فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ (١)، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ (٢)، أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ (٣)،
ــ
=عنده لا يجوز له أن يتصرف فيها إلا إذا كانت اللقطة فيها ضرر على صاحبها فله أن يتصرف فيها.
مثال ذلك: لو كانت اللقطة من الأشياء التي لا تبقى مثل الأشياء التي تفسد فهنا يتصرف فيها بالبيع ويحفظ الثمن، وإن كانت من الأشياء التي تبقى لكن تستنفق أكثر من قيمتها أضعافاً مضاعفة، كما لو وجد شاة فهنا يبيعها وإن كان لم يملكها لأن بقاءها ضرر على صاحبها.
وسيأتي كلام المؤلف قريباً - إن شاء الله -.
(١) قوله «فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ، إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ»: أي متى جاء صاحب اللقطة بعد تمام الحول فوصفها فوافق الوصف اللقطة لزم الملتقط أن يردها إليه إن كانت اللقطة موجودة بعينها، أو يدفع ثمنها إذا لم تكن موجودة عنده، وكانت من ذوات المثل، أو دفع قيمتها إن لم يكن لها مثل وذلك لأنها وديعة عنده، هذا إذا كان الهلاك والإتلاف بسبب تفريطه.
أما إذا تلفت بغير تفريط فقد سبق أن القول الصحيح أنه لا ضمان عليه، ودليل ما ذكره المؤلف حديث زيد بن خالد «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْه» (١).
(٢) قوله «وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ»: كعلف أو سقي ونحو ذلك.
(٣) قوله «أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ»: كالفواكه والخضروات.
стр. 1157
فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ». وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (١)، وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا (٢).
ــ
(١) قوله «فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ». وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»: أي فهو بالخيار بين أكله أو بيعه ثم بعد ذلك يعرفه، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
(٢) قوله «وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا»: لأنها لم تدخل في ملكه بعد، فلا ضمان عليه وقد سبق الخلاف فيما إذا هلكت بعد تمام الحول هل يضمن أم لا؟ وبيان الراجح.
стр. 1158
فَصْلٌ فِي اللَّقِيْطِ
وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ (١)، وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ (٢)، وَإِسْلامِهِ (٣)،
ــ
الشرح:
(١) قوله «وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ»: انتقل المؤلف هنا إلى بيان حكم اللقيط وهو الصبي من سن الولادة إلى سن البلوغ سواء كان ذكراً أو أنثى, والمنبوذ أي المطروح في شارع أو مسجد وغير ذلك.
حكم التقاطه: التقاط الصبي اللقيط فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين لأن في التقاطه إحياء نفس فكان واجباً كإطعامه إذا اضطر.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى .. ﴾ (١)، وما ثبت عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ .. » (٢).
(٢) قوله «وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ»: وهذا في قول عامة أهل العلم، بل نُقل الإجماع على ذلك، وذلك لأن الأصل في الإنسان الحرية.
(٣) قوله «وَإِسْلامِهِ»: هذا هو الحكم الثاني، فيحكم بإسلامه لكن هذا مقيد بالدار التي وجد فيها، فإن كان في دار إسلام فقط، أو دار إسلام ويوجد فيها أهل ذمَّة حُكِمَ بإسلامه تغليباً للإسلام أو الدار، أما إن كان في دار كفار فقد قال الفقهاء بأنه يحكم بكفره تغليباً لجانب الدار والقرينة لأن الدار للكفار وأهلها منهم.
стр. 1159
وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ (١) وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً (٢)
ــ
=والذي رجحه شيخنا ﵀ (١) أنه مسلم يحكم بإسلامه حتى وإن وجد في دار كفر لأن انقطاع تبعيته نسباً يستلزم انقطاع تبعيته ديناً لما ثبت عن أبى هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (٢).
وهذا الطفل ليس له أبوان فلما انقطعت تبعيته في الأبوين من حيث النسب فلتنقطع من حيث الدين ونرجع إلى الأصل وهو الفطرة، والفطرة هي الإسلام.
(١) قوله «وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ»: هذا هو الحكم الثالث فما وجد قريباً منه من فراش أو ثياب أو مال ونحو ذلك مما ينتفع به فهو له لأن هذا هو الظاهر، ولأنه كالمكلف له يد صحيحة، بدليل أنه يرث ويورث، ويمنع التقاطه بدون التقاط المال الموجود عنده لما فيه من الحيلولة بين المال ومالكه.
(٢) قوله «وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً»: هذا هو الحكم الرابع من أحكام اللقيط وهو أن حضانته لا تكون لأي أحد بل تكون لمن توفر فيه شرطان الإسلام والعدل، والعدالة هي الاستقامة على الدين وذلك يكون بفعل الأوامر وترك النواهي، واستقامة المروءة بفعل ما يفعله الناس من الآداب والأخلاق الجميلة. أما دليل ما ذكره المؤلف فهو ما رواه مالك عن ابن شهاب عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ=
стр. 1160
وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ (١)، وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ (٢)،
ــ
= عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ، وَلاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ (١).
(١) قوله «وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ»: هذا هو الحكم الخامس من أحكام اللقيط أي تكون نفقته على بيت مال المسلمين إن لم يكن مع اللقيط شيء ولا تجب نفقته على الملتقط، فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت مال المسلمين فعلى من علم حاله من المسلمين، ودليل ما ذكره المؤلف في قصة عمر المتقدمة.
(٢) قوله «وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ»: هذا هو الحكم السادس من أحكام اللقيط، فما تركه من مال أو ديته إن قُتل فإنها فيء يكون لبيت مال المسلمين هذا إن لم يكن له وارث، أما إذا كان له وارث كأن يكون قد تزوج وله أولاد وزوجة فماله لوارثه، وقولنا إذا لم يكن له وارث وله مال أو قتل فديته وماله إلى بيت مال المسلمين. هذا هو أحد القولين في المسألة، وهو المذهب (٢).
والقول الثاني في المسألة أن ميراثه وديته إن قتل تكون لواجده، وهذا رواية في المذهب (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وشيخنا رحمهما الله (٥)، وهو الصحيح.
стр. 1161
وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، أُلْحِقَ بِهِ (١)،
ــ
=دليل ذلك ما جاء عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لاعَنَتْ عَنْهُ» (١)، ولأن هذا أولى من أن نجعله في بيت المال لأن بيت المال ينتفع به عامة المسلمين، لكن هذا ينتفع به الواجد الذي تعب عليه وربما يكون هو السبب أيضاً في تحصيل المال.
(١) قوله «وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، أُلْحِقَ بِهِ»: هذا هو الحكم السابع من أحكام اللقيط وهو أنه إذا ادعاه أحد فإنه يلحق به وينسب إليه لأن هذا فيه مصلحة للطفل ولا مضرة على غيره فيه، ولأن شريعة الإسلام تتشوف إلى إلحاق الأنساب وكذلك ما ثبت عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢).
فإن ادعته امرأة فقالت هذا ولدي ففي إلحاقه بها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يلحق بها مطلقاً سواء كانت ذات زوج أم لا، لأن الإقرار به سبب لمصلحة الطفل، وهذا هو المذهب (٣).
القول الثاني: لا يلحق بها مطلقاً لأن المرأة لا ينسب إليها، فلا فائدة من إلحاقه بها.
القول الثالث: يلحق بها إلا أن تكون ذات زوج، فلا يلحق بها إلا أن يقر به الزوج، لأن في إلحاق الولد بها وهي ذات زوج إلحاقاً للنسب وذلك غير جائز ولأن في إلحاقه بها عاراً على الزوج فيلزم أن تكون زانية أو موطوءة بشبهة.
стр. 1162
إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا، أُلْحِقَ بِهِ نَسَبًا، لا دِيْنًا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ (١)،
ــ
= قلت: وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (١).
(١) قوله «إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا، أُلْحِقَ بِهِ نَسَبًا، لا دِيْنًا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ»: أي إلا إذا ادعاه كافر فإنه يلحق به نسباً لأن الكافر يثبت له حق النكاح والفراش كما للمسلم، أما الدين فلا يلحق به لأن الطفل محكوم بإسلامه، وقد تقدم بيان ذلك عند قول المؤلف «وهو محكوم بحريته وإسلامه».
لكن ما هو وجه الإلحاق به نسباً وعدم الإلحاق به ديناً؟
نقول: كما ذكرنا أن الشريعة تتشوف إلي إلحاق الأنساب فكونه يلحق به نسباً فيه مصلحة للطفل، أما كونه يلحق به ديناً فهذا ليس فيه مصلحة للطفل بل فيه مضرة عليه بكفره، وقد يكون الطفل ليس بابن له ويكون أبواه مسلمين فلا يزول ذلك بدعوى كافر، فالحاصل أن الطفل يحكم له بالإسلام.
ولا يقبل قول الذَّمي في كفره ولا حق له في حضانته ولا يسلم إليه لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، فإذا جاء كافر وقال هذا اللقيط ابني قلنا له نعم هو ابنك لكنه محكوم بإسلامه ولا حضانة لك عليه.
- فائدة: لا يلحق اللقيط بمن ادعاه إذا ثبت عن طريق تحليل الدم أو عن طريق البصمات الوراثية أنه ليس ولداً له، أو ثبت طبياً أن هذا المدعي للقيط كان عقيماً لوجود الدليل القاطع على نفي ثبوته له وعكس ذلك إذا ثبت عن طريق الطب وعن طريق البصمات الوراثية إن هذا اللقيط ابن شخص ادعاه فإنه يلحق به، فيقدم هذا الشخص على من ادعاه أو ألحقه القافة به، ولو كان الملتقط له.
стр. 1163
بَابُ السَّبْقِ (١)
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ السَّبْقِ»: السبق بسكون الباء بلوغ الغاية قبل غيره، وبالتحريك «السبَق» ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل والنضال فمن سبق أخذه ويسمى «الجعل».
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: حكم السبق:
السبق جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ .. » (١) أي نترامى بالسهام أو نتجارى على الأقدام، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ .. » (٢).
أما دليل السنة: فمنها ما ثبت عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (٣).
وما جاء عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» (٤). وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أجاز السباق على جعل، وأيضاً ما ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «سَابَقَ بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ =
стр. 1164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا» (١)
ومعنى المضمرة: هي التي تربط وتعلف ويسقى كثيراً ثم يعلف قليلاً ويركض في الميدان حتى يخف.
أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على جواز السبق في الجملة لا بالجملة.
- فائدة: في أقسام السبق:
ينقسم السبق إلى ثلاثة أقسام:
الأول: سبق لا يجوز لا بعوض ولا بغير عوض.
الثاني: سبق يجوز بعوض وغيره.
الثالث: سبق يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض.
أما القسم الأول: «ما لا يجوز بعوض ولا بغير عوض»: فهو كل سبق فيه مفسدة راجحة على المنفعة، وكل مغالبة ألهت عن واجب أو دخلت في محرم.
من أمثلة ذلك النرد والشطرنج، ومن ذلك أيضاً المصارعة والملاكمة التي فيها كشف للعورات وضرب يؤدي إلى الموت، وكذلك المسابقات الفنية المحرمة كالتصوير المحرم، والتمثيل المحرم، والغناء والرقص والموسيقى، وكالمناطحة بين الثيران والشياه، وغير ذلك مما هو محرم، فهذا لا يجوز بعوض ولا بغير عوض.
стр. 1165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما القسم الثاني: ما يجوز بعوض وغيره: وهو ما فيه مصلحة راجحة كالرمي، والسباق بالخيل، والإبل لصريح النص الوارد في ذلك.
وهل يجوز القياس على هذه الثلاث؟
محل خلاف بين العلماء، والراجح عندي الجواز لما في ذلك من المصلحة المترتبة عليه كالمسابقات على قيادة الطائرات والدبابات والغواصات الحربية وجميع فنون القتال، وكذلك المسابقة على السيارات التي يستخدمها رجال الأمن ومكافحة المخدرات أو رجال حرس الحدود في مطاردة المجرمين، وكذلك المسابقات العلمية النافعة، كالمسابقة في حفظ القرآن والمسابقة في حفظ السنة والمتون العلمية، وكذلك المسابقة في تأليف الكتب والبحوث العلمية، وإجراء التجارب العلمية فكل هذه وغيرها فيها مصلحة راجحة فيجوز فيها السبق بعوض وغيره.
أما القسم الثالث: ما يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض: وهو ما كان مباحاً ولا يجوز أخذ الجعل عليه كالمسابقة في الرسم المباح، والصور المباحة، والسباق على عموم السيارات والدراجات، وكذا المسابقة على الفيلة والبغال والحمير ونحو ذلك مما هو مباح في أصله، ويدخل في ذلك المباح الذي يغلب عليه اللهو ولا يهدف في الغالب إلى تحقيق أمر مندوب إليه في الشرع، وإن كان قد يكون أحياناً مندوباً إليه كالمسابقة على الأقدام وحمل الأثقال والمصارعة التي لا خطورة فيها وكذلك كرة القدم والسلة واليد ونحو ذلك من أنواع الكرة، فهذه منع أهل العلم المعاصرين (١) وضع الجعل فيها.
стр. 1166
وَتَجُوْزُ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فِي الأَشْيَاءِ كُلِّهَا (١)، وَلا تَجُوْزُ بِجُعْلٍ، إِلاَّ فِيْ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالرَّمْيِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «لا سَبْقَ إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (٢)
ــ
- فائدة: جميع أنواع ألعاب الكرة الأصل فيها الإباحة، وإن نوى المسلم فيها تقوية بدنه ليتقوى بذلك على طاعة الله كان ذلك عبادة يثاب عليها، لكن إن كان يترتب على لعبه كشف للعورات وضياع للواجبات فهنا يحرم، أما وضع الجعل فيها فهو محرم.
(١) قوله «وَتَجُوْزُ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فِي الأَشْيَاءِ كُلِّهَا»: أي يجوز السبق في جميع الأشياء كلها بغير جعل ويكون أكل المال في غير ما سيذكره المؤلف مما ورد النص بجوازه مما يحرم فلا يجوز أخذ الجعل عليه.
(٢) قوله «وَلا تَجُوْزُ بِجُعْلٍ، إِلاَّ فِيْ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالرَّمْيِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «لا سَبْقَ إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (١): لا سبق، أي لا عوض إلا في هذه الثلاث المذكورات، وإنما جاز السبق في هذه الثلاثة لما فيها من المصلحة العامة من الجهاد في سبيل الله وقد سبق بيان ذلك.
والنصل: السهم.
والخف: للبعير.
والحافر: للفرس.
فيكون أكل المال من هذه الثلاث مستثنى من جميع أنواع المغالبات الأخرى وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، لكن لا بد أن ننبه على أن الحديث إن كان قد ورد في هذه الثلاث لأنها كانت آلات الحرب في ذلك الزمان فإنه يدخل في معناه آلات الحرب الحديثة لوجود المعنى في كل منهما.
стр. 1167
فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِقَيْنِ، جَازَ، وَهُوَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا (١)، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَسَبَقَ الْمُخْرِجُ (٢)، أَوْ جَاءَا مَعًا، أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَلا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ (٣)، وَإِنْ سَبَقَ الآخَرُ أَخَذَهُ (٤)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِقَيْنِ، جَازَ، وَهُوَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا»: أي فإن كان العوض من غير المتسابقين وذلك بأن يبذله طرف ثالث فإنه يصح سواء كان من ماله أو بيت مال المسلمين ويكون العوض لمن سبق منهما.
(٢) قوله «وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَسَبَقَ الْمُخْرِجُ»: أي فإن كان الجعل «العوض» بين المتسابقين وقد قام به أحد المتسابقين، فهنا لا يخلو من حالين:
الأولى: إما أن يسبق من جعل المال عوضاً.
الثانية: أو لا يسبق أحدهما الأخر ففي الحالتين يكون المال لمن تبرع به، لأنه لم يستحقه أحد بالمسابقة.
(٣) قوله «أَوْ جَاءَا مَعًا، أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَلا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ»: أي وإن كان الجعل وهو العوض من أحد المتسابقين على أن من سبق أخذ الجعل فسبق من أخرج العوض أو جاء المتسابقان معاً فهنا يعود الجعل لمن أخرجه منهما وليس للآخر شيء.
(٤) قوله «وَإِنْ سَبَقَ الآخَرُ أَخَذَهُ»: أي إن سبق المتنافس الأخر فإنه يأخذ سَبْقَ صاحبه لأنه سبقه فملك المال الذي جعله عوضاً.
وهل يعد ذلك قماراً؟
نقول لا يعد ما بذله أحد المتسابقين قماراً لانتفاء شبهة القمار فيه، وهو رأي الجمهور (١).
стр. 1168
وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيْعًا، لَمْ يَجُزْ، إِلاَّ أَنْ يُدْخِلا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيْرُهُ بَعِيْرَيْهِمِا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمِا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ. وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَار» (١)
ــ
(١) قوله «وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيْعًا، لَمْ يَجُزْ، إِلاَّ أَنْ يُدْخِلا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيْرُهُ بَعِيْرَيْهِمِا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمِا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ. وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ» (١): أي فإن أخرج المتسابقان العوض جميعاً كأن يجعل هذا ألفاً وهذا ألفاً مثلاً فإنه لا يجوز لأنه من القمار ولأن أحدهما لا يخلو من كونه غارماً أو غانماً وهذا هو عين القمار المحرم فما الحل إذاً؟ قال يدخلان بينهما محللاً وهو فرس ثالث لم يضع رهناً فيتسابق معهما وهذا ما ذهب إليه الجمهور (٢)، وذلك لأن بذل الجعل من كلا المتسابقين يعد قماراً كما سبق وهذا أحد القولين في هذه المسألة.
وذهب شيخ الإسلام (٣)، وابن القيم (٤) إلى أنه يجوز بذل العوض من كلا المتسابقين ولو بدون محلل واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - عدم ثبوت الأحاديث التي تدل على اشتراط المحلل.
٢ - لو كان المحلل شرطا لكان التصريح به في الحديث المتقدم يعني حديث أبي هريرة ﵁: «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس =
стр. 1169
فَإِنْ سَبَقَهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَيْهِمِا (١)، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ (٢)،
ــ
= بقمار .. » (١).
٣ - أن إدخال المحلل حيلة، لأنه إن جاز أخذ العوض بلا محلل فلا حاجة إلى المحلل، وإن كان حراماً لكونه قماراً صار إدخال المحلل من أجل استحلال الحرام، والحيل ممنوعة شرعاً، وهذا هو الراجح عندي وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
وعلى ذلك إخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه الحالة ليس قماراً محرماً، بل هو مستثنى منه لأن فيه مصلحة تربو على مفسدته، والمصلحة هي التمرن على آلات القتال، وهذه مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر، والشرع كله مصالح إما غالبة وإما متمحضة.
(١) قوله «فَإِنْ سَبَقَهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَيْهِمِا»: أي إن سبق المحلل المتسابقين الذين دفع كل واحد منهما مالاً كرهان بينهما فإنه يأخذ هذا المال الذي دفعاه.
(٢) قوله «وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ»: أي إن سبق أحد المتسابقين اللذين دفعا مالاً كرهان بينهما لمن يفوز فإنه يأخذ ماله الذي دفعه مضافاً إليه سبق الأخر لأنه جعل لمن يسبق وقد وجد، وقد سبق الخلاف فيما ذكره المؤلف هنا، وقلنا بان الصحيح بأنه لا يشترط وجود المحلل مع المتسابقين اللذين دفعا مال الرهان لكن إن دخل معهما غيرهما ممن لم يدفع شيئاً صح ذلك لعدم المانع منه.
стр. 1170
وَلا بُدَّ مِنْ تَحْدِيْدِ الْمَسَافَةِ، وَبَيَانِ الغَايَةِ (١)، وَقَدْرِ الإِصَابَةِ (٢)، وَصِفَتِهَا (٣)، وَعَدَدِ الرِّشْقِ (٤)،
ــ
(١) قوله «وَلا بُدَّ مِنْ تَحْدِيْدِ الْمَسَافَةِ، وَبَيَانِ الغَايَةِ»: هذا أحد شروط السبق فلا بد من تحديد المسافة من الجري، وتحديد مدى الجري، والمراد بالمسافة بداية المسابقة، بأن يكون لابتداء عدوهما وأخره غاية لا يختلفان فيهما.
وذهب المالكية (١) إلى عدم اشتراط المساواة في المسافة في الميدان ولا في الغاية، فإذا دخلا على اختلاف في ذلك جاز.
والصواب عندي: ما ذهب إليه المؤلف، فلا بد من اشتراط تحديد المسافة والغاية لأنه لا يعلم اسبقهما إلا بذلك.
(٢) قوله «وَقَدْرِ الإِصَابَةِ»: هذا في الرمي فلا بد من تحديد مدى الإصابة لأنها تختلف بالقرب والبعد، كما يشترط بيان عدد الإصابة كما سيذكره المؤلف بقوله «عدد الرشق».
(٣) قوله «وَصِفَتِهَا»: صفة الإصابة كأن يقال يشترط في الإصابة أن تخرق الشيء الذي يرمى أو يشترط أن تصيبه فقط ونحو ذلك.
(٤) قوله «وَعَدَدِ الرِّشْقِ»: أي لا بد من تعيين عدد الإصابات كأن يقول من أصاب عشر إصابات من عشرين فهو السابق أو من أصاب الغرض قبل صاحبه في العشرين رميه الأول فهو السابق ونحو ذلك.
إذاً لا بد من هذه الأمور الثلاثة في الرمي:
١ - تحديد قدر الإصابة. ٢ - صفتها. ٣ - عدد الرشق، لأنه لا يمكن معرفة السابق إلا بها، ولقطع التنازع بين المتسابقين فلو كان ذلك مجهولاً =
стр. 1171
وَإِنَّمَا تَكُوْنُ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ عَلىَ الإِصَابَةِ، لا عَلَى الْبُعْدِ (١)
ــ
= لأفضى إلى النزاع.
(١) قوله «وَإِنَّمَا تَكُوْنُ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ عَلىَ الإِصَابَةِ، لا عَلَى الْبُعْدِ»: هذا أحد القولين في المسألة، والمعنى أن المسابقة بالرمي إنما تكون على الإصابة في عدد من الرشق بأن يقول العاقد الرشق عشرون والإصابة ثمان مثلاً لأن الغرض معرفة الحذق ولا يحصل إلا بمعرفة العدد، ولأن المقصود من الرمي الإصابة لا بعد المسافة ولأن المقصود من الرمي التعلم إما لقتل العدو أو جرحه أو الصيد ونحو ذلك وكل هذا إنما يحصل بالإصابة لا الإبعاد.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن تكون المسابقة على الأبعد رمياً لأنه يمتحن به قوة الساعد ويستعان به على قتال العدو عن بعد، وهذا هو الأظهر عندي.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: يشترط لصحة السبق خمسة شروط:
١ - تعيين المركوبين لأن الغرض معرفة سيرهما ومن ثم فلا يجوز إبدالهما ولا إبدال أحدهما لاختلاف الغرض.
٢ - أن يكون المركوب والآلة التي يركبها من نوع واحد، فإن كانتا من جنسين كالفرس مثلاً والبعير لم يجز لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة، وذهب المالكية (١) إلى الجواز مع الجنس أو اختلافه.
٣ - تحديد المسافة وتحديد مدى الرمي وقد سبق.
٤ - أن يكون العوض معلوماً وذلك لأنه مال في عقد فلا بد أن يكون =
стр. 1172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=معلوماً كسائر العقود ويكون معلوماً بالمشاهدة أو القدر أو الصفة ويجوز أيضاً أن يكون حالاً أو مؤجلاً كالعوض في البيع أو يكون بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً.
٥ - الخروج عن شبة القمار، فإن كان منهما لم يجز، وإن كان من إمام أو أجنبي جاز، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة (١) فإنهم يلزمون أن يكون بين المتسابقين محلل وهو ثالث على فرس كفء.
وذهب شيخ الإسلام (٢) إلى عدم اشتراط هذا الشرط، وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة، وبيان أن الراجح فيها ما رجحه شيخ الإسلام ﵀.
- الفائدة الثانية: حكم عقد المسابقة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أن عقد المسابقة جائز كعقد الجعالة، فلكل واحد من المتسابقين فسخه قبل الشروع في المسابقة.
وذهب المالكية (٥) إلى أنه عقد لازم ليس لأحد المتسابقين فسخه إلا برضاهما.
وذهب الشافعية (٦) وهو الأظهر عندهم إلى أن عقد المسابقة لازم لمن التزم بالعوض، أما من لم يلتزم شيئاً فجائز في حقه. =
стр. 1173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والراجح عندي ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، فهي عقد جائز لكل واحد منهما فسخه لكن يشترط في الفسخ أن لا يظهر الفضل لأحدهما، فإن ظهر الفضل لأحدهما فإنه يمتنع على صاحبه الفسخ لئلا يؤدي إلى التلاعب.
مثال ذلك: إذا كانت الإصابة تسعة من عشرة ثم إن صاحبه أخذ ثلاثة وهو أخذ خمسة فلا يجوز لصاحب الثلاثة أن يفسخ ويجوز لصاحب الخمسة أن يفسخ لأنه ظهر له الفضل، وهذا ما رجحه شيخنا ﵀ (١).
- الفائدة الثالثة: حكم المسابقة في وسائل الإعلام والمؤسسات والشركات:
كثرت في الآونة الأخيرة هذه المسابقات، وتفنن الناس في أنواعها بهدف الفائدة أحياناً وبهدف كسب الربح المادي فقط أحياناً وبهدف إيصال المعلومة إلى أكبر شريحة من المجتمع في بعض الأحيان، وعلى كل حال فهذه المسابقات يحكمها قواعد في باب المعاملات إذا سلمت منها فالأصل جوازها، فإذا خلت من الربا والغرر والميسر والقمار والظلم فالأصل جوازها، ولذا فمتى كان المتسابق سالماً أو غانماً فهي جائزة أما إن كان غانماً أو غارماً فهنا لا تجوز ومن أمثلة ذلك.
أـ المسابقات في الإذاعة والتليفزيون أو غيرها إن كان المتسابق يدفع نقوداً ليحصل على المسابقة أو ليتم الاتصال بالجهة صاحبة المسابقة فهذه لا تجوز لأنه هنا إما غانم أو غارم، فإما أن يكسب المسابقة ويكون غانماً أو لا يكسب ويكون غارماً قيمة المسابقة أو قيمة الاتصال بالجهة المعينة، لكن لو كانت المسابقة مجانية أو كان الاتصال مجاناً فالأصل الجواز.
стр. 1174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب - المسابقات الصحفية: وهذه المسابقات إذا لم تشترط الصحيفة شراءها ولم تشترط نموذجاً - كوبوناً - معيناً، فالأصل الجواز ما دام فيها فائدة ثقافية أما إذا اشترطت الصحيفة شراءها أو اشترطت وضع «الكوبون» ضمن الإجابة فهنا نقول لا تجوز هذه المسابقة إلا لمن كان يشتري الصحيفة قبل المسابقة أو كانت تأتيه من دون قيمة لأنه هنا إما أن يكون غانماً أو سالماً.
ج - الجوائز في المؤسسات والمحلات والشركات، هذا النوع جائز بشروط:
١ - ألا يزيد صاحب المحل من قيمة السلعة.
٢ - ألا يوقع الضرر على المحلات الأخرى المماثلة له.
٣ - ألا يشترط الشراء بل يسمح لكل من يرغب في دخول المسابقة.
٤ - أن لا يشتري المتسابق سلعة لا يحتاج إليها، وبهذا يعلم أن الهدايا التشجيعية عند المحلات التجارية لا حرج فيها - إن شاء الله - لأن المتسابق إما أن يكون غانماً للهدايا أو سالماً لم يخسر شيئاً.
стр. 1175
بَابُ الْوَدِيْعَةِ (١)
وَهِيَ أَمَانَةٌ (٢)، لا ضَمَانَ فِيْهَا عَلَى الْمُوْدَعِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ (٣)،
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ الْوَدِيْعَةِ»: الوديعة في اللغة: من ودْع الشيء إذا تركه عند المودع، وفي الشرع توكيل المودع من يحفظ ماله بلا عوض.
حكم الوديعة: الوديعة جائزة، بل هي مستحبة لمن كان أميناً وعلم من نفسه القدرة على حفظها.
عقد الوديعة: عقد الوديعة عقد جائز من الجانبين يملك كل منهما فسخه، قال ابن جِزي (١) «وهي أمانة من الجهتين فلكل واحد منهما حلَّها متى شاء».
(٢) قوله «وَهِيَ أَمَانَةٌ»: أي الوديعة أمانة عند المودع والأمانة أعم من الوديعة، لأن الأمانة تكون في معاملة الإنسان مع ربه ومع الناس ومع نفسه، والوديعة نوع من الأمانة والأخص دائماً يستلزم معنى الأعم ولا عكس، وعلى ذلك كل وديعة أمانة وليست كل أمانة وديعة.
(٣) قوله «لا ضَمَانَ فِيْهَا عَلَى الْمُوْدَعِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ»: لأنه أمين قبض المال بإذن مالكه والقاعدة في ذلك أن الأمين لا يضمن ما تلف تحت يده إلا بتعد أو تفريط بدليل قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ .. ﴾ (٢)، والمودع محسن فإذا كان محسناً فلا ضمان عليه لكن إن تعدى أو فرط فإنه يضمن، وللتفريط والتعدي صور كثيرة نذكر منها ما يلي:
١ - أن يودعها المودع عند غيره دون إذن المالك فيضمن بذلك.
стр. 1176
وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا (١)،
ــ
٢ - السفر بها بدون إذن صاحبها مع أن بقاءها أضمن.
٣ - ترك الإيصاء فإذا مرض المودع مرضاً مخوفاً أو حبس لقتل لزمه أن يوصي بها فإن لم يفعل ضمن.
٤ - الانتفاع بالوديعة، فالانتفاع بها يوجب الضمان عليه.
٥ - المخالفة في الحفظ فإن أمره بحفظها بوجه مخصوص فجعلها في دونه ضمن.
٦ - التأخر في رد الوديعة بعد طلب صاحبها بدون عذر حتى تلفت فإنه يضمن (١).
(١) قوله «وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا»: الحرز: ما يصون الشيء ويحميه، وهو يختلف بعدة اعتبارات، فيختلف باختلاف الأموال، وباختلاف البلدان وباختلاف السلطان قوة وضعفاً وعدلاً وجوراً.
فاختلاف الأموال مثل حرز الذهب والفضة كحرز الأواني.
واختلاف البلدان مثل البلد الذي فيه جنود الأمن منتشرة ليس كالبلد مفتوح الأبواب ليس فيه أحد من قوى الأمن فهذا أولى بالتحرز.
وكذلك السلطان، فالسلطان إن كان قوياً هان الاحتراس وإن كان ضعيفاً يجب أن يشتد الاحتراس، ومعنى قوله «وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا» أي إن حفظها في مكان أقل من مستوى حفظ وصيانة هذه الأمانة فتلفت أو سرقت وجب عليه ضمانها لأنه مفرط في حفظها.
стр. 1177
أَوْ مِثْلِ الْحِرْزِ الَّذِيْ أُمِرَ بِإِحْرَازِهَا فِيْهِ (١)، أَوْ تَصَرَّفَ فِيْهَا لِنَفْسِهِ (٢)، أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (٣)، أَوْ أَخْرَجَهَا لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا (٤)،
ــ
(١) قوله «أَوْ مِثْلِ الْحِرْزِ الَّذِيْ أُمِرَ بِإِحْرَازِهَا فِيْهِ»: أي حفظها في مكان ليس مثل الذي أمر بإحرازها فيه، كأن يأمره صاحبها بأن يضعها في صندوق حديدي بعيداً عن أعين الناس فوضعها في صندوق خشبي عادي أمام أعين الناس فإنه يضمن بذلك لأنه فرط، لأن صاحب الوديعة عيَّن مكاناً للحفظ فلا بد من الضمان عند عدم القيام بما أُمر به.
فإن عين صندوقاً فوضعها في صندوق مثله فلا ضمان عليه إلا إذا كان فيما عينه زيادة حرز، أما إذا جعلها في حرزٍ أقوى منه فلا ضمان عليه.
(٢) قوله «أَوْ تَصَرَّفَ فِيْهَا لِنَفْسِهِ»: كأن ينفقها على نفسه أو يستخدمها فتلفت فإنه يضمن لأنه تسبب في إتلافها فلزمه ضمانها.
(٣) قوله «أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ»: كأن تكون الوديعة بُرًّا فيخلطها بِبُرٍّ فهنا خلط الوديعة بشيء غير متميز لأن حب البُر واحد لا يختلف، فلو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن.
وما ذكره المؤلف هنا له حالات:
الأولى: أن يخلطها بغير متميز فعليه الضمان.
الثانية: أن يخلطها بتميز يصعب فيه التمييز فعليه الضمان، كما لو خلط وديعة الشعير ببر عنده فهذه يصعب عليه استخلاص الوديعة فهنا يضمن.
الثالثة: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز فهنا ليس عليه ضمان.
(٤) قوله «أَوْ أَخْرَجَهَا لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا»: كأن تكون الوديعة دراهم ثم استقرضها
فإنه يضمن لأنه ليس له الحق في أن يستقرضها أو يتصرف فيها بأي شيء.
стр. 1178
أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيْسِهَا (١)، أَوْ جَحَدَهَا (٢)، أَوِ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا عِنْدَ طَلَبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، ضَمِنَهَا (٣)، وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِيْ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا، أَوْ رَدَّهَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (٤)،
ــ
(١) قوله «أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيْسِهَا»: وهذا فيما مضى فإنهم كانوا إذا وضعوا المال في كيس ربطوا أعلاه ثم صبوا على رأس الخيط شمعاً مذاباً ثم ختموا عليه بخاتم، لئلا يجترئ أحد على فكه، فإذا قام المودع عنده بكسر ختم الكيس فإنه يضمن، ومثله أيضاً إذا كسر القفل الذي على الصندوق الذي فيه الوديعة ثم تلفت فإنه يضمن لأنه بذلك قد خان الأمانة فأصبحت يده خائنة لا أمينة واليد الخائنة يلزمها الضمان.
(٢) قوله «أَوْ جَحَدَهَا»: أي إن جحد المودع الوديعة ثم أقر بها صار خائناً فيضمن بذلك لخروجه بهذا الجحود عن كونه أميناً إلى كونه غاصباً، فإن تلفت عنده صار ضامناً وكذلك إن كان ما ادعاه من الرد أو التلف بعد جحوده كما لو ادعى بالوديعة يوم الجمعة فجحدها ثم أقر بها يوم الأحد ثم ادعى ردها أو تلفت بغير تفريط يوم السبت، وأقام بذلك بينة قبلت بينته لأن جحوده لا يكذبها، إذ يمكن أن يحدث الوديعة آخر نهار الجمعة بعد إنكاره، وإنما لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه بإنكاره لها صار غير أمين فلم يقبل قوله.
(٣) قوله «أَوِ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا عِنْدَ طَلَبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، ضَمِنَهَا»: أي إذا طلب صاحب الوديعة «الوديعة» من صاحبها المودع عنده ثم رفض ردها إليه مع إمكانه حين طلبها ردها إليه فإنه يضمنها عند تلفها لأنه معتدٍ بذلك، وقد سبق بيان صور التعد في أول باب الوديعة.
(٤) قوله «وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِيْ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا، أَوْ رَدَّهَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ»: و صورة هذه المسألة أن يقول صاحب الوديعة «لي وديعة عندك»، فقال =
стр. 1179
وَإِنْ قَالَ: مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى رَدَّهَا، أَوْ تَلَفَهَا، قُبِلَ مِنْهُ (١)
ــ
=المستودع «ما أودعتني شيئاً»، ثم ثبتت الوديعة عنده ببينة أو إقرار، ثم ادعى أنه ردها على صاحبها أو ادعى بأن الوديعة تلفت فهنا لم تقبل دعواه.
وهل لا تقبل دعواه مطلقاً أم تقبل مع البينة؟ قولان:
الأول: ما ذهب إليه المؤلف هنا أنها لا تقبل دعواه مطلقاً.
الثاني: في المسألة أن دعواه تقبل بالبينة، وهذه رواية عن الإمام أحمد (١).
وهذا هو الأظهر عندي أنه إن جاء ببينة تثبت دعواه على تلف الوديعة أو ردها على صاحبها تقبل دعواه لأنهم قوم عدول شهدوا بردها إلى صاحبها.
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ: مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى رَدَّهَا، أَوْ تَلَفَهَا، قُبِلَ مِنْهُ»: هذا بخلاف الذي قبله والفرق بينهما أن العبارة الأولى وهي قوله «مَا أَوْدَعْتَنِيْ» فيها إنكار أصل الإيداع.
أما قوله «مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ» فإنه لم ينكر أصل الإيداع وإنما نفى أن يكون عنده له شيء، فإن ادعى تلفها أو ردها قبل قوله بيمينه في الرد والتلف لعموم قوله ﷺ « .. وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢)، ولا ضمان عليه لأن دعواه التلف أو الرد لا ينافي جوابه في قوله «مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ» لجواز أن يكون أودعه ثم تلف بغير تفريط أو ردها.
ومن تلفت عنده الوديعة بلا تفريط فلا شيء لمالكها عنده ولا يستحق عليه شيئاً.
стр. 1180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوديعة:
- الفائدة الأولى: لو شرط الضمان على المودع فهل يضمن؟
قولان لأهل العلم أصحهما أنه لا يضمن إذا لم يتعد أو يفرط.
- الفائدة الثانية: يعتبر للوديعة ما يعتبر للوكالة: من كون المتعاقدين جائزي التصرف رشيدين.
- الفائدة الثالثة: في أنواع الوديعة:
١ - استئجار خزائن حديدية لوضع الوديعة فيها.
٢ - وديعة تحت الطلب.
٣ - وديعة ادخارية.
٤ - وديعة استثمارية.
٥ - وديعة وثائق ومستندات.
وسيأتي بيان هذه الأنواع وغيرها قريباً إن شاء الله.
- الفائدة الرابعة: أركان الوديعة: «مودِع، ومُودَع إليه، ومُودَع - وهو المال -».
- الفائدة الخامسة: الأموال التي عند البنوك هل هي وديعة ؟
الجواب: الصواب أنها قروض، ويترتب على ذلك مسألة التلف والزيادة وغيرها، فإذا تلفت في البنك صار ضامناً بخلاف لو قلنا بأنه وديعة، وكذلك الزيادة يكون قرضاً جر نفعاً فهو ربا.
- الفائدة السادسة: من ادعى سرقة الوديعة دون ماله فعليه ضمانها.
- الفائدة السابعة: من مات وعنده وديعة لغيره ففقدت فهي دين تقضى من تركته.
- الفائدة الثامنة: إذا حدث للمودع إليه سفر أو خوف فعليه أن يرد الوديعة لصاحبها أو وكيله، فإن لم يفعل وتلفت فإنه يضمنها.
стр. 1181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفائدة التاسعة: إذا أودعها - المودع - عند القاضي أو أجنبي فتلفت فإنه يضمن، وهل يطالبهما بذلك؟
الصواب: أنهما إن لم يفرطا فلا يضمنان، لكنه هو يضمن لأنه لم يؤذن له في الإيداع عند غيره.
الفائدة العاشرة: الودائع المصرفية:
تتنوع الودائع المصرفية من حيث موعد استردادها إلى نوعين:
أولاً: الوديعة الحالة: وتسمى الودائع الجارية أو المتحركة أو الحسابات الجارية كما تسمى الودائع تحت الطلب، وهي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بحيث تُرَّد بمجرد الطلب دون توقف أو أخطار سابق، وذلك عن طريق الشيكات أو أوامر التحويل المصرفي أو بطاقات الصرف الآلي ونحو ذلك.
حكم هذا النوع من الودائع؟
هذا النوع يعد قرضاً بالمنظور الفقهي حيث إن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم شرعاً بردها عند الطلب، وعليه فإن أرصدة ودائع الحساب الجاري تنتقل إلى المصرف فيجوز له التصرف فيها وقد صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم (٨٦) (٣/ ٩) وجاء فيه:
«أولاً: الودائع تحت الطلب «الحسابات الجارية» سواء أكانت لدى البنك الإسلامي أو البنوك الربوية هي قرض بالمنظور الفقهي حيث أن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم بالرد عند الطلب.
стр. 1182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانياً: الودائع الآجلة: وتسمى الودائع الثابتة وغير الجارية، وهي الودائع التي لا يلتزم المصرف بردها إلا عند أجل معين حسب الشروط المتفق عليها، ولا يحق للمودع طلب استردادها قبل هذا الأجل، وعرفت بأنها عبارة عن المبالغ التي يودعها أصحابها في البنك بقصد الحصول على دخل فيما يتقاضونه من الفوائد وهذا النوع من الودائع ينقسم إلى أقسام منها:
أـ الودائع لأجل ثابت معين وهي عبارة عن المبالغ التي يضعها صاحبها في البنك بناء على اتفاق بينهما بعدم سحب المودع لها شيئاً منها إلا بعد مضي فترة معينة من الزمن مقابل فائدة ثابتة.
ب - الودائع بشرط الإخطار: وهي الودائع التي يمكن لصاحبها أن يسحبها ولكن بعد أن يعطي إشعاراً بذلك إلى البنك يحدد له مهله معينة لسحبها ابتداء من تاريخ الإخطار لقاء نسبة معينة من المال المودع.
ج - ودائع التوفير ولها صور متعددة:
١ - أن يقوم صاحب هذا النوع بإيداع مبالغ متفرقة بين الحين والآخر، بحيث إنه إذا أودع مبلغاً استحق فائدة عليه من حين الإيداع.
٢ - ودائع الادخار، وهي عبارة عن مبالغ تودع لدى البنك ويكون لهم حق السحب منها في فترات محددة كمرة في الأسبوع مثلاً لقاء فائدة معينة وقد تحدد بعض البنوك حداً أعلى للسحب في كل مدة كنسبة مئوية أو مبلغ ثابت.
٣ - ما يودعه الموفر في البنك من مبالغ ينشئون بها حساباً في دفتر خاص توضح به إيداعات ومسحوبات صاحبه مقابل نسبة فائدة ثابتة وتوجد حدود للسحب اليومي من الرصيد في هذا الدفتر، ولا يمكن لصاحبه سحب كامل=
стр. 1183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=رصيده دفعة واحدة».
حكم الودائع المؤجلة: الودائع المؤجلة بجميع أنواعها التي تم ذكرها يعطي البنك عليها فائدة ثابتة على المبالغ المودعة، وحيث إن تلك المبالغ المودعة تعتبر من القروض ولا يجوز شرعاً إعطاء الفائدة على القروض وقد صدر بتحريم ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة في دورته التاسعة سنة ١٤٠٦ هـ، كما صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة رقم (٨٦) (٣/ ٩) وقد جاء فيه:
«ثانياً: إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين حسب واقع التعامل المصرفي.
أـ الودائع التي تدفع لها فوائد كما هي الحال في البنوك هي قروض ربوية محرمة سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب «الحسابات الجارية» أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار أم حسابات التوفير.
وبناء عليه فإنه ينبغي إيجاد بدائل عن تلك الودائع الممنوع أخذ فوائد عليها، ومن ذلك أن تكون تلك الودائع بغرض الاستثمار في أشياء مشروعة بحيث تكون رأس مال مضاربة تستثمر باتفاق بين البنك والمودع بحصة من الربح للمودع وبذلك تخرج عن أحكام القرض إلى أحكام المضاربة».
- الفائدة الحادية عشر: وديعة الوثائق والمستندات:
تعريفها: هي ودائع يتم من خلالها تسليم المودع الوثائق إلى البنك لحفظها بأعيانها ويعطي صاحبها إيصالاً بها ويقوم البنك بردها عند طلبها أو نهاية الأجل المحدد وذلك مقابل أجرة يتفقان عليها، وحكم هذا النوع من الودائع الجواز لأنه يعتبر عقد إجارة على حفظ ودائع بأجرة معلومة للطرفين.
стр. 1184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة الثانية عشر: عقد التأمين:
عقد التأمين من العقود الحادثة التي لم تكن موجودة في عصور الفقه الإسلامي السابقة ولذلك تعددت آراء الباحثين فيه.
تعريفه: التأمين نوعان: تعاوني وتجاري ولكل منهما تعريفه.
١ - التأمين التعاوني: «التبادلي» ويتم عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر تعاوناً منهم على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث.
٢ - التأمين التجاري: وهو عقد يلزم فيه أحد الطرفين وهو المؤمن أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو المؤمن له عوضاً مادياً يتفق عليه يدفع عند وقوع الخطر وتحقق الخسارة المبنية في العقد، وذلك نظير رسم يسمى «قسط التأمين» يدفعه المؤمن له حسب ما ينص عليه عقد التأمين.
حكم التأمين:
أولاً: حكم التأمين التعاوني: يجوز التأمين التعاوني «التبادلي» لأنه يقصد به التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث، وهو يتماشى مع الأصول والقواعد الشرعية ولا يخالفها وهو مبني على التبرع والتكافل.
وقد قال بجواز هذا النوع هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، وقالوا إن هذا النوع من التأمين من عقود التبرع وخلوه من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسأ، كما أنه لا يضر جهل=
стр. 1185
وَالْعَارِيَةُ مَضْمُوْنُةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيْهَا المُسْتَعِيْرُ (١)،
ــ
=المساهمين لأنهم متبرعون فلا مخاطر ولا غرر ولا مقامرة.
ثانياً: حكم التأمين التجاري: اتفق أكثر الباحثين على عدم جواز هذا النوع من التأمين، وهذا ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعللوا القول بحرمته بأنه عقد من عقود المعاوضات المالية المشتملة على الغرر الفاحش، وأنه ضرب من ضروب المقامرة وأنه من الرهان المحرم.
(١) قوله «وَالْعَارِيَةُ مَضْمُوْنُةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيْهَا المُسْتَعِيْرُ»: ما ذكره المؤلف هنا هو باب العارية، وقد اختصره المؤلف اختصاراً شديداً وجعل له مسألة واحدة وهي ضمان المستعير للعارية سواء حدث تفريط منه وتعد أم لا، وقد اختلف الفقهاء في ضمان العارية على المستعير على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف أن العارية مضمونة، وهذا هو قول ابن عباس ﵄ وعطاء، وهو قول الشافعية (١)، وهو قول الإمام مالك (٢)، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد (٣)، بل ذكر ابن حجر (٤) أن هذا هو قول الجمهور، واستدل لذلك بأدلة منها، ما ثبت عَنْ سَمُرَة أن رسول الله ﷺ قال «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (٥)، وجه الدلالة من الحديث أن اليد مطالبة برد ما أخذته ولا يتم ذلك إلا بالضمان.
стр. 1186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القول الثاني: أن العارية غير مضمونة: وهذا مذهب أبي حنيفة (١)، وقول بعض الحنابلة اختاره ابن القيم (٢)، وحجتهم في ذلك أن المستعير أمين كما ثبت عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» (٣).
القول الثالث: إن كان التلف بشيء ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان وانقلاب السيارة فلا يضمن، وإن كان بشيء لا يطلع عليه كدعوى ضياع الكتاب أو سرقته ونحو ذلك فهنا يضمن إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف وهذا مذهب مالك (٤).
والراجح عندي: هو القول بضمان العارية عند تلفها سواء أكان يتعد أم لم يكن بتعدٍ للأحاديث الواردة فيها، ولأن المصلحة في الانتفاع بها للمستعير دون المعير وتضمينه يدفعه إلى المحافظة عليها، وليكون ذلك دافعاً للناس لبذل المنافع إذا وثقوا من سلامة ملكهم إما بعودته أو ضمانه وبدونه تقل الرغبة بالتعاون في ذلك.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالعارية:
- الفائدة الأولى: شروط العارية يشترط للعارية ثلاثة شروط:
١ - أن يكون المعير أهلاً للإعارة.
٢ - أن تكون العين منتفعاً بها مع بقائها.
стр. 1187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣ - أن يكون النفع مباحاً.
- الفائدة الثانية: حكم عقد العارية:
اختلف الفقهاء في حكم عقد العارية، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢) إلى أن عقد العارية عقد جائز للمعير أن يرجع في العارية متى شاء.
وذهب المالكية (٣) في المشهور عندهم أنه ليس له استرجاعها قبل الانتفاع، وإن شرط مدة لزمته تلك المدة، وإن لم يشترط مدة لزمه من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية.
وذهب الحنابلة (٤) أن للمعير أن يرجع ما لم يكن على المستعير ضرر في رجوع المعير كما إذا أعاره أرضاً ليزرعها فله الرجوع ما لم يزرع، فإن زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ينتهي الزرع.
الراجح من الأقوال الذي يظهر لي أن الأولى هو القول بأن للمعير الرجوع في عاريته ما لم يكن في ذلك ضرر على المستعير، فإن كان فيه ضرر فينظر المدة اللازمة لانتهاء الغرض الذي يزول فيه الضرر، وذلك لما فيه من تحقيق الهدف من العارية.
- الفائدة الثالثة: في حكم إعارة العارية وإجارتها:
ذهب بعض الفقهاء منهم الحنفية (٥) إلى أن المستعير له إعارة العارية وإن لم=
стр. 1188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=يأذن المالك إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل وذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢) إلى أن المستعير ليس له حق الإعارة أو التأجير إلا بإذن المالك.
والراجح عندي: أنه لا يجوز إعارة العارية ولا تأجيرها إلا بإذن مالكها لأنه قد لا يرضى مالكها ذلك، وهو قول الحنابلة، والشافعية قياساً للمستعير على الضيف، فكما أن الضيف الذي أبيح له الطعام لا يجوز له أن يبيحه لغيره فكذلك المستعير لا يجوز له أن يعير غيره، أما إذا أذن له مالكها جاز ذلك باتفاق الفقهاء، وكذلك إذا علم المستعير أن المعير يأذن في مثل تلك العادة فله إعارتها، المهم إذاً إذن المستعير بالإعارة أو وجد ما يدل على ذلك فله أن يعيرها وإلا فلا، وبذلك يتبين لنا خطأ كثير من الناس الذين يعيرون ما لا يملكون بلا إذن مالك الإعارة.
- الفائدة الرابعة: في كيفية تضمين العارية:
يرى الفقهاء أنه يجب ضمان العين بمثلها فإن لم تكن مثلية فإنها تضمن بقيمتها يوم تلفها إلا إذا تلف فيها أجزاء قبل ذلك فإنه يضمنها يوم تلف أجزائها.
- الفائدة الخامسة: يقع بعض الناس في أخطاء بالنسبة للعارية:
منها عدم إعادة العين إلى صاحبها متى انتهى منها المستعير، بل يهملها ويتركها، وقد ينساها صاحبها، أو لا يدري من المستعير إذا طال الزمن وهذا من الأخطاء التي لا بد للمستعير أن يتوقاها، ومن ذلك أيضاً الإساءة إلى العين المعارة وعدم ردها كما أخذت وهذا يقع كثيراً في استعارة الكتب، وبعض الأمتعة.
стр. 1189
بَابُ الإِجَارَاتِ (١)
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ الإِجَارَاتِ»: الإجارة في اللغة: (١) مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجراً، لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته، أو صبره عن معصيته.
أما تعريفها في الشرع: فقد اختلفت تعريفات المذاهب في تعريف الإجارة لفظا وإن كانت قد اتفقت في معناها، فعند الحنفية (٢) مثلاً: الإجارة عقد على المنافع بعوض.
والمالكية (٣) «عقد وارد على المنافع لأجل»، أو «هي تمليك منافع بشيء مباح مدة معلومة بعوض»، وعند الشافعية (٤) «عقد على منفعة معلومة مقصودة قابلة للبذل، والإباحة بعوض معلوم وضعاً».
وعند الحنابلة (٥) هي عقد على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة، من عين معلومة، أو موصوفة في الذمة، أو عمل بعوض معلوم.
فهذه هي تعريفات أصحاب المذاهب في تعريف الإجارة، ومن نظر إليها وجدها كما ذكرت فيها اختلاف يسير في الألفاظ لكنها تؤدي إلى معنى واحد.
ومن نظر إلى تعريف الحنابلة وجده قد تضمن ما في التعريفات «السابقة» =
стр. 1190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وأضاف إليها بعض الشروط اللازم توافرها في عقد الإجارة.
شرح تعريف الحنابلة للإجارة:
قولهم «عقد» أي التزام أحد الطرفين أو كليهما «على منفعة» كسكنى دار أو تأجير دابة ونحو ذلك وقولهم منفعة احترازاً من العقد على الأعيان، فإن العقد على الأعيان يسمى بيعاً، فالمعقود عليه في الإجارة هو المنافع لا الأعيان.
وقولهم «مباحة» خرج منها ما لو كانت المنفعة غير مباحة كأن يستأجر داراً ليجعل فيها أشياء محرمة، أو استأجر دكاناً ليبيع فيه أشياء محرمة وغير ذلك.
وقولهم «معلومة» أي لا بد أن تكون المنفعة معلومة فيقول أريد كذا وكذا ويعين ما يريد، وقولهم «مدة معلومة» أي وتكون مدة الإجارة معلومة كيوم، أو شهر أو سنة.
وقولهم «من عين معلومة» أي مشاهدة بالعيان.
وقولهم «موصوفة في الذمة» كأن يقول أريد استئجار دابة صفتها كذا، أو داراً صفتها كذا وهكذا، وقولهم «بعوض معلوم» أي لا بد أن تكون الأجرة معلومة، فلو قال له استأجرت منك هذه الدار بما في يدي من الدراهم، فالإجارة غير صحيحة، لجهالة ما في يده من الدراهم.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالإجارة:
- الفائدة الأولى: الإجارة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
دليل الكتاب: قال الله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .. ﴾ (١)،
стр. 1191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ومن ذلك أيضاً قوله تعالى ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (١). فالإجارة هي سُنَّة الأنبياء كما حصل مع موسى، وهي كذلك سنة الأولياء كما حصل مع الخضر.
أما السنة فالأدلة فيها كثيرة منها:
(١) ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» (٢).
(٢) ومن ذلك أيضاً ما جاء عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (٣).
أما الإجماع (٤): فقد انعقد على مشروعية الإجارة وإباحتها، قال الإمام الشافعي (٥) في الأم: ولا يختلف أهل العلم ببلدنا فيما علمناه من إجازتها، وعوام فقهاء الأمصار.
- الفائدة الثانية: أركان الإجارة هي:
أولاً: العاقدان «المؤجر والمستأجر»: ويشترط لهما شروط:
١ - أن يكونا رشيدين، فإن عقد السفيه والمحجور عليه لا ينفذ، وما عقد=
стр. 1192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=عليه مما يتضمن تملكاً موقوف على نظر وليه.
٢ - أن يكونا مميزين، فلا يصح عقد الإجارة من الصغير والمجنون والسكران.
٣ - أن يتم العقد من مالك، أو وكيل، أو ناظر.
٤ - أن يتم العقد باختيارهما، فإن وقع العقد تحت الإكراه بغير حق فالعقد باطل.
ثانياً: الصيغة «الإيجاب والقبول»:
والصحيح أن الإجارة تنعقد بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما، وهذا عام في جميع العقود كما سبق، وذلك لأن الشارع لم يحد في ألفاظ العقود حداً، بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ «الفارسية، والرومية وغيرها» من الألسن العجمية فهي تنعقد بما يدل عليها من الألفاظ العربية.
ثالثاً: المعقود عليه «المنفعة والأجرة»: ويشترط له شروط هي:
١ - القدرة على تسليم العين المؤجرة، ليتمكن المستأجر منها.
٢ - بقاء العين المؤجرة بعد استيفاء المنفعة المعقود عليها، دون أن يعود ذلك على استهلاكها، أو أجزاء منها.
٣ - اشتمال العين على المنفعة المعقود عليها فلا يصح إجارة أرض لا تنبت مثلاً.
٤ - معرفة العين المؤجرة وذلك بأن تكون معلومة علماً يمنع المنازعة ويرفع الجهالة ويمنع الضرر، أما المنفعة فيشترط لصحة العقد بها شروط هي:
١ - كون المنفعة لها قيمة مالية، ليحسن بذل المال في مقابلتها فإن كانت محرمة=
стр. 1193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=كالزنا، والزمر، والنوح، والغناء فلا يجوز الاستئجار لفعلها.
٢ - كون المنفعة مملوكة للمؤجر، أو مأذوناً له فيها، لأنها من بيع المنافع فاشترط فيها ذلك كالبيع.
رابعاً: الأجرة: وهي العوض الذي يعطى مقابل منفعة الأعيان، أو منفعة الآدمي.
- الفائدة الثالثة: لو استأجر رجلاً يرعى الغنم بنصف درها وبنسلها وصوفها وشعرها أو أكثر أو أقل لم يجز لأن الأجرة غير معلومة، فإن كان رعيه بنصف الغنم أو ربعها أو جزء مشاع معلوم منها جاز ذلك لأن الأجرة معلومة.
- الفائدة الرابعة: إذا فسخ المستأجر قبل انقضاء المدة وترك الانتفاع لزمته الأجرة كاملة، فإن أخرجه المالك قبل تمام المدة لم يستحق قسطها من الأجرة.
- الفائدة الخامسة: الإجارة عقد لازم ليس لهما فسخها إلا برضا الطرف الآخر، وأجاز الحنفية للمستأجر جواز الفسخ لعذر قاهر، كالمرض لمن استأجر دابة للحج مثلاً، وكذا لو ظهر عيب لم يعلم به المشتري حال العقد فله الفسخ، فإن لم يُسَلِّم المؤجر العين أو لم ينتفع المستأجر مع تمكنه من العين فإن المقصر يتحمل في هذه الحالة وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك.
- الفائدة السادسة: في حكم الاستئجار على القُرب، لا تصح الإجارة على القُرب - العبادات - كالحج والآذان وغير ذلك لأن هذه الأعمال مما يتقرب بها إلى الله وأخذ الأجرة عليها يخرجها عن ذلك أما أخذ رزق من بيت المال على أعمال القربة كالآذان والإمامة وتعليم القرآن فلا بأس به لأنها ليست معاوضة.
стр. 1194
وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ (١)، لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ (٢)، لا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا (٣)،
ــ
(١) قوله «وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ»: الإجارة ضربان:
الأول: الإجارة على العين يستوفي منافعها نحو أجرتك هذه الدار أو هذه الدابة مثلاً.
الثاني: الإجارة على عمل: وهي عقد على عمل معلوم يقوم به العامل كحمل هذا المتاع إلى مكان كذا، أو بناء هذا الجدار ونحو ذلك وقوله «عَلَى الْمَنَافِعِ» احترازاً كما قلنا من أن يكون العقد على العين، فالعقد على العين بيع كما سبق.
(٢) قوله «لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ»: اتفق الفقهاء على أن عقد الإجارة من العقود اللازمة بين الطرفين ليس لواحد منهما فسخه اختياراً كما سبق في الفائدة الخامسة وعلى ذلك يترتب على عقد الإجارة أمور:
١ - عدم جواز الفسخ في حالة استيفاء المنفعة المعقود عليها.
٢ - إذا ظهر مانع من الانتفاع بالعين المعقود عليها قبل العقد، أو أثناءه كما لو اكترى أرضاً لها ماء ليزرعها فانقطع ماؤها، أو استأجر داراً ليسكنها فانهدمت الدار قبل انقضاء مدة الإجارة انفسخت ويكون الفسخ بحسب المدة، فإن كان قد ظهر المانع من الانتفاع من البداية انفسخت الإجارة من البداية، وإن كان قد ظهر المانع بعد انقضاء مدة من الإجارة فيكون الفسخ فيما تبقى من المدة.
(٣) قوله «لا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا»: لأن الإجارة كما سبق عقد لازم بين الطرفين، يقتضي تملك المؤجر الأجرة، وتملك المستأجر المنافع، فلا يمكن فسخه إلا لسبب أو لأنها أيضاً عقد معاوضة فكان لازماً كالبيع.
стр. 1195
وَلا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَلا جُنُوْنِهِ (١)، وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُوْدِ عَلَيْهَا (٢)،
ــ
(١) قوله «وَلا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَلا جُنُوْنِهِ»: أي لا تنفسخ الإجارة بموت ولا جنون المؤجر أو المستأجر، لأن الإجارة كما سبق معاوضة أي متعلقة بالمنفعة، فإذا مات أو جن المؤجر أو المستأجر قام ورثتهما مقامهما فيقوم ورثة المستأجر مقامه في استيفاء المنفعة من العين المؤجرة، ويقوم ورثة المؤجر مقامه بأخذ الأجرة واستمرار المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة إلى انتهاء الإجارة فإن لم يكن للمستأجر وارث انفسخت الإجارة بموته لتعذر استيفاء المنفعة.
(٢) قوله «وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُوْدِ عَلَيْهَا»: أي تنفسخ الإجارة بتلف العين المعقود عليها، كدار انهدمت أو دابة ماتت، لأن المنفعة زالت بالكلية والتلف له حالات:
الأولى: أن تتلف العين المؤجرة بعد مضي مدة فالحكم هنا أنها انفسخت فيما بقي، ووجب للماضي القسط من الأجرة.
مثال ذلك: شخص استأجر داراً لمدة سنة بألفي ريال، وانهدم البيت بعد تمام ستة أشهر فهنا يلزمه ألف ريال، فلو قدر أن الزمن الذي انهدمت فيه زمن موسم تكون فيه العقارات أغلى، كأن تكون الأربعة أشهر الأخيرة تساوي ثلثي الأجرة باعتبار قيمة المنفعة لا باعتبار قيمة الزمن، فقد تكون ستة أشهر إذا وزعنا الأجرة عليها مع بقية السنة لا تساوي إلا ربع الأجرة، فنعطيه خمسمائة ريال.
الثانية: أن تتلف العين المؤجرة قبل أن يقبضها المستأجر للانتفاع بها فهنا تنفسخ الإجارة ولا شيء للمؤجر بغير خلاف.
الثالثة: أن يكون الإتلاف قد حصل من المستأجر فتنفسخ الإجارة، ويضم المستأجر ما أتلف من العين.