جامع تراث العلامة الألباني في المنهج
والأحداث الكبرى
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
стр. 3
جامع تراث العلامة الألباني في المنهج
والأحداث الكبرى
صَنَعَهُ
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
(المجلد الأول)
[مقدمات تعريفية بالمنهج السلفي-فهم السلف-التصفية والتربية]
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
أنا أفخرُ بأن الله يَسَّرَ لي معرفة السلف الصالح .. علمهم .. وفقههم .. وسلوكهم .. وأن أسعى لأكون على خطاهم ..
أفخر أنا بهذا ...
الألباني
стр. 6
المقدمة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذا هو العمل الثاني من مشروعنا "موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر محمد ناصر الدين الألباني"، وقد خَصَّصْنَاهُ لجمع المسائل المنهجية من تراث العلامة الألباني بالإضافة إلى كلامِهِ في الأحداثِ الدولية الكبرى التي عاصَرَها، وأسمَيناه "جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى".
والحقُّ أنَّ هذا العَمل لا نُقدِّمُه لأبناءِ عصرِنا فحسب، بل نقدمه للتاريخ! فالآراء والأفكار الوارِدة في هذا الكتاب ستبقى -بإذن الله- نبراسًا تستنير به الأجيال ما دامت السموات والأرض، وستبقى شاهدةً على تجربةٍ نادرةٍ من نوعها، لإمامٍ فَذّ قَلَّما يجود الزمان بمثله .. عاش همومَ أمَّتِه وامتزجَ بها، واحترقَ قلبُه كمدًا لما أصابها من وَهَنٍ وضَعْف .. فُتِحت عيناه على جيلٍ تائهٍ من أبناء أُمَّتِه .. يتخبَّطون بين ظُلمات الشُّبُهات والشَّهوات .. يتساءلون: أين السبيل؟ ! .. ويتلمَّسون بصيصًا من نُورٍ يأخذ بأيديهم إلى حيث ينبغي أن يكونوا ليعودوا بأمتهم إلى حيث ينبغي أن تكون! .. فسخَّره الله لهم ناصحًا وموجهًا، مستخلصًا عصارة عشرات السنين من الاطِّلاع على كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه ﷺ ، والتأمُّل في طريقة السلف أصحاب الحديث، وسيرة أئمة الإسلام على مرِّ العُصُور، ليُبَصِّرِ أبناء أمته بـ (منهجٍ) يعود بهم وبأمتهم إلى قِمَّةٍ كان الرعيلُ الأول قد اعتلاها يومًا ما في الزمن الغابر، ثم ضَيَّع من جاء بعدهم طريقهم
стр. 7
ونهجهم فسقطوا سقوطًا مدويًّا ..
ولم يَدَّعِ الألبانيُّ يومًا أن هذا المنهج الذي وضعه لأبناء أمته هو من بنات أفكارِه بل كان دائمًا ما يُصرِّح بأن ما نَذَرَ حياته للدعوة إليه هو ذلك الخط المستقيم الذي رسمه النبي ﷺ يوماً لأصحابه، وأن ما نذر حياته للتحذير منه هو تلك الخطوط التي رسمها النبي ﷺ إلى جانب الخط الأول تاليًا قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)!
إلا أنَّ هذا المنهج الذي وَضَعَهُ العلامةُ الألباني لأبناءِ أمَّتِهِ لم يُجمع شتاته ويُرتَّب في كتابٍ مُستقلٍّ يكون أصلاً في معرفته والاطِّلاع عليه، فبقي ذلك حائلًا يحول دون معرفة حقيقة منهجه لكثيرٍ من الناس.
ثمَّ كان من فضل الله تعالى ومِنَّتِهِ علينا أن سخَّر لنا أسبابَ ذلك فجاء اليوم الذي نُقَدِّم فيه ذلك المنهج في حُلّةٍ قشيبة، بعد أن جمعنا شتات كلام العلامة الألباني حول المسائل المنهجية من عشرات المصادر المكتوبة والمسموعة، ثم رتبناه ترتيبًا متناسقًا، ليصل إليك هذا الجهد أخي القارئ الكريم في هذه الصُّورة التي بين يديك.
стр. 8
شكر وتقدير
أود في هذا المقام أن أتوجه بشكر خاص إلى الإخوة الأكارم الذين قاموا تحت إشرافي بتفريغ المواد الصوتية من تراث الشيخ الألباني لأقوم بمقابلتها على أصولها وتصحيحها وتنقيحها وإدراج المادة المطلوبة في مواضعها من الموسوعة.
وأن أتوجه بالشكر إلى الأخ الكريم فؤاد الزيلعي الذي قام بجهد مشكور كعادته في تنسيق الكتاب ومراجعته وإخراجه.
وإلى الأخ الكريم فهد اللحجي الذي ساعدني في مرحلة المراجعة النهائية للكتاب.
والحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
стр. 9
مع القراء وإليهم
أحمدُ الله تعالى على ما كَتَبَ من قَبولٍ للعمل الأول من هذه الموسوعة "جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة" بين أوساط أهل العلم وطلابه، فقد وصلتني عشرات الرسائل على الجوال الخاص وعلى البريد الإلكتروني من بلدان شتَّى تُبارك لهذا العمل وتَشُدُّ على يدي لإنجازه كاملاً، فأشكر كل من راسلني وشجعني لإنجاز هذا المشروع.
كما أحمد الله تعالى على ما كتب من انتفاع بالعمل الأول من الموسوعة "جامع العقيدة" حتى إنه قد قام كثير من الإخوة من جنسيات مختلفة بترجمة مواضع متفرقة منها بلغات عدة، وأخص بالذكر منهم أخي: أحمد أبوتراب البريطاني فقد كانت عنده همة عالية في ترجمة مواضع كثيرة من الموسوعة إلى اللغة الانجليزية قام بنشرها في موقعه المبارك (١)، أسأل الله أن يبارك فيه وفي جهوده، كما تُرْجِمت مواضع من الموسوعة إلى الأندونوسية، والفرنسية، والإسبانية، والتركية، والألبانية، والصينية وغيرها ..
ومن الجهود النافعة التي حمدت الله على تيسيرها لطلاب العلم ومحبي العلامة الألباني بتوثيق المسائل المنقولة من الأشرطة بالدقيقة والثانية، أنه قد
стр. 10
قام كثير من الإخوة باستخراج مسائل هامة بصوت العلامة الألباني من الأشرطة ليضعها في (فلاش دعوي) مصحوبة بتفريغ كلامه مُستفادًا من كتابي وترجمته إلى لغات أخرى أحيانًا .. إلى غير ذلك من جهود مشكورة لمحبي العلامة الألباني في نشر علمه وتراثه بالاستفادة من جهدنا والحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطناً.
هذا وقد استأذنني كثير من المهتمين بتراث الشيخ عن طريق الاتصال بي أو مراسلتي في الاستفادة من جهدي في الموسوعة والنقل منها وترجمتها إلى غير ذلك، فأردت أن أنبه هنا على أن هذا العمل هو في أصله عمل خيري يهدف إلى خدمة تراث الشيخ الألباني وتقريبه فلا مانع عندي من أن يُستفاد من جهدي بأي وجه من الوجوه بشرط أن يُتقى الله في نقل كلام العلامة الألباني أو ترجمته على الوجه، ولهذا فقد قمتُ بتحميل نسخة خيرية من جامع العقيدة بنفسي على الانترنت، ولولا أن نفقات المشروع كبيرة ولا يوجد كافل له لذلك اضطررنا أن نطبعه طبعة تجارية بكميات قليلة لنغطي النفقات، وإلا لكان أحب إلي أن تُطبع الموسوعة طَبَعَات خيريَّة وتوزع مجانا على طلاب العلم والمراكز الإسلامية والجهات المهتمة بتراث الشيخ.
стр. 11
جامع المنهج
كنتُ قد بينتُ في مقدمة جامع العقيدة الطريقة التي سلكتُها في جَمْعِ هذه الموسوعة، وذكرتُ المصادرَ التي استقرأتُها لذلك، مع بيان منهجي فيها بإطناب، فحسبي هنا أن أُنَبِّهَ على بعض الجوانب الهامَّة الخاصَّة بجامع المنهج:
١ - كنت على وشك كتابة مقدمة تعريفية بمصطلح (المنهج) ودلالاته، فقد لاحظت أن مصطلح المنهج يعتريه لغط كثير في فهمه خاصةً عند من يلهج بذكره والانتساب إليه! ! لكن رأيت تأجيل ذلك إلى قسم الدراسة.
٢ - هناك ترابط في كثير من المواضيع بين جامع المنهج وجامع العقيدة، فجامع المنهج يعد مكمِّلا لما ذكر في جامع العقيدة في هذه المواضيع، فمن ذلك:
- أننا أفردنا كلام الشيخ على الفِرَق المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة في جامع المنهج، وكان قد سبق الكلام على عقائدها في جامع العقيدة في مواضع متفرقة، فأوردنا جملة من عقائد الصوفية في أبواب التوحيد والشرك، كما أوردنا جملة من عقائد المرجئة والخوارج في أبواب الإيمان والكفر، وجملة من عقائد الجهمية والمعتزلة والأشاعرة في أبواب الأسماء والصفات، وجملة من عقائد الجبرية والقدرية في أبواب القضاء والقدر، مع بيان ضلال عقائدهم والرد عليها، فما ذكرناه من كلام على هذه الفرق في جامع المنهج يعد مكمِّلاً لما هو مذكور في جامع العقيدة حول هذه الفرق.
стр. 12
ومن ذلك أننا سبق وأن أفردنا الكلامَ على مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة في جامع العقيدة وهو جانب مهم من أصول الدعوة السلفية.
- لذا فعلى من أراد أن يأخذ صورة متكاملة عن المسائل الواردة في موسوعة المنهج أن ينظر إذا كان لهذه المسائل تعلق بالعقيدة فيكملها من هناك.
٣ - ترددتُ كثيرًا في إضافة كلام الشيخ على الأحداث الكبرى التي عاصَرَها كالجهاد الأفغاني، والقضية الجزائرية، وحرب الخليج الثانية، وغير ذلك إلى جامع المنهج من عدمه بأن أجعل ذلك في كتاب مستقل، ثم استقر الأمر عندي على إضافته لجامع المنهج لما ظهر لي من أن أصول الشيخ المنهجية انعكست على آرائه في هذه الأحداث الكبرى، فآراء الشيخ في العمل السياسي انعكست على رؤيتة للقضية الجزائرية، وآراؤه في مسائل الجهاد انعكست على رؤيته للقضية الأفغانية وحرب الخليج الثانية وهكذا.
стр. 13
كلمة أخيرة
أرجو أن يكونَ هذا العمل الذي تعبتُ على جمعِه وترتيبِه وإخراجِه مُفتاح خيرٍ لكل من اطَّلَع عليه من أبناءِ ديننا، أيًّا كان منهجه أو مشربه، ومهما بعُدت بيننا وبينه المسافات، فلم يدفعْنا لإخراج هذا العمل إلا الرَّحمة والشَّفقة بأقوامٍ نحسبُهم لم يقفوا على ما وقفنا عليه مما نعتقده حقًّا، وهانحن اليوم نقدِّم لهم شيئا من ذلك لعلَّ الله يجمعنا على كلمةٍ سواء ...
ولعلَّ هذا العمل كذلك يكون مفتاحَ خيرٍ لإخوانٍ لنا بغَوا علينا وعلى أبناء ديننا، وتعدوا حدود الله فينا وفيهم، ونَصَّبُوا أنفسهم -بغير وجه حق- حُكامًا على من انتسب للإسلام والسنة ... وهم وإن كانت لهم جهود لا تُنكر في نَشْر العقيدة الصحيحة، والدِّفاع عن عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعة، والرد على الأفكار المنحرفة، إلى غير ذلك من جهود علمية ودعوية لا ينكرها إلا جاحد، إلا أنهم سلكوا مَسلكاً طالما حَذَّر منه العلامةُ الألباني، فانحرفوا بالدعوة وأدخلوا طلابهم في نَفَق مظلم لا نهاية له.
- إنهم أقوام أضحت الدعوة السلفية التي هي دوحة الإسلام الخضراء التي نأمل أن يستظلَّ بها أهل الإسلام من لفحات الشرك والبدع والخرافات .. قد استحالت في أيدي هؤلاء إلى سهام مسمومة يحاول كلٌّ منهم أن يصيب بها كبد أخيه فلا يخطئها ..
- أناسٌ تضيقُ بهم مذاهب القول، وتُغلق في أوجههم أبواب العلم، فيلجؤون
стр. 14
إلى الحديث عن الناس، وتتبع عثراتهم، ويحاولون أن ينبشوا دفائن صدورهم، ويتغلغلوا في أطواء أسرارهم ..
- لا يهدؤون ساعةً عن تصديع رؤوسنا وتمزيق أفئدتنا بصواعق التبديع التي يمطرونها كلَّ يوم من سماء منهجهم العطن ..
- أناسٌ قد هان عليهم أمرَ الظُّلْم، حتى إنك لتجد الرجل المنصف فتحكي عليهم أمره، وتعرض عليهم سِرَّه، وتظرفهم بحديثه، وتمتعهم بأخباره، كأنك تعرض شيئًا من عجائب المخلوقات، أو نوعًا من خوارق العادات، أو ضربًا من أسرار الكائنات ..
- يسمع أحدهم كلمة حقٍّ من صاحبه، ويعتقد أنها كلمة حق، ولكنه يبغضه فيبغض الحق لأجله، وينبري للرد عليه بحُجج واهية، وبدعوى الدفاع عن المنهج ..
- إذا ابتُليت بشاعرٍ من شعرائهم، أنشأ يترنَّم أمامك بقصيدةٍ من قصائد التبديع تشعر كأنَّما يجرعك السمَّ قطرةً قطرة، حتى إنك تتمنى أنْ لو ضربك بها جملة واحدة على أُمِّ رأسك يكون فيها انقضاء أجلك فيريحك من هذا العذاب الذي سماه شعرًا، ويزيح عن كتفك هذا العناء الذي سماه نظمًا ..
- وإن كثيرًا من الكلام الذي أودعوه كتبهم ورسائلهم، وأمطروه على آذان مستمعيهم، لو مسخه الله شيئًا غير الحروف لطار ذبابًا على وجوه القُرَّاء والمستمعين ..
- إذا رأيت الجاهلَ فيهم مُقَدَّمًا، والسفيه فيهم موقَّرًا، فسوَّلت لك نفسك أن تسأل أحد أتباعهم مستفهمًا مستنكرًا عن السر الخطير وراء هذا التقديم والتقدير، لجحظت عيناه فيشعرك أن الله قد خلقه في هذه الدنيا لتدقيق النظر، ثم تشعر وكأن تيارًا كهربائيًّا قد سرى من نفسه إلى يده، فتشنجت أعصابه وتصلَّبت
стр. 15
أنامله وتجمدت أطرافه، ليهمس في أذنيك قائلاً: الأخ قوي في المنهج! !
- يقدمون أجهلهم ثم يكذبون الكذبة ويصدقونها فيصبغون عليه الأوصاف والنعوت فهو: الشيخ، العلامة، المحدث، الفقيه، الأصولي، المحقق، المدقق، ال .. ، ال .. ، ال .. ، (فما أكثر أسماء الهر وما أقله بنفسه! ) ..
- ثم لا يلبث جاهلهم أن (يعيش الدور) كما يقولون في مصر، أو (يصدق حاله) كما يقولون في الشام، أو (يسوي لنفسه زحمة) كما يقولون في اليمن، فيتصدر المجالس مبدعًا مفسقًا سابًّا وشاتمًا ..
- اخترعوا أصولا من عند أنفسهم جعلوها أصول دعوتنا، وقواعد من بنات أفكارهم سموها قواعد منهجنا، فإذا ما تأملت وجدت أصولهم بحاجة إلى أصول، ووجدت قواعدهم معلقة في الهواء تصيح: أين القواعد؟ !
- يجتمع أحدهم مع شيطان هواه في ليلةٍ لا قمر فيها ليخرج علينا ضُحًى ببيان تبديع موسوم بأنه بإجماع أهل السنة، وقد احترنا في معرفة أي إجماع هذا الذي يوصف به قول الرجل والرجلين، إلا أن يكون إجماع إخواننا من أهل السنة في عالم الجن .. ولكننا نُجِلُّهم عن ذلك! !
- بدع أحدهم مع مريديه (في مزاد تبديعي) مائة نفس في ساعة واحدة (بمعدل رجل ونصف في الدقيقة)! ولا أدري لماذا لم يتم التواصل مع موسوعة جينز للأرقام القياسية لتسجيل هذا الحدث التبديعي القياسي الأول من نوعه؟ !
- إذا ما جالست أحدهم غبطت أبا العلاء المعري الذي قال يومًا: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، فقد صنع لي وأحسن بي، إذ كفاني رؤية الثقلاء والبغضاء ..
стр. 16
- ما من كلمة لخصمهم إلا لها عندهم ابنة عم وابنة خالة .. يحجبها المتكلم وراء جدران ألفاظه .. هم وحدهم قادرون على هتك سترها، وإخراجها من خدرها ..
- العبرة عندهم بما يهجس في خواطرهم، لا بما هو الحق والواقع ..
- لا يستحضرون من قاموس العربية إلا: يقصد ويريد، وينوي ويكيد ..
- لم يفقهوا أن أولى الناس بالحكم على الأشخاص هم أهل العلم والورع التام، وأبصر الناس بالمحكوم فيه، فإن تخلَّف شئ من ذلك فإن حكمه هو في نفسه خصومة تحتاج إلى من يحكم فيها ..
- يُقَرِّبُ شيخٌ فاضل أحدَهم يعلمه ويربيه .. فإذا اشتد ساعده طعنه ورماه .. يحوطه ويُدنيه .. فإذا قال قافيةً ثَلَبَهُ وهجاه ..
- توجهوا لأهل العلم والفضل بالتبديع والتجريح، فيظن أحدهم أنه يستطيع بمقالةٍ عرجاء، أو كلمةٍ مقعدةٍ أن يهدم شيئًا هو بين أوله وآخره كعود من القش يؤتى به لاقتلاع جبل من أصوله ..
- ولعلي أتوقف عن وصفهم عند هذا القدر فقد سئمهم قلمي وسئمتهم ..
- وقد طلقتُ أخبارهم طلقة بائنة منذ زمن إلا أن أخبارا وصلتني - قَدَرًا- مفادها أن الدائرة -دائرة التبديع- قد دارت بين كبرائهم في ديارنا اليمنية وخارجها، وأخشى ما أخشاه أن يبدع كلٌّ منهم نفسه بعد أن بدَّعوا الدنيا من حولهم ..
-ولعله من بركة هذا الجامع أخي القارئ الكريم أنه احتوى على عدد كبير من توجيهات الشيخ ﵀ لغلاة التبديع والتحذير من طريقتهم وبيان انحرافهم بالدعوة السلفية عن طريقها الحقيقي.
- ولا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بالشكر إلى شيخنا الفاضل أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني المأربي حفظه الله ورعاه وسدد خطاه، فقد مَنَّ الله عليَّ بمجالسته والانتفاع بنصحه وتوجيهه في وقت - وسِن- هو لطالب
стр. 17
العلم مفترق طريق، إما أن يختار لنفسه طريق طلب العلم، والبحث والاستقراء، والتنقيب والتفتيش، وخدمة تراث أمتنا وأئمتنا، والانتصار لأهل الحديث والأثر، والذب عن السنة وحياضها ..
وإما أن ينخرط في حزبيات بغيضة وولاءات ضيقة، أو ينشغل بتتبع عورات الناس والانتقاص من أهل العلم والفضل، أو يتسكع على مقاهي التبديع، أو أن يضيع عمره على مواقع السب والتجريح ..
ناهيك عن سعة صدره لتقبل خلاف طلابه له بل وتشجيعهم على ذلك، فكم خالفناه - ونخالفه- وإن كنَّا لا نضاهيه علمًا وقدرًا وخبرةً وتجربةً، فيتقبل منا ذلك بصدره الرَّحب، وكم من مجالس يعقدها لمناقشة طلابه في بعض المسائل لينهي المجلس بقوله: هذا رأيكم وهذا رأيي، أو هذا ما ظهر لي لكن لعلي أعيد النظر في المسألة، في صورة مُشرقة لسعة الدعوة السلفية ومرونتها، فأين هذا من طريقة أولئك الذين نَصَّبوا أنفسَهم أوصياء علينا وعلى دعوتنا، ولسان حالهم مع مريديهم: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.
فأسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يطيل في عمره ويبارك في عمله وعلمه ودعوته، وأن يحفظه من بين يديه ومن خلفه، وأن يحسن خاتمته ويجمعنا به في جناته.
وكتب
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
في صنعاء اليمن حرسها الله
في ليلة الاثنين ١٧ من ذي الحجة ١٤٣٢ هـ
الموافق ١٣ نوفمبر ٢٠١١
стр. 18
مقدمة شيخنا أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني -حفظه الله- لأعمالنا
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فقد اطلعتُ على بعض المواضع من «سلسلة تحقيق المخطوطات الحديثية التي لم تُنْشَرْ من قبل» التي قامَ بها الشابُّ المبارك، والأخُ الوفي د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان-حفظه الله وأمَدَّ في عمره على الطاعة والنَّفع والبَركة- فحمدتُ الله أن أوْجَد في إخواننا ودعوتنا وطلابنا من يَحْمِلُ هذه الهمَّة العالية والأهداف السامية، وتذكرتُ ما وصف به الحافظ ابنُ رجب الحنبلي-رحمه الله تعالى- علومَ أهلِ اليمن، فقد قال في «فضل علم السلف على علم الخلف» (ص ٥٧ - ٥٨): «وقد شهد النبيُّ ﷺ لأهلِ اليمن بالإيمانِ والفِقهِ، وأهل اليمن أقلّ الناس كلاماً وتوسُّعاً في العلوم، لكن علمهم عِلْم نافع في قلوبهم، ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع» أ. هـ.
وإن الذي ينظر في مؤلفات هذا الشاب الذي أكرمه الله بالهمة العالية، والذِّهن الوقَّاد، والصَّبر الدؤوب-ولا أزكيه على الله تعالى- ليعلم أنه جمع بين خيري: البركة في العلم، والسّعة في الإنتاج، نَعَم كم ترك الأولُ للآخر، وكم هي نعمة الله على عباده، وكم هي المعادن الخيِّرة في هذه الأمة، تلك الأمة المباركة، التي مثلها مثل المطر، لا يُدْرى أوّلُه خَير أم آخره.
стр. 19
فمن كان يتصور أن شاباً في أوائل العشرينات من عمره يحمل هذا الهم وتلك الهمة؟ ! أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى أن يحفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، وتحته، وأن يصرف عنه العلائق والعوائق، والمشاغل والمشاكل التي تحول بين أهل الهمم وقضاء أوطارهم من تحصيل العلوم، وتصنيفها، وترتيبها، وتهذيبها، وتبويبها، والعمل بها، والدعوة إليها.
إن سلسلة تحقيق المخطوطات الحديثية التي لم تُنْشَر من قبل تملأ فراغات متعددة في المكتبة الإسلامية، وتُقرِّب للباحثين مصادر كم طالت حسرتهم بفقدانها، أو بعدم العثور عليها، وذلك لما تحويه هذه السلسلة من كتب لا يقدر قيمتها إلا طلاب العلم، وقد طبع منها حتى الآن كتاب «الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة» لابن قطلوبغا في تسع مجلدات، وكتاب: «قضاء الوطر من نزهة النظر» في ثلاث مجلدات لبرهان الدين اللقاني، وهاهو الآن قد أعدَّ للطباعة عدداً من الكتب والرسائل، فمن ذلك:
«التكميل في الجرح والتعديل» للحافظ ابن كثير أبي الفداء في أربع مجلدات.
و«تجريد الأسماء والكنى من كتاب المتفق والمفترق» للخطيب البغدادي، وتصنيف الفراء، وذلك في مجلدين.
و«مفتاح السعيدية شرح الألفية العراقية» لابن عمار المالكي، في مجلد.
ولا زال عمله-حفظه الله- جارياً في «تجريد الوافي بالوفيات» للحافظ ابن
стр. 20
حجر، وهو تهذيب للوافي بالوفيات للصفدي، مع إضافات واستدراكات للحافظ، كما هو معلوم من المنهج النقدي الذي تميز به الحافظ-﵀ ويتوقع أن يكون في ثمان مجلدات، وكذا «ترتيب ثقات ابن حبان» للهيثمي، ويتوقع أن يكون في عشر مجلدات، وكذا «الكمال في أسماء الرجال» للمقدسي، ويتوقع أن يكون في عشر مجلدات، وغير ذلك من أعمال تُنْبئ عن مستقبل زاهر بالعطاء والنتاج العلمي الفذِّ-ولا نزكي على الله أحداً-.
هذا، ولو اطلع القارئ على جهد المؤلف الموسوعي في موسوعة علوم الشيخ الهمام، محدث العصر، وجوهرة الدهر، شيخنا محمد ناصر الدين الألباني-﵀ وأجزل له العطاء والمثوبة- لعلم المنَّة اليمانية في رقاب علوم السنة المحمدية عبر القرون الحاضرة واللاحقة، وقد صدر من هذه الموسوعة نحو تسع مجلدات في باب العقيدة، ولا زال العمل مستمراً في بقية علوم الشيخ-﵀ بما يتوقع أن يبلغ ذلك نحو ثلاثين مجلداً- إن شاء الله تعالى- ناهيك عن ترجمة بعض هذه الجهود بعدة لغات، وذلك عبر مركز النعمان للبحوث والدراسات والترجمة الذي أنشأه أخونا المبارك أبو حفص شادي بن محمد بن سالم النعمان حفظه الله.
هذا، وقد كنتُ أتوقَّع أن يقوم بهذه الخدمة الجبارة لعلوم شيخنا الألباني-﵀ أحد كبار الدعاة في الشام، ولكن السبق إلى الخيرات ليس بغريب على أهل اليمن، كما لا يخفى، وإن دلَّتْ هذه الجهود المشار إليها في هذه المقدمة على شيء؛ فإنما تدل على عناية طلاب العلوم الشرعية في اليمن بعلوم أئمتنا السابقين واللاحقين، وحِرْصهم على الفائدة والإفادة من حيث جاءت،
стр. 21
وعدم تعصبهم إلا للحق-إلا من ابتلي بهوى-.
وهذا كله من فضل الله على الدعوة التي جعلت العلم لُبَّ لبابها، وشريان حياتها، وبصير عيونها، فأسأل الله سبحانه أن يزيدني والمؤلف وطلاب العلم وكل من كان من أهل الإيمان عزيمة عند ورود الشهوات، وبصيرة عند ورود الشبهات، وأن يعاملنا جميعاً بلطفه وعفوه وستره وعونه، والحمد لله في الأولين والآخرين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، أجمعين، ،
كتبه
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
دار الحديث بمأرب
٢٩ شوال ١٤٣٢ هـ
стр. 22
مقدمة شيخنا الكريم علي حسن عبد الحميد الحلبي
-حفظه الله- للمشروع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لااله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فقد اطلعتُ على الجهد المبارك الميمون الذي قام به أخونا الفاضل الشيخ شادي نعمان -حفظه ربنا الرحمن- في جمع وترتيب وضبط كثير من العلوم والمعارف التي ورَّثها للأمة شيخنا الإمام العلامة المحدث الفقيه أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- مما قرَّب تناوله، ويسَّر الاستفادة منه.
وهذا جُهْدٌ لا يُدركُ قيمتَه إلا من عرف العلم، وكابد مشقة البحث فيه، والنظر في دقائقه وخوافيه ..
فجزاه الله خير الجزاء على هذا العمل العلمي المتميز، ورزقنا وإياكم وإياه الإخلاص والسنة، والثبات عليها، ولقاء الله سبحانه بها ..
стр. 23
وإني لأشكر الأخ المكرَّم الشيخ شادي - وفقه الله - على حُسن ظَنِّه بأخيه المتمثل برغبته في كتابة هذا التقديم، تعاونًا على البر والتقوى، ونشرًا للعلم النافع المورِّث للعمل الصالح.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
وكتب
علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري
عمان - الأردن
١٢ - صفر- ١٤٣٣
стр. 24
المنهج السلفي
стр. 25
مقدمات تعريفية بالمنهج السلفي
стр. 26
هل المنهج يدخل في العقيدة أم الأحكام ؟
مداخلة: هاهنا سؤالان: السؤال الأول: هل يدخل المنهج في باب العقيدة أم في باب الأحكام؟ ﵌
الشيخ: نحن لا يهمنا في الجواب عن هذا السؤال الأمور الاصطلاحية التي طرأت وتطرؤ خاصة في هذا الزمان، فأنا أقول كما قال ﵇ في حديث خطبة الحاجة التي ذكرتُها آنفاً، وفيها يقول ﵌: «وخير الهدى هدى محمد ﵌»، وفي الرواية الأخرى: «وخير الهدي هدي محمد ﵌»، فهدي النبي ﵌، يجب أن يؤخذ كلاًّ لا نفرق بين الغاية وبين الوسيلة؛ لأن الوسيلة تؤدي إلى الغاية التي شرعها الله ، فإذا كان هناك وسائل قد بَينَّها الرسول ﵇ للأمة وأمرهم باتخاذها أو حضهم عليها، فلا يجوز لنا نحن أن نُحْدِث مقابلها وسائل جديدة، ولو كانت هذه الوسائل من الأمور المباحة، ولكننا نتخذها وسيلة لدعوة الأمة إلى الإسلام عامة أو إلى الإسلام بتفاصيله التي جاء بها النبي ﵌، نحن نعلم أنه قد جَدَّ في هذا الزمان مفاهيم جديدة اتخذوها ...
لتقريب الناس إلى الإسلام، واتخذوا هذه الوسائل كأنها غايات يلتزمونها بزعم أنها تقربهم إلى الله زلفى، إنهم يتخذون من الوسائل مثلاً: من الألعاب الحديثة التي ابتلي بها بلادُ الكفر؛ لأنهم هم المقصودون ابتداء بمثل قوله ﵎: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، فاتَّبع سبيلَ هؤلاء بعضُ المسلمين الذين زين لهم اللعب بهذه الألعاب الجديدة التي جاءتنا من بلاد الكفر الذين لا دين لهم إلا اللهوواللعب، فاتخذها بعض من ينتمي إلى بعض الأحزاب
стр. 27
الإسلامية وسائل لتقريب الشباب إلى الإسلام الذي أصبحوا بعيدين مع الأسف كل البعد عنه، لم يكن هذا من هدي النبي ﵌، وإنما كان هديه هو دعوة الشباب والشيوخ والناس جميعاً إلى عبادة الله ﵎ وحده لا شريك له، وتذكيرهم بأن هناك حياة أخرى إما نعيماً مقيماً وإما جحيماً وسعيراً؛ وذلك بحسب العمل الصالح أوالعمل الطالح، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] أي: الجنة، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠] وهي جهنم، هكذا كان النبي ﵌ يذكر أصحابه بالجنة والنار، ويجعل ذلك وسيلة لتقريبهم إلى عبادة الله ﵎، فاتُّخِذت اليوم بعضُ الوسائل من بعض الناس تشبُّهاً بأولئك الكفار الذي حذرنا النبي ﵌ من أن نتشبه بهم في كثير من الأحاديث الصحيحة المعروفة لدى الحاضرين جميعهم إن شاء الله، منها قول ﵊، كما في صحيح البخاري: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لودخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله؟ اليهود والنصارى؟ قال: فمن الناس»، وقال ﵊ في
الحديث الصحيح في مسند أحمد وغيره: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبدَ الله وحده لا شريك له وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهومنهم».
إن النبي ﵌ في الوقت الذي نهى عن التشبه بالكفار فقد حض المسلمين على شيء أسمى وأعلى من ذلك ألا وهوقوله ﵊: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» أي: شيبهم، لا يصبغون شعورهم فخالفوهم، هكذا عُنِي النبي ﵌ بالمسلمين ألا يتشبهوا بالكفار، بل وألَّا يشتركوا مع الكفار في شيء لا يملكون فيه إلا الاشتراك، ولكن قد أمر الرسول ﵇ لمغايرتهم بصبغ الشعر، أعني بالأمر الذي لا يسعهم أن يخالفوهم فيه الشيب،
стр. 28
فالشيب سنة الله في خلقه لا فرق فيه بين مسلم وكافر، فكل من بلغ سناً معيناً من البشر سيُصاب بالشيب، فأمر ﵌ المسلم إذا وخطه الشيب أن يصبغه؛ لأن الكفار من اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم، قال ﵇: «فخالفوهم»، والأحاديث التي تأمر بمخالفة المشركين هي كثيرة جداً جداً، وقد كنت جمعت طائفة طيبة منها في كتابي حجاب المرأة المسلمة، فبإمكان من أراد التوسع في هذا المجال أن يرجع إليه، والشاهد أن النبي ﵌ في الوقت الذي نهى عن التشبه، فقد أضاف إلى ذلك أنه حض على مخالفة الكافر، فالمخالفة أوسع من التشبه، فقد لا يتشبه المسلم بالكافر فيما إذا مثلاً شاب؛ لأن هذا من خلق الله ، لكنه يستطيع أن يخالف الكافر بصبغ شعره، ولذلك قال ﵇: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»، إذا كان حرص النبي ﵌ قد بلغ إلى هذه المنزلة في حض المسلمين على مخالفة المشركين، فكيف يجوز في بعض المسلمين اليوم أن يتخذوا بعض الوسائل التي عليها الكفار لجذب الناس إلى المساجد مثلاً، حتى وصل الأمر
ببعضهم أن أدخلوا الصور إلى المساجد، بل وأدخلوا بعض آلات الطرب في بعض البلاد باسم ترقيق قلوب المسلمين، وأدهى وأَمَرُّ من هذا من حيث التدليس على الناس ما اتخذوه من الوسائل التي أشاعوها وسُجِّلت أشرطة كثيرة بها، ألا وهوما يسمونه بالأناشيد الإسلامية، قد جَرَّهم إبليس الرجيم إلى هذه الوسيلة في أول الأمر بالتطريب وتلحين بعض ما يسمونه بالأناشيد الإسلامية بالأوزان التي يتغنى بها المغنون الماجنون، هكذا بدءوا بنشر هذه الأناشيد المزعومة بأنها أناشيد إسلامية، ثم جَرَّهم الشيطان ونقلهم من هذه المعصية الأولى إلى معصية أخرى هي أشنع من الأولى، حيث أخذوا يضربون على الدفوف وعلى الطبول فيما يسمونه من أناشيد الإسلامية، ثم ترقى الشيطان بهم إلى أن أدخلوا بعض الآلات الموسيقية الأخرى التي ما كان يعرفها الماجنون السابقون وإنما هي من الآلات التي ابتكرها الكفار
стр. 29
الأوروبيون؛ أدخلوا هذه الأناشيد وهذه الآلات إلى بيوت الله ﵎ مع الصور ومع الفيديو ونحو ذلك من الوسائل زعموا أنها لجذب الناس إلى طاعة الله وإلى عبادة الله في بيوت الله.
فقد وقعوا في مثل ما وقع الكفار من قبل، حينما ذكرت بعض نساء النبي ﵌، حينما رجعن من الحبشة ذكرتا لرسول ﵌ كنيسة رأينها في الحبشة وذكرن من صور وتصاوير فيها، فقال ﵊: «أولئك كانوا إذا كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصَوَّروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله ﵎».
هكذا صارت المساجد اليوم قريبة جداً من كنائس النصارى؛ من حيث تزيينها ومن حيث زخرفتها، ومن حيث التغني فيها بما يسمونه بالأناشيد الدينية، وأخشى ما أخشى أن يأتي يوم يسمح للنساء المتبرجات بأن يدخلن المساجد كما تفعل النصارى تماماً في الكنائس.
نسأل الله أن يكفينا شر محدثات الأمور.
هذا ما يتيسر لي الجواب عن ذلك السؤال.
ونسأل الله للمسلمين أن يعودوا إلى دينهم على ضوء الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه السلف الصالح. نعم.
(الهدى والنور /٨٠٥/ ٥٣: ٣٤: ٠٠)
стр. 30
التعريف بالسلفية وبيان أنها نسبة إلى العصمة
السؤال: بعض الإخوة الجالسين يسمعون عن الدعوة السلفية سماعاً، ويقرءون ما يُكتب عنها من قِبَل خصومها لا من قِبَل أتباعها ودعاتها، فالمرجومن فضيلتكم وأنتم من علماء السلفية ودعاتها شرح موقف السلفية بين الجماعات الإسلامية اليوم؟
الجواب: أنا أجبت عن مثل هذا السؤال أكثر من مرة، لكن لابد من الجواب وقد طرح السؤال، فأقول: أقول كلمة حق لا يستطيع أي مسلم أن يجادل فيها بعد أن تبين له الحقيقة:
أول ذلك: الدعوة السلفية نسبة إلى ماذا؟ السلفية نسبة إلى السلف، فيجب أن نعرف من هم السلف إذا أطلق عند علماء المسلمين السلف، وبالتالي تفهم هذه النسبة وما وزنها في معناها وفي دلالتها؟
السلف هم: أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله عليه وآله وسلم بالخيرية في الحديث الصحيح المتواتر المُخَرَّج في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة، عن النبي ﵌ أنه قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» هؤلاء القرون الثلاثة الذين شهد لهم الرسول ﵇ بالخيرية، السلفية تنتمي إلى هذا السلف، والسلفيون ينتمون إلى هؤلاء السلف، إذا عرفنا معنى السلف والسلفية حينئذٍ أقول أمرين اثنين:
стр. 31
الأمر الأول: أن هذه النسبة ليست نسبة إلى شخص أو أشخاص، كما هي نِسَب جماعات أخرى موجودة اليوم على الأرض الإسلامية، هذه ليست نسبة إلى شخص ولا إلى عشرات الأشخاص، بل هذه النسبة هي نسبةٌ إلى العصمة؛ ذلك لأن السلف الصالح يستحيل أن يُجْمِعوا على ضلالة، وليس كذلك الخلف، الخلف لم يأت في الشرع ثناء عليهم، بل جاء الذم في جماهيرهم وذلك في تمام الحديث السابق، حيث قال ﵇: «ثم يأتي من بعدهم أقوام يشهدون ولا يستشهدون» ... إلخ الحديث» كما أشار ﵇ إلى ذلك في حديث آخر في مدحٍ لطائفة من المسلمين وذم لجماهيرهم بمفهوم الحديث، حيث قال ﵇: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، أوحتى تقوم الساعة».
فهذا الحديث خص المدح في آخر الزمان بطائفة، والطائفة هي الجماعة القليلة، فإنها في اللغة تطلق على الفرد فما فوق، فإذاً: إذا عرفنا هذا المعنى في السلفية وأنها تنتمي إلى جماعة السلف الصالح، وأنهم العصمة فيما إذا تمسك المسلم بما كان عليه هؤلاء السلف الصالح، حينئذٍ يأتي الأمر الثاني الذي أشرت إليه آنفاً، ألا وهو أن كل مسلم يعرف حينذاك هذه النسبة وإلى ماذا ترمي من العصمة فيستحيل عليه بعد هذا العلم والبيان أن - لا أقول أن يتبرأ، هذا أمر بدهي- لكني أقول: يستحيل عليه إلا أن يكون سلفياً؛ لأن ما فهمنا أن الانتساب إلى السلفية يعني: الانتساب إلى العصمة، من أين أخذنا هذه العصمة؟
نحن نأخذها من حديث يستدل به بعض الخلف على خلاف الحق، يستدلون به على الاحتجاج بالأخذ بالأكثرية بما عليه جماهير الخلف، حينما يأتون بقوله ﵇: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» لا يصح تطبيق هذا الحديث على
стр. 32
الخلف اليوم على ما بينهم من خلافات جذرية، «لا تجتمع أمتي على ضلالة» لا يمكن تطبيقه على واقع المسلمين اليوم، وهذا أمر يعرفه كل دارس لهذا الواقع السيء، يضاف إلى ذلك الأحاديث الصحيحة التي جاءت مبينة لما وقع فيمن قبلنا من اليهود والنصارى، وفيما سيقع بالمسلمين بعد الرسول ﵇ من التفرق، فقال ﵌: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستختلف أو ستتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة» هذه الجماعة هي: جماعة الرسول ﵇، هي التي يمكن القطع بتطبيق الحديث السابق: لا تجتمع أمتي على ضلالة؛ أن المقصود بهذا الحديث هم الصحابة الذين حكم الرسول ﵇ بأنهم هم الفرقة الناجية ومن سلك سبيلهم ونحا نحوهم.
وهؤلاء السلف الصالح هم الذين حَذَّرنا ربُنا في القرآن الكريم من مخالفتهم، ومن سلوك سبيل غير سبيلهم، في قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، أنا ألفت نظر إخواننا في كثير من المناسبات إلى حكمة عطف ربنا قوله في هذه الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على مشاققة الرسول، ما الحكمة من ذلك مع أن الآية لو كانت بحذف هذه الجملة، لو كانت كما يأتي: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا» لكانت كافية في التحذير وتأنيب من يشاقق الرسول ﵌، والحكم عليه بمصير سيء، لم تكن الآية هكذا، وإنما أضافت إلى ذلك قوله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هل هذا عبث؟ حاشا لكلام الله من العبث، إذاً: ما الغاية، ما الحكمة من عطف هذه الجملة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على ﴿يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾؟
стр. 33
الحكمة في كلام الإمام الشافعي، حيث استدل بهذه الآية على الإجماع، أي: من سلك غير سبيل الصحابة الذين هم العصمة في تعبيرنا السابق، وهم الجماعة التي شهد لها الرسول ﵇ بأنها الفرقة الناجية، ومن سلك سبيلهم، هؤلاء هم الذين لا يجوز لمن كان يريد أن ينجومن عذاب الله يوم القيامة أن يخالف سبيلهم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
إذاً: على المسلمين اليوم في آخر الزمان أن يعرفوا أمرين اثنين:
أولاً: من هم المسلمون المذكورون في هذه الآية؟ ثم ما الحكمة في أن الله أراد بها الصحابة الذين هم السلف الصالح ومن سار سبيلهم؟
قد سبق بيان وجواب هذه السؤال أوهذه الحكمة، وخلاصة ذلك أن الصحابة كانوا قريبي عهد بتلقي الوحي غضاً طرياً من فم النبي ﵌ أولاً، ثم شاهدوا نبيهم ﵌ الذي عاش بين ظهرانيهم يُطَبِّق الأحكام المنصوص عليها في القرآن، والتي جاء ذِكْرُ كثير منها في أقواله ﵊، بينما الخلف لم يكن لهم هذا الفضل، من سماع القرآن وأحاديث الرسول ﵇ منه مباشرة، ثم لم يكن لهم فضل الاطلاع على تطبيق الرسول ﵇ لنصوص الكتاب والسنة تطبيقاً عملياً.
ومن الحكمة التي جاء النصُ عليها في السُنَّة قوله ﵇: «ليس الخبر كالمعاينة» ومنه أخذ الشاعر قوله:
وما راءٍ كمن سَمِعَا.
فإذن: الذين لم يشهدوا الرسول ﵇ ليسوا كأصحابه الذين شاهدوه
стр. 34
وسمعوا منه الكلام مباشرة ورأوه منه تطبيقاً عملياً.
اليوم توجد كلمة عصرية، نبغ بها بعض الدعاة الإسلاميين، وهي كلمة جميلة جداً، لكن أجمل منه أن نجعلها حقيقة واقعة، يقولون في محاضراتهم وفي مواعظهم وإرشاداتهم: إنه يجب أن نجعل الإسلام واقعاً يمشي على الأرض. كلام جميل، لكن إذا لم نفهم الإسلام على ضوء فهم السلف الصالح -كما نقول- لا يمكننا أن نحقق هذا الكلام الشافي الجميل، أن نجعل الإسلام حقيقة واقعية تمشي على الأرض، الذين استطاعوا ذلك هم أصحاب الرسول ﵇ للسببين المذكورين آنفاً: سمعوا الكلام منه مباشرة، فوعوه خير وعي، ثم فيه أمور هناك تحتاج إلى بيان فعل فرأوا الرسول ﵇ يبين لهم ذلك فعلاً.
وأنا أضرب لكم مثلاً واضحاً جداً: هناك آيات في القرآن الكريم لا يمكن للمسلم أن يفهمها إلا إذا كان عارفاً للسنة التي تُبَيِّن القرآن الكريم، كما قال : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، مثلاً قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] الآن هاتوا سيبويه هذا الزمان في اللغة العربية فليفسر لنا هذه الآية الكريمة: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ من هو؟ لغة لا يستطيع أن يحدد السارق، واليد ما هي؟ لا يستطيع سيبويه آخر الزمان لا يستطيع أن يعطي الجواب عن هذين السؤالين، من هو السارق الذي يستحق قطع اليد، وما هي اليد التي ينبغي أن تُقْطَع بالنسبة لهذا السارق؟
في اللغة السارق من سرق بيضة فهو سارق، واليد هي هذه، لو قطعت هنا أوهنا أوفي أي مكان فهي يد، لكن الجواب هو في ... الآية السابقة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، الجواب في البيان، فهناك بيان
стр. 35
من الرسول ﵇ للقرآن، هذا البيان طبقه ﵇ فعلاً في خصوص هذه الآية ... وفي خصوص الآيات الأخرى وما أكثرها؛ لأن من قرأ علم الأصول يقرأ في علم الأصول أن هناك عام وخاص ومطلق ومقيد وناسخ ومنسوخ، كلمات مجملة يدخل تحتها عشرات النصوص إن لم نقل مئات النصوص، نصوص عامة قيدتها السنة، ولا أريد أن أطيل في هذا حتى نستطيع أن نجيب عن بقية الأسئلة.
(الهدى والنور / ١/ ٣٠: ٦.: .. ).
стр. 36
هل يجوز مخالفة إجماع الناس في
زمان ما على خلاف ما كان عليه السلف ؟
مداخلة: إلى أيِّ حد ممكن الاعتراض على فقهاء الإجماع؟
الشيخ: سبق الجواب آنفاً.
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
فما بالك إذا لم يكن هناك رأي فقيه، وإنما هوعامة الناس، وأيها الناس اتبعوا الناس، كأنها أنزلت في كتاب الله، فاتفاق جماعة من الناس على فهم نص من كتاب الله، ومن حديث رسول الله ﵌، هؤلاء لا ينبغي لعامة الناس أن يخالفوهم، أما أن يأتي ناس فيتفقون على رأي حديث ليس متلقى عن القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية الحديث المتواتر صحة، وهو قوله ﵇: «خير الناس قرني» والمشهور على ألسنة الناس: «خير القرون قرني» هذا خطأ رواية، وإنما اللفظ الثابت في الصحيحين وغيرهما: «خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم»، فالمسألة التي يكون عليها الناس في زمن ما، إن كانت مطابقة لما كان عليه السلف الصالح، فهو كما سبق في كلامنا آنفاً عن الإجماع، وذكرنا قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ
стр. 37
مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فإذا كان الناس هؤلاء اتفقوا على شيء سواء كان حكماً أوسلوكاً كما قلت، وكان على خلاف ما كان عليه السلف الصالح، فهؤلاء يجب مخالفتهم، ولا يجوز اتباعهم؛ لأنهم نهجوا خلاف منهج السلف الصالح، وهم القوم لا يشقى جليسهم، لعلي أعطيت هذا جواب السؤال.
مداخلة: الشطر الثاني: إلى أي مدى المخالفة تأخذ حَداً، هل هو يكفي مخالفة سلبية مثلاً أو مخالفتهم في العمل أو الرأي، أو يجوز تقويمهم ...
الشيخ: أويجوز تقويمهم تقول؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كيف يعني تقويمهم، بالسيف بالعصا.
مداخلة: ... يشق عصا الطاعة عن الحاكم.
الشيخ: ما في هذا، هذا ليس لعامة الناس.
مداخلة: .. المجتمع بس مجموعة ...
الشيخ: أنا أقول: القوة ليست لعامة الناس ولأفراد الناس، وإنما هذا من شأن الحاكم، وإنما أفراد الناس سبيلهم كما كنا أيضاً ذكرنا يمكن في جلسة عندك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
التقويم بالقوة هذا من شأن الحاكم.
الإصلاح لا يكون إلا بالبيان، والبيان هو الذي يطرد الشيطان، وإذا كان الداعي مخلصاً وكان المدعوون كذلك، فهناك سيحصل الوفاق والتلاق، أما لا
стр. 38
سمح الله إذا كان أحد الفريقين غير مخلص، فهناك يقع مما يقع بين الزوجين عادة من الطلاق.
مداخلة: والله يا سيدي الشيخ إن علماء الرسوم الذي سميتهم لنا مخزن يعني محزن، وشيء يدمي القلب بفتواهم.
الشيخ: والله صحيح، ولكن الإنسان كما قال تعالى في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، والإنسان في الواقع، يعني كل إنسان، من الشيخ وأنت نازل إلى الفريخ، ينسى حاله وينتقد غيره، وما أروع ما قاله ﵇ في الحديث الصحيح: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه»، فصحيح أن المسلم مأمور بالدعوة إلى الله ﵎، وبالنظام القرآن المذكور آنفاً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، لكن لا يجوز له أن ينتقد الناس انتقاداً من باب أن يشفي غيظ قلبه، وإنما فقط ليصلح ما هم فيه من الخطأ والانحراف.
طيب في شيء غيره.
(الهدى والنور / ٧٠/ ٣٦: ٥٥: .. )
стр. 39
المقصود بالقرن في قول النبي ﷺ :
«خير القرون قرني»
مداخلة: «خير القرون قرني»، كلمة قرن هنا مختلف فيها في تأويلها فالراجح مع الدليل يا شيخ؟ !
الشيخ: لا، هي القضية ما فيه عليها دليل، هي لغة منهم من يقول: مائة سنة، منهم يقول سبعين، ما فيه دليل مُرَجِّح، لكن اللي ماشيين عليه العلماء، أن القرن هو المائة سنة، يمكن استدلاله بقوله ﵇: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجَدِّد لها دينها» ممكن يستأنس بهذا الحديث لترجيح قول اللي بيقولوا أن القرن عبارة عن مائة سنة.
مداخلة: ما فيه رواية في الحديث بالقرن؟
الشيخ: الحديث تبع التجديد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا.
مداخلة: طيب. إنها مشهورة يعني بين الناس وكذا، طيب يا سيدي هل ممكن يعني الآن من استقراء التأريخ على ضوء هذا الحديث ... في هذا اللفظ بالذات المقصود مائة عام أم قد يكون أقل، طبعاً هذه باستقراء التأريخ ... اللي أعرف إنه
стр. 40
رسول الله ﵌ جاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ثم ... الخلافة وما شابه، هذه لها فترة زمنية، فبالتالي على ضوء الحديث الذي كان آنفاً.
الشيخ: المجددين.
مداخلة: هل هناك استدلال على أنه القرن هنا عبارة عن مائة سنة أو ..
الشيخ: ولذلك أنا قلت وكنت أعني ما أقول: يمكن أن يستأنس في هذا الحديث، لكن الواقع التاريخي قد يقوي لأن بعض العلماء تتبعوا فوجدوا في القرن الأول المجدد عمر بن عبد العزيز، وكان في حدود المائة سنة، القرن الثاني ذكروا الإمام الشافعي، وما أذكر والله التفاصيل بعد التسلسل، في كل قرن فيه ذكروا فيه مجددين.
(الهدى والنور /١٣٨/ ٥٦: ٥٩: ٠٠)