← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تهم وشبهات: السلفيون يُلزِمون الأئمة بأقوال هم يفتون بخلافها أبو إسحاق: يقولون يُكْثِر السلفيون من ذكر قول الأئمة الأربعة إذا صح الحديث فهو مذهبي فيأتون على حديث إفتاء بعض العلماء بخلاف ظاهره، فيُلْزِمون الإمام به، مع أن الإمام النووي ﵀ حَقَّق في مقدمة المجموع أن هذه العبارة ليست على ظاهرها، وبذلك تفرد السلفيون بآراء فقهية ضعيفة يُلْزِمون الأمة بها، فما قولكم؟ الشيخ: جوابي على هذا السؤال، أنا مع الإمام النووي ﵀ فيما ذهب إليه بشرطين اثنين: - الشرط الأول: إذا كان يعني انه لا يجوز نسبة الإمام الشافعي إلى مخالفته للحديث، لأنه فهمه على وجه خاص فهذا صحيح. والشرط الثاني: أننا نحن معشر السلفيين إذا كان الحديث الذي فهمه الإمام الشافعي على وجه ووجدنا أئمة آخرين عملوا به على ما يبدوا لنا من الوجه الآخر للمعنى وأراد النووي أنه لا يجوز لنا العمل به، لأن الإمام الشافعي عمل به في وجه، أو على معنى آخر، حينئذ نحن ننفصل عنه ونقول لا يجوز لنا أن نعمل بحديث فهمه الشافعي وسائر الأئمة على وجه، ونفهمه نحن في آخر الزمان على وجه آخر، والحديث في واقعه يحتمل وجهين، لا نجد أحداً سبقنا

стр. 842

إلى الأخذ بالوجه الآخر، حينئذ فنحن مع الإمام النووي، أما إذا كان الحديث صريح الدلالة لا يقبل تأويلاً، وعرفنا أن الإمام الشافعي أو غيره، كان هو يتكلم في حدود مذهبه، وعرفنا أن إماماً من أئمة المسلمين الفقهاء المجتهدين فسره على خلاف ظاهره وجاء على تفسيره بدليل لا نعلمه، وجب علينا أن نتبعه، أما إذا كانوا مسلمين معنا بأن دلالة الحديث صريحة وليس عندنا دليل يصرف هذه الدلالة إلى شيء آخر، سوى رأي فلان وعلان، حين ذاك نكون مع الحديث، لأن الإمام الشافعي نفسه كان يقول الحديث أصل مستقل في نفسه، فيجب على كل مسلمٍ إذا صح لديه أن يعمل به. أما الإمام الشافعي، فسره بمعنى آخر، فنقول هذا المعنى الآخر، إما أن يكون له دليل بالنسبة إلينا نقتنع به فوجب حين ذاك أن نتبعه، أو ليس عنده دليل إلا الاجتهاد، وكان الحديث ظاهر الدلالة على خلاف ما ذهب إليه، فنحن في هذه الحالة نطبق عموم ارشاد الأئمة «إذا صح الحديث فهو مذهبي». وقد كنت تعرضت لشيء من التفصيل في مقدمتي لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، فأوردت صورة هي أن العامي إذا بلغه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، وضاق صدره في ترك العمل به، فهل يجوز له أن يعمل به، وهو على خلاف مذهبه، أجاب الإمام السبكي نعم يجوز له العمل به، إذا أخبر بان الحديث صحيح، وأن معناه على ما وضح له كان له عذراً عند الله ، أن يعمل به، هذا بالنسبة للأمي العامي، فما بالكم بالنسبة للعالم، أو طالب العلم، لكن هنا لا بد لي من وقفه، في نهاية الإجابة عن هذا السؤال، وأرجو من صاحبنا، بالجنب هنا، أن يقف عند وعده السابق، فأقول إضافة إلى ما سبق من الجواب، أريد من طلابنا، الذين نشؤوا معنا على إتباع الكتاب والسنة، أن لا

стр. 843

يكونوا جريئين على التطاول على الأئمة المجتهدين، وعلى أن يقولوا كما يفلت أحياناً من ألسنتهم، قولهم نحن رجال وأولئك رجال، هذا عار أن يقوله الشباب الناشئ في طلب العلم، وهو لا يزال على الأقل شاباً في طلب العلم، قد يكون كهلاً، وقد يكون شيخاً في السن، ولكنه شاباً ناشئاً في طلب العلم، مع ذلك هو يقول حينما يقال كيف أنت تقارن في العلم، وتستقل في فهمك للحديث، فيكون الجواب نحن رجال وأولئك رجال. انظروا الآن بمناسبة الكلام على ما سبق حول أبي حنيفة ﵀، من فضل أبي حنيفة أنه قال: إذا جاءت الآثار عن أصحاب الرسول ﵇، في مسألة ما متفقة لا خلاف بينهم فيها، فنحن لهم تبع، أما إذا اختلفوا، فنحن رجال وهم رجال. متى قال هذه الكلمة إذا اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، في مسألة، فهو يختار المناسب في قول من تلك الأقوال ولا يخرج عن غيرها، فيجب أن نأخذ أدبا من هذا الأثر، عن أبي حنيفة ﵀، أن لا نتسرع في تخطئة الأئمة، وإنما علينا أن نتئد وأن نتروى في الحكم بخطأ، ليس خطأ إمامٍ واحد، بل خطأ أئمة كثيرين، لست داعية إلى التعصب للجمهور، لا لست جمهورياً، ولعلكم تعلمون ذالك علماً يقيني، لكني أيضاً في الوقت نفسه لا أريد من طلاب العلم أن يتجرؤوا على العلماء لأنه بدا له أن الحديث يخالفهم، وإنما أريد من طلاب العلم، أن ينكبوا على دراسة كل مسألة على حدة، أن يدرسوها كما يقال اليوم، دراسة الفقه المقارن، ولكن بشرط أن يصل إلى النتيجة إلى الثمرة، لأن الفقه المقارن اليوم في أكثر الجامعات المعروفة اليوم في البلاد الإسلامية، يتعاطون المقدمات ثم لا يقدمون النتائج والثمرات، وهم يذكرون

стр. 844

مثلاً أدلة المذهب الفلاني، ودليل المذهب الفلاني، ثم لا شيء وراء ذلك، فيخرج الطلبة حيارى، لا هذا ليس فقه، وإنما الفقه أن تقدم هذه الأدلة وتجري مفاضلة بينها ترجيحاً، كأن تقول مثلاً: دليل فلان الآية الفلانية، لكنها من باب الاستدلال من الباب العام، ودليل فلان استدل بآية أخرى خاصة، أو بدليل خاص، والخاص يقضي على العام، وهكذا، يُجري عملية تصفية بين الأدلة، قد يكون منها، حديث المذهب الفلاني لا يصح، والحديث الذي عارضه هو الصحيح إلى آخره. فأنا أريد من كل طلاب العلم أن يدرسوا المسائل الخلافية دراسة مبسطة، موضوعة تحت المجهر العلمي، وبعد ذلك ليخرج بالنتيجة ثم ليقل هذا رأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي. أرى كثيراً وأَخْشَي أن أقول عامة طلاب العلم، لا يتأثرون ببعض آثار السلف، ونحن سلفيون، ليس اسماً وإنما هو مسمى أيضاً، الحديث ذو شجون، ولقد تأخر الوقت أكثر من المفروض، ولكن في هذه القصة ما أردت الاستنباط منها مما يتعلق بطالب العلم، لقد روى الإمام الدرامي في «سننه» المعروف بالمسند، بالسند الصحيح، أن أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، جاء صباح يوماً إلى دار ابن مسعودٍ في الكوفة، فوجد أصحابه ينتظرونه، فقال: أَخَرَجَ أبا عبد الرحمن؟ قالوا: لا، فجلس ينتظره إلى أن خرج، فقال أبو موسى، يا أبا عبد الرحمن: لقد رأيت آنفاً في المسجد شيء أنكرته، ومع ذلك -والحمد لله-، لم أرى إلا خيرا، ارجوا الانتباه إلى الجمع بين النقيضين في الظاهر، ولا تناقض، قال: رأيت شيئاً أنكرته ولم أرى إلا خيراً، كيف ذالك؟ ، سيأتيكم البيان في تضاعيف القصة، قال: ماذا رأيت، قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت ناساً حلقاً،

стр. 845

حلقاً في المسجد وفي وسط كل حلقة منها رجلاً، يقول لمن حوله: سبحوا كذا، احمدوا كذا، كبروا كذا، وأمام كل رجل منهم حصى يَعُدُّ به التسبيح والتحميد والتكبير، قال ابن مسعود: أفلا أنكرت عليهم، هنا الشاهد، قال: لا، انتظار أمرك، أو انتظار رأيك، هذا هو الأدب، أبو موسى هو من كبار أصحاب الرسول ﵇، ومن علمائهم، لكنه يعلم أنه ليس بمثابة ابن مسعود في الفقه بالكتاب والسنة، فقال: لا ما أنكرت عليهم، انتظار أمرك، أو انتظار رأيك، قال: أفلا أنكرت عليهم وأمرتهم أن يَعُدُّوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم دخل داره وخرج متنقباً متلثماً، حتى دخل المسجد ورأى تلك الحلقات كما وصف له أبا موسى، فقال لهم: ويحكم ما هذا الذي تصنعون، أنا عبد الله ابن مسعود صحابي رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، وهذا لسان كل المبتدعة، لسان كل المبتدعة، أنهم يقولون كما ستسمعون، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال، وهذا جوابنا للمبتدعة كلهم، وكم من مريد للخير لا يصيبه، إن محمدً صلى الله عليه وآلة وسلم، حدثنا أن أقواما يقرؤون القرآن يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال شاهد هذه القصة، فلقد رأينا أولئك الأقوام، أصحاب الحلقات، أصحاب الذكر غير المشروع، فلقد رأينا أولئك الأقوام يقاتلوننا يوم النهروان، أي صاروا من الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، وقاتلوه، وقاتلهم، حتى استأصل شأفتهم، ولم ينج منهم إلا القليل، هذه هي القصة والعبرة منها أن أبا موسى لم يتقدم بين يدي ابن مسعود لينكر ذلك المنكر الذي وصفه بأنه لم يرى إلا خيراً، لماذا؟ ، لأنه تسبيحاً وتحميداً وتكبير، وهذا خير، ولكن الإنكار إنما جاء بمن ضم إلى هذا الذكر من زيادات وإضافات جعلت هذا الذكر بدعةً، كما يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي، بدعةً إضافية

стр. 846

فبسبب هذه الإضافات أنكر أبو موسى ذلك، لكن خشي أن يكون واهماً خطأً، فجاء إلى ابن مسعود فأخذ رأيه، فاتفق رأيه مع رأيه، وتوجه ابن مسعود وتولى بنفسه إنكار ذلك. فأنا ارجو من إخواننا طلاب العلم أن يُقَدِّروا لأهل العلم قدرهم وجهدهم ومنزلتهم، وأن لا يتقدموا بين أيديهم وأنا أعرف في كثير من المجالس، يتوجه سؤال لكن يكون المجلس عادةً يعني فيه وحدة حال، يعني ما في تكلف ما في رسميات فيتوجه السؤال إلى أحد المشايخ، فينبري أحدهم أن يقول الجواب كذا، هذا قلة أدب، لا يجوز لطلاب العلم أن يقعوا في مثله، لأننا رأينا أبا موسى وهو بعيد عن ابن مسعود كيف خطر في باله، أن هناك قريباً منه من هو أفقه وأعلم منه، إذاً ينبغي عليه هو أن يأخذ رأيه في مثل هذا الأمر الحادث لأنه ليس أمراً معروفاً بالإنكار، أو لأنه معروفاً في الشرع، فتأدب هذا الأدب، فلما قال له ابن مسعود أفلا أنكرت عليهم، قال لا بانتظار أمرك أو انتظار رأيك. هذا أدب، أؤكد توصية أخواننا الطلاب أن يضعوه دائماً نصب أعينهم وأن يتأدبوا مع علمائهم، وهذا من ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم بالحديث الصحيح: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كريما. (الهدى والنور / ٣٩٧/ ٠٩: ٢٤: ٠٠)

стр. 847

تهم وشبهات: السلفيون وعلى رأسهم الألباني ينكرون المذاهب الأربعة قال الإمام معلقا على ما جاء في مذكرة كتبها وزير أوقاف دولة عربية: ثم إنَّ من فريات تلك المذكرة قولها: "إن هذه الجماعة تنكر المذاهب الأربعة"! فأقول: هذا كذبٌ وزورٌ، فنحن نُقَدِّرُ الأئمةَ الأربعةَ- وكذا غيرهم- حق قدرهم، ولا نستغني عن الاستفادة من علمهم، والاعتماد علىِ فقههم، دون تعصُّب لواحد منهم على الآخرين، وذلك ممّا بَيّنته بياناً شافيا منذ أكثر من ثلاثين سنة في مقدمة كتابي: «صفة صلاة النبي ﵌ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها»، فإليها أُحِيلُ من كان يريدُ التأكّد من كذب هذه الفرية. وإنّ مِن أفرى الفِرى قولَها عطفاً على ما سبق: «وتُشَكّك بسنة رسول الله ﵌ عن طريق تكذيب أحاديث (! ) الصحاح المعتمدة، والتشكيك بصحة بعض الأحاديث النبوية الأخرى»! فأقول: «سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَان عَظِيمٌ» و «إِفْكٌ مُبِيْنٌ»، واعتداءٌ جسيم على مسلم نذر نفسه ووقته وجهده لخدمة السنة والدفاع عنها والرد على مخالفيها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وقضى في ذلك أكثر من نصف قرن من الزمان، لا يَكَلّ ولا يَمَلّ، والحمد لله. وله في ذلك المؤلفات الكثيرة التي يشهد بفائدتها

стр. 848

وأهميتها كبارُ العلماءِ والأدباءِ، وينتفع بها الملايينُ من طُلاَّب العلم في كل البلاد الِإسلامية وغيرها، وقد أُعيدَ طبع الكثير منها، وبعضها يُنْبئ عن ذلك صريح اسمها، مثل «دفاع عن الحديث النبوي» و «منزلة السنة في الِإسلام، وأنه لا يُستغنى عنها بالقرآن»، و «الذَّبُّ الأحمد عن مسند الِإمام أحمد» ولم يُطبع بعد، وهو في الرد على من نفى صحة نسبة «المسند» للِإمام أحمد، وغيرها كثير مما هو مطبوعٌ معروفٌ، وقد جمع أسماءَ الكثير منها بعضُ المُحِبين في كتبٍ ورسائلَ، وقفتُ وأنا أكتبُ هذه المقدمة على واحدة منها مطبوعة بعنوان: «سُلَّم الأماني في الوصول إلى فقه الألباني». وفي اعتقادي أن تلك المذكرة الجائرة، تُشير بهذه الفرية الباطلة إلى جهودنا المستمرّة في خدمة السنّة المطهّرة التي منها بيانُ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الدائرة على ألسنة كثير من الخطباء والمحاضرين والمدرسين وغيرهم من خاصّة المسلمين وعامّتهم، متوهّمين أنها أحاديثُ صحيحةٌ، وهي عند أهل العلم ضعيفةٌ أو موضوعة، فيتهمهم الجُهّال بأنهم يُكَذّبون بالأحاديث الصحيحة، والله المستعان. الضعيفة (٣/ ٦ - ٧).

стр. 849

اتهام الدعوة السلفية بالتعصب والجمود

стр. 850

تهم: وصف السلفيين بالجمود مداخلة: من الناس من يصف أنصار السنة بالجمود؟ الشيخ: أيوه، هذه تهمة توجه إلى أنصار السنة وأصحاب الحديث أنهم يجمدون على معالجة بعض المسائل الشكلية وقد يعبرون عنها بأنها مسائل ثانوية، وقد يتسفلون في التعبير فيقولون: هي مسائل من القشور لا ينبغي إضاعة الوقت حولها، وأنهم لا يهتمون بما هو أهم من ذلك، وهذه كما قيل قديماً: شنشنة نعرفها من أخزم، تهمة نعرفها صادرة من أعداء السنة وأعداء العقيدة الصحيحة. أولئك أقوام يهتمون بما يتظاهرون به، ولا يعملون من أجله؛ يتظاهرون بالاهتمام بإقامة الدولة المسلمة فقط وبمحاربة الطواغيت زعموا، وبتحقيق أن الحاكمية لله وحده، هذه كلمة: الحاكمية لله وحده، ولكنهم أولاً حصروا معنى الحاكمية بمحاربة الحكام في بلاد الإسلام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله مع الأسف الشديد، ولكنهم لا يحاربون الحكام الذين دونهم ولا فرق بين أولئك وبينهم من حيث أن هؤلاء وهؤلاء كلهم لا يحكمون شريعة الله في أنفسهم وفي من يلونهم، كل رجل هو كما قال ﵇: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»، فهذا الراعي حاكم في أهل بيته، وهو ينبغي أن يحقق فيهم شريعة الله وأن يحقق الحاكمية لله في حكومته المصغرة، ثم قد يكون له دولة أكبر، قد يكون مثلاً صاحب دائرة، قد يكون معلم مدرسة، قد يكون مدير مدرسة، وهناك

стр. 851

ينطمس على قلبه وينسى بكليته دعوته أن الحاكمية لله، لماذا؟ لأن المقصود فقط محاربة جانب من الناس وهم الحكام، ثم محاربتهم بماذا؟ فقط في الكلام، ولا شيء من العمل، والعمل يبدأ من نقطة الصفر، انطلاقاً من الأساس إلى قمة الأهرام أو الجبل أو البنيان الشاهق، فهم يختلفون عنا، نحن نبدأ بما بدأ به رسول الله ﵌ بالتوحيد بالأركان الخمسة بتعليم المسلمين ما جاء به سيد المرسلين ﵊، ونمشي مشية وئيدة بطيئة ولو كمشية السلحفاة، ولكننا سنصل إن شاء الله، أما أولئك فقد مضى عليهم قرابة قرن من الزمان، وهم يصيحون: الحاكمية لله، ثم لا شيء من الحكم بأحكام الله في خواص أنفسهم، لو أن أحدهم قلت له: صل كما أمرك الله، لما استطاع أن يصلي، حج، ما يستطيع أن يحج، يقل: في المسألة ثلاثة أقوال؛ حج إفراد وحج تمتع وحج قران ونحو ذلك، فإذا سألته: ما الذي انتهى إليه حكم رسول الله ﵌ عن ربه؟ لم يحر جواباً، لماذا؟ لأنهم شغلوا بالألفاظ دون المعاني، فمثل هؤلاء هم الذين ينسبوننا إلى الجمود؛ ذلك لأننا لا نصيح صياحهم، ولا ندعي دعواهم، وإنما نقول: فهذا هو الحق ما به خفاء ... فدعني عن بنيات الطريق فهم سلكوا السبل التي دائماً نحن نذكرها في الحديث الصحيح: «أن النبي ﵌ خط ذات يوم خطاً مستقيماً، وخط على جانبيه خطوطاً قصيرة، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ثم قال ﵇: هذا صراط الله وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه»، فهؤلاء لا يسيرون معنا على الخط المستقيم، نحن ولو أننا فرضنا أنفسنا أننا في أول الخط، المهم أن نمسك الخط وأن نظل نمشي فيه حتى يأتينا اليقين، أما أولئك فقد خرجوا عن الخط، ولذلك فكلما مضوا خطوة ابتعدوا عن الخط المستقيم، نحن كلما سلكنا خطوة

стр. 852

ومشيناها كلما أرضينا ربنا ؛ لأنه أمرنا في الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فنسأل الله أن يحيينا جميعاً على معرفة السنة التي بها فقط نستطيع أن نمشي سوياً على صراط مستقيم. (الهدى والنور/٦٥٥/ ١٠: ٠٣: ٠١).

стр. 853

هل في المنهج السلفي تعصب ؟ مداخلة: فيه سؤال يقول: هل في منهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله تعصب؟ الشيخ: هذا يعني أيضاً سؤال يُلحق بسابقه؛ لأنه يتمسك بلفظة التعصب، التعصب من حيث معناه لا يُمدح ولا يُذم، فإنما المدح والذم ينصب على ما يتعصب به، فإن كان تعصب بالحق فهو أمر ممدوح وإن كان تعصب بالخطأ فهو مقدوح، فإذا كان منهج السلف الصالح أمر لا بد للمسلم به ليكون على هدى من ربه كما ذكرنا آنفاً، فهل يذم من يتمسك بهذا ويتعصب له؟ المسلم بلا شك بعامة يتعصب لدينه ضد الأديان الأخرى التي انحرفت عن دعوة الله الحق، فهل هذا ذم؟ هذا مدح، ولذلك فأنا أظن أيضاً أنه أُتي من سوء فهمه أيضاً للفظة التعصب كما أساء فهم لفظة السلف. (الهدى والنور / ٦٩٩/ ٣١: ١٤: ٠٠)

стр. 854

هل السلفيون ظاهريون ؟ مداخلة: حفظك الله! لو انتظرنا مذهب الظاهر في هذا الوقت دائمًا يحاول أن يحصر أكبر عدد ممن ينتمي إلى الدعوة السلفية في صفوفه، فهو يذكر فضيلة الشيخ الألباني أنه ممن ينتمي إلى مذهب أهل الظاهر، توافقونه على هذا وأنتم .. الشيخ: إذا كانوا يقصدون أهل الظاهر، يعني: جامدين على التمسك بالظاهر، فهذا بلا شك فرية، وإذا كانوا يقصدون أنه يتمسك في النصوص على ظاهرها فلا تأويل فهذا مذهب الأئمة كلهم. مداخلة: لا، ... أنه يقول: مذهب الظاهرية ... بالظاهر ... كابن حزم الشيخ: هذا باطل، ... فعليهم أن يأتوا بمثال على الأقل واحد ليدعموا رأيهم، وإلا فهم مفترون، لأني أنا أدعي خلاف ما ينسبون، وآتي بأمثلة مما هو من طبيعة المذهب الظاهري، فأنكره أشد الإنكار، أول ... أنا لا أنكر القياس وأنا أقره، كل ما في الأمر أنني أقول بقول الشافعي: إنه ضرورة، ما يصار إلى القياس إلا عند الحاجة الملحة. وبقول الإمام الشافعي هذا هو لعله في مسألة القياس ... ينكره جملًة وتفصيلًا، وبين الذين توسعوا فيه حتى أثبتوا عبادات بالقياس، وأثبتوا أحكامًا على نقيض السنن، ... نحن بين هؤلاء وهؤلاء، فضلًا عن بعض الفروع التي ... إليها: من حلق شعره مثلًا: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أما إذا استعمل الدواء ولم يحلق فما عليه شيء؛ لأنه ما حلق .. (رحلة النور ٤٥ a/٠٠: ٣٠: ١٢)

стр. 855

اتهام الدعوة السلفية بعدم الاهتمام بالحاكمية

стр. 856

اتهام: السلفية لا تعتني بالحاكمية مداخلة: يقول بعضهم: إن الدعوة السلفية دعوة قائمة على العقيدة والتوحيد ولكنها تنسى أو تتناسى إما علماً أو تطبيقاً الدعوة إلى الحاكمية لله وتحذير الناس من طواغيت البشر الذين يشرعون من دون الله، فما هو قولكم في هذا الكلام وردكم عليه؟ بارك الله فيك. الشيخ: هذا الكلام نحن نسلِّم به مبدئياً، لكننا لا نوافق هؤلاء الناس الذين يريدون أن يجابهوا الطواغيت في حد تعبيرهم وهم لم يقضوا على الطاغوت القائم في نفوسهم. والحقيقة أن هذا الكلام هو نابع من أسلوب دعوة هؤلاء الجماعة، هم يتهموننا بهذه التهمة، نحن نعتقد أن هذا العمل سابق لأوانه ولسنا ننكر، لسنا ننكر وجوب الإنكار على كل من يحكم بغير ما أنزل الله، لكن نحن نعتقد هل آن الأوان بأي حزب من الأحزاب الإسلامية القائمة اليوم أن يظهروا أمام الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله بدون أن يستعدوا لذلك الاستعداد الذي ندندن حوله دائماً وأبداً، الاستعداد الروحي أولاً ثم الاستعداد المادي ثانياً؟ فهم يستبقون الأمور ويستعجلون، هم يظنون أن مجرد رفع الصوت أمام هؤلاء الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله هو نصر للإسلام، بينما نصر الإسلام حقيقة يكون بفهم هؤلاء الإسلام فهماً صحيحاً وجعلهم الإسلام في حدود طاقتهم يمشي معهم على وجه الأرض.

стр. 857

وأنا في اعتقادي أن التاريخ يعيد نفسه، فكما كان المسلمون في العهد الأول لا هم لهم إلا أن يفهموا الدعوة من منبعها من رسول الله ﵌ وليس أن يجابهوا الكفار والمشركين إلا حوادث فردية قد تقوم، لكن كتكتل وتجمع لم يقع ذلك إلا بعد أن هاجر رسول الله ﵌ من مكة إلى المدينة. فهذه شنشنة نعرفها من أخزم، وبخاصة أنا قد وقعنا في تجارب عديدة في بعض البلاد الإسلامية من الإعلان في محاربة الكافر الذي يحكم بغير ما أنزل الله دون الاستعداد النفسي والمادي، فما كان عاقبة ذلك إلا خسارة لحقت بالدعوة الإسلامية في كثير من البلاد الإسلامية، ولذلك فنحن يجب أن نمشي، أن نأخذ بالأسباب الشرعية والكونية في الدعوة إلى المعرفة بالإسلام والعمل به، كما كنت أجمل ذلك بكلمتين موجزتين وهي لا بد من «التصفية والتربية»، وكل الأحزاب الإسلامية لا تقوم على هذين الركيزتين: التصفية والتربية. ليس هناك تصفية بدليل أنك لو نظرت في كل جماعة أو في كل حزب هل عندهم علماء في التفسير، علماء في الحديث، علماء في الفقه المستنبط من الكتاب والسنة؟ بعد ذلك علماء في السياسة، علماء في الاقتصاد؟ ليس هناك شيء من هذا إطلاقاً، فإذاً كيف يستطيعون أن ينهضوا بهذا العمل العظيم جداً وهو تطبيق الحكم الإسلامي على وجه الأرض وإعادة الخلافة الراشدة؟ فاقد الشيء لا يعطيه. لذلك لا بد من اتخاذ هذه المقدمات التي تقوم على هاتين الكلمتين التصفية والتربية، وليس هناك علماء يُصَفُّون الإسلام من كل دخيل فيه سواء كان في العقيدة أو في الأحكام أو في السلوك أو في العلوم الحديثة التي جدت اليوم مما يعرف بالسياسة أو اقتصاد أو نحو ذلك.

стр. 858

فالحكمة التي نكررها كثيراً بهذه المناسبة: من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه. وتلك الحوادث التي وقعت في البلاد التي أشرنا إليها كالحرم المكي مثلاً ومصر وسوريا كلها آثار ونتيجة لهذا الذي ينكرونه علينا وهم يظنون أنهم قد أحسنوا صنعاً. (الهدى والنور / ٣٢٠/ ١٦: ٤٤: ٠٠)

стр. 859

شبهة: ما فائدة الإصلاح مادام أن المهدي سيظهر في النهاية

стр. 860

شبهة: ما فائدة الإصلاح ما دام المهدي سيخرج في النهاية السؤال: يقول السائل: ما هو حكم الشرع في العمل لاستئناف الحياة الإسلامية مع معرفة السبيل الأمثل لتحقيق ذلك؟ علماً: أن هناك أحاديث يفهمها البعض على أنها تعني القعود عن هذا العمل وهي: أحاديث المهدي، فما هو رأيكم في ذلك جزاكم الله خيراً؟ الجواب: لقد كتبنا أكثر من مرة حول أحاديث المهدي ﵇، ومواقف علماء العصر وهذا الزمان، فإنهم مختلفون في ذلك أشد الاختلاف. أما العلماء الذين لا يزالون يتمسكون بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة فهم لا يزالون يعتقدون والحمد لله بأن خروج المهدي حق لا ريب فيه، ولكن لابد بهذه المناسبة من التذكير أن هناك شخصاً آخر لابد من خروجه، وسيلتقي مع المهدي وهو عيسى ﵊، فإن عيسى ﵇ أحاديثه أقوى من أحاديث المهدي، وإن كان كل من أحاديث الرجلين يلتقيان في الصحة إلا أن أحاديث عيسى ﵇ أصح من أحاديث المهدي كما لا يخفى ذلك على أهل العلم في الحديث؛ لأنه من المتفق عليه بين أهل الحديث أن أحاديث عيسى متواترة، بلغت علم اليقين، أحاديث المهدي ﵊، يوجد هناك خلاف بين بعض العلماء هل بلغت هذه المرتبة أم لا؟ وأنا لا يهمني الوصول إلى هذه المرتبة، وإن أكنت أميل إليها أي: إن أحاديث

стр. 861

المهدي أيضاً وصلت إلى هذه المرتبة، ولكن يكفي المسلم أن يعلم أن أحاديث المهدي صحيحة، وأن علماء المسلمين توارثوا خلفاً عن سلف الاعتقاد بخروج المهدي، وبنزول عيسى ﵉. إذاً: قلت هذا لأن السؤال ذكر المهدي، وكان الأولى أن يذكر عيسى؛ لأن أحاديث عيسى أقوى، فلذلك هذا السؤال فتح لي باب التطرق لأحاديث عيسى ﵊. قلنا: إن هذه العقيدة حق لا وعوج فيها. بعض العلماء في العصر الحاضر ممن لا يهتمون بدراسات العلماء السابقين سواءً ما كان منها متعلقاً بتصحيح الأحاديث، أو ما كان منها متعلقاً بتصحيح العقائد المبنية على الأحاديث، فكثير من علماء العصر الحاضر ينكرون خروج المهدي بل غلا بعضهم فأنكروا أيضاً: نزول عيسى ﵊. لا أريد الخوض بتفصيل في هذه المسألة إلا بمقدار ما نود من تقديمه جواباً عن هذا السؤال. كثير من المعاصرين الذين يدعون الإصلاح، وجدوا عامة المسلمين يتكئون في العمل الإسلامي وبعبارة أوضح في ترك العمل للإسلام يقولون: ما في فائدة للعمل إلا حينما يخرج المهدي أو ينزل عيسى ﵇، هكذا يعتقد كثير من الناس أي: وصلوا إلى مرتبة اليأس التي لا يجوز للمسلم أن يقع فيها؛ لأنه لا تيأسوا من روح إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون في القرآن الكريم. فلما وجد بعض المصلحين هذا اليأس مسيطراً على جماهير المسلمين، وجدوا أن سبب هذا اليأس هو إيمانهم بنزول عيسى وخروج المهدي، فظنوا أن الإصلاح يكون بإنكار هاتين العقيدتين الصحيحتين بأن يقول للناس: يا جماعة

стр. 862

اعملوا فعقيدة نزول عيسى ﵇ ما هي ثابتة بالطريق اليقين وهم مخطئون أشد الخطأ، اعملوا فإن خروج المهدي هذا عقيدة شيعية وهي غير صحيحة، كذلك هم في ذلك مخطئون. فقلنا مراراً وتكراراً وكتبنا شيئاً من هذا المعنى في بعض المؤلفات قلنا: لا يكون الإصلاح على هذا المنوال، وعلى هذا المنهاج في إنكار الأحاديث الصحيحة وما بني عليها من عقيدة؛ لأن هذا المنهج الاستمرار عليه سيؤدي بأصحابه إلى الاعتزال الماضي قديماً، ذلك؛ لأن المعتزلة أنكروا ما هو أخطر من عقيدة عيسى ﵇، والمهدي ما الذي أنكروه؟ أنكروا القدر، فقالوا: لا قدر مع أن القدر ثابت في الكتاب والسنة، وهي عقيدة كما تعلمون جميعاً: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، قالت المعتزلة: لا قدر، فنحن إذا درسنا ما الذي حمل المعتزلة وهم بطبيعة الحال ليسوا كفاراً ليسوا مرتدين عن دين الإسلام كل ما نستطيع أن نقول عنهم: إنهم مسلمون ضالون؛ لأنهم أنكروا حقائق شرعية منها: إنكارهم للقدر الإلهي، لكننا إذا درسنا السر في إنكارهم للقدر الإلهي وجدناه كإنكار بعض المعاصرين اليوم لعقيدة خروج المهدي ونزول عيسى ﵇ كيف؟ وجدوا أن كثيراً من المسلمين فهموا من عقيدة القدر أنها تعني الجبر، وأن الإنسان ليس مخيراً في طاعته لله، أو في معصيته إياه، وهم بلا شك وجدوا نصوصاً في الكتاب والسنة وذلك مقتضى العقل الصحيح السليم: أنه لا يجتمع في الإنسان جبر وتكليف ضدان لا يجتمعان. فالمعتزلة نظروا فقالوا: إذاً: إذا كان معنى القدر الجبر، فلا يمكن إن ربنا يجبر الإنسان على معاصيه، وبعدين ماذا؟ يعذبه، إذاً: هذه العقيدة عقيدة

стр. 863

باطلة. نحن نلتقي مع المعتزلة في قولهم: بأن الجبر عقيدة باطلة كما نلتقي مع أولئك المصلحين بأن الاتكال على خروج المهدي ونزول عيسى، وعدم العمل للإسلام أيضاً: عقيدة باطلة، ولكننا لا نلتقي لا مع هؤلاء، ولا مع أولئك المعتزلة فيما أنكروا من عقائد صحيحة ثبتت بعضها بالكتاب والسنة، وبعضها بالأحاديث الصحيحة المتواترة. فالمعتزلة تأولوا الآيات التي تنص على القدر كما تأولوا الأحاديث، بل وأنكروا بعضها حينما لا يسعهم تأويلها، فوقعوا في القدر وهو إنكار القدر الإلهي الذي ثبت في القرآن وفي السنة كما ذكرنا. فنقول نحن للمعتزلة كما نقول لهؤلاء المصلحين اليوم: ما هكذا يا سعد تورد الإبل، ما هكذا يا جماعة يكون الإصلاح لا يكون الإصلاح بإنكار حقائق شرعية، وإنما يكون الإصلاح بتفهيم المسلمين الفهم الصحيح بتلك النصوص سواءً ما كان منها قائمة على إثبات القدر، أو ما كان منها قائماً على إثبات نزول عيسى وخروج المهدي ﵉. فنقول: إن النبي ﵌ مكث في قومه ثلاث وعشرين سنة، وهو يدعوهم ليل نهاراً حتى استطاع أن يضع النواة للخلافة الإسلامية بالمدينة المنورة. فنحن علينا معشر المسلمين ألا ننتظر ما بشرنا بمجيئه من المهدي أو عيسى علينا أن نعمل؛ لأن الواقع الآن نشعر نحن تماماً: أن هناك جماعات من المسلمين متفرقون في العالم الإسلامي هم ينتظرون قائداً يأخذ بأيديهم ويجاهد بهم أعداء الإسلام في كل زمان، وفي كل مكان، فهم ينقصهم هذا الإنسان المصلح القائد، لكن تصوروا معي الآن: إذا جاء هذا المبشر به، وهو: المهدي أو

стр. 864

عيسى، وأخذ يصلح بين المسلمين كما يفعل اليوم المصلحون المتفرقون في العالم الإسلامي، فكم سيظل في عملية الإصلاح هذه؟ سينقضي حياته إلا إن كان له حياة تشبه حياة نوح ﵇، وهذا لمن نُبَشَّر به، ستنقضي حياته في إصلاح المسلمين تفهيمهم الإسلام الصحيح، وحملهم على العمل بالإسلام ( ... انقطاع). نقول مثلاً: نحن نعلم يقيناً: أن من آفة العالم الإسلامي هو: الإنكباب على الدنيا. ومن آثار هذا الإنكباب: استحلال ما حرم الله من الربا بأدنى الحيل فضلاً عن غير ذلك من المحرمات أبمثل هؤلاء الناس يمكن إذا خرج المهدي أو نزل عيسى ﵇ أن يجاهد به الكفار أو بهم الكفار؟ الجواب: لا. إذاً: على المسلمين كافة في كل بلاد الإسلام أن يعملوا بفهم الإسلام أولاً فهماً صحيحاً، وأن يطبقوه في ذوات أنفسهم وفي أهليهم وذراريهم ثانياً حتى إذا جاء المهدي أو نزل عيسى وجد القوم ليسوا بحاجة إلى إصلاح ما أفسده هذا الزمن الطويل. وإنما وجدهم بحاجة إلى رجل موفَّق مُلْهَم يقودهم إلى الجهاد في سبيل الله. فإذاً: الإسلام يأمرنا بالعمل وينهانها عن التواكل والاعتماد على الأشخاص، وإنما نعمل، إن نزل اليوم أو جاء اليوم وجدنا متهيئين. والله أنا أقول: لو نزل الآن عيسى ﵇ لما استطاع أن يعمل بالمسلمين إلا بدون ما فعل الرسول سيد الأنبياء والمرسلين في قومه دون ذلك، بينما قوم الرسول ﵇ كان عددهم محصوراً قليلاً، اليوم المسلمون ملايين مملينة، وإذا وجد المسلمين هكذا وجدهم متفرقين بدداً وعقائد وطرق قدداً وو إلى

стр. 865

آخره، متى يتوفر هو لإصلاح هذا الفساد ولتوحيد هذا التفرق وإلى آخره. لذلك نحن يجب علينا الآن أن نطبق كلمتين أنا أدندن حولهما في كثير من الأحيان بمثل هذه المناسبة، لا بد من التصفية والتربية، لا ننتظر عيسى ﵇ ولا المهدي ﵇، وإنما نعمل ونسير في الطريق، فإن جاؤوا وجدونا متهيئين قادونا إلى الخير ولإقامة دولة الإسلام كما أمر الله ، وإلا فنحن نكون ماضين في الطريق كما هو الواجب شرعاً بل والمعقول عقلاً. وبهذه المناسبة أنا أذكر بيت ذلك الشاعر الجاهلي، هو شاعر جاهلي لكنه كان عاقلاً وكان يسعى وراء المُلك، ما كان يسعى وراء إقامة دولة مسلمة، ونحن أولى أن نعقل ذلك الذي عقله هو في سعيه في دنياه. من هو؟ امرؤ القيس. ماذا قال؟ ساعدوني لأني لست بشاعر ولا أحفظ الشعر إذا أخطأت، قال لك يا صاحبي: لما رأى الدرب دونه وظن أن أيش؟ قيصراً، ما فيكم حافظ للشعر؟ مداخلة: ... الشيخ: مضى .... يا صاحبي. لما رأى الدرب دونه ... وظن أنا ملاقين قيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا هذا الشعر. قال: لا تبك عينك فإنما نحاول ملكاً ملك دنيا. أو نموت فنعذرا

стр. 866

يعني: أحد الشيئين كما يقول الإسلاميين اليوم: إما النصر وإما الشهادة، هذا الجاهلي ما في عنده شهادة بطبيعة حاله، كان عنده ملك، قال: لا تبك عينك فإنما نحاول ملكاً أي: نصل إليه. أو نموت فنعذرا أيش يعذرون؟ إن والله نحن سعينا وعملنا جهدنا واستطاعتنا وما قدرنا نَصل لأيش؟ للملك، نحن أولى أن يكون عندنا هذا المنطق وهو جاهلي لكن عقله سليم. فنحن علينا أن نعمل للإسلام ونهيئ الجو لمجيء أي مصلح، ونعتقد أنه ليس بعيداً على الله ﵎ وليس عزيزاً عليه أن يصلح حال المسلمين قبل مجيء عيسى ﵇ والمهدي، لأنه الأمر كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] لكن هذا إيه؟ هذا يذكرني بكلمة كنت أقولها كثيراً هناك في سوريا، يقولون: «هذه الشغلة بدها هز أكتاف» يعني: كناية عن الجد والسعي والكد في العمل. وكنت أبشرهم بما بشرنا به نبينا صلوات الله وسلامه عليه، بشر أصحابه بفتحين عظيمين، فتح القسطنطينية وفتح روما التي هي عاصمة البابا اليوم. مداخلة: الفاتيكان. الشيخ: الفاتيكان. ولذلك جاء سؤال في حلقة من الحلقات التي كان النبي ﵌ يعلم فيها أصحابه، جاءه السؤال الآتي «قال: يا رسول الله؟ أقسطنطينية نفتحها أولاً أم رومية؟ قال: لا، بل قسطنطينية».

стр. 867

وفعلاً التاريخ الإسلامي بل وكل تاريخ على وجه الأرض يثبت أن المسلمين فتحوا القسطنطينية، والفاتح هو عثمان التركي المعروف بالفاتح. فإذاً. نعم. مداخلة: محمد الفاتح. الشيخ: محمد الفاتح العثماني. نعم. فتح فعلاً القسطنطينية. إذاً: البشارة الأولى تحققت، لما سألوا: «أي الفتحين أول، أقسطنطينية أم رومية؟ قال: بل، قسطنطينية». هذا الفتح الأول تحقق، فبقي على المسلمين أن يفتحوا رومية وهي روما، لكن فتح روما لا يمكن للمسلمين أبداً. يا إخواننا، العبرة عندكم بجانبكم. لا يمكن للمسلمين اليوم أنه يعيدوا فلسطين إلى المسلمين مش يفتحوا روما عاصمة البابا. مداخلة: نعم. الشيخ: لماذا؟ أمر بسيط جداً، آية في القرآن الكريم فيها الجواب: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. هل المسلمون كأمة أو ككتلة متكتلة ينصرون الله؟ ونصر الله طبعاً ليس هو بالدفاع عنه خشية أن يقتله عدو له، حاشاه، فهو العلي القدير، لكن نصر الله هو باتباع أحكام شرعه. هذا معنى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. فيوم -هذه خلاصة الجواب-: يوم يفهم المسلمون إسلامهم فهماً صحيحاً ويطبقونه تطبيقاً كاملاً ولست أعني هذه الملايين المملينة، هذا يكاد أن يكون مستحيلاً، وإنما أعني الطائفة المنصورة والناجية التي أخبر عنها الرسول عليه

стр. 868

السلام في الحديث الصحيح وآخذ منه الشطر الأخير لأنه معروف لدى الجميع إن شاء الله. «كلها في النار» الفرق الثلاث والسبعين. «كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله، قال: هي ما أنا عليه وأصحابي». اليوم لو عرفنا ما كان عليه الرسول ﵇ وحده. اسمعوا هذا يمكن يكون غريباً على بعض الناس. لو عملنا بما كان عليه الرسول فقط لما استطعنا أن نعمل، لماذا؟ لأن الرسول قال: «ما أنا عليه وأصحابي». فإذاً: يجب أن نعلم ما كان عليه الصحابة لأنهم هم الذين عرفوا ما كان عليه الرسول ﵇، ولذلك فنحن ندعو إلى اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. فيوم يفيء المسلمون ويتيقظون لهذه الحقيقة وهي: أنه يجب عليهم كأمة، كطائفة تريد حقيقة أن تقيم حكم الله على وجه الأرض فلا سبيل لها إلى شيء من ذلك إلا بأن تأخذ الإسلام المصفى المبني على الكتاب وعلى السنة الصحيحة وعلى منهج السلف الصالح ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. نعم. (الهدى والنور /٢١٨/ ٣٥: ٤٦: ٠٠). (الهدى والنور /٢١٩/ ٣٨: ٠٠: ٠٠).

стр. 869

نظرات في كتب عبد الرزاق الشايجي

стр. 870

نظرات في كتب عبد الرزاق الشايجي إخوة الإيمان: والآن مع الشريط الخامس والثلاثين بعد المائة الثامنة على واحد، تحت عنوان: الرد على عبد الرزاق الشاجي ومسائل فقهية، تم تسجيل هذا المجلس في الرابع والعشرين من شوال ١٤١٦ هجري، الموافق للرابع عشر من الشهر الثالث ١٩٩٦ ميلادي. مداخلة: يا شيخ! صدر في الآونة الأخيرة رسائل لكاتب اسمه عبد الرزاق الشايجي، يعني: بعدة عناوين تهدف إلى ضرب وتشويه السلفية وعلمائها، وكان في هذه الرسائل بعض العبارات نود أن نأخذ رأيكم فيها، وفي كتبه قد لمز بشخصكم وصرح بتلاميذكم، هذه الصفحة السادسة من كتابه الخطوط العريضة لأصول أدعياء السلفية قال: وقام مذهبهم - أي: أدعياء السلفية - على التعطيل .. تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بإذن الإمام حسب زعمهم، وتعطيل الجهاد، وتعطيل الدعوة إلى الله، وتعطيل النظر في حال الأمة وإشغالهم بحرب الصالحين وتتبع عوراتهم وزلاتهم وتنفير الناس عنهم. وقال في الصفحة الثامنة في المقدمة: فهذه الخطوط العريضة لفكر جديد منتسب إلى السلفية، متلفق بالسلفية ظلماً وتدثر برداء أهل السنة والجماعة زوراً، يترتب عليه حجم كل عمل دعوي كان، وإبطال فريضة الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزيادة تمزيق وحدة الأمة الإسلامية. وقال في صفحة أربع وعشرين: وجوب مقاطعة واعتزال العمل السياسي،

стр. 871

قال: حتى قال قول أحدهم: ليس من الكيس أن يدع الإنسان الحَيْسَ بِلَيْس - يشير إلى ذلك إلى ما صرح فيه في كتابه الذي يشرح فيه هذه الخطوط العريضة إلى كتابه: أضواء إلى فكر دعاة السلفية الجديدة رد على الدكتور مبارك بن سيف في رده على ... صرح هنا بالشيخ شقرة وكذا الشيخ علي - قال: ولو قرأت يا أخي مبارك كتاب هي السلفية نسبة وعقيدة ومنهجاً للشيخ محمد شقرة والفروع الصغيرة لهذا الكتاب منها: رؤية واقعية في الجماعات الدعوية ... العمل الجماعي بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي وفقه الواقع وهذه الكتب لعلي حسن علي عبد الحميد الحلبي لعلمت أصول هذه السلفية المستحدثة وهي: لا جهاد لأنه لا إمام ودع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولا تنظر في واقع ولا تعرف ما يدور حولكم؛ لأن هذا حرام، ولا تعترضوا على يهود أو نصارى لأن هذا قدركم إلى آخر كلامه، حتى قال: هكذا والله يقولون. هذا الشخص يا شيخ بدأ أصوله العريضة التي ذكرت إليك بأصل عظيم قال: أنها احتوت على اثنين وخمسين أصلاً لهؤلاء الأدعياء وبدأ بالأصل الأول قال: خوارج مع الدعاة .. مرجئة مع الحكام .. رافضة مع الجماعات .. قدرية مع اليهود والنصارى الكفار .. فما رأيكم في هذا؟ الشيخ: ماذا أقول؟ ! أولاً: هذا رجل يبدو أنه لم يتأدب بأدب القرآن حينما قال : ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٨] فإن صح نقله عن بعض الأشخاص أنهم قالوا كلاماً يكون فيما إذا وزن بميزان الشرع، ميزان الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح ... إذا وزن بهذا الميزان كان ذلك الكلام خطأً أقل ما يقال .. فلا يجوز أن ينسب هذا الخطأ إلى كل من ينتمي إلى منهج السلف الصالح، فيكفي

стр. 872

من المكتوب عنوانه كما يقولون، فليس هناك يعني: جماعة ينتمون إلى الكتاب والسنة وإلى ما كان عليه السلف الصالح يقولون بمثل هذه الكلمات التي ينسبها هذا الكاتب. هذا من جهة .. من جهة أخرى: إنه يتهمهم بأنهم خوارج في كذا ومرجئة في كذا وإلى آخره .. هل هذا من أدب القرآن القائل: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] فهذا الرجل إما أن يكون جاهلاً وإما أن يكون حاقداً حاسداً فنسأل الله أن يُعَلِّمه إن كان جاهلاً وأن يعافيه إن كان مصاباً بشيء من تلك الأمراض التي مع الأسف الشديد يظهر أثرها الآن في كثير من الشباب الذين قد يفهمون شيئاً من منهج الكتاب والسنة ولكن غاب عنهم أشياء كثيرة ولئن علموا شيئاً كثيراً فهم ما تربوا التربية الإسلامية الصحيحة؛ ولذلك فيجب أن نتذكر أن العلم بالنسبة للعمل هو كالوسيلة بالنسبة للغاية، فمثل من يعلم ولا يعمل كمثل من يتوضأ ولا يصلي فوضوؤه هذا لا يفيده شيئاً ولا يقربه إلى الله زلفى. ومثل هذا السؤال كثيراً ما سُئلناه قديماً وحديثاً وها هو الأخ حاضر الآن وقد طرح ما يشبه هذا السؤال فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. هل تستطيع ويكون هذا أحلى منك أن تعيد السؤال والجواب حتى لا يقال: أن هذا تلقين من الشيخ .. مداخلة: أي سؤال يا شيخ؟ الشيخ: سؤال: أن الأمر هو خاص بالحكام أو بالموظفين الحكام والجواب عليه. مداخلة: السؤال الذي طرحناه: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 873

وبالذات التغيير باليد حق للجميع أم أنه حق مشروط بولي الأمر، أو من عينه ولي الأمر؟ نعم. الشيخ: هذا سؤال سئلناه قريباً، وأجبنا بما ندين الله به بما يبطل ما نسب هذا إلى السلفيين وإن كان هو ذكرني هنا فقد يكون ذكرني في مكان آخر ولا يهمني .. مداخلة: ذكر عبارات في الخطوط هذه لكن واضح أن العبارات لك مثلاً .. دائماً أنت .. الشيخ: أكررها .. مداخلة: حفظك الله إذا سُئِلناه عن الجهاد تقول: لا بد من وجود إمام .. لا بد من وجود كذا .. فهو دائماً يطعن على .. الشيخ: هذا صحيح، لكن أيضاً بالنسبة لهذه المسألة عندنا تفصيل .. لكن قبل هذا أريد أن أذكر جوابي عن ذاك السؤال الذي جاءنا قبلكم بيوم أو أكثر، قلت: بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس خاصاً بالحاكم ولا بمن وظفه الحاكم بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حق لكل مسلم يرى منكراً ينكره أو يجد مناسبة للأمر بالمعروف فيأمر به، وذلك صريح في قوله ﵇ المعروف في صحيح مسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده» من رأى منكم ما قال من رأى من الحكام أو من الولاة من الحكام، وإنما أطلق وقال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» لكني قلت: الذي يدفع بعض الناس إلى تقييد هذا الأمر المطلق في الحديث بالحاكم أو بولي الأمر هو أنه قد تقع بعض المفاسد بسبب إقدام فرد من أفراد المسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون

стр. 874

الأمر بالمعروف لم يكن بالمعروف، وكان النهي عن المنكر في حد نفسه منكراً فينتج من هذا وذاك مفسدة أكبر من المصلحة التي يرمي إليها الشارع الحكيم بمثل هذا الأمر: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده» إلى آخره. لذلك نحن نقول: بأن الحديث هو على عمومه وشموله، وأنه ليس خاصاً بالحاكم ولا بمن ولاه الحاكم ولكن ينبغي على من كان آمراً بالمعروف أن يكون عارفاً كيف يأمر بالمعروف، وكيف ينهى عن المنكر بمعنى أن يزن الأمور ويدرس الواقع الذي فيه الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر حتى ما يترتب من وراء الأمر أو الإنكار مفسدة أكثر من المصلحة، ونحن حينما نقول مع العلماء: من كان آمراً بالمعروف فليكن أمره بالمعروف ننطلق من قوله ﵇ لعائشة يوم صلى ﵌ في جوف الكعبة وأرادت السيدة عائشة أن تقتدي به ﵇ قال لها: «صلي في الحجر فإنه من الكعبة ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵇ ولجعلت لها بابين مع الأرض باباً يدخلون منه وباباً يخرجون منه» الشاهد: أن الرسول ﵇ رأى منكراً وتركه؛ لأنه خشي أن يترتب من وراء تغييره منكر أكبر، هذا هو النظام فليس النظام تقييد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحاكم أو من ولاه الحاكم. هذا كان جوابنا فهو ينسب إلينا خلاف ما نعتقد تماماً، لكن أقول: قد يكون هناك بعض الناس يخصصون الأمر بالحاكم وولي الحاكم لكن ليس ذلك من باب تعطيل النص وإنما من باب تنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر؛ لأن أكثر الناس اليوم لا يعلمون وأنهم إذا أنكروا ينكرون بالعاطفة الجياشة التي قد يترتب عليها بعض المفاسد التي ليست من الشرع، طبعاً أن تترتب من وراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا كله كان كلامنا في

стр. 875

الأمس، وأقول: الآن الوقت قد طال علي أكثر من ما قررناه معذرة أليكم، وحسبكم ما سمعتم ولعلنا إن شاء الله في مناسبة أخرى .. مداخلة: في نفس الكاتب صدر عنه في الآونة الأخيرة أيضاً كتاب باسم: البديع في بيان منهج الدكتور ربيع، يقع الكتاب في واحد وستين صفحة وجمع ستة وثلاثين عنوان، من هذه العناوين: منهج الموازنة عند الدكتور ربيع، يعني: أن الشيخ ربيع يرى هدم الحسنات وذكر السيئات، وأيضاً عنونه بقول: تكفير الدكتور ربيع أتباع المذاهب الفقهية .. تكفير الدكتور ربيع لجماعة الإخوان المسلمين .. تكفير الدكتور ربيع .. الشيخ: هذا كله كذب ... كذب وزور ولا شك وأنا قرأت كثيراً من كتب الدكتور ربيع وقلت: أظن أيضاً في الأمس القريب وقد جاء مثل هذا السؤال: (نحن ما نأخذ على الدكتور ربيع من الناحية العلمية شيئاً لكن نأخذ عليه شدته وقسوته في الرد على من يرد عليهم، ونحن نصحناه بالكلام وهو رجل يقبل النصيحة فيما نعلم ولا نزكي على الله أحداً أن يلطف العبارة وأن يترفق ليس بالذي انتقل إلى رحمة الله وإلى مغفرته وإنما بالناس الذين قد يغترون بشيء من أقواله وكتاباته) وأما أنه يكفر! لا، هذا بلا شك أنه افتراء على الدكتور. هذا الرجل تعرفون عنه أين هو وأين .. ؟ مداخلة: بالكويت. الشيخ: بالكويت مقيم. مداخلة: في الشريعة بالكويت يدرس. مداخلة: هذه رسائل أتينا بها إليك حتى تنظر فيها كلها ... الشيخ: نسأل الله أن يقدرني على قراءتها والنظر فيها. (الهدى والنور /٨٣٥/ ٠٦: ٠١: ٠٠)

стр. 876

رأي العلامة الألباني في تعدُّد الجماعات والتعاون فيما بينها

стр. 877

كثرة الأحزاب في الساحة مداخلة أخرى: السؤال الأول يعني يسأل بعض الناس عن كثرة الأحزاب الإسلامية الموجودة على الساحة، وهل هي تصب في بوتقة واحدة؟ وما حكمها الشرعي؟ الشيخ: مع الأسف الجواب لا، الأحزاب الموجودة اليوم أو الجماعات القائمة على الأرض الإسلامية تتعدد مناهجها وتختلف نظمها اختلافاً كبيراً، وحسبكم حينما تسمعون جمع الحزب أحزاب، حينما تسمعون لفظة الأحزاب، وتضطرون أن تسألوا مثل هذا السؤال الذي فيه هذه اللفظة لفظة الأحزاب، حسبكم أن تلاحظوا معي هذه اللفظة لتعلموا أن ذلك ليس على منهج الإسلام الذي قال ربنا في القرآن، من جهة قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، وقال في آية أخرى منبهاً أن حزباً واحداً هو الذي يكون الحزب الناجح والحزب الفالح، أعني بذلك قوله ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فالأحزاب كثيرة والسبل عديدة. فالآية الأولى كالآية الأخرى يلتقيان في ذم التعدد الحزبي والتعدد الطرقي، ويبين في كل منهما ربنا بصراحة ما بعدها صراحة أن الطريق الموصل إلى الله إنما هو طريق واحدة أو طريق واحد، ولقد زاد النبي ﵌ كغالب

стр. 878

عادته مع كثير من آيات ربه، لقد زاد بياناً تلك الآية والآية الأخرى بمثل قوله ﵌ وقد كان جالساً بين أصحابه، كان رسول الله ﵌ ذات يوم جالساً بين أصحابه جلسته المعروفة الدالة على تواضعه، كان جالساً على الأرض، فخط عليها خطاً مستقيماً، وخط حول هذا الخط المستقيم خطوطاً قصيرة، خط مستقيم وعلى جانبي الخط المستقيم خطوط قصيرة، ثم قرأ الآية الثانية فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ثم قال وهو يمر إصبعه الشريفة على الخط المستقيم: هذا صراط الله وهذه طرق وعلى كل رأس طريق منها شيطان يدعو الناس إليه. أما الحديث الآخر الذي في ظني لا يخلو واحد منكم إلا وقد قرأه أو طرق سمعه مراراً وتكراراً، ألا وهو قوله ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة»، وفي رواية أخرى المفسرة للرواية الأولى، «قال: هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي». فهذا الحديث أيضاً يؤكد أن النجاة لا تكون بالتفرق والتحزب إلى أحزاب وشيع وطرق شتى، وإنما بالانتماء إلى طريق واحدة وبسلوك طريقاً واحداً ألا وهو طريق محمد ﵌. وفي ظني أن هذه حقيقة لا يماري ولا يجادل فيها من كان أوتي شيئاً من العلم ولو كان قليلاً؛ لأننا لم نذكر إلا كلاماً لله أو حديثاً صحيحاً للنبي ﵌، وأي شيء بعد ذلك إنما يكون مما لا قيمة له إطلاقاً، لمثل قوله ﵎: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ومثل قوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ

стр. 879

فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. فإذا كنا قد رجعنا إلى الكتاب والسنة في الإجابة عن ذلك السؤال المتعلق بتعدد الأحزاب والجماعات، وكان الكتاب والسنة صريحين في ذم التحزب وفي ذم التفرق، فلا شك حينذاك أنه لا يبقى هناك إلا طريق واحدة وإلا حزب واحد وهو الذي أثنى الله عليه في آية معروفة في القرآن الكريم: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. ولكن من الواجب أن يعرف كل مسلم راغب أن يكون من هذا الحزب الذي شهد الله له بالفلاح، وذلك يعني الفلاح في الدنيا والآخرة معاً، من كان حريصاً على أن يكون من ذلك الحزب فلا يمكنه أن يحقق ذلك في نفسه إلا إذا عرف علامة هذا الحزب ونظامه ومنهجه، إذا كان الطريق الموصل إلى تحقيق هذا الحزب واحداً فلا بد أيضاً كذلك أن يكون المنهج واحداً، فإذا تعددت المناهج لتلك الجماعات أو الطوائف أو الأحزاب فلا شك أن التعدد لهذه المناهج فرع لتعدد الأحزاب والجماعات، وما بني على خطأ أو ضلال لا شك أنه يكون كذلك ضلالاً، وكما قيل قديماً: وهل يستقيم الظل والعود أعوج. أقول: قد يتساءل البعض: فما هي علامة الفرقة الناجية التي جعلها الرسول ﵌ بصريح ذلك الحديث وبتفسيره للآية جعلها الرسول ﵌ بصريح ذلك الحديث وبتفسيره للآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وخط خطاً واحداً وخط من حوله تلك الخطوط العريضة الكثيرة القصيرة، ما علامة هذا السبيل وهذا الطريق الذي يكون صاحبه من الفرقة الناجية؟ الجواب كما سمعتم في الحديث: حينما قال ﵊ أن من بين

стр. 880

تلك الفرق الثلاثة والسبعين فقط فرقة واحدة ناجية، ووصفها: بأنها التي تكون على ما كان عليه الرسول ﵌ وما كان عليه أصحابه. في هذا الحديث نحن ننبه لأمر هام طالما غفل عنه كل الدعاة الإسلاميين الموجودين اليوم حتى وبعضهم مع هذا المنهج الصحيح وهو الكتاب والسنة، في هؤلاء من لا يتنبه لهذا الذي ذكره الرسول ﵇ في الحديث عطفاً على قوله: «ما أنا عليه»، ما اقتصر النبي ﵌ على قوله في وصف الفرقة الناجية: ما أنا عليه، ولو أنه اقتصر على هذا لكان كافياً؛ لأن ما كان عليه النبي ﵌ هو الهدى والنور، كما تسمعون في خطبة الحاجة: «وخير الهدى هدى محمد» ﵌، إذاً لماذا ذكر ﵊ وعطف على قوله: «ما أنا عليه» فقال: «وأصحابي»؟ هذا العطف مما يعطف عليه كثير من الدعاة، ولو كانوا معنا على منهج الكتاب والسنة؛ فلذلك فقد جريت على الدندنة والتطواف دائماً وأبداً حول هذه الجملة المعطوفة: «وأصحابي» لأهميتها، أهميتها من ناحيتين: الأولى: من حيث أن النبي ﵌ قد أوتي جوامع الكلم، وأنه لا ينطق كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، فإذا كان لا يتكلم إلا بالوحي، وهذا طبعاً فيما يتعلق بالأحكام الدينية، وإذا كان قد أوتي جوامع الكلم، فلماذا لم يقتصر على قوله: «ما أنا عليه» بل زاد وعطف على هذا فقال: «وأصحابي»، علماً أن الصحابة ما جاءوا بدين من عند أنفسهم وإنما أخلصوا في اتباعهم لنبيهم ﵌؟ السبب في ذلك هام جداً: وهو أن ما كان عليه الرسول ﵌ وهو الذي يسمى بالسنة، السنة التي جاء ذكرها في أكثر من حديث واحد، من ذلك قوله ﵊ في حديث الرهط الذين سألوا نساء النبي عن عبادته عن صيامه
следующие страницы →