. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=هذا حق سببه الولادة وهي ثابتة في الكافر كما هي ثابتة في المسلم، والأظهر أنه ينظر إلى المصلحة، فإن كان في إعطائه للمسلم دون الكافر يقتضي أن يقرب الكافر للإسلام فيدخل في الإسلام، فهنا يعطي المسلم، وإن لم يكن هناك مصلحة فلا يجوز بل يجب التعديل.
- الفائدة الخامسة: التسوية بين الأولاد على قدر إرثهم عامة تشمل ما يعطيه الأب لأولاده وكذلك الأم لأن العلة واحدة، فإذا أعطت الأم أحد أبنائها شيئاً فلتعط الآخر مثله كما سبق بيانه.
- الفائدة السادسة: إذا مات الأب الذي فضل بعض أولاده في العطية قبل أن يسوي في عطيته فهل تثبت العطية؟ نقول ذهب جمهور الفقهاء (١) وهو المذهب عند الحنابلة (٢) أن ذلك يثبت للموهوب له، وليس لبقية الورثة الرجوع، وفي رواية للإمام أحمد اختارها شيخنا ﵀ (٣) أنه إذا مات وجب على الموهوب له أن يرد ما فضل به في التركة، فإن لم يفعل خصم من نصيبه إن كان له نصيب، وهذا هو الراجح عندي.
- الفائدة السابعة: إذا كان أحد الأبناء يحتاج ما لا يحتاجه غيره كأن يحتاج إلى سيارة والآخرون لا يحتاجون، فإن الأب أو الأم لا تعطى المحتاج سيارة باسمه ولكن تكون السيارة باسم الأب، وبهذا يدفع حاجته بالانتفاع بها، فإذا مات الأب ترجع السيارة إلى التركة.
стр. 1297
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «اتَّقُوْا اللهَ وَاعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ» (١)،
ــ
(١) قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : اتَّقُوْا اللهَ وَاعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ» (١): هذا حديث النعمان بن بشير المشهور، وأصله في البخاري عن النعمان بن بشير «أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلامًا فَقَالَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ قَالَ: لا قَالَ فَأرْجِعْهُ» (٢). وفي لفظ «فَارْدُدْهُ» (٣)، وفي رواية «لا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» (٤).
ومعنى هذا الحديث أن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي جاء بابنه النعمان إلى النبي ﷺ يشهده على أنه أعطاه غلاماً رقيقاً شاباً فقال له النبي ﷺ أكل ولدك نحلته أي أعطيته مثل النعمان؟ فقال بشير بن سعد لا فقال النبي ﷺ ما ذكرنا في الحديث.
وفي الحديث من الفوائد منها:
١ - وجوب العدل بين الأولاد وتحريم تفضيل بعضهم على بعض.
٢ - أن التخصيص أو التفضيل لغير حاجة أو ضرورة من الظلم والجور لا تجوز الشهادة فيه.
٣ - وجوب الإنكار على من فضَّل بعض أولاده على بعض لأنه جيف وظلم.
٤ - أن الحكم الذي يجري على خلاف شرع الله، فإنه محرم غير نافذ فإن النبي
ﷺ لم يقبل من بشير ما نفذ من الوصية بل زجره وردها.
стр. 1298
وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْمَرْتُكَ دَارِيْ، أَوْ: هِيَ لَكَ عُمُرَكَ، فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه (١)،
ــ
(١) قوله «وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْمَرْتُكَ دَارِيْ، أَوْ: هِيَ لَكَ عُمُرَكَ، فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه»: بدأ المؤلف هنا ببيان العمري، والعمرى والرقبى يجعلهما بعض أهل العلم في باب مستقل بنفسه يسمى باب العمرى والرقبى.
لكن المؤلف هنا ضمهما إلى باب الهبة لأنهما نوعان من أنواع الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول وغير ذلك مما تم بيانه.
أما تعريفهما: فالعمرى: تعريفها هي أن يقول الواهب لمن وهب له أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو مدة حياتك، ونحو ذلك.
وسميت بذلك لتقيدها بالعمر.
أما الرقبى: هي أن يقول الواهب للموهوب له أرقبتك هذه الدار، أو هذه الدار هي لك حياتك على أنك إذا مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك.
فكأنه يقول هي لآخرنا موتاً، وبذلك سميت رقبي لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من الهبات:
فذهب بعض الفقهاء (١) إلى عدم جوازهما، واحتج لذلك عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «لا تُعْمِرُوا وَلا تُرْقِبُوا .. » (٢).
وذهب بعضهم إلى جواز العمري دون الرقبى لما روي أن النبي ﷺ أجاز
العمري دون الرقبى، ولأن معنى الرقبى أنها للآخر منا، وهذا تعليق=
стр. 1299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= للتمليك، وهذا لا يجوز.
ويرى أكثر أهل العلم (١)، وهو الراجح عندي جواز العمرى والرقبى لما رواه جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا» (٢). وقوله أيضا عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِى أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» (٣)، وفي لفظ «قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له» (٤).
والعمري ثلاثة أنواع:
الأول: أن تؤبد كقوله هي لك ولعقبك من بعدك.
الثاني: أن تطلق كقوله هي لك عمرك أو عمري.
الثالث: أن يشترط الواهب فيها الرجوع بعد موت أحدهما.
حكم هذه الأنواع الثلاثة:
أما النوعان الأول والثاني فجمهور (٥) العلماء على صحتهما وتأبيدهما لموهوب له ولورثته من بعده.
أما النوع الثالث فذهب إلى صحة شرط الرجوع جماعة من الفقهاء منهم الزهري ومالك وأبو ثور وداود، وهو رواية عن الإمام أحمد (٦)، واختارها=
стр. 1300
وَإِنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ، فَلَهُ أَخْذُهَا مَتَى شَاءَ (١)،
ــ
=الشيخ تقي الدين (١) وغيره لحديث «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٢)، وقوله ﷺ فيما رواه مسلم عنه « .. فَأَمَّا إِذَا قَالَ هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ. فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» (٣)، والمشهور من المذهب إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها.
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ، فَلَهُ أَخْذُهَا مَتَى شَاءَ»: لأن السكنى ليست كالعمرى والرقبى، فلا يتملك من رخص له في سكناها لأنها عقد غير لازم كالعارية، واحتج لذلك بما رواه مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ أنه ورث من حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵂ دارها وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد، قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له.
قلت: وذهب بعض أهل العلم أنه ليس لصاحب الدار أخذها إلا بعد وفاة المعمر لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ (٤)، وللنصوص الواردة في وجوب الوفاء بالوعد.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: للوالد أن يأخذ ويمتلك من مال ولده ما لا يضر الولد ولا يحتاجه لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» (٥).
стр. 1301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ولحديث «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» (١). لكن إذا كان ذلك يضر الولد أو يتعلق بحاجته فليس للأب أن يأخذ منه شيئاً لحديث «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (٢)، وليس للولد مطالبة الأب بالدين لوجوب الإحسان إلى الوالدين ومنه عدم مطالبتهما بالدين.
- الفائدة الثانية: لو شرط في الهبة عوضاً: فإنها لا تصبح هبة بل تصبح بيعاً مثل أن يقول وهبتك هذا الأمر على أن تعطيني كذا، فهنا يكون بيعاً وليس هبة، هذا أحد الأقوال في المسألة.
وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز اشترط العوض في الهبة.
- الفائدة الثالثة: هل الصدقة أفضل أم الهبة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ (٣) الصدقة أفضل من الهبة إلا أن يكون في الهبة معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله ﷺ محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل بها الرحم، أو أخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة.
стр. 1302
بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِ (١)
تَبَرُّعَاتُ الْمَرِيْضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ (٢)،
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِ»: هذا الباب مرتبط بالذي قبله إذ العطية نوع من الهبة ولذا يسميه بعض الفقهاء «باب هبة المريض»، لكن جعل جمهور الفقهاء لعطية المريض أحكاماً تختص بها عن أحكام هبة الصحيح.
(٢) قوله «تَبَرُّعَاتُ الْمَرِيْضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ»: المريض حال مرضه له أحكام تختص به، فكما أن له أحكاماً في عباداته البدنية من صلاة وصيام وحج تختص به - كما هو معلوم وقد سبق بيانه في باب العبادات -، فكذلك في تصرفاته وتبرعاته فله أيضاً أحكام يختص بها، فليس المسلم المعافى كالمريض، وفي باب العطايا قسم الفقهاء المريض إلى قسمين:
الأول: من مرضه غير مخوف. ... الثاني: من مرضه مخوف.
وقد بدأ المؤلف ﵀ بهذا النوع الثاني في هذا الباب.
وقوله «مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ» أي مرض الموت الذي يخاف على صاحبه من هلاكه فيه، وقد ذكر الفقهاء بعض الأمراض التي يخاف منها على المريض فذكروا مثلاً «البرسام»، وهو بخار يرتقي إلى الرأس، ويؤثر في الدماغ، فيختل عقل صاحبه.
ومن ذلك أيضاً «ذات الجنب»، وهو قرح بباطن الجنب.
ووجع القلب والرئة ومنه «الرعاف الدائم»، فإنه يصفي الدم فيذهب القوة، وغير ذلك من الأمراض التي تخيف.
ومن الأمراض التي اكتشفت في الطب الحديث وهي مخيفة السرطان، =
стр. 1303
وَمَنْ هُوَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَرِيْضِ (١)، كَالْوَاقِفِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ (٢)،
ــ
=والايدز فإن الطب الحديث عجز عن الإتيان بالعلاج المناسب لها.
والمهم أننا نضع لذلك قاعدة عامة وهي أنه «متى قرر الأطباء أن هذا المرض مخوف فإننا نحكم بأنه مخوف»، وإن حكم الأطباء بأنه مرض غير مخوف فإنه يعتبر لقولهم، لأن المرد في هذه المسائل إلى الأطباء وأهل الخبرة».
وهذا الباب عقده العلماء لبيان جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بحقوق المريض - مرض الموت - المترتبة على أمواله من حيث التبرعات، فإذا وهب من ماله شيء فما حكم هبته؟ وإذا وصى فما حكم وصيته؟ وهكذا.
- فائدة: ذكر بعض الفقهاء أن ما قاله طبيبان عدلان أنه مخوف فإنه يعتبر لقولهم، والأصوب أن يقال: إذا قال طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف قبل قوله سواء كان مسلماً أو كافراً، فإن كان غير طبيب لكنه مقلد الطبيب أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فإنه على القول الراجح يؤخذ بقوله لأنه أخبر عن طبيب، كما أنه في المسائل الشرعية لو أخبر شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام، فإنه يقبل قوله إذا كان مقبول الخبر (١).
(١) قوله «وَمَنْ هُوَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَرِيْضِ»: أي ويقاس على من كان مريضاً مرض مخوفاً ما كان لا يسلم منه الإنسان غالباً كالذي سيذكرهم المؤلف هنا.
(٢) قوله «كَالْوَاقِفِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ»: أي ويقاس على من كان مرضه مخوفاً الذي يقاتل بين الصفين وذلك عند اقتحام الحرب واختلاط الطائفتان بعضهم ببعض وقياس ذلك بالمريض لأن توقع التلف والهلاك متحقق فوجب أن يلحق به.
стр. 1304
وَمَنْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ (١)، وَرَاكِبِ الْبَحْرِ حَالَ هَيَجَانِهِ (٢)، وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِبَلَدِهِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِمُ الْمَوْتُ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَمَنْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ»: سواء كان قتله قصاصاً أو لغيره فإنه يلحق بالمريض مرضاً مخوفاً في تصرفاته المالية التي سيذكرها المؤلف وذلك لأن التهديد بالقتل جعل إكراهاً يمنع وقوع الطلاق وصحة البيع ويبيح كثيراً من المحرمات، ولولا الخوف لم تثبت هذه الأحكام.
(٢) قوله «وَرَاكِبِ الْبَحْرِ حَالَ هَيَجَانِهِ»: أي فإن كان ساكناً، فليس بمخوف، وإن اضطرب وهبت الريح العاصف، فهو مخوف كما قال تعالى عن المشركين ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .. ﴾ (١)، فهم لم يدعوا ربهم إلا لحصول الخوف مما قد أحيط بهم من شدة الريح وظلمة البحر وغير ذلك مما يخيفهم، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢).
(٣) قوله «وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِبَلَدِهِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِمُ الْمَوْتُ»: الطاعون: قيل أنه مرض معين يؤدي إلى الهلاك، فتاك منتشر، مثل الكوليرا، والمعروف أنها إذا وقعت في مكان تنتشر بسرعة، ومثلها أيضاً الحمى الشوكية التي تنتشر بسرعة وتؤدي إلى الهلاك، فهذه الأمراض المعدية تسمى طاعوناً حقيقية أو حكماً فعطايا هؤلاء في حكم عطايا المريض مرضاً مخوفاً فتكون عطاياه من الثلث كما سيأتي قريباً إن شاء الله.
стр. 1305
حُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّتِهِ فِي سِتَّةِ أَحْكَامٍ (١)، أَحَدُهَا: أَنَّهَا لا تَجُوْزُ لأَجْنَبِيٍّ؛ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ (٢)، وَلا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ (٣)،
ــ
(١) قوله «حُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّتِهِ فِي سِتَّةِ أَحْكَامٍ»: أي حكم هؤلاء المذكورين ومن كان على شاكلتهم إذا تبرعوا بتبرعات مالية وهم على هذه الحال ثم ماتوا بعد التبرع دون أن يفصل بين تبرعهم وبين وفاتهم وقت ذهب عنهم فيه الخوف من الموت، فهؤلاء حكم تبرعاتهم حكم وصية في أحوال ستة كما سيذكرها المؤلف.
(٢) قوله «أَحَدُهَا: أَنَّهَا لا تَجُوْزُ لأَجْنَبِيٍّ؛ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ»: أي لا يجوز عطايا هؤلاء المذكورين آنفاً ومن كان في حكمهم لا تجوز عطاياهم أكثر من الثلث، فالأجنبي وهو من غير الورثة لا تجوز أكثر من الثلث إلا إذا أجازها الورثة.
(٣) قوله «وَلا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ»: أي وكذلك لا تجوز عطايا المريض مرضاً مخوفاً ومن كان على شاكلته ممن ذكرناهم أن يتبرعوا لوارث ولو أقل من الثلث، بل لو أدنى شيئاً لعموم قوله ﷺ «لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (١)، ولما سيذكره المؤلف قريباً وهذا بإجماع أهل العلم.
ولذا نقول لهذا من كان مرضه مرضاً مخوفاً لا تتصدق بأكثر من ثلث تركتك لأجنبي، ولا تتصدق لوارث ولو بالشيء القليل، وهذا على سبيل التحريم وذلك لانتقال المال إلى الورثة.
стр. 1306
لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوْكِيْنَ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثاً، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً (١).
الثَّانِيْ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُجَمَعُ فِي بَعْضِ الْعَبِيْدِ بِالْقُرْعَةِ، إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْجَمِيْعِ؛ لِلْخَبَرِ (٢).
ــ
=ومن الأدلة على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص أنه استاذن النبي ﷺ - وكان مريضاً - أن يتصدق بثلثي ماله « .. قَالَ لا، قُلْتُ فَالشَّطْرُ، قَالَ: لا، قُلْتُ فَالثُّلُثُ، قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، يعني لا بأس بالثلث مع أنه كثير.
(١) قوله «لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوْكِيْنَ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثاً، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً»: هذا الحديث رواه مسلم من حديث عمران بن حصين، ورواه النسائي بلفظ «أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ فَجَزَّأَهُمْ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (١).
(٢) قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُجَمَعُ فِي بَعْضِ الْعَبِيْدِ بِالْقُرْعَةِ، إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْجَمِيْعِ؛ لِلْخَبَرِ»: أي ومن الأحكام التي تشترك فيها العطية مع الوصية أن مريض الموت إذا أعتق عبداً من عبيده في حال مرضه فإن حكمه حكم الوصية، فلا يجوز منه إلا ثلث المال إلا أن يجيزه الورثة، وهذا قول جمهور الفقهاء، فإذا كان العتق لجماعة من العبيد ولم يحملهم الثلث، كمَّل العتق في بعضهم بالقرعة، فإذا كان له ستة أعبد تساوت قيمتهم، قيمة كل عبد ألف ريال، وثلث المريض أربعة ألاف ريال، جعلت كل اثنين منهم ثلثاً، وأقرعنا
بينهم بسهم حرية وسهمي رق، فمن وقع لهما سهم الحرية عتق ورق =
стр. 1307
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنًا فَأَشْكَلَ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ (١)،
ــ
=الباقون، دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين ﵁ المتقدم أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فاعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولاً شديداً، وقد تقدم.
(١) قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنًا فَأَشْكَلَ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ»: هذا هو الأمر الثالث التي تشترك فيه الوصية مع العطية من الأحكام، وخلاصته أنه إذا قام مريض الموت المخوف من هلاكه فقال أحد عبيدي حراً لوجه الله، أو عيَّن أحد عبيده فقال عبدي فلان حر وكان هناك من يماثله في الاسم أو الكنية فأشكل على الورثة من المقصود بالعتق، فهنا يخرج عن طريق القرعة، والقرعة العمل بها جائز بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ (١)، ومعنى ساهم: أي قارع، فكان من المغلوبين وقصته مشهورة، أما السنة فمن ذلك:
١ - أن النبي ﷺ «كان إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ .. » (٢).
٢ - وأيضاً ما ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا .. » (٣)، ومعنى يستهموا: يعني يقترعوا، فالقرعة في اللغة السهم والنصيب. =
стр. 1308
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهَا مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ (١)، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ضِعْفَ قِيْمَتِهِ، تَبَيَّنَا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ حِيْنَ إِعْتَاقِهِ (٢)، وَكَانَ مَا كَسَبَهُ بَعْدَ ذلِكَ لَهُ (٣)، وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ (٤)،
ــ
=فالحاصل أن القرعة يلجأ إليها عند الإشكال وعدم تمييز الحقوق، وهي إمارة عن إثبات حكم قطعاً للخصومة، أو لإزالة الإبهام.
(١) قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهَا مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ»: هذا هو الأمر الرابع الذي تشارك فيه العطية الوصية أن المعتبر عند خروجهما من الثلث حال الموت وذلك لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث والموصي له بوصية أو عطية.
(٢) قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ضِعْفَ قِيْمَتِهِ، تَبَيَّنَا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ حِيْنَ إِعْتَاقِهِ»: جملة ما ذكره المؤلف هنا أنه إذا اعتق عبداً من لا يملك غيره أو تبرع به لغير الورثة وذلك حال مرضه المخوف ولا يملك سوى هذا العبد ثم ملك غيره وكان قدر ما ملكه ضعفي قيمة العبد فإن العبد يعتق كله في هذه الحالة، لأن قيمته حين إعتاقه أصبحت ثلث التركة، والوصية والعطية تكون بالثلث على ما تقدم، فهذا العبد الذي عتق أصبح حراً لخروجه عن الثلث عند الموت.
(٣) قوله «وَكَانَ مَا كَسَبَهُ بَعْدَ ذلِكَ لَهُ»: أي يكون ما كسبه العبد بعد عتقه وقبل الجزم بأنه حراً ملكا له لأنه تبين أنه في هذه المدة حر، والحر يملك ما كسب.
(٤) قوله «وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ»: أي فإن كان على المتبرع في مرض الموت المخوف أو كان قد أوصى من=
стр. 1309
وَلَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُوْصَى لَهُ زَمَانًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ لا وَقْتَ الأَخْذِ (١). الْخَامِسُ (٢): أَنَّ كَوْنَهُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ فِيهِمَا (٣)،
ــ
=ماله بشيء لكن كان عليه ديون تستغرق هذا المال فإنه لا يعمل بالوصية ولا العطية وذلك لأن الدين يقدم عليها، دليل ذلك ما رواه البخاري معلقاً والترمذي وغيرهم عن علي ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» (١)، وعلى ذلك إن أوصى فقال بأن يعتق عبدي فلان، أو قال أنا متبرع بهذا العبد لفلان وكانت ديونه تستغرق قيمة هذا العبد فإنه لا عبرة بوصيته لأن الدين مقدم على الوصية وعلى الورثة.
(١) قوله «وَلَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُوْصَى لَهُ زَمَانًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ لا وَقْتَ الأَخْذِ»: أي لو أوصى شخص في مرض موته بعطاء لشخص فلم يأخذه حتى توفى الموصي، فإن الموصي له يستحق العطاء بقيمته وتكون القيمة بوقت الموصي لأنه وقت نفاد الوصية ولأن الاعتبار بقيمة الموصي به وخروجه من الثلث وعدم خروجه منه بحالة موت الموصي لأنها حال لزوم الوصية، فإن كان الموصي به وقت الموت ثلث التركة في القيمة أو دونه نفذت الوصية واستحقه الموصي له.
(٢) قوله «الْخَامِسُ»: أي الحكم الخامس الذي تشارك فيه العطية الوصية.
(٣) قوله «أَنَّ كَوْنَهُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»: أي أن المعتبر في الوصية والعطية هو النظر إلى حال الموصي له والمعطى في مرض الموت هو حال =
стр. 1310
فَلَوْ أَعْطَى أَخَاهُ أَوْ وَصَّى لَهُ وَلا وَلَدَ لَهُ (١)، فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ (٢)، صَحَّتِ الْعَطِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ (٣)، وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ فَمَاتَ، بَطَلَتَا (٤). السَّادِسُ (٥): أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيهِمَا (٦)،
ــ
=الموت لا حالة العطية أو الوصية فهل الموصي له أو من له عطاء من قبل مريض مرض الموت هل هو وارث فلا يستحق العطية أو الوصية أم غير وارث فيستحقهما.
(١) قوله «فَلَوْ أَعْطَى أَخَاهُ أَوْ وَصَّى لَهُ وَلا وَلَدَ لَهُ»: أي ولا ولد للمعطي ولا للموصي وقت العطية ولا الوصية.
(٢) قوله «فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ»: أي ولد للمعطي أو الموصي قبل وفاته ابناً، ويشترط أن يكون ذكراً لأن البنت لا تحجب الأخ عن الميراث، فهنا يكون حكم العطية أو الوصية ما ذكره المؤلف حيث قال:
(٣) قوله «صَحَّتِ الْعَطِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ»: أي نفذت العطية، والوصية لأن الموصي له أو المعطي ليس وارثاً وقت وفاة الموصي أو المعطي وذلك لأن الابن حجب الأخ عن الميراث فصحت له الوصية أو العطية كغيره من غير الورثة.
(٤) قوله «وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ فَمَاتَ، بَطَلَتَا»: أي فإن كان المعُطِي أو الموصِي له ابن وقت وصيته أو عطيته فمات الابن قبل وفاة أبيه ثم مات الأب فهنا لم تصح العطية أو الوصية لأن الأخ هنا صار وارثاً ولا وصية لوارث كما سبق.
(٥) قوله «السَّادِسُ»: أي الحكم السادس الذي توافق فيه العطية الوصية.
(٦) قوله «أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»: أي إن أجازة الورثة وردهم للوصية أو العطية إن كانت لأحد الورثة أو كانت بأكثر من الثلث لأجنبي فإنه لا اعتبار لهذا الرد ولا اعتبار لإجازتهم لها إلا بعد=
стр. 1311
وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ (١):
ــ
=موت المعطي أو الموصي، أما قبل ذلك فليس لهم ذلك لأن المال ملك للمعطي أو الموصي وملكهم لهذا المال لا يكون إلا بعد موته، فإذا ملكوه جازت تصرفاتهم فيه بالرد أو الإجازة وغير ذلك.
وهناك قول آخر في هذا الشرط أنه إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً فإن إجازتهم جائزة وذلك لانعقاد السبب أنهم يرثون هذا المال والسبب هو مرض الموت، فإذا رضوا بما زاد عن الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك، ويدل لهذا القول أن النبي ﷺ أمر من أراد أن يبيع أن يعرض على شريكه ليأخذ أو يدع، فإن هذا يدل على أنه متى وجد السبب وإن لم يوجد الشرط فإن الحكم المعلق بهذا السبب نافذ.
ويدل لذلك أيضاً أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج الكفارة قبل الحنث فإن ذلك جائز لوجود السبب، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام (١) وشيخنا ﵀ (٢).
(١) قوله «وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ»: بدأ المؤلف هنا ببيان ما تفارق به الوصية العطية من أحكام، لكن ما الفرق بين الوصية والعطية من حيث التعريف؟
نقول بأن الوصية هي إيصال المال بعد الموت كأن يقول الموصي إذا مت فأعطوا فلاناً من مالي كذا، أو إذا أنا مت فاجعلوا ثلث مالي للفقراء والمساكين وبناء المساجد وغير ذلك، أما العطية فهي تبرع بالمال في مرض=
стр. 1312
أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ حِيْنِهَا (١)، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ إِنْسَانًا، صَارَ الْمُعْتَقُ حُرًّا، وَمَلَكَهُ الْمُعْطَى وَكَسْبُهُ لَهُ (٢)،
ــ
=الموت، وقد سبق بيان بعض أحكامها.
فالوصية والعطية يشتركان في الأحكام التي سبقت، ثم ليعلم أن العطية حال الصحة أفضل من العطية حال المرض، بل أفضل كذلك من الوصية، دليل ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ» (١) , وقول المؤلف «وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ» ظاهر كلام المؤلف الحصر، ولكن كما سيأتي - إن شاء الله - أن هناك بعض الأحكام الأخرى التي تفارق فيها الوصية العطية.
(١) قوله «أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ حِيْنِهَا»: هذا أول ما تفارق فيه الوصية العطية، وهو أن قبول العطية ينفذ من حين التبرع، وهو حال حياة المعطي لأنها تصرف في الحال، بخلاف الوصية فلا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد موت الموصي، ثم ضرب المؤلف مثالاً لهذا الفارق فقال:
(٢) قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ إِنْسَانًا، صَارَ الْمُعْتَقُ حُرًّا، وَمَلَكَهُ الْمُعْطَى وَكَسْبُهُ لَهُ»: أي إذا أعتق المعطي عبداً فإنه يصير حراً من حين إعتاقه مباشرة لأنه عتق، وكذلك إذا أعطاه لشخص فإنه يصير هذا العبد المعطي لهذا الشخص ملكاً له بعد إعطائه له مباشرة لأن العطية تمليك مباشر، مباشرة=
стр. 1313
وَلَوْ وَصَّى بِهِ (١)، أَوْ دَبَّرَهُ (٢)، لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوْصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ (٣) وَمَا كَسَبَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ (٤). الثَّانِيْ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَرَدُّهَا حِيْنَ وُجُوْدِهَا (٥)،
ــ
=يكون ملكاً له لأنه أصبح حراً فما كان من كسبه فهو له، وكذلك ما يكسبه بعد إعطائه للشخص الأخر فإنه يكون للشخص الأخر أي ملكاً لمن أعطيه. هذا بخلاف الوصية فإن ذلك لا يكون إلا بعد موت الموصي كما سيذكر ذلك المؤلف.
(١) قوله «وَلَوْ وَصَّى بِهِ»: أي لو وصى الموصي بهذا العبد فقال إذا مت فهو لفلان.
(٢) قوله «أَوْ دَبَّرَهُ»: أي قال إذا مت فهو حر.
(٣) قوله «لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوْصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ»: وقد سبق الإشارة لذلك فلا تحصل ملكية العبد للموصي له ولا يصير حراً إلا بعد موت الموصي.
(٤) قوله «وَمَا كَسَبَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ»: أي وما حصل من كسب للعبد أو حصل فيه نماء كأن تكون أمة فتلد فيكون الكسب والنماء المنفصل للورثة، لأن ذلك ملك للسيد إلى حين موته فما كسبه في هذه المدة أو حصل فيه نماء منفصل فهو له وجزء من ماله يتقاسم فيه الورثة بعد موت الموصي.
(٥) قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَرَدُّهَا حِيْنَ وُجُوْدِهَا»: هذا هو الأمر الثاني التي تفارق فيه العطية والوصية، ومعناه أنه يعتبر أنه يقبل المعطي العطية عند وجودها قبل موت المعطي، فإذا أعطاه العطية فإنه يقبل في الحال، لكن يراعي في ذلك الشروط المعتبرة في الهبة لأنها هبة مُنَّجزة.
стр. 1314
كَعَطِيَّةِ الصَّحِيْحِ (١)، وَالْوَصِيَّةُ لا يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَلا رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ (٢).
الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ لازِمَةً، لا يَمْلِكُ الْمُعْطِيْ الرُّجُوْعَ فِيهَا (٣) وَالْوَصِيَّةُ لَهُ الرُّجُوْعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ (٤).
ــ
(١) قوله «كَعَطِيَّةِ الصَّحِيْحِ»: وذلك لأن العطية كما سبق هبة منجزة فاعتبر لصحتها أن يقبلها الموهوب عند وجودها، كما في عطية غير المريض.
(٢) قوله «وَالْوَصِيَّةُ لا يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَلا رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ»: أي بخلاف الوصية فالوصية لا يثبت الملك للموصي له من حين تم عقد الوصية، بل لا يكون قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصي حتى لو قال الموصي: إني أوصيت لك هذا البيت أو هذه السيارة وغير ذلك بعد موتي ملكاً لك، فقال الموصي له قبلت منك ذلك وجزاك الله خيراً ثم ذهب إلى كتابة العدل ثم كتب ما أوصى به وجعل له صكاً بذلك فإن له الرجوع فيه لأنها وصية لا يتم الملك إلا بعد موت الموصي.
(٣) قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ لازِمَةً، لا يَمْلِكُ الْمُعْطِيْ الرُّجُوْعَ فِيهَا»: هذا هو الفارق الثالث بين العطية والوصية وهو أن العطية تنفيذ، فيثبت الملك فيها من حين العطية، لأنها كما سبق تمليك في الحال وقد قال ﷺ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» (١)، فليس للمعطي أن يرجع في عطيته، أما الوصية فقد قال المؤلف.
(٤) قوله ﵀ «وَالْوَصِيَّةُ لَهُ الرُّجُوْعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ»: أي أما الوصية فيملك الموصي الرجوع فيها، فلو قال هذا البيت بعد موتي لفلان ملكاً له، ثم رجع فإنه يجوز، لأن الوصية لا تلزم إلا بعد الموت وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
стр. 1315
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيْعِهَا (١)، وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ الأَوَّلِ وَالآخِرِ مِنْهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيْعِهَا»: هذا هو الفارق الرابع بين العطية والوصية، فالعطية إذا كانت في أزمنة مختلفة وعجز الثلث عن جميعها بدأ بالأول فالأول لأن الأول في العطية راجح على ما بعده، لسبقه له في الاستحقاق.
مثال ذلك: رجل أعطى عطايا لأشخاص ثلاثة فأعطى شخصاً ألف ريال، وأعطى الثاني ألفي ريال، وأعطى الثالث ثلاثة آلاف ريال، فيكون مجموع العطايا ستة آلاف ريال ثم توفي الرجل ولم يكن له في تركته إلا تسعة آلاف ريال، وقد سبق أن العطايا لا تجوز بأكثر من الثلث وهنا زادت العطايا عن الثلث فماذا نصنع؟
نقول: نعطي الأول فالأول، فنعطي الأول ألف ريال، والثاني ألفي ريال، والثالث لا شيء له لأن التركة تسعة ألاف ثلثها ثلاثة آلاف، والثلاثة استوعبتها عطية الأول والثاني فلا يكون للثالث شيء.
فالحاصل أن العطايا يجاز منها بقدر الثلث، ثم يلغي الباقي.
(٢) قوله «وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ الأَوَّلِ وَالآخِرِ مِنْهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ»: أي أما الوصية فهي بخلاف ذلك، بل يسوى فيها بين الأول والآخر، ونضرب مثالاً للتقريب على نحو المثال السابق، رجل أوصى لثلاثة أشخاص فأوصى للأول بألف ريال، والثاني بألفي ريال، والثالث بثلاثة آلاف ريال، وترك تركة قدرها تسعة آلاف ريال، فإن وزعت على الموصي لهم استغرقت الوصية جميع ماله ومعلوم أن الوصية لا تجوز بأكثر من =
стр. 1316
سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ (١)، وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَطَايَا إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً (٢).
ــ
=الثلث، فهنا نوزع الوصية على النحو التالي:
١ - نرد الوصايا إلى الثلث، وندخل النقص على الجميع.
٢ - لا نقدم الأول على الثاني كما فعلنا في العطايا.
٣ - يكون التوزيع بينهم على النصف مما أوصى له به، لأن نسبة الثلث إلى مجموع الوصايا النصف فنعطي صاحب الألف خمسمائة، وصاحب الألفين ألفاً، وصاحب الثلاثة آلاف ألفاً وخمسمائة، فيكون الجميع ثلاثة آلاف، وهي الثلث.
(١) قوله «سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ»: أي إذا أوصى من جملة وصاياه بعتق عبد من عبيده بعد وفاته فإنه يسوي بين العتق وبين هذه الوصايا، ويدخل النقص عليها جميعاً فيعتق من العبد بقدر نسبته، وينفذ من كل وصية بقدر نسبتها، لأن العتق المعلق بالموت يسوي بينه وبين بقية الوصايا.
(٢) قوله «وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَطَايَا إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً»: أي وكذلك العطايا إذا أعطى عطايا جملة واحدة فقال لفلان كذا ولفلان كذا وعبدي فلان حر، فهنا يكون الحكم فيها كالحكم في الوصية، فيعطى كل واحد منهم بحسبه، فتوزع العطايا بقدر الثلث على الجميع لأنه ليس هناك سابق ولاحق، بل جميع العطايا وقعت دفعة واحدة كما سبق.
هذا أخر ما ذكر المؤلف في الأمور التي تخالف فيها العطية الوصية.
لكن هناك بعض الفوارق الأخرى بينهما فمن ذلك:
١ - أن الوصية تصح للحمل والعطية لا تصح، وذلك لأن الحمل لا يملك، =
стр. 1317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فإذا أعطيته لم يملك ولا يصح أن يتملك له والداه لأن الحمل ليس أهلاً للتملك، والعطية لا بد أن يكون الملك فيها ناجزاً.
٢ - أن العبد المدبَّر يصح أن يوصي له، ولا تصح له العطية.
مثاله: رجل عنده عبد مدبّر - وهو الذي علق عتقه بموت سيده. فقال له: إذا مت فأنت حر، فهذا مدبر - فيصح أن يوصي لعبده المدبر - لأن الوصية تصادف العبد وقد عتق وإذا عتق صح أن يملك، بخلاف أن يعطي عبده بناءاً على أن العبد لا يملك بالتمليك والعطية لا بد أن يتملكها في حينها.
٣ - العطية خاصة بالمال، والوصية تكون بالمال والحقوق، ولذلك يصح أن يوصي شخصاً ليكون ناظراً على وقفه، أما العطية فهي خاصة بالمال.
٤ - الوصية تصح بالمعجوز عنه والعطية لا تصح، فلو أعطى شيئاً معجوزاً عنه كجمل شارد وعبد آبق وما شابه ذلك، فإنها لا تصح على المشهور من المذهب، وقد سبق أن الراجح أنها تصح، لأن المعطي إما أن يغنم وإما أن يسلم وليس فيه مراهنة، لكن على المذهب لا تصح العطية بالمعجوز عنه وتصح الوصية، والفرق أن الوصية لا يشترط تملكها في الحال، فربما يقدر عليها فيما بين الوصية والموت.
٥ - الوصية لها جزء معين أن يكون به وهو الخمس أو الربع والثلث، والعطية لا فلا نقول: يسن أن تعطي الخمس أو الربع.
٦ - الوصية تصح من المحجور عليه، ولا تصح العطية.
مثاله: رجل عليه ديون أكثر من ماله، مثلاً عليه عشرة آلاف ريال وماله ثمانية آلاف ريال، وحجر عليه، فلا يمكن أن يعطي أحداً من هذه الثمانية، لأنه=
стр. 1318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= محجور عليه، فهذه العطية تبرع يتضمن إسقاط واجبه، والتبرع الذي يتضمن إسقاط واجب غير صحيح، لكن لو أوصى بعد موته بألفي ريال فإنه يجوز.
والفرق أن الوصية لا تنفذ إلا بعد قضاء الدين، وليس على أهل الدين ضرر إذا أوصى بشيء من ماله، لأنه إذا مات الميت نبدأ أولاً بتجهيزه، ثم بالديون التي عليه، ثم بعد ذلك بالوصية.
стр. 1319
كِتَابُ الْوَصَايَا (١)
ــ
الشرح:
(١) قوله «كِتَابُ الْوَصَايَا»: الوصايا جمع وصية، كعطايا وعطية.
وهي في اللغة: العهد إلى غيره بأمر مهم فيقال أوصي إلى فلان بكذا أي عهد إليه، وتأتي بمعنى الوصل، تقول وصيت الشيء بكذا أي وصلته، سميت بذلك لأنها وصل لما في الحياة بعد الموت.
أما في الاصطلاح: فهي التبرع بالمال بعد الموت والتصرف بالحق.
فقولنا التبرع بالمال بعد الموت احترازاً من الهبة، فإنها تبرع بالمال ولكن في الحياة كما تقدم، وقولنا «يتصرف بالحق» هو أن يقول الموصي إذا مت فالوصي على أولادي الصغار فلان فهذا تصرف بالحقوق.
- الفائدة الأولى: الوصية جائزة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ .. ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
أما دلالة السنة: فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٣)، ومن ذلك أيضاً حديث سعد ابن أبي وقاص=
стр. 1320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=المتقدم والذي سيذكره المؤلف، وفيه: «قلت يا رسول الله أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنه واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي .. » (١) الحديث وقد تقدم.
والمراد بالحديث: الحث بالمبادرة بكتابة الوصية.
أما الإجماع فقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية.
- الفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الوصية: قال أهل العلم في الحكمة في مشروعية الوصية بأنها تحصيل ذكر الخير في الدنيا ونوال الثواب والدرجات العالية في الآخرة، لذا شرعها الشارع تمكيناً من العمل الصالح، ومكافأة لمن أسدى للمرء معروفاً، وصلة الرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خلة المحتاجين، وتخفيف الكرب عن الضعفاء والبؤساء والمساكين، وذلك بشرط التزام المعروف والعدل وتجنب الإضرار في الوصية لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ .. ﴾ (٢)، والعدل فيها المراد به قصرها على مقدار الثلث المحدد شرعاً.
ومن حكم مشروعيتها أيضاً: أن فيها براءة للذمة، وحماية للأموال، ورسم لطريق الانتفاع بها، وحفظ لحقوق الآخرين، ورعاية لجانب الصغار والأيتام، لأن الوصي يقوم مقام والدهم.
- الفائدة الثالثة: سبق أن بينا جواز الوصية لكن الوصية من جهة الحكم الشرعي تدور بين الأحكام الشرعية الأربعة وهي الوجوب والاستحباب=
стр. 1321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والكراهة والتحريم.
فالوصية الواجبة: هي التي تجب إذا كان الإنسان عليه دين لا بينة به ولا أحد يعرفه إلا الله وصاحب الدين، فهنا يجب على الوصي أن يوصي بسداد دينه لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فتجب الوصية بماله وبما عليه من الحقوق التي ليس فيها إثبات لئلا تضيع.
ومن ذلك أيضاً: الوصية للأقربين الذين لم يكن لهم حق في الإرث كانوا فقراء والموصي غني، فهنا يجب عليه الوصية لهؤلاء الأقارب على القول الصحيح بخلاف ما ذهب إليه الجمهور من أن الوصية لهم سنة.
ودليل وجوب الوصية لهم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
قال العلامة ابن سعدي ﵀ في تفسيره (٢)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ﴾، أي أسبابه كالمرض المشرف على الهلاك ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾، وهو المال الكثير عرفاً، ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾، أي فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ على قدر حاله من غير إسراف والاقتصار على الأبعد دون الأقرب. ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، دل على وجوب ذلك لأن الحق هو الثابت وقد جعله الله من موجبات التقوى ... إلى أن قال ﵀ فالصحيح وجوب=
стр. 1322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الوصية للأقارب غير الوارثين.
ثانياً: الوصية المستحبة: وهي التي يكون فيها الموصي ذا مال وعنده ورثة ولكنهم أغنياء وكذا أقاربه لا حاجة لهم بالمال، فهنا يوصي بشيء من مال يصرف في سبيل البر والإحسان ليصل إليه ثوابه بعد موته.
ثالثاً: الوصية المكروهة: وهي التي يكون فيها مال الموصي قليلاً وورثته محتاجون لأنه بوصيته سيضيق على الورثة، وقد قال ﷺ لسعد ﵁ كما سيأتي «إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُوْنَ النَّاسَ»
رابعاً: الوصية المحرمة: وهي التي لا تجوز ويأثم صاحبها، وهي التي اشتملت على أمور نهى الله عنها، كأن يوصي بأكثر من الثلث، أو أن يوصي للوارث، فهنا تصير محرمة لأنها اشتملت على أمور محرمة، وقد قال تعالى بعد ذكر آيات المواريث ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١). وقال ﷺ «لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (٢).
- الفائدة الرابعة: في أركان الوصية: للوصية أربعة أركان هي:
١ - موصي: والمراد به صاحب الوصية.
٢ - موصي له: وهو من تعين له الوصية.
٣ - موصي به: والمراد به ما تحمله الوصية من قول أو كتابة وما يقوم مقامهما.
٤ - الصيغة: والمراد بها الألفاظ الدالة على الوصية، كأن يقول أوصيت بكذا لفلان أو جعلت لفلان ثلث مالي بعد وفاتي.
стр. 1323
رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، قَدْ بَلَغَ بِيَ الْوَجَعُ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُوْ مَالٍ وَلا يَرِثُنِيْ إِلاَّ ابْنَةُ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِيْ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُوْنَ النَّاسَ (١)،
ــ
- الفائدة الخامسة: تنفيذ الوصية واجب، فإن كانت في أمر يفوت بعد موت الموصي وجب المبادرة في التنفيذ ويحرم التغيير فيها أو التبديل أو التعديل إلا إلى الأصلح عند بعض الفقهاء.
- الفائدة السادسة: الإضرار بالوصية قد يكون من قبل الموصي، كأن يوصي بأكثر من الثلث، أو يوصي لأحد الورثة، وقد يكون الإضرار بها من قبل الموصي إليه بإهمالها وعدم تنفيذها والتهاون فيها، وهذا كله محرم.
(١) قوله «رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، قَدْ بَلَغَ بِيَ الْوَجَعُ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُوْ مَالٍ وَلا يَرِثُنِيْ إِلاَّ ابْنَةُ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِيْ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُوْنَ النَّاسَ» (١): هذا الحديث سبق تخريجه، وهو عمدة في باب الوصايا، وقد استنبط منه أهل العلم أحكاماً عديدة منها:
١ - استحباب عيادة المريض: ويؤخذ ذلك من عيادة النبي ﷺ إلى سعد حيث زاره في مرضه الذي ذكر فيه الحديث، لكن تجب الزيارة للأبوين إن مرضا، ويتأكد الاستحباب لمن له حق من قريب أو صديق أو جار ونحوهم.
стр. 1324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢ - جواز إخبار المريض بمرضه، وبيان شدته إذا لم يقصد التشكي والتسخط وينبغي ذكره للفائدة كطبيب يعينه على تشخيص مرضه، أو مسعف يسبب له العلاج.
٣ - فيه استشارة العلماء واستفتاؤهم في أموره.
٤ - استحباب الوصية وأن تكون من الثلث من المال فأقل حتى ولو كان صاحب المال كثير.
٥ - الأفضل أن تكون الوصية بأقل من الثلث وذلك لحق الورثة.
٦ - فيه أن إبقاء المال للورثة مع حاجتهم إليه، أفضل من التصدق به على البعيدين لكون الوارث أولى ببره من غيره.
٧ - أن النفقة على الأولاد والزوجة عبادة جليلة مع النية الحسنة.
٨ - فيه أن مسألة الناس أموالهم مذمومة وكذلك إظهار الحاجة إليهم وأنه على الإنسان أن يسعى بأي عمل يغنيه عنهم وعما في أيديهم.
٩ - فيه حسن جمع المال من حله للاستغناء به عند الحاجة إلى الناس ومن حسن توفير المال الاقتصاد في النفقات.
١٠ - فيه أيضاً أن حق الورثة متعلق بمال قريبهم الذي يرثونه حتى في حال حياته، فلا يحل له أن يحتال على إنفاقه أو التصرف فيه تصرفات يقصد بها حرمانهم من الميراث.
١١ - فيه أيضاً الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب والشفقة على الورثة، فإن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد.
١٢ - فيه فضل الإنفاق في وجوه الخير، وإنما يثاب على عمله بنيته وأن الإنفاق على العيال يثاب عليه وإذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة.
стр. 1325
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ بِخُمُسِ مَالِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ بِخُمُسِ مَالِهِ»: سبق بيان حكم الوصية وقد ذكرنا أنها تدور مع الأحكام الشرعية الأربعة «الوجوب والاستحباب والكراهة والتحريم».
وقوله «وَيُسْتَحَبُّ»، وفي الزاد قال: «وَيُسَنُّ»، فهل هناك فرق؟
الظاهر أنه ليس هناك فرق بين التعبيرين هنا وإلا فهناك فرق عند بعض أهل العلم بين المسنون والمستحب، فالمسنون ما جاء بدليل النقل، أما المستحب ما جاء بطريق التعليل، فالتسمية على الوضوء مثلاً مسنونة عند من قال بسنيتها وإلا ففيها خلاف بين الوجوب والسنية، ودخول الخلاء بالرجل اليسرى والخروج باليمنى مستحب لدليل التعليل لأن هذا من باب إكرام اليمين.
فالمهم أنه يستحب «لمن أراد خيراً الوصية»، والخير اختلف الفقهاء في تقديره فقيل: دون الألف لا تستحب له الوصية، وقيل: أربعمائة دينار.
وعن ابن عباس إن ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي، وقال طاووس الخير: ثمانون ديناراً، وذكر غير ذلك في تقديره (١).
والراجح عندي: أن المراد بالخير هنا المال الكثير عرفاً لأنه لم يرد في الشرع تقديره فرجع إلى العرف.
وقوله «بِخُمُسِ مَالِهِ»: أي المستحب في الوصية أن تكون بخمس المال لا بثلثه ولا بربعه حتى ولو كان غنياً، وقال بعض الفقهاء إن كان غنياً استحب الوصية بالثلث.
قلت: والأظهر عندي أن ما ذكره المؤلف هو الصواب.
стр. 1326
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيْرُ (١)، مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ هِبَتُهُ (٢)، وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ (٣)،
ــ
=فالمستحب أن تكون الوصية بالخمس، دليل ذلك ما رواه البيهقي وغيره وجود إسناده الألباني في الإرواء ما جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «الَّذِي يُوصِى بِالْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِى بِالرُّبُعِ وَالَّذِي يُوصِى بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِى بِالثُّلُثِ» (١)، ولأن النبي ﷺ قال «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ» (٢).
قال ابن عباس ﵁ «لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ» (٣)، ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي فمتى لم يكف الميراث إغناؤهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه فيكون أفضل من الوصية.
(١) قوله «وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيْرُ»: أي وتصح الوصية وهو ما يتبرع به الشخص بعد موته وكذلك تدبيره يعني وصيته عتقه لعبد من عبيده بعد وفاته.
(٢) قوله «مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ هِبَتُهُ»: هذا هو الركن الأول من أركان الوصية وهو الموصي أي يصح ذلك من كل من تصح هبته وقد سبق بيان الشروط المعتبرة في الواهب وهي على سبيل الإجمال، أن يكون من أهل التبرع وذلك بأن يكون عاقلاً بالغاً رشيداً مالكاً للشيء الموهوب.
(٣) قوله «وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ»: أي تصح الوصية من الصبي العاقل الذي لم يبلغ، وهذا أحد القولين في هذه المسألة.
стр. 1327
وَالْمَحْجُوْرِ عَلَيْهِ لَسَفَهِهِ (١)،
ــ
=وفي رواية (١) في المذهب أنها لا تصح حتى يبلغ، والأظهر عندي جوازها بشروط:
الأول: أن تكون وصية حسنة لا إثم فيها.
الثاني: أن لا يكون فيها تغرير بالصبي لأن العادة أنه يغرر بالصغير فقد يوصي لمن لا يستحق أن يوصى له، أو يوصي لمن غرر به وهو لا يستحق ذلك، أما دليل جوازها هو ما رواه مالك وغيره عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عمرو بن سليم الزرقي أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: «إِنَّ هَا هُنَا غُلامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لَهُ هَا هُنَا إِلاَّ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: فَلْيُوصِ لَهَا فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ جُشَمَ قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ فَبِعْتُ ذَلِكَ الْمَالَ بِثَلاثِينَ أَلْفًا وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ» (٢).
(١) قوله «وَالْمَحْجُوْرِ عَلَيْهِ لَسَفَهِهِ»: أي وتصح الوصية كذلك من المحجور عليه لسفه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ .. ﴾ (٣)، وضده الرشيد كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً .. ﴾ (٤).
وقد اختلفت الرواية في المحجور عليه لسفه في المذهب على وجهين: =
стр. 1328
وَلِكُلِّ مَنْ تَصِحُّ الْهِبَةُ لَهُ (١)، وَلِلْحَمْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُوْدًا حِيْنَ الْوَصِيَّةِ لَهُ (٢)،
ــ
=الوجه الأول: صحتها كما ذكره المؤلف، ووجه الصحة لأن الوصية وإن كانت من باب التبرعات إلا أن أثرها لا يظهر إلا بعد الوفاة وفي الوقت الذي يستغنى فيه السفيه عن المال، والحجر عليه إنما هو لحفظ ماله وليس في الوصية إضاعة لماله، فإنه إن عاش كان له، وإن مات كان له ثوابه، وهو حينئذ لا يحتاج إلى الثواب.
الوجه الثاني: لا تصح وصية السفيه لأنها تصرف، فلم يصح من السفيه كالبيع.
قلت: والراجح عندي جوازها لأنه بمنزلة الصبي، ولأنها لا تخرج ماله عن ملكه، فإن عاش أخذ ماله، وإن مات حصل الثواب وهو محتاج له.
(١) قوله «وَلِكُلِّ مَنْ تَصِحُّ الْهِبَةُ لَهُ»: هذا هو الركن الثاني من أركان الوصية، وهو الموصي له، فتصح الوصية لكل من يصح أن يوهب له، وقد سبق بيان ما يشترط في الموهوب له، وقلنا بأنه يشترط فيه أن يكون أهلاً لملك ما يوهب له، فإن كان عاقلاً بالغاً فإنه يقبض.
(٢) قوله «وَلِلْحَمْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُوْدًا حِيْنَ الْوَصِيَّةِ لَهُ»: أي وتصح الوصية للحمل إن كان موجوداً حال الوصية لأن الحمل يرث والوصية كالميراث، لكن يشترط له أن يكون موجوداً حين الوصية له، لأنه إذا لم يكون موجوداً تكون الوصية لمعدوم، وهي تمليك، فلا تصح للمعدوم، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
وذهب المالكية (١) إلى أن الوصية تصح للموصي له، سواء أكان موجوداً حين الوصية أم منتظر الوجود كالحمل. =
стр. 1329
وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ (١)،
ــ
= لكن ما هو الطريق لمعرفة الحمل حال الوصية؟
قال الفقهاء: طريق العلم بأن يولد حيّاً لأقل من ستة أشهر من حين الوصية لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا وضعته حيّاً لأقل منها لزم أن يكون موجوداً حينها، وكذا تثبت الوصية لو أقر الموصي بأنها حامل فتثبت الوصية له إن وضعته ما بين سنتين من يوم أوصى، لأن وجوده في البطن ثبت بإقرار الموصي فإنه غير متهم فيه، فإن انفصل الحمل ميتاً بطلت الوصية لانتفاء أهلية الملك (١).
قلت: وتثبت الوصية أيضاً للحمل بواسطة الطب الحديث كما هو حاصل الآن حيث يستطيع الأطباء إثبات المرأة حامل أم لا.
وهل تصح الوصية للميت؟
على قولين: الراجح جوازها وتصرف صدقة له في أعمال الخير.
(١) قوله «وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: هذا هو الركن الثالث من أركان الوصية التي سبق بيانها في أول الباب وهو الموصي به، وقد اشترط الفقهاء للموصي به شروطاً نذكرها على سبيل الأجمال كما سيأتي التعرض عليها في ثنايا شرحنا إن شاء الله، فمن هذه الشروط:
١ - أن لا يكون الموصي به معصية أو محرماً شرعاً، وذلك لأن الوصية الغرض منها تدارك ما فات في حال الحياة من الإحسان، فلا يجوز أن يكون الموصي به معصية.
стр. 1330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢ - أن يكون الموصي به مالاً، وذلك لأن الوصية تمليك، ولا يملك غير المال، والمال الموصي به يشمل الأموال النقدية والعينية والديون التي في ذمة الغير.
و هل تصح الوصية بالمنافع كسكنى دار وزراعة الأرض وغلة البستان التي ستحدث في المستقبل؟ قولان للفقهاء (١):
الأول: صحة الوصية بالمنافع لأنه مما يصح بيعه وهبته وإجارته.
الثاني: لا تجوز الوصية بالمنافع لأن الوصية بالمنافع وصية بمال الوارث، ولأن نفاذ الوصية عند الموت، وعند الموت تحصل المنافع على ملك الورثة، لأن الرقبة ملكهم وملك المنافع تابع لملك الرقبة فكانت المنافع ملكهم لأن الرقبة ملكهم.
قلت: والراجح عندي جواز الوصية بالمنافع، ويعتبر خروج ذلك من ثلث المال، أو بقدر ما خرج من الثلث منها.
٣ - أن يكون الموصي به متقوِّماً من عرف الشر ع، فلا تصح الوصية بمال غير متقوّم أي لا يجوز الانتفاع به كالخمر والخنزير والكلب العقور والسباع التي لا تصلح للصيد لعدم نفعها وتقومها ولأنها لا تملك أصلاً بالنسبة للمسلم.
أما الكلاب المعلمة والسباع التي تصلح للصيد فإنه يجوز الوصية بها كما سيذكر المؤلف لتقوّمها، ولأنها مضمونة بالإتلاف ويجوز بيعها وهبتها كما سبق بيانه، ولأن فيها نفعاً مباحاً.
стр. 1331
كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ (١)،
ــ
٤ - أن يكون الموصي به مملوكاً للموصى، فيشترط أن يكون الموصي به مملوكاً للموصى وهذا ما ذهب إليه الجمهور (١)، فلا تصح الوصية بمال الغير ولو ملكه الموصي بعد الوصية لفساد الصيغة بإضافة المال إلى غيره.
وذهب بعض الفقهاء، وهو قول الحنفية (٢)، ورواية في مذهب أحمد (٣) إلى أنه لا يشترط لصحة الوصية أن يكون الموصي به ملكاً للموصي حين الوصية لأنه حينئذ يكون فضولياً، ووصية الفضولي منعقدة على إجازة المالك، فإن أجاز فهو بالخيار إن شاء سلمها وإن شاء لم يسلمها كالهبة.
وقول المؤلف ﵀ «وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: أي تصح الوصية بكل ما فيه نفع مباح شرعاً، وقد سبق بيان ذلك في الشرط الأول والثالث من شروط الموصي به، وخلاصة الأمر هنا أن ما كان نفعه مباح كالمنازل والدكاكين والكتب والكلب المعلم ونحو ذلك تجوز الوصية به.
أما ما لا يباح اقتناؤه لم تصح الوصية به كالكلب العقور، وما لا يصلح للصيد والزرع وكذا الخنزير والخمر والميتة وغير ذلك مما لا نفع فيه لا تصح الوصية به لأن الوصية تمليك، فلا تصح بهذه المذكورات كالهبة.
(١) قوله «كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ»: أي تصح الوصية بكلب الصيد، وكذلك كلب الغنم الذي يحرسها لأنه يجوز اقتناؤه فجاز نقل اليد إليه بالوصية فلو أن رجلاً عنده كلب صيد معلم أو كلب لحراسة غنم أو كلب للحرث فأوصى به لفلان فإن الوصية تصح، مع أن الكلب ليس بمال ولكنه أذن بالانتفاع به وكذا هبته.
стр. 1332
وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ (١)، وَبِالْمَعْدُوْمِ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ (٢)،
ــ
= وعلم من قوله «الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ» أنه إن لم يكن لهذه الأغراض وما كان في معناها «كالكلاب التي تستخدم في البحث عن المجرمين» فإنه لا يجوز الوصية به لأن الموصي لا يملك أن ينتفع بالموصى به.
(١) قوله «وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ»: أي وتصح الوصية بما فيه نفع من النجاسات كالزيت المتنجس وذلك لأنه يجوز الانتفاع به في الجلود والسفن وما أشبهها ففيه منفعة مباحة فجاز نقل اليد إليه بالوصية.
- فائدة: فرق بين الزيت النجس والمتنجس: فالزيت النجس كزيت الميتة وزيت الخنزير، وكذا كل زيت كان مما يحرم أكله فهذا لا تصح الوصية به، أما المتنجس وهو ما كان من حيوان طاهر فأصابته نجاسة أو كان من شجر وغيره فإن هذا يصح الانتفاع به واستخدامه فيجوز الوصية به.
(٢) قوله «وَبِالْمَعْدُوْمِ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ»: أي وتصح كذلك الوصية بالمعدوم، وهو الذي لم يكن موجوداً وقت الوصية، كما لو أوصى بما تحمله أمته أو ما تحمله شجرته، كأن يقول ما تحمله هذه الأمة أو ما تحمله هذه النخلة فقد أوصيت به لزيد أو لعمرو أو لجهة كذا، فإن حصل شيء أي فحملت أمته أو شجرته فهو للموصي له بمقتضى هذه الوصية، وإن لم يحصل حمل بطلت الوصية لأنها لم تصادف الشيء الموصي به، ووجه كون المعدوم تصح الوصية به لأن المعدوم يصح تملكه عن طريق السلم وعن طريق المساقاة، فإذا صح ملكه بطريق المعاوضة، صح تملكه عن طريق الوصية التي هي تبرع من باب أولى، وفي رواية أخرى في المذهب (١) عدم صحة الوصية بالمعدوم.
قلت والراجح عندي القول الأول.
стр. 1333
وَبِمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ (١)، وَبِمَا لا يَمْلِكُهُ، كَمِئَةِ دِرْهَمٍ لا يَمْلِكُهَا (٢)، وَبِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَبِمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»: أي وتصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء وكذا العبد الآبق والجمل الشارد والحمل في البطن واللبن في الضرع ونحو ذلك، ووجه صحة الوصية به لأن الوصية إذا صحت بالمعدوم فبغيره أولى، ولأنها أجريت مجرى الميراث وهذا يُوَرثُ فيوصى به، فإن قدر عليه أخذه وسلمه إذا خرج من الثلث (١)، ولأنه أيضاً الموصى له يخلف الموصي في هذه الأشياء ولا يضر العجز عن تسليمها وقت الوصية بها، لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاة الموصي.
(٢) قوله «وَبِمَا لا يَمْلِكُهُ، كَمِئَةِ دِرْهَمٍ لا يَمْلِكُهَا»: أي تصح الوصية بما لا يملكه الموصي وقت الوصية كأن يقول أوصيت بمائة درهم لفلان وهو لا يملك هذا المال عند الوصية، فإن قال ذلك صحت وصيته لأن غاية ما يكون أن الموصى به معدوم والوصية بالمعدوم صحيحة كما سبق، فإن قدر عليه عند الموت أو على شيء فهنا صحت وإلا فتبطل.
(٣) قوله «وَبِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ»: أي وتصح الوصية بغير معين كأن يوصي بعبد من عبيده ولم يعينه أو شاة من الشياه ولم يعينها، ووجه صحة الوصية بغير معين لأمرين:
الأول: لأن المجهول ينتقل إلى الورثة بالإرث، فصحت الوصية به كالمعدوم وهذا لا خلاف فيه (٢).
стр. 1334
وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ مَا شَاؤُوْا (١)، وَبِالْمَجْهُوْلِ كَحَظٍّ مِنْ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ، وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوْا (٢)،
ــ
=الثاني: لأن الجهالة في هذا أقل من الجهالة فيما لو أوصى بعبد وشاة وهي تصح، فلأن تصح هاهنا بطريق الأولى.
مثال ذلك: لو قال أوصيت لفلان بعبد أو شاة فهذا مجهول، بخلاف ما لو قال أوصيت لفلان بعبد من عبيدي أو شاة من شياتي فهذا مبهم، فإذا صحت الوصية في المجهول كما سبق فلأن تصح في المبهم الغير معين من باب أولى.
(١) قوله «وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ مَا شَاؤُوْا»: أي إذا أوصى بغير معين وهو ما سبق بيانه فإن الورثة يعطون الموصي له ما شاؤوا من العبيد لأن الاسم يتناوله فيرجع إلى رأيهم فيه وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ (١)، وفي رواية أخرى عنه (٢) أن تعيين العبد يكون بالقرعة، فيقرع بينهم، فمن وقعت عليه أعطى الموصي له، لأنهم استووا بالنسبة إلى استحقاقه، فأقرع بينهم، كما لو أعتق واحداً منهم.
(٢) قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ كَحَظٍّ مِنْ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ، وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوْا»: هذا نظير ما سبق أي وتصح الوصية بالمجهول، فكما صحت بالمعدوم وغير المعين، مما لا يملكه الإنسان وغير ذلك فهي كذلك تصح بالمجهول الذي ليس له مقدار محدد، فلو أوصى فقال لفلان جزء من مالي أو لفلان إذا مت حظ من مالي ولم يسم المال ولم يحدده فإن الوصية تصح بذلك، وللورثة الخيار في إعطائه، لأن القصد بالوصية بره ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشرع فكان=
стр. 1335
وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَلَهُ مِثْلُ أَقَلِّهِمْ نَصِيْبًا، يُزَادُ عَلَى الْفَرِيْضَةِ (١)، وَلَوْ خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِيْنَ وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الرُّبُعُ (٢)،
ــ
= على إطلاقه فأي شيء أعطوه يقع عليه ذلك قال ابن قدامة (١) في المغني «لا نعلم فيه خلافاً».
(١) قوله «وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَلَهُ مِثْلُ أَقَلِّهِمْ نَصِيْبًا، يُزَادُ عَلَى الْفَرِيْضَةِ»: شرع المؤلف هنا ببيان الوصية بالأنصباء والأجزاء، والأنصباء جمع نصيب وهو نصيب الوارث، وهو الشيء المقدر، أما الأجزاء فهي جمع جزء، وهو الشيء المقدر أيضاً، لكن يكون المقدر هنا بالنسبة للمسألة، أما الأنصباء يكون المقدر فيها بالنسبة للأشخاص.
أما كلام المؤلف فهو يريد أن يبين حال الموصي له مع الوارثين إذا لم يحدد الموصِي مقداراً للمُوصَى له فقال قاسموه في التركة، فيكون نصيبه مثل أقلهم نصيباً وذلك لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه فلا يثبت مع الشك.
مثال ذلك: لو كان للموصي ابن وبنت فللموصَي له ربع مثل نصيب البنت فتكون المسألة من أربعة، لأنه يضم نصيبه إلى مسألتهم وهي من ثلاثة.
(٢) قوله «وَلَوْ خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِيْنَ وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الرُّبُعُ»: أي إن خلف الموصي ثلاثة أبناء ووصى للموصَي له بمشاركتهم في الميراث فتكون المسألة من ثلاثة، أضف إليها واحداً مثل نصيب أحدهم فتكن أربعة، فيكون للموصي له الربع.