وَأَعْطَاهُ الثَّمَنَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا (١)
ــ
= زرعة كذا من هذه السنة ونحو ذلك مما ينص فيه علم الأجل.
وهنا فائدتان:
- الأولى: اشترط الفقهاء في الأجل المعلوم أن يكون له وقع في الثمن: فما معنى قولهم «له وقع في الثمن»؟ أي أن هذه المدة يتغير بها الثمن بحيث يستفيد المسلم الذي أسلم النقود من هذه المدة لأن هذا الذي استلمه سيرتفع ثمنه في الغالب والمسلم إليه سينتفع بهذا المال الذي قدم.
مثال ذلك: أن يقول المسلم للمسلم إليه «أعطيك المائة ريال بمائة صاع من البر»، في حين المائة ريال تعادل ثمانين صاعاً، فهو يأخذ العشرين في مقابل الأصل، فحصل بذلك منفعة للمسلم والمسلم إليه, وهذا معنى قول بعض الفقهاء «له وقع في الثمن».
- الثانية: اشترط الفقهاء أيضاً في أن يكون المسلم فيه عام الوجود أي يعم وجوده عند محله, لأن وقت حلوله هو وقت تسليمه, فإذا لم يكن موجوداً وقت الحلول فلا يمكن تسليمه, فلو أسلم إليه مائة ريال بمائة كيلو أرز أو قمح في وسط الشتاء لم يجز, لأن المسلم فيه لا يوجد في وقت حلول الأجل.
(١) قوله «وَأَعْطَاهُ الثَّمَنَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا»: هذا هو الشرط الخامس وهو قبض الثمن في مجلس العقد بحيث لا يتفرقان وبينهما شيء، فإن تفرقا ولم يقبض الثمن بطل العقد لأنه أصبح بيع دين بدين.
ومعنى السلم والسلف هو تقديم الثمن وتأخير المثمن، دليل ذلك ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول الجمهور (١).
стр. 1017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وذهب مالك (١) إلى أنه لا بأس بتأخر قبض الثمن يوماً أو يومين أو ثلاثة لأنها كالمجلس الواحد ومما يتسامح فيه.
والأظهر عندي: هو قول الجمهور، فلا بد أن يكون القبض قبل التفرق من مجلس العقد، ولو قمنا من مكان العقد ومشينا جميعاً مثل أسلمت إليه بمائة ريال صاع من البر، ولكن ليس معي مائة ريال فمشينا جميعاً إلى أحد أصدقائي واستلفت منه مائة ريال وأعطيتها الرجل فهذا يجوز لأننا لم نفترق.
أما إذا افترقنا وذهب كل منا إلى مكان آخر فلا يجوز.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: هناك قاعدة: وهي أنه يشترط في الثمن والمثمن ألا يكون بينهما ربا النسيئة، فإن كان بينهما ربا النسيئة لم يصح، لأن ما يجري فيه ربا النسيئة يشترط فيهما التقابض, والسلم يشترط فيه التأخير وهذا من التضاد، فلو أسلمت براً بتمرٍ لم يجز، ولو أسلمت ذهباً بفضة لم يجز لأن هذه المذكورات مما يجرى فيها الربا.
- الفائدة الثانية: إذا قبض البعض ثم تفرقا ثم قبض البقية فهذه المسألة على قولين:
الأول: وهي ظاهر كلام الخرقي (٢) أنه يبطل فيما قبض وفيما لم يقبض لأنه عقد على مبلغ واحد وإذا أبطل في بعضه بطل في جميعه.
الثاني: أنه يصح فيما قبض ويبطل فيما لم يقبض، وهذا يجري على =
стр. 1018
وَيَجُوْزُ السَّلَمُ فِيْ شَيْءٍ يَقْبِضُهُ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فِيْ أَوْقَاتٍ مَعْلُوْمَةٍ (١)،
ــ
=القاعدة في تفريق الصفقة.
فلو أسلم في مائة كيلو من التمر بألف ريال وأعطاه خمسمائة ريال في المجلس صح في نصف المسلم فيه، وما لم يقبض بطل فيه ويعقد عليه عقداً آخر.
وهذا هو الصواب، وعليه الأكثر في المذهب.
- الفائدة الثالثة: هل يشترط رد المسلم فيه في محل الوفاء ؟
هذا الشرط قد اختلف فيه الفقهاء على أقوال:
الأول: وهو قول أكثر الفقهاء أنه لا يشترط لأن النبي ﷺ لم يذكره في الحديث، فلم يقل في مكان معلوم عند اشتراط الكيل والوزن، ولأن اشتراطه يزيد السلم تعقيداً.
الثاني: أنه يشترط لأن هذا مما يتعين بيانه في العقد, ولأنه به ينقطع النزاع والخلاف لأن الأماكن تختلف, فإذا اشترط التسليم الزماني اشترط التسليم المكاني.
الثالث: التفصيل في ذلك: فما كان لحمله مؤونة كالتمر، والشعير, والطعام فيشترط المكان، أما إذا لم يكن لحمله مؤونة، كالجواهر والأشياء الخفيفة فلا يشترط ذكر مكان الوفاء، وهناك أقوال أخرى.
والأرجح عندي: أنه لا يشترط ذلك إلا إذا اشترطا ذلك عند العقد، أما ما لم يشترط فالأصل عدم الاشتراط.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ السَّلَمُ فِيْ شَيْءٍ يَقْبِضُهُ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فِيْ أَوْقَاتٍ مَعْلُوْمَةٍ»: كأن
يشتري منه مائة كيلو تمر يقبض بعضها في شهر رجب وباقيها في شهر شعبان, ووجه جوازه أن كل بيع جاز في أجل واحد جاز في أجلين وأجال.
стр. 1019
وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِيْ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنُ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهُمَا (١)،
ــ
=ومثاله أيضاً: أن يعطيه مائة ريال على أن يأخذ منه في أجلين كل يوم قدراً معلوماً من لحم أو غيره.
لكن يشترط لذلك ما ذكره المؤلف أنه لا بد أن تكون الأوقات معلومة، وكذلك معرفة كل جنس وثمنه حتى لا يحصل تنازع.
(١) قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِيْ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنُ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهُمَا»: مثاله: أن يسلمه أو يسلفه بر وشعير، فيقول مائة صاع من بر وشعير بألف ريال، فلا بد أن يبين مقدار كل جنس فيقول مثلاً ستمائة بر وأربعمائة شعير، وأيضاً يحدد كيله أو وزنه فيقول خمسون صاعاً من البر وخمسون صاعاً من الشعير، فالستمائة يقابلها خمسون صاعاً من البر، والأربعمائة يقابلها خمسون صاعاً من الشعير، وهكذا فلا بد من بيان ثمن كل جنس.
قلت: وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف على قولين في المذهب (١):
الأول: أنه يلزمه أن يعين قسط كل جنس كما ذكر المؤلف وذلك لأن النبي ﷺ نهى عن الغرر والجهالة في العقود، ولو حصل فسخ في أحدهما لم نعرف قسطه من الثمن.
الثاني: أنه لا بأس بذلك ولو لم يبين لأنها صفقة واحدة بثمن واحد، ولو قدر أنه حصل فسخ في أحدهما أخذ بالحصة، فإذا كان البر نصفه فله نصف القيمة أو الربع فله ربعها وهكذا.
لكن الأظهر عندي أن ما يحصل فيه الخلاف والنزاع والغرر والجهالة لا بد=
стр. 1020
وَمَنْ أَسْلَفَ فِيْ شَيْءٍ، لَمْ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ (١)
ــ
=من ضبطه بما يحصل به الضبط ولذا فالأخذ بالمذهب هو الأولى والأحوط.
(١) قوله «وَمَنْ أَسْلَفَ فِيْ شَيْءٍ، لَمْ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ»: مثاله: أن يسلف في بر مثلاً فلا يصرفه إلى شعير فهذا حرام سواء كان المسلم فيه موجوداً أو معدوماً وسواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة أو أقل أو أكثر، وهذا هو قول الجمهور (١).
وفي رواية في المذهب (٢) أن من أسلم في بر فعدمه عند المحل فرضي أن يأخذ شعيراً مثله جاز لأنهما من جنس واحد.
وذهب الإمام مالك (٣) إلى جواز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه، وأحتج لذلك بما جاء عن ابن عباس قال: «إذا أسلفت في طعام فحل الأجل فلم تجد طعاما فخذ منه عرضا بأنقص ولا تربح عليه مرتين» (٤).
قلت: والأظهر عندي ما ذهب إليه مالك لعدم المانع الشرعي فيجوز بيعه بما دونه أو بسعر المثل لعدم المانع الشرعي من ذلك لكن يشترط في ذلك أن لا يكون بربح لأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمر «لا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (٥)، أما حديث «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (٦) فهو حديث ضعيف لا تقوم الحجَّة به في هذا المقام, فمن أسلم براً فلم يجده فأبدله بشعير جاز وهكذا.
стр. 1021
وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ (١)، وَلا الْحِوَالَةُ بِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ»: أي لا يجوز التصرف في المسلم فيه قبل قبضه لا ببيع ولا استبدال ولا بهبة لغير من هو عليه، والعلة في ذلك لأمور:
الأول: أن النبي ﷺ قال «لا يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ وَلا بَيْعٌ وَسَلَفٌ مَعًا وَلا بَيْعُ مَا لَمْ يُضْمَنْ» (١)، والسلم ما دام في ذمة المسلم إليه فهو في ضمانه، فإذا كان في ضمانه فلا يجوز بيعه قبل القبض.
الثاني: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه (٢).
الثالث: أن النبي ﷺ قال «مَنْ أَسْلَفَ في شيء فَلا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (٣).
وجه الدلالة منه: أنه إذا باعه قبل قبضه فيكون صرفه إلى غيره وأخذ غيره.
قلت: هذا هو المذهب (٤)، وهو قول جمهور (٥) الفقهاء.
القول الثاني في هذه المسالة: يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته، وهذا هو الراجح عندي، وإليه ذهب شيخ الإسلام (٦)، وهو مذهب مالك (٧)، واختاره شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٨).
(٢) قوله «وَلا الْحِوَالَةُ بِهِ»: أي ولا تجوز الحوالة به ولا عليه, وصورة ذلك أن
يكون لك دين سلم على شخص ولآخر دين عليك كطعام مثلاً من جنس=
стр. 1022
وَتَجُوْزُ الإِقَالَةُ فِيْهِ، وَفِيْ بَعْضِهِ، لأَنَّهَا فَسْخٌ (١)
ــ
=المسلم فيه فتحيله على المسلم إليه فهذا من صورة الحوالة به.
أما الحوالة عليه بأن يكون المسلم في ذمته دين لشخص فلما جاء يطلبه قال أحيلك على فلان، لأن في ذمته لي مائة صاع بر سلماً، فلا يجوز الحوالة به ولا الحوالة عليه، وهذا هو قول الجمهور (١) وذلك لأن الحوالة بيع، ولأنها لا تصح إلا على دين مستقر ودين السلم غير مستقر.
وفي قول آخر عند الأصحاب (٢) جواز الحوالة به وعليه، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (٣).
دليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: « ... وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ» (٤).
قلت: وهنا يوجد مخرج شرعي وهو أن أُوكل هذا الشخص في قبض تلك السلعة وكالة شرعية، والفرق بين الوكالة والحوالة هنا أن الوكالة لا تبرئ الذمة بها إلا بعد أن تقبضه، وأما الحوالة فقد برئت ذمته بمجرد الحوالة.
(١) قوله «وَتَجُوْزُ الإِقَالَةُ فِيْهِ، وَفِيْ بَعْضِهِ، لأَنَّهَا فَسْخٌ»: الإقالة في اللغة: هي الإزالة، وإقالة الذنوب مغفرتها وعفو الله عنها, وهي مستحبة لأنها من باب الإحسان، وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٥).
стр. 1023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ففي الإقالة تفريج عن العاجز لعجزه, وغير القادر عن دفع الثمن.
أما تعريفها في الاصطلاح: فهي رفع العقد وفسخه وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين.
أما صورتها في السلم: فهي فسخ العقد بعد دين السلم، فيرد المسلم إليه الثمن إلى المسلم فيكون العقد كأن لم يكن.
أما صورتها في السلم فلها صورتان ذكرهما المؤلف:
الأولى: أن تكون في جميع المسلم فيه: فهذه لا خلاف في جوازها بالإجماع، «كما حكى ذلك ابن المنذر (١)».
الصورة الثانية: أن تكون في بعض المسلم فيه، وهذه الصورة على روايتين في المذهب (٢):
الأولى: لا تصح.
الثانية: أنها تصح، وهذا هو الصواب عندي لأنها إذا جازت في الكل جازت في البعض، لأن البعض جزء من الجميع، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣)، والشافعي (٤).
هذا آخر ما جاء في باب السلم.
ذكر بعض الفوائد في باب السَّلَم:
هناك بعض الفوائد التي لم يذكرها المؤلف في كتابه نذكر بعضها إتماماً للفائدة:
стр. 1024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة الأولى: إذا اختلف المسلم والمسلم إليه:
نقول اختلاف المسلم والمسلم إليه له أنواع:
الأول: أن يختلفا في حلول الأجل وعدمه مع عدم وجود بينة تشهد لأحد الطرفين، بأن قال المسلم يحل في رجب وقال المسلم إليه يحل في شعبان، فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأن المسلم إليه منكر لحلول الأجل.
الثاني: أن يختلفا في تسليم دين السلم وعدمه ولم توجد بينة مع المدعي, فالقول قول المسلم مع يمينه لأنه منكر والمسلم إليه مدع, ولأن الأصل عدم التسليم ولا يثبت التسليم إلا بدليل.
الثالث: أن يختلفا في تسليم رأس مال السلم وعدم تسليمه ولم توجد بينة فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأن الأصل عدم التسليم ولأنه منكر والمسلم مدع ولم يأت ببينة.
- الفائدة الثانية: في أخذ الرهن والكفيل في دين السلم: إذا قصد المسلم توثيق الدين وذلك بأخذ رهن أو كفيل ليكون مطمئناً على حقه فهل يجوز مثل هذا في السلم، نقول على قولين:
الأول: لا يجوز.
الثاني: يجوز أخذ الرهن أو الكفيل في دين السلم كغيره من الديون، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو اختيار شيخنا ﵀ (١).
- الفائدة الثالثة: إذا جاء بالمسلم فيه قبل محله فهل يلزمه قبوله أم لا؟
نقول في ذلك تفصيل: أما إذا كان بذله إليه في غير محله فيه ضرر عليه فلا=
стр. 1025
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=يلزمه قبوله كأن جاءه بشيء يسرع إليه الفساد كاللحم في رجب وحاجته إليه في شوال, وكذا العنب والتفاح وغيرها فهنا لا يلزمه أخذه، أما إذا كان لا يتضرر بأخذه كأن يسلمه إليه محفوظاً في حديد أو رصاص ولا يحصل له ضرر بتسليمه فهنا يلزمه قبوله ولا يمتنع عن ذلك.
- الفائدة الرابعة: إذا أحضر المسلم فيه بصفته أو أجود منها أو أقل منها فما الحكم؟ نقول:
١ - إذا جاءه بصفته لزم المسلم قبوله لأنه جاء به على الوصف الذي اشترطه.
٢ - إذا جاءه به أجود مما وصف لزمه أيضاً قبوله لأنه زاده خيراً، فإذا قال المسلم إليه أريد في مقابل هذه الصفة الزائدة ثمناً نقول له لا يجوز لك ذلك لأنها صفة غير متميزة، فلا بد أن يأتي بالموصوف أو يبذل الزيادة بلا ثمن.
٣ - إذا جاءه بأقل مما وصفه فإنه لا يلزم المُسْلِم قبوله لأنه أقل من حقه، ولو قال أقبله على أن تدفع لي تعويضاً عن النقص لم يجز لأنه صرف المُسْلَم إلى غيره وبيع له فإما أن يقبله أو يرده.
وقيل يجوز أن يقبله مع أخذ قيمة النقص، وهو الأظهر عندي.
- الفائدة الخامسة: في حكم التولية والشركة بدين السلم قبل قبضه:
مثالها: أن يكون لشخص دين سلم على رجل ويأتي آخر فيقول له لي دين سلم على فلان فأعطني كذا من الريالات ويكون شريكاً في دين السلم، والتولية بأن يقول أعطني كذا من الدراهم وتحل محلي في السلم فيتولى مكان السلم الأول. فهذا محل خلاف فالجمهور (١) على منع ذلك.
стр. 1026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وذهب مالك (١) إلى جواز ذلك.
- الفائدة السادسة: ما تفعله بعض البنوك من وضع «شرط جزائي» عند تأخر المدين عن تسليم المسلم فيه وقته, فهو شرط باطل, لأنه دين, ولا يجوز اشتراط الزيادة على الدين عند التأخير, لأنه ربا وقد سبق، أما ما يفعله بعض الأشخاص فيما بينهم في شروط العقد «الشرط الجزائي» لمصلحة العقد, كأن يشترط رب العمل على المتعامل, أنه إذا تأخر في إنجاز العمل أن عليه عن كل يوم تأخير مبلغ مائة ريال مثلاً فهذا جائز، لكن يشترط أن لا يكون هذا الشرط الجزائي كثيراً, بحيث يراد به التهديد المالي وأكل مال الطرف الأخر بالباطل فإنه حينئذ يجب الرجوع في تقديره إلى العدل والإنصاف بحسب ما فات من مصلحة أو لحق من مضرة.
- الفائدة السابعة: أنه إذا حصلت ظروف طارئة عامة بعد عقد السلم وقبل تسليم المسلم فيه، وتسببت هذه الظروف في حصول غلاء فاحش للسلع المسلم فيها - ومثل ذلك المقاولات التي تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها وحصل ارتفاع حاد لأسعار السلع التي عقد على توريدها أو التي يحتاج إليها العمل الذي تعاقد مع غيره على تنفيذه ونحو ذلك - ولم يكن المسلم إليه أو المقاول متسبباً في ذلك بتأخير أو غيره، فإنه يحق للقاضي في هذه الحالة عند التنازع وبناء على الطلب تعديل الحقوق والالتزامات العقدية بصورة تعدل القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لم يتم تنفيذه منه، إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل في =
стр. 1027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=القضية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له - وهو صاحب الحق في التنفيذ - يجبر له جانباً معقولاً من الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد، بحيث يتحقق عدل بينهما دون إرهاق للملتزم، ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعاً رأي أهل الخبرة الثقات (١).
هذا ومن العقود التي كثر التعامل بها في هذا الوقت، وبها شبه بالسلم:
عقد الاستصناع، وهو عقد يتعهد به الطرف الأول للطرف الثاني بصناعة سلعة معينة يسلمها له في وقت معين مقابل مبلغ معين. فهو يزيد على عقد السلم بأنه عقد على العمل أيضاً، ولهذا يجوز فيه تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة (٢).
стр. 1028
باب القرض (١)
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ الْقَرْضِ»: القرض في اللغة: القطع، وفي الاصطلاح: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وقيده بعضهم على وجه الإحسان: أي أنه من باب الإرفاق والإحسان لا من باب المعاوضات، فليس هو من بيع ربوي بجنسه من غير قبض، لأن القرض من باب الإرفاق والقربة، ولا يمكن أن يبيع عاقلاً درهماً بمثله ولا صاعاً بمثله.
والقرض: مندوب إليه كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (١).
وقال أيضاً: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا﴾ (٢).
والمراد بإقراض الله تعالى هنا: الإحسان إلى عباده، وإلا فهو سبحانه ليس بحاجة إلى خلقه.
ومعنى القرض في الآيات: السلف.
ومن ذلك أيضاً قوله : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، والقرض نوع من الإحسان.
стр. 1029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما السنة: فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضله فمن ذلك:
عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً» (١).
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رَبَاعِيًا. فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» (٢).
الحكمة في مشروعيته: لما كانت أحوال الناس مختلفة منهم المعسر ومنهم الموسر نُدِب إلى القرض وجعله قربة من القرب وذلك لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وذلك لقضاء حاجته وتفريج كربته.
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٣).
فالقرض من محاسن الدين لأنه يحتاجه من ضاقت أموره وانكسر خاطره واشتدت حاجته.
стр. 1030
عَنْ أَبِيْ رَافِعٍ ﷺ ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُوْ رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيْهَا، إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًا. فَقَالَ: أَعْطُوْهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (١)
ــ
(١) قوله «عَنْ أَبِيْ رَافِعٍ ﷺ ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُوْ رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيْهَا، إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًا. فَقَالَ: «أَعْطُوْهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» (١): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأهل السنن، وقوله «بَكْرًا»: بفتح الباء، وهي الصغير من الإبل.
وفي الحديث فوائد منها:
١ - جواز المطالبة بالدين إذا حل الأجل.
٢ - حسن خلق النبي ﷺ وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه.
٣ - أن من عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق.
٤ - فيه جواز استقراض الإبل ويلحق به جميع الحيوانات، وهو قول أكثر أهل العلم (٢) بخلاف ما ذهب إليه بعض الفقهاء (٣) من منع ذلك لحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
٥ - فيه أيضاً جواز وفاء ما هو أفضل من المثل إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ بالاتفاق.
٦ - وفيه أيضاً أن الاقتراض في البر والطاعة وكذا الأمور المباحة لا يعاب.
стр. 1031
وَمَنِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا (١)،
ــ
(١) قوله «وَمَنِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا»: هذا هو الأصل فالذي يرد في القرض المثل إن كان مثلياً كالمكيل والموزون والمذروع لأن المثلي يضمن بمثله كالمتلفات والمثلي كما ذكرنا كل مكيل أو موزون أو مذروع.
أما غير المثلي فهو نوعان: حيوان وغير حيوان، وقد اختلف العلماء فيما يرد من غير المثلي بنوعيه على قولين:
القول الأول: ترد قيمته حيواناً كان أو غير حيوان.
القول الثاني: أن في ذلك تفصيلاً، فالحيوان يرد بمثله كما في حديث أبي رافع المتقدم، وغير الحيوان كالجواهر وسائر الأموال غير المثلية ترد قيمتها، لكن هل تنضبط المثلية في الحيوان؟
الصواب: أنه لا يمكن انضباطها كلياً ولذا نقول تكفي المقاربة ولو لم تكن مثلية تامة، فالضأن متقاربة، والإبل متقاربة، وتنضبط بالسن والذكورة والأنوثة وغيرها كما سبق في السلم.
أما القيميات فتضمن بالقيمة، ولكن كيف تعرف القيمة؟
تعرف القيمة بوقت القرض لا وقت الوفاء به لأن القرض إنما دخل ذمة المستقرض من حين قبضه فاعتبرت القيمة في ذلك الوقت.
فالحاصل أن القيميات تضمن بالقيمة وقت القرض سواء كانت قيمته عند الدفع أكثر أم أقل أم مساوية، كما أنه يضمن المثلي بمثله بغض النظر عن قيمته في الزيادة والنقصان، فلو أعوز المثل «يعني تعذر حصوله»، فله القيمة وقت الإعواز «أي وقت الطلب» لا وقت القرض لأنه يجب المثل، فإذا لم يجد المثل وجبت قيمة المثل، ويحصل الإعواز بأمور ثلاثة:
стр. 1032
وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ (١)
ــ
١ - العدم؛ كأن يعدم المثل في السوق مثلاً فلا يوجد.
٢ - الغلاء الفاحش؛ كأن يقترض منه بمائة فوجده في السوق بألف مثلاً فهذا غلاء فاحش يضر.
٣ - البعد الشاق؛ بأن يكون موجوداً لكن لا يمكن إحضاره كأن يكون المثل في روسيا ونحن الآن في الرياض فهنا يكون إعوازاً، فينتقل إلى القيمة وتكون قيمته وقت الإعواز, فإذا قال المقرض أنا أريد المثل فقال له المقترض والله ليس موجوداً إلا في بلاد بعيدة فقال اذهب واشتره فلا يلزمه لأنه إذا اشتراه سيأتي بأضعاف أضعافه. وهذا فيه إضرار، وقد جاء عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (١).
- فائدة: إذا كان القرض نقوداً وألغى السلطان التعامل بها واستبدلها بنقود أخرى: فمن العلماء من يرى أنه يأخذ مثلها ولو أبطلها السلطان لأن إلغائها لم يكن من قبل المستقرض.
والقول الأخر: أن له قيمتها وقت القرض من النقود البديلة، وهذا هو الأظهر عندي.
أما إذا كان قد بقي التعامل بهذا النقد عند بعض الناس فله أن يرد مثله ولو كان أقل من قيمته.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ»: سواء كان في الصفة أو الكمية على القول الصحيح لحديث أبي رافع المتقدم والزيادة في القرض على نوعين:
стр. 1033
وَأَنْ يَقْتَرِضَ تَفَارِيْقَ وَيَرُدَّ جُمْلَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ (١)،
ــ
١ - أن تكون مشترطة في أصل العقد وهذا ربا بالإجماع، فقد أجمع العلماء على أن اشتراط الزيادة في القرض ربا، لأن القرض عقد إرفاق وهو قربة، فإذا أخذ عليه الزيادة فهو ربا ويسمى هذا ربا القرض، ولهذا القروض التي تعطى من البنوك بالزيادة قروض محرمة سواء كانت قروضاً استهلاكية أو قروضاً استثمارية مع الأفراد أو الشركات أو الدول.
٢ - أن تكون الزيادة غير مشروطة في أصل العقد، وإنما بذلها المقترض من باب حسن الأداء، فهذا جائز، وهو الذي عناه المؤلف هنا بقوله «وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ».
لكن اختلف الفقهاء في ما إذا كان من المعلوم عن المقترض أنه يزيد في الوفاء فهل يجوز الإقراض والتطلع إلى الزيادة ولو لم يشترط؟ .
نقول: كره هذا بعض الفقهاء، والصحيح عدم الكراهة لأن النبي ﷺ كان كريماً معروفاً بأنه يزيد في الوفاء وكانوا يقرضونه، فلا بأس بذلك إن كان تبرعاً من المقترض بدون إلزام من المقرض.
(١) قوله «وَأَنْ يَقْتَرِضَ تَفَارِيْقَ وَيَرُدَّ جُمْلَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ»: مثاله: أن يقترض مائة ثم بعد فترة يقترض مائة وهكذا حتى يصل إلى ألف مثلاً فله أن يرد الألف جملة لأنه أدى ما عليه من غير زيادة ولا نقصان ويكون كمن اقترض جملة ورد بالتفريق.
لكن لو اشترط المقرض أن يعطيه مائة بعد مائة قرضاً فإذا وفاه إياها أعطاها جملة، فهذا لا يجوز لأن فيه نفعاً للمقرض فيكون قرضاً جر نفعاً فلا يجوز كما لو شرط زيادة في القرض.
стр. 1034
وَإِنْ أَجَّلَهُ، لَمْ يَتَأَجَّلْ (١)، وَلا يَجُوْزُ شَرْطُ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْرِضُ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ أَجَّلَهُ، لَمْ يَتَأَجَّلْ»: كأن يقول له أقرضك على أن توفيني إياه في شهر كذا، وقد اختلف الفقهاء فيما لو شرط في القرض أجلاً محدداً على قولين (١):
القول الأول: لا يصح الأجل في القرض ولا يلزم لأن القرض دين حال والدين الحال لا يتأجل فله مطالبته به في الحال مطلقاً، كسائر الديون الحالة، وأيضاً لأن القرض عقد منع فيه من التفاضل فمنع الأجل فيه كالصرف، فالشرط باطل وليس له مفعول لو اشترط وهذا هو قول الأكثر وعليه المذهب (٢).
القول الثاني: ما ذهب إليه جمع من أهل العلم وهو صحة اشتراط تأجيل القرض. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ (٣)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٤)، فلو قال المستقرض سأوفيك القرض بعد سنة صح هذا الشرط، فإذا رضي المقرض فإنه يثبت الأجل ويكون لازماً ولا يحل للمقرض أن يطالب المستقرض حتى يحل الأجل، لكن إن أطلق ولم يحدد السداد فالأصل أنه حال إلا أن يكون المقترض معسراً فإنه ينظره.
(٢) قوله «وَلا يَجُوْزُ شَرْطُ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْرِضُ»: كأن يقول للمقترض أقرضك المبلغ على أن أسكن بيتك لمدة سنة، فهذا القرض جر نفعاً للمقرض فهو حرام.
стр. 1035
إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَهْنًا، أَوْ كَفِيْلاً (١) وَلا تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَهُمَا عَادَةً بِهَا، قَبْلَ الْقَرْضِ (٢).
ــ
=لكن إن اشترط المقرض على المقترض مالاً زيادة فيه على المقترض مما ينتفع به المقرض، كأن يقول له - أي المقرض - أقرضك الذي تريد بشرط أن توفيني به في مكان كذا، فهذا قد اختلف فيه الفقهاء، والصحيح عندي: أن هذا جائز بشرط أن لا يكون في حمله مؤونة لأن المقرض لم يأته زيادة على ما أقرضه، لكن اختلف في المكان فقط، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى.
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَهْنًا، أَوْ كَفِيْلاً»: كما مر بنا في السلم فيجوز أن يقرضه على أن يأخذ رهناً عنده لأن النبي ﷺ رهن درعه على شعير أخذه لأهله ويجوز أيضاً للمقرض أن يشترط وجود كفيل يضمن به المقرض ويرجع إليه عند المماطلة أو عدم رد القرض. فالحاصل أن الرهن أو الكفيل توثيق لاستيفاء القرض، وليس فيهما زيادة على المقترض وكذلك لا نفع زائد للمقرض.
(٢) قوله «وَلا تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَهُمَا عَادَةً بِهَا، قَبْلَ الْقَرْضِ»: أي لا يجوز للمقرض أن يقبل هدية من المقترض قبل الوفاء إلا ما استثناه المؤلف من جريان العادة بذلك قبل القرض مثال ذلك: أن يكون الذي عليه القرض صاحباً للمقرض، وجرت العادة أنه إذا سافر أن يعطي المقرض هدية بعد رجوعه من السفر، فلما رجع المقترض من سفره أعطى هدية للمقرض فهذا لا بأس، وكذلك إذا جرت العادة أنهما يتبادلان الهدايا بعضهم مع بعض فلا بأس، لأن الحامل له ليس الاقتراض، بل الحامل له=
стр. 1036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=المودة والمصاحبة بينه وبين صاحبه أما إذا لم تكن هناك عادة بينهما فإنه لا يحل للمقرض قبول هدية المقترض قبل وفاء القرض، دليل ذلك ما جاء عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ﵁ فَقَالَ أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا» (١).
والعلة في المنع من ذلك أيضاً سد الذرائع لأخذ الزيادة في القرض، الذي موجبه رد المثل، أو يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين، فيكون ربا، لأنه يعود عليه ماله مع أخذ الفضل الذي استفاده. أما إذا أخذ المقرض ما أهداه إليه المقترض بنية احتساب ما أعطاه من الدين أو بنية أن يكافئه عليه فإنه يجوز.
ونذكر هنا بعض المسائل التي لم يتعرض لها المؤلف في باب القرض:
المسألة الأولى: إذا أقرضه وشرط عليه الوفاء ببلد آخر: هذه المسألة لها حالتان:
الأولى: ما يكون لحملة مؤونة، فهذا لا يصح قولاً واحداً لأنه قرض جر نفعاً، كما لو أقرضه براً أو تمراً وشرط عليه الأداء في بلد آخر، فلا يجوز لأنه أراد أن يسلم من أجرة نقله «وكل قرض جر نفعاً فهو ربا».
الثانية: إذا لم يكن لحمله مؤونة كالنقود فهذه موضع خلاف بين أهل العلم.
القول الأول: المنع من ذلك لأنه قرض جر نفعاً فاستفاد المقترض باستخدام هذه النقود في هذه البلدة وهذا قرض جر نفعاً.
стр. 1037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القول الثاني: جواز ذلك لأن النفع لم ينفرد به المقترض وإنما انتفع به الطرفان، لأن المقترض ربح من أمن الطريق والمقترض ربح بأنه استفاد من النقود واشترى بها فلا بأس، والممنوع النفع الذي للمقترض فقط ثم إن هذه المصلحة لم يكن بها ضرر، والشرع قد جاء بجلب المصالح.
وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ (١).
المسألة الثانية: في شروط صحة القرض: هناك شروط في المقرض، وشروط في المقترض: وشروط في القرض:
أولاً: شروط المقرض: يشترط في المقرض شروط قد سبق بيانها في أول كتاب البيوع, فلا بد أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه بأن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً، فلو كان صغيراً أو بالغاً سفيهاً فلا يصح إقراضه كما لا تصح سائر تصرفاته، وكذا لا يصح إقراض من حجر عليه لحظ الغرماء.
ثانياً: شروط المقترض: يشترط في المقترض أن يصادف القرض ذمة صالحة للتحمل وهل يجوز، إقراض جهة الوقف ونحوها على قولين، الصحيح جواز ذلك لكن لا بد فيه من إذن حاكم أو من ينوب عنه.
ثالثاً: ما يشترط في المال المقترض: ذكرنا ذلك في ثنايا شرحنا وقلنا إنه يشترط أن يكون المال المقترض مثلياً كالمكيل والموزون والمذروع.
وقد اختلف (٢) الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: يشترط أن يكون المال المقترض مثلياً ولا يجوز في غيره لأن المطلوب =
стр. 1038
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= رد المثل ولا يكون إلا في المكيل أو الموزون.
الثاني: كل ما جاز فيه السَّلَم جاز فيه القرض سواء كان مثلياً أم لم يكن مثلياً.
الثالث: أن كل ما صح بيعه صح قرضه حتى ولو لم يجز فيه السلم كالجواهر والأشياء التي لا تنضبط بالوصف، وهذا هو الصحيح.
المسألة الثالثة: هل يجوز إقراض المنافع؟
الجمهور (١) على أنه لا يجوز إقراض المنافع كأن يقول أحصد عندي هذا اليوم وأحصد عندك غداً، أو يسكنه داراً ليسكنه الأخر بدلها.
وأجاز شيخ الإسلام ﵀ (٢) ذلك، وهو الصحيح لأن المنفعة لها حكم المال، ويقصد لها ما يقصد من المال، فيجوز إقراض المنافع والتفاوت اليسير لا يضر، ولأن الأصل في المعاملات الإباحة، ولأن المنافع تجوز المعاوضة عنها فيجوز قرضها.
المسألة الرابعة: في قرض الخبز: أجاز الفقهاء قرض الخبز ولا يشترط فيه الوزن لأنه مما يتسامح فيه، لكن يعتبر فيه العدد ومثله أنواع الخبز كالقرصان ونحوه، والتفاوت اليسير لا يضر، وهذا هو قول جمهور الفقهاء (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٤)، ومنع أبو حنيفة (٥) ذلك.
стр. 1039
بَابُ أَحْكَامِ الدَّيْنِ (١)
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ أَحْكَامِ الدَّيْنِ»: لما ذكر المؤلف ﵀ أحكام القرض ناسب أن يلحق بها أحكام الدين، لأن القرض أصل، والدين فرع عليه، فإذا وقع القرض وحصل الدين فهناك آثار تترتب على القرض والدين، فقد يكون الشخص الذي أخذ الدين معسراً أو طرأ عليه الإعسار، وقد يحكم بفلسه ومن ثم يحجر عليه في ماله وتصرفاته فيه، ومن هنا اعتنى المؤلف بأن يذكر باب أحكام الدين بعد القرض.
- فائدة: بيع الدين يشمل:
١ - بيع الدين لمن هو عليه بثمن حال: مثاله: يطلبه مائة ريال مؤجلة فيأخذ عنها سلعة قبل حلول الأجل أو يأخذ مبلغاً أقل، فهذا ما دام برضاهما وليس حيلة على الربا فالصواب جواز ذلك، ومنعه بعض أهل العلم.
٢ - بيع الدين لمن هو عليه بثمن مؤجل: مثاله: يطلبه مائة ريال فيأخذ عنها عشرة آصع من البر بعد سنة، فهذا محل خلاف، والصواب المنع.
٣ - بيع الدين لغير المدين بثمن حال كأن يكون على شخص عشرة آصع من البر بعد سنة فيبيعها على شخص آخر بمائة ريال حاله وهذا محل خلاف، والصواب: أنه إذا كان العوضان لا يجري فيها الربا فالقول بالجواز فيه تيسير وتسهيل ورفع للحرج.
٤ - بيع الدين لغير المدين بثمن مؤجل: كأن يكون له على شخص عشرة آصع من البر فيبيعها على شخص ثالث بمائة ريال بعد سنة، فهذا محل خلاف. =
стр. 1040
مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ (١)، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ (٢)، وَلَمْ يَحِلَّ بِفَلَسِهِ (٣)، وَلا بِمَوْتِهِ، إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيْلٍ (٤)،
ــ
=والصواب: عدم الجواز إلا إذا كان الدين حالا ولم يبعه بشيء ربوي فهنا لو قيل بالجواز لكان فيه وجه.
٥ - بيع الدين بالدين ابتداء مثل السلم ولا يسلم الثمن فهذا لا يجوز.
(١) قوله «مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ»: لأن المدين لا يلزمه أداؤه قبل أجله بل ولا يحل للدائن أن يطالب به قبل حلول أجل الدين حتى ولو أفلس المدين قبل وقت السداد، دليل ذلك قوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١)، وصاحب الدين قد رضي بتأجيله، فيجب عليه الانتظار حتى يحل الأجل.
(٢) قوله «وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ»: لأن المدين لا يستحق المطالبة به قبل موعده ولأن الأجل حق للمدين، فلم يملك منعه من ماله بسببه.
(٣) قوله «وَلَمْ يَحِلَّ بِفَلَسِهِ»: أي لا يحكم من أجل هذا الدين المؤجل ولا يتحول حالا إذا أفلس المدين، بل يبقى الدين إلى أجله لأن الأجل حق للمدين فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه.
(٤) قوله «وَلا بِمَوْتِهِ، إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيْلٍ: أي لا يحل الدين المؤجل بموت المدين لكن من حق الدائن أن يطلب توثيق الدين برهن أو كفيل.
مثال ذلك: رجل عليه دين قدره مائة ألف ريال تحل بعد سنة، ثم مات الرجل قبل حلول أجل الدين فهل يحل الدين؟
نقول: لا؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بأعيانه وأوصافه, ومن أوصافه أنه =
стр. 1041
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=مؤجل، فالحق للورثة الآن فلو قال الورثة لا نوفيك الآن لأن أجل الدين لم يحل بعد فالقول قولهم، فإن خشي الدائن أن يقسم الورثة التركة فيضيع حقه فقال اجعلوا لي رهناً, فقالوا هذا البيت رهن لك وهذا البيت ثمنه يكفي الدين فللدائن ذلك، فإن قالوا لا نرهنك شيئاً فقال قدموا لي كفيلاً قالوا هذا فلان يكفل دينك فإن كان الكفيل مليئاً أي يستطيع أن يوفي الدين بماله وقوله وبدنه قبل وإلا فلا.
فالحاصل أنه إذا أفلس الرجل المدين فإنه لا يحل دينه ويبقى مؤجلاً، فإن مات ففي ذلك تفصيل، إن وثَّق الدين برهن يكفي أو بكفيل مليء فالدين باق لا يحل لأنه لا ضرر على صاحب الدين، أما إذا لم يوثق برهن أو كفيل مليء فإنه يحل الدين، لئلا يضيع حقه.
قلت: وفي رواية أخرى في المذهب (١) أن الدين يصبح حالا بموت المدين وعللوا لذلك بأن في بقائه ضرراً على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث لمنعه من التصرف في التركة، وعلى الغريم بتأخير حقه، وربما تلفت التركة والحق يتعلق بها، وقد لا يكون للورثة قدره على السداد فيؤدي تصرفهم إلى هلاك الحق.
قلت: والأظهر عندي: ما ذهب إليه المؤلف اللهم إلا إذا كان الورثة يريدون أن يتخلصوا من الديون التي على المدين ويريدون تعجيل الدين فهذا أفضل وأحسن.
стр. 1042
إِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، أَوِ الْغَزْوَ تَطَوُّعًا، فَلِغَرِيْمِهِ مَنْعُهُ، إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ بِذلِكَ (١)، وَإِنْ كَانَ حَالاًّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَجَبَ إِنْظَارُهُ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، أَوِ الْغَزْوَ تَطَوُّعًا، فَلِغَرِيْمِهِ مَنْعُهُ، إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ بِذلِكَ»: أي إذا أراد المدين أن يسافر والدين يحل أجله قبل عودته من السفر، فللغريم منعه إلا أن يوثق ذلك برهن أو كفيل، ولكن إذا كان سيرجع قبل موعد السداد ففي ذلك روايتان في المذهب (١).
الأولى: أنه له منعه لأن رجوعه مرة أخرى من سفره غير متيقن ولا ظاهر فيملك منعه منه.
الثانية: ليس له منعه لأنه لا يملك المطالبة به في الحال ولا يعلم أن السفر مانع منه عند الحلول فأشبه السفر القصير.
(٢) قوله «وَإِنْ كَانَ حَالاًّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَجَبَ إِنْظَارُهُ»: لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ .. ﴾ (٢)، وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ». فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ» (٣)، وقوله عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ .. » (٤) فبمفهومه أن غير الواجد لا تحل عقوبته فلا يجوز مطالبة المدين المعسر بل تحرم مطالبته بالدين والحجر عليه ما دام معسراً، وفي إنظار المعسر فضل، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: =
стр. 1043
وَإِنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، حُلِّفَ، وَخُلِّيَ سَبِيْلُهُ (١)، إِلاَّ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذلِكَ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ (٢)، وَإِنْ كَانَ مُوْسِرًا بِهِ، لَزِمَهُ وَفَاؤُهُ (٣)،
ــ
= سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ» (١). وعلى ذلك ما تقوم به المصارف الربوية من إعادة جدولة الديون, فيقوم البنك بزيادة الدين على المدين المعسر, أو بيع الدين على المدين بذهب أو فضة أو نقد مؤجل أكثر من مقدار الدين كل هذا ربا, بل هو ربا الجاهلية الذي جاءت نصوص الكتاب والسنة بالنهي عنه, لأنه بيع نقد حال بنقد مؤجل أكثر منه.
(١) قوله «وَإِنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، حُلِّفَ، وَخُلِّيَ سَبِيْلُهُ»: أي فإن ادعى المدين أنه معسر لزمه أن يحلف أنه معسر ثم يخلى سبيله وذلك لأن الإعسار هو الأصل.
(٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذلِكَ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ»: أي فلا يقبل دعواه أنه معسر لأن الأصل بقاء المال, فدعوى أنه معسر تحتاج إلى بينة من شهود أو ما يثبت ذلك، فيحبس حتى يأتي ببينة على إعساره ونفاد ماله, وعليه مع البينة اليمين أنه معسر لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال.
(٣) قوله «وَإِنْ كَانَ مُوْسِرًا بِهِ، لَزِمَهُ وَفَاؤُهُ»: أي إن كان المدين موسراً وحل الأجل لسداد الدين فإنه يلزمه الوفاء لقوله ﷺ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍّ فَلْيَتْبَعْ» (٢)، ولأنه حق واجب عليه فلزمه أداؤه.
стр. 1044
فَإِنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ (١)، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ لا يَفِيْ بِدَيْنِهِ كُلِّهِ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُمْ (٢)، فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِيْ مَالِهِ (٣)
ــ
(١) قوله «فَإِنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ»: أي أبى المدين عن سداد الدين لا لإعساره وإنما مماطلة فإنه يحبس لذلك حتى يوفي الدَّين، دليل ذلك قوله ﷺ «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ .. » (١) , أي مطل الغني يحل عرضه فيغلظ عليه وينسب إلى سوء القضاء ويقول له أنك ظالم ومتعد, ومع ذلك تجب عقوبته بأن يحبس حتى يؤدي الحق.
(٢) قوله «فَإِنْ كَانَ مَالُهُ لا يَفِيْ بِدَيْنِهِ كُلِّهِ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُمْ»: مما سبق يتضح لنا أن المدين له ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون معسراً.
الثانية: أن يكون غير معسرٍ.
الثالثة: أن يكون ماله لا يفي بما عليه وهو مراد المؤلف هنا.
مثال ذلك: رجل له ألف ريال وهو مطالب بألفين، فالمال الذي عنده لا يفي بما عليه حالاً، فماذا نصنع؟
نقول: إذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه فإنه يلزمه إجابتهم وذلك حماية لحقهم وحماية لذمة المدين حتى لا تبقى ذمته معلقة ومشغولة بالدين دائماً.
(٣) قوله «فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِيْ مَالِهِ»: أي لا يعتد بتصرفه في ماله ببيع ولا شراء ولا تأجير ولا هبة ولا رهن ولا وقف وغير ذلك، فأي تصرف في المال بعد الحجر عليه لا يصح لأن أمواله أصبحت مشغولة بحقوق الغرماء.
стр. 1045
وَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ (١)، وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ قَضَاءَ دَيْنِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ»: أي لا يصح بعد الحجر أن يقر على شيء من ماله الذي بيده، ويصح إقراره في ذمته.
مثال ذلك: لو قال «هذه السيارة لفلان»، فلا يقبل إقراره هنا بعد الحجر عليه لكن يقبل في ذمته، بمعنى أننا نقول له هذه السيارة تباع ويوفي منها الدين، وأما الذي أقر له بالسيارة فيطالبه بعد فك الحجر عليه.
لكن ما الحكمة من قوله لا يقبل إقراره؟
نقول: لأنه قد يتواطأْ الغريم وآخر على الإقرار، بأن هذا شيء للآخر من أجل ألا يباع في دينه.
مثاله: شخص محجوز عليه وعنده سيارة تساوي خمسين ألفاً فجاءه صاحب له وقال يا فلان أقر بأن هذه السيارة لي من أجل ألا تباع في الدين، فهنا لا يؤخذ إقراره بذلك.
(٢) قوله «وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ قَضَاءَ دَيْنِهِ»: دليل ذلك ما جاء عن بلال بن الحارث قال: كان رجل يغالي بالرواحل ويسبق الحاج حتى أفلس، قال فخطب عمر بن الخطاب فقال: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَنْ يُقَالَ سَبَقَ الْحَاجُّ إِلاَّ أَنَّهُ قَدِ أَدَّانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ وَقَدْ رِينَ بِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ» (١)، والمراد بالحاكم هنا القاضي.
ولكن هل يتولى القاضي بنفسه البيع ؟
الجواب: لا لكن يأمر من يبيع ماله، المهم أنه يبيع ما يمكن بيعه وتقسم بين=
стр. 1046
وَيَبْدَأُ بِمَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ مِنْ رَقِيْقِهِ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَةِ الْجَانِيْ، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ دَيْنِهِ (١)
ــ
=غرمائه على ما سيذكره المؤلف.
- فائدة: يشترط أن لا يكون ماله من جنس الدين , فإن كان من جنس الدين فإنه لا يبيعه، لأنه لا حاجة للبيع حينئذ، ولأن البيع قد يضر المحجور عليه.
(١) قوله «وَيَبْدَأُ بِمَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ مِنْ رَقِيْقِهِ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَةِ الْجَانِيْ، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ دَيْنِهِ»: لأن الأرش تعلق برقبة العبد الجاني, فإن كان للمفلس عبد جاني بدأ الحاكم في القسمة بأرش الجناية، سواء كانت الجناية قبل الحجر أو بعده لأن الحق كما ذكرنا تعلق بحق الجاني يفوت بفواتها بخلاف بقية الغرماء فيعطي المجني عليه الأقل من قيمته أي قيمة العبد الجاني أو الأقل من قدرها أي قدر الجناية وهي الأرش ولا شيء عليه إلا الأقل منهما، فإن بقي شيء من ثمن الجاني عن أرش الجناية قسم على بقية الغرماء، فإن كان الجاني هو المفلس فالمجني عليه أسوة الغرماء فيضرب له معهم بأرش الجناية سواء كانت قبل الحجر أو بعده.
مثال ذلك: أن يكون للمفلس عبد قد جني جناية على عبد آخر فقُدرت قيمة الجناية بعشرة ألاف, وكانت قيمة هذا العبد الجاني خمسة عشر ألفاً, فإنه يدفع لسيد العبد المجني عليه قيمة الجناية هي عشرة ألاف, لأنها أقل من قيمة العبد الجاني, ثم يقدم بعد من له أرش جناية من له رهن في دين.
كأن يكون رهنه منزلاً, فيدفع لهذا الدائن الذي عنده رهن الأقل من قيمة هذا الرهن أو الدين.
стр. 1047
أَوْ ثَمَنِ رَهْنِهِ، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيْ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ (١)، ثُمَّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ الَّذِيْ بَاعَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (٢)
ــ
(١) قوله «أَوْ ثَمَنِ رَهْنِهِ، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيْ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ»: أي ثم يعطي الغرماء، فيبدأ بمن له رهن مقبوض للمفلس مقابل دين، فيخصه الحاكم بثمنه، بأن يبيعه ويعطيه ثمنه إن كان بقدر دينه أو أقل، فإن كان المرهون لم يوفي حق المرتهن بعد أخذه ثمن الرهن فإنه يضرب له مع الغرماء لأنه ساواهم في ذلك وإن بقي من الرهن مال رد عليَّ بقية أموال المفلس.
مثال ذلك: أن يكون على رجل دين مقداره مائة ألف ريال، وقد رهن المدين منزلاً لصاحب الدين قيمته خمسون ألفاً، فهنا يعطي المدين خمسين ألفاً التي هي قيمة الرهن, أما الباقي من الدين وهي خمسون ألفا المتبقية فتكون بالنسبة مع بقية الغرماء.
والحجة في تقديم من معه الرهن على غيره من الغرماء، أن دين الدائن قد تعلق بالرهن وبذمة المفلس معاً، بخلاف باقي الغرماء فإن دينهم متعلق بذمة المفلس فقط، فكان حقه أقوى من غيره.
(٢) قوله: «ثُمَّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ الَّذِيْ بَاعَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»: كأن يكون المحجور عليه اشترى من أحد الغرماء ساعة أو كتاباً أو سيارة ونحو ذلك، فلما حجر على المدين وجد هذه السلعة بعينها عند المدين فهو أحق بهذه العين من =
стр. 1048
وَيُقَسَّمُ الْبَاقِيْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُوْنِهِمْ (١)،
ــ
=غيره، لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (١). لكن يشترط لذلك شروطٌ:
١ - أن تكون بحالها سالمة لم يتلف بعضها.
٢ - أن لا تزيد زيادة متصلة كالسِمن والكبر وتعلم صنعة، وهذا الشرط على روايتين في المذهب (٢) أصحها عدم اشتراطه لأن النماء إنما كان في ملكه فكانت له كما لو ردها بعيب.
٣ - أن لا يكون البائع قد أخذ من ثمنها شيئاً، فإن قبض بعض ثمنها فلا رجوع له، دليل ذلك ما ثبت عن أبي هريرة ﵁ أن النبي قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ أَفْلَسَ وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ» (٣).
٤ - ألا يتعلق بها حق غير حق المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع لأنه تعلق بها حق غيره.
٥ - أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء.
(١) قوله «وَيُقَسَّمُ الْبَاقِيْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُوْنِهِمْ»: أي يقوم القاضي بتقسيم ما بقي من المبيع بقدر ديون الغرماء، ويكون تقسيم ذلك بأن يقسم الباقي من الديون بالنِسَبِ، فما حصل من النسب فهو لكل واحد من دينه.=
стр. 1049
وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى أَنْ يُقْسَمَ (١)، وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوْا (٢).
ــ
=مثال ذلك: الدين عشرة آلاف ريال والموجود من باقي المبيع ثمانية، فينسب الثمانية إلى العشرة تكون أربعة أخماس، فلكل واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله، فمن له ألف نعطيه ثمانمائة، ومن له مائة نعطيه ثمانين، وهكذا.
(١) قوله «وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى أَنْ يُقْسَمَ»: أي إذا حجر على المفلس انفق عليه وعلى من تلزمه نفقته كزوجته ووالديه وأولاده وعبيده ينفق عليهم من ماله إلى أن يقسم بين الغرماء، وإن طالت المدة لأن ملكه باق عليه قبل القسمة ومن النفقة كسوته وكسوة عياله على الصحيح من المذهب (١) إذا لم يكن له كسب، فإن كان له كسب لم يترك شيء من النفقة.
(٢) قوله «وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوْا»: أي ولو وجب للمفلس حق على أحد بشاهد واحد عدل فأبى المفلس أن يحلف مع هذا الشاهد ليثبت الحق له لم يجبر، لأننا لا نعلم صدق الشاهد، فإذا قال الغرماء نحن نحلف مع الشاهد على أن هذا حقه لم يكن لهم ذلك لأنهم يثبتون ملكاً لغريمهم تتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز لهم ذلك.
- فائدة: إن ظهر غريم بعد قسمة مال المحجور عليه: فإنه يرجع على الغرماء بقسطه.
مثال ذلك: رجل عليه دين ثمانية ألاف ومجموع ما عنده ستة ألاف تم =
стр. 1050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تقسيمها على الغرماء، ثم ظهر غريم له أربعة ألاف فهنا نضم دينه إلى الدين السابق فيصير اثني عشر ألف، ونسبة الدين الذي ظهر إلى مجموع الدين الثلث فيرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
стр. 1051
بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ (١)
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ»: الحوالة والضمان هما بابان من أبوب الفقه وقد جمعهما المؤلف مع أن الأكثر على إفراد كل باب على حده، ولعل المؤلف ﵀ لما راعى الاختصار في كتابه، ورأى قرب الحوالة من الضمان في بعض الأحكام جمعهما في باب واحد.
والحوالة في اللغة: التحويل، أو التحول من أحال. والأصل: حوالة.
أما في الاصطلاح: فهي نقل دين من ذمة إلى ذمة.
وصورتها أن يكون لشخص دين على آخر فيطلبه منه فيقول له المدين اذهب إلى فلان, فإن لي عنده ديناً مماثلاً لدينك الذي في ذمتي, فليعطك إياه سداداً لدينك الذي عليّ.
أما حكمها الشرعي: فهي ثابتة بالسنة والإجماع.
أما دليل السنة فقوله ﷺ «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (١)، وقوله أيضاً: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍّ فَلْيَتْبَعْ» (٢).
فأمر النبي ﷺ من أحيل بحقه أن يقبل الحوالة ويتبع المحال عليه لأخذ حقه منه.
أما الإجماع فقد نقل صاحب المغني (٣) الإجماع على مشروعية الحوالة في الجملة.
стр. 1052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بهذا الباب:
- الفائدة الأولى: اختلف الفقهاء في حقيقة الحوالة هل هي نوع من الاستيفاء أم هي بيع؟
والصحيح: أنها استيفاء؛ أي عقد إرفاق ليست من باب بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس إيفاء الحق.
- الفائدة الثانية: الحوالة يتعلق بها ثلاثة أطراف:
المحال: وهو صاحب الحق ويقال له المحتال.
المحيل: وهو من عليه حق وله حق.
المحال عليه: وهو من عليه حق للمحيل, ونضرب مثالاً للتقريب: شخص - المحال - يطلبني بألف ريال ولي - المحيل - عند زيد من الناس ألف ريال فجاء إليَّ صاحب الدين الذي عليّ يطلبني الألف ريال فقلت له اذهب إلى زيد - المحال عليه - فإن لي عنده ألف ريال فخذها منه, فهذه صورة الحوالة.
- الفائدة الثالثة: يشترط رضا المحيل فقط، أما المحال والمحال عليه، فلا يشترط رضاهم، لأن المحيل لا يتعين عليه أن يسدد من دينه الذي على الناس، فلو أكره على الحوالة لم تصح، ولا ضرر على المحيل عليه في ذلك لأن الحق سيؤخذ منه سواء من المحيل أم المحال، والمحال لا ضرر عليه، لأنه سيأخذ حقه سواء من المحيل أم المحال عليه.
- الفائدة الرابعة: يشترط لصحة الحوالة شروط هي:
١ - اتفاق الدينين: ويكون اتفاق الدينين في ثلاث صور:
٢ - الجنس: كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والطعام بالطعام، وإذا=
стр. 1053
وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ (١)
ــ
=اختلف الجنس لم تكن حوالة وإنما هي صرف.
٣ - الصفة: فلو أحال بمكسرة على صحيحة، أو برديء على جيد، أو العكس لم تصح لاختلافهما في الوصف.
٤ - الحلول والتأجيل: فإن اختلف الدينان في الحلول والتأجيل لم يصح، فلو أحال بدين حال على مؤجل أو مؤجل على حال لم يصح، فلا بد أن يكونا حالين أو مؤجلين إلى أجل واحد، حتى ولو حصل الرضا لأن هذا يقلبه إلى بيع.
٥ - أن تكون الحوالة على دين مستقر - ثابت -: أما الدين الذي هو عرضة للفسخ فلا تصح فيه.
فلا تصح في دين السلم، ودين الكتابة كمن أحال على مكاتب لأن العبد يملك الفسخ، وكذا المرأة إذا أحالت بصداقها قبل الدخول بها لأن الصداق لا يستقر إلا بالدخول.
٦ - رضا المحيل: وقد سبق بيان ذلك في الفائدة التي قبل هذا.
٧ - أن تكون الحوالة بمال معلوم: فلو كان المحال به مجهولاً لم يصح، فيقول مثلاً: «أحيلك بألف ريال لي عند فلان» حتى يمكن الإلزام به، أما الحق المبهم كقوله «أحلتك بحقي على فلان» فلا يصح.
(١) قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ»:
أي من أحيل بدينه على من عليه مثله أي بالشروط المذكورة آنفا فرضي المحيل فقد بريء المحيل براءة تامة ولا يعتبر في صحة الحوالة رضا المحتال - صاحب الحق - إن أحاله على شخص مليء غير مماطل كما سيذكر ذلك المؤلف.
стр. 1054
وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ (١)
ــ
(١) قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ» (١): أي وجب عليه قبول الحوالة إذ لا ضرر عليه، وهذا هو المذهب (٢)، وهو قول الظاهرية (٣).
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر هنا للاستحباب لا للوجوب وأن المحتال لا يلزمه قبول الحوالة ولو على مليء لأن حقه في ذمة المحيل فلا يجوز نقله إلى غيره بغير رضاه.
والأظهر عندي: ما ذهب إليه أكثر العلماء إلى اعتبار رضا المحال, حتى لو أحيل على ملئ باذل, لأنه صاحب حق, فأنت ربما تحيلني على ملئ قادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه لكن له احترام عندي, فكيف تجبره، وهذا ما رجحه شيخنا ﵀ (٤).
والمليء: هو المليء بماله وقوله وبدنه، فالمليء بالمال أن يقدر على الوفاء، والمليء بالقول أي لا يكون مماطلاً، والمليء بالبدن أن يمكن حضوره إلى مجلس الحكم.
وقول المؤلف «وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ» مفهومه أنه إذا أحاله على غير مليء لم يجب عليه قبول الحوالة، لما عليه من الضرر فإن رضي بالحوالة على غير المليء وهو عالم به فليس له الرجوع على المحيل لدخوله في الأمر بالبصيرة، =
стр. 1055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فإن كان جاهلاً أو خدعه المحيل فله الرجوع.
ومعنى قوله ﷺ «مَلِيْءٍ» يعني غني غير مماطل.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: إذا تبين أن المحال عليه قد أعسر أو أنه قد مات فهل يرجع على المحيل؟ نقول فيه تفصيل: أن يكون المحال - صاحب الحق - لم يشترط يسار المحال عليه ففي هذه الحالة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يرجع أبداً وهو قول الجمهور (١)، لأن ذمة المحيل برئت والمحال لم يشترط يساراً.
قال الحافظ في الفتح في شرحه الحديث «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ»، قال: واستدل به على أن الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت, أو فلس، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع فيه، كما لو عوضه عن دينه بعوض، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له الرجوع (٢).
القول الثاني: أنه يرجع مطلقاً في حالة الموت وفي حالة الإعسار، لأن أصل الدين ثابت في ذمة المحيل، فلما لم يحصل عليه من المحال عليه رجع إلى الأصل وهو المحيل وهذا رواية في المذهب (٣).