← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ويسميها أهل الحجاز بالقراض، من القرض وهو القطع، لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله وأعطاها له مقارضة يتجر بها. والمقارضة والقراض: دفع مال إلى شخص يتجر به (١). حكم هذا النوع من الشركات: الجواز؛ فهي جائزة بإجماع (٢) أهل العلم، أما صفتها الشرعية: فهي كما ذكر المؤلف أن يتفق اثنان أو أكثر يقدم أحدهما مالاً والآخر عملاً ويكون الربح بينهما حسب الاتفاق. مثال ذلك: أعطى رجل مائة ألف ريال، وأقول له خذ هذا المال فاتجر به ولك نصف الربح أو ثلثه أو ربعه ولابد من تحقق شروطها وهي التي تم ذكرها في شركة العنان وهذه الشروط هي: ١ - أن يكون العاقدان جائزي التصرف. ٢ - أن يكون المال المتجر به - المضارب به - معلوماً للشريكين. ٣ - أن يكون الربح جزءً معلوماً مشاعاً النصف مثلاً - الربع - الثلث، فإن قال خذ هذا المال مضاربة ببعض ربحه فلا يجوز. أقسام شركة المضاربة، تنقسم المضاربة إلى قسمين: ١ - المضاربة المطلقة: وهي أن يدفع فيها المالك المال مضاربة إلى العامل من غير تقييد العمل والمكان والزمان ومن يتعامل المضارب معه، وهذا النوع يخول للمضارب بما يراه محققاً للمصلحة وبما يتناوله عرف التجار. ٢ - المضاربة المقيدة: وهي التي يدفع المالك المال فيها إلى العامل مضاربة=

стр. 1122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ويعين المكان والزمان أو من يتعامل معه المضارب، والفقهاء يختلفون في هذه القيود وما يجب الالتزام فيها. والراجح عندي أن جميع القيود مقيدة وليس في القول بها مخالفة للشرع وإنما هو الرأي والاجتهاد، أما قول من يقول بأن في التقييد تضيقاً على العامل قد ينتج عنه عدم حصول الربح المطلوب فنقول ما دام أن الشريكين التزما الوفاء بها فإنه يجب الوفاء ويجب على المضارب الالتزام بما شرطه المالك لقوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: هل تصح المضاربة بالعروض «مثل العقارات - الدور - السيارات» وغير ذلك؟ الجواب: محل خلاف بين الفقهاء من أهل العلم من يمنعه قالوا لأن قيمتها تختلف من وقت لآخر. وقال بعض جمهور الفقهاء بجواز المضاربة بالعروض وقالوا تُقيَّم هذه العروض بداية المضاربة، فيقول كم تساوي مثلاً؟ تساوي مائة ألف ثم يضارب بها، وهذا هو الرأي الراجح لأن الناس يحتاجون إلى ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ (٢). - الفائدة الثانية: متى يملك المضارب حصته من الربح ؟ هل يملكها بمجرد الربح أم بالقسمة؟

стр. 1123

وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ (١)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ (٢)، ــ =قولان لأهل العلم. والراجح أن ذلك حسب الشرط بينهما. فلو قال المضارب حصتك عند الربح فيكون عند الربح، وإن اشترط صاحب المال أن تكون القسمة بعد سنة أو نحو ذلك فلا بد من ذلك، والمضارب هنا يريد مجرد الربح لأنه قد يخسر بعد ذلك فيخصم من الربح السابق، ولذلك نقول هنا حسب الشرط بينهما. وإن لم يكن شرط فالأولى أن يبقى إلى نهاية الشركة إذا كانت نهايتها محددة سنة أو سنتين أو أكثر. - الفائدة الثالثة: متى تبطل المضاربة ؟ تبطل المضاربة بما يلي: ١ - موت أحد المتعاقدين. ٢ - فسخ أحد المتعاقدين. ٣ - مخالفة المضارب للشروط التي اتفق عليها مع صاحب العمل. ٤ - تلف المال قبل التصرف فيه كأن يسرق قبل أن يعطيه المضارب مثلاً. (١) قوله «وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ»: هذا هو النوع الرابع من أنواع شركات العقود، وهي أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبون من صنائعهم، كالحدادة، والخياطة، والنجارة، وأعمال البناء، ونحو ذلك، أو يشتركوا فيما يكتسبون من المباح كالاحتشاش، والاحتطاب، وسائر المباحات. (٢) قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ»: أي ليس فيها مال وإن كان كل واحد منهما عنده مال لكن لم يشتركا فيه وقوله «مِنَ الْمُبَاحِ» خرج منه ما ليس مباحاً فلا يجوز أن يشتركا في صناعة خمر مثلاً.

стр. 1124

إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ (١) كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ (٢)، ــ (١) قوله «إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ»: أو غير ذلك من الأعمال الحديثة كهندسة أو ميكانيكا أو كهرباء أو طب ونحو ذلك، فكل هذا جائز. (٢) قوله «كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ» (١). هذا الأثر رواه أبو داود، والنسائي، وقد سبق تخريجه. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: إذا مرض أحد في شركة الأبدان فالكسب بينهما على ما شرطاه إذا كان النصف أو الربع أو الثلث حسب ما شرطاه، لكن هل لصاحبه أن يفسخ الشركة؟ نقول نعم وله أن يطالبه بمن يقوم مقامه. - الفائدة الثانية: لو ترك أحد المتعاقدين في شركة الأبدان العمل بغير عذر فالمذهب (٢) أن الكسب بينهما لأنه لا يمكن للشريك أن يطالب شريكه بمن يقوم مقامه ولم يفعل. والصواب عندي أن ما كسبه في هذا اليوم الذي تغيب فيه شريكه بغير عذر فهو له يعني يختص به وحده لأنه ترك العمل بغير عذر والآخر انفرد بالكسب وحده.

стр. 1125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - الفائدة الثالثة: من أنواع الشركات التي لم يذكرها المؤلف شركة المفاوضة ومعناها أن يشتركا في جميع الشركات السابقة «العنان - الأبدان - الوجوه - المضاربة»، وهي أن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي من أنواع هذه الشركات، وهذا ما عليه أكثر الشركات اليوم. وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من الشركات: فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها، وقال لو أننا أجزنا هذه الشركة وهي واسعة فلا تمكن الإحاطة بها، فهي مفاوضة قد تؤدي إلى الفوضى والغرر. والصواب: أنه لا مانع من هذا النوع من الشركات بل عمل أكثر الناس عليه والحاجة تدعو إليها. - الفائدة الرابعة: الحكم الشرعي في بعض الشركات المعاصرة ؟ من المعلوم أنه قد استجد في الآونة الأخيرة شركات كثيرة كالشركات المدنية التي تقوم على أعمال مدنية، مثل الشركات التي تقوم بأعمال المناجم، أو التي تقوم بشراء الأراضي وبيعها، أو الشركات التجارية، وغير ذلك من الشركات المعاصرة. نقول هذه الشركات وغيرها لا تخرج عن القواعد الشرعية للشركات الواردة في الفقه الإسلامي. ولذلك نقول بجواز هذه الشركات لما يلي: ١ - أن الأصل في العقود الإباحة والجواز لأن الله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ (١).

стр. 1126

وَالرِّبْحُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ (١)، ــ ٢ - أن السنة قد جاءت بالالتزام بالشروط التي يتفق عليها ولا تخالف الشريعة الإسلامية، قال ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). ٣ - أن يتم استبعاد ما خالف الشريعة الإسلامية من شروط وأمور ممنوعة كاشتراط فائدة ثابتة لأي من الشركاء أو توزيع الخسائر بمقتضى اتفاق الشركاء دون اعتبار لمقدار نصيب كل شريك في رأس المال أو كانت الشركة قد أنشئت للتعامل فيما حرم الإسلام من بيع أو شراء أو استيراد أو غير ذلك، فلابد أن تكون الشركة موافقة للقواعد والأسس الشرعية، وما يتم من أمور تنظيمية أو إدارية أو غيرها فلا مانع منه لعدم مخالفته للنصوص والقواعد الشرعية. - الفائدة الخامسة: في أسباب انقضاء الشركة وانتهائها: ١ - انقضاء المدة المحددة للشركة. ٢ - انتهاء العمل الذي من أجله تأسست أو استحالة تنفيذه. ٣ - الاتفاق على إنهاء الشركة قبل انقضاء مدتها. ٤ - اجتماع الحصص في يد شريك واحد. ٥ - اندماج الشركة في شركة أخرى. ٦ - التأميم «نقل ملكية الشركة من الملكية الخاصة إلى العامة». (١) قوله «وَالرِّبْحُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ»: أي والربح في جميع ما ذكر من أنواع الشركات على ما شرطه المتعاقدان لقوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».

стр. 1127

وَالْوَضِيْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ (١)، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُجْعَلَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُعَيَّنَةٌ، وَلا رِبْحُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ (٢)، وَالْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، كَذلِكَ (٣)، ــ (١) قوله «وَالْوَضِيْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ»: يعني والخسارة على قدر المال الذي بينهم، وهذا في جميع أنواع الشركات وقد سبق الإشارة إلى ذلك، فإذا اتفق الشريكان أن يكون لأحدهم الثلث وللآخر الثلثان وخسر المال، فتكون الخسارة لمن كان له الثلث بقدر الثلث، والخسارة لمن كان له الثلثان بقدر الثلثين، لأن الوضيعة - الخسارة - على قدر المال في جميع الشركات. (٢) قوله «وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُجْعَلَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُعَيَّنَةٌ، وَلا رِبْحُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ»: أي لابد أن يكون الربح مشاعاً معلوماً وقد سبق بيان ذلك، فإنه إذا كان الربح مجهولاً كأن يقول لك بعض الربح ولي بعضه والباقي لي فلا تصح لأنه مجهول، فلا بد من تعيين الربح المشاع، وكذلك إذا عيَّن شيئاً وقال أحدهما للأخر ربح السيارات لي وربح الطعام لك فهذا لا يصح لأنه ربما يربح في السيارات ولا يربح في الطعام، أو قال ربح السفر إلى مكة لي وربح السفر إلى المدينة لك، فلا يصح أيضاً لأنه قد يربح في مكة ولا يربح في المدينة أو العكس، الحاصل أنه لا بد من أن يكون الربح مشاعاً معلوماً «الثلث - الربع - الخمس»، وهكذا، وذلك لأن الأصل أن يشترك الاثنان في المغنم والمغرم. (٣) قوله «وَالْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، كَذلِكَ»: المساقاة: هي أن يدفع الإنسان أرضه ونخله لشخص يقوم عليها بجزء من الثمر، والمزارعة أن يدفع الإنسان أرضه لمن يزرعها بجزء معلوم مشاع من الزرع، وسيأتي توضيح للأحكام المتعلقة بها في موضعها إن شاء الله تعالى. ومعنى كلام المؤلف أن المساقاة والمزارعة تقاس على الشركة فلا يصح أن=

стр. 1128

وَتُجْبَرُ الْوَضِيْعَةُ مِنَ الرِّبْحِ (١)، وَلَيْسَ لأَحَدِهِمَا الْبَيْعِ نَسِيْئَةً (٢). ــ =يشترط العامل فيها ثمرة معينة أو زرع ناحية بعينها لأن الربح يشترط أن يكون مشاعاً معلوماً كما سبق، فلو قال له «خذ هذا الشجر واعمل فيه ولك بعضه»، فهذا لا يصح لأنه غير معلوم، أو قال له «خذ هذا الشجر اعمل فيه ولك ثمر الشجر كذا والباقي لي»، فهذا لا يصح لأنه ربما يثمر هذا ولا يثمر هذا، أو قال «خذ هذه الأرض ولك ثمرتها عام كذا ولي ثمرتها عام كذا» فهذا لا يصح لأنه مجهول، وقد تثمر في عام ولا تثمر في الأخر، أو قال «خذ هذا الثمر اعمل فيه ولي ثمر الجزء الغربي ولك ثمر الجزء الشرقي»، فهذا أيضاً لا يجوز، فلا بد أن يكون الربح مشاعاً معلوماً كما سبق، والدليل على ما ذكره المؤلف ما ثبت عَنْ رَافِعٍ ﵁ قَالَ «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ » (١). (١) قوله «وَتُجْبَرُ الْوَضِيْعَةُ مِنَ الرِّبْحِ»: شركة المضاربة إذا دفع أحد المضاربين مبلغ مائة ألف مثلاً، فاشترى بخمسين ألف سيارة والخمسين الألف الأخرى أرضاً، فربح في الأرض ولم يربح في السيارة، أو تلف المال في الأخرى فهنا وجب جبر الخسران من الربح ولا يستحق المضارب شيئاً إلا بعد كمال المائة ألف. (٢) قوله «وَلَيْسَ لأَحَدِهِمَا الْبَيْعِ نَسِيْئَةً»: أي ليس لأحد الشريكين أن يبيع شيئاً من أموال الشركة مؤجلاً إلا بإذن شريكه الأخر وذلك لأن النائب لا يجوز =

стр. 1129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =له التصرف في المال إلا على وجه الحظ والاحتياط وفي النسيئة تغرير بالمال، وفي رواية عن الإمام أحمد جواز البيع نساءً، وقالوا هذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة (١)، وعللوا ذلك لأن إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذه عادة التجار، ولأن المقصود من الشركة الربح والربح في النساء أكثر، وقيل أيضاً يصح البيع ويلزمه الضمان لأن ذهاب الثمن حصل بتفريطه. قلت: والأظهر عندي القول الأول، وهو مذهب جمهور الفقهاء.

стр. 1130

بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ (١) تَجُوْزُ الْمُسَاقَاةُ (٢) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ»: المساقاة: سبق تعريفها وهي مأخوذة من السقي، وشرعاً: هي دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بجزء معلوم من ثمره، كالنخل، وشجر الرمان، والعنب، ونحو ذلك. أما المزارعة: فهي مأخوذة من الزراعة، وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها، والمساقاة والمزارعة من عقود الشركات القائمة على العدل بين الشريكين. (٢) قوله «تَجُوْزُ الْمُسَاقَاةُ»: ذهب جماهير الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وغيرهم إلى جواز المساقاة لعموم الأدلة التي جاءت بذلك. وخالف في مشروعيتها أبو حنيفة (٤) فمنعها لأدلة أوردها وهي أدلة حكم عليها العلماء بالاضطراب في سندها ومتنها. أما أدلة مشروعيتها فما ثبت عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» (٥). قلت: ويرى الشافعية (٦) مشروعية المساقاة لحديث معاملة أهل خيبر المذكور=

стр. 1131

فِيْ كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ (١) ــ =آنفا وكذلك حديث رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ يَقُولُ كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نُنْهَ عَنْ الْوَرِقِ» (١). قلت: والراجح هو مشروعية المساقاة والمزارعة للأحاديث الصحيحة الواردة فيها سواء كانتا مجتمعتين أم كان الاتفاق على واحدة منهما منفردة. وأما حديث رافع بن خديج المتقدم فقد رده زيد بن ثابت ﵁ وأخبر أن النهي لفض النزاع، وكذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ (٣) المقصود أن النبي ﷺ نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام إذا اشترط رب الأرض فيها زرع مكان بعينه، وقد حث الإسلام على المساقاة والمزارعة كما جاء عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال «مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (٤). (١) قوله «فِيْ كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ»: أي تجوز المساقاة في جميع الشجر المثمر وهذا قول جماهير الفقهاء وقال الشافعي لا تجوز إلا في النخيل والعنب لأن الزكاة=

стр. 1132

بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ، مُشَاعًا مَعْلُوْمًا (١)، وَالْمُزَارَعَةُ فِي الأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ زَرْعِهَا (٢)، ــ =تجب في ثمرتها، أما الأشجار غير المثمرة فيرى مالك (١)، والشافعي (٢) أنها لا تجوز المساقاة عليها، لأن المساقاة تكون بجزء من الثمر، وهذا لا ثمر له واستثنى منه ما يقص ورقه كالتوت والورد. قلت: والراجح عندي جواز المساقاة في كل شجر ولو كان غير مثمر، ودليل ذلك الحديث السابق يعني حديث ابن عمر ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» (٣). وهذا عام يشمل المثمر وغير المثمر، كما أن الأشجار غير المثمرة محل حاجة الناس في الوقت الحاضر لعمل الورق والأثاث وما يحتاجه الناس في أمور حياتهم، وهو مقصود كثير وفي جوازه تيسير على الناس إذ هو طريق من الكسب. (١) قوله «بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ، مُشَاعًا مَعْلُوْمًا»: هذا هو شرط صحة المساقاة وهو كما سبق تقدير نصيب العامل بجزء معلوم من الثمرة كالنصف أو الربع أو الثلث ونحو ذلك، فلو شرط ثمرة شجرة معينة لم تصح وقد سبق بيان ذلك مفصلاً في باب الشركة فالحاصل أنه لا بد أن يكون نصيب العامل من الثمر مشاعاً معلوماً. (٢) قوله «وَالْمُزَارَعَةُ فِي الأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ زَرْعِهَا»: سبق بيان معنى المزارعة ومعنى كلامه ﵀ أنه تجوز المزارعة بجزء معلوم من الزرع كربع الزرع أو نصفه ونحو ذلك مما تقدم.

стр. 1133

سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (١) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: عَامَلَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، وَفِيْ لَفْظٍ: عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (٢)، وَعَلَى الْعَامِلِ عَمَلُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِعَمَلِهِ (٣)، ــ =فإن شرط العامل أن يكون له من الزرع مائة صاع مثلاً فلا تصح لأنه قد لا يكون إلا ذلك القدر الذي حدده فيختص به العامل دون صاحب الأرض. (١) قوله «سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا»: ما ذكره المؤلف هنا هو إحدى الروايتين في المذهب (١)، أي يجوز أن يكون البذر بين رب الأرض والعامل، وفي رواية في المذهب أن البذر من رب الأرض، وهو المشهور من المذهب لأنه عقد يشترك فيه رب الأرض والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال كله من أحدهما كالمضاربة. والصحيح: هو القول الأول لأن النبي ﷺ حين عامل أهل خيبر لم يشترط أن يكون البذر على المسلمين، ولم ينقل عنه ﷺ أنه كان ينقل البذر إليهم من المدينة (٢). (٢) قوله «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: عَامَلَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، وَفِيْ لَفْظٍ: عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» (٣): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو عمدة لمن أجاز المزارعة والمخابرة. (٣) قوله «وَعَلَى الْعَامِلِ عَمَلُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِعَمَلِهِ»: كالحرث والسقي والزرع وكل ما فيه صلاح الثمر كما جرت به العادة، فإن اشترط أحدهما شيئاً =

стр. 1134

وَلَوْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ دَابَّةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا، جَازَ عَلَى قِيَاسِ ذلِكَ (١) ــ =جاز ذلك، لكن يعتبر أن يكون ما يلزم كل واحد منهما من العمل معلوماً، وأن لا يكون على رب المال أكثر العمل ولا نصفه لأن العامل إنما يستحقه بعمله. (١) قوله «وَلَوْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ دَابَّةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا، جَازَ عَلَى قِيَاسِ ذلِكَ»: يعني إذا أعطاه دابته وقال له اعمل عليها والربح بيني وبينك ولك الربع أو النصف أو الثلث فهذا جائز قياساً على ما سبق. مثال ذلك: أعطاه سيارة أجرة وقال اعمل عليها ولك كل مائة كيلو كذا، أو إذا كسبت كذا لك كذا، وهذا موجود، فهذا جائز ما دام نسبة محددة. أما إذا حدد مبلغاً يعطيه إياه يومياً، فقال خذ هذه السيارة واعمل عليها وأعطني في اليوم كذا فهذا لا يجوز لحصول الغرر، فقد لا تأتي بالمبلغ المحدد لكن كما سبق يجوز أن يقول له لك الربع أو النصف أو الثلث من الربح وعليك البنزين وإصلاح السيارة ونحو ذلك فهذا جائز. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: لا يجوز تحديد المبلغ حتى ولو اتفقا عليه لأن فيه غرراً ظاهراً. - الفائدة الثانية: إذا قال له أنا لي مائة ريال ولكن إذا حصلت أقل من مائة ما أخذ إلا ما حصلت أو قال إذا حصلت أكثر من مائة ريال أخذ منك مائة ريال والباقي لك فهذا لا إشكال في جوازه لانتفاء الغرر. - الفائدة الثالثة: يجوز أن يؤجر دابته لسقي أرضٍ أو يؤجر سيارته بمائة ريال في اليوم ونحو ذلك لانتفاء الغرر. - الفائدة الرابعة: يجوز إجارة الأرض بالنقد وبالعروض أما الطعام فقد منعه=

стр. 1135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =مالك (١) مطلقاً سواء كان من الخارج منها أو من غيرها. وأجاز ذلك الجمهور (٢) لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الْمُزَارَعَةِ فَقَالَ زَعَمَ ثَابِتٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ ﷺ لا بَأْسَ بِهَا» (٣)، والنهي عن المزارعة في الحديث هي المزارعة الفاسدة التي يدخلها كثير من الجهالة والغرر والظلم لأحد الطرفين. - الفائدة الخامسة: في الشروط المعتبرة في المساقاة: (١) أهلية المتعاقدين. (٢) أن يكون الخارج لهما معاً. (٣) أن تكون الحصة مشاعة معلومة القدر «الربع - الثمن - النصف». (٤) التخلية بين الساقي والعمل. (٥) صلاحية الشجر بالمساقاة ليحصل المقصود. - الفائدة السادسة: في أركان المساقاة: (١) العاقدان «العامل - صاحب العمل». (٢) المحل «محل السقي والزرع». (٣) الصيغة «وهي تصح بكل ما يؤدي إلى الرضا». - الفائدة السابعة: في انتهاء المساقاة والمزارعة: تنتهي المساقاة والمزارعة بأمور هي:

стр. 1136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١ - هرب العامل، وهذا يخول الفسخ للمالك على القول بأنها عقد جائز وأما على قول من يقول أنها عقد لازم فحكمه أن يستأجر القاضي عليه من يعمل عمله. ٢ - عجز العامل عن العمل وفي تلك الحالة يقيم من يعمل مقامه والأجرة عليه لأن عليه توفية العمل. ٣ - موت كل واحد منهما أو جنونه على القول بأنها عقد جائز وأما مع اللزوم فإن الوارث والولي يقوم مقام الميت أو جنونه. ٤ - اتفاقهما على إنهائها برضاهما. - الفائدة الثامنة: حكم عقد الإجارة هل هو لازم أم جائز؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فأكثر الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، وأصحاب الإمام أحمد (٣) على أنها عقد لازم لأنها عقد معاوضة. وقال بعض الفقهاء منهم الإمام أحمد (٤)، وهو قول لبعض الشافعية (٥) أنها عقد جائز لأن النبي ﷺ لم يضرب لأهل خيبر مدة ولا خلفاؤه من بعده، ولأنها عقد على جزء من نماء المال فكانت جائزة. والأرجح عندي: أنها عقد لازم، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٦).

стр. 1137

بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ (١) وَهِيَ الأَرْضُ الدَّاثِرَةُ (٢) الَّتِيْ لا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ (٣)، فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ» (٤)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ»: أي الأرض التي ليس لها مالك من الآدميين ولا ينتفع بها أحد كما سيذكر المؤلف. والإحياء: مصدر أحيّا، أي بث فيها الحياة بعد أن كانت هامدة، والمراد هنا جعل الأرض الميتة منتفعاً بها بوجه من الوجوه، كالغرس، والزرع، والبناء، ونحو ذلك. (٢) قوله «وَهِيَ الأَرْضُ الدَّاثِرَةُ»: أي الأرض التي لا أثر للحياة عليها، والداثرة أي التي لم تعمر، وهذا هو الشرط الأول، أي أن تكون أرضاً لا أثر للحياة فيها. (٣) قوله «الَّتِيْ لا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ»: هذا هو الشرط الثاني، وهو أن لا يعرف لها صاحب، ولا تتعلق بها مصالح الناس، كالطرق، والأقنية، والغابات، والمراعي، والبقاع المعدة لدفن الموتى، ونحو ذلك، فلا يجوز إحياؤه، والمالك هنا يشترط أن يكون معصوماً، يعني معصوم الدم ممن لا يجوز قتله لكونه مسلماً أو ذمياً معاهداً، فإن كان غير معصوم الدم فأحيّا شيئاً بدار الحرب قد اندرس كان كالموات يملكه المسلم بالإحياء. (١) قوله «فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ» (١)»: أي تكون لمن أحياها ملكاً له، واستدل لذلك بحديث عَنْ عَائِشَةَ=

стр. 1138

وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا، كَالتَّحْوِيْطِ عَلَيْهَا (١)، ــ =﵂ عن النبي ﷺ قال «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (١)، وعن سعيد بن زيد ﵁ أيضاً عن النبي ﷺ قال «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٢)، وقوله «لِعِرْقٍ ظَالِمٍ» كل ما احْتُفر أَو أُخذَ أَو غُرسَ بغير حقٍ. لكن هل يشترط إذن الإمام في الإحياء؟ محل خلاف بين العلماء؛ فقال بعضهم: لا يشترط، وقال آخرون: يشترط، وبعضهم فرق بين ما هو مجاور للعمران وما ليس مجاور، فقالوا إن كان قريباً من العمران فلا بد من الإذن. والصواب عندي: أنه لا بد من إذن الإمام لما فيه من تحقيق مصلحة الأفراد والجماعات. (١) قوله «وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا، كَالتَّحْوِيْطِ عَلَيْهَا»: هذا شروع فيما يحصل به الإحياء وهي: التحويط عليها يضرب عليها حائطاً يمنع من الدخول إليها وليس حائطاً يسيراً كحجر أو حجرين، بل لا بد أن يكون مرتفعاً عن الأرض. والمعمول عندنا في المحاكم أنه إذا كان الارتفاع متراً ونصف المتر فهو إحياء لأنه منيع وما كان سوى ذلك فهو تحجير، وهو منع الغير من إحياء الأرض الموات، فهذا يفيد الاختصاص لا الملك، فيعطي مهلة فإن أحياها وإلا أعطيت لمن يريد إحياءها.

стр. 1139

وَسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَهَا لِلزَّرْعِ (١)، وْقَلْعِ أَحْجَارِهَا وَأَشْجَارِهَا الْمَانِعَةِ مِنْ غَرْسِهَا وَزَرْعِهَا (٢)، وَإِنْ حَفَرَ فِيْهَا بِئْرًا، فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، مَلَكَ حَرِيْمَهُ (٣)، وَهُوَ خَمْسُوْنَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِنْ كَانَتْ عَادِيَةً (٤)، ــ (١) قوله «وَسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَهَا لِلزَّرْعِ»: هذا هو الوصف الثاني لما يحصل به الإحياء، فإن أرادها للزرع تم إحياءها بوصول الماء إليها من عين أو نهر أو حفر ونحو ذلك، وكذلك قد يكون الإحياء بحبس الماء عن الأرض كأن تكون أرضاً الماء فيها كثير لا تصلح للزرع بسببه فقام فحبس عنها الماء لتصلح للزرع فقد أحياها. (٢) قوله «أَوْ قَلْعِ أَحْجَارِهَا وَأَشْجَارِهَا الْمَانِعَةِ مِنْ غَرْسِهَا وَزَرْعِهَا»: هذا هو الوصف الثالث الذي يحصل به الإحياء، فمتى كانت الأرض فيها أشجار لا يمكن أن يغرس معها أو تزرع فأزال الأشجار فهو إحياء، وكذلك لو كان بها أحجار متراكمة عليها لا تصلح الأرض مع هذه الحجارة فقام وأزالها فهذا إحياء. قلت: والأظهر عندي أن كل ما يحصل به الإحياء فإنه يرجع فيه إلى العرف فما عدَّه الناس إحياء فهو إحياء، وما لم يعدوه إحياء فليس بإحياء. (٣) قوله «وَإِنْ حَفَرَ فِيْهَا بِئْرًا»: يعني في الأرض الموات، «فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، مَلَكَ حَرِيْمَهُ»: والمراد بالبئر هنا: هي بئر السقيا لا الزرع. أي إن حفر من الموات بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمها، وحريم الشيء ما حوله يعني ملك ما حولها من مرافقها وحقوقها، وسمي بذلك لأنه يحرم على غيره التصرف فيه أو لأنه يحرم منع صاحبه منه. (٤) قوله «وَهُوَ خَمْسُوْنَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِنْ كَانَتْ عَادِيَةً»: البئر العادية يعني القديمة، وهي التي سبق للشخص أن حفرها ثم بعد ذلك دفنها الرمل=

стр. 1140

وَحَرِيْمُ الْبِئْرِ الْبَدِيْءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُوْنَ ذِرَاعًا (١) ــ = أو السيول أو غير ذلك، وقد حدد المؤلف بأن تكون خمسين ذراعاً من كل جانب، يعني أن هذا الرجل يملك بهذه البئر خمسين ذراعاً إذا كانت قد أعيدت. (١) قوله «وَحَرِيْمُ الْبِئْرِ الْبَدِيْءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُوْنَ ذِرَاعًا»: البئر البدائي أي المستحدث، وهي التي تحفر لأول مرة، فهذه حريمها يعني ما حوله خمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب. دليل ذلك ما روى أبو عبيد عن سعيد بن المسيب قال: «السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدئ خمسة وعشرون ذراعاً» (١). قلت: والأظهر عندي أن حريم البئر إذا حفرت في أرض موات يكون بقدر ما يحتاجه فإن حفرها للزراعة فله ما حواليه من مقدار الزرع، وإن حفرها للسقي يكون حريمها ما يحتاجه لمعاطن إبله، وهو ما تأوي إليه وتقيم فيه. - فائدة: الأرض على نوعين: ١ - نوع لا مالك له وهي تملك بالإحياء بعد إذن الحاكم. ٢ - نوع فيها آثار ملك ولا يعرف مالكه وهذه محل خلاف. والصواب: أنها إذا تم إحيائها ولم يتقدم أحد بالمطالبة بها وأذن الحاكم فإنها تملك بالإحياء، ومن أحيّا أرضاً وصرف عليها ثم تبين له بعد ذلك أنها لغيره فإنه في هذه الحالة يقول لصاحب الأرض أنت بالخيار فإما أن تعطيني ما دفعت وصرفت عليها وإما أن تبيع الأرض ويشتريها الذي أحياها.

стр. 1141

بَابُ الْجُعَالَةِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الْجُعَالَةِ»: الجعالة فعالة من الجَعْل، ومعناه وضع الشيء. أما في الاصطلاح: فهي أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة، وسيأتي زيادة بيانها إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: حكم الجعالة: الجعالة جائزة ومشروعة بالكتاب، والسنة، والمعقول. أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١)، وجه الدلالة من الآية: أنه جعل لمن يأتي بصواع الملك الذي فُقد جعلاً وهو حمل بعير، ووثّق ذلك بكونه ضمنه والتزمه على نفسه. أما دلالة السنة: فما سيذكره المؤلف من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ووجه الدلالة منه: أنهم جعلوا جعلاً لمن سيكون سبباً في شفاء سيدهم. أما دلالة المعقول: فإن حاجة الناس قد تدعو إليها لرد مال ضائع أو عمل لا يقدر عليه الجاعل ولا يجد من يتطوع به ولا تصح الإجارة عليه لجهالته، فجازت شرعاً للحاجة إليها كالمضاربة. - الفائدة الثانية: الفرق بين الجعالة والإجارة: ١ - صحة الجعالة على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه كرد مال ضائع=

стр. 1142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =خلافاً للإجارة. ٢ - صحة الجعالة على عامل غير معين. ٣ - كون العامل لا يستحق الجعل إلا بعد تمام العمل. ٤ - لا يشترط للجعالة تلفظ العامل بالقبول. ٥ - الجعالة عقد غير لازم خلافاً للإجارة. - الفائدة الثالثة: حكم عقد الجعالة: عقد الجعالة عقد جائز لكل واحد من العاقدين فسخه قبل الشروع في العمل، فإن شرع في العمل فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً لأنه لم يأت بما شرط عليه، وإن كان الفسخ من الجاعل فعليه أجرة المثل للعامل لأنه عمل بعوض لم يتمكن من إتمامه. - الفائدة الرابعة: في شروط الجعالة: كون العمل مباحاً فلا يصح عقد الجعالة على شيء غير مباح كخمر وغناء مثلاً. كون الجعل مالاً معلوماً جنساً وقدراً لأن جهالة العوض تفوت المقصود من عقد الجعالة. كون الجعل ظاهراً مقدوراً على تسليمه ومملوكاً للجاعل. أن يتم العامل العمل المجاعل عليه ويفرغ منه ويسلمه الجاعل. - الفائدة الخامسة: في تخصيص الإذن والجعل لشخص محدد . إذا حدد الجاعل شخصاً بعينه في الإذن واستحقاق الجعل فإنه يتحدد بذلك عند الشافعية (١)، والحنابلة (٢) ولا يستحق الجعل أحدٌ غيره، وإذا قام غيره بذلك فإنه يعتبر متبرعاً.

стр. 1143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وقال المالكية (١) يستحق جعل المثل إن كان معروفاً بأداء مثل هذا العمل بعوض وإلا فله النفقة. - الفائدة السادسة: في اختلاف المتعاقدين في الجعالة: إذا اختلف المتعاقدان في بذل الجعل وتسميته، فقال العامل بذلت جعلاً وأنكر الجاعل، فإنه على العامل أن يثبت قوله ببينة وإلا فإن القول قول الجاعل بيمينه لأن الأصل براءته. وإن اختلفا في قدر الجعل أو في جنسه أو صفته فإن الشافعية (٢) يرون أنهما يتحالفان وينفسخ العقد ويجب للعامل أجرة المثل إذا كان ذلك بعد الشروع في العمل أو بعد انتهائه، وهو رواية عند الحنابلة (٣). ويرى الحنابلة (٤) كذلك أن القول قول الجاعل بيمينه لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه. والراجح عندي: أن القول قول الجاعل لأن الأصل عدم الجعالة إلا إذا اختلفا في القدر وادعى الجاعل قدراً لا يمكن أن يقام العمل بمثله، وادعى العامل قدراً يمكن أن يقام بمثله، فهنا تكون دعوى الجاعل غير صحيحة لأن العادة والعرف تكذبانها فلا يقبل قوله ويقبل قول العامل، والعكس بالعكس فإذا ادعى العامل شيئاً كثيراً فإنه لا يقبل لأنه ادعى ما يخالف العادة ولأنه ادعى على العامل ما لم يعترف به فيقبل قول الجاعل.

стр. 1144

وَهِيَ أَنْ يَقُوْلَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِيْ، أَوْ ضَالَّتِيْ، أَوْ بَنَى لِيْ هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا (١) ــ - الفائدة السابعة: ما يترتب على الجعالة من آثار: يترتب على الجعالة آثارٌ هي: ١ - لزوم عقد الجعالة بعد تمام العمل لأن الجُعل قد استقر على الجاعل. ٢ - أن يد العامل على ما وقع في يده من مال الجاعل يد أمانة لا ضمان عليه ما لم يفرط. ٣ - أن نفقة المال على المال المجاعل عليه على المالك لأن الإنفاق مأذون فيه شرعاً لحرمة النفس وصيانة المال. - الفائدة الثامنة: في انتهاء عقد الجعالة: تنفسخ الجعالة لأسباب منها: ١ - موت أحد المتعاقدين أو جنونه جنوناً مطبقاً، وقال بعض الفقهاء بل يلزم للورثة، والراجح القول الأول. ٢ - فسخ العامل للجعالة. ٣ - فسخ الجاعل قبل الشروع في العمل. (١) قوله «وَهِيَ أَنْ يَقُوْلَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِيْ، أَوْ ضَالَّتِيْ، أَوْ بَنَى لِيْ هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا»: هذا هو تعريف الجعالة الذي سبق بيانه وهي أن يقول إن رددت لقطتي فلك ألف ريال مثلاً، أو يقول إن رددت ضالتي كبعيري مثلاً فلك ألفا ريال، أو من بني لي هذا الجدار فله كذا ونحو ذلك.

стр. 1145

فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ سَعِيْدٍ ﵁، أَنَّ قَوْمًا لُدِغَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَتَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوْا: هَلْ فِيْكُمْ مِنْ رَاقٍ، فَقَالُوْا: لا، حَتَّى تَجْعَلُوْا لَنَا شَيْئًا، فَجَعَلُوْا لَهُمْ قَطِيْعًا مِنَ الْغَنَمِ. قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَرْقِيْ، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، فَأَخَذُوْا الْغَنَمَ، وَسَأَلُوْا عَنْ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيْكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» (١)، ــ (١) قوله «فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ سَعِيْدٍ ﵁، أَنَّ قَوْمًا لُدِغَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَتَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوْا: هَلْ فِيْكُمْ مِنْ رَاقٍ، فَقَالُوْا: لا، حَتَّى تَجْعَلُوْا لَنَا شَيْئًا، فَجَعَلُوْا لَهُمْ قَطِيْعًا مِنَ الْغَنَمِ. قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَرْقِيْ، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، فَأَخَذُوْا الْغَنَمَ، وَسَأَلُوْا عَنْ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيْكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» (١): هذا هو دليل الجعالة، وقد سبق الإشارة إلى أدلة الجعالة من الكتاب والسنة، وفي الحديث بعض الفوائد منها: ١ - مشروعية الجعل، وذلك لقول الصحابة «اجعلوا لنا جعلاً»، فدل على مشروعيته. ٢ - أن الجعل جعل على الشيء الذي يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل، وهو المجهول العاقبة المتردد بين الحصول وعدمه كما في البعير الشارد والعبد الآبق واللقطة. ٣ - صحة الجعل بالمشارطة لأن الصحابة ﵃ امتنعوا وقالوا «حتى تجعلوا لنا جعلاً». ٤ - جواز رقية الكافر، لأنهم رقوا سيد القوم وكان كافراً، فدل على جواز=

стр. 1146

وَلَوْ الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ (١). ــ =ذلك، وتفرع عليه جواز معالجة المسلم للكافر إذا كانت له حرمة. ٥ - أن الجعل يكون بالشيء المعين المحدد كما في قولهم «قطيعاً من الغنم». ٦ - في قوله ﷺ «خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ»: دليل على حل مال الجعل، وحل أكل المال من الرقية الشرعية إذا نفعت بإذن الله تعالى، وفي قوله: «خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» أيضاً تأكيد بالإباحة والحل. ٧ - مشروعية أخذ الأجرة على الطب وعمل الطب لأن كلاً من الرقية الشرعية والطب يشترك في معالجة الأجساد والأرواح. (١) قوله «وَلَوْ الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ»: أي من عمل ما قاله صاحب العمل قبل أن يبلغه الجُعل الذي قدره صاحب العمل فإنه لا يستحقه لأنه لا يوجد عقد بينهما. والذي يظهر لي والله أعلم أن الأولى في حق صاحب العمل أن يعطيه ما يطيب به قلبه لأنه عمل معروفاً، وقد قال ﷺ «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ .. » (١)، ولأنه مثل هذا الرجل ينبغي أن يشجع لأن كونه أتى به بدون أن يطلب منه فإنه يدل على أمانته.

стр. 1147

بَابُ اللُّقَطَةِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ اللُّقَطَةِ»: اللقطة في اللغة: هي الشيء الملتقط، أي المأخوذ من الأرض، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً .. ﴾ (١). أما في الاصطلاح: فهي «مال أو ما في حكمه» وجد في مكان غير مملوك ولم يعرف مستحقه. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: في حكم اللقطة: اتفق الفقهاء على جواز الالتقاط في الجملة، لكنهم اختلفوا فيما هو الأفضل والأولى، هل الأفضل الالتقاط أم الأولى تركه؟ ذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣) إلى أنه إذا خاف عليها الضيعة لو تركها فأخذها لصاحبها أفضل من تركها لما فيه من حفظ مال المسلم. وذهب مالك (٤) إلى كراهية الالتقاط، وهذا مروي عن ابن عباس وابن عمر. وقال الإمام أحمد (٥) الأفضل ترك الالتقاط لأن في أخذها تعريضاً لنفسه لأكل الحرام وتضييعاً للواجب من تعريفها فكان تركه أولى وأسلم. وقال ابن هبيرة والذي أرى أنه إذا أخذها ناوياً بأخذها حفظها لصاحبها =

стр. 1148

وَهِيَ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ (١) أَحَدُهَا: مَا تَقِلُّ قِيْمَتُهُ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيْفٍ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ ﵁: رَخَّصَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ (٢)، ــ =واثقاً من نفسه بتحمل الأمانة من ذلك فإن الأفضل أخذها، وإن كان يخاف منها الفتنة ولا يستطيع القيام بواجبها فليتركها. وهذا قول جيد، وفيه جمع بين الأقوال الواردة في اللقطة. - الفائدة الثانية: في حكمة مشروعية اللقطة: أن صاحب اللقطة يصيبه الهم والغم عند فقدها وكيف أنه فقد هذا المال، فإذا وجده أحد غيره وأعلن ذلك ووصل إلى صاحبه فإنه يسر به وبذلك يشيع الأمن والطمأنينة لأن مالهم إذا فقد فإنه قد يرد ويرجع إليهم لأنه بأيدي أمينة. - الفائدة الثالثة: حكم الإشهاد على اللقطة: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإشهاد على اللقطة واجب, وذهب بعضهم إلى عدم الوجوب لأنها مبنية على ثقة الناس وأمانتهم، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريباً ذكر الخلاف في ذلك مع بيان الراجح. (١) قوله «وَهِيَ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ»: «هذا إجمال قبل التفصيل والبيان»، أي اللقطة على ثلاثة أضرب باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أم لا؟ هل يُعَرَّف أم لا؟ فهي على هذا الاعتبار ثلاثة أضرب. قوله «أَحَدُهَا: مَا تَقِلُّ قِيْمَتُهُ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيْفٍ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ ﵁: رَخَّصَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» (١): هذا هو الضرب الأول وقد بينه المؤلف وبين=

стр. 1149

الثَّانِيْ: الْحَيَوَانُ الَّذِيْ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالإِبِلِ وَالْخَيْلِ، وَنَحْوِهَا، فَلا يَجُوْزُ أَخْذُهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: «مَالَكَ وَلَهَا، دَعْهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا» (١) ــ =حكمه، فالضرب الأول ما تقل قيمته أي قيمته قليلة ولا يهتم به أوساط الناس بحيث إذا فقد لا يبحث عنه ولا يسأل عنه غالباً كالسوط والرغيف وبعض الأقلام الجافة مثلاً والنقد اليسير وغير ذلك فهذا يملك بمجرد التقاطه ولا يجب تعريفه، دليل ذلك ما رواه أبو داود وغيره من حديث جابر الذي ذكره المؤلف. - فائدة: من وجد مالاً فالمال على ثلاثة أقسام: الأول: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، فهذا لواجده كما يوجد الآن كبعض الكراسي المكسرة ترمى في الأسواق أو الأواني التي تلقى ونحو ذلك مما يوجد بجانب براميل البلدية نعلم أن صاحبها تركها رغبة عنها فهذه يملكها واجدها بدون شيء. الثاني: أن يكون مما لا تتبعه الهمة لكونه زهيداً كقلم يساوي ريال، فهذا زهيد لا تتبعه همة أوساط الناس، فأي إنسان يجده فهو له، وقد سبق شرح ذلك في كلام المؤلف. الثالث: وهو الذي تتبعه همة أوساط الناس، فهذا يجب أن يُعَرَّف سنة كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. (١) قوله «الثَّانِيْ: الْحَيَوَانُ الَّذِيْ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالإِبِلِ وَالْخَيْلِ، وَنَحْوِهَا، فَلا يَجُوْزُ أَخْذُهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: مَالَكَ وَلَهَا، دَعْهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا» (١) هذا هو الضرب الثاني وبيان حكمه، والحيوان الضائع قسمان:

стр. 1150

وَمَنْ أَخَذَ هَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِدَفْعِهِ إِلَى نَائِبِ الإِمَامِ (١) ــ الأول: ما يمتنع بنفسه كالثور والجمل والخيل من صغار السباع، وصغار السباع «كالذئب، والثعلب، وولد الأسد، والكلب الذي يفترس»، وغير ذلك فهذه يحرم التقاطها ولا يملك بالتقاطه ولو عرَّفه لم يملكه لأنه متعد، اللهم إلا إذا خاف على هذه المذكورات «الإبل، والخيل، والثور» ونحو ذلك، إذا خاف عليها من قطاع الطرق ففي هذه الحال له أن يأخذها إن لم نقل بالوجوب. الثاني: وهو الحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع كالضأن والمعز وصغار الإبل وما أشبهها، فهذه حكمها أنه يجوز التقاطها وينفق عليها ويرجع بها على ربها إن وجده. فإن خشي أن تزيد نفقته على قيمتها فإنه يضبط صفاتها ثم يبيعها ويحفظ ثمنها لربها، فإذا جاء ووصفها على الصفة الذي ضبطها فإنه يعطيه الثمن، وسيذكر ذلك المؤلف ﵀. (١) قوله «وَمَنْ أَخَذَ هَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِدَفْعِهِ إِلَى نَائِبِ الإِمَامِ»: هذه أمور ثلاثة تترتب على أخذ ما يمتنع بنفسه من صغار السباع. الأمر الأول: أنه لا يملكه بالتقاطه لأنه يحرم أخذه. الأمر الثاني: أنه يلزمه ضمانه لأنه بمنزلة الغاصب. الأمر الثالث: أنه لم يبرأ إلا بدفعه للإمام فيزول عنه الضمان لأن الإمام له نظر في ضوال الناس، فكان نائباً عن أصحابها. لكن يستثنى من ذلك ما ذكرناه قريباً أنه إذا خاف على ما يمتنع بنفسه من الضياع والهلاك فإنه يجوز له التقاطه لأن في التقاطها صيانة لها من الضياع والهلاك، ولا ضمان عليه بذلك، لأن فيه إنقاذها من الهلاك.

стр. 1151

وَالثَّالِثُ: مَا تَكْثُرُ قِيْمَتُهُ مِنَ الأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِيْ لا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ (١)، وَيَجِبُ تَعْرِيْفُهُ حَوْلاً (٢)، ــ (١) قوله «الثَّالِثُ: مَا تَكْثُرُ قِيْمَتُهُ مِنَ الأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِيْ لا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ»: هذا هو الضرب الثالث من أنواع اللقطة وهو ما له قيمة من الدراهم والمتاع الذي له قيمة في أوساط الناس، وكذلك ما لا يمتنع بنفسه من الحيوان كالغنم، والفصلان، والعجاجيل، ونحو ذلك، فهذه حكمها: ١ - جواز أخذها لمن أمن نفسه من الخيانة. ٢ - تعريفها سنة كما سيذكره المؤلف. ٣ - دفعها إلى صاحبها بعد وصفه لها. ٤ - بعد تعريفها سنة ولم يُعْرف صاحبها تكون في ملكه غنياً كان أو فقيراً. ٥ - أنه يجب معرفة صفة ما التقطه، وجنسه، وقيمته، وما يختص به، ونحو ذلك حتى إذا جاء صاحبها ردها إليه أو رد قيمتها، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله -. (٢) قوله «وَيَجِبُ تَعْرِيْفُهُ حَوْلاً»: أي يجب تعريف ما التقطه سنة كاملة، دليل ذلك ما ورد عن زيد بن خالد ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» (١).

стр. 1152

فِيْ مَجَامِعِ النَّاسِ، كَالأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ (١)، فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (٢)، ــ =والتعريف يكون بأن ينادي في المجامع التي وجدها فيه، أو في مجامع الناس كعلى أبواب المساجد، ولا يكون داخل المسجد بل على أبواب المساجد، وفي الأسواق ونحو ذلك. والأمر بالتعريف للوجوب، لكن لا يلزم أن يعرفها في الليل والنهار ولا استيعاب الأيام بل يعرفها على المعتاد في كل يوم مرة أو مرتين أو في كل أسبوع مرة، وهكذا. (١) قوله «فِيْ مَجَامِعِ النَّاسِ، كَالأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ»: هذه هي أماكن تعريف اللقطة، لكن تعريفها في مكان التقاطها مقدم على غيره لأنه مكان بحث صاحبها عنها، فإن عدم عرَّفها في هذه الأماكن المذكورة وهي مجامع الناس، أي الحافلة بالناس وبخاصة يوم الجمعة أو في الأسواق وبخاصة الأوقات التي يكثر فيها وجود الناس، ويمكن كذلك أن يقوم بوضع إعلانات على جدران المحلات ونحو ذلك، وتنوب وسائل الإعلام المختلفة في وقتنا الحاضر عن التعريف بمجامع الناس. - فائدة: لا يجوز إنشاد الضالة في المسجد كما يفعله بعض الناس لما ثبت عن أبى عبد الله مولى شداد بن الهاد أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (١). (٢) قوله «فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ»: أي في أي وقت جاء=

стр. 1153

وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ (١)، ــ =صاحبها قبل تعريفها حولاً أو بعد تعريفها فوصفها طبق الواقع فإنه يلزمه أن يدفعها إليه، ولا يلزم أن يطلب منه بينة لأنه لا منازع للواصف لها ولا يلزمه كذلك اليمين لأن الأصل أنها ملكه، وقد وصفها بما لا يكون فيه ريب ولا شك فوجب دفعها إليه بمقتضى السنة. - فائدة: هل له أن يشهد على رده اللقطة ؟ نقول ليس له ذلك لأنه متبرع، والمتبرع يقبل قوله في رد العين إلى مالكها. (١) قوله «وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ»: أي وإن لم يعرف صاحبها بعد تعريفها سنة فإنها يعني اللقطة تدخل في ملك الملتقط لقوله ﷺ كما في حديث زيد بن خالد المتقدم «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا» (١). وفي رواية: «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا .. » (٢). - فائدة: وهل يكون ملكه لها قهراً أم اختياراً؟ على قولين: الأول: أنها تدخل في ملكه قهراً وهذا هو المذهب. وعلى ذلك إن تلفت قبل الحول بتعدٍ منه فعليه الضمان وبغير تعدٍ فلا ضمان عليه، وإن تلفت بعد الحول فعليه الضمان سواء تعدى أو لم يتعد لأنها دخلت في ملكه وصارت في ضمانه، وفي قول آخر لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط فيكون الحكم واحداً. القول الثاني: أنها تدخل في ملكه اختياراً. وعلى ذلك تكون أمانة في يده، وإن تلفت من غير تعد ولا تفريط فلا =

стр. 1154

وَلا يَتَصَرَّفَ فِيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهُ، وَوِكَاءَهُ وَصِفَتَهُ (١)، ــ =ضمان عليه، والأقرب عندي أنها تدخل في ملكه قهراً فإن تلفت من غير تعد منه ولا تفريط قبل الحول أو بعده فإنه لا ضمان عليه. (١) قوله «وَلا يَتَصَرَّفَ فِيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهُ، وَوِكَاءَهُ وَصِفَتَهُ»: الوكاء: الحبل الذي يربط به ويشد عليها والمعنى أنه لا يتصرف واجدها - يعني اللقطة - قبل معرفة وعاءها، والحبل الذي تشد به وصفتها، وغير ذلك مما تنضبط به لئلا تختلط بماله ويشتبه عليه، وليعلم صدق واصفها من كذبه. لكن هل يشهد على واجدها، يعني يأتي بشهود فيقول اشهدوا أني وجدت لقطة؟ نقول اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على اللقطة: فذهب مالك (١)، والشافعي (٢) في أحد قوليه، وهو المذهب عند الحنابلة (٣) أن الإشهاد مستحب، واحتجوا لذلك بالحديث فإن النبي ﷺ لم يذكر الإشهاد فيه فيحمل هذا على الندب. القول الثاني: أن الإشهاد على اللقطة واجب، وهو قول في مذهب الإمام أحمد (٤) اختاره جمع، وهو قول أبي حنيفة (٥)، وأحد قولي الشافعي (٦)، واختاره الصنعاني (٧)، وسماحة شيخنا بن باز ﵀ (٨).

стр. 1155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =واحتجوا لذلك بحديث عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَا يَكْتُمْ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَإِنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (١). قالوا وهذا أمر يقتضي الوجوب ولا ينافي ذلك عدم ذكره في الأحاديث الأخرى. قلت: والأظهر عندي القول باستحباب الإشهاد عليها وذلك لما يلي: (١) صيانة نفس الملتقط عن الطمع فيها، فقد يطمع بعد إيجادها، لكن لو علم أن هناك شهوداً عليه فإنه يخاف من التهمة. (٢) أن في الإشهاد عليه حفظها من ورثته إذا مات لأنه لا يأمن من حدوث المنية به فيدِّعيها ورثته ويحوزونها في تركته أو يستولى عليها غرماؤه إذا أفلس. (٣) أن في الإشهاد عليها وسيلة من وسائل ضبطها والأمر بالضبط واجب كما سبق. - فائدة: هل للملتقط الانتفاع باللقطة ؟ الجواب: إن كان بعد تمام الحول فله أن ينتفع بها لأنها ملكه, وأما قبل تمام الحول فإن احتاجت إلى نفقة كالحيوان يحتاج إلى علف وسقي فله أن ينتفع بقدرها، وإلا فلا كالإناء فليس له أن ينتفع به. وعلى القول بأنها تدخل في ملكه هل يجوز له أن يتصرف فيها؟ الجواب: ما دام أنه بعد تمام الحول فقد دخلت في ملكه فله أن يتصرف فيها بأي شيء بهبة أو بيع أو رهن أو إيقاف، أما قبل تمام الحول فهي وديعة =

стр. 1156

فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ (١)، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ (٢)، أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ (٣)، ــ =عنده لا يجوز له أن يتصرف فيها إلا إذا كانت اللقطة فيها ضرر على صاحبها فله أن يتصرف فيها. مثال ذلك: لو كانت اللقطة من الأشياء التي لا تبقى مثل الأشياء التي تفسد فهنا يتصرف فيها بالبيع ويحفظ الثمن، وإن كانت من الأشياء التي تبقى لكن تستنفق أكثر من قيمتها أضعافاً مضاعفة، كما لو وجد شاة فهنا يبيعها وإن كان لم يملكها لأن بقاءها ضرر على صاحبها. وسيأتي كلام المؤلف قريباً - إن شاء الله -. (١) قوله «فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ، إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ»: أي متى جاء صاحب اللقطة بعد تمام الحول فوصفها فوافق الوصف اللقطة لزم الملتقط أن يردها إليه إن كانت اللقطة موجودة بعينها، أو يدفع ثمنها إذا لم تكن موجودة عنده، وكانت من ذوات المثل، أو دفع قيمتها إن لم يكن لها مثل وذلك لأنها وديعة عنده، هذا إذا كان الهلاك والإتلاف بسبب تفريطه. أما إذا تلفت بغير تفريط فقد سبق أن القول الصحيح أنه لا ضمان عليه، ودليل ما ذكره المؤلف حديث زيد بن خالد «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْه» (١). (٢) قوله «وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ»: كعلف أو سقي ونحو ذلك. (٣) قوله «أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ»: كالفواكه والخضروات.

стр. 1157

فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ». وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (١)، وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا (٢). ــ (١) قوله «فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ». وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»: أي فهو بالخيار بين أكله أو بيعه ثم بعد ذلك يعرفه، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً. (٢) قوله «وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا»: لأنها لم تدخل في ملكه بعد، فلا ضمان عليه وقد سبق الخلاف فيما إذا هلكت بعد تمام الحول هل يضمن أم لا؟ وبيان الراجح.

стр. 1158

فَصْلٌ فِي اللَّقِيْطِ وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ (١)، وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ (٢)، وَإِسْلامِهِ (٣)، ــ الشرح: (١) قوله «وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ»: انتقل المؤلف هنا إلى بيان حكم اللقيط وهو الصبي من سن الولادة إلى سن البلوغ سواء كان ذكراً أو أنثى, والمنبوذ أي المطروح في شارع أو مسجد وغير ذلك. حكم التقاطه: التقاط الصبي اللقيط فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين لأن في التقاطه إحياء نفس فكان واجباً كإطعامه إذا اضطر. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى .. ﴾ (١)، وما ثبت عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ .. » (٢). (٢) قوله «وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ»: وهذا في قول عامة أهل العلم، بل نُقل الإجماع على ذلك، وذلك لأن الأصل في الإنسان الحرية. (٣) قوله «وَإِسْلامِهِ»: هذا هو الحكم الثاني، فيحكم بإسلامه لكن هذا مقيد بالدار التي وجد فيها، فإن كان في دار إسلام فقط، أو دار إسلام ويوجد فيها أهل ذمَّة حُكِمَ بإسلامه تغليباً للإسلام أو الدار، أما إن كان في دار كفار فقد قال الفقهاء بأنه يحكم بكفره تغليباً لجانب الدار والقرينة لأن الدار للكفار وأهلها منهم.

стр. 1159

وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ (١) وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً (٢) ــ =والذي رجحه شيخنا ﵀ (١) أنه مسلم يحكم بإسلامه حتى وإن وجد في دار كفر لأن انقطاع تبعيته نسباً يستلزم انقطاع تبعيته ديناً لما ثبت عن أبى هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (٢). وهذا الطفل ليس له أبوان فلما انقطعت تبعيته في الأبوين من حيث النسب فلتنقطع من حيث الدين ونرجع إلى الأصل وهو الفطرة، والفطرة هي الإسلام. (١) قوله «وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ»: هذا هو الحكم الثالث فما وجد قريباً منه من فراش أو ثياب أو مال ونحو ذلك مما ينتفع به فهو له لأن هذا هو الظاهر، ولأنه كالمكلف له يد صحيحة، بدليل أنه يرث ويورث، ويمنع التقاطه بدون التقاط المال الموجود عنده لما فيه من الحيلولة بين المال ومالكه. (٢) قوله «وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً»: هذا هو الحكم الرابع من أحكام اللقيط وهو أن حضانته لا تكون لأي أحد بل تكون لمن توفر فيه شرطان الإسلام والعدل، والعدالة هي الاستقامة على الدين وذلك يكون بفعل الأوامر وترك النواهي، واستقامة المروءة بفعل ما يفعله الناس من الآداب والأخلاق الجميلة. أما دليل ما ذكره المؤلف فهو ما رواه مالك عن ابن شهاب عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ=

стр. 1160

وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ (١)، وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ (٢)، ــ = عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ، وَلاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ (١). (١) قوله «وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ»: هذا هو الحكم الخامس من أحكام اللقيط أي تكون نفقته على بيت مال المسلمين إن لم يكن مع اللقيط شيء ولا تجب نفقته على الملتقط، فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت مال المسلمين فعلى من علم حاله من المسلمين، ودليل ما ذكره المؤلف في قصة عمر المتقدمة. (٢) قوله «وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ»: هذا هو الحكم السادس من أحكام اللقيط، فما تركه من مال أو ديته إن قُتل فإنها فيء يكون لبيت مال المسلمين هذا إن لم يكن له وارث، أما إذا كان له وارث كأن يكون قد تزوج وله أولاد وزوجة فماله لوارثه، وقولنا إذا لم يكن له وارث وله مال أو قتل فديته وماله إلى بيت مال المسلمين. هذا هو أحد القولين في المسألة، وهو المذهب (٢). والقول الثاني في المسألة أن ميراثه وديته إن قتل تكون لواجده، وهذا رواية في المذهب (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وشيخنا رحمهما الله (٥)، وهو الصحيح.
следующие страницы →