين له خمس صلوات وصوم شهر واحد في السنة وهو رمضان إلى آخره، قال: هل علي غيرهن يا رسول الله؟ قال: لا إلا أن تتطوع إلا أن تتطوع، قال والله يا رسول الله لا أزيد عليهن ولا أنقص فإذا اختار الرجل المسلم منهج هذا الأعرابي أو هذا
стр. 3451
النجدي وأنه لا يريد أن يتقرب إلى الله إلا بما فرض الله فليس لنا عليه سبيل من الانتقاد،
ولكن إياه وليحذر من أن ينتقد المخالف له الذي يحافظ على الفرائض ويحافظ على السنن ويحافظ على المندوبات والمستحبات وكل العبادات حذاري أن ينكر شيئاً من ذلك، وبمثل هذه الألفاظ التي نسمعها في كثير من الأحيان هذه أمور تافهة، هذه قشور، سبحان الله، هذه عبادات فلماذا تسميها بأمور تافهة، وتارة بقشور، على أن القشور التي يشبه هذا البعض بعض العبادات المشروعة بها القشور المادية التي نراها في بعض الثمار المعروفة ما خلقها الله عبثاً بل نحن نعلم بالتجربة أن هذا اللب لولا القشر ما تهنينا به، ولا انتفعنا به، إذاً ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت، فإذا خلق ثمرة وأحاطها قشراً فذلك لحكمة بالغة، كذلك إذا شرع الله في الشريعة أموراً هي فريضة وأخرى هي دون الفريضة فما شرع ذلك عبثاً وإنما لفائدة عظيمة جداً، ويجب أن نعرف هذه الفائدة بمثل هذه المناسبة وهي كما جاء في الحديث الصحيح أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح وأنجح وإن نقصت فقد خاب وخسر، في حديث آخر وهو الشاهد وإن نقصت قال الله ﵎ انظروا هل لعبدي من تطوع فتتم له به فريضته، إذاً هذا التطوع لا يصح أن يقال إنه من توافه الأمور ومن القشور لأن هذا التطوع في شرع الله وفي فضل الله على عباده سيقوم مقام الفرائض التي إما أن يكون ضيعها أصلاً وإما أن يكون قد نقص فيها فعلاً، فالرسول ﵇ يخبرنا بأن الله من فضله على عباده يوم القيامة يقول للملائكة انظروا هل لعبدي من تطوع، فتتم له به فريضته.
إذاً لا يجوز هذا التفريق لأن كلاً مما هو بتعبيرهم لب أو قشر هو أمر مرغوب فيه مشروع، فلا يجوز الاستهانة بالقشر لأنه لا يجوز الاستهانة باللب، ومتى
стр. 3452
استهنا بالقشر وصلت الاستهانة كما علمتم من الحديث إلى اللب.
فأريد مما سبق أن هذه المسألة لو كان في الإسلام لب وقشر لو كان في الإسلام أمور تافهة فهذه الكلمة التي صدرت من النبي ﵌ وشرحناها لكم آنفاً هي من لب اللب إذا صح أيضاً هذا التعبير، وأقول متحفظاً: لماذا؟ لأن الرسول ﵇ ما كان عبثاً بين يدي كل خطبة يذكر الصحابة: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ولهذا تأكيداً لهذا الذي أقوله لقد جاء في «صحيح البخاري» أن حبراً من أحبار اليهود جاء إلى عمر أمير المؤمنين في خلافته فقال يا أمير المؤمنين آية في كتاب الله لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا يوم وجوبها عيداً قال عمر ما هي؟ قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال أنا أعلم الناس بنزولها، لقد نزلت ورسول الله في عرفات ويوم جمعة، فإذاً نزلت الآية في يوم عيدين: عيد الجمعة، وعيد عرفة، إذاً هذه الآية عرف الحبر اليهودي قيمتها وقد يمكن أن يكون كان حبراً من اليهود ثم هداه الله، وقد يمكن أن يكون قد ضل في ضلاله، ما يهمنا، لكن على كل حال انتبه لهذا الفضل الإلهي على المسلمين حين امتن عليهم بهذه الآية الكريمة اليوم أكملت لكم دينكم إلى آخرها، إذاً هذا الإكمال وبإتمام فضل عظيم جداً من الله ﵎، فهل نحن معشر المسلمين عرفنا هذه الحقيقة؟ أقولها آسفاً: جماهير المسلمين من الدعاة فمن دونهم لم ينتبهوا لعظمة هذه النعمة الإلهية على عباده المؤمنين بينما ذاك الحبر اليهودي قد انتبه وقال لو علينا نزلت لاتخذنا يوم نزولها عيداً فقال عمر نزلت يوم عيد يوم جمعة ويوم عرفة بناء على عظمة هذه الآية، ماذا قال أحد الأئمة الأربعة وهو إمام دار الهجرة الإمام مالك ابن أنس ﵀ قال -انتبهوا، ولا تظنوا أن المسألة من توافه الأمور أو من القشور كما يقولون- قال ﵀ ورضي عنه: من ابتدع في الإسلام بدعة
стр. 3453
ليس بدع كثيرة، من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وعلى اله وسلم خان الرسالة، من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة يقول لك ماذا فيها، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وعلى اله وسلم خان الرسالة، اقرؤوا قول الله ﵎ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ ديناً -كلام يكتب بماء الذهب كما يقولون من قبل- فما لم يكن يومئذ ديناً، لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أَوَّلها، إذاً أختم الكلمة وقوفاً عند هذه الجملة المالكية المدنية، مالك يقول ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، والآن تجد في المجتمع الإسلامي طوائف وجماعات وفرق وأحزاب وإلى آخرها وكلها تنشد العز للإسلام وعود الحكم للإسلام ولكنهم إلا من شاء الله وقليل ما هم يصدق عليهم قول الشاعر العربي القديم:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
لماذا؟ لأن مالك ﵀ سمعتم أنه قال لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، سؤال مختصر جداً، وجواب مختصر، لماذا صلح أولها بالإيمان والعمل الصالح الإيمان والعمل الصالح كلاهما لا يمكن الوصول إليهما إلا بالعلم النافع، وما هو العلم النافع العلم النافع، جمعه إمام من أئمة المسلمين في أبيات من الشعر حينما قال العلم أنا أنهي الكلام بهذه الأبيات.
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العمل نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه
وبهذا القدر كفاية ونسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا وأن يلهمنا العمل
стр. 3454
بما تعلمنا وهو على كل شيء قدير.
(الهدى والنور / ٥٣٨/ ٤٧: ٠٠: ٠٠).
(الهدى والنور / ٥٣٨/ ١٤: ١٠: ٠٠).
стр. 3455
خطر الابتداع
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
كلمتي في هذه الليلة الطيبة إن شاء الله والمباركة في كلمتين خفيفتين قصيرتين جداً لكنهما يجمعان الإسلام كله، هما: ألا نعبد إلا الله، وهذا كلكم تعرفونه مع غفلة عن كثير من حقائق هذه العبادة.
стр. 3456
أما الأخرى فكثير من الناس لا يعلمونها وهي بعد أن قلنا في الكلمة الأولى: ألا نعبد إلا الله، أما الكلمة الأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله، ألا نعبد إلا الله وألا نعبده إلا بما شرع الله.
إذاً هما حقيقتان شرعيتان هامتان جداً جداً، لا يكون المسلم مؤمناً إلا بعد أن يحقق معنى هاتين الكلمتين في نفسه وقلبه وإيمانه، هما: ألا نعبد إلا الله. هذه الأولى. والأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله.
فهاتان الكلمتان هما خلاصة الشهادتين اللتين قال فيهما رسول الله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس - كل الناس من الكفار - حتى يشهدوا ألا إله إلا الله» هي الكلمة الأولى.
«وأن محمداً رسول الله» هي الكلمة الأخرى «إلا بحسابها، إلا بحقها وحسابهم عند الله ﵎».
كثير من الناس لا يعلمون حقيقة هاتين الشهادتين اللتين لا يمكن لكافر أن يقبل إسلامه إلا بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كلنا يعلم هذه الحقيقة أن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن الكثير من المسلمين لا يعلمون ما تتطلبه هاتان الشهادتان، الأولى لا إله إلا الله، والأخرى محمد رسول الله.
أريد أن أدير كلمتي هذه في هذه الليلة حول الشهادة الثانية: وأن محمداً رسول الله، مع الإيجاز من البيان في الشهادة الأولى لا بد منه.
فقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» تعني أول ما تعني: ألا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، تعني: أن يخلص المسلم عبادته لله فلا يشرك في عبادة الله مع الله أحداً. وهذا له بحثه الطويل،
стр. 3457
ولعلنا تعرضنا له أكثر من مرة، لكن أردت إيجاز الكلام في هذه الكلمة الطيبة أن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ليس معناها كما قد يتوهم البعض: لا إله أي: لا رب، هذا معنىً قاصر، الإله هو المعبود، أما الرب فقد يطلق على الخالق الذي هو رب البيت وهو رب العالمين ورب العرش العظيم ونحو ذلك، وقد يطلق على رب المال صاحب المال وصاحب الدار ونحو ذلك.
فليس المقصود من الكلمة الطيبة هذه: لا إله إلا الله بمعنى: لا رب إلا الله فقط، لا. وإنما المقصود: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولذلك فكلمة التوحيد هذه لا تفيد صاحبها شيئاً مما يرجى لقائلها يوم لقاء الله من النجاة في الخلود في النار إلا إذا فهم معنى الإله في هذه الشهادة، في هذه الكلمة الطيبة الإله هو المعبود الحق، فلا يعبد مع الله غيره ﵎.
هكذا معنى كلمة التوحيد، ذلك لأن المشركين كانوا بنص القرآن الكريم، كانوا بنص القرآن الكريم يشهدون أن خالق السماوات والأرضين هو الله، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨].
فلا يكفي المسلم إذاً أن يقول: إن الله هو الخالق هو الرازق وهذا لا بد منه، لكن يجب أن يضم إلى اعتقاده بأنه لا رب إلا الله ولا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا معبود في الوجود بحق إلا الله ﵎ وبذلك يقوم بحق هذه الكلمة الطيبة، يقوم بحق هذه الكلمة الطيبة.
قلت آنفاً: أوجز الكلام في هذه الكلمة الطيبة لأنني تعرضت لذلك أكثر من مرة، أريد أن أخصص قليلاً من جلستنا هذه حول الشهادة الثانية وهي: وأن محمداً رسول الله.
قلت: هما كلمتان: لا نعبد إلا الله هذا معنى لا إله إلا الله. والكلمة الثانية: لا
стр. 3458
نعبد الله إلا بما شرع الله، فإذا عبدنا الله بما شرع الله فقط يكون صدقنا وآمنا حقيقة حينما نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أما إذا وسعنا دائرة العبادة فعبدنا الله بما لم يشرع ربنا في القرآن ولا في السنة فلا نكون قد آمنا حقيقة بالشهادة الثانية: وأن محمداً رسول الله. لم؟ لأن إيماننا بأن محمداً رسول الله يعني أمرين اثنين:
الأمر الأول: أنه مبعوث رسولاً من رب العالمين لكافة الناس بشيراً ونذيراً، رسولاً يعني برسالة هي رسالة الإسلام.
والأمر الآخر: أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ولم يدع لأحد شيئاً يستدركه عليه ﵌، ولذلك قال ربنا ﵎ مؤكداً لقيامه ﵌ بحق كونه رسولاً وبذلك نشهد فنقول: وأن محمداً رسول الله.
وقد نزلت آية عظيمة جداً جداً ورسول الله ﵌ على عرفة وفي حجة الوداع تأكيداً لهذا المعنى أن النبي ﵌ أدى الرسالة كاملة غير منقوصة، فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
نزلت هذه الآية الكريمة ورسول الله ﵌ على عرفة ويوم جمعة، ولقد عرف قيمة هذه الآية الكريمة، هذه النعمة العظيمة الذي امتن الله ﵎ بها على عباده بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر الآية.
وقد عرف هذه الحقيقة حبر من أحبار اليهود كان قد أسلم هداه الله إلى الإيمان بالله ورسوله ألا وهو كعب الأحبار على قلة من أسلم من اليهود، فلما عرف مما درس من كتاب الله هذه الآية الكريمة جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتاب الله لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا يوم
стр. 3459
نزولها عيداً. قال عمر: ما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر الآية. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد نزلت في يوم عيد يوم الجمعة ورسول الله ﵌ على عرفة.
إذاً لقد صدق لقد صدق ظن كعب الأحبار حينما أحس بعظمة هذه الآية حينما قال: لو نزلت على اليهود لاتخذوا يوم نزولها عيداً، فأخبره عمر بأن المسلمين يعيدون في هذا اليوم فعلاً ألا وهو يوم الجمعة ويوم عرفة أيضاً.
الغرض من تقديم هذه الرواية الصحيحة - وهي في صحيح البخاري - هو تذكير المؤمنين بالله ورسوله حقاً، بعظمة هذه النعمة التي امتن الله بها على عباده حينما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] لكن المسلمين إلا قليلاً منهم لم يعرفوا قيمة هذه النعمة، ولم يقدروها حق قدرها، لم؟ لسببين اثنين، أحدهما يعود إلى الفكر والآخر يعود إلى العمل الذي هم عليه.
أما الفكر فإننا إلى اليوم نعيش في مشكلة فقهية مخالفة لما تنص عليه هذه الآية الكريمة من أن الدين أكمله الله على رسوله ﵌، نعيش في مشكلة، مشكلة أن العبادات التي يتعبدها المسلمون اليوم كثير منها ليس من الدين بشيء، ليس من الإسلام بسبيل مع أننا سمعنا آنفاً أولاً الآية وأنها نزلت في يوم عيد ورسول الله ﵌ على جبل عرفات وفي حجة الوداع.
هذه النعمة عظيمة ما قدرها كثير من المسلمين حق قدرها، ولو أنهم قدروها حق قدرها لوقفوا عندما شرع الله على لسان رسول الله ﵌، لست أعني فقط أن هناك قوانين ودساتير وضعت لم توضع على كتاب الله وعلى حديث رسول الله ﵌، لأن هذه الدساتير والقوانين لم يضعها علماء المسلمين وفقهاء المسلمين والمسلمون المتعبدون المخلصون لدينهم، وإنما هي فرضت عليهم، وإنما أعني
стр. 3460
أفراد المسلمين الصالحين منهم الذين يقومون الليل ويصومون النهار ومع ذلك فهم لا يقفون عند هذه النعمة من كمال الدين، فيتعبدون الله بما لم يأتِ في الدين ولم يبينه رسول رب العالمين.
هذا الذي أردت توضيحه بعد ذلك الإجمال حينما قلنا أصلان لا بد لكل مسلم أن يدين الله بهما، الأصل الأول: ألا يعبد إلا الله. والأصل الثاني: ألا يعبده إلا بما شرع الله، لم؟ لأن الدين قد أكمله الله ﵎.
هذه الحقيقة - مع الأسف - غائبة عن أذهان كثير من المسلمين المتعبدين والمتفقهين، ذلك لأن الإسلام اليوم وقد مضى عليه أربعة عشر قرناً قد دخل فيه مع الزمن ما ليس منه، ولذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﵌ والآثار السلفية تحذر من الإدخال لشيء ما في الدين باسم التقرب إلى الله ﵎، ذلك لأن الله قد كفانا مؤنة الإحداث والإدخال في الدين ما لم يكن منه كما سمعتم آنفاً من الآية التي نزلت في عرفة.
وأكد النبي ﵌ هذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة في بعض الأحاديث الصحيحة التي منها قوله ﵌: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويبعدكم عن النار إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» إذاً انتهى باب العبادة، فلا سبيل لأن يتعبد المسلم إلا بما جاءنا به رسول الله ﵌.
من أجل هذا جاءت الأحاديث الكثيرة والكثيرة جداً وكذلك الآثار عن الصحابة والسلف الصالح تنهى المسلمين من الإحداث في الدين، تنهاهم نهياً مطلقاً دون أن يدخل هذا النهي شيء من التخصيص أو التقييد، وبعض هذه الأحاديث معروفة ولكن قل من يقف عند دلالتها العامة.
стр. 3461
فآنفاً افتتحت كلمتي هذه بخطبة الحاجة التي كان رسول الله ﵌ يفتتح بها خطبه، وفيها: خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
هذه الكلية كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؛ لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله حقاً أن يعارض هذه الكلية وأن يقول: لا، ليست كل بدعة ضلالة أو ليس كل بدعة ضلالة، كيف يقول هذا مسلم يؤمن بالله ورسوله حقاً يعارضه ويشاققه ويشاكسه ويقول: كل بدعة ضلالة ثم هكذا يقول رسول الله، ثم هناك من يقول: لا، البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حسنة وبدعة سيئة. هذه قسمة ضيزى يجب على كل مسلم ألا يؤمن بها، لأنها تنافي إيمانه بقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
عجيب جداً أن يوجد في بعض المسلمين من يشاقق الرسول في هذه الكلمة، هو يقول: «كل بدعة ضلالة» وذاك المسلم يقول: هناك البدعة تنقسم إلى قسمين: حسنة وسيئة. ماذا يقال في من يقول في حديث الرسول ﵇ آخر فيه مثل هذه الكلية.
قال ﵌: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» هل يعقل أن يقول مسلم: هذا الكلام مقسوم إلى قسمين؟ ليس كل مسكر خمر، بل منه ما هو خمر ومنه ما ليس بخمر. هذا لا يتصور أن يصدر من مسلم إلا سهواً، إلا خطأً هذا ممكن.
أما أن يصبح شريعة مستمرة في أذهان المسلمين بل وأكثر المسلمين بسبب زلة وقع فيها عالم فهنا تكمن المشكلة، ممكن أن يقول قائل خطأً وسهواً ما يخالف القرآن والسنة، ولكن لا يمكن أن تصبح هذه المخالفة شريعة وعبادة مستمرة طيلة هذه السنين الطويلة.
стр. 3462
فمن يقول في قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة» ليس كل بدعة ضلالة وإنما هي بدعة حسنة وبدعة سيئة مثله من يقول في قوله ﵇ الآخر: «كل مسكر خمر» فيقول ذلك الذي قسم البدعة إلى قسمين أيضاً يقول: ليس كل مسكر خمر، وإنما منه ما هو خمر ومنه ما ليس بخمر.
سبحان الله! كيف يتجرأ المسلم أن يقول بهذه القسمة الضيزى؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
الأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﵌ تحذر من كل عبادة لم يشرعها الله على لسان رسول الله أكثر من أن تحصر.
ذكرت لكم آنفاً الحديث الذي يعم كل بدعة بأنها ضلالة، والآن أذكركم بحديث آخر هي وصية الحبيب ﵌ لأصحابه في موعظة وعظ بها أصحابه ﵊، كما قال العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه وهو كان من فقراء الصحابة الذين كانوا يأوون إلى الصفة لا همَّ لهم إلا صحبة النبي ﵌ والاستفادة من علمه ﵊، قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها وصية مودع فأوصنا وصية لا نحتاج إلى أحد بعدك أبداً. قال ﵊: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة» هذه أيضاً كلية.
«فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ثم جاءت
стр. 3463
أحاديث النبي ﵌ الأخرى بألفاظ تختلف عن لفظ الكل لكنها تؤيد معنى الكل المذكور في هذا الحديث وفي ما قبله، من ذلك مثلاً قوله ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» هذا أيضاً يعني تلك الكلية التي جاءت في الحديثين المذكورين آنفاً، لأنكم علمتم من آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أن الدين قد كمل، فمن أحدث في هذا الدين شيئاً ... يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي: مردود على الذي أحدث تلك المحدثة لأن الدين كمل والحمد لله كما في آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
فإذاً كلما ذكرنا حديثاً ولو لم يكن فيه لفظ كل بدعة، لكنه يؤيد هذه الكلية كل التأييد، من ذلك مثلاً حديث الرهط الذين جاؤوا إلى النبي ﵌ وهم ثلاثة رجال فلم يجدوه فسألوا أهله ﵊ عن عبادته، عن قيامه وصيامه وقربانه لنسائه، فذكرن ما يعلمن من ذلك عن النبي ﵌، فقلن: إنه ﵊ يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء. فلما سمع الرهط كلام نساء النبي ﵌ تقول أو يقول راوي الحديث وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: لما سمعوا ذلك تقالوها، أي: وجدوا عبادة الرسول قليلة. سبحان الله! رسول الله الذي قام حتى تفطرت وفي لفظ: تشققت قدماه، يقول هذا الرهط أن عبادة الرسول ﵇ قليلة، لماذا؟ هنا الشاهد وهنا النكتة يا إخواننا فانتبهوا.
إنهم كانوا يتوهمون أن التقرب إلى الله ﵎ إنما يكون بالترهب أي: بأن ينذر المسلم نفسه لعبادة الله فقط ولا يهتم بشيء من أمور الدنيا، لا يهتم بشيء يتعلق بنسائه وأولاده، هكذا هم تصوروا. وهذا بلا شك تصور مخالف
стр. 3464
للإسلام الذي من أقواله ﵊: «لا رهبانية في الإسلام».
من أجل هذا التوهم الخاطئ وجدوا عبادة الرسول ﵇ قليلة، ومن ذلك رجعوا إلى أنفسهم يقولون: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لسان حالهم يقول: لماذا لا يتمتع الرسول بنسائه؟ لماذا لا يتمتع النبي ﵇ بنومه؟ لماذا لا يتمتع الرسول بطعامه وشرابه؟ إذاً هو كان يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء أي: يغتسل منهن.
هم تصوروه ﵇ حسب تصورهم الخاطئ أنه قائم الليل كل الليل، أنه صائم الدهر كل الدهر وأنه لا يقرب النساء، كما قال بعض القدامى: ضاع العلم بين أفخاذ النساء، فتصوروا الرسول ﵇ أنه لا علاقة له بهذه الدنيا، ثم عادوا يعللون تلك القلة من رسول الله ﵌ بعلة لو أنهم صمموا عليها وأصروا عليها ولم يعودوا إلى سنته ﵇ لضلوا ضلالاً بعيداً، لأنهم قالوا: ولماذا رسول الله يتعب نفسه فيصلي الليل كله ويصوم الدهر؟ ما في حاجة، الله غفر له وكما يقال في بعض البلاد: حط رجليه بالماء البارد واستراح.
هذا طعن في عبادة الرسول ﵇، وهو الذي جاء في صحيح البخاري من حديث جماعة من أصحاب النبي ﵌ ومنهم المغيرة بن شعبة، قال: «قام رسول الله ﵌ حتى تفطرت قدماه. قالوا: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» كأنهم يقولون له: ارفق بنفسك، اشفق عليها، لماذا تقوم هكذا حتى تشققت قدماه؟ فكان جوابه ﵇ كما هو المفروض في سيد البشر وأفضل البشر وأكمل البشر قاطبة، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً، أفلا أكون عبداً شكوراً».
إذاً رسول الله ﵌ حينما نسبه ذلك الرهط إلى الإقلال في العبادة كانوا
стр. 3465
مخطئين كل الخطأ، كانوا متوهمين لأنهم كانوا أو لأنهم كانوا يحمدون في فكرهم الرهبانية التي ليست من الإسلام، بناءً على ذلك الوهم القائم في أذهانهم وبعد أن عللوا قلة عبادة نبيهم أن الله غفر له وانتهى الأمر، قالوا: أما نحن فنحن لا نعلم أن الله قد غفر لنا فما هو السبيل لنحصل مغفرة ربنا ؟ تعاهد الثلاثة بعضهم مع بعض على ما يأتي.
أما أحدهم فقال ناذراً قال: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. قال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. أما الثالث قال: أما أنا فلا أتزوج النساء، وانصرفوا متعاهدين على أن يقوم كل واحد منهم بما عاهد الله عليه من قيام الليل كله، من صيام الدهر كله، من اجتناب النساء بالكلية وانصرفوا هكذا.
ولما جاء رسول الله ﵌ إلى نسائه وأخبرنه الخبر دخل المسجد وجمع الناس وخطبهم وقال. قال ﵊: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا» يعني: ... أقوال عرفتموها فلا حاجة لإعادتها، لكن الشاهد في ما يأتي.
«أما إني أتقاكم لله وأخشاكم لله، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» الشاهد من هذا الحديث كله الجملة الأخيرة بعد أن عرفتم سبب ورودها، هذه الجملة الأخيرة مع الأسف أكثر المسلمين المتعبدين لا أعني الزاهدين في عبادة الرسول ﵇ والمعرضين عنها بالكلية، إنما أعني الزاهدين المتعبدين الراغبين في الآخرة، قال في خاتمة الحديث: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» انتهى الحديث، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
أريد أن أقف قليلاً معكم عند قوله: «سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
стр. 3466
لعل الكثيرين منكم قرؤوا شيئاً من الفقه على أي مذهب من المذاهب الأربعة المتبعة من جماهير المسلمين أهل السنة والجماعة ويقرؤون في هذه الكتب تقسيم العبادات إلى أقسام منها فرض ومنها سنة، ولا أزيد على هذا لأن هنا الشاهد. ويعرفون السنة من حيث ثوابها ومن حيث حكم تاركها بأن من فعلها أثيب عليها دون ثواب الفريضة، ومن تركها لا يعاقب عليها، بعضهم يزيد - والزيادة لا أصل لها - لا يعاقب عليها لكن يزيد فيقول: لكنه يعاتب من رسول الله ﵌.
هذه الزيادة وهي قول بعضهم: أن من ترك سنة من سنن النبي ﵌ التي هي ليست بفريضة ولا هي أيضاً بواجبة بالنسبة لرأي الحنفية الذين يفرقون بين الفرض والواجب فهي دون الفرض ودون الواجب يقولون قولة الحق: لا يعاقب تاركها، لكن يزيدون فيقولون: يعاتب تاركها. هذا العتاب ليس له أصل لا في كتاب الله ولا في حديث رسول الله ﵌ ولا في أثر من الآثار الواردة عن السلف الصالح ﵃ أجمعين، وإنما على العكس من ذلك أذكركم بحديث ذلك الأعرابي الذي سأل النبي ﵌ عما فرض الله عليه في كل يوم وليلة، فقال: «خمس صلوات. فلما قال له: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. فقال ﵊: أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق» فأين هذا العتاب المدعى؟ هذه كلمة كما يقال على الماشي، لكن الذي أريد أن أدندن حوله هو: هل السنة في هذا الحديث المتفق عليه هو بمعنى السنة التي ليست بفريضة ولا واجبة؟ الجواب: لا. هذا اصطلاح اصطلح الفقهاء ولا مشاحة كما يقول العلماء في الاصطلاح، اصطلحوا في سبيل بيان الأحكام وتوضيحها للناس فقسموا الأحكام إلى خمسة، قسموا العبادات أو الأحكام إلى خمسة فقالوا فرض وقالوا سنة وقالوا مستحب ونحو ذلك.
стр. 3467
ليس المقصود في قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ليس المقصود بالسنة في هذا الحديث الصحيح هي السنة المصطلح عليها وهي التي دون الفرض، وإنما المقصود بهذه السنة في الحديث الصحيح: الطريق والمنهج والشريعة التي سار عليها الرسول ﵊ بما فيها من أحكام حتى المباح، آخر حكم من الأحكام الخمسة المباح، فكما لا يجوز لمسلم أن يحرم ما أباح الله كذلك لا يجوز لمسلم أن يحلل ما حرم الله، كذلك لا يجوز لمسلم أن يشرع للناس فيقول لهم: هذه سنة، أو أن يقول لهم وهنا بيت القصيد: هذه سنة أو بدعة حسنة، لا يجوز أن يقول هذا الكلام لما سبق بيانه أن النبي ﵌ ذم البدعة الدينية، وأرجو أن تنتبهوا لهذا القيد، لأن كثيراً من الناس الغافلين أو الجاهلين حينما يقال لهم: هذه بدعة فلا تفعلها يقول: الذي لابسه أنت كله بدعة، الذي راكب السيارة هي بدعة، هذا من جهلهم أتوا لأنكم عرفتم آنفاً أن البدعة التي ذمها النبي ﵌ ذماً مطلقاً وحكم على صاحبها بأنه على ضلالة إنما عنى البدعة في الدين بدليل قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين: «من أحدث في أمرنا هذا، في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد».
إذاً قوله ﵌: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ما دلالة هذا الحديث على العموم الذي ذكرناه آنفاً صريحاً في بعض الأحاديث التي تذم البدعة ذماً عاماً شاملاً بحيث يسد على كل من كان قاصداً أن يعرف الحق في ما اختلف فيه الناس يسد عليه الطريق أن يقول: لا، هناك بدعة حسنة. قلنا: هذا أمر مستحيل أن يصدر من مسلم مؤمن يؤمن بالله ورسوله حقاً، لأنه يعتبر مشاقاة لله ولرسوله، رسولك أيها المسلم يقول لك: «كل بدعة ضلالة» وأنت بكل جرأة تقول: لا، ليس كل بدعة ضلالة إنما هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة. هذا لا يقوله إلا أحد رجلين: إما جاهل وإما غافل لا يدري ما يخرج من فمه.
стр. 3468
فأقول: قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» سنته أي: شريعة الله التي أنزلها الله على قلب محمد ﵇، وشريعة الله قد علمتم مما سبق من البيان أنها قد كملت والحمد لله بشهادة تلك الآية الصريحة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ما بعد الكمال إلا النقصان، أما الزيادة فلا مجال للزيادة في الدين أبداً.
قلت لكم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» هل هناك مسلم مهما تصورناه عالماً, زاهداً، صالحاً أن يكون مثل رسول الله ﵌ في العبادة؟ هذا مستحيل، لأنه لا مثله ﵊ لا في علمه ولا في خلقه ولا في عبادته.
إذاً ما هو الشيء الذي يمكن أن نتصوره في بعض عباد الله الصالحين الذين يأتون في المرتبة في الصلاح والعبادة والتقرب إلى الله بعد رسول الله ﵌؟ سنقول: لا بد أن يكون هؤلاء دون رسول الله ﵌ في العبادة كما قيل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
يعني حسب المسلم الصالح والعالم بشريعة الله أن يتشبه برسول الله ﵌، وبالكاد أن يقترب من عبادته، بالكاد. أما أن يكون مثله فهذا أمر مستحيل.
إذاً رجعنا إلى حديث من تلك الأحاديث: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به» إذاً يا مسلمون! لقد أغلق باب التشريع وباب الاستحسان في الدين بأن الدين قد كمل نصاً في الآية ونصاً في حديث الرسول ﵊، لذلك قال تلك الكلمة العظيمة جداً: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
لنتأمل الآن لمن قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»؟ لمن أراد أن يبتدع في الإسلام بدعة لا أصل لها، لأن هناك شبهة يقول بعضهم: إن البدعة الضلالة هي التي ليس لها أصل مطلقاً لا في الكتاب ولا في السنة.
стр. 3469
لننظر الآن في حق من قال ﵊: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» من أراد أن يقوم الليل كل الليل فهل قيام الليل بدعة؟ لا أحد والحمد لله يقول إلا أنها عبادة عظيمة جداً، وبخاصة أن هناك أحاديث صحيحة تأمر بقيام الليل مثل قوله ﵌: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم» لا أحد يقول: إن قيام الليل بدعة.
الآخرون ماذا قالوا؟ أن يصوموا الدهر، الصيام أيضاً خير عمل، الصيام خير عمل، وقد عرفتم أن الرسول ﵇ كان يصوم.
كذلك الثالث الذي قال: أنا لا أتزوج النساء. فعدم تزوج النساء إذا كان من باب الرهبنة فقد عرفتم أن ذلك لا رهبانية في الإسلام. الآن نقول بالنسبة للذي أراد أن يصوم الدهر وأن يقوم الليل كله: إنما أراد كل من هذين الزيادة في التقرب إلى الله بالصيام والقيام، الزيادة في التقرب إلى الله بالصيام وبالقيام، الصيام والقيام عبادة. إذاً هو أراد أو هما أرادا زيادة التقرب إلى الله بما أصله مشروع وهو الصيام والقيام، فهل قبل ذلك الرسول ﵇ من ذينك الرجلين؟ لا، رد ذلك عليهما بكلام فيه تشديد عليهما، قال: «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم لله» كأنه يقول ﵇ لهما: أنتم الآن أخشى لله مني؟ أنتما أو أنتم أتقى لله مني؟ أنا أقوم الليل وأنام، وأصوم وأفطر. أنتم الآن تريدون أن تصوموا الدهر وأن تقوموا الليل كله؟ يعني معناه انعكست القضية، أنتم أخشى وأنتم أتقى فهذا أمر مستحيل، فلا أفضل بعد رسول الله ﵌.
إذاً خذوا من هذا الحديث دليلاً واضحاً أن الزيادة في الدين ولو كانت عبادة في الأصل فهذه الزيادة منكرة أنكرها رسول الله ﵌.
فالمقصود إذاً من هذا الحديث كأمثلة بدأت في عهد الرسول عليه السلام
стр. 3470
باسم الزيادة في الدين وباسم زيادة التقرب إلى رب العالمين، مع ذلك رفضها رسول الله ﵌ رفضاً باتاً ولفت نظرهم أن من يصر على التقرب إلى الله بهذه العبادة الزائدة على ما جاء به ﵇ فمعنى ذلك: أن الزائد هو أتقى لربه وأخشى من ربه من نبيه ﵊.
ولا شك أن من تصور هذه الأفضلية لا يكون مسلماً، لأن النبي ﵌ هو أفضل البشر قاطبة في كل شيء لا سيما أنه قد اصطفاه ربه بخاتمة الشرائع والأديان.
على هذا النموذج وعلى هذا النهج جاءت أقوال السلف الصالح تلتقي في ذم البدعة التي يراد بها زيادة التقرب إلى الله ﵎، من ذلك مثلاً ما روي عن حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﵌ أنه قال: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها» أي: فلا تتعبدوها. انظروا هذه الكلية من هذا الصحابي الجليل صاحب سر رسول الله ﵌.
«كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تتعبدوها» الله أكبر. كم من عبادة اليوم نراها في المساجد وفي البيوت يريدون أن يزدادوا بها قربا إلى الله .
وهم يعلمون أن النبي ﵌ لم يفعلها، أن السلف الصالح لم يفعلها، أن الأئمة كل الأئمة وعلى رأسهم الأربعة لم يفعلوها. ما هو جوابهم؟ يا أخي! أيش فيها؟ هذه زيادة الخير خير، كلمة عامية يقولونها زيادة الخير خير، ما عرف رسول الله ﵌ هذه الكلمة. نعم.
هذه الكلمة هي كلمة ألقاها الشيطان في قلوب بعض العوام ليضلهم بذلك عن سبيل الله ، من الذي يقول زيادة الخير خير؟ حينما نلفت نظر بعض
следующие страницы →