← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

حينئذ يشيب ابن آدم على ما شب عليه، هذه قاعدة الإنسان الذي يشب على الخير في الغالب يموت على الخير، يشب على الإيمان يموت على الإيمان، والعكس بالعكس تماماً، فلا يجوز أن يقال: لا يقبل التوبة من المبتدع لا، الله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن كثير. ولا يجوز أن نقول: لا يقبل التوبة من المشرك؛ لأنه صرح في القرآن الكريم أنه يقبل التوبة. فالمبتدع أسوأ أحواله أن يكون مشركاً، أسوأ أحواله أن يكون مشركاً، فإذا تاب تاب الله عليه، لكن أنا أريد أن أبين الفرق بين هذا الحديث الضعيف، وبين الحديث الصحيح: «أبى أن يجعل لصاحب بدعة توبة». هنا الجعل بمعنى: الإرادة الكونية، مش الإرادة الشرعية، فلو فرضنا أن مشركاً تاب، تاب الله عليه، لو فرضنا أن مبتدعاً تاب تاب الله عليه، إذاً: ما معنى: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة»؟ أي: المبتدع من أولئك الذين يقال لهم: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧] ولذلك فهل يتوب الإنسان الذي مثله كمثل أولئك الذين قال الله عنهم في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. فإنسان كان مشركاً أو كان مبتدعاً يحسب أنه يحسن صنعاً هذا يتصور أن يتوب؟ لا يتصور أن يتوب. من هنا يقول العلماء: ضرر البدعة على صاحبها أخطر من ضرر المعصية؛ لأن المعصية حينما يرتكبها العاصي يعرف أنه عاصي فيرجع أنه يوماً ما يتوب إلى الله من معصيته التي هو عارف بأنها معصية، لكن المبتدع الذي لسان حاله

стр. 3712

يقول: رب زدني؛ لأنه يتقرب ببدعته إلى الله ، فهذا لا يتصور أن يتوب إلى الله. فإذاً: حديثنا: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة» هذا إرادة كونية، أما لو تصورنا وهذا ممكن أن يقع ولو بندرة كالمشرك الذي يعيش دهره الطويل مشركاً صعب جداً أن يتوب إلى الله؛ لأنه شاب على ما شب عليه، لكن نادراً ممكن أن يقع. كذلك المبتدع ممكن أن يتوب إلى الله ، لكن هذا على طريقة نادرة جداً حينما يتبين له أنه كان عايشاً في الأوهام، أنه هو يعيش في طاعة الله في ظنه، وإذا هو يعيش في معصية الله من حيث أنه ابتدع في دين الله ما لم ينزل الله به سلطاناً. إذاً: الآن استفدنا ضعف الحديث المسؤول عنه أولاً، وصحة الحديث الثاني غير المسئول عنه ثانياً، واستفدنا الفرق الجوهري بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. وثالثاً وأخيراً: استنتجنا من الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية الفرق بين الحديث الضعيف، وبين الحديث الصحيح. الحديث الضعيف حكم شرعي: «لا يقبل الله توبة مبتدع». هذا باطل؛ لأنه قلنا لو كان بدعته شركاً فالله يقبل، أما البدعة المذكورة في الحديث الصحيح فهي: إرادة ليست شرعية، وإنما إرادة كونية. فمن هنا ظهر الفرق واستفدنا من الجولة القصيرة هذه فوائدة ثلاثة: ضعف الحديث الأول، صحة الحديث الثاني، الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. ومن هنا: نفهم معنى قول ذلك العالم:

стр. 3713

مريد الخير والشر القبيح ... ولكن ليس يرضى بالمحال وبهذا ينتهي الجواب. مداخلة: جزاك الله خير. ولذلك الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام يذكر قولاً يقول يستحيل على كل صاحب بدعة أن يتوب من بدعته. الشيخ: هو هذا لذلك قلت لكم: العلماء يقولون: شر البدعة على صاحبها أشر من شر المعصية على صاحبها لماذا؟ العاصي يمكن أن يتوب؛ لأنه يعرف نفسه أنه عاصي. المبتدع لسان حاله يقول: رب زدني؛ لأنه يتقرب إلى الله ، والله لا يقبل، فهذا التقرب كما تعلمون: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» هكذا. مداخلة: كذلك حديث رسول الله ﵌ الذي هو المذكور في صحيح الترغيب والترهيب في كتاب التمسك بالسنة. والحديث فيما معناه يقول ﵌: «أبى الله أن يقبل من كل صاحب بدعة عمل حتى يدع بدعته» ومن ذلك هذا. الشيخ: هو هذا، نعم. مداخلة: جزاكم الله خير. الشيخ: أي نعم. (الهدى والنور/٧٠٤/ ١٨: ١٨: ٠٠) (الهدى والنور/٧٠٤/ ٢٥: ٢٣: ٠٠) (الهدى والنور/٧٠٤/ ٤٥: ٢٧: ٠٠)

стр. 3714

هل تُترك سنة من السنن إذا صارت شعارًا لأهل البدع ؟ قال أبوحامد الغزالي ﵀: يمنع التشبه بأهل الفسق لأن من تشبه بقوم فهو منهم، وبهذه العلة نقول بترك السنة مهما صارت شعارا لأهل البدعة خوفًا من التشبه بهم. [فقال الإمام معلقًا]: ليس هذا من التشبه بهم في شئ، بل هو تشبه بمن سن السنة وهو رسول الله ﵌، فإذا أخذ بها بعض الفساق، فليس ذلك بالذي يمنع من استمرار الحكم السابق، وهو التشبه به ﵌، والتشبه الممنوع إنما هو التشبه بالفساق والكفار فيما هو من مميزاتهم، ألست ترى أنه ﵌ لبس جبة رومية كما في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة، فإذا كان هذا ليس تشبها بالروم، فبالأولى ليس تشبهًا بالفساق إذا لبسوا ما لبس النبي ﵌، وهذا بيِّن لا يخفى إن شاء الله. "تحقيق إصلاح المساجد" (ص ٢٣).

стр. 3715

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

стр. 3716

حقوق الطبع محفوظة

стр. 3717

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى صَنَعَهُ د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان (المجلد التاسع) [كتاب الجهاد-فقه الدعوة-التعامل مع المسلم المتلبس بمحرمات]

стр. 3718

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3719

الجهاد

стр. 3720

إعداد العدة للجهاد الشيخ: [الكلام مبتور أوله] بس أنا ذكرت له أنه الجهاد في سبيل الله اليوم فرض عين على كل المسلمين، لكن ليس فقط في أفغانستان، بل وفي كثير من بلاد ـ ما حبيت طبعاً أختصر الكلام ـ لكن كفلسطين مثلاً، لكن هناك حقيقتان لا بد من التنبيه أو التذكير بهما - قلت له: -: أولاً: الجهاد يحتاج إلى أمرين اثنين، أو ينقسم إلى قسمين اثنين: جهاد معنوي، عفواً، يحتاج إلى أمرين اثنين: ١ - استعداد معنوي. ٢ - واستعداد مادي. أما الاستعداد المعنوي: فهو أن نكون مسلمين حقاً لنستحق بذلك نصر لله كما قال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، أما الاستعداد المادي: فهو معروف, والمسلمون اليوم ليس عندهم استعداد مادي، لأن أسلحتهم كلها تأتيهم من الخارج وبأثمان باهظة، وخلاصة الكلام: قلت له: الجهاد ليس جهاد أفراد, الجهاد يجب أن يكون جهاد الحكومات الإسلامية تهيئ شعوبها وتُسَلِّحها بالإيمان والعتاد، وهذا بلا شك غير واقع اليوم مع الأسف، وهذا المثال أمامنا: فلسطين، وأنا أخشى ما أخشى أن تعود أفغانستان فلسطين ثانية، ولذلك فإن كنت ترى أن هناك فيه استعداد للجهاد فجاهد، وإلا فالزم ما أنت عليه من الدراسة. أحد الحضور: بيقولوا أن أفغانستان في مجال ... أما هون فلسطين مُسَكَّرة. الشيخ: هذا الذي يقوله، القضية قضية طريق مفتوح، قضية استعدادات معنوية ومادية.

стр. 3721

أولاً: يكون الأفغانيين أنفسهم - المسلمين مش الملاحدة، يكونوا - متفقين مع بعضهم البعض، ما يكونوا متفرقين. ثانياً: يكون عندهم استعداد لصنع الأسلحة، مش لشحاذتها، لا هم - مع الأسف أمر يرثى له - يعني: عايشين عم بيجاهدوا بالشحاذة، ومو حاصلين عليها، الضيفين اللي جونا من مدة من مصر، واحد كويتي وواحد سعودي، كنت أنت حاضر الاجتماع؟ جابوا لي مجلات لأول مرة أطلع، مجلات باسم الجهاد في أفغانستان [هنا مناقشة غير مفهومة بين الشيخ وأحد الحضور ليست مهمة] الشاهد: قرأت منهم - يعني - شيء مؤسف، بيقولوا: هناك حقائق أن أكثر الدول العربية لا تمدهم لا بالأفراد ولا بالعتاد، بعدين إنما هما دولتان: السعودية، والباكستانية، وبعدين ما بيمدوهم باللوازم، بيمشوا شهر على البغال والحمير لحتى يهاجموا النقطة الروسية السوفياتية، بدهم ـ كاتبين حساب دقيق ـ بدهم بس من شان الخبز يحصلوا عليه كذا مليون دولار في الشهر، ومو محصلين، هدول وشلون بدهم يجاهدوا يا جماعة؟ هدول أنجى [أي عساهم] يخلصوا أنفسهم من الموت الطبيعي، مش الموت: السلاح تبع الروس، والدول العربية جالسة عم بتتفرج، وأنا - والله - قلت: من سنة أو أكثر من سنة أن هذا كله تخطيط أجنبي، يعني: الإمدادات التي تأتيهم من طريق الأمريكان من طريق السعودية والباكستان هو إمداد أمريكي فبيمدوهم، أنه لهون بس إدام [إمام] ما بتقدر تمشي، بس لهون وهذا من شان يعيدوها فلسطين ثانية. أحد الحضور: [كلامه غير مفهوم]. الشيخ: ومن جملة الكاتبين، قال: فيه في باكستان (١٣) حزب سياسي، قال: ما بيأيدنا غير حزبين بس، هاي باكستان دولة إسلامية - يعني -، فيها (١٣) حزب سياسي ما بيأيدوا الأفغان في جهادهم غير حزبين! (الهدى والنور/ ٣/ ١٠: ٢٩: .. ).

стр. 3722

إعداد العُدَّة للجهاد الشيخ: أن ... تأمر المؤمنين الذين استعدوا الاستعداد النفسي أو الروحي لأنه يجب عليهم أن يضموا إلى هذا الاستعداد استعداداً آخر وهو الاستعداد المادي السلاحي، ولا شك ولا ريب أن المسلمين لا ينتصرون على أعدائهم لمجرد أخذهم بدون الوسائل المادية لمقابلة القوة بالقوة، وذلك لأن هناك فرقاً كبيراً بين المسلمين والكافرين، فنصر المسلمين لا يشترط فيه أن يكون استعدادهم المادي مساوياً لاستعداد الكفار المادي وإنما يشترط في نصر الله لعباده المؤمنين أن يكون مع استعدادهم المادي قد تقدموا ضمن الاستعداد النفسي أو الروحي أو التربوي، نسميها ما شئنا والعبارات تتعدد والمعنى واحد. فالكافر لا يؤمن بالله ورسوله ولا يتدين بشريعة الله ولا يتخلق بأخلاق نبينا ﵌، أما المسلم فلو افترضنا أن أمة مسلمة في زمن ما هي أقوى استعداداً وأمضى سلاحاً من أمة كافرة كذلك لا تستحق النصر من الله إلا إذا كانت قد تهيأت ذلك الاستعداد الذي لا يستعده الكفار وهو الاستعداد الروحي كما قلنا، وبإيجاز واختصار الأمر كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] فنصر الله لا يكون بمجرد تحقيق أمر واحد كما جاء في تلك الآية، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] إلى آخرها وإنما يكون بالأخذ وبالتنفيذ والتطبيق لكل الأوامر التي لابد منها حتى يتهيأ المسلمون ويكونون مستحقين لنصر الله ﵎ لهم على نبيهم. فإذاً لابد من أن نُقَدِّم بين يدي الاستعداد المادي الاستعداد النفسي وهذا ما نسميه نحن في بعض الكلمات أو المحاضرات بأنه لابد للمسلمين من التصفية والتربية، التصفية هو تصفية الإسلام لما دخل فيه مما هو غريب عنه، والتربية

стр. 3723

العمل بهذا الإسلام المصفى، فإذا لم يعمل المسلمون بالإسلام المصفى كما هو اليوم مع الأسف، وأخذوا بكل وسائل القوة المادية، فذلك مما لا يؤهلهم لأن يستحقوا نصر الله ﵎ على أعدائهم. (الهدى والنور /٢١٠/ ٥٢: ٠٠: ٠٠) كيفية إعداد العُدة الحسية مداخلة: من العبر التي من هذه الحرب الفارق العلمي والفني والتطبيقي للأسلحة بين ما وصل إليه الغرب وبين ما كان بيد العراق، فما قولكم في مدى ما يجب أن يحاول المسلمون به أن يصلوا إلى مستوى التقنية المقابلة، يعني: الضرب الذي ذاقه العراقيين أضعاف أضعاف ما كان في التاريخ كله، من النوعية ومن الألم. الشيخ: ما الجملة الأخيرة، القصف من الكفار. مداخلة: كان أكبر مما مضى في التاريخ، يعني: العراق أخذ ضرب في كم يوم أكثر مما ذاقته ألمانيا في الحرب العالمية كلها المرتين، فالفارق العلمي والفني بعيد جداً، فإلى أي مدى يجب أن يعمل المسلمين على إغلاق هذا الفارق، متسلحين بالطبع إذا كانوا متصفين ومتربين بأن الله ينصرهم، ولكن في نفس الوقت ما مدى الاهتمام الذي يجب أن يكون لهم بالأخذ بالأسباب؟ الشيخ: الجواب موجزاً، ثم قد يتلوه التفصيل، وأعتقد أن التفصيل قد يزعج بعضهم، لكن البحث مطروح للمناقشة، أما الموجز لا يقبل المناقشة، ربنا قال في الآية التي سبق الإشارة إليها: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] هذا هو جواب سؤالك، وكما أقول ولابد أنكم سمعتم هذا القول أكثر من مرة:

стр. 3724

الخطاب لمن؟ للمؤمنين، أي: المؤمنين العاملين بشريعة الإسلام، ومن تمام عملهم أن يَعُدُّوا ما يستطيعون من القوة المادية، هذا الإعداد يكون لاحقاً للإيمان أم سابقاً؟ لاشك يكون لاحقاً، هذا الجواب الموجز الذي لا يقبل النقاش، أما التفصيل: فأنا أقول: لا يمكن للمسلمين المؤمنين حقاً أن يلاحقوا الكفار وأن يساووهم في قوتهم المادية، لا يمكنهم، والسبب في هذا معقول وطبيعي جداً، ذلك لأن الكفار ليس عندهم ما يشغلهم مما يوجد عند المسلمين مما نحن دائماً ندندن حوله، نحن ننشغل بالتصفية والتربية، أما هم فلتانين في الموضوع، ما هم بحاجة أنهم يعرفوا تاريخ عيسى ﵇ على الوجه الدقيق، قد يأخذ من وقتهم ربما الوقت من حياتهم النصف أو الثلث أو أكثر أو أقل، ثم من ناحية التربية كالبهائم يعيشون، ليس عندهم اهتمام بهذا الموضوع إطلاقاً، فاهتمامهم ماذا؟ قال الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] فضحهم الله منذ القديم بهذا الطابع المادي ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] أنا أقول: ويمكن هذا الذي قد يزعج البعض: المسلمون العكس من ذلك، الكفار ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] المسلمون مقبلون على الآخرة غير غافلين عنها، ضعفاء في الدنيا ليس عندهم من العلم ما عند أولئك الكفار، وأنا أعتقد هذا أمر طبيعي، لأن طاقة الإنسان محدودة النطاق، لا يمكن تحميل الإنسان أكثر مما كلفه الله ، ولذلك قال في كتابه الكريم: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أنت إذا تطورت إلى مهندساً كيماوياً أو ميكانيكياً أو ما شئت وأنت مهندس، فبقدر ما سينشغل بهذا العلم فبما يقابله سينشغل عن دينه وعن المعرفة بأحكام شريعته، ولقد أغنانا الله عن هذا الانكباب على معرفة ظاهر الحياة الدنيا وما يتعلق بها من استدلالات مادية سلاحية اقتصادية .. قل ما شئت، أغنانا عن ذلك بأن أمرنا بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ

стр. 3725

مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ولكن قبل هذا الإعداد الإيماني هو الأصل عند المسلمين، وذلك لاحق وتابع له، وليس عليهم بعد ذلك أن يضعوا نصب أعينهم كما يفكر بعض الشباب اليوم البعيد عن الثقافة الإسلامية الحقة، أنه لازم نضاهي الكفار عدداً وعُدَّة، لا، هذا غير وارد في شريعتنا وفي إسلامنا، والتاريخ الماضي أكبر دليل كما سبقت الإشارة إليه، حينما نصر الله المسلمين على الدولتين العظيمتين، وهم فقراء في كل شيء إلا في الإيمان، فهم فيه أقوى والكفار الأعداء أقوياء في كل شيء إلا في الإيمان ولا إيمان عندهم. هذا جواب ما سألت. مداخلة: ... الفارس في المعارك في أيام زمان كان يعتبر ... عشرة من المشاة، الآن الفارق في السلاح المتطور الذي يستطيع أن يرسل الجهاز يحدد موقعه بالشعرة بدون ما يتحرك مرسله، يعطي قوة نسبية كثير كثير أكبر، فنحن نتكلم بفوارق ضخمة. الشيخ: هذا ما يُقَدِّم ولا يُؤَخِّر بالنسبة لما قلنا آنفاً، خلينا نكون واقعيين: كم يحتاج المسلمون ليصلوا في هذا العلم من سنين؟ ... كلمة لا تحاسب عليها. مداخلة: هو يعتمد إذا كان النتيجة هي الحصول على الشيء أم بناؤه بأنفسهم، فيمكن بالحيلة وبالشراء أن تصل إلى مستوى ربما يكون قريباً، لكن ليس شرطاً أن يصل إلى .. الشيخ: وهل هذا جواب سؤالي. مداخلة: لا، جواب سؤالك نصل إلى نفس المستوى. الشيخ: هذا ليس جواب سؤالي من ناحيتين: أولاً كان سؤالي: كم تقدر وليس للشراء وإنما للصنع، فأنت ما أجبت لا لهذا ولا لهذا، وقلنا لك: يا أخي، لا ... بساط أحمدي ...

стр. 3726

مداخلة: قرون قرون. الشيخ: طيب، قرون، ما نساوي إذاً، نحن نستنى قرون ونعيش أذلاء تحت الكفار هؤلاء لأنهم فاقونا بالسلاح المادي، فما هو العلاج؟ مداخلة: السلاح المعنوي. الشيخ: بس انتهى الأمر. (الهدى والنور/٤٧٠/ ٥٣: ٣٥: ٠٠)

стр. 3727

التفريق في حكم الجهاد بين حالة الضعف وحالة القوة مداخلة: يسأل أخ فيقول: بعد بيان بعض المتكلمين في مؤتمر أصول عودة الأمة إلى الجهاد وأنها قائمة على الرجوع إلى الدين الحق دون مجرد الحماس والعاطفة استشكل بعض الحاضرين ذلك فسأل: هل تأمروننا بالقعود أم الجهاد؟ جاء جوابه من أحد المحاضرين: نأمركم بالقعود في حالتكم الضعيفة المُشَتَّتة التي أنتم واقعون بها هذه حتى تصبحوا قادرين حقاً وصدقاً على الجهاد في سبيل الله فتقوموا به، فأشكل ذلك الجواب على بعض الناس فما رأيكم بالسؤال والجواب؟ الشيخ: أنا أوقع على هذا الجواب على بياض، وأشكر الذي أجاب بهذا الجواب المُوَفَّق .. ( .. انقطاع في الصوت .. ) العدة التي أمر الله بإعدادها وبعد أن بينا أنه يجب هناك الإعداد المعنوي الديني كما جاء في ذلك الجواب الذي وافقته فأنا أُذَكِّر هؤلاء الذين أوردوا السؤال وجاءهم الجواب الصحيح وربما لم يزل الإشكال فأُذَكِّرهم بقوله ﵊: «المجاهد من جاهد هواه لله» وأنا على مثل اليقين أن مثل هؤلاء الذين وَجَّهوا ذلك السؤال وأنهم يتوهمون من كلامنا أننا نأمرهم بالقعود عن الجهاد وهذا داخل في خُلُق يبدو أنهم ما تحرروا منه ألا وهو خلق سوء الظن

стр. 3728

بالمسلم والله يقول عن المشركين: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] ولذلك قال ﵊: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» كيف يظن هؤلاء السائلون أو ذاك السائل كيف يظن بعد هذا البيان الواضح المبين أننا نأمر الشباب المسلم المتحمس بالقعود ونحن نقول له: ارجع إلى فهم الإسلام فهماً صحيحاً على ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ثم طبق هذا الإسلام في حدود استطاعتك، ونأمر أيضاً الحكام الذين يحكمونكم أن يطبقوا الإسلام إسلاماً مصفى هذا هو الجهاد الأكبر وبعد ذلك يأتي جهاد الكافر، كيف يظنون بنا ظن السوء فيقولون: هل نقعد مع القاعدين؟ سأذكر بقوله ﵇: «المجاهد من جاهد هواه لله» ولو أنني كنت عندكم لرأيت كثيراً من هؤلاء الشباب ليخالفون شريعة الله في أنفسهم .. في صلاتهم .. في عبادتهم .. والرسول ﵇ قديماً قال: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» فأنت تستطيع أن تلفت نيابة عني نظر بعض الشباب المتحمس إلى أنه لم يطبق الإسلام في نفسه .. في زوجه .. في أخته .. في بنته .. إلى آخره، لذلك قلنا آنفاً ناقدين تلك الكلمة التي أعتبرها غاية الحكمة: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم، إذاً: لا نقول: اقعدوا .. نقول: جاهدوا، أما جهاد القتال فيتطلب الاستعداد بأقوى الأسباب الممكنة في عصرنا الحاضر وهي متوفرة مع الدول وليست متوفرة مع الأفراد لذلك نحن يجب علينا جميعاً معشر المسلمين أن نرفع أصواتنا ونطالب دولنا وبخاصة الدولة التي تعلن علناً على المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي أنها تحكم بما أنزل الله أن ينفروا كافة وأن يعلنوا الجهاد ليس قولاً وإنما قولاً وفعلاً وتطبيقاً. مداخلة: جزاكم الله خيراً يا شيخنا. الشيخ: وإياكم إن شاء الله. (الهدى والنور / ٦٩١/ ٥٨: ٤٢: ٠٠)

стр. 3729

كيف السبيل إلى الجهاد في ظل حكومات لا تحكم بالشريعة السؤال: فيه هنا شيخنا سؤال مُوَجِّه من أحد الإخوان يقول: معظم الحكام اليوم لا يحكمون بما أنزل الله، ولا يرفعون راية الجهاد في سبيل الله، فما هو واجب الشباب المسلم اليوم؟ الشيخ: واجب المسلمين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] واجب المسلمين أن يتفقهوا في الدين وأن يُرَبُّوا أنفسهم على هذا الدين ويربوا من يلوذ بهم من زوج أو ولد أو أخ أو جار أو صديق هكذا، ونحن دائماً ندندن حول كلمتين اثنتين: لابد من التصفية والتربية لإقامة الدولة المسلمة، وبدونهما لا سبيل إلى إقامتها أبداً أبداً أبداً، والتصفية والتربية هذا ليس بالأمر السهل، كما أشار الأستاذ الفاضل آنفاً، أنه قيام الدولة المسلمة قد لا ندركها نحن الذين عشنا سن الأربعين أو الخمسين أو الأكثر من ذلك من باب أولى، ذلك لأن التاريخ لابد من أن يعيد نفسه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فإذا كان المؤمن يؤمن حقاً بأن النبي ﵌ هو أسوته في كل شيء، ومن هذه الأشياء الأمر المهم الذي يدندن حوله اليوم الجماعات الإسلامية على اختلاف مشاربها ومناهجها هو إقامة الدولة المسلمة، فلابد من أن نتخذ الأسباب التي اتخذها رسول الله ﵌ حتى نتمكن من إقامة الدولة المسلمة، مع ملاحظة فارق كبير جداً، ألا وهو أن الإسلام يومئذٍ كان ينزل على محمد ﵌ من الله ﵎ مباشرة وليس أصحاب النبي بحاجة يومئذٍ أن

стр. 3730

يبحثوا في كتب الحديث وكتب التفسير واللغة وو .. إلخ، مما لا يمكن المسلم اليوم أن يفهم الإسلام على الوجه الصحيح إلا بهذه المقدمات، فالسلف الأول ما كانوا بحاجة إلى مثل هذه المقدمات، لأنهم كانوا يأخذون أحكام الإسلام مباشرة من نبي الإسلام، فإذاً: ما عليهم إلا أن يُرَبَّوا على هذا الإسلام الصحيح، وهذا ما فعله الرسول ﵇ مع أصحابه الكرام، أما نحن اليوم فنحن قبل أن نقول: نريد أن نربي أنفسنا على الإسلام يجب علينا أن نفهم الإسلام، وهل فهم الإسلام طريقه مذلل وميسر كما كان في العهد الأول من الإسلام؟ الجواب بدون أي خلاف: ليس كذلك، ومثال بسيط جداً جداً: يومئذٍ لم يكن هناك علم اسمه علم الحديث، لأنهم كانوا يتلقون الحديث من صاحبه مباشرة، ليس هناك علم اسمه علم النحو والصرف، لماذا؟ لأنهم كانوا عرباً أقحاحاً، أما اليوم العرب أنفسهم صاروا أعاجم، فهم بسبب ذلك حتى يتمكنوا من فهم القرآن فهماً صحيحاً، فعليهم أن يدرسوا لغتهم التي نسوها، فانظروا إذاً أمامنا عقبات كثيرة وكثيرة جداً، لنتمكن من تطبيق الإسلام على أنفسنا يجب أن نتعلم هذا الإسلام ولا يمكننا إلا باتخاذ الوسائل التي بها نستطيع أن نفهم الإسلام. وهنا نكتة سورية يذكرونها وما يهمنا تكون صحيحة، بل قد تكون نكتة فيها حكمة، وهي: زعموا بأن رجلاً مسلماً أعجمي لقي رجلاً يهودياً في الطريق، فأخرج خنجره من وسطه مُهَدِّداً لهذا اليهودي قائلاً له: أسلم وإلا قتلتك، قال: دخلك، ماذا أقول؟ قال: والله ما أدري ماذا تقول، هذا مثال يعني، إذاً: هذا التهديد ما فائدته ولا هو لا يعرف إسلامه، هذا النكتة هذه لها أثر كبير جداً في واقعنا، فإن أكثر المسلمين كما نقول نحن دائماً وأبداً: لا يعرفون إسلامهم حتى في العقيدة، بل سأقولها صريحة: لا يعرفون ربهم، والأصل أن المسلم يعرف ربه ليس كالمشركين، بل خيراً من المشركين، وإلا ما الفرق بينه وبين المشركين، المشركين قال رب العالمين عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ

стр. 3731

اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إذاً: المشركون ما كانوا كفاراً برب العالمين! طيب المسلمين اليوم يقولون: الله، لكن هل يعلمون الله يعني واحد في ذاته وهذا الذي يسمى عند العلماء بتوحيد الربوبية، وواحد في عبادته وهذا الذي يسمى عندهم بتوحيد الألوهية أو العبادة، وواحد في أسمائه وصفاته، أكثر المسلمين لا يعلمون ذلك أبداً، ما يفقهون الكلمة الطيبة لا إله إلا الله إلا بالمفهوم الشركي، أي: ربنا واحد، لا شريك له، أي: لا أحد يخلق معه لا أحد يرزق معه، المشركون كانوا كذلك، لكن هؤلاء المشركين وصفهم رب العالمين بقوله في القرآن، الكريم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] هذا واقع اليوم بين المسلمين أنفسهم، فالذين يذهبون زعموا لزيارة الأولياء والصالحين لا يذهبون لزيارتها لتحقيق العلة التي ذكرها الرسول ﵇ في بعض أحاديثه بعد أن كان نهاهم عن زيارة القبور، قال لهم: وكنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة. لكن اليوم لا يذهبون لزيارة الأولياء والصالحين ليتذكرون الآخرة، وإنما ليستمدوا العون منهم وليتبركوا بالدعاء عند مقامهم وهكذا، فهذه كلها تنافي شهادة لا إله إلا الله. إذاً: أين المسلمين هؤلاء الذين يريدون يقيموا الدولة المسلمة وهم أكثرهم بعد لا يعرفون التوحيد، وهذا مجاله واسع جداً. (الهدى والنور/٤٦٦/ ٣٦: ٣٨: ٠٠) شقرة: يقول يا إخوان مثل هذه الجلسات المباركات لا تكون على كثرة وإنما تكون على ندرة، وبخاصة أن يجتمع مثل هذا النفر من الشباب، والشباب كما يعبر عنهم بعض الكتاب أو الحكماء العصريين يقولون: إنهم عصب الحياة، ولا شك أن هذه الكلمة صادقة إلى حد كبير في وصف الشباب، والشباب دائماً وأبداً رغم أنهم على ما وصف لكن أيضاً في الشباب الحماسة وقوة الاندفاع

стр. 3732

وشدة الانطلاق، وعدم التروي في كثير من الأحيان، والانسياق وراء العاطفة، وعدم الوقوف مع أحكام العقل الصحيحة، فضلاً عن أن يكون هناك وقوف أو تَمثُّل لأحكام الشرع، لذلك أقول: أولاً: جزى الله عنا شيخنا خيراً بما أفاض علينا مما آتاه الله من علم وحكمة، وأقول ثانياً: إنا معاشر الشيوخ ولست أعني بالشيوخ الرؤساء وكبار العلماء أو العلماء، وإنما أعني بالشيوخ كبار السن، فنحن الآن على سفينة الرحلة الأبدية التي لا تعود مرة أخرى إلى الشاطئ، وأنتم الآن تقفون على الشواطئ تنظرون إلى موج البحر وهو يختبط، وإلى مياهه وهي تعلوا تارة وتنخفض أخرى، وإلى السفن التي تبحر في هذا المحيط أو في هذا البحر، تنظرون إليها وأنتم تتأملون ماذا يكون من مصير الإنسان الذي يقف على الشاطئ إن غمس رجله في الماء أو ركب هذه السفينة أو الباخرة، أو سبح في هذا الموج أو خضم هذا البحر، تنظرون وتتساءلون، فالذي أوصيكم به ثلاثاً: أولاً: أن تُقْبِلوا على العلم، الإقبال الذي يُحَصِّنكم من الجهل الذي يشيع في دنيا الناس، والجهل هو عنوان التخلف، وكلما ابتعد الإنسان عن العلم اقترب من الشيطان وابتعد عن الرحمن، وكلما اقترب من العلم كان أقرب إلى الرحمن وأبعد عن الشيطان، هذه الأولى، أما الثانية فأن تتوادوا في الله ، ولا يحمل بعضكم أو لا يحمل بعضكم على بعض ضغناً في صدره أو حقداً في نفسه، أو ثورة من غضب ربما يقدم على أذى أخيه بها، وما أحسن أن ينام الإنسان ليله الطويلة سليم الصدر معافى من الأوبئة أو الأدواء التي تنتشر في دنيا الناس بالتنافس على الدنيا والإقبال عليها والإدبار عن الآخرة، هذه الثانية. أما الثالثة: فأن تستحضروا دائماً أنكم في مثل هذا السن أقرب ما تكونون إلى تلقي الأمور تلقياً دقيقاً واعياً لا يفلت منكم شيء منها، فعليكم أن تستغلوا شبابكم وقدراتكم النفسية والعقلية في استيعاب الكثير من المسائل والأحوال،

стр. 3733

المسائل العلمية والأحوال الاجتماعية التي يكتب لكم بها أن تكونوا إن شاء الله من الحكماء في الدنيا، لأن العلم يولد الحكمة، ومعرفة الأحوال تقدر الإنسان على فهم التاريخ، ودنيا الناس، فبذلك يكون حكيماً بعلمه ومعرفته أحوال البشر، هذه ثلاث مسائل أحببت أن أوصي نفسي، وأنا كما قلت لكم قد ركبت تلك السفينة التي تمشي الآن إلى المجهول، ولا ندري أيكون بيننا وبينكم لقاء أم لا يكون، فوصيتي إليكم هذه، وأختتم جلستنا هذه المباركة بقوله ﵌ عندما أوصى أحد أصحابه، قال: «اتق حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وإخوانه النبيين. (الهدى والنور/٤٦٦/ ٢٦: ٢١: ٠١)

стр. 3734

الإسلام يُحَارَب والحكومات صامتة، فما الحل ؟ الملقي: بسم الله الرحمن الرحيم، خيراً إن شاء الله، نعلم، شيخنا في هذه الأيام الإسلام محارب في جميع الأرض، وبعدم اهتمام من الحكومات، فماذا علينا نحن في هذا الأمر؟ وهل نأثم بجلوسنا لعدم عمل أي شيء؟ هذا السؤال الأول. الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 3735

السؤال كأنه من حيث ظاهره وألفاظه أقل مما يقصده لافظه، حين يقول: نقعد ولا نعمل أي شيء فهو يعني في أي شيء؛ ليس أي شيء مطلقاً، وإنما يعني شيئاً معيناً؛ لأنه لا أحد إطلاقاً يقول: بأن المسلم عليه أن يعيش كما تعيش الأنعام لا يعمل أي شيء؛ لأنه خلق لشيء عظيم جداً؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له. ولذلك فلا يتبادر إلى ذهن أحد من مثل هذا السؤال أنه يقصد ألا يعمل أي شيء، وإنما يقصد ألا يعمل شيئاً يناسب هذا الواقع الذي أحاط بالمسلمين من كل جانب، هذا هو الظاهر من مقصود السائل، وليس من ملفوظ السائل. الملقي: نعم. جزاك الله خير. الشيخ: وعلى ذلك نجيبه: إن وضع المسلمين اليوم لا يختلف كثيراً ولا قليلاً عما كان عليه وضع الدعوة الإسلامية في عهدها الأول، وأعني به: العهد المكي. أقول: لا يختلف وضع الدعوة الإسلامية اليوم لا في قليل ولا في كثير عما كانت عليه الدعوة الإسلامية في عهدها الأول: ألا وهو العهد المكي، وكلنا يعلم أن القائم على الدعوة يومئذٍ هو نبينا محمد ﵌. أعني بهذه الكلمة: أن الدعوة كانت محاربة من القوم الذين بعث فيهم رسول الله ﵌ من أنفسهم كما في القرآن الكريم، ثم لما بدأت الدعوة تنتشر وتتسع دائرتها بين القبائل العربية حتى أمر النبي ﵌ بالهجرة من مكة إلى المدينة. طبعاً نحن نأتي الآن برؤوس أقلام؛ لأن التاريخ الإسلامي الأول والسيرة النبوية الأولى معروفة معلومة عند كثير من الحاضرين؛ لأنني أقصد بهذا الإيجاز والاختصار الوصول إلى المقصود من الإجابة على ذاك السؤال، ولذلك فإنني أقول: بعد أن هاجر النبي ﵌ وتبعه بعض أصحابه إلى المدينة، وبدأ ﵊ يضع النواة لإقامة الدولة المسلمة هناك في المدينة المنورة بدأت أيضاً عداوة جديدة بين هذه الدعوة الجديدة أيضاً في المدينة حيث اقتربت الدعوة من عقر دار النصارى وهو سوريا يومئذٍ التي كان فيها هرقل: ملك الروم، فصار هناك

стр. 3736

عداء جديد للدعوة، ليس فقط من العرب في الجزيرة العربية ومن النصارى أيضاً في شمال الجزيرة العربية، أي من سوريا، ثم أيضاً ظهر عدو آخر ألا وهو فارس، فصارت الدعوة الإسلامية محاربة من كل الجهات: من المشركين في الجزيرة العربية، ومن النصارى واليهود في بعض أطرافها، ثم من قبل فارس التي كان العداء بينها وبين النصارى شديداً كما هو معلوم من قوله ﵎: ﴿الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، الشاهد هنا: لا نستغربن وضع الدعوة الإسلامية الآن من حيث أنها تحارب من كل جانب. فمن هذه الحيثية كانت الدعوة الإسلامية في منطلقها الأول أيضاً كذلك محاربة كل الجهات. وحينئذٍ يأتي السؤال والجواب: ما هو العمل؟ ماذا عمل النبي ﵌ وأصحابه الذين كانوا أو كان عددهم يومئذٍ قليلاً بالنسبة لعدد المسلمين اليوم، حيث صار عدداً كثيراً، وكثير جدا؟ هنا، هنا يبدأ الجواب: هل حارب المسلمون العرب المعادين لهم، أي قومهم في أول الدعوة؟ هل حارب المسلمون النصارى في أول الأمر؟ هل حاربوا فارس في أول الأمر؟ الجواب: لا، لا، كل ذلك، الجواب: لا. إذاً ماذا فعل المسلمون؟ نحن الآن يجب أن نفعل ما فعل المسلمون الأولون تماماً؛ لأن ما يصيبنا هو الذي أصابهم، وما عالجوا به مصيبتهم هو الذي يجب علينا أن نعالج مصيبتنا. وأظن أن هذه المقدمة توحي للحاضرين جميعاً الجواب إشارة وستتأيد هذه الإشارة بصريح العبارة، فأقول: يبدو من هذا التسلسل التاريخي والمنطقي في آنٍ واحد أن الله إنما نصر المؤمنين الأولين الذين كان عددهم قليلاً جداً بالنسبة للكافرين والمشركين جميعاً، من كل مذاهبهم ومللهم، إنما نصرهم الله

стр. 3737

تبارك وتعالى بإيمانهم، إذن ما كان العلاج أو الدواء يومئذ لذلك العداء الشديد الذي كان يحيط بالدعوة هو نفس الدواء ونفس العلاج الذي ينبغي على المسلمين اليوم أن يتعاطوه لتتحقق ثمرة هذه المعالجة كما تحققت ثمرة تلك المعالجة الأولى. والأمر كما يقال: التاريخ يعيد نفسه، بل خير من هذا القول أن نقول: إن الله في عباده، وفي كونه الذي خلقه، وأحسن خلقه، ونظمه، وأحسن تنظيمه، له في ذلك له سنناً أو سنن لا تتغير ولا تتبدل سنة الله، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. هذه السنة لابد للمسلم أن يلاحظها وأن يرعاها حق رعايتها، وبخاصة ما كان منها من السنن الشرعية. هناك سنن شرعية وهناك سنن كونية، وقد يقال اليوم في العصر الحاضر: سنن طبيعية هذه السنن الكونية الطبيعية يشترك في معرفتها المسلم والكافر والصالح والطالح، بمعنى: ما الذي يقوّم حياة الإنسان البدنية؟ الطعام والشراب والهواء النقي ونحو ذلك. فإذا الإنسان لم يأكل، لم يشرب، لم يتنفس الهواء النقي، فمعنى ذلك أنه معرضة نفسه للموت موتاً مادياً. هل يمكنه أن يعيش إذا ما خرج عن اتخاذ هذه السنن الكونية؟ الجواب: لا، سنة الله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]. هذا كما قلت آنفاً: يعرفه معرفة تجربيه كل إنسان، لا فرق بين المسلم والكافر، والصالح والطالح. لكن الذي يهمنا الآن أن نعرف أن هناك سننا شرعية، يجب أن نعلم أن هناك سنناً شرعية، من اتخذها وصل إلى أهدافها، وجنى منها ثمراتها، ومن لم يتخذها فسوف لن يصل إلى الغايات التي وضعت

стр. 3738

تلك السنن الشرعية لها، تماماً، تماماً كما قلنا بالنسبة للسنن الكونية، إذا تبناها الإنسان وطبقها وصل إلى أهدافها، كذلك السنن الشرعية إذا أخذها المسلم تحققت الغاية التي وضع الله تلك السنن من أجلها، من أجل تحقيقها، وإلا فلا. أظن أن هذا كلام مفهوم، ولكن يحتاج إلى شيء من التوضيح وهنا بيت القصيد، وهنا يبدأ الجواب عن ذاك السؤال الهام. كلنا يقرأ آية من آيات الله بل إن هذه الآية قد تزين بها صدور بعض المجالس أو جدر بعض البيوت، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. لافتات توضع وتكتب بخط ذهبي جميل: رقعي أو فارسي إلى آخره، وتوضع على الجدر. مع الأسف الشديد هذه الآية أصبحت الجدر مزينة بها، أما قلوب المسلمين فهي منها خاوية على عروشها، لا نكاد نشعر ما هو الهدف الذي ترمي إليه هذه الآية: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]؟ ولذلك أصبح وضع العالم الإسلامي اليوم في بلبلة وقلقلة لا يكاد يجد لها مخرجاً، مع أن المخرج مذكور في كثير من الآيات، بهذه الآية فأظن الأمر لا يحتاج إلى كبير شرح وبيان، وإنما هو فقط التذكير، والذكرى تنفع المؤمنين. كلنا يعلما إن شاء الله أن قوله ﵎: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧] شرط، جوابه: ﴿يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. إن تأكل، إن تشرب، إن، إن، الجواب: تحيا. إن لم تأكل، إن لم تشرب، ماذا؟ تموت. كذلك تماماً المعنى في هذه الآية: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، المفهوم وكما يقول الأصوليون، مفهوم المخالفة: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، هذا هو واقع المسلمين اليوم. توضيح هذه الآية جاءت السنة في عديد من النصوص الشرعية، وبخاصة

стр. 3739

منها: الأحاديث النبوية، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧]، معلوم بداهة أن الله لا يعني: إن تنصروه على عدوه بجيوشنا وأساطيلنا وقواتنا المادية، لا؛ إن الله غالب على أمره، فهو ليس بحاجة إلى أن ينصره أحد نصراً مادياً، هذا أمر معروف بدهياً؛ لذلك كان معنى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧] أي: إن تتبعوا أحكام الله، فذلك نصركم لله ﵎. والآن، هل المسلمون قد قاموا بهذا الشرط؟ قد قاموا بهذا الواجب أولاً: ثم هو شرط لتحقيق نصر الله للمسلمين ثانياً؟ الجواب: عند كل واحد منكم: ما قام المسلمون بنصر الله . وأريد أن أذكر هنا كلمة أيضاً من باب التذكير وليس من باب التعليم على الأقل بالنسبة لبعض الحاضرين. إن عامة المسلمين اليوم قد انصرفوا عن معرفتهم أو عن تعرفهم على دينهم، عن تعلمهم لأحكام دينهم، فأكثرهم لا يعلمون الإسلام، وكثير أو الأكثرون إذا ما عرفوا من الإسلام شيئاً عرفوه ليس إسلاماً حقيقياً، عرفوه إسلاماً منحرفاً عما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه. لذلك فنصر الله الموعود به من نصر الله يقوم على معرفة الإسلام معرفة صحيحة كما جاء في القرآن والسنة، ثم على العمل به ثانياً، وإلا كانت المعرفة وبالاً على صاحبها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]، إذن نحن بحاجة إلى تعليم الإسلام، وإلى العمل بالإسلام، فالذي أريد أن أذكر به كما قلت آنفاً: هو أن عادة جماهير المسلمين اليوم أن يصبوا اللوم كل اللوم على حكامهم الذين لا ينتصرون لدينهم، وهم مع الأسف كذلك لا ينتصرون للمسلمين المذلين من كبار الكفار من اليهود والنصارى، وغيرهم. هكذا العرف القائم اليوم بين المسلمين: صب اللوم كل اللوم على الحكام،

стр. 3740

ومع ذلك أن المحكومين كأنهم لا يشملهم اللوم الذي يوجهونه إلى الحاكمين، والحقيقة أن هذا اللوم ينصب على جميع الأمة: حكاماً ومحكومين. وليس هذا فقط، بل هناك طائفة من أولئك اللائمين لأولئك الحكام المسلمين بسبب عدم قيامهم بتطبيق أحكام دينهم، وهم محقون في هذا اللوم، ولكن قد خالفوا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧]. أعني: نفس المسلمين اللائمين للحاكمين حينما يخصونهم باللوم قد خالفوا أحكام الإسلام حينما يسلكون سبيل تغيير هذا الوضع المحزن المحيط بالمسلمين بالطريقة التي تخالف طريقة الرسول ﵌؛ حيث أنهم يعلنون تكفير حكام المسلمين، هذا أولاً، ثم يعلنون وجوب الخروج عليهم ثانياً، فتقع هنا فتنة عمياء صماء بكماء بكماء بين المسلمين أنفسهم، حيث ينشق المسلمون بعضهم على بعض، فمنهم وهم هؤلاء الذين أشرت إليهم، الذين يظنون أن تغير هذا الوضع الذليل المصيب للمسلمين إنما تغييره بالخروج على الحاكمين. ثم لا يقف الأمر عند هذه المشكلة، وإنما تتسع وتتسع حتى يصبح الخلاف بين هؤلاء المسلمين أنفسهم، ويصبح الحكام في معزل عن هذا الخلاف. بدأ الخلاف من غلو بعض الإسلاميين في معالجة هذا الواقع الأليم: أنه لا بد من محاربة الحكام المسلمين الحكام المسلمين لإصلاح الوضع، وإذا بالأمر ينقلب إلى أن هؤلاء المسلمين يتخاصمون مع المسلمين الآخرين الذين يرون أن معالجة الواقع الأليم ليس هو بالخروج على الحاكمين، وإن كان كثيرون منهم يستحقون الخروج عليهم بسبب أنهم لا يحكمون بما أنزل الله، لكن هل يكون العلاج كما يزعم هؤلاء الناس هل يكون إزالة الذل الذي أصاب المسلمين من الكفار أن نبدأ بمحاكمة الحاكمين في بلاد الإسلام من المسلمين ولو أن بعضهم نعتبرهم مسلمين جغفرافيين كما يقال في العصر الحاضر؟ هنا نحن نقول:

стр. 3741

أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل مما لا شك فيه أن موقف أعداء الإسلام أصالة وهم: اليهود والنصارى والملاحدة من خارج بلاد الإسلام هم أشد بلا شك ضرراً من بعض هؤلاء الحكام الذي لا يتجاوبون مع رغبات المسلمين أن يحكموهم بما أنزل الله. فماذا يستطيع هؤلاء المسلمون وأعني طرفاً أو جانباً منهم وهم الذين يعلنون وجوب محاربة الحاكمين من المسلمين؟ ماذا يستطيع أن يفعل هؤلاء لوكان الخروج على الحكام واجباً قبل البدء بإصلاح نفوسنا نحن كما هو العلاج الذي بدأ به الرسول ﵇؟ إن هؤلاء لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إطلاقاً. والواقع أكبر دليل على ذلك، مع أن العلاج الذي يبتغونه وهو: أن يبدؤوا بمحاربة الحُكَّام المسلمين لا يثمر الثمرة المرجوة؛ لأن العلة كما قلت آنفاً ليست في الحاكمين فقط، بل وفي المحكومين أيضاً، فعليهم جميعاً أن يصلحوا أنفسهم، والإصلاح هذا له بحث آخر قد تكلمنا عليه مراراً وتكراراً، وقد نتكلم قريباً إن شاء الله عنه. المهم الآن المسلمون كلهم متفقون على أن وضعهم أمر لا يحسدون عليه، ولا يغبطون عليه، بل هو من الذل والهوان بحيث لا يعرفه الإسلام، فمن أين نبدأ؟ هل يكون البدء بمحاربة الحاكمين الذين يحكمون المسلمين؟ أو يكون البدء بمحاربة الكفار أجمعين، من كل البلاد؟ أم يكون البدء بمحاربة النفس الأمارة بالسوء؟ من هنا يجب البدء؛ ذلك لأن النبي ﵌ إنما بدأ بإصلاح نفوس أفراد من المسلمين المدعوين في أول دعوة الإسلام، كما ذكرنا في أول هذا الكلام. بدأت الدعوة في مكة ثم انتقلت إلى المدينة، ثم بدأت المناوشة بين الكفار

стр. 3742

والمسلمين، ثم بين المسلمين والروم، ثم بين المسلمين وفارس، وهكذا كما قلنا آنفاً: التاريخ يعيد نفسه. فالآن المسلمون عليهم أن ينصروا الله لمعالجة هذا الواقع الأليم، وليس بأن يعالجوا جانباً لا يثمر الثمرة المرجوة فيها لو استطاعوا القيام بها. ما هو هذا الجانب؟ محاربة الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، هذا أولا كما قلت آنفاً، ولا بد من وقفة قصيرة: غير مستطاع اليوم أن يحارب هؤلاء الحكام؛ ذلك لأن هؤلاء الحكام لو كانوا كفاراً كاليهود والنصارى، فهل المسلمون اليوم يستطيعون محاربة اليهود والنصارى؟ الجواب: لا، الأمر تماماً كما كان المسلمون في العهد المكي، كانوا مستضعفين، أذلاء محاربين، معذبين، مقتلين، لماذا؟ لأنهم كانوا ضعفاء، لا حول لهم ولا قوة إلا إيمانهم الذي حل في صدورهم بسبب اتباعهم لدعوة نبيهم ﵌. هنا الاتباع مع الصبر على الأذى هو الذي أثمر الثمرة المرجوة التي نحن ننشدها اليوم، فما هو سبيل الوصول إلى هذه الثمرة؟ نفس السبيل الذي سلكه الرسول ﵊ مع أصحابه الكرام. إذن اليوم لا يستطيع المسلمون محاربة الكفار على اختلاف ضلالاتهم، فماذا عليهم؟ عليهم أن يؤمنوا بالله ورسوله حقاً، ولكن المسلمين اليوم كما قال رب العالمين: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. المسلمون اليوم مسلمون اسماً، وليسوا مسلمين حقاً، أظنكم تشعرون معي بالمقصود من هذا النفي، ولكني أُذَكِّركم بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٧]، أي: الباغون الظالمون، فإذا أخذنا هذه الخصال فقط،

стр. 3743

ولم نتعد هذه الآيات المتضمنة لهذه الخصال إلى آيات أخرى التي فيها ذكر لبعض الصفات والخصال التي لم تذكر في هذه الآية، وهي كلها تدور حول العمل بالإسلام، فمن تحققت هذه الصفات المذكورة في هذه الآيات المتلوة آنفاً، وفي آيات أخرى، أولئك هم الذين قال الله عزو جل في حقهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]. فهل نحن مؤمنون حقاً؟ الجواب: لا. إذن يا إخواننا لا تضطربوا، ولا تجهلوا، وتذكروا لتعرفوا داءكم فتعرفوا دواءكم. المسلمون اليوم ليسوا مؤمنين حقاً؛ لأن الإيمان الحق يتطلب العمل بالحق. فنحن المصلين اليوم، هذه الخصلة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، هل نحن خاشعون في صلاتنا؟ أنا ما أتكلم عن فرد، اثنين، خمسة، عشرة، مائة، مائتين، ألف، ألفين، لا، بل أتكلم عن المسلمين على الأقل الذين يتساءلون! ما هو الحل لما أصاب المسلمين؟ لا أعني أولئك المسلمين اللاهين الفاسقين، الذين لا يهمهم آخرتهم، وإنما يهمهم شهواتهم وبطونهم، لا، أنا أتكلم عن المسلمين المصلين، فهل هؤلاء المصلون، قد اتصفوا بهذه الصفات المذكورة في أول سورة المؤمنون؟ الجواب: كجماعة كأمة: لا. إذن: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس فلا بد من اتخاذ الأسباب التي هي من تمام السنن الشرعية بعد السنن الكونية؛ حتى يرفع ربنا هذا الذل الذي ران علينا جميعاً. أنا ذكرت هذه الأوصاف من صفات المؤمنين المذكورة في أول هذه السورة، لكن هناك في الأحاديث النبوية التي ذكرنا بها إخواننا دائماً ما يذكر بسوء حال

стр. 3744

المسلمين اليوم، وأنهم لو تذكروا هذا السوء لكان من العار عليهم أن يتساءلوا: لماذا أصابنا هذا الذل؟ لأنهم قد غفلوا عن مخالفتهم لشريعة الله. من تلك الأحاديث قوله ﵊: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»، هذا الحديث تكلمت عليه كثيراً، وكثيراً جداً، وفي مناسبات عديدة، وإنما أنا أقف فقط عند قوله: «إذا تبايعتم بالعينة»، العينة نوع من الأعمال الربوية، ولا أريد أيضاً أن أدخل فيها، فهل منكم من يجهل تعامل المسلمين بأنواع من الربا؟ وهذه البنوك الربوية قائمة على ساق وقدم في كل بلاد الإسلام، ومعترف فيها بكل الأنظمة القائمة في بلاد الإسلام، وأعود فأقول: ليس فقط من الحكام بل ومن المحكومين؛ لأن هؤلاء المحكومين هم الذين يتعاملون مع هذه البنوك، وهم الذين لو نوقشوا وقيل لهم: أنتم تعلمون أن الربا حرام، وأن الأمر كما قال ﵇: «درهم ربا يأكله الرجل أشد عند الله من ست وثلاثين زنية». لماذا يا أخي تتعامل بالربا؟ بيقول لك: شو بدنا نسوي؟ بدنا نعيش. إذن القضية ما لها علاقة بالحكام إلها علاقة قبل الحكام بالمحكومين. المحكومون هم في حقيقة أمرهم يليق بهم مثل هؤلاء الحكام، وكما يقولون: دود الخل منه فيه، دود الخل منه فيه. هؤلاء الحكام ما نزلوا علينا من المريخ، وإنما نبعوا منا وفينا، فإذا أردنا صلاح أوضاعنا فلا يكون ذلك بأن نعلن الحرب الشعواء على حكامنا، وأن ننسى أنفسنا، ونحن من تمام مشكلة الوضع القائم اليوم في العالم الإسلامي، بذلك نحن ننصح المسلمين أن يعودوا إلى دينهم، وأن يطبقوا ما عرفوه من دينهم: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤ - ٥].

стр. 3745

كل المشاكل القائمة اليوم والتي يتحمس بعض الشباب ويقول: ما العمل؟ سواء قلنا ما هو بجانبنا من المصيبة التي حلت في العالم الإسلامي والعالم العربي، وهو احتلال اليهود لفلسطين، أو قلنا مثلاً محاربة الصليبيين للمسلمين في أرتيريا وفي الصومال، في البوسة والهرسك .. في .. في إلى آخر البلاد المعروفة اليوم. هذه المشاكل كلها لا يمكن أن تُعَالَج بالعاطفة، وإنما تعالج بالعلم والعمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقل اعملوا الآن نقف عند هذه النقطة، العمل للإسلام اليوم في الساحة الإسلامية له صور كثيرة، وكثيرة جداً، وفي جماعات وأحزاب متعددة، والحقيقة أن هذه الأحزاب من مشكلة العالم الإسلامي التي تكبر المشكلة أكثر مما يراها بعضهم، بعضهم يرى أن المشكلة احتلال اليهود لفلسطين، أن المشكلة ما ذكرناه آنفاً: محاربة الكفار لكثير من البلاد الإسلامية وأهلها، لا، نحن نقول: المشكلة أكبر وأقوى: تفرق المسلمين، المسلمون أنفسهم متفرقون شيعاً وأحزاباً خلاف قول الله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، الآن الجماعات الإسلامية مختلفون في طريقة معالجة المشكلة التي يشكو منها كل الجماعات الإسلامية، وهي: الذل الذي ران على المسلمين، وكيف السبيل للخلاص منه؟ هنا طرق: الطريقة الأولى وهي الطريقة المثلى التي لا ثاني لها، وهي التي ندعو إليها دائماً أبداً، وهي: فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وتطبيقه، وتربية المسلمين على هذا الإسلام المصفى، تلك هي سنة رسول الله ﵌، كما ذكرنا ونذكر دائماً وأبداً، فرسول الله بدأ بأصحابه أن دعاهم إلى الإيمان بالله ورسوله، أن علمهم بأحكام الإسلام، وأمرهم بتطبيقها. وحينما كانوا يشكون إليه ما

стр. 3746

يصبهم من ظلم المشركين وتعذيبهم إياهم كان يأمرهم بالصبر يأمرهم بالصبر، وأنها هكذا سنة الله في خلقه: أن يحارب الحق بالباطل، وأن يحارب المؤمنون بالمشركين وهكذا. فالطريقة الأولى لمعالجة هذا الأمر الواقع هو: العلم النافع والعمل الصالح. هناك حركات ودعوات أخرى، كلها تلتقي على خلاف الطريقة الأولى والمثلى، والتي لا ثاني لها، وهي اتركوا الإسلام الآن جانباً من حيث وجوب فهمه، ومن حيث وجوب العمل به، الأمر الآن أهم من هذا الأمر وهو: أن نتجمع وأن نتوحد على محاربة الكفار. سبحان الله! كيف يمكن محاربة الكفار بدون سلاح؟ ! كل إنسان عنده ذرة من عقل: [يعلم] أنه إذا لم يكن له سلاح مادي فهو لا يستطيع أن يحارب عدوه، المسلح ليس بسلاح مادي، بل بأسلحة مادية. فإذا أردنا أن يحارب عدوه هذا المسلح، وهو غير مسلح، ماذا يقال له؟ ! حاربه حاربه دون أن تتسلح؟ أم تسلح ثم حارب؟ لا خلاف في المسألة: أن الجواب: تسلح ثم حارب، هذا من الناحية المادية، لكن من الناحية المعنوية: الأمر أهم بكثير من هذا: إذا أردنا أن نحارب الكفار فسوف لا يمكننا أن نحارب الكفار بأن ندع الإسلام جانباً؛ لأن هذا خلاف ما أمر الله ورسوله المؤمنين في مثل آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. إن الإنسان لفي خسر نحن الآن بلا شك في خسر، لماذا؟ لأننا لم نأخذ بما ذكر الله من الاستثناء حين قال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٢ - ٣]، نحن الآن نقول: آمنا بالله ورسوله، لكن حينما ندعو المسلمين المتحزبين المتجمعين، المتكتلين على خلاف دعوة الحق: الرجوع

стр. 3747

إلى الكتاب والسنة يقولون: هذا ندعه الآن جانباً، الأمر الأهم هو محاربة الكفار، فنقول: بسلاح أم بدون سلاح؟ لابد من سلاحين: السلاح الأول: السلاح المعنوي، وهم يقولون: الآن دعوا هذا السلاح المعنوي جانباً وخذوا بالسلاح المادي، ثم لا سلاح مادي؛ لأن هذا غير مستطاع بالنسبة للأوضاع التي نحن نُحْكَم بها الآن، ليس فقط من الكفار المحيطين بنا من كل جانب، بل ومن بعض الحكام الذين يحكموننا، فنحن لا نستطيع اليوم رغم أنوفنا أن نأخذ بالاستعداد بالسلاح المادي، هذا لا نستطيعه. فنقول: نريد أن نحارب بالسلاح المادي، وهذا لا سبيل إليه، والسلاح المعنوي الذي هو بأيدينا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، العلم ثم العمل في حدود ما نستطيع هذا نقوله بكل بساطة متناهية: دعوا هذا جانباً، هذا مستطاع ونؤمر بتركه جانباً، وذاك غير مستطاع فنقول: يجب أن نحارب، وبماذا نحارب؟ ! خسرنا السلاحين معاً: السلاح المعنوي العلمي نقول: نؤجله؛ لأنه ليس هذا وقته وزمانه. السلاح المادي: لا نستطيعه فبقينا خراباً يباباً ضعفاء في السلاحين: المعنوي والمادي. إذا رجعنا إلى العهد الأول الأنور: وهو عهد الرسول ﵇ الأول: هل كان عنده سلاح مادي؟ الجواب: لا بماذا إذن كان مفتاح النصر: السلاح المادي أم السلاح المعنوي؟ لا شك أنه كان السلاح المعنوي، وبه بدأت الدعوة في مثل تلك الآية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، إذن العلم قبل كل شيء، العلم بالإسلام قبل كل شيء، ثم تطبيق هذا الإسلام في حدود ما نستطيع. نستطيع أن نعرف العقيدة الإسلامية الصحيحة طبعاً، نستطيع أن نعرف العبادات الإسلامية، نستطيع أن نعرف الأحكام الإسلامية، نستطيع أن نعرف السلوك الإسلامي، هذه الأشياء كلها مع أنها مستطاعة فجماهير المسلمين بأحزابهم وتكتلاتهم هم معرضون عنها ثم نرفع أصواتنا عالية: نريد الجهاد، أين الجهاد؟ ما دام السلاح الأول مفقود، والسلاح الثاني غير موجود بأيدينا؟ نحن لو وجدنا اليوم جماعة

стр. 3748

من المسلمين متكتلين حقاً على الإسلام الصحيح، وطبقوه تطبيقاً صحيحاً؛ لكن لا سلاح مادي عندهم، هؤلاء يأتيهم أمره تعالى في الآية المعروفة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، لو كان عندنا السلاح الأول المعنوي فنحن مخاطبون بهذا الإعداد المادي، فهل نحارب إذ لم يكن عندنا إعداد مادي؟ الجواب: لا؛ لأننا لم نحقق هذه الآية التي تأمرنا بالإعداد المادي، فما بالنا كيف نستطيع أن نحارب ونحن مفلسون من السلاحين: المعنوي والمادي؟ المادي الآن لا نستطيعه، المعنوي: نستطيعه، إذن ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، اتقوا الله ما استطعتم، فالذي تستطيعه الآن هو: العلم النافع والعمل الصالح. لعلي أطلت في الجواب أكثر من اللازم، لكني أنا أُلَخص الآن فأقول: ليست مشكلة المسلمين في فلسطين فقط يا إخوانا؛ لأنه مع الأسف الشديد من جملة الانحرافات التي تصيب المسلمين اليوم: أنهم يخالفون علمهم عملاً. حينما نتكلم عن الإسلام وعن الوطن الإسلامي نقول: كل البلاد الإسلامية هي وطن لكل مسلم، ما في فرق بين عربي وعجمي، ما في فرق مثلاً بين حجازي وأردني ومصري وإلى آخره، لكن هذه الفروق عملياً موجودة، هذه الفروق عملياً موجودة ليس فقط سياسياً، فهذا غير مستغرب أبداً، لكن موجود حتى عند الإسلاميين. مثلاً: تجد بعض الدعاة الإسلاميين يهتمون بفلسطين ثم لا يهمهم ما يصيب المسلمين الآخرين في البلاد الأخرى، مثلاً حينما كانت الحرب قائمة بين المسلمين الأفغان، وبين السوفيت وأذنابهم من الشيوعيين كان هناك حزب أو أحزاب إسلامية لا يهتمون بهذه الحرب القائمة بين المسلمين الأفغان والشيوعيين، لماذا؟ لأن هؤلاء ليسوا مثلاً سوريين أو مصريين أو ما شابه ذلك. إذن المشكلة الآن ليست محصورة في فلسطين فقط، بل تعدت إلى بلاد إسلامية كثيرة، فكيف نعالج هذه المشكلة العامة؟ بالقوتين: المعنوية والمادية، بماذا نبدأ؟ نبدأ قبل كل شيء بالأهم فالأهم، وبخاصة إذا كان الأهم ميسوراً وهو: السلاح المعنوي: فهم الإسلام فهماً صحيحاً وتطبيقه تطبيقاً صحيحاً، ثم

стр. 3749

السلاح المادي إذا كان ميسوراً. اليوم مع الأسف الشديد الذي وقع في أفغانستان: الأسلحة التي حارب المسلمون المادية، الأسلحة المادية التي حارب المسلمون بها الشيوعيين، هل كانت أسلحة إسلامية؟ الجواب: لا، كانت أسلحة غربية، إذن نحن الآن من ناحية السلاح المادي مستعبدون، لو أردنا أن نحارب وكنا أقوياء من حيث القوة المعنوية، إذا أردنا أن نحارب بالسلاح المادي فنحن بحاجة إلى أن نستورد هذا السلاح إما بثمن، وإما بالمنحة، أو شيء مقابل شيء كما تعلمون السياسية الغربية اليوم على حد المثل العامي: حك لي لأحك لك، يعني أي دولة الآن حتى بالثمن لا تبيعك السلاح إلا مقابل تنازلات، تتنازل أنت أيها الشعب المسلم مقابل هذا السلاح الذي تدفع ثمنه أيضاً. فإذن يا إخواننا الأمر ليس كما نتصور عبارة عن: حماسات وحرارات الشباب وثورات كرغوة الصابون تثور ثم تخور في أرضها، لا أثر لها إطلاقاً. أخيراً أقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] إلى آخر الآية، لكن أكرر: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان مقروناً بالعلم النافع، والعلم النافع إنما هو: قال الله، قال رسول الله، كما قال ابن القيم ﵀: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً ... بين الرسول وبين رأي فقيه مصيبة العالم الإسلامي اليوم مصيبة أخطر وقد يستنكر بعضكم هنا الذي أقوله مصيبة العالم الإسلامي اليوم أخطر من احتلال اليهود لفلسطين، مصيبة العالم الإسلامي في اليوم أنهم ضلوا سواء السبيل، أنهم ما عرفوا الإسلام الذي به تتحقق سعادة الدنيا والآخرة معاً. وإذا عاش المسلمون في بعض الظروف أذلاء مضطهدين من الكفار والمشركين، وقتلوا وصلبوا، ثم ماتوا، فلا شك أنهم ماتوا سعداء، ولو عاشوا في

стр. 3750

الدنيا أذلاء مضطهدين. أما من عاش عزيزاً في الدنيا وهو بعيد عن فهم الإسلام كما أراده الله ورسوله فهو سيموت شقياً، وإن عاش سعيداً في الظاهر. إذن بارك الله فيكم ولعلنا نتلقى أسئلة أخرى العلاج هو: فروا إلى الله، العلاج: فروا إلى الله. فروا إلى الله تعني: افهموا ما قال الله ورسول الله، واعملوا بما قال الله ورسوله الله، وبهذا أنهى هذا الجواب. (الهدى والنور/٧٦٠/ ٠٠: ٠١: ٠٠) استئذان الأبوين في الجهاد مداخلة: ... سؤال مهم هو في أخ جاء ضيف عندي من مصر قادم وهو ذاهب للعراق وحيد أبويه يريد يذهب للجهاد ورغم أن أباه وأمه ليسوا بحاجة إليه من ناحية المدة أو المال, فيذهب للجهاد أم يجاهد فيهما؟ الشيخ: يوجد من يخدم أبويه؟ مداخلة: لا. الشيخ: إذاً: «الزمهما فإن الجنة عند رجليهما». مداخلة: لكن هم لو كانوا في غير حاجة إليه؟ الشيخ: يذهب ويجاهد. (الهدى والنور / ٣١٨/ ٣٦: ٤٣: ٠٠)
следующие страницы →