Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
لعل الكثيرين منكم قرؤوا شيئاً من الفقه على أي مذهب من المذاهب الأربعة المتبعة من جماهير المسلمين أهل السنة والجماعة ويقرؤون في هذه الكتب تقسيم العبادات إلى أقسام منها فرض ومنها سنة، ولا أزيد على هذا لأن هنا الشاهد. ويعرفون السنة من حيث ثوابها ومن حيث حكم تاركها بأن من فعلها أثيب عليها دون ثواب الفريضة، ومن تركها لا يعاقب عليها، بعضهم يزيد - والزيادة لا أصل لها - لا يعاقب عليها لكن يزيد فيقول: لكنه يعاتب من رسول الله ﵌.
هذه الزيادة وهي قول بعضهم: أن من ترك سنة من سنن النبي ﵌ التي هي ليست بفريضة ولا هي أيضاً بواجبة بالنسبة لرأي الحنفية الذين يفرقون بين الفرض والواجب فهي دون الفرض ودون الواجب يقولون قولة الحق: لا يعاقب تاركها، لكن يزيدون فيقولون: يعاتب تاركها. هذا العتاب ليس له أصل لا في كتاب الله ولا في حديث رسول الله ﵌ ولا في أثر من الآثار الواردة عن السلف الصالح ﵃ أجمعين، وإنما على العكس من ذلك أذكركم بحديث ذلك الأعرابي الذي سأل النبي ﵌ عما فرض الله عليه في كل يوم وليلة، فقال: «خمس صلوات. فلما قال له: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. فقال ﵊: أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق» فأين هذا العتاب المدعى؟ هذه كلمة كما يقال على الماشي، لكن الذي أريد أن أدندن حوله هو: هل السنة في هذا الحديث المتفق عليه هو بمعنى السنة التي ليست بفريضة ولا واجبة؟ الجواب: لا. هذا اصطلاح اصطلح الفقهاء ولا مشاحة كما يقول العلماء في الاصطلاح، اصطلحوا في سبيل بيان الأحكام وتوضيحها للناس فقسموا الأحكام إلى خمسة، قسموا العبادات أو الأحكام إلى خمسة فقالوا فرض وقالوا سنة وقالوا مستحب ونحو ذلك.
стр. 3467
ليس المقصود في قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ليس المقصود بالسنة في هذا الحديث الصحيح هي السنة المصطلح عليها وهي التي دون الفرض، وإنما المقصود بهذه السنة في الحديث الصحيح: الطريق والمنهج والشريعة التي سار عليها الرسول ﵊ بما فيها من أحكام حتى المباح، آخر حكم من الأحكام الخمسة المباح، فكما لا يجوز لمسلم أن يحرم ما أباح الله كذلك لا يجوز لمسلم أن يحلل ما حرم الله، كذلك لا يجوز لمسلم أن يشرع للناس فيقول لهم: هذه سنة، أو أن يقول لهم وهنا بيت القصيد: هذه سنة أو بدعة حسنة، لا يجوز أن يقول هذا الكلام لما سبق بيانه أن النبي ﵌ ذم البدعة الدينية، وأرجو أن تنتبهوا لهذا القيد، لأن كثيراً من الناس الغافلين أو الجاهلين حينما يقال لهم: هذه بدعة فلا تفعلها يقول: الذي لابسه أنت كله بدعة، الذي راكب السيارة هي بدعة، هذا من جهلهم أتوا لأنكم عرفتم آنفاً أن البدعة التي ذمها النبي ﵌ ذماً مطلقاً وحكم على صاحبها بأنه على ضلالة إنما عنى البدعة في الدين بدليل قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين: «من أحدث في أمرنا هذا، في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد».
إذاً قوله ﵌: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ما دلالة هذا الحديث على العموم الذي ذكرناه آنفاً صريحاً في بعض الأحاديث التي تذم البدعة ذماً عاماً شاملاً بحيث يسد على كل من كان قاصداً أن يعرف الحق في ما اختلف فيه الناس يسد عليه الطريق أن يقول: لا، هناك بدعة حسنة. قلنا: هذا أمر مستحيل أن يصدر من مسلم مؤمن يؤمن بالله ورسوله حقاً، لأنه يعتبر مشاقاة لله ولرسوله، رسولك أيها المسلم يقول لك: «كل بدعة ضلالة» وأنت بكل جرأة تقول: لا، ليس كل بدعة ضلالة إنما هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة. هذا لا يقوله إلا أحد رجلين: إما جاهل وإما غافل لا يدري ما يخرج من فمه.
стр. 3468
فأقول: قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» سنته أي: شريعة الله التي أنزلها الله على قلب محمد ﵇، وشريعة الله قد علمتم مما سبق من البيان أنها قد كملت والحمد لله بشهادة تلك الآية الصريحة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ما بعد الكمال إلا النقصان، أما الزيادة فلا مجال للزيادة في الدين أبداً.
قلت لكم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» هل هناك مسلم مهما تصورناه عالماً, زاهداً، صالحاً أن يكون مثل رسول الله ﵌ في العبادة؟ هذا مستحيل، لأنه لا مثله ﵊ لا في علمه ولا في خلقه ولا في عبادته.
إذاً ما هو الشيء الذي يمكن أن نتصوره في بعض عباد الله الصالحين الذين يأتون في المرتبة في الصلاح والعبادة والتقرب إلى الله بعد رسول الله ﵌؟ سنقول: لا بد أن يكون هؤلاء دون رسول الله ﵌ في العبادة كما قيل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
يعني حسب المسلم الصالح والعالم بشريعة الله أن يتشبه برسول الله ﵌، وبالكاد أن يقترب من عبادته، بالكاد. أما أن يكون مثله فهذا أمر مستحيل.
إذاً رجعنا إلى حديث من تلك الأحاديث: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به» إذاً يا مسلمون! لقد أغلق باب التشريع وباب الاستحسان في الدين بأن الدين قد كمل نصاً في الآية ونصاً في حديث الرسول ﵊، لذلك قال تلك الكلمة العظيمة جداً: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
لنتأمل الآن لمن قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»؟ لمن أراد أن يبتدع في الإسلام بدعة لا أصل لها، لأن هناك شبهة يقول بعضهم: إن البدعة الضلالة هي التي ليس لها أصل مطلقاً لا في الكتاب ولا في السنة.
стр. 3469
لننظر الآن في حق من قال ﵊: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» من أراد أن يقوم الليل كل الليل فهل قيام الليل بدعة؟ لا أحد والحمد لله يقول إلا أنها عبادة عظيمة جداً، وبخاصة أن هناك أحاديث صحيحة تأمر بقيام الليل مثل قوله ﵌: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم» لا أحد يقول: إن قيام الليل بدعة.
الآخرون ماذا قالوا؟ أن يصوموا الدهر، الصيام أيضاً خير عمل، الصيام خير عمل، وقد عرفتم أن الرسول ﵇ كان يصوم.
كذلك الثالث الذي قال: أنا لا أتزوج النساء. فعدم تزوج النساء إذا كان من باب الرهبنة فقد عرفتم أن ذلك لا رهبانية في الإسلام. الآن نقول بالنسبة للذي أراد أن يصوم الدهر وأن يقوم الليل كله: إنما أراد كل من هذين الزيادة في التقرب إلى الله بالصيام والقيام، الزيادة في التقرب إلى الله بالصيام وبالقيام، الصيام والقيام عبادة. إذاً هو أراد أو هما أرادا زيادة التقرب إلى الله بما أصله مشروع وهو الصيام والقيام، فهل قبل ذلك الرسول ﵇ من ذينك الرجلين؟ لا، رد ذلك عليهما بكلام فيه تشديد عليهما، قال: «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم لله» كأنه يقول ﵇ لهما: أنتم الآن أخشى لله مني؟ أنتما أو أنتم أتقى لله مني؟ أنا أقوم الليل وأنام، وأصوم وأفطر. أنتم الآن تريدون أن تصوموا الدهر وأن تقوموا الليل كله؟ يعني معناه انعكست القضية، أنتم أخشى وأنتم أتقى فهذا أمر مستحيل، فلا أفضل بعد رسول الله ﵌.
إذاً خذوا من هذا الحديث دليلاً واضحاً أن الزيادة في الدين ولو كانت عبادة في الأصل فهذه الزيادة منكرة أنكرها رسول الله ﵌.
فالمقصود إذاً من هذا الحديث كأمثلة بدأت في عهد الرسول عليه السلام
стр. 3470
باسم الزيادة في الدين وباسم زيادة التقرب إلى رب العالمين، مع ذلك رفضها رسول الله ﵌ رفضاً باتاً ولفت نظرهم أن من يصر على التقرب إلى الله بهذه العبادة الزائدة على ما جاء به ﵇ فمعنى ذلك: أن الزائد هو أتقى لربه وأخشى من ربه من نبيه ﵊.
ولا شك أن من تصور هذه الأفضلية لا يكون مسلماً، لأن النبي ﵌ هو أفضل البشر قاطبة في كل شيء لا سيما أنه قد اصطفاه ربه بخاتمة الشرائع والأديان.
على هذا النموذج وعلى هذا النهج جاءت أقوال السلف الصالح تلتقي في ذم البدعة التي يراد بها زيادة التقرب إلى الله ﵎، من ذلك مثلاً ما روي عن حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﵌ أنه قال: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها» أي: فلا تتعبدوها. انظروا هذه الكلية من هذا الصحابي الجليل صاحب سر رسول الله ﵌.
«كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تتعبدوها» الله أكبر. كم من عبادة اليوم نراها في المساجد وفي البيوت يريدون أن يزدادوا بها قربا إلى الله .
وهم يعلمون أن النبي ﵌ لم يفعلها، أن السلف الصالح لم يفعلها، أن الأئمة كل الأئمة وعلى رأسهم الأربعة لم يفعلوها. ما هو جوابهم؟ يا أخي! أيش فيها؟ هذه زيادة الخير خير، كلمة عامية يقولونها زيادة الخير خير، ما عرف رسول الله ﵌ هذه الكلمة. نعم.
هذه الكلمة هي كلمة ألقاها الشيطان في قلوب بعض العوام ليضلهم بذلك عن سبيل الله ، من الذي يقول زيادة الخير خير؟ حينما نلفت نظر بعض
стр. 3471
طلاب العلم أو بعض المشايخ أنفسهم إلى أن هذه المحدثات يا جماعة! ما كانت في زمن الرسول ﵇ فلا تفعلوها، يقولون: يا أخي! ماذا فيها؟ ويذكرون هذه الكلمة: زيادة الخير خير.
أول من يكفر بهذه الجملة هو قائلها، ولا يمكن لمسلم يدري ما يخرج من فمه حتى لو كان من العامة فضلاً عن أن يكون من الخاصة، هذه الكلمة من يقولها فهو أول من يكفر بها. وانظروا الآن زيادة الخير خير، إي نعم.
طيب. ما رأيك لو صليت صلاة الفجر فريضة الفجر بدل ركعتين أربعة؟ لا، يقول لك: لا. لماذا؟ زيادة الخير خير، يقول لك: هذه فريضة. تأملوا الآن تجدون العجب كل العجب.
طيب. الحمد لله، ما رأيك تزيد ركعتين على سنة الفجر فتصلي سنة الفجر بدل ركعتين أربعة؟ يقف حيران وبعدين ينتبه يأتي كما يقال: عقل رحماني يقول: لا. لماذا يا أخي، أنتم عملتم زيادة الخير خير؟ في الأول أتينا لك فريضة الفجر قلت: هذه فريضة. الآن أتينا لك بالسنة أخيراً تنبهت فقلت: لا. ما هو الحجة عندك؟ قال: الرسول ﵇ ما صلى سنة الفجر إلا ركعتين، نقول له: عرفت فالزم.
وهذا الذي نريده من كل مسلم أن يقدر رسول الله. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] في القرآن الكريم. ولا يكون تعزيره وتوقيره ﵊ إلا كما قلنا لكم في أول الكلمتين قلنا: كلمتنا الليلة في كلمتين اثنتين: لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع الله على لسان رسول الله. هذا من معاني الشهادتين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
هذا الذي قال: ما دام ثبت أن الرسول صلى سنة الفجر ركعتين فأنا لا أزيد
стр. 3472
عليهما رجع إلى هذه القاعدة العظيمة جداً جداً وأكثر الناس عنها غافلون، على ذلك قيسوا كل الدين، كل الدين. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وعرفتم أن الرسول ما كتم شيئاً إنما بلغنا الإسلام كاملاً وافياً، فكل ما جاء عن الله ورسوله وقفنا عنده ولا مجال لنا أن نزيد في العبادة وفي الطاعة على ما جاء به رسول الله ﵌.
ذكرنا لكم في آخر ما ذكرنا أثر حذيفة بن اليمان: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها».
أثر آخر: عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق» (اتبعوا) أكثر الناس لا يقيمون وزناً جهلاً أو تجاهلاً لأمر ابن مسعود هذا رضي الله تعالى عنه.
«اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» ما معنى كفيتم؟ يعني: ربنا شرع لكم من الدين، من الطاعة ومن العبادة لو كان أعبد الناس بين ظهرانينا معشر المسلمين بعد رسول الله ﵌ لما استطاع أن يقوم بكل العبادات التي شرعها الله على لسان نبيه ﵌.
فالآن أقول: أتدرون من أعبد الناس؟ لقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﵌ قال: «أعبد الناس داود ﵊».
«أعبد الناس داود» هكذا الحديث بهذا اللفظ الموجز، وهذا يجرنا إلى أن نؤكد ما سبق من البيان أن زيادة: خير خير هي نفسها بدعة ضلالة. قولهم: زيادة الخير هي نفسها ضلالة؛ لأنها تخالف شريعة الله. كيف تكون زيادة خير خير والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر ما سبق من الأدلة، وآخرها قوله ﵌: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
стр. 3473
الآن نأتي بقصة تلتقي في بعض جوانبها مع قصة الرهط، هذه القصة تتعلق بعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. قال: «زوجني أبي بفتاة من قريش، فزار أبي زوجتي أو كنته فقال لها: كيف أنتِ وزوجكِ؟ قالت. وكانت مفاجأة بالنسبة لعمها عمرو بن العاص أبو زوجها. قالت: إنه لم يطأ لنا بعد فراشاً». أي: كأنهما لم يتزوجا، هو زوجه ليحصنه وهذا من واجب كل والد تجاه ولده.
ومن الطرائف أن عمرو بن العاص وابنه هذا عبد الله كان بينهما فقط من الفرق في السن خمسة عشر سنة، خمسة عشر سنة فقط، بمعنى: أن عمرو بن العاص تزوج وعمره خمسة عشر، ومن الصدف أو من الموافقات أو الاتفاقات الإلهية أنه زوج ابنه هذا وهو أيضاً ابن خمسة عشر سنة. النكتة من تحديد العمر أن تعرفوا كيف كان سلفنا الصالح، فتى في زهرة شبابه عمره خمسة عشر سنة يزوجه أبوه بفتاة من قريش وكأنه لم يتزوج، لماذا؟ لأنه كان قائم الليل صائم النهار، لأنه لما سألها عمرو بن العاص وقالت له: إنه لم يطأ لنا بعد فراشاً، إنه قائم الليل صائم النهار. كأنه يقول: ما لهذا من حاجة بالنساء والرجل زاهد متعبد، فغضب أبوه عمرو وذهب إلى النبي ﵌ وشكى ابنه إليه، كأنه قال له: زوجت ابني وكأنه ما تزوج وقالت زوجته: إنه لم يطأ لنا بعد فراشاً.
يقول ابن عمرو: فإما لقيني رسول الله ﵌ وإما أرسل إلي، فقال: «يا عبد الله - هنا الشاهد - بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار ولا تقرب النساء، فقال: قد كان ذلك يا رسول الله. فقال له ﵊: إن لنفسك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولزورك - أي الذي يزورك - ولزورك عليك حقاً» ثم وضع له ﵊ منهجاً يجمع به بين هذه
стр. 3474
الحقوق كلها، والحديث فيه طول لأنه من قبل قال له ﵊: «صم من كل شهر ثلاثة أيام واقرأ القرآن في كل شهر» لماذا؟ لأنه كان يختم القرآن في كل ليلة مرة. انظروا الآن زيادة الخير خير، لا. هذا كلام ... كان يختم القرآن في كل ليلة مرة، فقال له: «اقرأ القرآن في كل شهر مرة».
كذلك كان يصوم الدهر، دائماً صائم صائم، قال له: «صم من كل شهر ثلاثة أيام والحسنة بعشر أمثالها فكأنما صمت الدهر كله. يقول: يا رسول الله» تأملوا هذا الشاب ابن خمسة عشر سنة يقول: يا رسول الله! إني شاب، إني قوي، إني أستطيع أكثر من ذلك، فما زال رسول الله ﵌ يتساهل معه إلى أن انتهى الأمر أن أن تأن قال له: «فاقرأ القرآن في ثلاث - أي ليالي - فمن قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه».
وقال له في ما يتعلق بالصيام: «صم يوماً وأفطر يوماً فإنه أعدل صيام وهو صوم داود ﵇ وكان لا يفر إذا لاقى» لماذا؟ لأنه كان جمع بين القوتين: القوة المعنوية والقوة المادية الجسدية، فإذا لقي العدو كان عنده قوة بدنية يستطيع أن يقاومه، ولذلك كان من صفة داود ﵇ في هذا الحديث أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان لا يفر إذا لاقى.
إلى هنا انتهى رسول الله ﵌ مع ابن عمرو في التنازل له، لكنه لم يزل طامعاً فقال: «يا رسول الله! إني أريد أفضل من ذلك. قال: لا أفضل من ذلك» هذا الحديث أيضاً يؤكد أن العبادة التي يتقرب بها المسلم إلى الله إنما هي التي جاء بها رسول الله ﵌ فلا تقبل العبادة زيادة ما على ما جاء به رسول الله ﵌.
ختاماً والبحث في هذا طويل وطويل جداً فنريد أن نفسح المجال كالعادة
стр. 3475
لتلقي بعض الأسئلة، أختم هذه الكلمة ببيان خطر الزيادة في الدين والتقرب إلى الله بما لم يشرعه رب العالمين بأثر عن الإمام مالك إمام دار الهجرة المدينة المنورة، حيث قال ونعم ما قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة.
من ابتدع في الإسلام بدعة واحدة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة، اقرؤوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] اسمعوا. فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح. هذه حكمة بالغة. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. بماذا صلح به أولها؟ بالاستسلام للإسلام كما قال رب العالمين: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
بهذا تنتهي أو ينتهي بيان الأصلين السابقين، وأرجو على الأقل أن يستقر في أذهانكم معنى هاتين الجملتين القصيرتين إن لم تستقر بألفاظهما: لا نعبد إلا الله، لا نشرك به شيئاً بدلالة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ولا نعبد الله إلا بما شرع الله على لسان رسول الله، لأن هذا معنى قولنا: وأشهد أن محمداً رسول الله.
(الهدى والنور/٧١١/ ٣٩: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٧١١/ ١٩: ٠٧: ٠٠)
стр. 3476
خطر الابتداع
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة جامعة لفضل الإسلام، وهذه الجملة مستنبطة أصالةً من الشهادة التي هي الركن الأول من الإسلام، حيث قال ابن
стр. 3477
تيمية ﵀: الإسلام أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً هذا قسم، والقسم الثاني: ألا نعبده إلا بما شرع لنا، فالإسلام اجتمع في هاتين الكلمتين: أن نعبده ﵎ وحده لا شريك له، وألا نعبده إلا بما شرع، هذا من تمام التوحيد.
وهذا اصطلاح علمي دقيق لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن المشهور أن التوحيد إنما هو ذو أقسام ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية أو العبادة، وتوحيد الصفات، فجاء ابن تيمية بهذا التعبير الوجيز: ألا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع، فألا نعبد الله إلا بما شرع هنا ينطوي تحته بحث علمي خطير جداً طالما اختلف فيها المتأخرون ولم ينجوا من الاختلاف الممقوت منهم إلا الأقلون أعني بذلك: اختلافهم في هل يوجد في الإسلام بدعة حسنة أم لا؟ فجماهير المتأخرين مع الأسف الشديد يذهبون قولاً وأصلاً واعتقاداً إلى أن هناك في الإسلام بدعة حسنة.
ويقابلهم من أشرنا إليهم ألا وهم الأقلون الذين يقولون بما قال به الرسول ﵌ في الأحاديث الكثيرة والتي منها ما سمعتموه في مطلع كلمتنا هذه الليلة وهي التي تتردد دائماً في خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﵌ يعلمها أصحابه نفتتح عادةً خطبنا وكلماتنا بهذه الخطبة ثم نتبعها بما كان الرسول ﵇ يتبع خطبة الحاجة في خطب الجمعة، حيث كان ﵊ يقول في خطبة الجمعة: أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكرر هذه الجملة الجامعة: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار لكي تتركز في الأذهان، الأقلون قد اهتدوا بهدي الله ﵎ فتمسكوا بكلام الرسول ﵇ على عمومه
стр. 3478
وشموله فقالوا كما قال هو ﵇: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، لكن الشيء المهم الذي ينبغي أن نلاحظه هو أنه يوجد في هؤلاء الأقلون على سبيل الحكاية كثير ممن يقع في الابتداع في الدين؛ وما ذلك إلا لأنه لم يضبط قاعدة البدعة ويقول في نفسه: كل بدعة ضلالة كما قال الرسول ﵇؛ لأنه من الفريق القليل الذين اهتدوا بأحاديث الرسول ﵇ التي أطلقت الضلالة على كل بدعة، ولكن لكي لا يقع هؤلاء الأقلون في البدعة التي يفرون منها بتبنيهم القاعدة العامة: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، يجب أن يتقنوا بحث البدعة ليميزوها بين ما يدخل في عموم النص فلا يعملون به؛ لأن قوله: كل بدعة ضلالة شمله وإن كان هذا الذي دخل في هذا النص العام له أصل في الشريعة.
يشتبه الأمر على كثير من الناس حينما يرون بعض النصوص الحاضة على بعض الأعمال الصالحة فيأخذون بعمومها ولا يلاحظون أن بعض هذا العموم يشمله ذلك النص العام: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فالتفريق بين هذا الشمول وهو قوله ﵇: كل بدعة ضلالة وبين الشمول في نصوص أخرى: حيث تأمر في بعض العبادات أو تحض على بعض العبادات حضاً عاماً هنا يقع كثير من الخلط واللبس على بعض الناس.
وأنا قبل أن أذكر ما عندي ... في هذا الصدد، أريد أن أنصحكم بصفتكم مثلي طلاباً للعلم أن تدرسوا لأجل هذه المسألة فقط ولتتفهموها فهماً صحيحاً، ولتكونوا على ما كان عليه السلف الصالح من الابتعاد عن الابتداع في الدين ولو كان هذا الابتداع في الدين مستنداً إلى نص عام من أحاديث الرسول ﵊ لكي لا تقعوا في الابتداع في الدين أنصح بأن تقرؤوا كتاباً هو أعظم
стр. 3479
كتاب عرفته في هذا الموضوع ألا وهو كتاب: «الاعتصام» للإمام الشاطبي ﵀، فهذا كتاب مختص في هذا الموضوع لا مثل له فيما علمت، وكل من جاء بعده إنما هو عالة عليه وإنما هو يستقي منه.
وإلا فصل خاص يجب أيضاً أن تقرؤوه لشيخ الإسلام بن تيمية ﵀ في كتابه العظيم: «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم»، ففي هذا الكتاب طرق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الموضوع الهام الخطير فانتهى من حيث الجملة إلى ما يدل عليه الحديث السابق وما في معناه: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ولكنه نظر إلى المسألة من زاوية أخرى وهي: أنه قد تحدث بعض الأمور ويرى أهل العلم أنها أمور مشروعة ومع ذلك فهي لم تكن في عهد الرسول ﵊ فكيف لم يطبق عليها القاعدة: بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، بينما حدثت محدثات كثيرة وكثيرة جداً فاعتبر أهل العلم والتحقيق: كالشاطبي وابن تيمية وغيرهما من المحدثات.
فما هو الفصل .. ما هو الحكم الفصل بين ما يحدث ويكون مشروعاً وبين ما يحدث ولا يكون مشروعاً؟ هذا ما فصل القول فيه الإمام الشاطبي في الكتاب السابق: الاعتصام وجمعه وأوجز الكلام فيه شيخ الإسلام في الكتاب المذكور آنفا.
فأنا أوجز لكم القول: لا أريد في طبيعة الحال أن أذكركم بالنصوص التي تؤكد هذه القاعدة الإسلامية العظيمة: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؛ لأنني أعتقد أنكم على علم بذلك كما أظن وأرجو، ولكن أريد في الواقع أن أبين لكم أمرين اثنين لتتحققوا من معنى هذا الحديث الصحيح: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فلا تقعون في إفراط ولا في تفريط؛ لأن بعض الناس لجهلهم بما
стр. 3480
سيأتي ذكره عن الشيخين يحدث محدثات ويتمسك بها؛ لأنها دخلت في نصوص عامة، وناس آخرون ينكرون أموراً حدثت بحجة أنها حدثت وهي ليست بالمحدثات من الأمور، هذا التفصيل الدقيق نحن جميعاً بحاجة إليه.
يقول شيخ الإسلام ﵀ في الكتاب السابق الذكر ..
وقد انتهى الشريط إلى هذا الحد.
(الهدى والنور /٨٠٤/ ٠٠: ٤٦: ٠٠)
стр. 3481
خطورة الإحداث في الدين
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لعل الإخوان الحاضرين جميعاً يعلمون من دلالة هذا الحديث وأمثاله مما هو ثابت في كتب السنة، وصحيح الإسناد إلى النبي ﵌، لحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وكحديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
هذه الأحاديث تؤكد ما أظنه أنكم تفهمونه وتعتقدونه أن الابتداع في الدين كله ضلال، وأعني «في الدين» لأن الابتداع المذموم هو خاص في الدين، وأما في أمور الدنيا فمنه ما هو ممدوح، ومنه ما هو مذموم، حسب هذا المحدث إذا
стр. 3482
كان عارض شرعاً فهو مذموم، وإذا لم يعارض شرعاً فهو على الأقل جائز، ومن أحسن ما ينقل في هذه المناسبة كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث أنه وضع قاعدة مهمة جداً، استنبطها من تلك الأحاديث زائد النصوص الأخرى تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وهذه قاعدة أصولية، فقال ﵀: الأصل في الدين هو الامتناع، إلا لنص، والأصل في الدنيا الجواز إلا لنص. فهو يعني: كل محدث في الدين ممنوع، أما المحدث في الدنيا فهو مباح إلا إن عارض نصاً كما ذكرنا.
ثم مما ينبغي التنبيه عليه هو أن قوله ﵇: «وإياكم ومحدثات الأمور» إنما يعني كل عبادة حدثت بعد النبي ﵌ فتكون ضلالة، وإن كان في ظن كثير من الناس يحسبونها أنها حسنة، وبحق قال عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة»، ذلك لأن الاستحسان في الدين معناه أن هذا المستحسن قارن نفسه مع رب العالمين، الذي ليس لأحد سواه أن يشرع إلا ما شاء الله ، ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀: «من استحسن فقد شرع»؛ لأنه ما يدري هذا المستحسن أن هذا الذي استحسنه بعقله وفكره فقط ولم يستمد ذلك من كتاب ربه أو من سنة نبيه من أين له أن يعرف أن هذا أمر حسن.
لهذا يجب أن يكون موقفنا جميعاً من كل محدثة في الدين الامتناع عنها لما سبق ذكره من أحاديث صحيحة.
(الهدى والنور /٢٢/ ٣.: .. : .. )
стр. 3483
كلمة حول معنى قوله (﵌)
(كتاب الله وسنتي) وخطورة الإحداث في الدين
الشيخ: لقد جاء في الحديث الصحيح كما تعلمون إن شاء الله جميعاً قوله ﵊: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
والسنة في لغة النبي ﵌ معناها: أعم من السنة في اصطلاح الفقهاء، الفقهاء اصطلحوا ولا مشاحة في الاصطلاح: أن السنة هي التي تقابل الفريضة، وهي التي تكون دون الفريضة، والتي يخير فيها المسلم بين أن يأتي بها، ويكون له على ذلك أجر عظيم، وبين أن يدعها، ولا يكون عليه إثم لا كبير ولا صغير، وهذا مأخوذ من قوله ﵊ لذاك الرجل الذي جاء النبي ﵌ يسأله عما فرض الله عليه فذكر له خمس صلوات في كل يوم وليلة، مما ذكر له صيام رمضان، قال في آخر الحديث الرجل السائل: «هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع» أي: إلا أن تتنفل ما عليك إلا أن تأتي بما فرض الله عليك إلا إذا شئت أن تتنفل، أي: أن تأتي بالنوافل والسنن التي لم تفرض عليك، فهذا أفضل لك. ماذا قال ذلك الرجل؟ قال: والله لا أزيد عليهن ولا أنقص، أنا رجال قنوع أرضى بأن آتي فقط بالفرائض، وما سوى ذلك لا أزيد ولا أتي بشيء من النوافل، فماذا كان موقف الرسول ﵇ تجاه هذا الكلام؟ لم يكن ما جاء في الحديث الذي لا يصح نسبته إلى النبي ﵌، ويأتي ذكره في بعض كتب الفقه
стр. 3484
للمتأخرين: «من ترك سنتي لم تنله شفاعتي».
هذا الحديث ليس له أصل، ولم يذكر الرسول ﵇ شيئاً من ذلك، بل على العكس من ذلك قال: «دخل الجنة إن صدق أفلح الرجل إن صدق».
يعني: إذا حافظ على ما فرض الله عليه فقط، ولم يزد شيئاً من السنن الرواتب والمستحبات عليها، فإذا صدق فيما وعد به فهو يدخل الجنة، والإتيان بالفرائض يشمل في الواقع: الابتعاد عن المحرمات؛ لأن الابتعاد عن المحرمات هو من الفرائض والواجبات، ولذلك جاء في حديث آخر: أن سائلاً سأل: يا رسول الله أرأيت إن أنا حرمت الحرام، وحللت الحلال، وصليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان، أأدخل الجنة؟ قال: «نعم إن أنت حللت الحلال وحرمت الحرام وصليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان دخلت الجنة».
إذاً: على المسلم أن يحرص على الأقل أن يحافظ على الإتيان بالفرائض والابتعاد عن المحرمات إن فعل ذلك، فهو دخل الجنة كما يقال بالتعبير العصري اليوم: ترانزيت بدون توقف، أما إذا خالطه شيء من التقصير من القيام بشيء مما فرض الله عليه، أو من مواقعة وارتكاب بعض ما حرم الله عليك، فهذا حسابه عند الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
أريد أن أقول بأن السنة في الحديث السابق: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، لا يقصد به السنة التي هي دون الفريضة، وإنما يقصد به معنى لغوي شرعي يجب أن تتنبهوا له فيما إذا مرت بكم هذه اللفظة السنة في شيء من الأحاديث الصحيحة، فلا تفهموا منها معنى السنة اصطلاحاً، وإنما المعنى الشرعي وهو: الطريق والمنهج الذي سار عليه رسول الله ﵌.
«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي».
стр. 3485
ليس المقصود هنا: سنتي فقط النوافل أو الرواتب، وإنما الطريق التي جاء بها ﵊ يجب أن تُتَبَنَّى كُلاً وليس بعضاً وجزأً أولاً: فكراً وعقيدة. وثانياً: تطبيقاً وعملاً بقدر ما يستطيع الإنسان ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، هذه السنة معناها: الطريقة والمنهج وليس معناها: السنة التي دون الفريضة، فما جاء به ﵊ من الشرع والبيان هو السنة أي: الطريقة التي سار عليه الرسول ﵇.
والسنة بهذا المعنى الشرعي اللغوي المحدد: هو المقصود بالحديث الصحيح المشهور: «من رغب عن سنتي فليس مني».
لا يجوز لأحد أن يفهم من هذا الحديث: من ترك السنن الرواتب مثلاً، وتمسك بمذهب ذلك الأعرابي الذي قال: «والله يا رسول الله، لا أزيد عليهن ولا أنقص» ليس معنى السنة بهذا المعنى الاصطلاحي الفقهي، وإنما معنى السنة أيضاً في هذا الحديث: «من رغب عن سنتي فليس مني» نفس معنى الحديث الأول: «كتاب الله وسنتي» أي: طريقتي ومنهجي التي كنت عليها ومت عليها، هذه الطريقة وهذه السنة إذا أعرض الإنسان المسلم عنها، فليس في شيء من رسول الله ﵌، وإذا نحن ذكرنا لكم سبب رواية، أو سبب قول النبي ﵌ لهذا الحديث الثاني: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» يتضح لكم تمام الوضوح هذا المعنى الشرعي اللغوي للفظة: «سنتي»؛ ذلك أن رهطاً أي: جماعة من أصحاب النبي ﵌ جاؤوا إلى النبي ﵌ فلم يجدوه، فسألوا نساءه عن صلاته ﵊ في الليل، وصومه في النهار وقربانه للنساء، فأجبنهم: بأنه ﵊ يقوم الليل، وينام أي: إنه لا يقوم الليل كله كما يفعل بعض الغلاة المتعبدين، ولا أنه أيضاً ينام كل الليل كما يفعل بعض الراغبين الزاهدين
стр. 3486
عن الأجر الكبير من قيام الليل، وإنما هو يقوم وينام.
وفيما يتعلق بالصوم قالت أزواج الرسول ﵇: بأنه يصوم ويفطر، فليس هو صائم الدهر، وليس هو مفطراً للدهر، وإنما هو تارة تراه صائماً، وتارة تراه مفطراً كما قال أنس بن مالك ﵁: «ما نشاء أن نراه صائماً إلا رأيناه صائماً، وما نشاء أن نراه مفطراً إلا رأيناه مفطراً».
وفيما يتعلق بالنساء. قال: قلن يتزوج النساء فماذا كان موقف هذا الرهط من هذا الجواب؟ لقد قال أحدهم: هذا رسول الله ﵌ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقولون: عبادة الرسول ﵇ هذه التي سمعوها من أزواجه، فهذه عبادة قليلة لكن سبب القلة هو أن الله غفر له فلماذا يكثر من العبادة؟ ! وهذا خطأ منهم، ولا يجوز أن يصدر من مسلم في حق النبي ﵇، ولكنهم كانوا كما يبدوا حديثو عهد بإسلام حديثي عهد بالعلم الإسلامي، ولذلك صدرت منهم هذه العبارة لما سمعوا هذه العبادة قال: تَقَالُّوها: وجدوها قليلة، ثم عادوا فعللوا القلة بأن الله غفر له، فلماذا يتعب نفسه بقيام الليل كله، وصيام الدهر كله؟ والترغيب عن النساء كلهن لماذا؟ وقد غفر الله له؟ ! إذاً: هو ما ينبغي أن يكثر من العبادة هو ما ينبغي أن ينصرف عن النساء، أخطؤوا في ذلك أشد الخطأ ولاشك، لكن الصحبة تمحوا مثل هذه الحوبة.
جاء الرسول ﵇ بعد قليل فأخبرنه بما سأل الرهط وما أجبن به، وما قالوا، فصعد ﵇ المنبر وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا» ماذا قال هذا الرهط بعد أن وجدوا عبادة الرسول ﵇ قليلة قالوا: نحن يجب أن نتعب أنفسنا، وأن نزداد عبادة لربنا لماذا؟ ليغفر لنا خطايانا، الرسول الله غفر له وانتهى أمره، أما نحن المساكين، فعلينا أن نكثر من العبادة حتى يغفر الله لنا
стр. 3487
وليحصلوا على هذه العبادة بزعمهم قال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام البتة، وقال ثان: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء لماذا؟ لأن النساء مشغلة وقد جاء بالمناسبة في الحديث على طريقتنا نرمي عصفورين بحجر واحد جاء في الحديث الموضوع: ضاع العلم بين أفخاذ النساء، فلماذا يتزوج هذا الإنسان والمرأة على كل حال لها حقوق، ولابد للزوج أن يقوم بهذه الحقوق فقيامه بهذه الحقوق يشغله بزعمه عن القيام بحق رب العالمين عليه، لذلك هو يترهب ولا يتزوج قال ﵇ في الخطبة: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا» حكى عبارة هؤلاء، «أما إني أخشاكم لله وأتقاكم لله، أما إني أصوم وأفطر وأقوم الليل وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».
إذاً: من رغب عن سنتي ليس المقصود عن سنتي النافلة المقصود: الخط الذي نشأ عليه الرسول ﵇، ويدخل في هذا وهو البيت القصيد من هذا الحديثِ: أنه لا يجوز للمسلم أن يتعبد الله بما يشاء، بما يخطر في باله كما خطر في بال هؤلاء الثلاثة: أحدهم يقوم الليل ولا ينام، أكثر الناس اليوم لا يعبدون الله باتباع سنة الرسول ﵇, وإنما يعبدون الله بأهوائهم بما يشاؤون، ولذلك حينما يُقَيّض لبعضهم من يعلمه السنة ويقول له: يا أخي لا تفعل هذا الشيء يقول له رأساً: انظر يا أخي هذه عبادة أنا أتقرب بها إلى الله زلفاً نقول له فيها: أن الذي سن لنا السنن لم يأت بها، الذي سن لنا السنن لم يأت بها، أحد هؤلاء الرهط أراد أن يقوم الليل كله ماذا رد عليه الرسول ﵇؟ قال: «أنا أخشاكم لله، وأتقاكم لله» ومع ذلك ما أقوم الليل كله، أقوم الليل وأنام، ورد على الشخص الثاني الذي قال أصوم الدهر كان ماذا؟ كان يتقرب إلى الله بزيادة فرد عليه الرسول ﵇ فقال: «أما أنا فأصوم وأفطر».
стр. 3488
إذاً: السنة يعني: النهج والطريقة التي جرى عليها الرسول ﵇ هي: أن يصوم نوافل وأن يفطر، وألا يصوم الدهر، فليس لإنسان أن يتقرب إلى الله بما لم يتقرب به رسول الله ﵌ إلى الله، ليس لأحد أبداً أن يتقرب إلى الله بما لم يشرعه الله على لسان رسول الله ﵌ أو على فعله وعمله كما هو في هذه السنة: إنه كان يقوم الليل كله لا تقول السيدة عائشة في صحيح مسلم: «وما علمت أن رسول الله ﵌ قام ليلة تامة كاملة، وما علمت أنه صام شهراً كاملاً إلا رمضان، وإلا شعبان يوصله برمضان» كما في بعض الروايات.
الشاهد إذاً: السنة في هذا الحديث وذاك الحديث هو: المنهج الذي سار عليه الرسول ﵇ مُدَّة حياته، وترك الأمة على سنة هي كالنهار الأبلج الأبيض ليلها -كما قال في الحديث الصحيح كنهارها- لا يضل عنها إلا هالك.
بعد هذه التوطئة وهذه المقدمة أريد أن أُذَكِّر بقضيتين اثنتين ثم أتوجه إلى الإصغاء إلى ما عندكم من الأسئلة والإجابة عليها بما ييسر الله ﵎ لنا ولكم.
المسألة الأولى: أرى كثيراً من الناس الذين يظهر أنهم ملتزمين ليس فقط بالفرائض، بل وللنوافل والأمور المستحبة كالذكر بعد الصلاة، والتسبيح والتحميد والتكبير ونحو ذلك، فأرى بعضهم حينما يريد أن يعمل بقوله ﵇: «من سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت له ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر».
هذا حديث صحيح، ورواه الإمام مسلم في صحيحه.
حينما يريدون العمل بهذا الحديث ترى بعضهم لا يكاد يبين بلسانه عن
стр. 3489
تسبيح الله وتحميده وتكبيره فماذا تسمع؟ «سبحان الله سبحان سبحان سبحان الله» رأيتم كما رأيت أنا أظن؟
مداخلة: نعم والله.
الشيخ: نفس ملاحظتي في هذه الدعوة.
مداخلة: لا باليمين يا شيخ.
الشيخ: ما يشملهم الآن.
هذه ما نسميها: البسبسة، هذا ليس تسبيحاً وليس تحميداً: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر» بلحظات بثواني انتهى من المائة هذه المائة من جاء بها ما أجرها؟ غفر الله له ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، ولو كان الإتيان بها بهذه البسبسة؟ ! حاشا لله، إنما يجب أن يتأنى فيقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله سبحان الله الحمد لله الحمد لله ... إلى آخره.
لا أريد بما يأتي من كلامي التالي أن أصد الناس عن التسبيح ثلاثاً وثلاثين وما جاء في بقية الحديث، وإنما أريد أن أقرب إليهم ما هو أفضل لهم شرعاً وأيسر لهم عملاً: أفضل لهم شرعاً وأيسر لهم عملاً، وأظنكم ستسمعون هذا الحديث لأول مرة أو على الأقل بعضكم وهو حديث هام جداً وهو حديث صحيح أيضاً أخرجه الإمام النسائي والحاكم وغيرهما عن صحابيين بسندين صحيحين: «أن رجلاً من أصحاب النبي ﵌ رأى في المنام شخصاً يسأله: ما الذي علمكم الرسول ﵇؟ قال: علمنا سبحان الله» وذكر هذا العدد الذي سبق بيانه في الحديث السابق.
فقال ذلك الشخص للرائي في المنام قال: «اجعلوهن خمساً وعشرين» يعني:
стр. 3490
قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فبدل ما يعد الإنسان مائة واحدة فسيعد كم؟ خمس وعشرين واحدة، والخمس وعشرين واحدة تضطر أنه يتباطأ في العد ما يقدر يسارع المسارعة هذه التي نستنكرها أشد الاستنكار، فهو مهما استعجل بسبحان الله؛ لأنه في بعض منا والحمد لله مهما استعجل ما رأيت تطلع منه إلا أكمل مما لو قال سبحان الله سبحان سبحان الله سبحان سبحان ما تدل الذي يذكروا الله لا إله إلا الله وبعدين يسحبوها سحب ما تسمع منهم إلا ماذا؟ الله الله الله ... إلى آخره.
فالوقاية لهؤلاء المستعجلين بعد الصلاة في التسبيح والتحميد المذكور في الحديث الأول: عليهم أن يجمعوا بين الأربعة ويقولوها خمس وعشرين مرة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس وعشرين مرة، وهذا أفضل بدليل تمام الحديث، ذلك الرائي رأى مناماً قد يكون هذا المنام أضغاث أحلام، وليس له تفسير؛ لأننا لسنا بتأويل الأحلام، لكن هذا الرجل الرائي للرؤيا قصها على النبي ﵌ فكان جوابه: فافعلوا إذاً، هنا يرد سؤال فقهي: هل هذا نسخ للحديث الأول؟ ثلاثين وثلاثين تسبيحة، وثلاث وثلاثين تحميدة، وثلاث وثلاثين تكبيرة ... آخرها التهليل وحده لا، ليس نسخاً وإنما تفضيل، فإذا جاء المصلي بالثلاث والثلاثينات التي بعد الصلاة بالهدوء وبروية ما في مانع منها، لكن الأفضل له أن يجمع الأربع في خمس وعشرين مرة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله هكذا خمس وعشرين مرة يكون أفضل له مما جاء في الحديث الأول، هذه المسألة الأولى.
والمسألة الأخرى: قلت آنفاً لبعض إخواننا سألني وكثيراً ما نسأل فنقول: يسألون الناس إلى اليوم عن اللحم البلغاري وأنا في الحقيقة أتعجب من الناس
стр. 3491
اللحم البلغاري بلينا به منذ سنين طويلة، كل هذه السنين ما آن للمسلمين أن يفهموا ما حكم هذا اللحم البلغاري؟ أمر عجيب، فأنا أقول: لابد أنكم سمعتم إذا كنتم في شك وفي ريب من أن هذه الذبائح تذبح على الطريقة الإسلامية أو لا تذبح على الطريقة الإسلامية، فلستم في شك بأنهم يذبحون إخواننا المسلمين هناك الأتراك المقيمين منذ زمن طويل يذبحونهم ذبح النعاج، فلو كان البلغاريون يذبحون هذه الذبائح التي نستوردها منهم ذبحاً شرعياً حقيقة، أنا أقول: لا يجوز لنا أن نستوردها منهم، بل يجب علينا أن نقاطعهم حتى يتراجعوا عن السفك عن سفك دماء إخواننا المسلمين هناك.
فسبحان الله مات شعور الإخوة التي وصفها الرسول ﵇ بأنها كالجسد الواحد: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
لم يعد المسلمون يحسون بآلام إخوانهم فانقطعت الصلة الإسلامية بينهم، ولذلك همهم السؤال هل يجوز أكل اللحم البلغاري؟ يا أخي أنت عرفت أن البلغاريين يذبحون المسلمين هناك، ولا فرق بين مسلم عربي ومسلم ترك ومسلم أفغاني ... إلى آخره.
والأمر كما قال ﵇: «إنما المؤمنون إخوة».
فإذا كنا إخواناً فيجب أن يغار بعضنا على بعض، ويحزن بعضنا لبعض، ولا يهتم بمأكله ومشربه فقط، فلو فرضنا أن إنساناً ما اقتنع بعد بأن اللحم البلغاري فطيسة حكمها فطبيسة؛ لأنها تقتل ولا تذبح لا نستطيع أن نقنع الناس بكل رأي؛ لأن الناس لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك كما جاء في القرآن الكريم، فإذا كنا لا نستطيع أن نقنع الناس بأن هذه اللحوم التي تأتينا من البلغار هي حكمها
стр. 3492
كالميتة، لكن ألا يعلمون أن هؤلاء البلغار يذبحون إخواننا المسلمين هناك؟ ! أما يكفي هذا الطغيان وهذا الاعتداء الأليم على إخواننا من المسلمين هناك أن يصرفنا عن اللحم البلغاري ولو كان حلالاً، هذا يكفي وهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
(الهدى والنور / ١٩٠/ ٣٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 3493
حول ظاهرة مخالفة السنة
الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن ظاهرة مخالفة السنة القولية والعملية جلية جداً في كثير من عبادات المسلمين في العصر الحاضر، ولا غرابة في ذلك؛ لأننا في زمن الغربة التي تحدث عنها رسول الله ﵌ في أكثر من حديث واحد، ولا أريد الإطالة في ذكر الأحاديث الواردة في الغربة، وإنما أريد أن أقول لا غرابة في ذلك؛ لأننا في زمن
стр. 3494
الغربة، إنما الغرابة أن تصدر كثير من المخالفات للسنة والمطابقة للبدعة من كثير من إخواننا الذين ينتمون إلى اتباع السنة.
هنا مكمن الغرابة الشديدة، لا غرابة أن يخالف السنة جماهير الناس؛ لأنهم بعيدين كل البعد عن السنة، لكن الغرابة حقاً إنما هي أن يقع في مخالفة السنة من ينتمي إليها ويدافع عنها ويذب كل الذب في سبيل الدفاع عنها، مثال ذلك ما سمعناه آنفاً من نشاز وشذوذ في التأمين خلف الإمام، وهذه مصيبة عامة أتعجب منها كيف استمر العالم الإسلامي في هذه المخالفة بما فيهم أهل السنة والجماعة كما يقول البعض اليوم في العصر الحاضر، أعني ذلك مخالفة قول الرسول ﵌ في الحديث الصحيح الذي تلقته الأمة بالقبول، ألا وهو قول الرسول ﵌: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافقه تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
هذا الحديث يعاكس في تطبيقه من جماهير المصلين لا أستثني منهم أهل السنة الذين يحرمون البدعة إلا أفراداً قليلين منهم جداً جداً منتشرين هكذا، هم ضائعون في سواد الأمة، لا يسمع لهم صوت، هم الذين ينتبهون لهذا الحديث، فهل أنتم على الأقل في هذه اللحظة منتبهون لمعنى هذا الحديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا» ليس معنى الحديث كما تفعلون، تسابقون الإمام بالتأمين، لا يكاد الإمام ينتهي من قراءة: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، ويقف بالنون الساكنة الواضحة ليأخذ نفساً ليقول رافعاً صوته: آمين. وإذا بالجمهور من المصلين يسبقونه بآمين؛ لماذا؟ وعلى ماذا يدل هذا؟ يدل على غفلة المصلين، وأنهم لا يحضرون عقولهم مع قراءة القارئ الإمام الذين بين أيديهم، ولذلك فهم يقعون في مثل هذه المخالفة الجلية، وإن تعجب فعجب كل العجب أن هناك أحد
стр. 3495
إخواننا الذين يخطبون كل جمعة في مسجد صلاح الدين، ألا وهو الأستاذ الفاضل أبو مالك، كلكم يعرفه إن شاء الله، في كل صلاة الجماعة لا يكبر إلا بعد أن ينبه الحاضرين الذين سيصلون خلفه: لا تسبقوني بآمين، ويا سبحان الله! كأنما يتكلم بالجماد، فلا يكاد يقرأ أول ركعة: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] إلا ويضج المسجد بآمين، قبل أن نسمع تأمينه، بل نسمع تأمينه؛ لأنه يذهب مع تأمين المصلين بدل ما يذهب تأمين المصلين مع تأمين الإمام، لذلك أذكركم والذكرى تنفع المؤمنين بهذا الحديث الصحيح: «إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
أنا أعتقد أن سبب هذه الغفلة يعود إلى أهل العلم، هذا إن كان هناك من يصح أن يسمى بأنهم من أهل العلم؛ لأننا ندين الله ونعتقد جازمين أن العلم ليس هو أن يقرأ الفقيه بل المتفقه كتاباً من كتب مذهب من المذاهب الأربعة المتبعة من مذاهب أهل السنة والجماعة، ثم هو لا يدري أهذا الذي قرأه هو ثابت بالكتاب أم بالسنة أم بإجماع الأمة، وأن هذا الإجماع إن كان منقولاً هل هو إجماع ثابت صحيح، أم ثبت ذلك بالقياس وبالرأي والاستنباط، ثم هل هذا القياس قياس جلي أم خفي، هل هو صحيح أم ضعيف، ليس الفقه أن يقرأ كتاباً من تلك الكتب، ثم هو لا يدري من أين جاءت هذه المسائل التي يقرأها، ثم يتبناها ثم ينشرها، ليس هذا هو العلم، العلم كما قال ذلك القائل العالم المحقق حقاً ألا وهو ابن القيم الجوزية ﵀:
العلم قال الله قال رسوله .. إلى آخره.
فالآن لا تكاد تجد عالماً بحق ينشر السنة بين الناس، ينشر بينهم أقواله ﵇ والصحيحة منها، ليس كل ما ينسب إلى الرسول هو حديث ثابت
стр. 3496
صحيح، فلذلك ليس العلم كما قلت آنفاً حاكياً بعضهم، إنما العلم قال الله قال رسول الله، فقل من تجد من ينشر أقوال الرسول الصحيحة وأفعاله الثابتة، فمن هذه الأقوال الصحيحة التي اتفق على روايتها الشيخان الجليلان البخاري ومسلم رحمهما الله ﵎: «إذا أَمَّن الإمام فأمِنْوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
كان سلفنا الصالح إذا سمعوا حديثاً هو دون هذا في الأهمية وكل أحاديث الرسول ﵇ مهمة ولكنها لا تستوي، فالحديث الذي يتضمن فرضاً ليس كالحديث الذي يتضمن سنة .. وهكذا دواليك.
كانوا يقولون: لو سافر المسلمون سفراً خاصاً وبتعبيرهم لو شد الرحل لهذا الحديث فقط، لكان شده للرحل ثمناً بخساً في ذاك الحديث الواحد، وها أنتم والحمد لله يتاح لكم أن تسمعوا مثل هذا الحديث في لحظات معدودات، فلماذا لا تهتمون لتحصيل هذا الأجر العظيم الذي رتبه رب العالمين على لسان نبيه الكريم أن يغفر لكم ذنوبكم، فقط أن لا تسبقوا الإمام بآمين، انظروا كيف يصدق هنا وفي كل ما شرع الله قوله ﵎: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
«إذا أمن فأمنوا» ما هي النتيجة وما هو الثواب؟
يغفر الله لهؤلاء ذنوبهم، فلو عشنا حياة نوح ﵇ كلها في طاعة الله وعبادته، وضمنا أن يغفر الله لنا لكان أيضاً هذا الجهد المديد الطويل الذي فرضنا أنه حياة نوح ﵇، أيضاً لكان ثمنه بخساً، فما بالنا لا نهتم أولاً بتطبيق هذه السنة في أنفسنا، ثم في نشرها بين هؤلاء الناس الغافلين، أردت أن أُذَكِّر بهذه السنة؛ لأننا دعاة إلى السنة، لأننا نزعم أننا دعاة إلى السنة، لكن الواقع
стр. 3497
أننا مقصرون في اتباع السنة، قد نكون مجتهدين في الدعوة إلى السنة بالكلام، لكننا قد نكون بل نحن كائنون مقصرين في تطبيق السنة في أكثر ساحاتها ومجالاتها.
ما هي دعوتنا؟ دعوتنا دعوة الكتاب والسنة.
لكن الحق والحق أقول، إن هناك دعوات كثيرة وكثيرة جداً في الأرض الإسلامية اليوم كلها تعلن الدعوة للكتاب والسنة، ولكن في هذا العصر خاصة لا يكفي أن تكون دعوة الدعاة محصورة في هذين الأصلين، ولا بد منهما الكتاب والسنة، لكن لا بد أن يضاف إليهما شيء ثالث وليس هذا من عندي، ولا من عند غيري ممن سبقنا من أهل العلم والغبن، وإنما هو من رب العالمين الذي أنزل على قلب رسوله الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فأرجو أن تنتبهوا لهذه الآية لتفهموا أنها آية صريحة الدلالة أن هناك شيء آخر ينبغي أن يضاف إلى الأصلين المذكورين آنفاً والمجمع على أن الإسلام قائم عليهما الكتاب والسنة، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح المشهور: «تركتكم على أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يرد علي الحوض».
فهذان الأصلان متفق عليهما بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً، لكني قلت ينبغي أن نلاحظ ضميمة ثالثة لا يستقيم القيام على الكتاب والسنة لمن لم يضم هذه الضميمة الثالثة، وهي التي تستفاد من قوله ﵎ في الآية السابقة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا
стр. 3498
تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
إذاً: هذه الآية تعطينا دلالة لمفهوم المخالفة أن اتباع سبيل المؤمنين هو سبيل الوصول إلى جنة النعيم، ومخالفة سبيل المؤمنين هو الطريق لدخول الجحيم.
إذاً: يجب علينا نحن الذين ندعو إلى الكتاب والسنة أن تكون دعوتنا قائمة على الكتاب والسنة، واتباع سبيل المؤمنين.
وهنا لا بد من وقفة؛ لأن كثيراً من الناس يظنون أن سبيل المؤمنين هم جماهير المسلمين اليوم على عُجَرهم وبُجَرهم، على عالمهم ومتعلمهم وجاهلهم، على العامل بالعلم والنابذ للعلم عملياً، ليس هذا هو المقصود بسبيل المؤمنين، وإنما المقصود بسبيل المؤمنين هم المؤمنون الأولون الذين ذكروا في الحديث المتواتر صحة عن رسول الله ﵌ الذي يقول: «خير الناس .. » ولا تقولوا ولا ترووا الحديث: خير القرون.
الحديث مع كثرة طرقه وأكثرها صحيحة والحمد لله وفي الصحيحين، ليس فيها: «خير القرون .. »، وإنما فيها: «خير الناس .. » هكذا ارووا الحديث، «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» هؤلاء هم المؤمنون الذين أوعد الله من شاقق الرسول ﵌ وخالف سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
إذاً: سبيل المؤمنين سبيل الصحابة الأولين قبل كل شيء، ثم الذين اتبعوه بإحسان، هكذا القرن الثاني والثالث، ثم قلة من القرون التابعة لهم بإحسان إلى يوم الدين.
لهذا ينبغي أن تكون دعوتنا قائمة على الكتاب والسنة وعلى منهج سلفنا الصالح.
стр. 3499
سيبدو لكم جلياً بعد هذا الكلام الذي قد يكون مجملاً بالنسبة لبعض السامعين، سيبدو لكم جلياً الفرق بين من يدعو للكتاب والسنة فقط، وبين من يضم إليهما وعلى منهج السلف الصالح، أي: وسبيل المؤمنين، سترون الفرق كبيراً جداً جداً.
أول ذلك: أنتم تعلمون أنه يوجد اليوم في الأرض الإسلامية كما كان الأمر من قبل بل وأكثر مما كان الأمر من قبل، مذاهب كثيرة وكثيرة جداً، نحن نقول المذاهب الأربعة هي مذاهب أهل السنة، لكن هناك مذاهب أخرى وهم يدعون كما ندعي نحن في مذاهبنا هذه، يدعون أنهم أيضاً على السنة، اذكروا على سبيل المثال الشيعة، واذكروا الزيدية، ولا نقول اليزيدية، وشتان ما بينهما، ونذكر فيما نذكر الخوارج ومنهم الإباضية المعروفين اليوم والذين لهم نشاط زائد في نشر أفكارهم وآرائهم المنحرفة عن الكتاب والسنة.
يا ترى! لو سألنا هؤلاء المتمذهبين بهذه المذاهب قديماً وحديثاً، دعونا من المذاهب العصرية المبتدعة اليوم، وإنما نتكلم عن المذاهب القديمة والتي توارث خلفها عن سلفها تمذهبها بذلك المذهب، هل فيهم من يقول: نحن لسنا على الكتاب والسنة، لن تسمعوا ذلك.
وأنا بمثل هذه المناسبة أضرب مثلين اثنين مثلاً قديماً جداً، ومثلاً حديثاً جداً.
المثل القديم: الخوارج، الإباضيون منهم الذين يلتقون مع المعتزلة قديماً وحديثاً في إنكار كثير من العقائد الإسلامية الصحيحة الثابتة في الكتاب والسنة، ومع ذلك هم يقولون نحن على الكتاب والسنة.
قلت أضرب لكم مثلاً قديماً، ألا وهو النعمة الكبرى التي أخبر الله بها عباده المؤمنين في أنه وعدهم بأنهم يرون ربهم يوم القيامة كما قال عليه
стр. 3500
الصلاة والسلام في ليلة قمراء والقمر بدر، فقال لهم عليه الصلاة السلام: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون -أو لا تضامّون- في رؤيته» أي: لا تشقون في رؤيته.
فهل آمن أولئك المعتزلة ومن دان دينهم ورأى رأيهم في هذه المسألة، هل آمنوا بأن المؤمنين سيرون ربهم يوم القيامة كما قال رسول الله ﵌ في هذا الحديث الصحيح وفي غيره؟
الجواب: لا. إنهم ينكرون هذه النعمة، بل ويُضَلِّلون من يؤمن بها، بل وينسبونهم إلى التشبيه وإلى التجسيم، فنحن أهل السنة الذين نؤمن بأن من نعم الله على عباده، بل من أكبر نعمه أنه يتجلى لهم يوم القيامة ويرونه كما نرى القمر ليلة البدر، هم ينكرونها، كيف ينكرونها والحديث هذا الصحيح، وهناك أحاديث أخرى.
عندهم فلسفة لا بد أنكم سمعتم هذه الفلسفة من بعض الدعاة والكُتَّاب المعاصرين، ولذلك فأنا أتعرض لذكر بعض الجزئيات المتعلقة بالعقيدة والمتعقلة سلباً أو إيجاباً حسب ما سأفصل بهذه العقيدة التي ندعو إليها، الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، تلك الفلسفة تقول إن العقيدة لا تؤخذ من حديث الآحاد، ولو كان الحديث حديثاً صحيحاً، بل ولو كان مستفيضاً أو مشهوراً، وإنما يشترط عندهم أن يكون متواتراً، ثم من الغرابة بمكان أن هؤلاء الذين يشترطون هذا الشرط الحديثي الذي أوضحه علماء الحديث هم أبعد الناس عن العلم بالحديث رواية ودراية، فهم أهل أهواء يتبعون أهواءهم ويشترطون شروطهم هم لا يمكنهم أن يحققوها بينما غيرهم بإمكانهم أن يحققوها؛ لأنهم أولاً أهل رواية وهم أهل الحديث وهم أهل السنة، ثم هم أهل
стр. 3501
دراية، فإذا قيل لهم: لم ترد رؤية المؤمنين لربهم في السنة فقط حتى تشككوا فيها بفلسفة حديث الآحاد لا يؤخذ منها عقيدة، إن هذه العقيدة قد جاءت أيضاً في القرآن الكريم المتواتر روايته عن رسول الله ﵌ يقيناً.
لجؤوا إلى فلسفة أخرى قولهم: لا تثبت العقيدة إلا بدليل قطعي الثبوت أي رواية، قطعي الدلالة أي دراية، فإذا كان هناك آية في القرآن الكريم وهي ثابتة باليقين كما قلنا آنفاً، لعبوا بها وصرفوا دلالتها الصريحة وقالوا: هذه ثابت بالقطع لكن دلالتها ظنية، فلا تثبت بها عقيدة.
هكذا فعلوا في آيتين اثنتين وردتا في القرآن الكريم متعلقتين بهذه العقيدة الطيبة، الآية الأولى قوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
هذه آية صريحة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وهي وجوه المؤمنين قطعاً.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
قالوا: هذه ليست قطعية الدلالة؛ لأنه يمكن تأويلها، وتأويلها عندهم، اسمعوا الآن كيف يكون اللعب بالنصوص القطعية الدلالة بفلسفة ظنية الدلالة.
قالوا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: إلى نعيم ربها ناظرة، عطلوا دلالة الآية.
ربنا يقول: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فزادوا من عندهم كلمة مضاف ومضاف إليه، فقالوا: إلى نعيم ربها ناظرة.
عطلوا دلالة الآية، وبالأولى والأولى أن يعطلوا دلالة الآية الأخرى وهي قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة.
стр. 3502
﴿وَزِيَادَةٌ﴾ رؤية المؤمنين في الجنة.
جاء في هذا حديث صحيح في صحيح مسلم بسنده الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﵌: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قال: «الجنة، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: رؤية الله»، رفضوا هذا التفسير، قالوا: هذا حديث آحاد.
هذه الفلسفة معول هدام للسنة الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول بهذه الفلسفة التي أصلها من المعتزلة، والشيعة أيضاً على هذا الاعتزال في هذه العقيدة، أي: عقيدة أن العقيدة لا تؤخذ من حديث الآحاد، فردوا لا أقول عشرات الأحاديث بل مئات الأحاديث الصحيحة، هدموها ورموها أرضاً بهذه الفلسفة الدخيلة في الإسلام، وهي: العقيدة لا تثبت إلا بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
هل كانت هذه العقيدة عليها سلفنا الصالح؟ وهنا الشاهد.
سلفنا الصالح من المقطوع لدى كل عالم درس سيرة النبي ﵌ وما تعلق بها من تاريخ سلفنا الصالح ﵃، من منكم لا يعلم أن النبي ﵌ أرسل أفراداً من أصحابه يدعون إلى الله والمدعوون هم المشركون الذين عاشوا في الجاهلية كفاراً يعبدون الأصنام، كانوا بعيدين عن دعوة الرسول ﵇ أولاً في مكة، وآخراً وأخيراً في المدينة، فلكي تنتشر الدعوة بوعد الله في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣].
تطبيقاً في حدود ما يمكنه ﵊ يومئذ من الوسائل كان يرسل أفراداً من أصحابه ﵇ دعاة، من منكم لا يذكر أنه أرسل علياً إلى اليمن، أرسل أبا موسى الأشعري إلى اليمن، أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، هؤلاء
стр. 3503
أفراد، فماذا كانوا يدعون المشركين إلى ماذا؟
هل كانوا يدعونهم ابتداءً إلى بعض السنن وبعض الأمور المستحبة أم كانوا يدعونهم إلى أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، أس الإسلام هو لا إله إلا الله والكفر بما سواه.
إذاً: هذه رأس العقائد كلها، فكان يدعو إليها أفراد من الصحابة، فمن أين جاءت هذه الفلسفة؟
العقيدة لا تثبت إلا برواية التواتر.
هذا أمر يخالف سيرة السلف الصالح في عهد الرسول ﵌، ثم فيما بعده ﵌ من القرون المشهود لها بالخيرية.
لذلك فالذين تفرقوا شيعاً وكانوا أحزاباً قديماً وحديثاً هم يلتقون معنا في أن الإسلام كتاب وسنة، لكنهم يفترقون عنا ونفترق عنهم في أننا ندعو إلى اتباع السلف الصالح، في فهمهم لهذين المرجعين: الكتاب والسنة.
إذا قلت لأحد هؤلاء المخالفين للكتاب والسنة والمثال الأول قد أوردته عليكم آنفاً، وهو المثال القديم، وسأورد لكم المثال الجديد.
إذا قيل لهم: ألا تتبعون الكتاب والسنة؟ فماذا تظنهم قائلون؟ هل ينكرون أم يقرون؟ يقرون.
لو قلتم لهم: هل تتبعون السلف الصالح الصحابة والتابعين؟ قالوا لكم: لا، هم رجال ونحن رجال.
فهذا هو الفاصل بيننا وبينهم، هذا فراق بيني وبينك.
أما المثال الجديد الذي لم يمض عليه إلا أقل من قرن من الزمان، لا بد أن
стр. 3504
الكثير من الحاضرين سمعوا ممن يعرفون بالقاديانيين وهم يأبون هذه النسبة تضليلاً للناس ويُسَمُّون أنفسهم بالأحمديين، وهذا له بحث طويل لبيان هذا التدليس منهم.
المهم هؤلاء القاديانيون يشهدون معنا بكل ما نشهد من الإيمان بالملائكة وما بعده، وبالإسلام الأركان الخمسة، فهم يُصَلُّون ويَحُجُّون ويزكون ويصومون .. إلى آخره، لكنهم يقولون بأن هناك أنبياء بعد محمد ﵌ وليس كما نعتقد نحن كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وكما قال ﵊ في أحاديث كثيرة ومن أصحها وأشهرها قوله لعلي ﵁ لما خلفه خليفة من بعده في المدينة ويمم شطر تبوك، قال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي».
كيف هؤلاء يشاركوننا في كل شروط الإيمان والإسلام ومع ذلك فهم يعتقدون بمجيء أنبياء بعد رسول الله ﵌، هذا كقاعدة.
ثم يعتقدون بأن أحدهم جاء فعلاً من الهند ومن قرية اسمها قاديان وإليها ننسبهم نحن، فنقول عنهم قاديانيون، هؤلاء يشاركوننا في كل هذه العقائدة، يفارقوننا باعتقادهم بمجيء أنبياء في المستقبل وأن أحدهم جاء منذ نحو ستين سنة تقريباً، وكان يُسَمَّى بميرزا غلام أحمد القادياني، وهذا ترجمته إلى اللغة العربية خادم أحمد، أي نبينا محمد ﵇، فمن مكرهم ودهائهم سحبوا هذه الإضافة خادم أحمد، فقالوا اسمه أحمد، وهذا كما أشرت آنفاً له بحث طويل.
الشاهد: كيف هؤلاء يعتقدون بمجيء أنبياء وأن أحدهم جاء وهم يؤمنون
стр. 3505
بالآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولا ينكرون حديث علي.
يقولون: أنتم لا تفهمون القرآن، أنتم معشر العرب الذين توارثتم تفسير الآية السابقة سلفاً عن خلف ما تفهمون الآية، الذي فهمها هو الذي أوحي إليه مجدداً وهو ميرزا غلام أحمد القادياني.
فما معنى الآية إذاً: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؟
أي: ولكن رسول الله وزينة النبيين. قالوا: كما أن الخاتم زينة الإصبع، فرسول الله زينة الأنبياء، فليس معنى الآية كما تظنون أنتم أنه آخر الأنبياء.
فإذا قدم إليهم الحديث السابق ومثله كثير وكثير جداً، أيضاً حرفوا الحديث كما حرفوا الآية، وقالوا: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» أي: معي، أما أنا بعدما أرتفع إلى الرفيق الأعلى فيأتي نبي بعدي.
فمعنى الحديث: «لا نبي بعدي» أي: معي.
وهكذا يتأولون النصوص على طريقة سلفهم من المعتزلة والخوارج ونحوهم.
إذاً: بارك الله فيكم، هنا بيت القصيد لا يكفي أن نقول الأصلان القرآن والسنة هم مرجعنا فقط؛ لأن كل الفرق الضالة يقولون هذه القولة، ويدينون بهذين الأصلين، ولكنهم إذا قيل لهم كما قلت لكم آنفاً، هل أنتم تتبعون السلف بدءاً من الصحابة إلى القرن الثاني إلى الثالث، قالوا: لا، نحن رجال وهم رجال.
فدعوتنا يجب أن تفهموا جيداً وهذا بيت القصيد من هذه الكلمة التي سنحت في خاطرتي حينما سمعت ضجتكم بآمين قبل تأميني أنا، وأنا إمامكم، وإذا بكم
следующие страницы →