← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = أما إن قلنا بأنه رافع للحدث جاز له أن يصلي به فريضة أو يصلي نافلة، فحكمه حكم الماء حينئذ. ب - أننا إذا قلنا بأنه مبيح فإنه يبطل بخروج وقت الصلاة؛ لأن المبيح يقتصر فيه على وقت الضرورة. أما إن قلنا بأنه رافع جاز له أن يصلي بتيممه أكثر من فرض مادام لم ينقض تيممه بأي ناقض. ج - أننا إذا قلنا بأنه مبيح اشترط أن ينوي ما يتيمم له، فإن نوى رفع الحدث فقط لم يرتفع. أما إن قلنا بأنه رافع للحدث فإنه لا يشترط ذلك. هذه هي بعض الفروق بين كونه مبيحًا أو رافعًا. والراجح من القولين أنه رافع للحدث، وهذا هو مذهب الحنفية (١) ورواية في مذهب أحمد (٢)، وهي اختيار شيخ الإسلام (٣) والشيخين (٤)؛ لأنه بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل، فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث فكذلك طهارة التيمم، ولذلك سماه الله تعالى طهورًا في قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٥). وأيضًا سماه النبي ﷺ طهورًا في قوله: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوْرًا» (٦) والطهور هو ما يتطهر به، وعلى هذا فقول المؤلف «فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ =

стр. 142

وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا (١). ــ = وَقْتِهَا» مبني على القول بأنه مبيح وليس برافع، والصواب أنه يجوز له أن يتيمم قبل وقت الفريضة. لكن هل يشرع له أن يؤخر الصلاة إلى نهاية وقتها لعله يجد الماء؟ اتفق الفقهاء على أن تأخير الصلاة بالتيمم آخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان يرجو الماء آخر الوقت، أما إذا يئس من وجوده فيستحب له تقديمه أول الوقت. والصواب أنه يصلي في أول الوقت إلا إذا علم أن الماء سيأتي بعد نصف ساعة مثلاً كأن يذهب أحد الرفقة لإحضار الماء، فهنا نقول: أخِّر الصلاة في هذه الحالة. - تنبيه: يترجح تقديم الصلاة في أول وقتها في ثلاث حالات: الأولى: إذا علم عدم وجود الماء. الثانية: إذا ترجح عنده عدم وجود الماء. الثالثة: إذا لم يترجح عنده شيء. (١) قوله «وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا» أي لا يتيمم لنافلة في وقت النهي، ولكن هذا خاص بالنوافل المطلقة، أما ما كان له سبب فهل يتيمم له؟ على كلام المؤلف لا يتيمم لأي نافلة وقت النهي. والصواب أن له أن يتيمم لذوات الأسباب في أي وقت على الصحيح من أقوال أهل العلم، وخلاصة الكلام في هاتين المسألتين نقول كما قلنا في المسألة التي قبلها، يجوز له أن يتيمم في أي وقت شاء، ويجوز له أن يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات، سواء كانت نافلة أو فريضة ما دام أنه باق على تيممه، وهذا هو قول الحنفية (١) - كما ذكرنا - والشيخين (٢)، إلا إن وجد الماء فهنا يبطل تيممه ويجب عليه أن يستعمل الماء.

стр. 143

الثَّالِثُ: النِّيَّةُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا (١). الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار (٢). ــ (١) قوله «الثَّالِثُ: النِّيَّةُ ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا» هذا هو الشرط الثالث من شروط التيمم، وهذا أيضاً يقال فيه كما قيل في المسألتين السابقتين، أن هذا محمول على أنه مبيح، والصواب أنه رافع، فمتى تيمم لفريضة أو نافلة أو غيرهما مما يتيمم له صحَّ له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، فلا وجود لهذا الشرط على القول الراجح، أما نية التيمم فلا شك أنها شرط لصحته؛ لأن الأعمال بالنيات. (٢) قوله «الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار» هذا هو الشرط الرابع من شروط التيمم، واشترط فيه ثلاثة أوصاف: الأول كونه ترابًا، والثاني كون التراب طاهرًا، والثالث كون التراب له غبار. أما اشتراط التراب فقد سبق بيان الراجح أنه لا يشترط كون المتيمم به ترابًا، بل يجوز أن يتيمم بكل ما على وجه الأرض من رمل وأحجار وجبس وغيرها. أما اشتراط الطهارة له أيضًا فهذا مبني على القول بأن التراب ينقسم إلى طهور وطاهر ونجس كالماء، وهذا أيضًا لا اعتبار له في الشريعة كما ذكرنا ذلك وقلنا بأنه يجوز له أن يتيمم بتراب مستعمل ونحوه إلا إذا كان نجسًا فلا يجوز. أما اشتراط الغبار في التراب فهو المذهب عند الحنابلة (١)، وقال بعض =

стр. 144

ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ (١)، وَخُرُوْجُ الوَقْتِ (٢)، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (٣)، ــ =العلماء منهم ابن سعدي (١) بأنه لا يشترط الغبار، وهذا قول شيخنا (٢) ﵀، دليل ذلك حديث عمار ﵁ وفيه أن النبي ﷺ «ضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَ فِيْهِمَا» (٣)، والنفخ يزيل الغبار وأثر التراب، وعلى ذلك يجوز التيمم على جدار الإسمنت وعلى البلاط ولو لم يكن عليه غبار، وذلك لأنهما الأصل في تكوينهما أنهما من الأحجار والتراب وغيره مما يكون على وجه الأرض، أما الجدران التي عليها بوية فلا يصح عليها التيمم، ولا على الفرش الموجودة في المنازل؛ لأنها ليست مما على وجه الأرض، إلا إذا كان عليها شيء يعلق باليد من تراب وجبس وإسمنت أو غبار ونحوها فيجوز له ذلك. (١) وقوله «ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ» هذا لا إشكال فيه يعني أن نواقض الوضوء السابقة هي ناقضة أيضًا للتيمم. (٢) قوله «وَخُرُوْجُ الْوَقْتِ» والصحيح أنه مع خروج وقت الصلاة يبقى التيمم كما ذكرنا ذلك سابقًا. (٣) قوله «وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ» ويكون ذلك إما بأن يكون مريضًا=

стр. 145

وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ (١). ــ =فبرئ، أو يكون عادمًا للماء فوجده، يقول المؤلف هذا أيضًا يعد من نواقض التيمم؛ لأنه واجد للماء في هذه الحالة، وهذا هو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «إِنَّ الصَّعِيْدَ الطَّيِّبَ طَهُوْرُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللهَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ» (١)، وهذا بإجماع أهل العلم، فمتى وجد الماء بطل التيمم. (١) قوله «وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ» هذا إشعار بأن المسألة فيها خلاف، وصورتها: أن يتيمم إنسان لعدم الماء وعندما شرع في الصلاة وجد الماء، هل نقول يلزمه الخروج من الصلاة لكي يتوضأ أم نقول له أكمل الصلاة؟ هذا محل خلاف بين الفقهاء: فالحنفية (٢) والمذهب عند الحنابلة (٣) على بطلان صلاة المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة لأن الأصل إيقاع الصلاة الوضوء، ولبطلان الصلاة بزوال سببها وهذا القول هو ما يميل إليه شيخنا (٤) ﵀؛ لأن النبي ﷺ قال: «فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ».

стр. 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وذهب المالكية (١) وهو قول للشافعية (٢) ورواية في مذهب الحنابلة (٣) بأنها لا تبطل لوجود الإذن بالدخول في الصلاة بالتيمم والأصل بقاؤه. قلت: والذي أميل إليه أنه يحولها نافلة أي يكملها نافلة ثم يصلي الفريضة بطهارة الماء، وبهذا يجمع بين الأدلة؛ لأن تحويل الفريضة إلى نافلة جائز، فلو كان الإنسان يصلي منفردًا ثم حضرته جماعة يجوز له أن يحول هذا الفرض إلى نافلة ثم يصلي مع الجماعة الفريضة، وما ذكرناه هو الأحوط من قولنا إن صلاته تبطل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤). خلاصة ما نقول في التيمم: أ - التيمم الصحيح هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٥). ب - صفته أن يضرب التراب بيديه ضربة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه كما جاء في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر ﵁: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» (٦). جـ - المشروع هو ضربة واحدة للوجه والكفين. د - ... يشترط أن يكون التراب طاهرًا أي غير نجس.

стр. 147

بَابُ الْحَيْضِ (١). ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الْحَيْضِ» الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، واصطلاحًا: دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات محددة معلومة، وهذا يخرج النفاس والاستحاضة. والحيض أمر كتبه الله تعالى على النساء فينبغي عليهن أن لا تضيق صدورهن بسببه خصوصًا في رمضان وعند الحج والعمرة. ومما ينبغي أيضًا أن ننبه عليه أنه لا ينبغي للمرأة أن تأخذ ما يمنع نزول الدم إلا لأمر ضروري كالحج والعمرة مثلاً، أما ما تفعله بعض النساء من منع الدم من أجل أن تصلي رمضان أو من أجل أن تصوم رمضان فالأولى عدمه فتترك الأمور على طبيعتها. وقبل الشروع في شرح باب الحيض أبيّن بعض القواعد في هذا الباب بحيث يسهل على الطالب فهمه لا سيما وأن بعض أهل العلم قال: إن من أصعب أبواب الفقه ثلاثة أبواب: الحيض والربا والطلاق. فنقول: لا تخرج النساء حال الحيض عن خمسة أحوال: الأولى: أن تكون مبتدأة. الثانية: أن تكون معتادة. الثالثة: أن تكون مميزة. الرابعة: أن تكون مستحاضة. الخامسة: أن تكون متحيرة. ولا تكاد أحكام الدماء تخرج عن هذه الأحوال الخمسة.

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = الحالة الأولى: المبتدأة: تعريفها: هي المرأة التي يأتيها الحيض لأول مرة، أي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك وهذه فعلاً لا تدري كم يستمر معها الحيض، هل سيبقى معها يومًا أو يومين أو ثلاثة. الحكم في هذه الحالة: المذهب (١) بأنها تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتكون من الطاهرات حكمًا، فتصوم وتصلي ولا تعيد الصلاة وتؤدي جميع العبادات حتى وإن جازو الدم أقل الحيض لأنه مشكوك فيه، ولا يجوز للزوج أن يطأها في الزمن المجاوز لأقل الحيض قبل تكراره لأن الظاهر أنه حيض وإنما أمرت بالعبادة لبراءة الذمة فتعين ترك وطئها احتياطا ويجب عليها متى طهرت أن تغتسل مرة أخرى. وذهب جمهور أهل العلم من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤) إلى أن المبتدأة يجب عليها ما يجب على الحائض، فتجلس مادامت ترى الدم إلى خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتؤدي جميع العبادات، وهذا هو الصواب، وهو رواية في المذهب (٥). وذهب شيخنا (٦) إلى أن المبتدأة ترجع إلى عادة نسائها كأختها وأمها، وهو رواية في المذهب أيضًا (٧)، لكن قول الجمهور هو الأصوب والأضبط للمرأة.

стр. 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحالة الثانية: المعتادة: تعريفها: هي التي لها عادة منضبطة (خمسة أيام، أو ستة أيام، أو سبعة أيام) فنقول لهذه المرأة المعتادة: اجلسي عادتك إلا إذا فعلت ما يؤثر على الدم كتناول حبوب أو وضع اللولب فتنتقلين إلى حكم المتحيرة وسيأتي. أما إذا لم تفعلي ما يؤثر على الدم فنقول: إذا زاد الدم عن هذه الأيام المنضبطة، اغتسلي وتحفظي وصلي وتوضئي لكل صلاة. الحالة الثالثة: المميزة: تعريفها: هي امرأة أطبق عليها الدم لكن دمها متميز عشرة أيام دم أحمر يميل إلى السواد ثخين له رائحة وهذه هي صفة دم الحيض التي ينبغي أن تعرفها النساء معرفة جيدة: أ - يميل إلى السواد. ب - ثخين غليظ. جـ - له رائحة نتنة. فما دام دمها متميزًا نقول: اجلسي الدم المتميز وما عداه اغتسلي وتحفظي وصلي. الحالة الرابعة: المستحاضة: تعريفها: هي امرأة أطبق عليها الدم شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، نقول: هذه امرأة مستحاضة، فإن كانت متميزة فإنها تجلس تميزها، وإن كانت معتادة تجلس عادتها، وإن كانت متحيرة نقول: تجلس خمسة عشر يومًا، وما زاد يعتبر دم فساد أي استحاضة، فتتوضأ لكل صلاة وتتحفظ وتصلي وتأتي بجميع العبادات.

стр. 150

وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلاةِ، وَوُجُوْبَهَا (١)، ــ الحالة الخامسة: المتحيرة: تعريفها: هي الآن أكثر الأحوال حدوثًا في وقتنا بسبب استعمال ما يمنع الدم، أو ما يمنع الحمل، أو استعمال بعض الأمور التي تمنع الدورة. والمتحيرة هي التي تكون عادتها في شهر سبعة أيام، وفي شهر آخر ثمانية أيام، وفي شهر عشرة أيام، فهذه نقول: إنها متحيرة، ونقول لها: إذا كان الدم غير مميز وليس لكِ عادة تعرفينها، فاجلسي إلى خمسة عشر يومًا إذا كان متصلاً. أما إذا كان يجيء في شهر خمسة أيام ثم ينقطع والشهر الآخر سبعة أيام ثم ينقطع والذي يليه ثمانية أيام أو عشرة أيام وهكذا فنقول: متى انقطع الدم عنكِ فيلزمكِ الاغتسال وتؤدين ما عليكِ من العبادات، وهذا هو الذي نرجحه. ويرى شيخنا (١) ﵀ أنه لا أقل للحيض ولا لأكثره، بل ما دام على وتيرة واحدة فإنه يعتبر دم حيض. لكن الصواب أنه إن زاد على خمسة عشر يومًا تأخذ حكم الطاهرات وهذا هو الأحوط، ولا يعقل في واقع النساء أن يزيد الدم على خمسة عشر يومًا، ولهذا الذين يقولون لا حدّ لأكثره قولهم غير منضبط، فنقول لهم: لو جلس الدم سبعة وعشرين يومًا هل تقولون إنه دم دورة، ولهذا كان قول الجمهور هو الأحوط إن شاء الله. (١) قوله «وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلاةِ، وَوُجُوْبَهَا» أي يمنع الحيض عشرة أشياء، أولها فعل الصلاة ووجوبها، والمراد بفعل الصلاة أي أداؤها في زمن=

стр. 151

وَفِعْلَ الصِّيَامِ (٢)، ــ =الحيض، ودليل ذلك قوله ﷺ : « .. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ... » (١) وقوله أيضًا: « ... فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ ... » (٢)، وهذا بإجماع أهل العلم، فمتى صلت المرأة وهي حائض فهي آثمة، وهنا ننبه على خطأ يقع فيه كثير من النساء، فتراها مثلاً إذا ذهبت إلى حج أو عمرة أو كانت في جمع من النساء ثم جاءها الحيض لم تخبر أهلها حياءًا منهن فتصلي معهم أو تؤدي مناسك الحج والعمرة معهم، وهي بهذا تكون آثمة. والمراد بقوله «وَوُجُوْبَهَا» أي لا تجب عليها الصلاة لأنه سبحانه أسقط عنها الوجوب بحيضها، فلا يجب عليها قضاؤها لقول عائشة ﵂: «كَانَ يُصِيْبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» (٣)، وهذا بإجماع أهل العلم. (١) قوله «وَفِعْلَ الصِّيَامِ» هذا هو الأمر الثالث الذي تمنع منه المرأة حال حيضها وهو الصيام وذلك للحديث المتقدم « .. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ .. » لكن هل يمنع الحيض وجوب الصوم ؟ لا، بل يجب على المرأة الحائض الصوم، ولكنه لا يصح منها حال حيضها، بل متى طهرت يجب عليها قضاؤه لقول عائشة ﵂ المتقدم «فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ».

стр. 152

وَالطَّوَافَ (١)، ــ =أما عن الحكمة في أمرها بقضاء الصوم دون الصلاة فقيل: الحكمة أن قضاء الصلاة فيه مشقة لتكرارها، أما الصيام فلا يتكرر إلا مرة واحدة في السنة، وهذا من كمال رحمته وشفقته بالمرأة. (١) قوله «وَالطَّوَافَ» هذا هو الممنوع الرابع للمرأة حال حيضها، وهو قول الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، فلا يجوز لها أن تطوف بالبيت حال حيضها لا لحج ولا لعمرة ولا لطواف نفل، دليل ذلك قوله ﷺ : «افْعَلِيْ كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوْفِيْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِيْ» (٤). فالمرأة الحائض لا يجوز لها أن تطوف؛ لأن من شروط الطواف الطهارة، ولأن المرأة الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد الحرام. وذهب الحنفية (٥) إلى صحته مع الكراهة التحريمية لأن الطهارة له واجب وهي غير طاهرة وعليها بدنة، وذهب شيخ الإسلام (٦) إلى عدم اشتراط الطهارة للطواف بل يستحب له. لكن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط الطهارة له، وهي إحدى الروايتين في المذهب (٧)، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة (٨).

стр. 153

وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (١)، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ (٢)، ــ (١) قوله «وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ» هذا هو الممنوع الخامس للمرأة حال حيضها، فلا يجوز لها أن تقرأ القرآن، وهذا محل خلاف بين الفقهاء: فالجمهور على أن الحائض لا تجوز لها قراءة القرآن. وذهب المالكية (١) إلى جواز قراءة الحائض للقرآن. والراجح من القولين هو جواز قراءة الحائص وكذا النفساء للقرآن، وهو اختيار شيخ الإسلام (٢)، وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز (٣)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٤) ﵏ وذلك لعدم ثبوت ما يدل على النهي، وقياس ذلك على الجنب قياس مع الفارق. (٢) قوله «وَمَسَّ الْمُصْحَفِ» هذا هو الممنوع السادس للحائض، فلا يجوز لها أن تمس المصحف إلا من وراء حائل أو تمسك بشيء تتصفح به، وذلك لقوله ﷺ : «لا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ» (٥)، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، واستثنى المالكية (٦) من ذلك المعلمة والمتعلمة فإنه يجوز لها مس المصحف. والصواب أنه لا يجوز لهن مس المصحف مطلقًا. وهل المحدث حدثًا أصغر يجوز له مس المصحف؟ محل خلاف بين أهل العلم؛ =

стр. 154

وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ (١)، ــ =أصح الأقوال فيه أنه لا يجوز له أن يمس المصحف، وهو رأي الشيخين (١). (١) قوله «وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ» هذا هو الممنوع السابع، وهو قول جمهور الفقهاء؛ لحديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم، فعن عائشة ﵂ قالت: قَالَ لِيْ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ «نَاوِلِيْنِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ» قَالَتْ فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (٢)، واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري ومسلم من أمر النساء الحيض أن يعتزلن المصلى في العيد (٣). وفي رواية في المذهب (٤) جواز لبث الحائض وكذا النفساء في المسجد إذا توضأت وأمنت تلويثه، وذلك لعدم ورود الحديث الصحيح الصريح في المنع. والذي نراه أنه لا يجوز لها أن تجلس في المسجد، ولكن لها أن تعبر المسجد لحاجة، وهذا هو قول الشيخين (٥). - تنبيه: أولاً: اختلف الفقهاء في دخول الحائض مصلى العيد: فالحنفية (٦) والشافعية (٧) علاجواز دخولها، والحنابلة (٨) على عدم جواز الدخول.

стр. 155

وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ (١)، ــ =فالذين قالوا بجواز الدخول لأنه ليس له حكم المسجد فلا يأخذ حكمه، والذين قالوا بعدم الجواز احتجوا بقوله ﷺ في حق الحائض وليعتزلن المصلى. والذي يظهر لي أن المصلى ليس مسجدًا فيجوز لها الدخول لكن تبتعد عن محل صلاة الناس. ثانيًا: مصليات المدارس، هل تدخل في حكم المساجد في منع الطالبات والمدرسات الحيض من دخولها؟ الظاهر أنها لا تأخذ حكم المساجد فيجوز للحائض دخولها والجلوس فيها. (١) قوله «وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ» هذا هو الممنوع الثامن، وهذا بإجماع أهل العلم، لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته وهي حائض؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١). أما المباشرة فيما دون الفرج فلا بأس بها؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِيْ أَنْ أَتَّزِرَ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يُبَاشِرُنِيْ» (٢). ومن وطئ زوجته في فرجها حال حيضها فعليه التوبة والاستغفار ويتصدق وجوبًا في المذهب (٣) بدينار أو نصف دينار؛ لقوله ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» (٤)، وهذا هو قول الشيخين (٥). =

стр. 156

وَسُنَّةَ الطَّلاقِ (١)، وَالاِعْتِدَادَ بِالأَشْهُرِ (٢) ــ =وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وجوب الكفارة بل يستغفر ويتوب، وهو قول الحنفية (١) والشافعية (٢) وقول في المذهب (٣). والذي يترجح عندي أنه لا تجب كفارة على من وطئ امرأته وهي حائض ولكن تستحب في حقه ويجب عليه التوبة والاستغفار، وتحمل الأحاديث على الاستحباب في إخراج الكفارة، والذي يدل على ذلك التخيير بين الدينار ونصفه، إذ لا تخيير في جنس واحد بين الأقل والأكثر. أما مقدار الدينار فهو على قول شيخنا أربعة جرامات وربع، والذي قررته في كتاب الزكاة وهو الراجح: ثلاثة جرامات ونصف، وإذا أردنا أن نعرف قيمته نسأل أهل الذهب في وقت إخراجه، كم قيمة جرام الذهب ونضرب القيمة في ثلاثة ونصف. (١) قوله «وَسُنَّةَ الطَّلاقِ» هذا هو الممنوع التاسع، و معنى قوله «سُنَّةَ الطَّلاقِ» أنه إذا طلق زوجته في الحيض فليس طلاقًا سنِّيًّا بل هو طلاق بدعيّ، وطلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. (٢) قوله «وَالاِعْتِدَادَ بِالأَشْهُرِ» أي أن المرأة التي تحيض يمنعها الحيض من الاعتداد بالأشهر، وإنما تعتد بالحيض ثلاث حيض، أما إن كانت لا تحيض فتعتد بالأشهر، ودليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤).

стр. 157

وَيُوْجِبُ الْغُسْلَ، وَالْبُلُوْغَ، وَالاِعْتِدَادَ بِهِ (١)، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، أُبِيْحَ فِعْلُ الصَّوْمِ (٢)، ــ (١) قوله «وَيُوْجِبُ الْغُسْلَ، وَالْبُلُوْغَ، وَالاِعْتِدَادَ بِهِ» هذه هي موجبات الحيض: أولاً: أنه يوجب الغسل، وذلك عند طهرها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١)، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن، وهذا بالإجماع عند أهل العلم، أي يجب على المرأة إذا طهرت من حيضها الاغتسال، والغسل هنا كالغسل من الجنابة، وهل يلزم المرأة أن تنقض ضفائرها؟ نقول: لا، ولا يلزم أن تغسل كل شعرها، وقد سبق بيان ذلك ثانيًا: البلوغ، أي يوجب الحيض البلوغ، فمتى حاضت المرأة حكم ببلوغها، و علامات البلوغ للرجل والمرأة ثلاثة: إنزال المني بالاحتلام وغيره، وإنبات شعر العانة، وتمام خمس عشرة سنة. أما المرأة فتزيد على ذلك أمرًا رابعًا وهو الحيض. ثالثًا: الاعتداد به، هذا من موجبات الحيض أيضًا، فالمرأة التي تحيض تعتد بالحيض، أما إذا كانت لا تحيض لصغر أو لكبر أو لأمر طارئ فتعتد بالأشهر. ومعنى قولنا تعتد بالحيض: أن تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فهنا تمت عدتها بعد طلاق زوجها. (٢) قوله «فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، أُبِيْحَ فِعْلُ الصَّوْمِ» أي إذا انقطع دم المرأة الحائض ولم تغتسل أبيح فعل الصوم، بل كان واجبًا عليها إن كان صوم فريضة كرمضان، مثال ذلك: امرأة انقطع الدم عنها بالليل ولم تتمكن من الاغتسال قبل الفجر، فيلزمها الصوم حتى وإن لم تغتسل لأن الصوم لا يشترط له =

стр. 158

وَالطَّلاقُ (١)، وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ (٢)، وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ، بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحَ» (٣). ــ =الطهارة وإنما الطهارة تشترط لفعل الصلاة. (١) قوله «وَالطَّلاقُ» أي إذا انقطع الدم أبيح الصوم والطلاق ولو لم تغتسل، فلا يلزم أن تغتسل المرأة إذا طهرت من الحيض لوقوع الطلاق، ولا يأثم الزوج بذلك، لكن يأثم إذا طلقها أثناء الحيض. وهل يقع الطلاق إذا طلقها أثناء الحيض أم لا يقع؟ قولان لأهل العلم كما سيأتي بيانه إن شاء الله في كتاب الطلاق. (٢) قوله «وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ» أي لم يبح غير فعل الصوم والطلاق بلا اغتسال وما سواهما من العشرة المذكورة فلابد لها من الاغتسال وهي: الصلاة ووجوبها، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والوطء في الفرج. (٣) قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ، بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحَ» أي يستمتع الرجل من الحائض بما دون الفرج. وهل تجوز المباشرة فيما عدا ما بين السرة والركبة؟ قولان: أصحهما تجوز المباشرة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» (١). و هل تجوز المباشرة فيما بين السرة والركبة عدا الفرج؟ جمهور الفقهاء على المنع، وهو قول في المذهب (٢)، وعللوا بأن المرأة تتزر، وما دامت تتزر فلا تباشر فيما يغطيه الإزار، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ لما سئل عن ما يحل للرجل=

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = من امرأته وهي حائض؟ قال: «لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ» (١)، لكن الصواب جواز المباشرة دون الفرج خاصة؛ لقوله ﷺ «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» وهو المذهب عند الحنابلة (٢). لكن إن استمتع بها فيما دون الفرج هل يلزمه غسل؟ الجواب: لا يجب عليه الغسل إلا أن ينزل، أما المرأة إذا أنزلت وهي حائض استحب لها الغسل للجنابة لئلا يبقى عليها أثر الجنابة، ولأنها قد تحتاج إلى قراءة القرآن للتعلم والتعليم. لكن هنا مسألة قد تحتاج إليها المرأة وهي إذا طهرت المرأة في أي ساعة من نهار في شهر رمضان، هل يلزمها الإمساك بقية اليوم؟ الصحيح: أنه لا يلزمها الإمساك؛ لأننا نُعَرِّف الصيام بأنه الإمساك بنية التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكون المرأة التي طهرت ظهرًا أو عصرًا أو ضحى تمسك بقية اليوم لا معنى لإمساكها، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله - في كتاب الصيام. وقول المؤلف ﵀ «وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ» محمول على عدم الخشية من الوقوع في الجماع المحرم، وإلا فلو علم الرجل أنه لا يستطيع أن يملك إربه من الوقوع في الجماع المحرم وقت الحيض فإنه يحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج؛ لأن كل ما يؤدي إلى محرم فهو محرم.

стр. 160

وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (١)، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (٢)، ــ (١) قوله «وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» هذا هو المذهب (١)، وهو قول الشافعي (٢)، وعند الحنفية (٣) أقله ثلاثة أيام، وعند مالك (٤) الدفعة الواحدة حيضة إلا أنه لا يعتد بها في الأفراد في الطلاق. وذهب شيخ الإسلام (٥) إلى أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره بل مرد الأمر عنده إلى ما استقرت عليه عادة المرأة، وهذا هو رأي ابن سعدي (٦)، وشيخنا (٧) ﵀، والذي نرجحه هو قول الشافعية والحنابلة لأنه هو القول المنضبط الذي تستطيع المرأة أن تضبط به الدم وأن تعرف أقله وأكثره. أما تحديده بهذا الحد فإن الشيء إذا لم يكن له حد فإنه يحد في الشرع بأقل شيء عادة، وأقل الشيء من الأيام هو يوم وليلة، وأما حده بخمسة عشر يومًا هو نصف شهر حيث لا يعقل أن تحيض المرأة أكثر الشهر ولا يمكن أن يكون زمن الطهر أقل من زمن الحيض. (٢) قوله «وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا» هذا هو المذهب (٨) وهو قول المالكية (٩)، والشافعية (١٠). أما الحنفية (١١) فيرون أن أكثره عشرة أيام، وقد سبق اختيار شيخ الإسلام وشيخنا ﵀، والذي نرجحه هو القول الأول لما ذكرناه في المسألة السابقة.

стр. 161

وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا (١)، وَلا حَدَّ لأَكْثَرِهِ (٢). وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيْضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِيْنَ (٣) وَأَكْثَرُهُ سِتُّوْنَ (٤). ــ (١) قوله «وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا» وذلك لأننا قلنا أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا، فإذا تصورنا أن أقله يوم وليلة، فكم تحيض المرأة في الشهر؟ ثلاث مرات، وإذا تصورنا أن أكثره خمسة عشر يومًا فإنها لا تحيض إلا مرة واحدة. وذهب شيخ الإسلام (١) وهو قول شيخنا (٢) ﵀ إلى أنه لا حد لأقل الطهر، والراجح ما ذهب إليه المؤلف. (٢) قوله «وَلا حَدَّ لأَكْثَرِهِ» أي لا حد لأكثر الطهر؛ لأنه مبني على الحيض، فالحيض قد يزيد وقد ينقص. (٣) قوله «وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيْضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِيْنَ» هذا هو المذهب (٣)، وعللوا لذلك بأن هذا هو المعتاد، و الصواب أنه لا حد للسن الذي تحيض له المرأة، وبما أنه وجد من النساء من تحيض لثمان سنوات، فيكون الاعتماد على أوصاف الدم أولى، لكن ما ذكره المؤلف بناء على الغالب عند النساء. (٤) قوله «وَأَكْثَرُهُ سِتُّوْنَ» هذا ما رجحه المؤلف، والمشهور في المذهب (٤) أن أكثره خمسون سنة، ومن فرّق بين النساء العربيات والأعجميات قال: إن العربيات إلى سن الستين والأعجميات إلى سن الخمسين. والصواب أنه لا حد لأكثره لاسيما أنه قد وجد من تحيض لأكثر من ستين سنة، فما دام وجد من تحيض لأكثر من خمسين أو أكثر من ستين فلا يحد، وهذا هو=

стр. 162

وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ (١)، فَإِنِ انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ (١)، ــ =مذهب الشافعية (١)، ورواية في مذهب الحنفية (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٣) وشيخنا (٤) ﵀. (١) قوله «وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ» المبتدأة هي التي رأت الدم لأول مرة في وقت تحيض لمثله، حدَّه المؤلف لسنّ التاسعة، والصواب أنه لا حد لأوله كما سبق. (٢) وقوله «جَلَسَتْ» أي اعتبرته حيضًا تترك الصلاة والصيام وسائر العبادات بل كذلك لا يقربها زوجها لأجل ذلك الدم. (٣) قوله «فَإِنِ انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ» وذلك لأنهم يحدّون أقل الحيض بيوم وليلة، فإن جاوز الدم ذلك أي جاوز يومًا وليلة ولم يتجاوز أكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا فهو حيض ما دام أكثر من يوم وليلة وأقل من خمسة عشر يومًا، فهذه هي المبتدأة، فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة. لكن هل يلزم أن يتكرر الدم على المبتدأة لتصبح عادتها؟ المذهب (٥) يرى تكراره ثلاثًا ليصبح حيضًا كما سيذكره المؤلف، والصواب أنه لا يلزم تكراره، بل متى رأت الدم ولم يتجاوز أكثر الحيض فهي عادتها.

стр. 163

وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ (١)، فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً (٢)، وَإِنْ عَبَرَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ (٣)، وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ (٤)، ــ =وخلاصة القول في قول المؤلف أنه إذا انقطع في أقل من يوم وليلة فهو دم فساد، لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا سائر العبادات. (١) قوله «وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ» أي إذا جاوز الدم أقل الحيض وهو يوم وليلة، ولم يجاوز أكثره وهو خمسة عشر يوما فهو حيض. (٢) قوله «فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً» ذكرنا هذه المسألة سابقًا، وقلنا بأنه لا يلزم تكرار الدم ثلاثة أشهر ليصبح عادة للمرأة، بل متى جاءها الدم وتجاوز اليوم والليلة ولم يتجاوز خمسة عشر يومًا صار عادتها ولا يلزم من ذلك تكراره. (٣) قوله «وَإِنْ عَبَرَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ» أي إن عبر أكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا فالزائد استحاضة؛ لأنه تجاوز أكثر الحيض، فخرج عن كونه دم حيض، بل هو دم فساد لا يمنع الصلاة والصوم، لكن نأمرها أن تتوضأ لكل صلاة، وأن تتلجم لئلا يصيب الدم ثوبها. (٤) قوله «وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ» أي عند تمام خمسة عشر يومًا، وهذا وجوبًا؛ لقوله ﷺ : «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِيْ كُنْتِ تَحِيْضِيْنَ فِيْهَا ثُمَّ اغْتَسِلِيْ وَصَلِّيْ» (١).

стр. 164

وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ (١)، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ (٢)، وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ (٣)، وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ (٤)، ــ (١) قوله «وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ» أي يجب على المستحاضة عند غسلها أن تغسل فرجها وتعصبه عند آخر الحيض؛ لأنها أتمت الحيض وإن كان ينزل معها الدم، أما دليل غسل فرجها فهو قوله ﷺ في المستحاضة: «فَاغْسِلِيْ عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّيْ» (١)، وأما دليل عصب الفرج ما جاء في حديث أم سلمة ﵂ في شأن المستحاضة وفيه «فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيْهِ» (٢) ومعنى الاستثفار هو شد الفرج بخرقة عريضة أو قطنة تحتشي بها المرأة، أما الآن فيمكن أن تستخدم الحفائظ الحديثة ويكفيها ذلك. (٢) قوله «ثُمَّ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ» أي المستحاضة يجب عليها الوضوء لا الغسل، وذلك عند وقت كل صلاة، فمتى أرادت الصلاة يجب عليها الوضوء، ويجزئها وضوؤها، لفعل السنن القبلية والبعدية، ولا يلزمها إعادة الوضوء. (٣) قوله «وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ» قياسًا على المستحاضة، فيجب عليه الوضوء لكل صلاة، ثم يصلي هذه الصلاة، ولا يجوز له تأخيرها حتى يخرج وقتها. (٤) قوله «وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ» كمن يخرج منه الريح باستمرار، فإنه يأخذ حكم =

стр. 165

فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ (١)، فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا (٢). وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ (٣) ــ =المستحاضة قياسًا عليها؛ لكونه من أهل الأعذار، فيجب عليه الوضوء، ولا يلزمه إن خرج منه شيء أثناء الصلاة، بل عليه أن يستمرّ في صلاته ولا يلتفت للخارج. (١) قوله «فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ» شرع المؤلف ﵀ في بيان الحالات التي تمر بها المرأة المستحاضة، ومعنى قوله «فإذا استمرَّ بها الدم في الشهر الآخر» أي لم ينقطع عنها الدم حتى دخل بها في الشهر الذي يلي عادتها. (٢) قوله «فَإِنْ كَانَتْ مُعْتادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا» هذا هو القسم الثاني وهي المرأة المعتادة، وقد مرّ بنا القسم الأول وهو المبتدأة وسبق بيان حكمها. أما المرأة المعتادة فقد قال المؤلف «فحيضها أيام عادتها» ما دامت لها عادة محدودة فنقول لها: اجلسي أيام عادتك خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية فما زاد عن هذه الأيام فليس بحيض إلا إذا أخذ نفس مواصفات الحيض أو تسببت المرأة في تغير دورتها كأن تكون استعملت مانعًا أو وضعت لولبًا، فالحاصل أن المعتادة حيضها أيام عادتها، وما عدا أيام العادة فليس بحيض، بل استحاضة. (٣) قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ - وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ» هذا هو القسم الثالث من أقسام النساء المستحيضات وهي المرأة التي لها تمييز، أي التي =

стр. 166

وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا، فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ (١). ــ =يتميز بعض دمها عن بعض. وعلامات دم الحيض كما أسلفنا هي: العلامة الأولى: أن يكون أسود. العلامة الثانية: أن يكون ثخينًا. العلامة الثالثة: أن يكون له رائحة كريهة. فإن وجدت هذه العلامات الثلاث حكمنا بأنه دم حيض، فإذا تغيرت هذه الصفات وأصبح الدم خفيفًا أحمر غير ثخين، وليس له رائحة تحول إلى دم استحاضة أي إلى دم فساد، فحكم هذه المرأة -أي التي لها تمييز أن أيام حيضها هي التي تكون صفة الدم فيها على الصفات المذكورة - فإنها تجلس هذه الأيام ولا تصوم ولا تصلي عملاً بتمييزها. لكن إن كانت المرأة لها عادة وتمييز فأيهما تقدم، العادة أم التمييز؟ اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يظهر أن التمييز يقدم على العادة؛ لأن دلالته في الحس أقوى من دلالة العادة. (١) قوله «وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا ، فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ» هذا هو القسم الرابع وهي المتحيرة، وهي كما ذكر المؤلف المبتدأة أو الناسية لعادتها، أو التي لا تمييز لها، فهذه - قال المؤلف - يكون حيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة، وما عداها من الأيام يكون استحاضة ما دام الدم متواصلاً، وعلل لذلك بأنه غالب عادة النساء، ودليل ذلك قوله ﷺ لحمنة بنت جحش: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِيْ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِيْ حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّيْ ثَلاثًا وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا =

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِيْ فَإِنَّ ذلِكَ يَجْزِيْكِ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِيْ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيْضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ وَإِنْ قَوِيَتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِيْنَ وَتَجْمَعِيْنَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَتُؤَخِّرِيْنَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِيْنَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِيْنَ وَتَجْمَعِيْنَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فَافْعَلِيْ وَتَغْتَسِلِيْنَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِيْ وَصُومِيْ إِنْ قَدِرْتِ عَلَى ذلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ» (١). وقال شيخنا (٢) ﵀ في حكم هذه المرأة المتحيرة تجلس غالب عادات نسائها كأمها وأختها وخالتها وعمتها ثم تغتسل وتصلي وتصوم. وقد اختلفت الروايات في المذهب (٣) في هذه المسألة: فقيل إنها تعتبر بأقل الحيض وهو يوم وليلة، وما زاد على ذلك يحتمل الحيض والاستحاضة، والصلاة ثابتة في ذمتها بيقين، فلا تتركها بالشك. ورواية أخرى في المذهب (٤) أن المتحيرة تعتبر بأكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا؛ لأن الأصل في الخارج أن يكون دم حيض، فتعمل بذلك ما لم تتيقن أن الخارج دم استحاضة، ولا يتم التيقن إلا إذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا. والذي نرجحه أنها ترجع إلى غالب عادات نسائها كأمها وأختها وخالتها وعمتها، وهي إحدى الروايات في المذهب (٥) واختارها شيخنا (٦) ﵀؛ =

стр. 168

وَالْحَامِلُ لا تَحِيْضُ (١). ــ =لأن اشتراك الأقارب في هذه الأمور أقرب ما لم يكن الدم على وتيرة واحدة بنفس الصفات فهنا تجلس أكثر الحيض. (١) قوله «وَالْحَامِلُ لا تَحِيْضُ» أي إن جاءها دم فهو دم فساد، وهذا هو قول الحنفية (١) والحنابلة (٢)، وعللوا لذلك بتعليلات منها: أـ أن الشرع جعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل، فلو جاز اجتماع الحمل مع الحيض لما كان علامة على عدمه. ب - الطلاق في الحيض محرم، أما بعد تبين الحمل فهو جائز، فلو كان الدم الذي تراه الحامل حيضًا لما جاز الطلاق فيه. ج - أيضًا قالوا بأن دم الحيض يتحول إلى غذاء يتغذى به الجنين، فلو خرج شيء لخرج على غير الوجه المعتاد. ومن هنا قال الفقهاء بأن الدم الخارج من الحامل لا يعتبر حيضًا، بل هو دم فساد لا يمنع الصلاة والصوم وسائر العبادات، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز (٣) ﵀. وذهب المالكية (٤) والشافعية (٥) وقول في مذهب أحمد (٦) واختارها شيخ الإسلام (٧)، وشيخنا (٨) إلى أنه يمكن للحامل أن تحيض، لاسيما إن كان حيضها منضبطًا، وجاءها في نفس أيام عادتها ونفس =

стр. 169

إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ (١). ــ =مواصفات دم الحيض، وكان يتكرر معها في كل حمل، فهذا يعتبر حيضًا، وهذا هو الصواب. (١) قوله «إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ» أي يأخذ الدم الخارج قبل الولادة بيوم أو يومين حكم دم النفاس، ولا تصلي ولا تصوم، وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء: فالمذهب (١) وأكثر الفقهاء على أنه نفاس، ومنهم من يرى أنه لا يعتبر نفاسًا، بل هو دم فساد، لا تترك العبادات بخروجه، وهو قول الحنفية (٢)، ورأي عند الشافعية (٣). والذي نرجحه أنه إن كان هذا الدم الذي خرج قبل الولادة بيوم أو يومين مصاحبًا له الطلق وعلامات الولادة فيعتبر نفاسًا وإلا فلا، وسيأتي بيان ذلك في باب النفاس. وإن رأت المرأة الدم قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة ثم بعد الولادة انقطع عنها الدم، فنقول هذه المرأة نفست قبل ولادتها، وبعد الولادة لا تعتبر نفساء. - تنبيهات: أولاً: استعمال ما يمنع الحيض جائز بشرطين: أ - أن لا يكون فيه ضرر على المرأة. ب - أن يكون ذلك بإذن الزوج إذا كان له تعلق به، مثل أن تكون معتدة به=

стр. 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =على وجه تجب فيه نفقتها فتستعمل ما يمنع الحيض لكي تطول المدة، ومن ثم تزداد على زوجها نفقتها فلا يجوز لها أن تستعمل ما يمنع الحيض حينئذ إلا بإذنه. وأيضًا إذا ثبت من خلال أطباء مسلمين عدول موثوق فيهم أن منع الحيض يمنع الحمل فلا بد من إذن الزوج. وإذا قلنا بجواز استعمال ما يمنع الحمل فنقول بأن الأولى للمرأة عدم استعماله إلا لحاجة؛ لأن ترك الطبيعة على ما هي عليه أقرب لاعتدال الصحة والسلامة. ثانيًا: استعمال ما يجلب الحيض جائز بشرطين: أ - أن لا تتحيل به على إسقاط واجب، مثل أن تستعمله قرب شهر رمضان من أجل أن تفطر، أو تستعمله من أجل أن تسقط به الصلاة أو عبادة من العبادات. ب - أن يكون ذلك بإذن الزوج لأن حصول الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع بزوجته فلا يجوز استعمال ما يمنع حقه إلا برضاه، وإن كانت مطلقة فإن فيه تعجيل إسقاط حق الزوج من الرجعة إن كان له رجعة.

стр. 171

بَابُ النِّفَاسِ (١). وَهُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ (٢)، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ (٣). ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ النِّفَاسِ» النفاس في اللغة بكسر النون من نفَّس الله كربته كما جاء في الحديث: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١)، فالمرأة بالنفاس يتنفس عنها كربة من أعظم الكرب الدنيوية وهي وضع الحمل، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (٣). وفي الاصطلاح هو «دم يخرج من المرأة بعد الولادة، أو معها، أو قبلها بيوم أو يومين أو ثلاثة مع الطلق» أما بدون الطلق فالذي يخرج قبل الولادة دم فساد، وقد سبق أقوال الفقهاء مع بيان الراجح في هذه المسألة. (٢) قوله «وَهُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ» ولو قبلها بثلاثة أيام فأقلّ كما ذكرنا سابقًا، ودم النفاس في الأصل دم الحيض المحتقن في الرحم الفاضل عن رزق الولد، فلما خرج الولد تنفس الرحم فخرج بخروجه. (٣) قوله «وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ» هذا بيان حكم دم النفاس، فحكمه كالحيض.

стр. 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وقوله «فِيْمَا يَحِلُّ» من الاستمتاع بها فيما دون الفرج والمرور من المسجد بدون تلويث. وقوله «وَيَحْرُمُ» من الوطء في الفرج وسائر العبادات. وقوله «وَيَجِبُ» أي فيما يوجبه من الغسل إذا طهرت. وقوله «وَيَسْقُطُ بِهِ» ما يسقط عنها كالصلاة والصوم، لكن الصوم لابد من قضائه إذا طهرت، والصلاة لا تقضى، هذا معنى كلام المؤلف. لكن هناك فروق بين الحيض والنفاس، منها: * الحيض يحسب من العدة، والنفاس لا يحسب من العدة، فلو طلقها قبل النفاس فهنا بمجرد الوضع تنتهي عدتها، وإن طلقها بعد الوضع فلا بد من ثلاث حيضات بعد النفاس ولا أثر للنفاس في العدة. * البلوغ، فالحيض تبلغ به المرأة، أما النفاس فليس علامة على بلوغ المرأة؛ لأنها بلغت بما هو قبله وهو الإنزال؛ لأنها لا تحمل إلا إذا أنزلت. * مدة الإيلاء تحسب فيها مدة الحيض وأما النفاس فلا تجب، فإذا حلف ألا يطأ زوجته سنة ثم ولدت فلا تحسب مدة النفاس من الأربعة أشهر التي تحدد له، إما أن يطأ أو يطلق. * الطلاق في الحيض محرم، أما في النفاس فجائز. وذهب سماحة شيخنا (١) إلى أنه لا يجوز التطليق حال النفاس بل يحرم ولا يقع على الصحيح. * يكره وطء النفساء عند بعض الفقهاء إذا طهرت قبل الأربعين، ولا يكره=

стр. 173

وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا (١)، وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ (٢)، وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ (٣)، ــ = وطء الحائض إذا طهرت قبل نهاية عادتها. (١) قوله «وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا» هذا على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الجمهور، وقيل: أكثره ستون يومًا وهذا هو قول المالكية (١) والشافعية (٢) ورواية في مذهب أحمد (٣)، وقيل: لا حد لأكثره، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٤). والصحيح أنها إذا رأت الدم لأكثر من أربعين يومًا لم تكن نفساء، فلا تلتفت المرأة لما زاد عن الأربعين، إلا إذا وافق عادتها، وإن لم يوافق عادتها فلا تلتفت إلى هذا الزائد عن الأربعين، بل تغتسل وتصلي وتصوم وتؤدي سائر العبادات، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا (٥) ﵀. (٢) قوله «وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ» بإجماع أهل العلم، كما نقل الإجماع على ذلك الترمذي حيث قال: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» (٦)، فمتى انقطع دمها قبل الأربعين اغتسلت وصلت وصامت باتفاق أهل العلم. (٣) قوله «وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ» أي متى رأت النفساء الطهر أثناء الأربعين فيجب عليها الاغتسال وتأخذ حكم المرأة الطاهرة بذلك؛ لأن النفاس كما ذكرنا لا حد لأقله.

стр. 174

فَإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا (١). ــ (١) قوله «فَإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا» أي إذا عاودها الدم أثناء الأربعين بعد أن طهرت فيأخذ حكم النفاس؛ لأنه لم يجاوز الأربعين، فتتوقف عن الصلاة والصوم، ولا يجوز للزوج وطؤها بعد أن عاودها الدم وغير ذلك مما تمنع منه النفساء، وما ذكره المؤلف هو المذهب (١). وفي رواية في المذهب (٢) إن عاودها الدم بعد انقطاعه فهو مشكوك فيه، فتصوم وتصلي وتقضي الواجب، لكنها تتجنب ما يحرم على النفساء كالجماع مثلاً وهذا على سبيل الاحتياط. والصحيح: إن عاودها الدم وكان العائد دم نفاس بلونه ورائحته وكل أحواله فهو نفاس أيضًا، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز (٣) ﵀. - ذكر بعض التنبيهات التابعة لباب النفاس: أولاً: المرأة التي تلد ولادة خالية عن الدم لا تجلس مدة النفاس، ولا يجب عليها غسل، بل تتوضأ وتصلي. ثانيًا: إذا ولدت المرأة توأمين فأول النفاس وآخره من أولهما إلا إذا تجدد دم للثاني فإنها تبقى في نفاسها. ثالثًا: إذا أسقطت المرأة جنينها فلا يخلو السقط من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون السقط نطفة، فالدم الخارج دم فساد وليس بنفاس. الحالة الثانية: أن يكون السقط علقة، فالدم الخارج محل خلاف، والصواب أنه ليس بحيض ولا نفاس.

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الحالة الثالثة: أن يكون السقط مضغة غير مخلقة، فالمشهور في المذهب (١) أنه ليس بنفاس، وقال بعضهم إنه نفاس، والصحيح أنه ليس بنفاس. الحالة الرابعة: أن يكون السقط مضغة مخلقة، بحيث يتبين فيه الرأس والرجلان واليدان، فالمذهب (٢) وعليه أكثر أهل العلم أنه نفاس. ولا يتم التخليق إلا بعد واحد وثمانين يومًا، فإذا سقط لأقل من ثمانين فلا نفاس والدم الخارج حكمه حكم دم الاستحاضة، أما إذا بلغ السقط واحدًا وثمانين يومًا فلابد من التثبت، هل هو مخلق أم غير مخلق؟ فإن كان مخلقًا كان نفاسًا وإلا فلا. إما بعد مائة وعشرين يومًا فهو نفاس قطعاً. الحالة الخامسة: أن تضع ما تم له أربعة أشهر فهذا نفاس باتفاق الفقهاء، ويغسل السقط ويصلى عليه لأنه مخلوق قد نفخت فيه الروح. رابعًا: إذا طهرت المرأة قبل الأربعين فالمذهب (٣) علاأنه يكره وطؤها، والذي رجحه الشيخان (٤) جواز وطئها قبل الأربعين إذا طهرت، وهذا هو الراجح. خامسًا: كل دم أو صفرة أو كدرة في مدة الأربعين فهو نفاس. سادسًا: إذا ولدت المرأة بعد دخول وقت الظهر مثلا ونزل منها دم النفاس قبل أن تصلي الظهر واستمر فهل يلزم قضاء الظهر بعد أن تطهر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =القول الأول: يلزمها قضاء الظهر والعصر معًا؛ لأن العصر مما يجمع مع الظهر، وهذا قول بعض الشافعية (١) ورواية عند الحنابلة (٢). القول الثاني: يلزمها قضاء الظهر فقط، هذا هو المذهب عند الشافعية (٣) والحنابلة (٤) بشرط أن تدرك ما يسع فرض الصلاة. القول الثالث: لا يلزمها، لا الظهر ولا العصر، وهذا هو المذهب عند الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، ورجحه شيخ الإسلام (٧)، وسماحة شيخنا ابن باز (٨) ﵏، لكن اشترط هؤلاء لعدم وجوب القضاء أن يكون العذر طرأ وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض، أما إن تضايق الوقت ثم وجد المانع فعليها القضاء. والذي يظهر أن القضاء هنا مستحب وليس بواجب. سابعًا: إذا طهرت المرأة من النفاس في وقت صلاة العصر مثلا ، هل تصلي معها الظهر؟ قولان لأهل العلم: الأول: يلزمها العصر فقط، وهذا قول الحنفية (٩)، وهو رأي شيخ الإسلام (١٠) وشيخنا (١١) ﵀.

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الثاني: يلزمها الظهر والعصر، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ورجحه سماحة شيخنا ابن باز (٤) ﵀، وهو الراجح. لكن اختلفوا في القدر الذي تجب به الصلاة، والذي يظهر - والله أعلم - أن الإدراك يكون بإدراك ركعة؛ لقوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» (٥). وعلى هذا نقول لهذه المرأة أنها يلزمها الظهر مع العصر إبراء للذمة وعملاً بالأحوط.

стр. 178

كِتَابُ الصَّلاةِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «كِتَابُ الصَّلاةِ» الصلاة في اللغة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) أي ادع لهم. أما في الاصطلاح: فهي «عبادة ذات أقوال وأفعال مخصصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم»، وقولنا: عبادة ذات أقوال وأفعال؛ لأن الصلاة تشتمل على أقوال وأفعال منها الأركان والواجبات والسنن، ومفتتحة بالتكبير أي تكبيرة الإحرام وهي ركن، ومختتمة بالتسليم أي قول السلام عليكم، وما بين التكبير والتسليم حركات وأقوال، منها الركن، ومنها الواجب، ومنها المسنون. والصلاة: هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي مشروعة في جميع الملل السابقة، والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣) والآيات التي جاءت في الأمر بها كثيرة، ذكر أهل العلم أنها أكثر من ثمانين موضوعًا في كتاب الله تعالى.

стр. 179

رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ ﷺ يَقُوْلُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ (١) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (٢)، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ (٣)، ــ =أما نصوص السنة: فهي أيضًا كثيرة، منها: حديث ابن عمر ﵄ قال ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ... ذَكَرَ مِنْهَا الصَّلاةُ» (١)، وحديث معاذ ابن جبل ﵁ وقول النبي ﷺ له: «إِنَّكَ سَتَأْتِيْ قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوْا أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوْا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .. » (٢). والأحاديث التي جاءت في فرضيتها كثيرة. أما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على فرضيتها. (١) قوله ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ» أي فرضهن وأوجبهن على العباد، وفي هذا الحديث دليل على أن الوتر ليس بواجب، وهو قول الجمهور، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. (٢) قوله ﷺ «فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فصلاة الفجر ركعتان، وصلاة الظهر والعصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، فهذه هي الصلوات المفروضة في الليل والنهار. (٣) قوله ﷺ «فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» هذا أجر من حافظ على الصلوات الخمس، فله عهد عند الله أن يدخله الجنة، =

стр. 180

وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (١). فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (٢)، ــ = والمحافظة عليها تكون بأن تؤدى في وقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع مالها من واجبات وسنن، وبالمحافظة عليها تسهل سائر العبادات بل تعينه على ترك المنكرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١). (٤) قوله ﷺ «وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» هذا جزاء من لم يحافظ على الصلوات الخمس ولا يؤديها على الوجه المطلوب شرعًا فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولا يصلح هذا الحديث للاستدلال به على أن ترك الصلاة ليس بكفر كما سيأتي بيانه إن شاء الله. (٥) قوله «فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» قد بينّا ذكر أدلة الصلاة سابقًا، أما قوله «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» المسلم هو الذي جاء بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت، هذا هو المسلم الكامل. لكن المراد به في قول المؤلف من أتى بالشهادتين، أما الكافر فلا تجب عليه أي لا تلزمه حال كفره بل ولا يلزمه القضاء بعد دخول الإسلام، وإن أداها وهو كافر لم تصح ولم تقبل منه. لكن هل يحاسب عليها في الآخرة؟ نعم، يحاسب على تركها لقوله تعالى: =
следующие страницы →