← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ»: الحوالة والضمان هما بابان من أبوب الفقه وقد جمعهما المؤلف مع أن الأكثر على إفراد كل باب على حده، ولعل المؤلف ﵀ لما راعى الاختصار في كتابه، ورأى قرب الحوالة من الضمان في بعض الأحكام جمعهما في باب واحد. والحوالة في اللغة: التحويل، أو التحول من أحال. والأصل: حوالة. أما في الاصطلاح: فهي نقل دين من ذمة إلى ذمة. وصورتها أن يكون لشخص دين على آخر فيطلبه منه فيقول له المدين اذهب إلى فلان, فإن لي عنده ديناً مماثلاً لدينك الذي في ذمتي, فليعطك إياه سداداً لدينك الذي عليّ. أما حكمها الشرعي: فهي ثابتة بالسنة والإجماع. أما دليل السنة فقوله ﷺ «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (١)، وقوله أيضاً: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍّ فَلْيَتْبَعْ» (٢). فأمر النبي ﷺ من أحيل بحقه أن يقبل الحوالة ويتبع المحال عليه لأخذ حقه منه. أما الإجماع فقد نقل صاحب المغني (٣) الإجماع على مشروعية الحوالة في الجملة.

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكر بعض الفوائد المتعلقة بهذا الباب: - الفائدة الأولى: اختلف الفقهاء في حقيقة الحوالة هل هي نوع من الاستيفاء أم هي بيع؟ والصحيح: أنها استيفاء؛ أي عقد إرفاق ليست من باب بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس إيفاء الحق. - الفائدة الثانية: الحوالة يتعلق بها ثلاثة أطراف: المحال: وهو صاحب الحق ويقال له المحتال. المحيل: وهو من عليه حق وله حق. المحال عليه: وهو من عليه حق للمحيل, ونضرب مثالاً للتقريب: شخص - المحال - يطلبني بألف ريال ولي - المحيل - عند زيد من الناس ألف ريال فجاء إليَّ صاحب الدين الذي عليّ يطلبني الألف ريال فقلت له اذهب إلى زيد - المحال عليه - فإن لي عنده ألف ريال فخذها منه, فهذه صورة الحوالة. - الفائدة الثالثة: يشترط رضا المحيل فقط، أما المحال والمحال عليه، فلا يشترط رضاهم، لأن المحيل لا يتعين عليه أن يسدد من دينه الذي على الناس، فلو أكره على الحوالة لم تصح، ولا ضرر على المحيل عليه في ذلك لأن الحق سيؤخذ منه سواء من المحيل أم المحال، والمحال لا ضرر عليه، لأنه سيأخذ حقه سواء من المحيل أم المحال عليه. - الفائدة الرابعة: يشترط لصحة الحوالة شروط هي: ١ - اتفاق الدينين: ويكون اتفاق الدينين في ثلاث صور: ٢ - الجنس: كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والطعام بالطعام، وإذا=

стр. 1053

وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ (١) ــ =اختلف الجنس لم تكن حوالة وإنما هي صرف. ٣ - الصفة: فلو أحال بمكسرة على صحيحة، أو برديء على جيد، أو العكس لم تصح لاختلافهما في الوصف. ٤ - الحلول والتأجيل: فإن اختلف الدينان في الحلول والتأجيل لم يصح، فلو أحال بدين حال على مؤجل أو مؤجل على حال لم يصح، فلا بد أن يكونا حالين أو مؤجلين إلى أجل واحد، حتى ولو حصل الرضا لأن هذا يقلبه إلى بيع. ٥ - أن تكون الحوالة على دين مستقر - ثابت -: أما الدين الذي هو عرضة للفسخ فلا تصح فيه. فلا تصح في دين السلم، ودين الكتابة كمن أحال على مكاتب لأن العبد يملك الفسخ، وكذا المرأة إذا أحالت بصداقها قبل الدخول بها لأن الصداق لا يستقر إلا بالدخول. ٦ - رضا المحيل: وقد سبق بيان ذلك في الفائدة التي قبل هذا. ٧ - أن تكون الحوالة بمال معلوم: فلو كان المحال به مجهولاً لم يصح، فيقول مثلاً: «أحيلك بألف ريال لي عند فلان» حتى يمكن الإلزام به، أما الحق المبهم كقوله «أحلتك بحقي على فلان» فلا يصح. (١) قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ»: أي من أحيل بدينه على من عليه مثله أي بالشروط المذكورة آنفا فرضي المحيل فقد بريء المحيل براءة تامة ولا يعتبر في صحة الحوالة رضا المحتال - صاحب الحق - إن أحاله على شخص مليء غير مماطل كما سيذكر ذلك المؤلف.

стр. 1054

وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ (١) ــ (١) قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ» (١): أي وجب عليه قبول الحوالة إذ لا ضرر عليه، وهذا هو المذهب (٢)، وهو قول الظاهرية (٣). وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر هنا للاستحباب لا للوجوب وأن المحتال لا يلزمه قبول الحوالة ولو على مليء لأن حقه في ذمة المحيل فلا يجوز نقله إلى غيره بغير رضاه. والأظهر عندي: ما ذهب إليه أكثر العلماء إلى اعتبار رضا المحال, حتى لو أحيل على ملئ باذل, لأنه صاحب حق, فأنت ربما تحيلني على ملئ قادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه لكن له احترام عندي, فكيف تجبره، وهذا ما رجحه شيخنا ﵀ (٤). والمليء: هو المليء بماله وقوله وبدنه، فالمليء بالمال أن يقدر على الوفاء، والمليء بالقول أي لا يكون مماطلاً، والمليء بالبدن أن يمكن حضوره إلى مجلس الحكم. وقول المؤلف «وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ» مفهومه أنه إذا أحاله على غير مليء لم يجب عليه قبول الحوالة، لما عليه من الضرر فإن رضي بالحوالة على غير المليء وهو عالم به فليس له الرجوع على المحيل لدخوله في الأمر بالبصيرة، =

стр. 1055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = فإن كان جاهلاً أو خدعه المحيل فله الرجوع. ومعنى قوله ﷺ «مَلِيْءٍ» يعني غني غير مماطل. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: إذا تبين أن المحال عليه قد أعسر أو أنه قد مات فهل يرجع على المحيل؟ نقول فيه تفصيل: أن يكون المحال - صاحب الحق - لم يشترط يسار المحال عليه ففي هذه الحالة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يرجع أبداً وهو قول الجمهور (١)، لأن ذمة المحيل برئت والمحال لم يشترط يساراً. قال الحافظ في الفتح في شرحه الحديث «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ»، قال: واستدل به على أن الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت, أو فلس، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع فيه، كما لو عوضه عن دينه بعوض، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له الرجوع (٢). القول الثاني: أنه يرجع مطلقاً في حالة الموت وفي حالة الإعسار، لأن أصل الدين ثابت في ذمة المحيل، فلما لم يحصل عليه من المحال عليه رجع إلى الأصل وهو المحيل وهذا رواية في المذهب (٣).

стр. 1056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القول الثالث: أنه يرجع على المحيل في حالة واحدة هي حالة الإفلاس إذا لم يعلم بالواقع، أما إذا علم بها حال الحوالة سواء بإقراره أو قامت البينة على ذلك فلا رجوع. والأظهر عندي: أن في ذلك تفصيلاً: وهو أن المحال إن علم أن المحال عليه مفلس، ورضي بذلك فلا يرجع بلا خلاف وإن علم أنه مفلس ولم يقبل الإحالة عليه فله الرجوع بلا خلاف، وإن جهل حاله وكانت حالته جيدة فقبل حاله، لأنه كان غنياً بالأمس، ثم تبين أنه قد أفلس فقد اختلف فيه الفقهاء، والأقرب عندي أن له الرجوع، وكذلك لو ظنه غير مماطل فتبين أنه مماطل وهذا هو ما رجحه شيخنا ﵀ (١). إذا شرط اليسار ثم تبين أنه مفلس فعلى قولين عند الفقهاء: الأول: أن له الرجوع لقوله ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٢). الثاني: أنه لا يرجع، وهو قول في المذهب (٣) لأن الحق انتقل من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه بالحوالة، ولأنها صدرت مستوفية لشروطها فلا يرجع ولا يعتبر الشرط. والراجح عندي: أنه متى اشترط ذلك في الحوالة ثم تبين خلافه فله الرجوع لقوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (٤). - الفائدة الثانية: إذا أحال على شخص وتبين أنه ليس له دين عليه أو أنه=

стр. 1057

وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ، وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا (١) ــ = قد سدد أو أحال على بنك وليس له فيه رصيد: نقول لا تصح الحوالة، لأن من شروطها كما سبق أنها تكون على دين مستقر، فلا تصح على دين غير مستقر، فإحالته على غير دين من باب أولى. - الفائدة الثالثة: لو أحاله على شخص ليس عليه دين من باب الثقة فهل تكون حوالة؟ ليست حوالة، ولصاحب الحق الرجوع إذا لم يقبل الطرف الثاني تسديد الدين. (١) قوله «وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ ، وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا»: هذا هو الشق الثاني من تبويب المؤلف وهو الضمان - الكفالة -. والضمان تعريفه في اللغة: مصدر ضمن، يضمن ضماناً، مأخوذ من الضم، لأنه ضم ذمة إلى ذمة. أما في الشرع: فهو التزام المرء ما وجب أو يجب على غيره من حق. فقولنا التزام المرء ما وجب أي أن يلتزم إنسان يصح تبرعه ما وجب على غيره كثمن بيع أو قرض أو قيمة متلف ونحوه مع بقائه على مضمون عنه، فلا يسقط بالضمان. مثاله: أن يكون على شخص لآخر مال، فيمسكه صاحب الدين فيقول له أعطني ديني وإلا رفعت أمرك للسلطان، فيأتي إنسان آخر فيقول أنا أضمن ما عليه. وقولنا «مع بقائه على مضمون عنه»: أي لم تبرأ ذمة المضمون عنه إلا بالإيفاء فلا يسقط بمجرد الضمان. وقولنا «أو يجب على غيره من حق»: أي ما قد يجب مستقبلاً كجعل على=

стр. 1058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =عمل أو ثمن بيع مستقبل كأن يقول للبقال افتح له حساباً وأنا ضامنه. ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالضمان: - الفائدة الأولى في حكم الضمان: أما في حق المضمون عنه فهو جائز وفي حق الضامن فهو سنة مستحبة، لأنه من الإحسان، والله يحب المحسنين ولكنه سنة مقيدة بقدرة الضامن على الوفاء، فإن كان لا يستطيع الوفاء فلا ينبغي له ذلك لأنه يجلب مضرة على نفسه. - الفائدة الثانية: في أركان الضمان: للضمان أربعة أركان: الضامن؛ ويشترط فيه أوصاف خمسة: «أن يكون بالغاً - عاقلاً - رشيداً - حراً - راضياً بأن يكون ضامناً». مضمون عنه: وهو من يشترط فيه الأوصاف الأربعة السابقة عدا شرط الرضا، فلا يشترط فيه أن يكون راضياً لأنه ليس عليه ضرر، بل إحسان عليه ومساعدة. مضمون له: وهو أيضاً من تحقق فيه الشروط الأربعة السابقة ولا يشترط رضاه على القول الراجح، وهو قول الجمهور (١). وذهب أبو حنيفة (٢) إلى اشتراط رضا المضمون له، والراجح قول الجمهور لأن النبي ﷺ لم يطلب حضور صاحب الدين وهل رضي أم لا. المضمون فيه: وهو أنواع: مضمون فيه معلوم، ومضمون فيه مجهول كأن يضمن الدين ولا يعلم قدره, ومعلوم كأن يقول من داين فلاناً فأنا متكفل=

стр. 1059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = عنه جميع التحملات، وكل هذه الحالات جائزة. - الفائدة الثالثة: في حقيقة الضمان: هل الضمان تعدد لمحل الدين، أي بدل أن يكون الدين في ذمة يكون في ذمتين؟ أم هو في ذمة المدين والضمان توثيق له فقط؟ قلت: قبل بيان الراجح أبين: ما الذي يترتب على الأمرين؟ فأقول: يترتب على الأمرين من الذي يطالب بالدين هل هو الضامن أم المدين، فإذا قلنا بأن الضمان تعدد لمحل الدين فيكون للدائن مطالبة أيهما - الضامن أو المدين - فهو مخير وله ذلك في حال الحياة أو الموت وهذا هو رأي الجمهور (١). وإن قلنا إن الضمان توثيق فقط فليس لصاحب الحق أن يطالب الضامن، بل يطالب المدين فإن أبى أو تعذر فإنه يطالب الضامن كالرهن. والراجح عندي: هو القول الثاني، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي (٢)، فكون المضمون له يترك المدين - المضمون عنه - ويطالب الضامن هذا خلاف الأصل، لأن الضامن فرع والمدين أصل، فلا يعدل إلى الفرع مع وجود الأصل كالتيمم مع وجود الماء، فهذا خلاف القاعدة وخلاف العرف لأن الناس يستقبحون هذا ولأن هذا ينفر من الضمان. أما إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه بموت أو غيبة أو مماطلة أو فقر فإن له أن يطالب الضامن، وعلى ذلك نقول بأن حقيقة الضمان توثيق للدين فقط، فمتى تعذر الرجوع على المدين رجع على الضامن.

стр. 1060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - الفائدة الرابعة: هل يصح الضمان عن الحي والميت أم عن الميت فقط؟ أقول: هذه المسألة محل خلاف عند الفقهاء: فالجمهور (١) يرون جوازها في الاثنين - الحي والميت - سواء كان له تركة أم لم يكن له تركة لحديث قتادة عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ» (٢). وذهب أبو حنيفة (٣) إلى أن الضمان مختص بالحي دون الميت لأن الحي له ذمة ترجع إليها. أما الميت ففيه تفصيل: إن ترك تركة تغطي الدين صح الضمان عنه ويرجع الضامن إلى التركة، وإن لم تكن له تركة لم يصح الضمان عنه، وهذا أخذ من معنى الضمان، لأنه ضم ذمة إلى ذمة أخرى وهو مفقود في التحمل عن الميت، لأن ذمته قد خربت فأين يرجع الضامن، ويمكن أن يكون التحمل عن الميت تبرع بالوفاء عنه وليس ضماناً عنه.

стр. 1061

وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ (١) وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا (٢)، وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (٣)، فَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الْمَضْمُوْنِ عَنْهُ (٤)، أَوْ أَبْرَأَهُ (٥)، بَرِئَ ضَامِنُهُ (٦)، ــ = والأظهر عندي: ما ذهب إليه الجمهور، فمتى ضمن الضامن عن الميت برئت ذمة الميت وللضامن أن يطالب الميت في تركته، فإن لم يخلف تركة طالبه يوم القيامة. (١) قوله «وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ»: أي متى ضمن المضمون عنه ضامن فإنه لم يبرأ بذلك، بل الحق ثابت في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وبعد الموت. وقد سبق بيان هذه المسألة، وذكرنا الخلاف فيها، وبينا أن الراجح في هذه المسألة أن صاحب الحق لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه. (٢) قوله «وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا»: أي على الضامن والمضمون عنه. (٣) قوله «وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا»: قلت: هذا هو المذهب، وهو قول الجمهور. والصحيح: كما ذكرنا أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه بموت أو غيبة أو مماطلة ونحو ذلك، أما كونه يطالب الضامن ابتداء فلا كما سبق توضيح ذلك. (٤) قوله «فَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الْمَضْمُوْنِ عَنْهُ»: أي إذا استوفى صاحب الحق وهو المضمون له حقه من المضمون عنه فإن ذمة الضامن تبرأ بذلك. (٥) قوله «أَوْ أَبْرَأَهُ»: أي أسقط عنه الدين أو قام المدين بسداد الدين. (٦) قوله «بَرِئَ ضَامِنُهُ»: أي برئت ذمة الضامن بذلك لأن الضامن تابع للمضمون عنه فزال بزوال أصله كالرهن.

стр. 1062

وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ، لَمْ يَبْرَأِ الأَصِيْلُ (١)، وَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الضَّامِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ (٢)، ــ (١) قوله «وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ، لَمْ يَبْرَأِ الأَصِيْلُ»: أي أن أبرأ المضمون له الضامن فإن المضمون عنه - المدين - لا يبرأ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع ولأنه وثيقة انحلت من غير استيفاء فلم يسقط الدين كالرهن إذا فسخ من غير استيفاء. لكن بأي شيء تحصل براءة الضامن؟ نقول تحصل بأمور ثلاثة: الأول: أن يبرأ صاحب الحق ويقول له: يا فلان أسقطت ضمانك. ثانياً: أن يوفي الضامن ما ضمنه فتبرئ ذمته. ثالثاً: أن يبرئ المضمون عنه، بأن يقول له يا فلان - يعني المضمون عنه وهو المدين - أبرأتك فهنا تبرئ ذمة الضامن. (٢) قوله «وَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الضَّامِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ»: أي إن استوفى الدائن دينه من الضامن رجع على المضمون عنه هذا إذا كان في نيته الرجوع على المضمون عنه سواء أذن المضمون عنه في القضاء أو لم يأذن. وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف لها سبع حالات: الحالة الأولى: أن يضمن بإذنه ويؤدي الدين بإذنه ففي هذه الحالة يرجع على المضمون عنه فكأنه وكله في التسديد وقال بعض الفقهاء يرجع إذا كان خليطاً يعني شريكاً بخلاف ما إذا كان أجنبياً فلا يرجع. والصحيح: القول الأول، وهو قول الجمهور (١). الحالة الثانية: أن يأذن له بالضمان دون الإستبراء - يعني التسديد -: قال الجمهور (٢) له المطالبة لأن إذنه له بالضمان إذن له بالسداد ولو لم ينطق به.

стр. 1063

وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ (١) ــ =وعند الشافعي (١) لا يرجع عليه لأنه لم يأذن له إلا في الضمان لا التسديد. الحالة الثالثة: أن يأذن له بالتسديد دون الضمان فيصح الضمان ولو لم يأذن له، فهنا يرجع إليه، لأنه سدد عنه بأمره فكأنه وكله وأنابه. الحالة الرابعة: ألا يأذن له في الضمان ولا التسديد، فالضمان يصح ولو لم يأذن له وكذلك لو لم يعرفه أما الرجوع ففيه قولان: الأول: لا يرجع عليه بشيء لأنه لم يأذن له فظاهره أنه تبرع. الثاني: أنه يرجع عليه، فكما صح الضمان ولو بدون إذن فكذلك التسديد، لأنه متبرع عنه فإنه يرجع عليه، فكأنه محسن وهذا هو الصحيح، لأنه فتح باب للخير وليس فيه مجال للتهمة. الحالة الخامسة: أن يضمنه ويؤدي عنه وفي نيته الرجوع عليه فهنا يرجع عليه كما ذكرنا في أول المسألة. الحالة السادسة: أن يؤدي عنه ولم ينو تبرعاً ولا رجوعاً، بل ذهل عن قصد الرجوع وعدمه، فالمذهب (٢) أنه لا يرجع وقيل يرجع وهو ظاهر كلام الخرقي، وهو الأظهر عندي لأن ذهول المكلف عن النية أمر وارد. الحالة السابعة: أن يؤدي عنه ولم ينو رجوعاً بل جعله من محض التبرع عنه فالصحيح أنه لا يرجع. (١) قوله «وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ»: بدأ المؤلف هنا ببيان نوع آخر من عقود التوثيق وهو الكفالة فعقود التوثيق =

стр. 1064

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ثلاثة ضمان وقد سبق، وكفالة ورهن وسيأتي بيانه إن شاء الله. وبهذا يتضح لنا أن المؤلف جمع في هذا الباب ثلاثة أمور من عقود المعاملات وهي: «الحوالة - الضمان - الكفالة»، ولما كان كتاب المؤلف مختصراً والحاجة داعية لبيان بعض الأحكام فيه فسنوضح بعض الأحكام المتعلقة بالكفالة في الفوائد التالية: - الفائدة الأولى: تعريف الكفالة: الكفالة في اللغة: يقال كفل فلان كفلاً، وكفالة: ضمنه (١). وقال بعض الفقهاء (٢): إن العرف قد خصص الضمين بالمال والحميل بالدية، والزعيم بالمال العظيم، والكفيل بالنفس، والصبير يعم الكل، ومثله القبيل. الكفالة في الشرع: من خلال التعريفات السابقة يتبين لنا تعريف الكفالة بأنها: التزام جائز التصرف في إحضار بدن من عليه حق. - الفائدة الثانية: في حكم الكفالة: الكفالة جائزة بالكتاب والسنة: قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٣)، وجه الدلالة في أنهم وثقوه وتكفلوا له ببدنه، فدل على أن الكفالة تكون بالبدن. أما السنة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ وَاللَّهِ لا=

стр. 1065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =أُفَارِقُكَ حَتَّى تقضيني أَوْ تأتيني بِحَمِيلٍ فَتَحَمَّلَ بِهَا النبي ﷺ فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ»، قَالَ مِنْ مَعْدِنٍ. قَالَ «لا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا وَلَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»، فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ «فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ» (٢)، فتركه الرجل لأن النبي ﷺ تحمل عنه وكفله. والجمهور (٣) على شرعية الكفالة لهذين الدليلين. وقد نقل البعض الإجماع عليها، لكن نقل الإجماع فيه نظر. - الفائدة الثالثة: أكثر الفقهاء يطلقون لفظ الضمان والكفالة كل واحد منهما على الآخر، فهما مترادفان يراد منهما ما يعم ضمان المال وضمان النفس وضمان الطلب. - الفائدة الرابعة: من تصح منه الكفالة؟ تصح الكفالة من الرشيد البالغ العاقل فيخرج من ذلك الصغير والسفيه فلا تصح منهما الكفالة، لأن الكفالة تحمل وهؤلاء ليسوا أهلاً للتحمل، أما المحجور عليه لفلس فتصح منه الكفالة، لأن الذمة موجودة وإنما حجر عليه في المال فقط. - الفائدة الخامسة: إذا كان العرف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان فهل يحمل المعنى على العرف أم على الشرع؟ الجواب: لا شك أنه يحمل على العرف، لأن هذه معاملات يجري الناس فيها على أعرافهم.

стр. 1066

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - الفائدة السادسة: يلزم الكفيل إحضار المكفول حال طلبه ولو كان غائباً وأمكن إحضاره إلا إذا غاب غيبة طويلة ولم يعرف له أثر وتعذر إحضاره فتبرأ ذمته ولا يكفي قوله بحثت عنه ولم أجده حتى يثبت ذلك. ولو رفض إحضاره أو البحث عنه فإنه يلزمه السداد عنه، أما إذا مات المكفول برئ الكفيل ولا يلزم أن يسلم عنه شيئاً، لأن التسليم بدل الإحضار والإحضار هنا متعذر، وهذا مما يفارق فيه الضمان الكفالة، لأن الضامن يسدد عنه ولو كان ميتاً. وقول المؤلف: «وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ»: أي إذا كان ميتاً فلا شيء على الكفيل أما إذا كان حياً فما ذكره المؤلف على قولين: القول الأول: وهو ما ذهب إليه أكثر الفقهاء أنه لا يلزم الكفيل التحمل، بل يلزمه الإحضار، لأن الكفالة بالبدن وليست بالمال. القول الثاني: وهو ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب أنه إذا لم يحضره وهو حي فيلزم بما عليه سواء كان إحضاره ممكناً أو غير ممكن، كأن يلحق بدار العدو مثلاً لما ثبت عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (١)، فعلى هذا إذا كان المكفول حيًّا ولم يحضره الكفيل، فإنه يلزم بما عليه من حق سواء كان إحضاره ممكناً أو معسراً. والراجح عندي: أن الكفيل لا يلزمه التحمل إذا كان المكفول ميتاً أو بعيداً=

стр. 1067

فَإِنْ مَاتَ، بَرِئَ كَفِيْلُهُ (١). ــ =عنه ولا يستطيع إحضار المكفول، أما إذا كان قريباً ويستطيع إحضاره أو بعيداً يمكنه البحث عنه فهنا يلزمه التحمل بالسداد. (١) قوله «فَإِنْ مَاتَ، بَرِئَ كَفِيْلُهُ»: أي فإن مات المدين فإن الكفيل يبرئ من الدين وتسقط الكفالة، لأن الحضور سقط بموت المكفول وما ذهب إليه المؤلف هو قول الجمهور (١). وذهب المالكية (٢) إلى أنه إذا مات المكفول فإن الكفيل يتحمل لأن الكفيل كالرهن فيستوفي منه المكفول له عند التعذر وكذلك يبرئ الكفيل إذا تلفت العين عند المكفول بفعل الله تعالى وكذا يبرئ إذا سلَّم المكفول نفسه في الوقت المحدد أو سدد الكفيل ما عليه. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: يعتبر في الكفالة رضا الكفيل لا المكفول وذلك لأن الكفيل سوف يلتزم بحق وإذا لم يرضى بذلك فإنه لا يلزم به. - الفائدة الثانية: لا تصح كفالة من عليه حد سواء كان لله تعالى، كالزنا، والسرقة، والشرب، أو كان لآدمي كالقذف، لأنه لا فائدة من الكفالة، ولأنه لا يجوز استيفاؤه من الكفيل في حالة تعذر الاستيفاء من المكفول.

стр. 1068

بَابُ الرَّهْنِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الرَّهْنِ»: الرهن من جملة التوثيقات، فالتوثيقات تكون بالكتابة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .. ﴾ (١)، وتكون أيضاً بالإشهاد كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ .. ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ... ﴾ (٣)، وتكون بالرهن كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .. ﴾ (٤). تعريف الرهن: الرهن في اللغة: يطلق على معان منها الحبس كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٥) أي محبوس بعمله. الثبوت والدوام: كما تقول ماء راهن، وهو الدائم الذي لا يجري. أما تعريفه في الاصطلاح: فهو جعل عين مالية وثيقة بدين ليستوفي منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء. مثاله: إنسان في ذمته لي ألف ريال، فأعطاني ما قيمته ألف ريال رهناً بالدين، فهنا يمكن استيفاء الدين من الرهن، أو يكون لي في ذمته ألفا ريال فأعطاني رهناً قيمته ألف ريال فهذا يمكن استيفاء بعضه منها، أو يكون لي=

стр. 1069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =في ذمته ألف ريال فأعطاني رهناً قيمته ألفا ريال فهذا يمكن استيفاء الرهن منه وزيادة عليه وكل هذا جائز يعني سواء كان الرهن أكثر من الدين أو الدين أكثر من الرهن أو كان الرهن يعادل الدين. وقول الفقهاء في تعريف الرهن «جعل عين مالية»، يستفاد منه أنه لابد من أن يكون الرهن عيناً، لأن الاستيفاء الكامل لا يكون إلا بالعين فإن كان منافع أو ديناً فإنه لا يصح على كلام الفقهاء. والصحيح: صحة الرهن في المنافع والدَّين. مثال ذلك: أن يكون لي في ذمة شخص خمسة ألاف ريال فأقول له أرهني منافع هذا البيت الذي لك ثم يؤجره ويأخذ أجرته رهناً فإنه يجوز. وكذلك في الدين كأن يكون لشخص دين على فلان يقدر بعشرة ألاف فيقول له اجعل هذا الدين الذي لي عندك رهناً عند فلان الذي تطلبه بعشرة ألاف ريال فهذا أيضاً جائز على القول الصحيح. ويمكن جعل حالات الرهن ما يلي: الحالة الأولى: توثقة دين بعين؛ كأن يقترض منه ألف ريال ويعطيه ساعة رهناً. الحالة الثانية: توثقة دين بدين؛ كان يقترض ألف ريال ويرهنه ألف ريال في ذمة زيد. الحالة الثالثة: دين بمنفعة؛ كأن يقترض ألف ريال ويرهنه منفعة بيت قد استأجره. الحالة الرابعة: توثقة عين بدين؛ كأن يقول لصاحب الكتاب خذ رهناً ألف=

стр. 1070

وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَ رَهْنُهُ (١) ــ =ريال لي عند فلان. حكم الرهن: الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع. أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .. ﴾ (١)، والمعنى هنا: وإن كنتم مسافرين، فالوثيقة رهان يقبضها من له الحق ليستوثقه بها. أما السنة: فمن ذلك ما ثبت عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» (٢). أما الحكمة في مشروعيته: فهي أن الناس يحتاجون إليه فإذا كان الإنسان يريد ديناً أو عارية ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالرهن صح الرهن والرَّاهن يستوثق بالرهن دينه أو عاريته. أما عقد الرهن: فهو من العقود اللازمة في حق الرَّاهن، وهو المدين الذي دفع الرهن، لأن الحظ فيه لغيره فلزم من جهته. أما المرتهن فهو عقد جائز في حقه لأن له أن يفسخ العقد لأن الحظ فيه له وحده، فكان له فسخه. (١) قوله «وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَ رَهْنُهُ»: أي يصح الرهن في كل ما يجوز بيعه، وهذه قاعدة في الرهن وذلك لأن الغرض من الرهن هو الاستيفاء من ثمنه عند تعذر ذلك من المدين، فإن كان لا يجوز بيعه كالكلب والوقف والخمر =

стр. 1071

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =والمجهول فإنه لا يصح رهنه لأنه لا يمكن استيفاء الحق منه وهنا بعض المسائل: المسألة الأولى: في حكم رهن المشاع: المشاع: هو الشيء غير المقسوم، فإذا كان شيء بين اثنين ولم يقسم فهو مشاع كالأرض، والدار، والبستان، وغيرها. وقد اختلف الفقهاء على جواز الرهن بذلك: فذهب الجمهور إلى جواز الرهن بالمشاع لأنه قسط أو شقص يجوز بيعه فيجوز رهنه. وقال الحنفية (١) لا يجوز رهن المشاع لأن الرهن يقتضي حبس المرهون وإقباضه للمشتري فيلزم منه تعطيل المرهون. قلت: والراجح عندي جواز الرهن بالمشاع لأنه ليس المقصود من الرهن الحبس كما قال الحنفية، بل المقصود منه التوثيق والاستيفاء من ثمنه عند التعذر وهذا متحقق في المشاع فلا يكون الحبس علة المنع. المسألة الثانية: في حكم رهن ما يسرع إليه الفساد: كالخضروات، والفواكه، واللحوم. نقول في هذه المسألة تفصيل: ١ - أن يكون الدين حل أجله قبل وقت فساد المرهون فيصح رهنه لحصول الغرض. ٢ - أن يفسد المرهون قبل حلول الأجل، ففيه حالتان: الأولى: أن يكون المرهون مما يمكن تجفيفه: كاللحوم والعنب ونحوه، فيجفف أو يعلب حتى يحل الأجل وتكون نفقة التجفيف والتعليب على الراهن =

стр. 1072

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = كما لو احتاجت الدابة إلى علف. الثانية: أن يكون المرهون مما لا يمكن تجفيفه: فهنا يباع قبل فساده ويحتفظ بثمنه حتى يحل الأجل، فلو ترك المرهون حتى فسد، فإن العقد يبطل وتكون على الراهن إلا إذا كان الفساد بسبب تعد من المرتهن وناتج عن تصرف غير مأذون فإنه يضمن. المسألة الثالثة: في رهن العصير: يصح رهن العصير لجواز بيعه ولو انقلب خلاً لأنه يجوز بيعه ولو أن المرهون تغيرت صفته أما إذا تخمر العصير فإنه يبطل الرهن كالذي تلف، لكن هل يهرق أم يمسك حتى يتحول إلى خل؟ الصحيح أنه يهرق، وإن تخلل قبل إهراقه عاد الرهن لأنها مفسدة وزالت. المسألة الرابعة: في حكم رهن الثمرة قبل بدو صلاحها والزرع قبل اشتداد حبه: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: الأول: وهو المذهب جواز رهنه لجواز بيعه بشرط القطع في الحال أو مع أصله ويجوز رهنه بشرط التبقية لأن الرهن ليس بيعاً بل هو توثيق واستيفاء عند العجز. الثاني: لا يجوز رهن هذه الأشياء لأنه لا يجوز بيعها في الحال وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه. والصحيح من القولين: الأول وعليه العمل عندنا. المسألة الخامسة: في رهن المصحف: تقدم الخلاف في جواز بيع المصحف وقلنا بأن بعض العلماء أجاز بيعه وأن البيع لا يقع على كلام الله تعالى وإنما يقع على المواد المالية فيه كالورق=

стр. 1073

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =والطباعة والعمالة ونحو ذلك، وعلى ذلك يجوز رهنه. وقال الحنابلة (١) لا يجوز لاشتماله على كلام الله، وكلام الله سبحانه ليس مالاً، وعلى ذلك لا يجوز رهنه. والصحيح عندي: كما ذكرنا جواز البيع للمصحف، وهو قول جمهور الفقهاء (٢)، وهو ما عليه عمل الناس الآن وعلى ذلك يجوز رهنه. المسألة السادسة: في رهن المستعار: يجوز للإنسان أن يستعير عيناً مالية ليرهنها عند دائنه لأن هذا معناه التوثيق وهو بإذن العين فيكون جائزاً لكن لا يكون ذلك إلا بشروط: ١ - أن يذكر قدر الدين المرهون. ٢ - تعيين المرتهن. ٣ - تعيين مدة الرهن. أما إذا أطلق الرهن ولم يعين هذه الشروط فعلى قولين عند العلماء: الأول: الجواز. الثاني: أنه لا يجوز لوجود الجهالة ولأن الرهن كالضمان والضمان المجهول لا يصح فكذلك الرهن فلا يجوز رهن المعار من أجل هذه الجهالة، وهذا هو الأظهر عندي. المسألة السابعة: إذا حل الدين وبيع الرهن المستعار فبماذا يرجع المعير؟ الجواب: فيه خلاف قيل يرجع على المعار بما يساويها عند التقويم دون النظر إلى ما بيع به لأن هذا هو موجب ضمان الأموال، وقيل فيه تفصيل إذا =

стр. 1074

وَمَا لا، فَلا (١) وَلا يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ (٢) ــ = كانت القيمة التي بيع بها مساوية للقيمة التي يقوم بها أو أقل منها فله القيمة وقت الرد، أما إذا كانت القيمة التي بيع بها أكثر من الدين فإنه يرد القيمة التي بيع بها فبم يستحل هذه الزيادة، وهذا هو الراجح. (١) قوله «وَمَا لا، فَلا»: أي وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه لأن رهنه لا فائدة منه كرهن الوقف مثلاً وكذا رهن الإبن. (٢) قوله «وَلا يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ»: دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١): أي ويشترط في الرهن القبض وذلك لأن الرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض، وقبض الرهن كقبض البيع، فإذا رهنه منزلاً سلمه مفاتيحه، وإذا رهن سيارة سلمها إياها، وما ذكره المؤلف في اشتراط القبض للرهن هو المذهب (٢). وفي رواية في المذهب: أن القبض ليس شرطاً في الرهن لعموم الأدلة على وجوب الوفاء بالعقود والعهود ولقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٣)، وهذا دليل على أنه إذا حصل الائتمان لم يلزم القبض اكتفاء بالائتمان عنه، ثم إن اشتراط القبض ضرر كبير على بعض ما يرهن، فالمزارع والسيارات ونحوها مما يكون الراهن مضطراً إلى بقائه في يده وتحت تصرفه وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٤)، وعليه عمل الناس من قديم الزمن، فنجد=

стр. 1075

وَهُوَ نَقْلُهُ إِنْ كَانَ مَنْقُوْلاً (١)، وَالتَّخْلِيَةُ فِيْمَا سِوَاهُ (٢)، وَقَبْضُ أَمِيْنِ الْمُرْتَهِنِ يَقُوْمُ مَقَامَ قَبْضِهِ (٣)، وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَمِيْنِهِ (٤)، ــ = أن الفلاح يستدين من الشخص ويرهنه مزرعته وهو باق في المزرعة، ويستدين صاحب السيارة من شخص ويرهنه السيارة، والسيارة بيد صاحبها وكل يعرف أن هذه العين المرهونة لا يجوز أن يتصرف فيها الراهن وأن الرهن لازم ولا يملك الراهن أن يفسخه. (١) قوله «وَهُوَ نَقْلُهُ إِنْ كَانَ مَنْقُوْلاً»: أي ويحصل القبض بنقله إن كان منقولاً، وذلك لأن القبض في الرهن كالقبض في البيع فإن كان منقولاً فإنه يحصل القبض بنقله أو تناوله كالثوب والعبد والكتاب ونحو ذلك، والمكيل يحصل نقله بالكيل فقبضه اكتياله وإن كان موزوناً فقبضه بالوزن. (٢) قوله «وَالتَّخْلِيَةُ فِيْمَا سِوَاهُ»: أما ما لا يمكن نقله كالعقار والثمار على الشجرة فقبضها إنما يكون بالتخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل بأن يفتح له باب الدار ويسلم إليه مفاتيحها. (٣) قوله «وَقَبْضُ أَمِيْنِ الْمُرْتَهِنِ يَقُوْمُ مَقَامَ قَبْضِهِ»: أمين المرتهن هو وكيله ونائبه فإذا قبض الرهن صح القبض لأنه يقوم مقامه في القبض. (٤) قوله «وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَمِيْنِهِ»: أي أن الرهن أمانة في يد المرتهن أو أمينه ووجه ذلك أنه حصل المال في يده من مالكه، وكل ما حصل بإذن من المالك فهو بيد صاحبه أمانة، وإذا كان أمانة فلا يجوز له أن يتصرف فيه إلا ما استثنى الشرع في قوله ﷺ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الظُهرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (١)، =

стр. 1076

لا يَضْمَنُهُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى (١)، وَلا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِلاَّ مَا كَانَ مَرْكُوْبًا أَوْ مَحْلُوْبًا، فَيُرْكَبُ وَيُحْلَبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ (٢) ــ =وما عدا ذلك لا يجوز التصرف فيه. (١) قوله «لا يَضْمَنُهُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى»: فإن تلف الرهن وهو بيد المرتهن بغير قصد منه، ولا تفريط فلا شيء عليه لأنه أمانة في يده كالوديعة ولأنه لو ضمن الرهن لامتنع الناس من فعله خوفاً من الضمان، وذلك وسيلة إلى تعطيل المداينات والقروض وفيه ضرر عظيم، فإن تعدى على الرهن بفعل ما لا يسوغ فيه شرعاً أو فرط في حفظه بأن لم يضعه في حرز مثله فإنه يضمن بالإجماع (١) لزوال ائتمانه. (٢) قوله «وَلا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِلاَّ مَا كَانَ مَرْكُوْبًا أَوْ مَحْلُوْبًا، فَيُرْكَبُ وَيُحْلَبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ»: أي إذا كان الرهن حيواناً يحتاج إلى مؤنة فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر علفه ولو لم يأذن له المالك لأنه مأذون فيه شرعاً لقوله ﷺ «الظُهرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (٢)، لكن عليه أن يتحرى العدل في الحلب والركوب. أما غير المحلوب والمركوب فلا يجوز الانتفاع منه كالدار والمتاع والسيارة ونحوها فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن. قال ابن قدامه (٣) لا نعلم فيه خلافاً، لأن الرهن ملك الراهن فكذلك منافعه فليس لغيره أخذها إلا بإذنه. =

стр. 1077

وَلِلرَّاهِنِ غُنْمُهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَكَسْبِهِ وَنَمَائِهِ (١) ــ =قلت: وذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، وأحمد (٣) في رواية عنه إلى أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع من الرهن بشيء مطلقاً لأنه ملك غيره ولم يأذن له في الانتفاع، وردوا على الحديث بأنه مخالف للقياس من وجهين: ١ - التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذن المالك، والأصل أنه لا يجوز إلا بإذنه لحديث ابن عمر ﵁: «لا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» (٤) ٢ - تضمنه الانتفاع بالنفقة لا القيمة، والأصل أن النفقة تقابل القيمة. والراجح عندي: ما ذهب إليه الحنابلة (٥) لقوة الدليل، وهو اختيار شيخ الإسلام (٦). (١) قوله «وَلِلرَّاهِنِ غُنْمُهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَكَسْبِهِ وَنَمَائِهِ»: وغُنْمه بضم الغين وسكون النون ثمرته وكسبه. أي لصاحب الرهن نماء رهنه وهو ما يحصل منه من أجرة كتأجير الدار وتأجير العبد، وكذا النماء المتصل كالسِّمن وتعلم الصنعة ونحو ذلك. وقد اختلف الفقهاء: هل نماء الرهن والكسب يتبع العين المرهونة أم لا؟ على أقوال:

стр. 1078

لَكِنَّهُ يَكُوْنُ رَهْنًا مَعَهُ (١) ــ القول الأول: ما ذكره المؤلف أي أن النماء والكسب يتبع الرهن ويكون رهناً معه، لأنه نماء وغلة حاصلان من عين الرهن ومتفرعان عنه فيتبعانه في الحكم. القول الثاني: أنهما لا يتبعان الرهن بحال من الأحوال لأنها عين زائدة لم تدخل في العقد فلا تدخل في الرهن. القول الثالث: أن نماء الرهن يتبع العين، لكن الكسب لا يتبعها لأن النماء متولد منها وهو جزء منها أما الكسب فللراهن لأنه عين مستقلة ولم يشملها العقد. القول الرابع: قول المالكية (١) أن الولد - ولد الأمة والدابة - يتبع العين أما ما عداه من أنواع النماء والكسب فلا يتبعها. والراجح عندي من الأقوال: هو القول الأول، يعني قول المؤلف ﵀ لأن الكسب والنماء يتبع العين لأنه متولد عنها فيتبعها في الرهن، ثم إن الرهن ملك للراهن لم تزل ملكيته عنه فأشبه غير المرهون فيكون النماء في ملكه، ثم إن المدار على سداد الدين فإذا سدد الدين يرجع الزائد إلى الراهن. (١) قوله «لَكِنَّهُ يَكُوْنُ رَهْنًا مَعَهُ»: أي يكون النماء والكسب والغلة وجميع ما يتفرع من الرهن يلحق به أي يصير رهناً معه، فكسب العبد رهن تبعاً للأصل، وكذا نماءه كأن تَسْمن الشاة أو تلد فيكون نماءها المتصل والمنفصل تبعاً لأصله.

стр. 1079

وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (١) مِنْ مُؤْنَتِهِ (٢)، وَمَخْزَنِهِ (٣)، وَكَفَنِهِ إِنْ مَاتَ (٤)، وَإِنْ أَتْلَفَهُ (٥)، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الرَّهْنِ بِعِتْقٍ (٦)، أَوِ اسْتِيْلادٍ (٧)، فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ تَكُوْنُ رَهْنًا مَكَانَهُ (٨)، ــ (١) قوله «وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»: غُرْمُهُ بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة يعني هلاكه ونقصه ونفقته. (٢) قوله «مِنْ مُؤْنَتِهِ»: يعني طعامه وشرابه وكسوته إن كان يحتاج إلى كسوة لقوله ﷺ «لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (١). (٣) قوله «وَمَخْزَنِهِ»: يعني عليه كذلك أجرة مخزنه لو كان الرهن يحتاج إلى خزن واستأجرنا مكاناً نخزنه فيه فأجرة المخزن على الراهن. (٤) قوله «وَكَفَنِهِ إِنْ مَاتَ»: كأن يكون المرهون عبداً فيموت فإذا مات يحتاج إلى أجرة غسل، وقيمة ماء، وقيمة كفن فتكون هذه على الراهن لأنه ملكه له غنمه وعليه غرمه. (٥) قوله «وَإِنْ أَتْلَفَهُ»: أي الراهن. (٦) قوله «أَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الرَّهْنِ بِعِتْقٍ»: كأن يكون الرهن عبداً فأعتقه فإنه بذلك أخرج المرهون وهو العبد بسبب إعتاقه من الرهن. (٧) قوله «أَوِ اسْتِيْلادٍ»: أي وطأ الجارية ثم ولدت فإنه بذلك قد أخرجها من الرهن بفعله ذلك لأنها إذا ولدت صارت أم ولد فخرجت من الرهن، والولد حر لكن يجب عليه شيءٌ آخر وهو ما ذكره المؤلف. (٨) قوله «فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ تَكُوْنُ رَهْنًا مَكَانَهُ»: أي فعليه قيمة الرهن تكون رهناً مكانه يدفع الراهن قيمة ما أتلفه، وتحجز القيمة عند المرتهن بدلاً من هذا الذي =

стр. 1080

وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ (١) فَهُوَ الْخَصْمُ فِيْهِ، وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِهِ، فَهُوَ رَهْنٌ (٢)، وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ (٣)، فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ (٤)، وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَمْ يُوَفِّهِ الرَّاهِنُ (٥)، بِيْعَ، وَوُفِّيَ الْحَقُّ مِنْ ثَمَنِهِ وَبَاقِيْهِ لِلرَّاهِنِ (٦)، ــ =أعتقه أو أخرجه من الولادة لأنه لا يجوز الإضرار بالمرتهن وإسقاط حقه اللازم له. (١) قوله «وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ»: أي إن جنى على الرهن غير الراهن. (٢) قوله «فَهُوَ الْخَصْمُ فِيْهِ، وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِهِ، فَهُوَ رَهْنٌ»: أي الراهن خصم في الرهن على من جنى عليه لأنه ملكه، فإن كانت الجناية عليه موجبة للقصاص فلسيده الاقتصاص، وله العفو لأنه مالكه، فإن اقتص فعليه قيمة أقلهما قيمة من العبد الجاني والعبد المرهون، وما قبضه سيده بسبب ذلك من القتل أو الجرح على العبد المرهون فهو رهن لأنها بدل عنه أو بدل جزء منه. (٣) قوله «وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ»: أي إذا كان الرهن عبداً مثلاً وجنى جناية موجبة للمال سواء كانت على إنسان أو مال فالمجني عليه أحق برقبة الجاني «وهو العبد» من المرتهن لأن الجناية مقدمة على حق المالك، ويبطل الرهن بتسليمه للمجني عليه. (٤) قوله «فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ»: أي إن اختار سيد العبد الجاني فداءه فهو رهن بحاله، لأن حق المرتهن قائم لوجود سببه، وإنما قدم حق المجني عليه لقوته، فإذا زال رجع الأمر كما كان عليه أي صار رهناً بحاله بيد المرتهن. (٥) قوله «وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَمْ يُوَفِّهِ الرَّاهِنُ»: أي إن حل موعد سداد الدين وامتنع الراهن من الوفاء فما الحكم إذاً قال المؤلف. (٦) قوله «بِيْعَ، وَوُفِّيَ الْحَقُّ مِنْ ثَمَنِهِ وَبَاقِيْهِ لِلرَّاهِنِ»: أي إن امتنع الراهن =

стр. 1081

وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ أَوِ الضَّمِيْنُ (١) فِيْ بَيْعٍ، فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُسَلِّمَهُ، أَوْ أَبىَ الضَّمِيْنُ أَنْ يَضْمَنَ (٢) خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ إِقَامَتِهِ بِلا رَهْنٍ وَلا ضَمِيْنٍ (٣). ــ =من سداد الدين باعه لأن هذا هو المقصود من الرهن، فإن أبى الراهن بيع المرهون قام الحاكم ببيعه وقضى دينه من ثمنه لأنه حق تعين عليه، ولا يخلو بيع الرهن من أمور، إما أن يكون الثمن أقل من قيمة الدَّين فهنا يأخذ الموجود والباقي يكون في ذمة المرتهن، وإن كان ثمن الرهن بقدر الدَّين أخذه المرتهن وإن كان ثمنها أكثر من قيمة الدَّين أخذ المرتهن حقه ورد الباقي على الراهن. (١) قوله «وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ أَوِ الضَّمِيْنُ»: أي إذا شرط البائع رهناً أو ضميناً على المشتري. (٢) قوله «فِيْ بَيْعٍ، فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُسَلِّمَهُ، أَوْ أَبىَ الضَّمِيْنُ أَنْ يَضْمَنَ»: أي وقد وافق الراهن على تسليم رهن أو وافق الضمين على أن يضمن ثم نكص عن ذلك فما الحكم إذاً؟ قال المؤلف. (٣) قوله «خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ إِقَامَتِهِ بِلا رَهْنٍ وَلا ضَمِيْنٍ»: أي للبائع الخيار بين فسخ البيع لأنه إنما بذل ماله بهذا الشرط، فإذا لم يسلم له استحق الفسخ وله أيضاً إتمام البيع بلا رهن ولا ضمين لأن ذلك حقه وقد أسقطه فيلزمه البيع كما لو لم يشترطه. ذكر بعض المسائل المتعلقة بالرهن: المسألة الأولى: في اختلاف المتراهنين ، إذا اختلف المتراهنان ففي اختلافهما أحوال: الحالة الأولى: أن يختلفا ولأحدهما بينة فيقبل قوله.

стр. 1082

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحالة الثانية: أن يختلفا وليس لأحدهما بينة، فهذا محل تفصيل: ١ - أن يختلفا في قيمة الرهن التالف في يد المرتهن: فإن كان بدون نقد ولا تفريط لم يضمن لأنها أمانة في يده، وهذا مذهب الجمهور (١). أما إذا تلف بتفريط فإنه يضمنه نتيجة لفعله، فإن اختلفا في قيمة الرهن فقال الراهن قيمته عشرة ألاف، وقال المرتهن لك قيمته خمسة ألاف، فيقبل قول المرتهن لأنه غارم ولأنه منكر للزيادة وقد قال النبي ﷺ «الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢)، فهنا قد اتفقا على خمسة ألاف واختلفا في خمسة ألاف، وإذا لم توجد بينة فالقول قول المنكر مع يمينه والمنكر هو المرتهن وهذا هو مذهب الجمهور (٣)، وذهب بعض أهل العلم إلى أن القول قول الراهن إذا كانت قيمة المرهون بقدر الدين، لأن الغالب أن الرهن يكون بحدود الدين أما إذا زادت على الدين فلا تقبل، واختار هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ (٤)، والأظهر عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. ٢ - أن يختلفا في قدر الحق الذي بسببه كان الرهن كأن يقول الراهن رهنته عندك بألف فقال المرتهن بل رهنته بألفين، فالقول قول الراهن لأنهما اتفقا في ألف والألف الأخرى منكرة والقول قول المنكر مع يمينه وهو الراهن، لأن الأصل عدم الرهن بالألف الزائدة. ٣ - أن يختلفا في حلول الدين وتأجيله كأن يكون على الراهن دين حال للمرتهن =

стр. 1083

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ودين مؤجل فقال الراهن: الرهن على الدين المؤجل، وقال المرتهن الرهن على الدين الحال، فالقول قول الراهن بأن الرهن للدين المؤجل، لأنه هو المنكر في هذا والمرتهن هو المدعي والقول قول المنكر وهو الراهن فيكون الرهن للدين المؤجل لا الحال. ٤ - أن يختلفا في قدر الرهن عند التبايع: كأن يقول الراهن رهنتك ثلاث سيارات ويقول المرتهن بل خمس سيارات، فيقبل قول المنكر مع يمينه وهو الراهن لأنهما اتفقا على ثلاثة واختلفا في اثنين. ٥ - أن يختلفا في عين الرهن فيقول الراهن رهنتك الدار، ويقول المرتهن بل رهنتني المزرعة، فيتحالفان؛ فيحلف الراهن أنه لم يرهنه المزرعة وإنما رهنه الدار، ويحلف المرتهن أنه لم يرهنه الدار وإنما رهنه المزرعة، ويسقط الرهن ويكون البيع بدون رهن، وإذا بطل الرهن يكون للمرتهن الخيار، لأنه اشترط شرطاً ولم يسلم له دفعاً للضرر عنه. ولو قال المرتهن أنا أتنازل عن المزرعة إلى الدار لم يقبل ذلك لأنه كان منكراً له إلا إذا رضي الراهن بذلك وإذا امتنع أحدهما عن الحلف قضى عليه بالنكول، فيكون فيه اعترافٌ للآخر ويلزم بقول خصمه، وقيل بل يقبل قول الراهن، لأنه منكر لما ادعاه المرتهن وهو رهن العين الأخرى لأن الأصل عدم الرهن ولم يعترف بما ادعاه المرتهن فيقع بما اعترف به الراهن. ٦ - إذا اختلفا في رد الرهن إلى الراهن فقال المرتهن رددت إليك الرهن: فقال الراهن بل لم ترده، فيقبل قول الراهن لأن الأصل عدم الرد مع يمينه، ويلزم المرتهن برد الرهن أو قيمته عند تلفه، هذا بخلاف الأمانة فلو كان عنده لشخص=

стр. 1084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = أمانة وادعى ردها فيقبل قوله، لأنه مؤتمن مع يمينه ولأنه قبضها لحظ غيره، وإذا ادعى تلفها فإن كان بحادث ظاهر قبلت دعواه وإلا فلا بد من بينة. المسألة الثانية: الشروط في الرهن: الشروط في الرهن منها شروط فاسدة وشروط صحيحة وشروط مختلف فيها. أولاً: الشروط الفاسدة: تعريفها: هي كل شرط يخالف مقتضى العقد أو لا يقتضيه العقد. مثالها: كأن يشترط ألا يباع الرهن عند حلول الدين، أو شرط ألا يقبضه المرتهن، أو شرط ألا يوفي الدين من ثمن الرهن فهذه شروط فاسدة تخالف مقتضى العقد. أما الشروط التي لا يقتضيها العقد مثل شرط شيء محرم مثل شرطه رهناً مجهولاً أو خمراً أو معدوماً أو ما لا يقدر على تسليمه فهذه شروط فاسدة لكن هل تؤثر على العقد فتبطله أم لا؟ قولان لأهل العلم: الأول: يبطل البيع لأن البيع وقع على هذا الشرط فإذا فسد فسد ما بني عليه. الثاني لا يفسده فهوَ يفْسُدْ ولا يفسد البيع. ثانياً: الشروط الصحيحة: كما لو شرط أن يكون الرهن عند عدل يحفظه، أو شرط أنه عند حلول الدين يباع الرهن ويستوفي من ثمنه فهذه شروط لا تخالف مقتضى العقد فيجب الوفاء بها. ثالثاً: الشروط المختلف فيها وهي أنواع: النوع الأول: أن يشترط رهن المبيع على ثمنه بأن قال أبيع عليك السيارة بعشرة ألاف ريال إلى أجل لكن أرهنها حتى تسدد فهذا النوع لها ثلاث حالات: ١ - أن يكون رهن المبيع مشروطاً في العقد، وهذه الحالة محل خلاف بين العلماء=

стр. 1085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =والصحيح أنه يجوز رهن المبيع على ثمنه إذا شرطه لقوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (١). ٢ - إذا رهنه المبيع قبل لزوم العقد: فهذا يرجع إلى الخلاف في أصل المسألة وهو التصرف في المبيع قبل قبضه، فمن رأى أنه يتصرف فيه قبل قبضه أجاز ذلك، ومن لم يجز التصرف فيه قبل قبضه لم يجزه، وهو الصحيح. ٣ - إذا رهنه بعد قبضه فلا خلاف في جوازه. النوع الثاني: أن يقول الراهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، فهل هذا يجوز؟ قولان للفقهاء، والصحيح عندي جواز ذلك.

стр. 1086

بَابُ الصُّلْحِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الصُّلْحِ»: الصلح لغة: قطع المنازعة. وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين. أما حكمه: فهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. أما دلالة الكتاب: فقوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ .. ﴾ (١)، وقوله ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣). أما السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ من قوله وفعله ما يدل على ذلك، فمن الفعل ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ» (٤). أما القول فمن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ». قَالُوا بَلَى. قَالَ «إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» (٥)، وعن أبي=

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (١). أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز الصلح بين المتخاصمين. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: أعدل الصلح وأحقه ما اعتمد فيه رضا الله ورضا المتخاصمين ولا يكون ذلك إلا بشرطين العلم والعدل العلم بالوقائع والمعرفة بالواجب وقصد العدل. - الفائدة الثانية: في أنواع الصلح: الصلح على خمسة أنواع: ١ - الصلح بين المسلمين والكفار. ٢ - الصلح بين أهل العدل وأهل البغي. ٣ - الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها. ٤ - الصلح بين المتخاصمين في غير مال. ٥ - الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهذا هو الذي يريده الفقهاء في تبويبهم بباب الصلح وهو مراد المؤلف هنا. - الفائدة الثالثة: في شروط الصلح: ١ - أن يكون المصالح ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم =

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط. مثال ذلك: ولي اليتيم إذا أسقط بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط لأنه لا يصح تبرعه، اللهم إلا إذا كان في الإسقاط مصلحة لليتيم، كأن يكون مال اليتيم عند مماطل ولا يمكن الحصول عليه إلا بإسقاط بعض المال فهنا يجوز الإسقاط وذلك لأن استدراك بعض الشيء أولى من فوات الكل. ٢ - أن يكون المصالح عنه «الشيء المنازع فيه» مالاً متقوّماً مقدور التسليم أو منفعة مباحة. ٣ - أن يكون المصالح عنه مالاً معلوماً علماً نافياً للجهالة أو ما يقوم مقام المال. وسيأتي إن شاء الله مزيد من التوضيح في ثنايا شرحنا كلام المؤلف على هذه الشروط. الفائدة الرابعة: الصلح في الأموال ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصلح مع الإقرار: وذلك بأن يكون المدعى عليه مقراً بحق خصمه وهو نوعان: النوع الأول: الصلح على جنس الحق ببعضه، كأن يقر له بدين فيضع عنه بعضه كنصفه أو ربعه فيقول وهبتك نصف الدين فأعطني بقيته، أو يقر له بعين كدار أو ثياب أو كتب فيهب له بعضها، ويأخذ الباقي فهذا يصح باتفاق الفقهاء، لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه كما لا يمنع من استيفائه، دليل ذلك قصة جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ =

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي .. » (١). وأيضاً ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى «يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ» (٢). النوع الثاني: الصلح عن الحق بغير جنسه: وهو ما يسمى بصلح المعاوضة، وصفته أن يكون عليه دين فيصالحه على أرض عوضاً عنه، أو يكون عليه دار فيقرُّ له بها ثم يصالحه عنها على ثوب أو دار أخرى، وهذا النوع جائز باتفاق الفقهاء، ويعد بيعاً، وإن عقد بلفظ الصلح، لأنه مبادلة مال بمال، ويشترط فيه جميع شروط البيع كمعلومية البدل، والقدرة على التسليم والتقابض في المجلس إن جرى بين العوضين ربا النسيئة، وكذلك تتعلق به جميع أحكام البيع كرد المعيب، وحق الشفعة، والمنع من التصرف قبل القبض، وكذلك يدخل في هذا النوع إن صالحه على منفعة في مقابل الدين كما إذا ادعى على رجل شيئاً فأقر به ثم صالحه على سكن داره أو ركوب دابته. القسم الثاني: الصلح على الإنكار «الصلح مع إنكار المدعى عليه»: وهو أن يدعي شخص على آخر عيناً أو ديناً أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحان.

стр. 1090

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مثاله: أن يدَّعي «زيد» على «عمرو» عشرة آلاف ريال، أو يدَّعى عليه سيارة بيده، أو داراً، فأنكر المدعى عليه «عمرو» هذا الدَّين، وبدلاً من الذهاب إلى المحكمة والقضاء أراد المدعى عليه قطع النزاع وافتداءً اليمين، فصالح المدعى عليه المدعي على سبعة آلاف ريال مثلاً فأخذها «زيد» وانتهى ما بينهما. وهذا القسم قد اختلف الفقهاء فيه على قولين: الأول: جوازه، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣) بشرط أن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع. أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه بكذب نفسه حرام عليه لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. واستدل الجمهور لذلك بعموم الأدلة التي تدل على جواز الصلح. الثاني: قول الشافعية (٤)، وابن حزم (٥) أن الصلح مع الإنكار باطل لا يجوز، واحتجوا لذلك بقول النبي ﷺ «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (٦)، وأيضاً بالقياس على ما لو أنكر الزوج الخلع ثم=
следующие страницы →