← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فنحن غير منظمين فعلاً؛ لأن أساس كل دعوة تنطلق تبدأ بأهم ما فيها .. تبدأ بالعقيدة، وتبدأ بالتوحيد، وتبدأ بإصلاح العبادة، وإصلاح السلوك، أولئك المنظمون أو المنتظمون -زعموا- ماذا فعلوا في سبيل إصلاح عقيدتهم وتوحيدهم. نحن لنا تجارب ومناقشات ومجادلات، فحينما كنا نقول لهم أو نسألهم بعض الأسئلة التي كانت تعرفها رعاة الأغنام في عهد الرسول ﵇ فلا يحيرون جواباً وهم أساتذة ودكاترة ومرشدون ورؤساء أحزاب، إذاً: ما الفائدة التي استفادوها من هذا التنظيم وهم بعد لم يفقهوا التوحيد، ولئن وجد فيهم وفعلاً قد وجد، وكان جواب بعضهم نعم نحن نعرف التوحيد الحمد لله، فكنا نجعلهم تحت الأمر الواقع من أين جاءكم هذا التوحيد؟ هل نبع من دعوتكم أم هذه استوردتموها من دعوة غيركم، هذه حقيقة؛ ولذلك فنحن لا نأسى ولا نأسف أبداً على ما يقول هؤلاء؛ لأننا نمشي كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. اليوم صلينا المغرب في مسجد هناك اسمه مسجد عبد الله بن عمر وإذا واحد مصري ينقم على الإمام الذي يصلي هناك يُدْعَى أبو عمار أنه حكى له أن هذه المقامات والأضرحة الموجودة في مصر هذه ليست مشروعة فتخاصموا هو وإياه وهو يصلي خلفه كل يوم، فماذا فعل الإخوان في مصر بالنسبة لهذه الشركيات والوثنيات القائمة على ساق وقدم في كل بلاد مصر طولها وعرضها؟ لا شيء أبداً سوى الهتافات هذه العاطفية التي تحرك المشاعر ثم تخبوا ولا شيء بعد ذلك. فالله المستعان على كل حال .. (الهدى والنور / ١٠/ ١٧: ٥٩: .. )

стр. 807

باب منه السؤال: شيخنا فيه سؤال تكرَّر كثيراً وأجبتم عنه مراراً لكن أخونا السائل يلح أن يسأل هذا ليستفيد الإخوة كلهم يقول: هناك من ينتقد الدعاة السلفيين بأنهم ليس لهم منهج ولا تنظيم فما هو الجواب؟ ثم هل هناك ضرورة للتنظيم على غرار الأحزاب المعاصرة؟ جزاكم الله خيرا. الشيخ: نبرأ إلى الله من أن نتشبه بمن يخالف نصوص الكتاب والسنة التي تنهى عن التفرق، ومن أقوى أسباب التفرق: الحزبية العمياء الصماء البكماء، فنبرأ إلى الله أن نتشبه بمن يتخذ الحزبية وسيلة للدعوة إلى الإسلام، ولا يشعرون أن الحزبية تُفَرِّق المسلمين فوق تفرقهم الذي يحيونه، ويعيشونه في هذا الزمان, وكان أثراً من آثار تفرق سابق قديم، نحن نعيش الآن في أسوأ هذه الآثار ولا نكتفي بذلك حتى نوجد أسباباً ووسائل حديثة تزيد الفُرْقة بين المسلمين، بل وبين الطائفة الواحدة التي تنتمي إلى العمل بالكتاب والسنة، وينشأ هناك حزب باسم الحزب السلفي يختلف عن السلفيين بعامة أنه منظم. هذا التنظيم في اعتقادي الذي عليه بعض الأحزاب الإسلامية التي لا تنتسب لا إلى الدعوة التي تسمى في بعض البلاد بالدعوة السلفية، وفي بلاد أخرى بدعوة أنصار السنة المحمدية، وفي بلاد أخرى ثالثة بدعوة أهل الحديث, هناك بعض الأحزاب التي لا تنتمي إلا إلى إسلام لا مفهوم له عندهم، وإن كان له مفهوم فهو ذو وجوه متعددة ومتعارضة أشد التعارض يكتفون فقط بأن يجتمعوا

стр. 808

على الإسلام، أما ما هو الإسلام ما هي عقيدة الإسلام كل واحد يجيبك من هذا الحزب الواحد بجواب يختلف عن الآخر. لا غرابة بالنسبة لمثل هؤلاء الأحزاب الذين لا يتبنون الدعوة السلفية منهجاً لهم في فهمهم لدينهم سواءً كان عقيدة، أو كان أحكام، أو كان سلوك لا غرابة في ذلك؛ لأنهم لا يعلمون لكن ما بالنا نسمع في هذه الآونة ناس وفينا يدعون بدعوتنا، ويوحدون توحيدنا، ويتبعون سنة نبينا معنا؛ الآن تأثروا بجماعة الإخوان فتحزبوا وتكتلوا وليس ضد الأحزاب الأخرى بل ضد من كانوا معهم بأنهم لم يتحزبوا معهم، فصاروا أعداء وخصوم لهم ذلك من شؤم مخالفة مثل قول الله : ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]. فالإسلام لا يتعرف على التحزب إطلاقاً وإنما يجب أن نكون كالجسد الواحد: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». لكن الحزبية قد جربناها قبل الحزب الجديد جربناها ففرقت صفوف الناس المسلمين الذين تجمعهم دعوة الإسلام لماذا؟ لأنهم أعلنوا ذلك في كثير من الأحيان أن جماعة المسلمين هي فقط الحزب الفلاني, هؤلاء فقط جماعة المسلمين. هذا من شؤم التحزب والتكتل والتفرق في الدعوة إلى الإسلام، ونحن عشنا في سورية سنين طويلة، مع جماعة الإخوان المسلمين، ندعوهم إلى الكتاب والسنة، ولا ننتمي إليهم, ثم كتب الله لي أن أهاجر من دمشق إلى عمان، وبدأت هناك أن أدعوا كما كنت أفعل وأنا في دمشق, كنت أزور الأردن وأدعو بقدر ما يساعدني الانتقال من دمشق إلى عمان، لكني لما سكنت واستوطنت عمان

стр. 809

أخذت نشاطاً في الدعوة أكثر وأكثر بكثير من قبل، وكان من نتيجة ذلك أن وشى بنا إلى المسئولين هناك الله أعلم نحن ما نتهم شيخاً صوفياً، أو مذهبياً مقلداً، أو حزباً معيناً, الله أعلم لكن كان من عاقبة تلك الوشاية أن أعادوني رغم أنفي، وفي صورة لا داعي لتفصيلها إلى دمشق بمراقبة المخابرات, ثم بعد نصف سنة تقريباً سمحوا لي بالرجوع إلى عمان بعد أن كنت بنيت فيها داراً وبدأت أنقل مكتبتي إليها سمحوا لي والحمد لله بالرجوع والسكن فيها مرة أخرى, وبدأت في نشاطي فماذا كان موقف حزب من الأحزاب هناك، أن أعلنوا على ملئهم بوجوب مقاطعة الشيخ الألباني، وليس في شخصه فقط، بل وبكل من يحمل دعوته، فكنا نمر بمن كنا نسلم عليهم من قبل ويسلم علينا، وإذا به يعرض عنا وينحرف لماذا؟ لأنه صدر الأمر من القيادة العليا زعموا بأنه يجب مقاطعة الألباني. واستمر هذا القانون سنة كاملة. لا تحزنوا وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيراً لك، كان من هؤلاء الأفاضل الذين تأثروا بقرار اللجنة هناك أو الإدارة أو لا أدري ماذا يسمونه، الرجل الذي نفع الله به فيما اعتقد كثيراً في أفغانستان وهو الدكتور / عبد الله عزام، هذا الرجل أمره عجيب كان هو الحزبي الوحيد الذي كان يحرص على أن يحضر جلساتي, فعنده دفتر صغير وقلم رقيق ناعم لطيف مثله، كلما سمع فائدةً من الألباني سجلها عنده، ولكن لما صدر القرار لم يعد يسلم علينا, جمعني اللقاء معه وأنا خارج من مسجد هناك قلنا له: كيف هذا يا دكتور؟ قال فيما معناه سحابة صيف عما قريب تنقشع. قلنا خير، مضى ما شاء الله من شهور وهو على هذا الإعراض, أما أفراد من

стр. 810

الحزب فكانوا يحضرون حلقاتنا دون إذن من القيادة العليا زعموا، وكنا نثير هذه القضية، ما الذي حمل جماعتكم على إصدار هذا القرار الظالم؟ وها أنتم الآن تحضرون، ولو كنتم تعتقدون بأن هذا القرار عادل ما تخالفونه، لكن تشعرون بأنه ظالم ولذلك تحضرون هذه الجلسات. ختاماً جاء دور أنه هذا القرار كما يقولون أخذ مداه مفعوله، ورجع الجماعة الذين كانوا يسلمون علينا إلى سلامهم, ثم فوجئت بمجي الدكتور المرحوم إن شاء الله إلى دار صهري كنت ساهراً عنده دخل هو وشخص من إخواننا السلفيين، سلموا وجلسوا وقال: نحن جئنا إلى دارك وطرقنا الباب وما سمعنا الجواب ثم بعد ذلك ذهبنا إلى دار فلان وجلسنا ننتظر فقيل لنا أنه يمكن أنه ذهب إلى عند بنته عند صهره وها نحن جئناك، قلنا له أهلاً وسهلاً, قال: عندي أسئلة فأريد أن تتفضل في إفادتي بالجواب عنها, فقلت له خلاف عادتي، قلت له مقابل كل سؤال مشوار، مقابل كل سؤال مشوار، يعني كل سؤال تسألني إياه تأتي عندي إلى الدار، أما أنك تأخذ جواب عن كل أسئلة في جلسة واحدة لا, قال: لماذا؟ قلت لما أصدرتم هذا القرار الجائر الظالم إنني أدعو إلى الكتاب والسنة، قال: أنت كفرت السيد قطب, قلت أنت سمعتني أكفر السيد قطب؟ قال: لا لكن بعض شبابنا بلغونا ذلك, قلت سبحان الله كأنك ما قرأت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وذكرت له الحديث الآخر: «بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع». فأنت لم تكتفِ بأن تحدث بأن الشيخ الألباني يُكَفِّر سيد قطب بل بنيت على

стр. 811

ذلك الهجر والمقاطعة التي تخالف السنة الصريحة: «لا تقاطعوا لا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا». ثم أنت بصورة خاصة من بني كل جماعتك حيث كنت تحضر جلساتي تعلم أنني أقول لا يجوز المبادرة إلى تكفير المسلم إلا بعد إقامة الحجة، ألم تسمع هذا الكلام مني مراراً وتكراراً؟ قال: بلى, قلت: إذاً كيف لم تدافع عني وفي غيبتي لما اتخذ هذا القرار الجائر الظالم، على الأقل أن تقول والله لازم نرسل شخص نستوضح من الشيخ صحيح أنه يكفر السيد قطب. هذا شيء الشيء الثاني كيف صدقت بأنه أنا أكفر السيد قطب، وأنا ذكرته بخير في بعض المقدمات, فلو كان كافراً عندي ما تعرضت لذكره, وجرى نقاش طويل طويل جداً بيني وبينه. الشاهد: أثر الحزبية واضح جداً في تحقيق التدابر والتقاطع بين المسلمين وهذا مثال جديد مع الأسف حيث صار السلفيون في بعض البلاد الإسلامية طائفتين، وكانت تجمعهم الدعوة تجمعهم ولا تفرقهم, فلما دخل في الدعوة ما يسمونه اليوم بالتنظيم وهو التحزب والتكتل ضد كل من لا ينتمي إلى هذا التكتل والتحزب, فإذاً صدق ربنا حينما قال: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]. هذا الحزب حتى في الجماعة الواحدة منهجاً وعقيدة يفرق بين الشيخ وتلميذه، يفرق بين التلميذ وزميله, هذه آثار وكما قيل قديماً: هذه آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار (الهدى والنور /٣٧١/ ٢٨: ١٥: ٠٠)

стр. 812

اتهام الدعوة السلفية بأنها دعوة رجعية

стр. 813

اتهام: الدعوة السلفية بأنها دعوة رجعية السؤال: يقول السائل: نسمع من البعض أحياناً بأن الدعوة السلفية دعوة رجعية تناقض التقدم العلمي وتنافي التطور المدني، فما هو ردكم على هذا القول؟ الجواب: جوابي على هذا والمستعان الله. يقيناً الذين يدَّعون هذه الدعوى الباطلة هم لا يعرفون الدعوة السلفية، ومن البداهة بمكان أن نقول: من جهل شيئاً عاداه. الدعوة السلفية يا إخواننا أظن، يعني سمعتم آنفاً لمحة هي أولاً: فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، فمن ذا الذي وهو مسلم وليس ضالاً، ما نقول ليس كافراً، من ذا الذي يجرؤ أن يقول وهو مسلم إذا سمع أن الدعوة السلفية هي العمل بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؟ من الذي يستطيع أن يقول: هذه دعوة رجعية؟ الذي يقول هذا هم الكفار بلا شك، أو أهون من هذه الكلمة هم الذين لا يعلمون، فنحن نسأل هؤلاء الذين يقولون هذه الكلمة العوراء: هل تؤمن بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ إن كان مسلماً حقاً فسيكون جوابه: نعم، أؤمن بذلك، فهو يشترك معنا إذاً في هذه الحقيقة العلمية الشرعية.

стр. 814

سنمشي معه، ونقول له: الإسلام الذي وَصَلَنا الآن هل وَصَلَنا بمفهوم واحد أم بمفاهيم عديدة؟ فإن قال بمفهوم واحد تَبَيَّن أنه رجل جاهل وحينئذ علينا أن نأخذ الموضوع معه جذرياً. أنت يا عايش الآن في هذا الزمان تعرف أنه في طرق صوفية مثلاً، فإن أنكر معناه أنه عايش في المريخ مش عايش في الأرض، فحينئذ يسقط الكلام معه حقيقة. وإن اعترف، إن أعترف أنه في طرق كثيرة، سيأتي سؤال ثاني: هل تعتقد أنه بالإضافة إلى هذه الطرق التي بالخلاصة التي تقول الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، هل تعتقد بهذه الخرافة؟ ويوجد اليوم بين المسلمين من يقول بها، الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، هذا كفر بالله وبرسوله، كفر بكتاب الله وحديث رسوله ﵌، لماذا؟ آية واحدة تكفي لنبين أن من يقول هذه الكلمة ويعرف عاقبة أمرها بأنه كافر بالله، آية واحدة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. هل قال الرسول، أو هل أمر الرسول بهذه الآية أن يقول: قل هذه سُبُلي، أم قال: قل هذه سبيلي؟ قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] لفظ مفرد في اللغة العربية. ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] أي: إلى هذا السبيل واحد وإلا بعدد أنفاس الخلائق؟ واحد. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فأنت الذي تقول بأن الطرق الموصلة إلى الله بعدد أنفاس الخلائق أنت ممن

стр. 815

اتبعت الرسول؟ لا، الرسول يقول: سبيلي وما يقول سبلي. وفي الآية الأخرى، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ [الأنعام: ١٥٣] سبيلي لفظان مختلفان لفظاً متحدان معنىً، سبيلي صراطي وطريقي. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] هذه الآية أوضح من الآية الأخرى. الآية الأولى اكتفت بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] لكن هنا زاد على هذا المعنى بقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وهذا بحث طويل ولا أيضاً نستطرد كثيراً. لنعود إلى هذا الذي يسأل هذا السؤال. أنت عارف أن المسلمين اليوم متفرقون في مذاهبهم، في طرقهم، في أفكارهم، في سلوكهم، في في إلى آخره أشد التفرق؟ فإن اعترف بهذه الحقيقة ولا بد إذا كان بقي في عقله ذرة من معرفة وعلم أن يعترف بها، حينئذ نسأله: هل هذا من الإسلام؟ فإن قال: هذا من الإسلام كفر بما أنزل الله كما سمعتم آنفاً. وإن قال: لا، هذا ليس من الإسلام، نقول له: إذاً ما هو الإسلام؟ نحن نقول قلنا قولتنا واضحة قال الله، قال رسول الله، قال أصحاب رسول الله، هذا هو الإسلام. أنت ويش هو الإسلام عندك؟ فإذا اشترك معنا في هذا فأين التنطع وأين التشدد؟ أنا أدري ماذا يرمون إليه، يريدون من كل مسلم أن يكون مثلاً فيلسوفاً، أن يكون فلكياً، أن يكون جغرافياً، أن يكون مخترعاً، أن أن إلى آخره، هذا أمر مستحيل. كما لو قلنا نحن: نريد من كل مسلم أن يكون مفسراً ومحدثاً وفقيهاً ولغوياً و

стр. 816

وما أدري هذا مستحيل، لكن للجماعة المسلمة إذا فرضنا مائة شخص، هذه المائة يجب كلها كمجموعة أن تقوم بواجب هذه العلوم، واحد مثلاً يتخصص بالشريعة يتعلق بالشرع، في الحديث، في التفسير، في الفقه، آخر يتخصص في اللغة، ثالث في الطب، رابع في الكيمياء في الفيزياء، إلى آخره. ها الجماعة هذول يقوموا بهذه المجموعة أم أنتم تريدون ممن يدعوا إلى اتباع الكتاب والسنة، أن يكون عالم مثلاً في الفلك عبثاً تطلبون لأنه أنا أدعوك أن تكون عالماً في الحديث، أن تكون عالماً في التفسير، أن تكون عالماً في الفقه وأنت جاهل، ولذلك يصدر منك مثل هذا السؤال. خلاصة الكلام: الذي يسأل هذا السؤال لا يعلم ما هي الدعوة السلفية، وإذا علم أنها فهم الإسلام على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وتبرأ من ذلك فليس من الإسلام في شيء، والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور /٢١٩/ ٤٣: ٢٦: ٠٠)

стр. 817

اتهام الدعوة السلفية بالتشديد على الناس

стр. 818

اتهام: السلفية والتشديد على الناس السائل: معنا سؤال عملي: [حول] النظرة السلفية لمشاكل العصر طبعاً نحن كما تعلم الزمن يتطور والناس تستجد عليهم مشاكل عديدة لم تكن على عهد السابقين وعندما تأتي مشكلة ما ونسمع بها حلول أو اجتهادات نرى دائماً نرى اجتهاد إخواننا السلفيين من حيث التسهيل بالناس. الشيخ: من حيث أيش؟ . مداخلة: من حيث تسهيل الأمر على الناس تراهم في آخر اللستة، بمعنى آخر. الشيخ: ما فهمت عفواً اللفظة ما فهمتها من حيث أيه مداخلة: تيسير أوحل هذه المعضلة. الشيخ: آه من حيث التيسير. مداخلة: ترى أن الحلول التي تُطْرَح من مختلف الفقهاء ترى أن الحل السلفي الشيخ: فيه تشديد. مداخلة: فيه تشديد فإذا عرفنا وعلمنا ان مشاكل العصر الحالي لا يمكن أن تنتقل نقلة نوعية مما هي فيه من مادية إلى الكمال، بمعنى إذا أردنا أن ننشئ بنك إسلامي لا يمكن أن نضعه مائة في المائة، على حسب الأصول الإسلامية في التعامل نظراً لاشتباك القضية التجارية بالقضايا الربوية الأخرى، فترى أن حلول أخواننا السلفيين دائماً يأتي تقليدي ويرجون الإسلام مائة في المائة مما يجعلهم

стр. 819

في آخر المطاف من حيث الحل، وبالتالي لا يأخذ به كثير من الناس، وبالتالي يُتَّهمون بالتشديد، أفلا يعني هذا أنه عندما ننظر في هذه المسائل من حيث القياس والاجتهاد علينا أن نُرَاعي هذه النقطة ونُرَاعي أهمية إعطاء فرصة لهذه المؤسسة أو لهذه المشكلة بالحلول المطروحة المؤقتة إلى أن تسمح. الشيخ: ما أدري إذا كان فهمي لما عرضته من البيان صواباً أم خطأ لماذا يعني ولو بارتكاب ما حرم الله أتريد أن تقول. مداخلة: ليس بهذا المعنى بارتكاب، لكن الأمور فيها اضطراريات كثيرة، مثلاً عندما تأتي إلى إنشاء بنك إسلامي. الشيخ: لا ما تعيد كلامك، وإنما أنت تجيبني عن سؤالي. مداخلة: طيب كيف حقيقة ارتكاب المحظور الإنسان ما يريد أن يرتكبه ما فيه هناك مسلم. الشيخ: ما عليش، أنت لا تعمل محاضرة، جاوبني على السؤال. مداخلة: طبعاً ليس. الشيخ: ولو بارتكاب المحرم بتقول نعم بتقول لا. مداخلة: لا ليس بارتكاب المحرمات. الشيخ: إذاً أولئك الذين يُيَسِّرون، وهؤلاء الذين تصفهم بأنهم مُشَدِّدون، ما هو الخلاف بينهم، هل أولئك المُيَسِّرون يعني طُبِعوا على التيسير ولو كان هذا التيسير مخالفاً للشرع، وهؤلاء المشددون طُبعوا بالتشديد ولو كان موافقاً للشرع، أم القضية بالعكس؟ مداخلة: لالا أظن لا إخواننا الفقهاء ينظرون إلى هذا بهذا المنظار إنما هي

стр. 820

قضية أنك الآن في مشكلة في عدة حلول ما يمكن تنتقل نقلة نوعية فيها. الشيخ: بارك الله فيك يا أستاذ علي أنت تعيد كلامك، أنا موافق معك وأوقع على بياض، لا يمكن نقل طفرة واحدة لأن الإسلام ما جاء هكذا صحيح ولا لا، ولكن أنا أخشى من هذا الكلام الذي سمعته من غيرك وأرجوا ألا أسمعه منك ولذلك تفضلت بالسؤال أنه قد يرى بعضهم اليوم التدرج في تحريم الخمر كما وقع في العهد الأول، وعلى ذلك فقس الأحكام الشرعية الأخرى، أظنك أنت ما تعني هذا، أو كنت ما تعني هذا، إذاً إذا كنت لا تعني هذا فما الذي تعنيه؟ . ما أدري، أما أنا أفهم من الموضوع ما يأتي أولئك الذين تظن أنت أو غيرك ييسرون على الناس، ييسرون على الناس بتعدي حدود الله باسم قاعدة عامة يطبقونها في غير موضعها «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا»، وأنا أضرب لك مثلاً بسيطاً جداً في العبادات لأن المسألة واضحة، يمكن وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي اليوم كلها متشابهه وإن كان بعضها أحسن من بعض، وبعضها أسوأ من بعض، أنتم تعلمون مثلاً أن السنة في القراءة في صلاة الفجر إطالتها بخلاف بقية الصلوات على تفاوت معرفة السنة بينها، فإذا كان هناك إمام حريص إلى حد ما على تطبيق السنة يقرأ بالناس في صلاة الفجر أقل من السنة ثلاثين آية رأساً ترفع الشكوى من بعض الكسالى - يرحمك الله - من بعض الكسالى وينبغي أنت بالرغم أنك متوجه إليي بكليتك كما أني متوجه إليك بكليتي أن تقول له يرحمك الله تدري لماذا لأن (تشميت العاطس فرض عين). مداخلة: يجب على كل مسلم؟ الشيخ: أيوه بارك الله فيك فرض عين، وهذا من الأحكام المجهولة في هذا الزمان لكن إن لم تتجاوب معي فحسيبك الله مش أنا، يعني الشاهد رجل من

стр. 821

الكسالى الذين يصلون خلف هذا الإمام الذي يقرأ دون السُّنة يقدم شكوى إلى الأوقاف أنه فلان يا أخي يطيل علينا، ماذا يأتي الأمر من الأوقاف، قال ﵊ يا مسلمون أنتم أئمة أنتم كذا من أَمَّ فليخفف فإن ورائه المريض والكبير وذوي الحاجة، ونحو ذلك، هذا لعب بالنصوص. وكذلك يفعلون بالأحكام المالية تماماً يأخذون بعض النصوص العامة ويتركون النصوص الخاصة الذي قاله ﵇: «من أَمَّ فليخفف»، قال ذلك بمناسبة شكوى صارت من أحدهم في إمام هو معاذ ابن جبل لما افتتح في صلاة العشاء وليس في صلاة الفجر سورة البقرة والرجل خلفه شاب من الأنصار قطع الصلاة، وصلى وحده، وانصرف، وأحس بذلك معاذ فأخذ ينال منه يقول: هذا منافق، عُذر معاذ أنه ترك صلاة الجماعة الله أكبر، صلاة واحدة صار منافقاً، شوف بأن كيف كانوا يَزِنُون الأمور، الآن من يُصَلِّي بالمَرَّة ما أحد بيقول عنه منافق، يصلي لكن ما أحد بيشوفه في المسجد، ما أحد بيقول عنه منافق إلى آخره، وصل على مسامع هذا الأنصاري سب معاذ له فشكاه إلى النبي ﷺ ، قال يا رسول الله أننا أصحاب نواضح نعمل في النهار ثم نأتي لنصلي وراء معاذ فيطيل بنا في القراءة في الصلاة، فأرسل وراءه، فقال ﵇: «أفتَّان أنت يا معاذ، أفتان أنت يا معاذ، أفتان أنت يا معاذ، بحسبك أن تقرأ بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى ونحوها من السور» هذا في صلاة العشاء، ثم قال ﵇: «من أَمَّ فليُخَفِّف». فلو أن إماماً في صلاة العشاء قرأ مثلما الرسول خطط، حيقول الجمهور يا أخي طوَّلت علينا وحيخلوا شكوى للوزارة حا تجي الوزارة تأخذ طرف الحديث «من أم فليخفف» يعني على كيفهم بأه، أما التخفيف المقيد بالسنة لا

стр. 822

يقيمون لها وزن ليه لأن الهدف يسروا ولا تعسروا ... طيب هذا مثال يقع تماماً في المعاملات الربوية اليوم التي قامت عليها البنوك التي تسمى بالبنوك الإسلامية، البنوك الإسلامية ظاهرة عصرية الحقيقة وهي لم تتبدل تبدلاً جذرياً إلا باللافتة وكثير من الأحكام لا تلتقي إلا مع بعض الأقوال الشاذة الخارجة ليس فقط عن الكتاب والسنة بل عن أقوال الأئمة يقول بها بعض المقلدين للأئمة، وهم ليسوا مجتهدين، والإنسان حين يقال أنه ليس مجتهداً ذالك يساوي في لغة العلماء الحقيقيين أنه جاهل، الرجل العالم الذي يقال أنه عالم وليس بمجتهد أي لا يستقي الأحكام، الذي هو أولاً يتعبد الله بها، وثانياً يُعبد الناس بها، وإنما من قيل وقال هذا يسمى في لغة العلماء بأنه جاهل، (ولو كانت عمامته كالبرج وجبته كالخرج)، فهذا ليس عالماً، هم يقولون في كتاب القضاء ولا يجوز تقليد الجاهل، قال في الشرح: أي المقلد لا يجوز تقليد الجاهل أي القضاء القاضي مداخلة: يعني تنصيبه شيخنا. الشيخ: نعم أيوه القاضي يجب أن يكون مجتهداً ولا يجوز أن يكون مقلداً؛ لأن المقلد يكون جاهلاً، وهذا صحيح، لأن المقلد الله، يرحم ابن رشد الأندلسي جاء بمثال رائع جداً يقول: مثل المقلد ومثل المجتهد كمثل صانع الخفاف وبائع الخفاف، مثل المجتهد ومثل المقلد كمثل صانع الخفاف وبائع الخفاف يأتي الرجل بقياس رجل غريبة قد تكون مثلاً قصيرة وضخمة وفي واحد بيصلح في رجله هلا يأتي عند بائع الخفاف بيطلع في هي الأقيسه المتعددة المتنوعة ما بيلاقي، بقله عفواً ما عندي من المقياس هذا، لكن بيروح عند صانع الخفاف يأخذ

стр. 823

القياس تماماً بيفصل إياها، هذا مثل المقلد، وهذا مثل المجتهد، المجتهد هو المتشبع بنصوص الكتاب والسنة التي أنزلها الله لتكون كما يتفاخر به خطباؤنا ووعاظنا ومرشدونا وهم لا يعلمون هذه الحقيقة علماً واقعياً، يتبجَّحُون أن الإسلام يَصْلُح لكل زمان ومكان، وهذا صحيح، لكن بسبب جهلهم بهذه الحقيقة صاروا الآن وهنا الشاهد يحورون (انقطاع) معا متطلبات الزمان وبدون يسر، لم يأتوا بيسر لأن الجماعة درسوا الكتاب ودرسوا السنة وجدوا فيها أدلة تيسر لهم بعض المعاملات التي هم يرون التعامل بها اليوم. لذلك أخي ما ينبغي نحن أن نظن في ناس نراهم فعلاً يتشددون لأنهم يطبقون أحكام الشريعة، وألا نعجب بأناس ييسرون لأنهم ييسرون، يجب أن نعلم هؤلاء الذين يشددون هل هو اجتهاد من عندهم أم هو تمسك منهم بنصوص كتاب ربهم وسنة نبيهم، إن كان هذا هو التمسك فهذا واجب كل مسلم كذلك أولئك الناس الذين يقال انهم ييسرون، هل ييسرون بأدلة يقدمونها للناس من الكتاب والسنة، ولا هذه آراء، نحن نعرف من كتب الفقه عجائب من الأمور عجائب جداً وأنا كنت اجتمعت مع مدير مع رئيس البنك الإسلامي أيش أسمه إله كتاب في هذا الذي أسس البنك الإسلامي. مداخلة: صالح كامل. الشيخ: يمكن. مداخلة: حماد أو حامد كذا. الشيخ: إله كتاب الشاهد عرفت منه كيف أقام البنك الإسلامي، أقامه على التلفيق، كلما وجد قولاً في مذهب من المذاهب ييسر معاملة ربويه هو تبنى هذا القول فجعله نظاماً وقاعدة، وهو ما جاء بشيء، والتاريخ العصري أو المعاصر

стр. 824

يشهد أن أحد علماء الأزهر في زمن الخديوي تبع مصر، قال له ضع أي قانون تريده ونحن مستعدون أن نسند هذا القانون بنصوص شرعية من علمائنا، وهذا صحيح، ليه أنا اضرب مثلاً واقعي هل هناك إذاعة من السعودية وأنت نازل لا تذيع ما هو متفق على تحريمه بين المذاهب الأربعة من الملاهي والأغاني، الجواب لا لا توجد هذه الإذاعة مع الأسف الشديد، أفلا يوجد من يفتي بجواز هذه الأغاني، الجواب: يوجد، ما حجته في ذلك قريب منكم ولعله بعيداً عنكم قريب منكم أخونا وصديقنا يوسف القرضاوي الذي أصدر فتوى بالنسبة لذاك البريطاني الذي اسلم وكان مغنياً تذكر شو أسمه مداخلة: يوسف إسلام. الشيخ: يوسف إسلام لقد أفتاه بأن يستمر في مهنته، لماذا؟ قال لأنه لا يوجد نص قاطع، هكذا يقول، لا يوجد نص قاطع في تحريم آلات الطرب، ولذلك هو لا يرى حرجاً بأن يظل هذا المسلم البريطاني يتعاطى مهنة الغناء ويأكل ويُعَيِّش نفسه وأهله، هذه الفتوى صدرت من هذا الرجل، ومثله الشيء الكثير الكثير إذا سألته عن حجة، بيقل لك يا أخي المسألة مختلف فيها، هذا ابن حزم مؤلف رسالة في إباحة الملاهي، وهذا صحيح، لقد قال أحد العلماء الأذكياء أنا احترت في أمري إن كنت مثلاً سلفي بيقولوا عني مجسم، وإن قلت حنفي بيقولوا بيستحل المسكر، وإن قلت أنا ظاهري بيستحل الغناء، بيشير إلى كل مذهب فيه ما فيه مما لا يجوز أن يتبناه المسلم وبخاصة العالم، فأصبح اليوم حل المشاكل في البنوك وغير البنوك في الأحكام الي بيسمونه أيش. مداخلة: الأحوال الشخصية الشيخ: الأحوال الشخصية كلها تحل بطريقة أيش التلفيق، يأخذ الكلمة من

стр. 825

هون وكلمة من هون وكلمة من هون لا هو حنفي لا هو شافعي لا هو مالكي ولا هو حنبلي لكن هو بيمشي على الأربع تفهم علي يمشي على أربع، أما أحد بيقلك: قال الله، قال رسول الله، هذا ما بيسمع هذا غير هؤلاء المتشددون، فلا تعجبن بأن الإسلام مما جاء فيه: «إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً، فطوبا للغرباء قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، هذه صفة متحققة اليوم تماماً على هؤلاء الغرباء. كذلك صفة أخرى: «من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال هم الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي». باختصار إذا أخذنا مبدأ التيسير هكذا على إطلاق فهو سبب للخروج من الإسلام باسم الإسلام، ولعلك توافقني بأنه أشد هؤلاء المُحَدِّثين اليوم ممن يقال أنهم علماء أشدهم تيسيراً هو محمد الغزالي، فهل معنى ذلك أنه هو مصيب على خير وعلى صواب الجواب لا لأن هذا لا يقيم للسنة وزناً، وقد كنا نرى منه تلاميح نوجس منها خيفة، لكن الآن انكشف القناع، وأظهر ما كان يبطن، فهذا أشد هؤلاء المعاصرين اليوم تيسيراً، لكن على حساب النصوص التي تخالف التيسير الذي يزعمه هو. لذلك نحن ننصح كل مسلم ألا يغتر بشيء اسمه تيسير، وآخر اسمه تشديد، وإنما عليه أن يحاول أن يفهم الشريعة، سواء كانت موافقة له لهواه، أو مخالفة، هذا هو، وهذا يعجبني من الأحاديث التي رواها الإمام مسلم في «صحيحه» عن رافع ابن خديج يقول في حديث المزارعة: «إن الرسول ﵇ نهانا عن شيء كان لنا فيه مصلحة لكن طواعية الله منا انفع لنا» كما قال، شايف هذا هو

стр. 826

الإسلام، نهاهم عن المزارعة نوعية من المزارعة كان لهم فيها مصالح، لكن طواعيتنا لله هي أنفع لنا في ديننا وفي دنيانا. هذا المنطق السَّلَفي اليوم مفقود، الذي هذا بيؤيد مصالح الناس المادية، هذا هو الميسر، وهذا هو العالم، والِّي بيقول هذا ما بيجوز وهذا لا يجوز، ولو بما قال الله وقال رسول الله، هذا متشدد. ختاماً أنا آتي بمثال الآن مما عليه البنوك الإسلامية كلها وهو ملاحظة فرق السعر بين بيع النقد وبيع التقسيط معروف هذا طبعاً، طيب هات بنك إسلامي يبيع بسعر واحد نقداً أو تقسيطاً هذا مستحيل وجوده، لما؟ لأنه هذا النظام الذي قامت عليه البنوك الأوروبية، فنحن إن عَدَّلنا بعض الشيء عدلنا عن البنوك الكافرة بعض الشيء، فهذا لا يعني أننا عدلنا نظام البنك من أصله من فصله من جذره لا، مع ذلك هذا التعديل البسيط استلزم عندهم أن يضعوا هذه اللافتة الضخمة «البنك الإسلامي» بنك إسلامي، يوجد في مجتمع إسلامي وأنا بهذه المناسبة يعجبني، جاءني ضابط من الزرقاء يمكن أخواننا ذول أرسلوه لعندي أنا ما رأيته من قبل، أول ما جلس زارني في البيت أول ما جلس عندي، ربنا بيريد أن ينبهني كأنه يقلي خذ حذرك مش يعني معركة هي، لكن لا تتورط تتكلم كلمة مع إنسان ينبغي أن تقال سواها رأساً، قُلِّي شو رأيك في البنك الإسلامي؟ فهمت أنه بده يبحث فيما يتعلق بالربا، وبهذا التقسيط، وإلى آخره، فأنا جئت من أقرب طريق، قلتله شو رأيك أنت في المجتمع الإسلامي، عاجبك؟ قال: لا. قلتله: لا، وأنا مو عاجبني البنك الإسلامي، هذا البنك الإسلامي نابع من هذا المجتمع الإسلامي، حينما يوجد مجتمع إسلامي حقاً يوجد بنك إسلامي. أنتم بتعرفوا أنه في هناك كتب ألفت في الاشتراكية الإسلامية صحيح وإلا لا،

стр. 827

وما أدري والله لو أن ذاكرتي الكلية ما بتساعدني بأن هناك في أسماء أخرى أيضاً كلها موصوفة أنها أيش «الأناشيد الإسلامية» فأنا أخشى ما أخشى يوم ما نشوف كتاب «الشيوعية الإسلامية»، أخشى ما أخشى أن أشوف يوم ما بهذه الصراحة الشيوعية الإسلامية، ما هذا بعيد، من كان يستبعد قبل ربع قرن من الزمان أنه يطلع كتاب الاشتراكية الإسلامية، بقول كنا نستبعد هذا، لكن صارت هذه حقيقة وفيها عدة كتب، ولذلك كونه اسمه البنك الإسلامي، ذلك لا يعني أنه يتعامل على منهج الشريعة الإسلامية. من أوضحها مثالاً أنهم يُفَرِّقون بين سعر النقد وبين سعر التقسيط، ليه؟ لأنه هذا المجتمع الإسلامي هكذا يتعامل اليوم، صادر فتاوى بجواز هذه المعاملة وإلا لا؟ طبعاً صادر فتاوى ومن مراكز عالية، ونُقَدِّر يعني بعض شيوخها، لكن هؤلاء أفتوا بما في المذهب، بينما هناك أقوال أخرى عن السلف الصالح إذا تركنا بعض الأحاديث وتركنا حكمة التشريع نجد هناك من يقول: إن هذا لا يجوز البيع بسعرين مختلفين، سعر النقد أقل من سعر التقسيط، وسعر التقسيط أكثر من سعر النقد، مع قول الرسول ﵇: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا»، مع قول ابن مسعود: «نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة»، قيل لراوي الحديث سماك ابن حرب ما صفقتين في صفقة؟ قال أن تقول أبيعك هذا نقداً بكذا ونسيئة بكذا وكذا، أبيعك هذه الشنطة نقداً بدينار وتقسيطاً بدينار وفلس، هذا الفلس ربا، لماذا؟ لأنك في هذا التعامل -والواقع أكبر شاهد- تعطل خُلُقاً إسلامياً، وهو مستعمل اسماً في البنوك الإسلامية اسماً، أيش هو؟ القرض الحَسَنَ، وين القرض الحسن؟ أي إنسان يريد أن يأخذ من أي بنك قرض حسن يمكن يعطوه مائة دينار، مائتين دينار وبعد ايش كلّابات حديدية تحاط فيه حتى لا يكاد يقول الله هو الغني عن هذا القرض الحسن، أما أنت

стр. 828

بحاجة إلى تأسيس تجارة، أنت بحاجة إلى بناء دار تأوي إليها، أنت وأهلك، ويقرضونك ألوف مؤلفة حسبةً لله، هذا معطل ليه، لأنه في بيع التقسيط بيع التقسيط نظام كافر، نحن في الشرع عندنا في بعض الأحاديث الصحيحة قرض درهمين تساوي صدقة درهم، قرض درهمين تساوي كما لو أخرجت من جيبك درهماً ولن يعود إلى جيبك أبداً، قرض مائتي دينار كما لو تصدقت بمائة دينار، هذا التعامل في المجتمع الإسلامي اليوم لا وجود له، حبر على ورق، السبب أننا لا نعيش مجتمعاً إسلامياً. ولذلك البنوك الإسلامية هي نابعة من هذه المجتمعات، فهي ليست تمشي على الإسلام إلا بقدر، ومن هنا نتوصل إلى بعض الناس الذين يتشددون في إصدار أحكام قاسية وشديدة على الحكام المسلمين الذين يحكمونهم وهم مع الأسف الشديد لا يحكمون بما أنزل الله، هذه حقيقة، لا يمكن لأحد إنكارها، ولكن ذلك لا يساوي إصدار أحكام بتكفيرهم وبوجوب الخروج عليهم ومقاتلتهم وليس يوجد عند هؤلاء الذين يصدرون مثل هذه الفتاوى قوة يستطيعوا أن يحاربوا بها اليهود، وكيف يقولون بحكم ما لا يستطيعون تنفيذه في كل البلاد الإسلامية ومع حكامهم لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله هذه حقيقة مرة، لكن الناحية الفقهية لا يعني أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو مرتد عن دينه إلا في حالة واحدة إذا ظهر أن هذا الحاكم لا يعتنق الإسلام، ويعتقد ويصرح به بأنه لا يصلح الحكم الإسلامي في هذا الزمان، هذا لا شك بأنه كافر مرتد عن دينه قولاً واحداً، ودون خلاف بين مسلمين اثنين. الخلاصة: التشديد والتيسير، لا ينبغي أن نقبح هؤلاء ونحسن هؤلاء إلا في حدود ما شرع الله.

стр. 829

من هم السلف: الشيخ: كما قال ﵊: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» تركت فيكم يا معشر الأصحاب أمرين هامين جداً كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، أي: لا يجوز التفريق بين كتاب الله وبين حديث رسول الله ﷺ ، بل يجب أن يستمر العمل بينهما حتى يوم البعث والنشور خلافاً لما يدعي بعض الناس اليوم، وهذا من الانحراف الخطير أنا نحن ما نتعرف على شيء غير القرآن، والذي يقول هذا الكلام هو يخرج عن الإسلام، شاء أم أبي، شعر أو لم يشعر؛ لأن القرآن مما فيه: قوله ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ذلك خير وأحسن تأويلا وقد أتفق علماء التفسير على أن الرد إلى الله في هذه الآية هو الرد إلى كتاب الله والرسول، الرد إلى سنته، فمن أبي الرجوع إلى السنة، كفر بالقرآن فضلاً عن السنة؛ لأنه إن لم يؤمن إلا بالقرآن فكيف يفهم هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وهو كلامه ﴿وَالرَّسُولِ﴾ وهو سنته. وأشياء وأشياء كثيرة كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وعلى ذلك: فالتعرف على السنة الصحيحة يكون عصمة للمسلم الملتزم بالشرع حقاً من أن يميل يميناً أو يسارا، أو يكون من الفرق الضالة التي أخبر عنها الرسول ﵇ في الحديث الصحيح حين قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنتي وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار، إلا واحدة قالوا: يا رسول الله من هي؟ » أمر خطير جداً واحدة من ثلاثة وسبعين فرقة هذه الواحدة هي الفرقة الناجية، والاثنين والسبعين فرقة هي

стр. 830

الفرق الهالكة، فيجب على المسلم أن يعرف إذاً من هم الفرقة الناجية حتى يكون منها أو يقتدي بها ويخطوا خطاها، من هي، لذلك توجهوا بهذا السؤال إلى الرسول ﵇ فقال هي الجماعة. له جوابان ﵊ «هي الجماعة» وأول ما يتبادر إلى الذهن من هذه اللفظة الجماعة هي الجماعة الأولى، وهي التي شهد لها الرسول كما ذكرنا في حديث: «خير الناس قرني» وليس خير القرون قرني، «خير الناس قرني»، من هم إذاً الصحابة، فإذاً أول ما ينبغي أن يتبادر إلى الذهن حينما نسمع هذا الجواب المعصوم من النبي الكريم جواباً على ذاك السؤال الخطير من هي هذه الفرقة الناجية يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة»، إذاً هم الصحابة، ثم الذين يلونهم، كما في الحديث: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم»، وقد جاء تفسير هذه اللفظة «الجماعة» وفي رواية أخرى ألا وهي قوله ﵇: «هي ما أنا عليه وأصحابي». لذلك نحن نقول من الناحية العلمية بالنسبة لوضعنا المعاصر اليوم: لا يكفي أن ندعي دعوة الحق فقط وهي الكتاب والسنة لا يكفي هذا، بل لا بد أن نضم إلى ذلك ما كان عليه أصحاب الرسول ﵇ من أجل ذلك يكون المسلم واجباً عليه أن يعرف كل مسألة على ضوء ثلاثة أمور: الكتاب، السنة، الصحابة؛ لأن هؤلاء الصحابة هم الذين تلقوا الكتاب والسنة من فم النبي ﷺ غضاً طرياً، ثم تلقوه منه ﵇ مطبقاً عملياً، بينما نحن ما ندري إذا رفعنا هذه الواسطة بيننا وبين أصحاب الرسول ﵇، ما ندري كيف نفسر آية ما أو حديث ما، ولكننا حينما نعتمد في تفسير تلك الآية على الذين تلقوها من الرسول ﵇ غضاً طرياً كما ذكرنا وطبقوها أيضاً تطبيقاً عملياً نكون على هدى من الله

стр. 831

ونكون من الفرقة الناجية. وأَكَّد هذا قوله ﵇ ختاماً لهذا الموضوع كما جاء في حديث العرباض ابن سارية ﵁: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: أوصنا يا رسول الله» في بعض الروايات التي كنت قرأتها قديماً قديماً جداً في أول نشأتي العلمية قالوا يا رسول الله: «أوصنا وصيةً لا نحتاج إلى أحد بعدك أبدا» قال ﵇: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً» هذا الشاهد «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم محدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله» وفي الحديث الآخر: «وكل ضلاله في النار». قوله ﵇: وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا، هذا الخطاب موجَّه إلى الأصحاب «من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا» فيا ترى من سيكون بعدي من القرون كقرني هذا كيف سيكون الخلاف؟ ! أعظم وأعظم، وأوسع وأخطر. والمسألة السابقة لو أنك سألت بعض من يظن، لا أقول لو أنك سألت بعض أهل العلم، لكني أقول حقاً: لو أنك سألت بعض من يظن أنه من أهل العلم إذا دخلنا يا أستاذ يا فضيلة الشيخ المجلس مجلساً فيه أشخاص خمسة عشرة إلى آخره، ونحن نعلم أنه كما فعل صاحبنا الداخل آنفا أنه من السنة المصافحة فلو قلت له نحن نعلم هذا، ولكن هل يسن من السنة أن نسلف كل من نصافحه في المجلس السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم، بعدد الحاضرين،

стр. 832

فسيكون جوابه يا أخي شوفيها، هذا جواب تقليدي، شو فيها، أما جوابنا نحن فيها أنه خلاف السنة، فإن كان ما بيهمك خلاف السنة استمر على قولك شو فيها إلى أن تُبعث، أما إذا كنت تعلم أنه خير الهدى هدى محمد ﷺ ، وتعلم أن نبيك ﷺ كان إذا دخل مجلساً وفيه جمعاً ما يسلم على كل واحد السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم، ولكن يلقي السلام على الجميع السلام عليكم، وإذا تيسر له المصافحة أكمل السلام، كما قال بعض الصحابة الكرام: «ما لقينا رسول الله ﷺ إلا وصافحنا» فإذا كنت تؤمن بأن خير الهدى هدى محمد فإذاً علينا أن نلتزم سنة محمد ﷺ ، نرجو الله ونسأل الله أن يحيينا عليها وأن يميتنا عليها لنحشر مع النبي ﷺ يوم القيامة. (الهدى والنور/٢٦٤/ ٠٠: ١١: ٠٠)

стр. 833

اتهام الدعوة السلفية بعدم تقدير الأئمة الأربعة

стр. 834

تُهم وشبهات: السلفيون لا يُقَدِّرون الأئمة الأربعة ومذاهبهم السائل: يقولون أن السلفيين لا يُقَدِّرون المذاهب الأربعة حَقَّ قدرها، بدليل أنهم يحطون على الإمام أبي حنيفة النعمان، ويذكرون جرح بعض علماء الحديث فيه وينتقدون كثيراً من مسائل المذهب الحنفي، مع أن هذا المذهب عليه أكثر الجماهير من المسلمين، فما موقف السلفيين من الأئمة الأربعة؟ الشيخ: هذه التهمه تلحق بسابقاتها أن السلفيين في كل بلاد الدنيا يعرفون قدر العلماء، فهم لا يبخسون الناس أشياءهم، كما أنهم لا يرفعون العلماء فوق المنزلة التي وضعهم الله فيها؛ لأن النبي ﵌ وهو سيد البشر كان يقول لأصحابه: «لا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله فيها»، فإذا كان هذا شأن محمد المصطفى ﵌، فالسلفيون يلتزمون هذا المنهج الوسط مع علمائهم، فهم مثلاً لا يرفعون أبا نعيم الأصفهاني مثلاً، فيقولون عنه بسبب كونه حافظاً من المحدثين المشهورين لكثرة الرواية لا يقولون بأنه في معرفة الصحيح والضعيف كالإمام البخاري، لكنهم يعتقدون أنه حافظ من حفاظ المسلمين، وأننا نحن المتأخرين يستفيدون من كتبه، ومن أساليبه التي بها يروي أحاديث كتبه فائدة كبرى لا يسعهم الاستغناء عنها، فضلاً عن أنهم لا ينظرون إلى أبي نعيم هذا الأصفهاني أنه من الأئمة المجتهدين في الفقه، فكما نعلم جميعاً قد يكون عنده صوفيات،

стр. 835

وقد يكون عنده من الأحاديث الموضوعات الشيء الكثير. فنحن نعطي كل إنسان حقه، أضرب بهذا مثلاً من أئمتنا نحن أهل الحديث، حتى يعلم الجميع أننا لا تعصب عندنا لأحد ولا على أحد، فالإمام أبو حنيفة رحمة الله هو أول الأئمة الأربعة من حيث الطبقة وهو مشهور بفقهه ﵀، فنحن بلا شك نستفيد من علمه في فقهه، ولكننا لا نصنفه مع الأئمة الستة، نصنفه مع الأئمة الأربعة في الفقه، لكننا لا نصنفه مع الأئمة الستة في ما يتعلق بالحديث حفظاً وتصحيحاً وتضعيفاً؛ لأن الإمام أبا حنيفة ﵀ لم يُعْرَف عنه أنه عني بالتجوال والطواف في البلاد لجمع السنة والأحاديث من مختلف الرواة كما وقع ذلك في كثيرٍ من أئمة الحديث، وبخاصة منهم الأئمة الستة، البخاري وبقيتهم، لكننا كما قلت آنفاً، نصنفه مع الأئمة الأربعة في الفقه، لكننا أيضاً لا نرفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، فلا نقول هو كأحمد إمام السنة في كثرة الرواية للحديث، ومعرفة للرجال توثيقاً وتجريحاً، بل ولا نلحقه بالإمام الشافعي ﵀، الذي صح عنه أنه كان يقول لتلميذه الإمام أحمد ﵀: إذا جاءك الحديث صحيحاً، فأعلمني به، سواء كان كوفياً أو بصرياً أو مصرياً أو حجازياً حتى أعمل به، الإمام الشافعي يعترف للإمام أحمد بتفوقه في الإحاطة بالسنة على نفس الإمام الشافعي ﵀ هكذا، ولكننا أيضاً نقول أن الإمام الشافعي في الفهم من الكتاب والسنة، هو أقوى في ذلك من الإمام احمد، ولو أن الإمام أحمد ساعده على أن يتفوق على كل الأئمة المجتهدين، كثرة مادته في الحديث، لكان الإمام الشافعي، متفوقاً عليه في الفقه، لأنه أقوى منه في الاستنباط، ولكن الإمام أحمد ﵀، استغنى بالأحاديث والآثار عن إعمال الرأي والاجتهاد، كما فعل الإمام الشافعي، كذالك نقول ليس الإمام مالك ﵀، إمام دار الهجرة كالإمام الشافعي، إحاطةً بالسنة وتفقهاً فيها، أو مثل الإمام

стр. 836

أحمد إحاطةً بالسنة، فلكلٍّ منزلته. فنحن إذا قلنا أن الإمام أبا حنيفة هو فقيه من الفقهاء الأربعة، ولكنه ليس محدثاً، لا نظلمه ولا نبخسه حقه، لأن هذا كان واقعه فانشغاله بالفقه والاستنباط وعدم تيسر وسائل التجوال والتطواف في البلاد جعله يعتمد على الاستنباط من الكتاب والسنة في حدود ما فتح الله ﵎ عليه. ولا أريد أن ... الجواب عن ما جاء في السؤال مما قد يطعن فيه بعض الناس اليوم، في أبي حنيفة اعتماداً على كثيرٍ، ولا أقول على بعض الأقوال التي جاءت في حق أبي حنيفة، وأنه لا يُعْتَمد عليه في الحديث هنا لا بد لنا من أن نقول كلمة حق أيضاً، هناك كثير من العلماء والفقهاء قد عرفوا بسبب انشغالهم بالفقه أنه ضعف في حافظتهم، وذاكرتهم، فلم يُعرفوا بإكثارهم في الحديث أولاً، ثم لم يعرفوا بضبطهم لما رووا من الحديث ثانياً، قد كان من هؤلاء محمد ابن عبد الرحمن ابن أبي ليلى وهو أحد الفقهاء السبعة، قد كان من هؤلاء أبي حنيفة الإمام الأول من الأئمة الأربعة، فإذا قلنا محمد ابن عبد الرحمن ابن أبي ليلى فقيه، لكنه ضعيف الحديث، لم يكن هذا طعناً فيه، وإنما كان وصفاً له، وبياناً لحاله في رواية الحديث، حتى نأخذ حديثه على حذر، ونعطيه المرتبه التي يستحقها، حينما وصفه علماء الحديث بضعف الحفظ والذاكرة، هذا مما يدل على أن الناس كل الناس إلا من عصم الله، هم ما بين إفراط وتفريط، أما العدل أما الوسط فهذا قلما نجده وهذا الذي ندعو الناس إليه، تجد المتعصبين لأبي حنيفة، لماذا لو أنهم اقتصروا في ذلك إلى دقة الفهم والاستنباط، كما جاء عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة»، لو أن أتباعه المتعصبين له رفعوه إلى السماء فيما يتعلق بالفقه فقط، لوجدنا لهم عذراً

стр. 837

لأن الإمام الشافعي وهو من هو في المعرفة والفقه كما قلنا آنفاً، كان لهم حجه في ذالك، أما أن يصفوه بالضبط والحفظ أولاً، ثم أن يتوجهو إلى الغمز واللمز والطعن في الأئمة الكبار، الذين منهم الإمام أحمد والبخاري ومسلم، وعبد الله ابن مبارك وغيرهم ممن وصفوا أبا حنيفة أنه ضعيف في الحفظ فبلغ تعصب هؤلاء لأبي حنيفة أن يقولوا: إن وصف هؤلاء الأئمة لأبي حنيفة بسوء الحفظ كان من تعصبهم عليه، ومعنى ذالك أن هؤلاء أئمة الجرح والتعديل الذين نعتمد عليهم في هذا الباب، في مجال الجرح والتعديل فهم ليسوا أتقياء لأنهم جرحوا أبا حنيفة في الرواية بدون حق، بل تعصباً عليه، فماذا فعل المتعصبون لأبي حنيفة؟ ، لينقذوا أبا حنيفة من أمر لا يؤاخذ عليه شرعاً، طعنوا في أئمة من أئمة الجرح والتعديل، لو صح طعنهم فيهم لكان جرحاً فيهم، فلإنقاذ إمام من أئمة المسلمين مما لا يضره من وصفه بأنه كان سيء الحفظ طعنوا في أولئك الأئمة وقد كنت استقصيت جمهوراً منهم فبلغوا نحو خمسة عشر محدثاً من المتقدمين والمتأخرين، كلهم تتابعوا على وصف أبي حنيفة بأنه ضعيف في حديثه، طعنوا في كل هؤلاء الأشخاص من الأئمة الكبار الفحول في سبيل ماذا، إنقاذ أبي حنيفة من سوء الحفظ، ليس عيباً هذا، ويدلكم ويؤكد لكم أن العصبية المذهبية تعمل عملها. [انقطاع] أنكم لا تجدون فيهم مثل هذا الحماس في الدفاع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عبد الرحمن تابعي جليل، ابنه محمد من الفقهاء السبعة، فقيه إمام عظيم، لكنه في الحديث شأنه شأن أبي حنيفة، لا يدافعون عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، لأنه ليس إماماً لهم في الفقه، مع أنه إمام من أئمة المسلمين في الفقه، فيدافعون على إمامهم بالباطل ولا يدافعون عن غيره لأنه لا يهمهم إلا الانتصار لإمامهم

стр. 838

بالباطل. أعود لأقول هل وصف الراوي بما فيه يعتبر طعناً غير مشروع في الشرع؟ الجواب لا، ولولا ذلك لم يكن هذا العلم ... المعروف بعلم الجرح والتعديل، لأن علماء الحديث لو تورعوا تورع الصوفية البارد ولم يصفوا كل راو بما فيه من ضعف في حفظه أو في تهمة له في صدقه لأصبحت شريعة الإسلام، كشريعة اليهود والنصارى، لا سبيل لنا إلى تمييز ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم، كما أن اليهود والنصارى لا يستطيعون أن يميزوا الروايات الصحيح التي تروى عن أنبيائهم لذالك كان من مزايا هذه الأمة الإسلامية أنها تفردت بشيء، اسمه الإسناد، وقال بعض أئمة الحديث، الإسناد من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وايش معنى الإسناد من الدين؟ أي سلسلة الرواة الذين يأخذ بعضهم عن بعض ويصل الحديث إلى الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، هذا هو الإسناد، فإذا ما نعرف حال كل راوي من هؤلاء الرواة لم نتمكن من أن نستفيد من السند أولاً ثم أن نعرف الحديث الصحيح من الضعيف ثانياً. أئمة الجرح والتعديل ذهبوا إلى أنهم يتقربون إلى الله ﵎، في قولهم فلان صدوق سيء الحفظ، فلان صدوق يهم كثيراً، فلان فاحش سيء الحفظ، فلان متروك، متهم، فلان كذاب، فلان وضاع، فلان دجال، فوصف رواة الحديث، من أئمة الجرح والتعديل هو من تمام نصحهم لأئمتهم، كما تعلمون في الحديث الصحيح، «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله، قال لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، ولعامتهم». وإذا مللتم فأنا ما مللت بعد، ولذالك فأرجو الانتباه، وإلا فننصرف، وتنصرفون معي راشدين إن شاء الله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ... نصح لعامة

стр. 839

المسلمين تمييز الصالح من الطالح، أولاً بمعرفة الرواية، وثانياً بحق الصحبه، من تصاحب، تصاحب المؤمن، «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقياً»، فإذا رأيت رجلاً يصاحب فاسقاً أو يصاحب مبتدعاً، ولو كان هذا المبتدع صالحاً في ظاهره وجئت إلى هذا الصاحب المغرور بذالك الصالح المبتدع فقلت له يا أخي، قال رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم «لا تصاحب إلا مؤمنا»، هذا رجل مبتدع هذا رجل سيء الأخلاق ما تكون غمازاً ولا تكون شتاماً، ولا تكون لعاناً، والمؤمن ليس باللعان ولا الطعان كما جاء في الحديث الصحيح، لكنك إذا وضعت الطعن في محله، فأنت تكون مرضياً عنك من ربك. ولعله من المفيد في هذا الصدد أن نروي لكم حديث أبي هريرة وغيره حديث أبي هريرة رواه الإمام البخاري، في الأدب المفرد بإسناد جيدٍ يرتفع إلى مرتبة الصحة، بمجيئه من طريق آخر، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآلة وسلم فقال يا رسول الله جاء يشكو جاره، قال يا رسول الله: «جاري ظلمني»، انتبهو الآن قوله -هذا المظلوم- «جاري ظلمني» أليس طعناً، أليس غيبةً، بل هو غيبة، فانظروا ماذا كان موقف الرسول ﵇: «قال: جاري ظلمني، قال: اخرج متاع دارك واجعله على قارعة الطريق» ففعل الرجل، والطريق بطبيعة الحال ما سميت طريقاً إلا لأنه مطروقاً، فكان كل ما مر ناس ورأوا هذه الظاهرة التي تلفت أنظارهم، قالوا: ما لك يا فلان، قال: جاري ظلمني، فما يكون منهم إلى أن يقولوا قاتله الله، لعنه الله، هذا طعن أم ليس طعناً؟ طعن فظيع، والجار الظالم يسمع كل هذه المطاعن، فما كان منه إلا أن ركض إلى النبي صلى الله عليه وآلة وسلم ليقول له: يا رسول الله أؤمر جاري بأن يعيد متاعه إلى داره، فقد لعنني الناس فقال ﵊: «لقد لعنك من في السماء، قبل أن يلعنك من في الأرض». من مثل هذا الحديث والبحث طويل ولكن أوجزه ببيتين من الشعر كنت

стр. 840

حفظتهما في شبابي، الشعر الفقهي الذي ينبغي أن يحفظ لأنه سلس وجميل وفيه أحكام مجموعه، متفرقة في الكتاب والسنة قالوا: القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلماً ومعرفاً ومحذر ومجاهراً فسقاً ومستفتياً ... ومن طلب الإعانة في إزالة منكر القدح الغيبة: محرم، لكن في هذا الأشياء الستة ليس محرماً، على هذا المبدأ الفقهي انطلق أئمة الحديث، حينما جَرَّحَوا عَدَّلوا نصحاً للأمة، ثم كانوا من ورعهم وخوفهم من ربهم، لا تأخذهم في ذلك لومة لائم، فكون محمد ابن عبد الرحمن ابن أبي ليلى من الفقهاء ما حال ذالك دونهم ودون وصفه بسوء الحفظ في روايته للحديث، كذلك كونهم يعلمون كما قال الشافعي أن أبا حنيفة الناس عيال في الفقه عليه، ما منعهم ذلك أن يصفوه بالضعف في الحديث نصحاً للأمة، لماذا هذا أبو داود صاحب السنن يتهم ابنه عبد الله ابن أبي داوود فيقول بلفظ أفظع مما قيل في أبي حنيفة فيما يتعلق بالجرح، يقول: «ابني كذَّاب»، وعليَّ بن المديني أيضاً يشهد في أبيه عبد الله بأنه ضعيف، فلماذا هؤلاء المتعصبة يهتمون بكلام أئمة الجرح في بعض الفقهاء ولا ينظرون إلى إنصافهم حينما هذا يطعن في ابنه، وذاك يطعن في أبيه، كل هذا صيانةً للحديث النبوي أن يدخل فيه ما ليس منه. خلاصة القول في الإجابة عن هذا السؤال: أن السلفيين لا يطعنون في أحد من أئمة المسلمين، وإنما يُنْزِلون كل واحد منهم منزلته التي وضعه الله فيها، هذا أولاً، وثانياً: أن قولهم اتباعاً لأئمة الجرح والتعديل قولهم في إمام من أئمة المسلمين: إنه ضعيف في الضعيف, أو لا يؤخذ بحديثه، هذا ليس طعناً من قبيل الطعن الذي لا يجوز للمسلم أن يقع فيه، بل هو من المستثنيات الست التي سبق ذكرها آنفاً، لعل في هذا القدر كفاية. (الهدى والنور / ٣٩٧/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)

стр. 841

تهم وشبهات: السلفيون يُلزِمون الأئمة بأقوال هم يفتون بخلافها أبو إسحاق: يقولون يُكْثِر السلفيون من ذكر قول الأئمة الأربعة إذا صح الحديث فهو مذهبي فيأتون على حديث إفتاء بعض العلماء بخلاف ظاهره، فيُلْزِمون الإمام به، مع أن الإمام النووي ﵀ حَقَّق في مقدمة المجموع أن هذه العبارة ليست على ظاهرها، وبذلك تفرد السلفيون بآراء فقهية ضعيفة يُلْزِمون الأمة بها، فما قولكم؟ الشيخ: جوابي على هذا السؤال، أنا مع الإمام النووي ﵀ فيما ذهب إليه بشرطين اثنين: - الشرط الأول: إذا كان يعني انه لا يجوز نسبة الإمام الشافعي إلى مخالفته للحديث، لأنه فهمه على وجه خاص فهذا صحيح. والشرط الثاني: أننا نحن معشر السلفيين إذا كان الحديث الذي فهمه الإمام الشافعي على وجه ووجدنا أئمة آخرين عملوا به على ما يبدوا لنا من الوجه الآخر للمعنى وأراد النووي أنه لا يجوز لنا العمل به، لأن الإمام الشافعي عمل به في وجه، أو على معنى آخر، حينئذ نحن ننفصل عنه ونقول لا يجوز لنا أن نعمل بحديث فهمه الشافعي وسائر الأئمة على وجه، ونفهمه نحن في آخر الزمان على وجه آخر، والحديث في واقعه يحتمل وجهين، لا نجد أحداً سبقنا

стр. 842

إلى الأخذ بالوجه الآخر، حينئذ فنحن مع الإمام النووي، أما إذا كان الحديث صريح الدلالة لا يقبل تأويلاً، وعرفنا أن الإمام الشافعي أو غيره، كان هو يتكلم في حدود مذهبه، وعرفنا أن إماماً من أئمة المسلمين الفقهاء المجتهدين فسره على خلاف ظاهره وجاء على تفسيره بدليل لا نعلمه، وجب علينا أن نتبعه، أما إذا كانوا مسلمين معنا بأن دلالة الحديث صريحة وليس عندنا دليل يصرف هذه الدلالة إلى شيء آخر، سوى رأي فلان وعلان، حين ذاك نكون مع الحديث، لأن الإمام الشافعي نفسه كان يقول الحديث أصل مستقل في نفسه، فيجب على كل مسلمٍ إذا صح لديه أن يعمل به. أما الإمام الشافعي، فسره بمعنى آخر، فنقول هذا المعنى الآخر، إما أن يكون له دليل بالنسبة إلينا نقتنع به فوجب حين ذاك أن نتبعه، أو ليس عنده دليل إلا الاجتهاد، وكان الحديث ظاهر الدلالة على خلاف ما ذهب إليه، فنحن في هذه الحالة نطبق عموم ارشاد الأئمة «إذا صح الحديث فهو مذهبي». وقد كنت تعرضت لشيء من التفصيل في مقدمتي لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، فأوردت صورة هي أن العامي إذا بلغه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، وضاق صدره في ترك العمل به، فهل يجوز له أن يعمل به، وهو على خلاف مذهبه، أجاب الإمام السبكي نعم يجوز له العمل به، إذا أخبر بان الحديث صحيح، وأن معناه على ما وضح له كان له عذراً عند الله ، أن يعمل به، هذا بالنسبة للأمي العامي، فما بالكم بالنسبة للعالم، أو طالب العلم، لكن هنا لا بد لي من وقفه، في نهاية الإجابة عن هذا السؤال، وأرجو من صاحبنا، بالجنب هنا، أن يقف عند وعده السابق، فأقول إضافة إلى ما سبق من الجواب، أريد من طلابنا، الذين نشؤوا معنا على إتباع الكتاب والسنة، أن لا

стр. 843

يكونوا جريئين على التطاول على الأئمة المجتهدين، وعلى أن يقولوا كما يفلت أحياناً من ألسنتهم، قولهم نحن رجال وأولئك رجال، هذا عار أن يقوله الشباب الناشئ في طلب العلم، وهو لا يزال على الأقل شاباً في طلب العلم، قد يكون كهلاً، وقد يكون شيخاً في السن، ولكنه شاباً ناشئاً في طلب العلم، مع ذلك هو يقول حينما يقال كيف أنت تقارن في العلم، وتستقل في فهمك للحديث، فيكون الجواب نحن رجال وأولئك رجال. انظروا الآن بمناسبة الكلام على ما سبق حول أبي حنيفة ﵀، من فضل أبي حنيفة أنه قال: إذا جاءت الآثار عن أصحاب الرسول ﵇، في مسألة ما متفقة لا خلاف بينهم فيها، فنحن لهم تبع، أما إذا اختلفوا، فنحن رجال وهم رجال. متى قال هذه الكلمة إذا اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، في مسألة، فهو يختار المناسب في قول من تلك الأقوال ولا يخرج عن غيرها، فيجب أن نأخذ أدبا من هذا الأثر، عن أبي حنيفة ﵀، أن لا نتسرع في تخطئة الأئمة، وإنما علينا أن نتئد وأن نتروى في الحكم بخطأ، ليس خطأ إمامٍ واحد، بل خطأ أئمة كثيرين، لست داعية إلى التعصب للجمهور، لا لست جمهورياً، ولعلكم تعلمون ذالك علماً يقيني، لكني أيضاً في الوقت نفسه لا أريد من طلاب العلم أن يتجرؤوا على العلماء لأنه بدا له أن الحديث يخالفهم، وإنما أريد من طلاب العلم، أن ينكبوا على دراسة كل مسألة على حدة، أن يدرسوها كما يقال اليوم، دراسة الفقه المقارن، ولكن بشرط أن يصل إلى النتيجة إلى الثمرة، لأن الفقه المقارن اليوم في أكثر الجامعات المعروفة اليوم في البلاد الإسلامية، يتعاطون المقدمات ثم لا يقدمون النتائج والثمرات، وهم يذكرون

стр. 844

مثلاً أدلة المذهب الفلاني، ودليل المذهب الفلاني، ثم لا شيء وراء ذلك، فيخرج الطلبة حيارى، لا هذا ليس فقه، وإنما الفقه أن تقدم هذه الأدلة وتجري مفاضلة بينها ترجيحاً، كأن تقول مثلاً: دليل فلان الآية الفلانية، لكنها من باب الاستدلال من الباب العام، ودليل فلان استدل بآية أخرى خاصة، أو بدليل خاص، والخاص يقضي على العام، وهكذا، يُجري عملية تصفية بين الأدلة، قد يكون منها، حديث المذهب الفلاني لا يصح، والحديث الذي عارضه هو الصحيح إلى آخره. فأنا أريد من كل طلاب العلم أن يدرسوا المسائل الخلافية دراسة مبسطة، موضوعة تحت المجهر العلمي، وبعد ذلك ليخرج بالنتيجة ثم ليقل هذا رأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي. أرى كثيراً وأَخْشَي أن أقول عامة طلاب العلم، لا يتأثرون ببعض آثار السلف، ونحن سلفيون، ليس اسماً وإنما هو مسمى أيضاً، الحديث ذو شجون، ولقد تأخر الوقت أكثر من المفروض، ولكن في هذه القصة ما أردت الاستنباط منها مما يتعلق بطالب العلم، لقد روى الإمام الدرامي في «سننه» المعروف بالمسند، بالسند الصحيح، أن أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، جاء صباح يوماً إلى دار ابن مسعودٍ في الكوفة، فوجد أصحابه ينتظرونه، فقال: أَخَرَجَ أبا عبد الرحمن؟ قالوا: لا، فجلس ينتظره إلى أن خرج، فقال أبو موسى، يا أبا عبد الرحمن: لقد رأيت آنفاً في المسجد شيء أنكرته، ومع ذلك -والحمد لله-، لم أرى إلا خيرا، ارجوا الانتباه إلى الجمع بين النقيضين في الظاهر، ولا تناقض، قال: رأيت شيئاً أنكرته ولم أرى إلا خيراً، كيف ذالك؟ ، سيأتيكم البيان في تضاعيف القصة، قال: ماذا رأيت، قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت ناساً حلقاً،

стр. 845

حلقاً في المسجد وفي وسط كل حلقة منها رجلاً، يقول لمن حوله: سبحوا كذا، احمدوا كذا، كبروا كذا، وأمام كل رجل منهم حصى يَعُدُّ به التسبيح والتحميد والتكبير، قال ابن مسعود: أفلا أنكرت عليهم، هنا الشاهد، قال: لا، انتظار أمرك، أو انتظار رأيك، هذا هو الأدب، أبو موسى هو من كبار أصحاب الرسول ﵇، ومن علمائهم، لكنه يعلم أنه ليس بمثابة ابن مسعود في الفقه بالكتاب والسنة، فقال: لا ما أنكرت عليهم، انتظار أمرك، أو انتظار رأيك، قال: أفلا أنكرت عليهم وأمرتهم أن يَعُدُّوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم دخل داره وخرج متنقباً متلثماً، حتى دخل المسجد ورأى تلك الحلقات كما وصف له أبا موسى، فقال لهم: ويحكم ما هذا الذي تصنعون، أنا عبد الله ابن مسعود صحابي رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، وهذا لسان كل المبتدعة، لسان كل المبتدعة، أنهم يقولون كما ستسمعون، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال، وهذا جوابنا للمبتدعة كلهم، وكم من مريد للخير لا يصيبه، إن محمدً صلى الله عليه وآلة وسلم، حدثنا أن أقواما يقرؤون القرآن يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال شاهد هذه القصة، فلقد رأينا أولئك الأقوام، أصحاب الحلقات، أصحاب الذكر غير المشروع، فلقد رأينا أولئك الأقوام يقاتلوننا يوم النهروان، أي صاروا من الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، وقاتلوه، وقاتلهم، حتى استأصل شأفتهم، ولم ينج منهم إلا القليل، هذه هي القصة والعبرة منها أن أبا موسى لم يتقدم بين يدي ابن مسعود لينكر ذلك المنكر الذي وصفه بأنه لم يرى إلا خيراً، لماذا؟ ، لأنه تسبيحاً وتحميداً وتكبير، وهذا خير، ولكن الإنكار إنما جاء بمن ضم إلى هذا الذكر من زيادات وإضافات جعلت هذا الذكر بدعةً، كما يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي، بدعةً إضافية
следующие страницы →