كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ (١)،
ــ
٤ - أن يكون الموصي به مملوكاً للموصى، فيشترط أن يكون الموصي به مملوكاً للموصى وهذا ما ذهب إليه الجمهور (١)، فلا تصح الوصية بمال الغير ولو ملكه الموصي بعد الوصية لفساد الصيغة بإضافة المال إلى غيره.
وذهب بعض الفقهاء، وهو قول الحنفية (٢)، ورواية في مذهب أحمد (٣) إلى أنه لا يشترط لصحة الوصية أن يكون الموصي به ملكاً للموصي حين الوصية لأنه حينئذ يكون فضولياً، ووصية الفضولي منعقدة على إجازة المالك، فإن أجاز فهو بالخيار إن شاء سلمها وإن شاء لم يسلمها كالهبة.
وقول المؤلف ﵀ «وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: أي تصح الوصية بكل ما فيه نفع مباح شرعاً، وقد سبق بيان ذلك في الشرط الأول والثالث من شروط الموصي به، وخلاصة الأمر هنا أن ما كان نفعه مباح كالمنازل والدكاكين والكتب والكلب المعلم ونحو ذلك تجوز الوصية به.
أما ما لا يباح اقتناؤه لم تصح الوصية به كالكلب العقور، وما لا يصلح للصيد والزرع وكذا الخنزير والخمر والميتة وغير ذلك مما لا نفع فيه لا تصح الوصية به لأن الوصية تمليك، فلا تصح بهذه المذكورات كالهبة.
(١) قوله «كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ»: أي تصح الوصية بكلب الصيد، وكذلك كلب الغنم الذي يحرسها لأنه يجوز اقتناؤه فجاز نقل اليد إليه بالوصية فلو أن رجلاً عنده كلب صيد معلم أو كلب لحراسة غنم أو كلب للحرث فأوصى به لفلان فإن الوصية تصح، مع أن الكلب ليس بمال ولكنه أذن بالانتفاع به وكذا هبته.
стр. 1332
وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ (١)، وَبِالْمَعْدُوْمِ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ (٢)،
ــ
= وعلم من قوله «الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ» أنه إن لم يكن لهذه الأغراض وما كان في معناها «كالكلاب التي تستخدم في البحث عن المجرمين» فإنه لا يجوز الوصية به لأن الموصي لا يملك أن ينتفع بالموصى به.
(١) قوله «وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ»: أي وتصح الوصية بما فيه نفع من النجاسات كالزيت المتنجس وذلك لأنه يجوز الانتفاع به في الجلود والسفن وما أشبهها ففيه منفعة مباحة فجاز نقل اليد إليه بالوصية.
- فائدة: فرق بين الزيت النجس والمتنجس: فالزيت النجس كزيت الميتة وزيت الخنزير، وكذا كل زيت كان مما يحرم أكله فهذا لا تصح الوصية به، أما المتنجس وهو ما كان من حيوان طاهر فأصابته نجاسة أو كان من شجر وغيره فإن هذا يصح الانتفاع به واستخدامه فيجوز الوصية به.
(٢) قوله «وَبِالْمَعْدُوْمِ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ»: أي وتصح كذلك الوصية بالمعدوم، وهو الذي لم يكن موجوداً وقت الوصية، كما لو أوصى بما تحمله أمته أو ما تحمله شجرته، كأن يقول ما تحمله هذه الأمة أو ما تحمله هذه النخلة فقد أوصيت به لزيد أو لعمرو أو لجهة كذا، فإن حصل شيء أي فحملت أمته أو شجرته فهو للموصي له بمقتضى هذه الوصية، وإن لم يحصل حمل بطلت الوصية لأنها لم تصادف الشيء الموصي به، ووجه كون المعدوم تصح الوصية به لأن المعدوم يصح تملكه عن طريق السلم وعن طريق المساقاة، فإذا صح ملكه بطريق المعاوضة، صح تملكه عن طريق الوصية التي هي تبرع من باب أولى، وفي رواية أخرى في المذهب (١) عدم صحة الوصية بالمعدوم.
قلت والراجح عندي القول الأول.
стр. 1333
وَبِمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ (١)، وَبِمَا لا يَمْلِكُهُ، كَمِئَةِ دِرْهَمٍ لا يَمْلِكُهَا (٢)، وَبِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَبِمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»: أي وتصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء وكذا العبد الآبق والجمل الشارد والحمل في البطن واللبن في الضرع ونحو ذلك، ووجه صحة الوصية به لأن الوصية إذا صحت بالمعدوم فبغيره أولى، ولأنها أجريت مجرى الميراث وهذا يُوَرثُ فيوصى به، فإن قدر عليه أخذه وسلمه إذا خرج من الثلث (١)، ولأنه أيضاً الموصى له يخلف الموصي في هذه الأشياء ولا يضر العجز عن تسليمها وقت الوصية بها، لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاة الموصي.
(٢) قوله «وَبِمَا لا يَمْلِكُهُ، كَمِئَةِ دِرْهَمٍ لا يَمْلِكُهَا»: أي تصح الوصية بما لا يملكه الموصي وقت الوصية كأن يقول أوصيت بمائة درهم لفلان وهو لا يملك هذا المال عند الوصية، فإن قال ذلك صحت وصيته لأن غاية ما يكون أن الموصى به معدوم والوصية بالمعدوم صحيحة كما سبق، فإن قدر عليه عند الموت أو على شيء فهنا صحت وإلا فتبطل.
(٣) قوله «وَبِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ»: أي وتصح الوصية بغير معين كأن يوصي بعبد من عبيده ولم يعينه أو شاة من الشياه ولم يعينها، ووجه صحة الوصية بغير معين لأمرين:
الأول: لأن المجهول ينتقل إلى الورثة بالإرث، فصحت الوصية به كالمعدوم وهذا لا خلاف فيه (٢).
стр. 1334
وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ مَا شَاؤُوْا (١)، وَبِالْمَجْهُوْلِ كَحَظٍّ مِنْ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ، وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوْا (٢)،
ــ
=الثاني: لأن الجهالة في هذا أقل من الجهالة فيما لو أوصى بعبد وشاة وهي تصح، فلأن تصح هاهنا بطريق الأولى.
مثال ذلك: لو قال أوصيت لفلان بعبد أو شاة فهذا مجهول، بخلاف ما لو قال أوصيت لفلان بعبد من عبيدي أو شاة من شياتي فهذا مبهم، فإذا صحت الوصية في المجهول كما سبق فلأن تصح في المبهم الغير معين من باب أولى.
(١) قوله «وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ مَا شَاؤُوْا»: أي إذا أوصى بغير معين وهو ما سبق بيانه فإن الورثة يعطون الموصي له ما شاؤوا من العبيد لأن الاسم يتناوله فيرجع إلى رأيهم فيه وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ (١)، وفي رواية أخرى عنه (٢) أن تعيين العبد يكون بالقرعة، فيقرع بينهم، فمن وقعت عليه أعطى الموصي له، لأنهم استووا بالنسبة إلى استحقاقه، فأقرع بينهم، كما لو أعتق واحداً منهم.
(٢) قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ كَحَظٍّ مِنْ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ، وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوْا»: هذا نظير ما سبق أي وتصح الوصية بالمجهول، فكما صحت بالمعدوم وغير المعين، مما لا يملكه الإنسان وغير ذلك فهي كذلك تصح بالمجهول الذي ليس له مقدار محدد، فلو أوصى فقال لفلان جزء من مالي أو لفلان إذا مت حظ من مالي ولم يسم المال ولم يحدده فإن الوصية تصح بذلك، وللورثة الخيار في إعطائه، لأن القصد بالوصية بره ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشرع فكان=
стр. 1335
وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَلَهُ مِثْلُ أَقَلِّهِمْ نَصِيْبًا، يُزَادُ عَلَى الْفَرِيْضَةِ (١)، وَلَوْ خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِيْنَ وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الرُّبُعُ (٢)،
ــ
= على إطلاقه فأي شيء أعطوه يقع عليه ذلك قال ابن قدامة (١) في المغني «لا نعلم فيه خلافاً».
(١) قوله «وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَلَهُ مِثْلُ أَقَلِّهِمْ نَصِيْبًا، يُزَادُ عَلَى الْفَرِيْضَةِ»: شرع المؤلف هنا ببيان الوصية بالأنصباء والأجزاء، والأنصباء جمع نصيب وهو نصيب الوارث، وهو الشيء المقدر، أما الأجزاء فهي جمع جزء، وهو الشيء المقدر أيضاً، لكن يكون المقدر هنا بالنسبة للمسألة، أما الأنصباء يكون المقدر فيها بالنسبة للأشخاص.
أما كلام المؤلف فهو يريد أن يبين حال الموصي له مع الوارثين إذا لم يحدد الموصِي مقداراً للمُوصَى له فقال قاسموه في التركة، فيكون نصيبه مثل أقلهم نصيباً وذلك لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه فلا يثبت مع الشك.
مثال ذلك: لو كان للموصي ابن وبنت فللموصَي له ربع مثل نصيب البنت فتكون المسألة من أربعة، لأنه يضم نصيبه إلى مسألتهم وهي من ثلاثة.
(٢) قوله «وَلَوْ خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِيْنَ وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الرُّبُعُ»: أي إن خلف الموصي ثلاثة أبناء ووصى للموصَي له بمشاركتهم في الميراث فتكون المسألة من ثلاثة، أضف إليها واحداً مثل نصيب أحدهم فتكن أربعة، فيكون للموصي له الربع.
стр. 1336
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُوْ فَرْضٍ كَأُمٍّ، صَحَّحْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ بِدُوْنِ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَزِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَ نَصِيْبِ ابْنٍ، فَصَارَتْ مِنْ ثَلاثَةٍ وَعِشْرِيْنَ (١)، وَلَوْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، وَلآخَرَ بِسُدُسِ بَاقِي الْمالِ، جَعَلْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ كَذِيْ فَرْضٍ لَهُ السُّدُسُ، وَصَحَّحْتَهَا كَالَّتِيْ قَبْلَهَا (٢)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُوْ فَرْضٍ كَأُمٍّ، صَحَّحْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ بِدُوْنِ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَزِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَ نَصِيْبِ ابْنٍ، فَصَارَتْ مِنْ ثَلاثَةٍ وَعِشْرِيْنَ»: صورة هذه المسألة أن يوصي لشخص بأن يشارك أبناءه في الميراث، ويكون له مثل نصيب أحدهم وله ثلاثة أبناء وأم، فهنا يكون للأم السدس وللأبناء الباقي وهو خمسة عشر، لكل واحد منهم خمسة، ثم يزداد على ذلك نصيب ابن وهو نصيب الموصي له، فتكون المسألة من ثلاثة وعشرين.
٢٣ ... ١٨ ... ٦×٣ = ... - ... -
٣ ... ٣ ... ١ ... أم ... ١ ÷ ٦
١٥ ... ١٥ ... ٥ ... ٣ أبناء ... ب
٥ ... - ... - ... موصي له ... كابن
(٢) قوله «وَلَوْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، وَلآخَرَ بِسُدُسِ بَاقِي الْمالِ، جَعَلْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ كَذِيْ فَرْضٍ لَهُ السُّدُسُ، وَصَحَّحْتَهَا كَالَّتِيْ قَبْلَهَا»: صورة هذه المسألة أن يوصي لشخصين أحدهما بمثل نصيب أحد أبناءه ويوصي للأخر بسدس باقي المال، فهنا نجعل صاحب السدس «الباقي» كالذي فرض له سدس لأنه حدد المقدار الذي له ثم نصحح المسألة كالتي قبلها فتكون على النحو التالي: نجعل المسألة من ستة: «الأم - ثلاثة أبناء - اثنان موصى لهما»، وتزيد عليها نصيباً وهو واحد، ثم تعطي صاحب =
стр. 1337
وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ الثَّانِيْ بِسُدُسِ بَاقِيْ الثُّلُثِ صَحَّحْتَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا سَوَاءً، ثُمَّ زِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَيْهَا، فَتُصِيْرُ تِسْعَةً وَسِتِّيْنَ، تُعْطِيْ صَاحِبَ السُّدُسِ سَهْمًا وَاحِدًا، وَالْبَاقِيْ بَيْنَ الْبَنِيْنَ وَالْوَصِيِّ الآخَرِ أَرْبَاعًا (١)،
ــ
=النصيب واحد، وبعده تعطي السدس للموصى له الثاني، يبقى خمسة ورؤوس الأبناء ثلاثة نضربها في ستة تصبح ثمانية عشر تزيد عليها النصيب خمسة حيث تحول من واحد إلى خمسة تصبح ثلاثة وعشرون.
١٨+٥ =٢٣ ... ١٨ ... ٦×٣ =١٨
١٥ ... ١٥ ... ٥×٣ ... أبناء
٥ ... - ... - ... موصى له
٣ ... ٣ ... ١ ... موصى له «له ١ ÷ ٦ الباقي»
(١) قوله «وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ الثَّانِيْ بِسُدُسِ بَاقِيْ الثُّلُثِ صَحَّحْتَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا سَوَاءً، ثُمَّ زِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَيْهَا، فَتُصِيْرُ تِسْعَةً وَسِتِّيْنَ، تُعْطِيْ صَاحِبَ السُّدُسِ سَهْمًا وَاحِدًا، وَالْبَاقِيْ بَيْنَ الْبَنِيْنَ وَالْوَصِيِّ الآخَرِ أَرْبَاعًا»: وصورة هذه المسألة كالتي قبلها غير أنه جعل الموصي من الأوصياء سدس باقي الثلث وبذلك نعتبر الموصي له الثاني كصاحب فرض له سدس نضع أصل المسألة ستة نعطيه سهمه والباقي للأبناء، نصحح أصل المسألة بضربها بعدد الرؤوس فتصبح «١٨» نصيب الأبناء منها «١٥» نعطي الموصى له الأول «٥» مثل نصيب كل ابن فيصبح المجموع «٢٣» نضرب المجموع بثلاثة فتصبح المسألة من «٦٩»، يعطى الموصى له الثاني نصيبه سهماً واحداً كما في المسألة السابقة، فيبقى «٦٨» تقسم على أربع فيكون نصيب الواحد «١٧»، وهذا رسم تفصيلي يوضح هذه المسألة.
стр. 1338
وَإِنْ زَادَ الْبَنُوْنَ عَلَى ثَلاثَةٍ، زِدْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوْا أَرْبَعَةً، أَعْطَيْتَهُ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ سَهْمَيْنِ (١)،
ــ
٦٩ ... ٢٣×٣ =٦٩ ... ٦×٣=١٨
٥١ ... ١٥ ... ١٧×٣ ... ١٥ ... ٥/ ٣ ... ٣ أبناء
١٧ ... ٥ ... ١٧ ... - ... - ... موصى له
١ ... ٣ ... ١ ... ٣ ... ١ ... موصى له «١ ÷ ٦ باقي الثلث»
وعلى ذلك يكون سدس باقي الثلث بعد نصيب الموصى له الأول قيمته سهماً واحداً فقط، «المال» ٦٩ ÷٣ = ٢٣ «الثلث»، ١٧ «نصيب الأول»
= ٦ ÷ ٦ = ١، وهو نصيب الموصى له الثاني.
(١) قوله «وَإِنْ زَادَ الْبَنُوْنَ عَلَى ثَلاثَةٍ، زِدْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوْا أَرْبَعَةً، أَعْطَيْتَهُ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ سَهْمَيْنِ»:
حل هذه المسألة على النحو التالي:
٨٧ ... ٨٧ ... ٢٩×٣ = ... ٦ ×٤ = ٢٤
٦٨ ... ١٧×٤ ... ٢٠ ... ٢٠ ... ٤ أبناء
١٧ ... ١٧ ... ٥ ... - ... موصى له
٢ ... ٢ ... ٤ ... ٤ ... موصى له «١ ÷ ٦ باقي الثلث»
ويكون سدس باقي الثلث بعد نصيب الموصي له الأول (٢) وطريقة مجيئه كالأتي: «المال»: ٨٧ ÷ ٣ =٢٩، وهو الثلث.
الثلث - نصيب الأول.
٢٩ - ١٧ = ١٢، ١٢ ÷ ٦ = ٢، وهو نصيب الموصى له الثاني.
فَإِنْ زَادَ البنون عَلَى أَرْبَعَةٍ، زِدْتَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمًا (١)، وَإِنْ وَصَّى بِضِعْفِ نَصِيْبِ وَارِثٍ أَوْ ضِعْفَيْهِ، فَلَهُ مِثْلا نَصِيْبِهِ وَثَلاثَةُ أَضْعَافِهِ وَثَلاثَةُ أَمْثالِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ زَادَ البنون عَلَى أَرْبَعَةٍ، زِدْتَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمًا»: فهب أننا زدناه ولداً آخر فصار عدد الأولاد خمسة فيكون حل المسألة كالأتي:
١٧×٤=٦٨ ... ١٧ ... ١٥ ... ٣×٥=
١١×٥ ... ١٠ ... ١٠ ... ٢ ... ٥ أبناء
١١ ... ٢ ... - ... - ... موصى له
٢ ... ٥ ... ٥ ... ١ ... موصى له بـ ١ ÷ ٣ باقي الربع
إذاً يكون ثلث باقي الربع بعد نصيب الموصي له الأول «٢»، وهو كالأتي:
٦٨ ÷ ٤ = ١٧ «وهذا هو الربع» - ١١ «نصيب الموصي الأول» = ٦
٦ ÷ ٣ = ٢.
(٢) قوله «وَإِنْ وَصَّى بِضِعْفِ نَصِيْبِ وَارِثٍ أَوْ ضِعْفَيْهِ، فَلَهُ مِثْلا نَصِيْبِهِ وَثَلاثَةُ أَضْعَافِهِ وَثَلاثَةُ أَمْثالِهِ»:
هذه المسألة على قولين في المذهب (١):
الأول: أن ضعف الشيء هو ومثله وضعفاه هو ومثلاه وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، وذلك لأن التضعيف هو ضم الشيء إلى مثله مرة بعد أخرى.
وهو الصحيح في المذهب، وهو اختيار ابن قدامة (٢).
الثاني: أن الضعفان هما المثلان، والثلاثة أضعاف ثلاثة أمثال.
стр. 1341
وَإِنْ وَصَّى بِجُزْءِ مُشَاعٍ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ، أَخَذْتَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ وَصَّى بِجُزْءِ مُشَاعٍ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ، أَخَذْتَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ»: مثال ذلك ما ذكر المؤلف:
خلف ابنين ووصى بثلث ماله لرجل فالمخرج ثلاثة تدفع للموصى له سهماً ويبقى سهمان لكل ابن سهم.
٣ ... -
٢ ... ٢ أبناء
١ ... ١ ÷ ٣ موصى
هذا إذا انقسمت، أما إذا لم تقسم كأن يكون له ثلاثة فيبقى سهمان على ثلاثة لا تصح ولا توافق، فنضربها في مخرج الوصية ثلاثة يصير تسعة للموصي له بالثلث سهم مضروب في ثلاثة بثلاثة ويبقى ستة على ثلاثة لكل ابن سهمان.
٣×٣ = ٩ ... ٣
٦ ... ٢ ... ٣ أبناء
٢ ... ١ ... ١ ÷ ٣ موصي له
فتكون النتيجة ٦ أسهم تقسم على الأبناء الثلاثة فيصبح لكل ابن سهمان والموصي له ثلاثة أسهم.
стр. 1342
فَإِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ (١)، فَإِنْ رَدُّوْا، جَعَلْتَ سِهَامَ الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَلِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ ذلِكَ (٢)، وَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَلِلْمُوْصَى لَهُ قَدْرُ الثُّلُثِ إِلاَّ أَنْ يُجِيْزَ الْوَرَثَةُ (٣)، وَإِنْ زَادَتِ الْوَصَايَا عَلَى الْمَالِ، كَرَجُلٍ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَلآخَرَ بِثُلُثٍ، ضَمَمْتَ الثُّلُثَ إِلَى الْمَالِ، فَصَارَ أَرْبَعَةَ أَثْلاثٍ وَقَسَمْتَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ إِنْ أُجِيْزَ لَهُمَا، وَالثُّلُثُ عَلَى أَرْبَعَةٍ إِنْ رُدَّ عَلَيْهِمَا (٤)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ»: هذا إذا أجازها الورثة لأنه كما سبق لا تجوز الوصية أكثر من الثلث إلا إذا أجازها الورثة، فإن ردوها يعطى الموصى له الثلث فقط والثلثان للورثة.
(٢) قوله «فَإِنْ رَدُّوْا، جَعَلْتَ سِهَامَ الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَلِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ ذلِكَ»: كما سبق بيان ذلك.
(٣) قوله «وَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَلِلْمُوْصَى لَهُ قَدْرُ الثُّلُثِ إِلاَّ أَنْ يُجِيْزَ الْوَرَثَةُ»: كأن يوصي له بعبد معين قيمته مائتين وله غيره بمائة فله نصفه لأن ذلك قدر الثلث إلا أن يجيزه الورثة فيأخذ العبد كله.
(٤) قوله «وَإِنْ زَادَتِ الْوَصَايَا عَلَى الْمَالِ، كَرَجُلٍ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَلآخَرَ بِثُلُثٍ، ضَمَمْتَ الثُّلُثَ إِلَى الْمَالِ، فَصَارَ أَرْبَعَةَ أَثْلاثٍ وَقَسَمْتَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ إِنْ أُجِيْزَ لَهُمَا، وَالثُّلُثُ عَلَى أَرْبَعَةٍ إِنْ رُدَّ عَلَيْهِمَا»: أي إذا رد الورثة الوصية لكونها أكثر من الثلث فإنه يعطى الموصي لهما الثلث ويقسم بينهما أرباعاً ثلاثة أرباع للأول وربع للثاني، فإن أجاز الورثة الوصية قسم المال بينهما على أربعة.
стр. 1343
وَلَوْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لآخَرَ (١)، أَوْ أَوْصَى بِهِ إِلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى إِلَى آخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا (٢)، وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِلأَوَّلِ، فَهُوَ لِلثَّانِيْ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الأَوَّلِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَلَوْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لآخَرَ»: صورة ذلك هو أن يوصي بدار مثلاً لفلان، ثم بعد فترة يوصي بنفس الدار لشخص آخر ولم يبين أنه فسخ الوصية الأولى، فيكون الموصَي به بينهما، لأنه لم يكن هناك ما يثبت رجوع الموصي في الوصية الأولى، ويمكن أن يكون أراد مشاركة الثاني للأول في الوصية وقال بعض الفقهاء بل تكون الوصية الثانية ناسخة للأولى، فإن أتى بها كانت للأخير منهما، لأنها تنافي الأولى.
(٢) قوله «أَوْ أَوْصَى بِهِ إِلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى إِلَى آخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا»: في بعض النسخ فهما وصيان.
مثاله: أن يوصي بأن فلان وصى على أولادي بتربيتهم وتزويجهم، ثم أوصى بنفس الوصية لرجل آخر، فهما يشتركان فيما أوصى به إليهما.
وقيل: بل تكون الوصية لآخرهما، وتبطل وصية الأول.
والأظهر عندي: ثبوت الوصية للأول والثاني في المسألتين، وذلك لاحتمال أن يكون ناسياً أو قاصداً للتشريك بينهما، ولأن وصية الأول ثبتت يقيناً فلا نبطلها بالشك.
(٣) قوله «وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِلأَوَّلِ، فَهُوَ لِلثَّانِيْ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الأَوَّلِ»: وهذا بالإجماع لأنه صرح بالرجوع في الوصية، والرجوع في الوصية كما سبق جائز، ولذا نقول لمن كتب وصية لشخص ثم بدا له بعد ذلك أن يستبدله بغيره ينبغي له أن يقول في وصيته هذه الوصية ناسخة لما قبلها، حتى لا تكون وصيتان ويحدث بذلك ارتباك للورثة.
стр. 1344
فَصْلٌ فِيْ بُطْلانِ الْوَصِيَّةِ (١)
إِذَا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ أَوْ بَعْضُهَا (٢)، رَجَعَ إِلَى الْوَرَثَةِ (٣)، فَلَوْ وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٍ بِمِائَةٍ فَيُعْتَقُ، فَمَاتَ، أَوْ لَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ، فَالْمِئَةُ لِلْوَرَثَةِ (٤)،
ــ
الشرح:
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْ بُطْلانِ الْوَصِيَّةِ»: أي هذا الفصل فيما تبطل به الوصية وكذلك ما يترتب على بطلانها من أحكام.
(٢) قوله «إِذَا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ أَوْ بَعْضُهَا»: ذكر الفقهاء للوصية مبطلات تبطلها فمن ذلك:
١ - موت الموصي له المعين قبل موت الموصي.
٢ - الرجوع في الوصية في حياته بتصريح أو دلالة.
٣ - تعليق الوصية على شرط لم يتحقق.
٤ - زوال أهلية الوصي بجنون أو ردة ونحو ذلك.
٥ - رد الوصية من قبل الموصي له.
٦ - قتل الموصي له الموصى.
٧ - هلاك الموصي به المعين. فهذه جملة ما تبطل به الوصية.
(٣) قوله «رَجَعَ إِلَى الْوَرَثَةِ»: أي متى حصل مبطل من مبطلات الوصية التي تم ذكرها إجمالا وعلى ما سيأتي تفصيلاً فإن الوصية ترجع إلى الورثة، لأن جميع ما يتركه الميت من أموال تكون ملكاً للورثة.
(٤) قوله «فَلَوْ وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٍ بِمِائَةٍ فَيُعْتَقُ، فَمَاتَ، أَوْ لَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ، فَالْمِئَةُ لِلْوَرَثَةِ»: أي إذا وصى بأن يشتري عبد زيد من الناس ليعتق فمات هذا العبد أو رفض سيده إعتاقه فإن ما أوصى به من مال لإعتاقه يعود إلى الورثة وقد ذكرنا في مبطلات الوصية أن من مبطلاتها موت الموصي به المعين.
стр. 1345
وَإِنْ وَصَّى بِمِئَةٍ تُنْفَقُ عَلَى فَرَسٍ حَبِيْسٍ، فَمَاتَ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ (١)، وَلَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِأَلْفٍ فَلَمْ يَحُجَّ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ وَصَّى بِمِئَةٍ تُنْفَقُ عَلَى فَرَسٍ حَبِيْسٍ، فَمَاتَ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ»: أي وكذلك إن وصى بمائة درهم مثلاً تنفق على فرس بأن يشتري له منها علف أو ما يحتاج إليه الفرس ثم مات الفرس فإن هذا المال يرد للورثة وذلك لانقطاع الموصي له بموته.
(٢) قوله «وَلَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِأَلْفٍ فَلَمْ يَحُجَّ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ»: أي إذا وصى بوصية فقال فيها يحج عني فلان حجة بألف، فإن الورثة يعطون هذا المعين الألف كاملة لأن الموصِي عينه بشخصه، فإن رفض أن يحج عنه أو مات فإن الألف تعود إلى الورثة.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: إذا قال: أوصيت أن يحج عني حجة بألف فهنا قيدها، فهل إذا حججنا عنه بثمانمائة نحج عنه أخرى أو نطلب من يحج عنه بألف؟
فيه تفصيل: إذا قال أوصيت أن يحج عني فلان حجة بألف، أعطينا فلاناً الألف كاملة وقلنا حج عنه لأنه عين الشخص، وتعيينه أكثر مما تستحقه الحجة، يدل على أنه أراد مصلحة الشخص، فنعطيه الألف كاملة وإن كان الحج بأقل من ذلك، أما المذهب (١) فيرى أنه إن عين الشخص فإن الزائد للورثة، والصحيح أن الزائد يكون للشخص المعين، فكأنه قصد إرفاقه بالزائد، وإن قال يحج عني فلان بألف نقول يحج عنه فلان حجة بعد أخرى حتى تنفذ الألف، لأنه لم يقيدها.
стр. 1346
وَإِنْ قَالَ الْمُوْصَى لَهُ: أَعْطُوْنِيْ الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَجِّ، لَمْ يُعْطَ شَيْئاً (١)،
ــ
=أما إذا قال: يحج عني حجة بألف ولم يعين الشخص، فهنا لا يحج عنه بألف إذا وجدنا من يحج بأقل، لأنه لا يظهر أنه أراد منفعة شخص معين، بل يحتمل أنه غلب على ظنه أنه لا يوجد من يحج إلا بألف فقيدها بالألف بناءاً على ظنه.
- الفائدة الثانية: إذا كان قد أوصى من فترة طويلة بأن يحج عنه بألف ثم زادت قيمة الحج عن الألف بضعفيه كما هو الحال الآن فماذا نفعل؟
نقول: إذا زادت قيمة الحج زيادة مفرطة بحيث أنها زادت قيمة الحج عن القيمة التي أوصى بها زيادة مجحفة فهنا يصرف ما وصى به في أعمال بر أخرى، وهذا هو المتعين لأن الموصي إنما أراد بوصيته التقرب إلى الله، وخصَّ نوعاً من القربات ولم يتمكن من هذا النوع فنأخذ بالمعنى العام وهو القربى.
- الفائدة الثالثة: من لم يحج الفريضة يجب تنفيذ حجَّه سواء أوصى به أو لم يوصي، وسواء زاد عن الثلث أو نقص عنه.
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ الْمُوْصَى لَهُ: أَعْطُوْنِيْ الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَجِّ، لَمْ يُعْطَ شَيْئاً»: أي إذا كانت قيمة الحج بأقل مما أوصى به الموصي فكانت خمسمائة مثلاً فقال الموصي له أعطوني الزيادة وهي الخمسمائة الأخرى، قال المؤلف «لَمْ يُعْطَ شَيْئاً» وهل تبطل الوصية بذلك؟
نقول على قولين في المذهب (١):
القول الأول: وهو المذهب أنها تبطل في حق الموصي له لا غير ويحج عنه بأقل ما يمكن من نفقة أو أجرة والبقية للورثة.
стр. 1347
وَلَوْ مَاتَ الْمُوْصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ أَوْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ، رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ (١)، وَلَوْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ (٢)، وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَلِلأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ (٣)،
ــ
=القول الثاني: أن الوصية تبطل مطلقاً يعني من أصلها إذا كان تطوعاً.
قلت: والأظهر عندي أنه ما دام قد عين الموصِي الموصَى له بالحج فإن الزائد يكون له، وهو قول في المذهب (١)، قال في الإنصاف: وذكر الناظم قولاً: «أن بقية الألف للذي حج».
(١) قوله «وَلَوْ مَاتَ الْمُوْصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ أَوْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ، رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ»: وقد سبق الإشارة إلى ذلك، فمتى مات الموصى له قبل موت الموصي فإن الوصية تبطل وترد إلى الورثة، وهذا باتفاق الفقهاء سواء علم الموصى بموته أو لم يعلم، وكذلك تبطل الوصية إذا ردَّ الموصى له الوصية لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه، كتنازل الشفيع عن الشفعة بعد الموت، وقوله «رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ»، فيقسم بينهم بحسب إرثهم.
(٢) قوله «وَلَوْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ»: أي إن وصى بثلث ماله لزيد وعمرو ثم تبين أن زيداً ميت فإن عمرو يستحق نصف الثلث الموصي به، ووجه ذلك أنه إنما أوصى لزيد وعمرو بناءاً على أن زيداً حي، وعلى هذا يكون الموصي به بينهما على نصفين، فلما تعذر إيصال حق زيد لموته بقي حق عمرو فقط فيعطاه ويرد حق زيد للورثة.
(٣) قوله «وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَلِلأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ»: أي إذا وصى بأن ثلث ماله لفلان الأجنبي وأحد ورثته فإن الذي يستحقه الأجنبي=
стр. 1348
وَيَقِفُ سُدُسُ الْوَارِثِ عَلَى الإِجَازَةِ (١).
ــ
=هو السدس لأنه أقل سهم يرثه ذوو قرابة، دليل ذلك ما جاء عن ابن مسعود ﵁ أن رجلاً أوصى لرجل بسهم من ماله فأعطاه النبي ﷺ السدس (١)، ولأن السهم في كلام العرب السدس.
وفي قول في المذهب: أم الأجنبي يأخذ ما لأقل الورثة نصيباً، فهو مع بنت وابن له الربع لأن هذا أقل سهم.
(١) قوله «وَيَقِفُ سُدُسُ الْوَارِثِ عَلَى الإِجَازَةِ»: أي ويقف ما أوصى به الموصي لوارث على إجازة الورثة، فإن أجازوه صحت الوصية وإلا فلا، وقد سبق بيان ذلك سابقاً مفصلاً.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوصايا:
- الفائدة الأولى: الأمور المعتبرة في إثبات الوصية:
أـ الكتابة: ودليلها حديث ابن عمر «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٢)، وهل يلزم الختم والإمضاء والتصديق في الجهات الرسمية؟ الصواب أن ذلك كله لا يلزم.
ب - الإشهاد على الوصية: فلو أشهد عليها اثنين ولم يكتبها كفى ذلك، كأن يكون أمياً، أو في مكان لا يتمكن فيه من الكتابة، ولابد من كون الشاهدين مسلمين عدلين.
ج - الإشارة لمن عجز عن الكتابة والإشهاد، لكن يشترط أن تكون هذه الإشارة مفهومه، والأولى بكل الأحوال الجمع بين الكتابة والإشهاد.
стр. 1349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة الثانية: قال بعض أهل العلم عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ .. ﴾ (١) قالوا من ترك ألفاً فأقل لا يوصي، وقال بعضهم: من ترك أربعمائة دينار فأقل، وقال ابن عباس: من ترك ستين ديناراً لا يوصى، وقال طاووس: الخير ثمانون ديناراً، وقال النخعي: ألف وخمسمائة دينار. قلت: والراجح عندي أن الخير هو المال الكثير عرفاً لأنه لم يرد نص في تحديده وتقديره.
стр. 1350
بَابُ الْمُوْصَى إِلَيْهِ (١)
تَجُوْزُ الْوَصِيَّةُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، عَدْلٍ (٢)،
ــ
(١) قوله «بَابُ الْمُوْصَى إِلَيْهِ»: الموصى إليه: هو الذي عهد إليه بالتصرف بعد الموت سواء في المال أو في الحقوق، وهو بمنزلة الوكيل للأحياء.
وفرق بين الموصى له والموصى إليه، فالموصى له من تبرع له الموصي بجزء من ماله بعد وفاته، وهذا ركن من أركان الوصية، بخلاف الموصى إليه.
وعلى ذلك نقول هناك «موصي - موصى له - موصي به»، وهؤلاء أركان الوصية، أما الموصى إليه فليس ركناً من أركان الوصية.
(٢) قوله «تَجُوْزُ الْوَصِيَّةُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، عَدْلٍ»: هذه هي الشروط التي تجوز فيمن أوصى إليه الميت بوصية، فيجب أن يكون كما قال المؤلف: «مُسْلِمٍ» فيخرج به الكافر، فلا تصح وصية المسلم إلى الكافر، ولو كان الكافر أميناً عاقلاً، لأنهم قد خانوا الله من قبل، وإذا كانوا قد خانوا الله من قبل، فإنهم يخونون عباد الله من باب أولى، أما إذا أوصى كافراً مسلماً صحت وصيته، وكذلك إذا أوصى كافراً إلى كافر فإنه تصح وصيته، وهذا الشرط إنما يكون في الموصى إليه إذا كان الموصي مسلماً.
وقوله «عَاقِلٍ» فلا تصح الوصية إلى غير العاقل كالمجنون مثلاً.
وقوله «عَدْلٍ» خرج منه الفاسق، والعدل هو من استقام في دينه ومروءته، فإن أوصى إلى فاسق فلا تصح وصيته.
وقال شيخنا ﵀ (١): إن اشترط العدالة فيه تفصيل: فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه فهي شرط، وإن كانت لا تخدش في تصرفه، وأنه يتصرف=
стр. 1351
مِنَ الذُكُوْرِ وَالإِنَاثِ (١)، بِمَا يَجُوْزُ لِلْمُوْصِيْ فِعْلُهُ (٢)، مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ (٣)،
ــ
=يتصرف تصرفاً تاماً ليس فيه أي إشكال، فإنها ليست بشرط، وهذا هو الصحيح في مفهوم قوله «عَدْلٍ».
(١) قوله «مِنَ الذُكُوْرِ وَالإِنَاثِ»: أي تجوز الوصية كذلك للذكر والأنثى، وهذا هو قول أكثر أهل العلم (١).
وقال بعض الفقهاء، وهو قول عطاء (٢) لا يجوز أن يوصي إلى امرأة لأنها لا تكون قاضية، فلا تكون وصية كالمجنون.
والصحيح: جواز أن يكون الموصى إليه امرأة، فقد روي عن عمر أنه أوصى إلى حفصة، ولأنها - يعني المرأة - من أهل الشهادة، أشبهت الرجال.
(٢) قوله «بِمَا يَجُوْزُ لِلْمُوْصِيْ فِعْلُهُ»: بخلاف ما لا يجوز فعله، فإنه لا يجوز أن يوصي إليه به، وما لا يجوز للموصى أن يوصي به نوعان:
الأول: ما لا يملكه شرعاً كأن يوصي إليه في فعل محرم مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يصرف إلى القبر الفلاني مائة درهم لإسراجه أو الذبح له، فهذه الوصية باطلة، لأنها مشتملة على محرم.
الثاني: ما يمتنع لحق الغير، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يبيع بيتي وهو مرهون، فهذا لا يصح، لأنه لا يملكه إلا بإذن المرتهن.
(٣) قوله «مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ»: يعني أن يوصي إلى فلان بقضاء دينه ورد الودائع واستردادها ونحو ذلك.
وهل يشترط أن يكون الدين معلوماً؟ الصحيح من المذهب (٣) أنه لابد من =
стр. 1352
وَتَفْرِيْقِ وَصِيَّتِهِ (١)، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ (٢)،
ــ
=أن يكون الدين معلوماً لأن الوصي إنما يتصرف بالإذن فلم يجز إلا في معلوم، وذهب شيخنا (١) إلى جواز الوصية بقضاء الدين وإن كان الدين مجهولاً فإنه لا يضر.
(١) قوله «وَتَفْرِيْقِ وَصِيَّتِهِ»: أي إذا أوصى لفلان بأن يفرق وصيته التي حدد مصرفها فهذا جائز لكن يشترط كما سبق أن لا تتجاوز الوصية الثلث من تركته فإن كانت قد تجاوزت الثلث فلا يجوز تفريقها إلا بإذن الورثة كما سبق بيان ذلك.
(٢) قوله «وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ»: كأن يقول فلان وصي على أولادي الصغار من بنين وبنات فإنه يجوز ويكون هذا الوصي هو الناظر على أولاده فيقوم بمصالحهم من نفقة وكسوة وتربية وسكن ونحو ذلك، وهل يملك أن يوصي بتزويج بناته؟ على قولين:
القول الأول: وهو المذهب (٢) أنه يملك فيقول الوصي على تزويج بناتي فلان وإن كان لهم أخوة أشقاء فإنهم لا يزوجهن لأن ولاية النكاح تستفاد من الوصية.
القول الثاني: أنه لا يملك الموصي إليه أن يزوج بهذه الوصية، لأن ولاية النكاح مستقلة هي للإنسان ما دام حياً، فإذا مات انتقلت إلى من هو أولى شرعاً، وعلى ذلك يكون الراجح هو القول الأخير، فلا يصح أن يكون الموصي إليه ولياً في نكاح أحد بنات المتوفى اللهم إلا إذا كان الموصي قد أوصى أن يزوج بناته أخوهم الأكبر الشقيق فإنه يصح لأنه هو وليهن بعده إلا من =
стр. 1353
وَمَتَى وَصَّى إِلَيْهِ بِوِلايَةِ أَطْفَالِهِ أَوْ مَجَانِيْنِهِ، ثَبَتَ لَهُ وِلايَتُهُمْ (١)، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (٢)،
ــ
= تزوجت وأتت بأبناء فأبناؤها أولياؤها.
- فائدة: لا يصح أن يجعل الموصي إليه وصياً على البالغ الرشيد من أولاده وغيرهم من الورثة، وكذلك لا يصح الإيصاء إليه باستيفاء دينه مع بلوغ الوارث ورشده (١).
(١) قوله «وَمَتَى وَصَّى إِلَيْهِ بِوِلايَةِ أَطْفَالِهِ أَوْ مَجَانِيْنِهِ، ثَبَتَ لَهُ وِلايَتُهُمْ»: أي متى أوصى بأن يكون فلان وصياً على أولادي من بعدي وتوفرت فيه الشروط السابقة فإنه تثبت ولايته عليهم بعد موته، وقد سبق الكلام على ذلك.
(٢) قوله «وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ»: فيبيع ويشتري بما فيه النفع للأطفال وذلك لنماء مالهم والمحافظة عليه لقوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .. ﴾ (٢).
وقوله «بالأحظ» يخرج منه ما لا حظ فيه إطلاقاً، وما فيه حظ، لكن غيره أحظ منه، فالأقسام إذاً ثلاثة:
الأول: أن يكون فيه حظ، لكن غيره أحظ.
مثاله: عرضت عليه سلعتان، أحدهما يؤمل أن تربح عشرين في المائة، والثانية يؤمل أن تربح أربعين في المائة، فيشتري التي تربح أربعين في المائة.
الثاني: ما لا حظ فيه مطلقاً. مثاله: أن يشتري لهم سلعة يعلم أنها لن تزيد وليس في شرائها فائدة إنما اشتراها حياءً من صاحبها.
стр. 1354
وَقَبُوْلِ مَا يُوْهَبُ لَهُمْ (١)، وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ (٢)، وَعَلَى مَنْ تَلْزِمُهُمْ مَؤُوْنَتُهُ بِالْمَعْرُوْفِ (٣)، وَالتِّجَارَةِ لَهُمْ، وَدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ (٤)، وَإِنِ اتَّجَرَ لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ (٥)،
ــ
الثالث: أن يكون التصرف هو الأحظ. مثاله: كأن تعرض عليه سلعة يعلم أن في الاتجار فيها يحصل فيه ربح فهذا هو الأحظ.
(١) قوله «وَقَبُوْلِ مَا يُوْهَبُ لَهُمْ»: فإذا وهب إليهم أحداً هبة أو عطاءاً فإنه يأخذه ولا يرده لأنه ليس فيه مضرة عليهم.
(٢) قوله «وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ»: أي وينفق عليهم، وتكون النفقة عليهم بقدر الحاجة أي بلا إسراف ولا تقتير.
(٣) قوله «وَعَلَى مَنْ تَلْزِمُهُمْ مَؤُوْنَتُهُ بِالْمَعْرُوْفِ»: وهم أقارب الموصي الفقراء ومواليه وغيرهم ينفق عليهم بالمعروف، أي بما عرف حسنه في الشرع، وهو كما سبق بلا إسراف ولا تقتير، أي بقدر الحاجة.
(٤) قوله «وَالتِّجَارَةِ لَهُمْ ، وَدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ»: أي ويتاجر الموصي إليه بمال القصر بما فيه نفع لهم، وقد جاء عن بعض الصحابة الأمر بذلك حتى لا تأكلها الصدقة، فالتجارة به والمضاربة بمال من الربح فيه حفظ لمال اليتيم.
وقوله «مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ»: والمضاربة: هي دفع المال لمن يتجر به بجزء مشاع معلوم من الربح لأن هذا فيه مصلحتهم.
(٥) قوله «وَإِنِ اتَّجَرَ لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ»: أي وإن تاجر بأموال القُصَّر فربح فليس له من الربح شيء لأن هذا الربح نماء لهم والأصل أن الوصي يعمل للقاصرين محتسباً فليس له أجرة مقابل عمله، وكذلك لا =
стр. 1355
وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ (١)،
ــ
=يصح له أن يقرض لنفسه أجرة مقابل هذا العمل لأن استحقاق الأجرة يحتاج إلى عقد، ولا يصح له أن يعقد لنفسه.
(١) قوله «وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ»: أي ويجوز للموصي إليه أن يأكل من أموال القُصَّر إذا احتاج لذلك ويكون أكله من أموالهم بقدر عمله فينظر كم يستحق من الأجرة على هذا العمل فيأخذ منه.
وقوله «وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ» ولا يجب عليه أن يغرم ما أكله بالمعروف وهذا هو الصحيح، أما ما جاء عن بعض الصحابة أن الموصي إليه إذا أيسر يقضي ما أخذه من مال اليتيم فإن الروايات التي جاءت في ذلك الأظهر أنها لم تثبت.
ودليل ما ذكره المؤلف هنا: قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ (١)، ثبت عن عائشة ﵂ في هذه الآية قالت: «أُنْزِلَتْ فِي وَالِى مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ» (٢).
وروى الإمام أحمد وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَذِّرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ أَوْ قَالَ تَفْدِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ» (٣).=
стр. 1356
وَلا يَأْكُلُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوْفِ (١)، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوْصِيْ بِمَا أُوْصِيَ إِلَيْهِ بِهِ (٢)، وَلا أَنْ يَبِيْعَ وَيَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمْ لِنَفْسِهِ (٣)،
ــ
=فالحاصل أن الولي على مال اليتيم له أن يأكل منه إن كان فقيراً بقدر عمله وليس له أن يزيد على قدر حاجته، ولو كان عمله في مال اليتيم يستحق عليه أكثر من القدر الذي يحتاجه.
(١) قوله «وَلا يَأْكُلُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوْفِ﴾ (١): أي إن كان الموصي إليه غنياً غير محتاج لشيء من مال الصغار القصر فإنه لا يجوز له الأخذ من أموالهم إلا إذا كان قد فرض له الموصي شيئاً أو فرض له الحاكم أجرة بقدر عمله، فإنه يجوز له الأخذ لأن الوصي بمنزلة الوكيل، والوكالة تجوز بجُعل فكذلك الوصية.
(٢) قوله «وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوْصِيْ بِمَا أُوْصِيَ إِلَيْهِ بِهِ»: أي ليس للموصي إليه أن يوصي أحداً بأن يكون وصياً من بعده على أولاد الموصِي كأن يقول أنا إذا مت فليكن فلان وصي من بعدي على أولاد فلان الذين أنا وصي عليهم، فليس له حق التفويض لغيره وقول آخر في المسألة أنه يجوز له أن يوصي لأن الأب أقامه عليهم فيتصرف بما فيه مصلحتهم وهذا هو الأظهر.
(٣) قوله «وَلا أَنْ يَبِيْعَ وَيَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمْ لِنَفْسِهِ»: سبق أن تعرضنا لمثل هذه المسالة في باب الوكالة وقلنا بأنه ليس للوكيل أن يبيع من مال موكله لنفسه لأنه متهم وهذا ما رجحنا وكذلك نقول هنا لا يجوز للولي على الصغار القصر أن يبيع من مالهم لنفسه لأنه متهم بمحاباة نفسه فلم يصح تصرفه في=
стр. 1357
وَيَجُوْزُ لِلأَبِ ذلِكَ (١)، وَلا يَلِيْ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ إِلاَّ الأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوِ الْحَاكِمُ (٢).
ــ
=ذلك كالوكيل، وقيل له ذلك إذا زالت التهمة عنه، قال شيخنا ﵀ (١) والصحيح أنه إذا زالت التهمة فهو كغيره، هذا من حيث النظر، أما من حيث العمل - ولا سيما في زماننا - فينبغي أن يمنع الوكيل أو الوصي مطلقاً من أن يصرف الشيء إلى نفسه، أو إلى أحد من ذريته، من ذكور أو إناث، والعلة هي التهمة، ألا يحرص على أن يضع هذا الشيء موضعه، وذكرنا أنه إذا زالت التهمة بأن أخرج الوكيل الشيء بالمزاد العلني، ووقف عليه فالمذهب لا يصح، حتى في هذه الحال - التي هي بعيدة عن التهمة يقولون: لا يصح سداً للباب، وهذا القول من الناحية التربوية أحسن من القول بأنه يجوز أن يأخذه لأننا إذا قدرنا أن واحد في المائة زال الوصف في حقه وهو التهمة فغيره لم يزول.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ لِلأَبِ ذلِكَ»: أي ويجوز أن يبيع الأب ويشتري من مال أولاده لنفسه دون غيره لأنه غير متهم في حق أولاده.
(٢) قوله «وَلا يَلِيْ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ إِلاَّ الأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوِ الْحَاكِمُ»: ذكر المؤلف هنا الترتيب فيمن يكون له حق الولاية على الصغار القُصَّر والمجانين، فأولهم الأب لكمال شفقته عليهم وحسن نظره فيما فيه النفع لهم ثم يليه وصي الأب لأنه يقوم مقامه، ثم يليه الحاكم لأن ولايته عامة، وقال بعض أهل العلم أن أقارب هؤلاء الصغار القُصَّر لهم ولاية على أموالهم فأولهم الجد ثم الأم والعصبات. =
стр. 1358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قال شيخنا ﵀ (١) عند قول المؤلف «أَوْ وَصِيُّهُ، أَوِ الْحَاكِمُ»، وهذا فيه نظر لأن أولى الناس بهم جدهم أو أخوهم الكبير أو عمهم، فهو أرفق الناس بهم، فكيف نجعل الولاية لإنسان بعيد.
وهذا هو الصحيح، وطريق ذلك كما قال شيخنا ﵀، بأن يذهب الجد إلى الحاكم ويطلب أن يكون ولياً عليهم، والحاكم إذا رأى أن هذا أهل للولاية ولاه.
стр. 1359
فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ (١)
وَلِوَلِيِّهِمْ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِيَخْتَبِرَ رُشْدَهُ (٢)، وَالرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي الْمَالِ (٣)،
ــ
الشرح:
(١) قوله «فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ»: سبق بيان جملة من الأحكام المتعلقة بهذا الفصل، وبعض الأحكام المتعلقة بالحجر على السفيه والصبي والمجنون في آخر باب أحكام الدين فالتراجع.
(٢) قوله «وَلِوَلِيِّهِمْ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِيَخْتَبِرَ رُشْدَهُ»: ذكر المؤلف هنا بعض الأحكام التي ينفك بها الحجر عن الصبيان القصر، فمتى بلغ الصبي رشداً انفك الحجر عنه، ولا يكون ذلك إلا بعد الاختبار لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ .. ﴾ (١)، أي اختبروا اليتامى في التصرف بما لهم قبل البلوغ، ليتمرنوا على التصرف ويتهيئوا لدفع الأموال إليهم، فإذا بلغوا وعلم الرشد منهم وجب دفع أموالهم إليهم.
(٣) قوله «وَالرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي الْمَالِ»: الرشد عرفه المؤلف هنا: بأنه الصلاح في المال؛ أي إحسان التصرف في المال وعدم التبذير فيه، ووضعه في مواضعه وهذا معنى الرشد، فمتى تصرف في ماله تصرفاً حسناً فباع واشترى ولم يُغْبن غبناً فاحشاً، ولم يبذل ماله في حرام، أو بذله فيما له فائدة فيه من الأشياء المباحة في ذاتها فهو رشيد. أما إن كان فيه فسقاً يتعلق بأمور الدين خاصة فلا يجب الحجر عليه، ولذا قال المؤلف «الصَّلاحُ فِي الْمَالِ» ولم يقل الصلاح في الدين.
стр. 1360
فَمَنْ آنَسَ رُشْدَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ إِذَا بَلَغَ (١)،
ــ
(١) قوله «فَمَنْ آنَسَ رُشْدَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ إِذَا بَلَغَ»: تكلمنا فيما سبق ع ما يحصل به البلوغ للذكر والأنثى ، وقلنا بأنه يحصل للذكر بواحد من ثلاثة أمور:
١ - إنزال المني بجماع أو احتلام أو غير ذلك: وهذا بإجماع أهل العلم (١).
٢ - نبات الشعر الخشن حول القبل: وهذا محل خلاف بين الفقهاء، فمالك والشافعي في قول عنه وأحمد في المشهور عنه، وهو قول إسحاق وابن حزم (٢) أن إنبات الشعر الخشن حول ذكر الرجل وفرج المرأة علامة على البلوغ، وفي رواية للإمام أحمد وهو قول أبي حنيفة وقول للشافعي (٣) أنه لا يحصل البلوغ بذلك، قلت: والصحيح هو القول الأول، لكن لابد أن يكون ذلك مقيداً بأن يكون الإنبات بدون علاج ولا أدوية تؤخذ له، كأن يدهن بما ينبت الشعر ونحو ذلك، فإن انبت بعلاج فلم يحكم ببلوغه.
٣ - تمام خمس عشرة سنة: هذا هو العلامة الثانية للبلوغ، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، ورواية عن أبي حنيفة (٦)، واحتجوا لذلك بما ثبت عن ابن عمر ﵁ أنه قال «عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد للقتال وأنا ابن أربع عشرة سنة لم يجزني وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ﷺ (٧). قالوا: ولأن العادة الفاشية والغالبة أن الاحتلام والحيض =
стр. 1361
وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ (١)،
ــ
= يكونان في هذا السن، ولا يتأخر عنه إلا القليل والعبرة بالعام والغالب لا بالقليل.
وذهب ابن حزم (١) وبعض أهل العلم أنه لا دليل على أن البلوغ يكون بالسن الخامسة عشرة، قال ابن حزم «وأما من جعل كمال خمسة عشر عاماً بلوغاً، وإن لم يكن هناك حيض ولا احتلام ولا إنبات فقوله لا دليل عليه».
قلت والراجح عندي: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
٤ - وهو زيادة على ما ذكرنا «الحيض والحمل» بالنسبة للجارية، وهو مجمع عليه عند أهل العلم لقوله ﷺ «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» (٣)، والمراد بالحائض البالغة، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ علق قبول صلاة الحائض بالخمار، فدل على اعتبار الحيض علامة على البلوغ، أما الحمل فإن المرأة إذا حملت حكم ببلوغها، لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل وماء المرأة فحملها دليل على إنزالها، والإنزال علامة على البلوغ.
(١) قوله «وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ»: أي إذا دفع إليه ماله أشهد على دفعه لقوله تعالى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ (٤) وعلى ذلك يكون دفع المال إلى الصبي بأمور ثلاثة:
стр. 1362
ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (١)، فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيْدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ (٢)، وَلا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ (٣)، وَلا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلاَّ بِحُكْمِهِ (٤)،
ــ
١ - الصلاح في المال.
٢ - البلوغ.
٣ - الإشهاد على الدفع.
(١) قوله «ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى»: أي متى تحقق في الصغير الأمور السابقة فإنه يدفع إليه ماله سواء كان ذكراً أو أنثى لعموم قوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً .. ﴾ (١)، فهي لم تفرق بين الذكر والأنثى في دفع المال إليه، وعلى ذلك ما يفعله بعض الناس من الإمساك على مال البنت إلى حين زواجها أو إلى ما بعد زواجها هذا خطأ، بل متى تحقق في البنت الرشد والبلوغ وحسن التصرف في مالها فإنه يدفعه إليها.
(٢) قوله «فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيْدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ»: أي إن أعطى الصغير ماله لتحقق الشروط فيه يدفع المال إليه ثم لما أعطاه المال عاد إليه السفه فأصبح يبذر في المال وينفقه فيما لا فائدة فيه ويسرف في إنفاقه وغير ذلك فإنه يعاود الحجر عليه مرة ثانية.
(٣) قوله «وَلا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ»: أو من يقوم مقامه كأمير البلد أو قاضيها فإنهم ينظرون في أموال اليتامى بما فيه مصلحة لهم، فإذا وجدوا أن الموصي إليه فرط في أموالهم ولم يحفظها حفظاً جيداً أو أخذها لنفسه فإن القاضي أو الأمير أو الحاكم ينزع الوصاية منه أو يضيف إليه وصي آخر كما سبق.
(٤) قوله «وَلا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلاَّ بِحُكْمِهِ»: أي إلا بحكم الحاكم أو القاضي أو الوالي أو الأمير وهكذا فمتى رشد وبلغ وأصبح ممن يصح دفع المال إليه=
стр. 1363
وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ (١)، وَيُقْبَلُ فِي الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ وَالطَّلاقِ (٢)، وَإِنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، نَفَذَ طَلاقُهُ دُوْنَ إِعْتَاقِهِ (٣).
ــ
=يذهب به وصيه إلى الحاكم أو من يقوم مقامه ليفك الحجر عنه ويعطيه ماله مع الإشهاد عليه كما سبق.
وقيل: بل متى بلغ الصبي أو عقل فإنه يدفع إليه ماله بغير حكم حاكم لأنه ثبت الحجر بغير حكمه، فزال لزوال موجبه بغير حكمه، والراجح عندي هو القول الأول.
(١) قوله «وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ»: أي لا يقبل إقرار الصبي في المال بمعنى أنه إن ادعى أن بعض الناس يطالبه بدين فإنه لم يقبل قوله وهو على هذه الحال أي حال الحجر عليه، لكن لصاحب الدين أن يطالبه بهذا الدين بعد فك الحجر عنه.
(٢) قوله «وَيُقْبَلُ فِي الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ وَالطَّلاقِ»: أي أما في هذه المذكورات وهي الحدود كأن يرتكب معصية توجب عليه حداً أو قصاصاً أو طلاقاً فإن إقراره يقبل في ذلك لأن الحجر عليه إنما كان من أجل حفظ ماله، وهو غير متهم مع إقراره على نفسه بهذه الأمور، فيقبل إقراره فيها.
قال ابن المنذر (١) أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز إذا كان إقراره بزنا أو سرقة أو شربه خمر أو قذف أو قتل، وأن الحدود تقام عليه، وذلك أنه غير متهم في حق نفسه.
(٣) قوله «وَإِنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، نَفَذَ طَلاقُهُ دُوْنَ إِعْتَاقِهِ»: وذلك لأنه كما سبق أن تصرفاته في حقوق أمواله لا يجوز قبل انفكاك الحجر وتصرفه في الإعتاق =
стр. 1364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= نوع من التصرف في المال فهنا لا ينفذ عتقه، بخلاف الطلاق
فليس فيه تصرف في المال وهذا أحد القولين في المسألة.
وفي قول آخر أنه إن أعتق نفذ عتقه لأنه عتق من مال مكلف أشبه الرهن.
قلت والأظهر عندي هو المذهب.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: من أعطى هؤلاء «السفيه - الصغير - المجنون» ماله بيعاً أو قرضاً رجع بعينه وإن أتلفوه لم يضمنوا.
مثال ذلك: رجل باع على سفيه ساعة ثم أتلفها فهنا نقول إن أخذ ثمنها من السفيه وجب عليه رده, ولا يضمنها السفيه إن أتلفها لأن الرجل هو الذي سلطه على ماله وهكذا في هؤلاء الثلاث.
- الفائدة الثانية: يلزم هؤلاء أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم فلو أن هؤلاء الثلاثة اعتدوا على شاة إنسان فكسروها ألزمهم أرش الجناية، ولو اعتدوا على صاحب هذه الشاة فكسروا يده لزمهم أرش الجناية، لأن حق الآدمي لا يفرق فيه بين المكلف وغير المكلف.
وكذلك يضمنون مال من لم يدفعه إليهم، فإن لم يكن عندهم مال لا يؤخذ من وليهم، لكن يبقى في ذممهم حتى يكبروا ويتوظفوا أو يتجروا ويؤخذ منهم.
- الفائدة الثالثة: ولي هؤلاء «المحجور عليهم لحظهم» هو الأب ثم وصي الأب وهو من أوصى أنه بعده ثم الحاكم ثم القاضي وهذا هو المذهب (١).=
стр. 1365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والصحيح عندي: أن الولاية تكون لأولى الناس لهؤلاء، فهي للأب، فإن عدم فالجد، فإن عدم فالأخ الكبير، وهكذا.
ولو كانت الأم إذا كانت رشيدة لأن المقصود حماية هؤلاء، فإذا وجد من يقوم بحمايتهم من أقاربهم فهو أولى من غيره.
- الفائدة الرابعة: لا يجوز لولي اليتيم أن يأكل من ماله إلا عند الحاجة لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، والمعروف ما جرى به العرف من غير إسراف ولا تقتير.
وقال أهل العلم: المعروف هو الأقل من كفايته أو أجرة مثله ولا يلزم الولي عند أكله من ماله بالمعروف العوض إذا أيسر.
- الفائدة الخامسة: في حكم تعدد الأوصياء: يجوز أن يجعل الموصي أكثر من موصي إليه لا سيما إذا كان فيه مصلحة ظاهرة كأن يجعل أحد الأوصياء على العقار، والأخر على سائر المال أو أحدهما على الأولاد والثاني على المال وهكذا.
- الفائدة السادسة: إذا أوصى لشخص ثم أوصى بالشيء نفسه لشخص آخر: فهنا قيل يشتركان، وقيل بل تكون للثاني وتلغى الوصية الأولى، وهذا هو الأولى، وهو ما يميل إليه شيخنا، وقد سبق بيان ذلك.
- الفائدة السابعة: إذا فوضه أن يصرفه فيما يراه: لم يجز أن يصرفه على نفسه ولا على أولاده وأصوله.
- الفائدة الثامنة: ينقسم الحجر إلى قسمين: قسم لمصلحة المحجور عليه، =
стр. 1366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=كالحجر على المجنون والسفيه والصغير مطلقاً لأموالهم.
وقسم لحظ غيره كحجر المدين المفلس لصالح غرمائه وحجر الرهن لحق المرتهن في العين المرهونة وحق المريض مرض الموت لحق الورثة فيما زاد على ثلث التركة حيث لا دين وحجر الرقيق لحق سيده.
- الفائدة التاسعة: الصغير يحجر عليه حتى يبلغ ويكون البلوغ كما ذكرنا سابقاً بالإنبات والإنزال وتمام خمس عشرة سنة في أصح قولي العلماء، وقيل سبعة عشر سنة، وقيل ثمانية عشر سنة، وتزيد الأنثى بالحيض.
- الفائدة العاشرة: الرشد هو البصيرة المالية التي يكون بها الشخص حسن التصرف بالمال وبهذا يقول الجمهور (١) وقال الشافعي (٢) إن الرشد هو صلاح في الدين والمال ولا يعتبر الإنسان رشيداً بمجرد البلوغ بل لابد من ثبوت الرشد بعد الاختبار.
- الفائدة الحادية عشر: تصرفات الصبي على ثلاثة أقسام:
١ - تصرف نفع محض كأن يوهب أحد للصبي مالاً فلا ينبغي للولي أن يمنعه.
٢ - تصرف غير محض مثل أن يريد الصبي إتلاف ماله فللولي أن يمنعه.
٣ - تصرف يدور بين النفع والضر, كالبيع والشراء فهذا حسب الواقع فإن كان صالحاً فللولي أن يمضي ببيعه وشرائه وإن كان غير ذلك فله منعه.
стр. 1367
فَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِ (١)
وَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ (٢)، وَلا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلاَّ فِيْ قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ (٣)، وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ يَتَصَرَّفُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِهَذَا مَأْذُوْنًا لَهُ (٤).
ــ
الشرح:
(١) قوله «فَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِ»: العبد المأذون هو من أجاز سيده بأن يعمل له في ماله، وهذا العبد تصرفه في مال سيده له أحكام تخصه فمن ذلك ما ذكره المؤلف هنا بقوله.
(٢) قوله «وَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ»: أي إذا أذن السيد لعبد من عبيده بأن يتاجر في سلعة فإن بيعه يصح، وكذا شراءه وكذلك إقرار السيد، كأن يبيع العبد سلعة فيقره سيده على بيعها بإقراره، والإقرار إما أن يكون بالقول، فيقول له أحسنت في بيعها أو لا بأس ونحو ذلك من العبارات التي تدل على الإقرار، أو يكون إقراراً بالسكوت فيسكت على بيع عبده للسلعة.
(٣) قوله «وَلا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلاَّ فِيْ قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ»: أي لا يتصرف العبد بشيء أذن له فيه إلا بالقدر الذي أذن له سيده ولا يزد على ذلك.
(٤) قوله «وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ يَتَصَرَّفُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِهَذَا مَأْذُوْنًا لَهُ»: وقيل بل يكون مأذوناً له لأن سكوته رضاً بصنيعه بل سكوته بمثابة الإقرار لتصرفه، قلت: والأول أولى.
стр. 1368
كِتابُ الْفَرَائِضِ (١)
وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيْرَاثِ (٢)،
ــ
الشرح:
(١) قوله «كِتابُ الْفَرَائِضِ»: الفرائض لغة: جمع فريضة بمعنى الشيء الموجب المقطوع، والمقصود بعلم الفرائض فهمها وفقهها، أما حسابها فهو وسيلة محضة تسلك عند الحاجة إليها.
أما موضوع هذا العلم فهو التركات، وفائدته هو إيصال نصيب كل وارث إليه.
أما حكمه: فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الفرض عن بقية الناس.
وقول المؤلف ﵀ «كِتابُ الْفَرَائِضِ» ترجم له المؤلف بالكتاب، وذلك لأن علم الفرائض جنس مستقل بنفسه فهو لا علاقة له بما قبله ولا علاقة له بما بعده لأنه علم يختص بالمواريث.
وقول المؤلف «الْفَرَائِضِ» ولم يقل المواريث لأن الفرائض هي الأصل لقوله ﷺ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١)، وإلا فلو عبر عنه بكتاب المواريث كما عبر به غيره من العلماء لكان أولى لأن المواريث أعم، فهي تشمل أصحاب الفرائض والتعصيب والرحم.
(٢) قوله «وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيْرَاثِ»: هذا هو تعريف الفرائض وهو قسمة المواريث، وقد تولى الله قسمتها وحددها فلا مجال فيها للاجتهاد، =
стр. 1369
وَالْوَارِثُ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ: ذُوْ فَرْضٍ، وَعَصَبَةٌ، وَذُوْ رَحِمٍ (١)،
ــ
= وقد راعى الله أحوال الناس وحاجتهم وكفالة الغير لهم من عدمها، ولعل الحكمة في كونه هو الذي يتولى قسمتها لأنه أعلم بأحوال عباده إذ لو تولى المورثون أو الوارثون أو غيرهم لدخل فيها من الجور والضرر والأغراض النفسية ما يخرجها عن العدل والحكمة، ولكن من تمام عدله وحكمته أن يتولى قسمتها، فقسمها أحسن قسم وأعدله، بحسب ما يعلمه تعالى من قرب النفع، وحصول البر وإيصال المعروف إلى من يحب إيصال المعروف إليه.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: أركان الإرث ثلاثة:
الأول: المورث وهو الميت.
الثاني: الوارث وهو المستحق للميراث.
الثالث: الموروث - التركة - وهو الحق الموروث الذي يخلفه الميت للحي.
- الفائدة الثانية: في شروط الإرث:
١ - تحقق حياة الوارث.
٢ - تحقق موت المورث.
٣ - العلم بالمقتضى للإرث.
- الفائدة الثالثة: يتعلق بالتركة خمسة حقوق:
١ - تجهيز الميت
٢ - الديون الموثقة كالدين المرهون.
٣ - الديون المرسلة غير الموثقة.
٤ - الوصية.
٥ - المواريث.
(١) قوله «وَالْوَارِثُ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ: ذُوْ فَرْضٍ، وَعَصَبَةٌ، وَذُوْ رَحِمٍ»: أي الذين
تنتقل إليهم التركة بموت المورث ثلاثة وهم:
стр. 1370
فَذُوْ الْفَرْضِ عَشَرَةٌ (١): الزَّوْجَانِ (٢)، وَالأَبَوَانِ (٣)، وَالْجَدُّ (٤)،
ــ
١ - «ذو فرض»: وهو كل من له نصيب مقدر شرعاً كما سيذكرهم المؤلف ﵀، والجزء الذي قدره الشارع لأصحاب الفروض هو النصف، والربع، والثلث، والثلثان، والسدس.
٢ - «عصبة»: والعصبة من يرث بلا تقدير، ولهذا إذا انفرد أخذ المال كله بجهة واحدة، وإذا كان معه صاحب فرص أخذ ما بقى، وإذا استغرقت الفروض التركة سقط لأنه يرث بلا تقدير.
٣ - «ذو رحم» وهو كل من يرث بلا فرض ولا تقدير، وبعبارة أخرى هو كل قريب ينزل منزلة ذوى الفرض أو التعصيب، وليس وارثاً بهما بنفسه كابن البنت، والعمة، والخالة، وغيرهم.
(١) قوله «فَذُوْ الْفَرْضِ عَشَرَةٌ»: بعد أن بين المؤلف ﵀ أقسام من تنتقل إليهم التركة إجمالا بدأ هنا بتفصيل ما أجمله, فبدأ بأصحاب الفروض لأنهم الأصل لقوله ﷺ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» (١).
(٢) قوله «الزَّوْجَانِ»: هذا هو الأول والثاني من أصحاب الفروض وهما الزوج والزوجة.
(٣) قوله «وَالأَبَوَانِ»: وهما الثالث والرابع يعني الأم والأب.
(٤) قوله «وَالْجَدُّ»: هذا هو الخامس، والمراد به من يدلي إلى الميت من جهة الأبوة وهو من لا يكون بينه وبين الميت أنثى كأبي الأب، وأبي أبي الأب فهؤلاء يرثون لأنه ليس بينهم وبين الميت أنثى بخلاف أبي الأم فإنه لا يرث لأنه بينه وبين الميت أنثى.