← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =فيه إلا الحسن وابن سيرين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢)، وجه الدلالة من الآية أن الله جعل الخوف لغير الزوجين ولم يقل إن خافا فاحتاجا إلى حكم القاضي, وأيضاً هذا القول هو المروي عن عمر وعثمان وغيرهما, ولأنه عقد معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح, ولأنه قطع عقد بالتراضي فأشبه الإقالة. قلت: لو قيل بالتفصيل في ذلك لكان أولى, فإن رغبت الزوجة في الخلع ووافق عليه الزوج بدون مماطلة منه بل عن تراض حصل منهما فهنا لا يحتاج فيه إلى حكم القاضي, وإن طلبت الخلع مع توافر دواعيه كغضب شديد للزوج وكراهة البقاء معه, وخوفها من الوقوع في المعصية بعدم الطاعة ونحو ذلك لكنه رفض أو وافق ثم أنكر فمرد ذلك إلى القاضي ليحكم في هذه القضية، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة (٣). - الفائدة الثالثة: اتفق الفقهاء على جواز أن يخالع الرجل المرأة وهي حامل أو في طهر لم يجامعها فيه، لكن اختلفوا في حال الحيض أو طهر جامعها فيه, واختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:

стр. 1857

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القول الأول: جواز الخلع في الحيض وكذا في طهر جامعها فيه، وهذا هو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢) في قول، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥)، فقالوا بأن الآية مطلقة، ولأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحق المرأة بطول العدة، والخلع جعل لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة، والمقام مع من كرهته، وتبغضه، وضرر التقصير في حقه, وكل ذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز دفع أعلاها بأدناها, ولذلك لم يسأل النبي ﷺ المختلعة عن حالها ولأن ضرر تطويل العدة عليه والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاء منها به ودليلاً على رجحان مصلحتهما فيه. القول الثاني: لا يجوز الخلع في الحيض ولا في طهر جامها فيه، وهذا هو المشهور في مذهب المالكية (٦) قياساً على الطلاق. القول الثالث: يجوز إيقاعه حالة الحيض ولا يجوز في طهر جامعها فيه=

стр. 1858

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وهو قول عند الشافعية (١)، لأن كونه بدعة في حالة الحيض لحقها وقد رضيت فسقط، وها هنا البدعة لحق الولد فلا يسقط حقه برضاها. قلت: والراجح عندي القول الأول، وهو قول جمهور أهل العلم كما سبق. - فائدة: هل للمختلعة عدة؟ الجواب: جمهور أهل العلم (٢) على أن المختلعة عليها عدة وعدتها عدة المطلقة، ويستدلون على ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣)، ولأن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول فكانت العدة ثلاثة قروء كغير الخلع. وذهب الحنابلة (٤) في رواية إلى أن عدتها حيضة واحدة. قال العلامة ابن القيم ﵀ (٥) عن هذه الرواية أنها أصح الروايتين دليلاً عن الإمام أحمد، وهو مذهب عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وأبان بن عثمان، وإسحاق، وابن المنذر, واحتجوا لذلك بحديث ثابت ابن قيس بن شماس المتقدم، وفيه أن النبي ﷺ أمر المرأة أن تتربص بحيضة واحدة ثم تلحق بأهلها (٦)، وسيأتي إن شاء الله قريباً كلام المؤلف في هذه المسألة وبيان الراجح.

стр. 1859

وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلاقُهُ بَعْدَ ذلِكَ (١)، ــ (١) قوله «وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلاقُهُ بَعْدَ ذلِكَ»: أي إذا خالع الرجل امرأته بطلاق في فترة الاستمرار لا يلحقها طلاق، وقد سبق الخلاف هل الخلع يوجب العدة أم لا؟ وقلنا بأنه يوجب العدة، لكن اختلف الفقهاء هل يوجب عدة المطلقة تماماً يعني إن كانت تحيض بثلاث حيض، وإن لم تكن من ذوات الحيض بثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فيوضع الحمل. والصحيح في هذه المسألة: أن المختلعة لا تعتد وإنما تستبرأ أي لا عدة عليها، إنما عليها استبراء، فإذا حاضت مرة واحدة انتهت عدتها، لأن ظاهر القرآن إنما العدة على المطلقة، وهذا اختيار شيخنا ﵀ (١). وعلى هذا نقول: بأن معنى كلام المؤلف أن المختلعة إذا طلقها في فترة الاستبراء لا يلحقها طلاق. وهذا قول ابن عباس وابن الزبير ﵄ ولا يعرف لهما مخالف في عصرهما، ولأنها لا تحل إلا بنكاح جديد ولا يملك بضعها، فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية. وقد سئل ابن عباس عن المختلعة يطلقها زوجها؟ قال لا يلزمها الطلاق، لأنه طلق ما لا يملك (٢).

стр. 1860

وَإِنْ وَاجَهَهَا بِهِ (١)، وَيَجُوْزُ الخُلْعُ بِكُلِّ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقًا (٢)، وَبِالْمَجْهُوْلِ (٣)، ــ (١) قوله «وَإِنْ وَاجَهَهَا بِهِ»: أي يواجهها قائلاً لها أنت طالق، أنت طالق، وضد المواجهة أن يقول: فلانة طالقة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المخالعة إذا واجهها بالطلاق فإنها تطلق، لكنه قول لا دليل عليه، ولذا فالصواب ما ذكره المؤلف بأنها لا يلحقها طلاق وإن واجهها به. (٢) قوله «وَيَجُوْزُ الخُلْعُ بِكُلِّ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقًا»: أي يصح الخلع بكل ما صح أن يكون صداقاً كعبد، ودار, وسيارة، أو منفعة مباحة كتعليم علم ونحو ذلك، وقد سبق الإشارة إلى ما يصح أن يكون صداقاً في أول كتاب الصداق، ودليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)، فالآية عامة في الفداء. (٣) قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ»: أي يجوز أن يكون الخلع بشيء مجهول كأن تقول خالعني على شاة، أو خالعني على ما في البيت، ونحو ذلك قياساً على الوصية، لأن الخلع إسقاط لحقه من البضع، وليس فيه تمليك شيء والإسقاط تدخله المسامحة، فإن خالعته على ما في بطن البعير مثلاً أو على ما تحمله النخلة هل يصح؟ نقول: يصح الخلع على ذلك مع الجهالة وحصول الغرر، ووجه كونه يصح لأن هذا ليس معاوضة محضة، وإنما الغرض منه التخلص من =

стр. 1861

فَلَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِيْ بِمَا فِيْ يَدِيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِيْ بَيْتِيْ مِنَ الْمَتَاعِ فَفَعَلَ، صَحَّ، وَلَهُ مَا فِيْهِمَا (١)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا (٢)، ــ = هذا الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعاً فله ذلك. (١) قوله «فَلَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِيْ بِمَا فِيْ يَدِيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِيْ بَيْتِيْ مِنَ الْمَتَاعِ فَفَعَلَ، صَحَّ، وَلَهُ مَا فِيْهِمَا»: أي لو صالحته على ما في يدها من دراهم أو بما في بيتها من دراهم أو متاع فإن ذلك يصح لأن السبب كما سبق هو التخلص من هذا الزوج وليس بمعاوضة محضة كما سبق، والقاعدة في ذلك: «أن كل ما فيه إسقاط فإنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في المعاوضات ولا يسمى غرراً». (٢) قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا»: أي قالت له خالعني على ما في يدي من دراهم أو على ما في بيتي من متاع ثم لم يكن في يدها ولا في بيتها شيء من المال ولا المتاع فهنا له أقل ما يصدق عليه اسم الدراهم وهي ثلاثة دراهم، أو اسم المتاع أي أقل ما يكون متاعاً، لكن يشترط أن لا يكون معيباً، وإن أعطته الوسط من المتاع جاز. ووجه كون الدراهم ثلاثة لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن كان ما في يدها درهمين فليس له إلا الذي في يدها ولو كان بلفظ الجمع وذلك لأنه عين بالذي في يدها فيتقيد به.

стр. 1862

وَإِنْ خَالَعَهَا عَلى عَبْدٍ، فَخَرَجَ مَعِيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيْمَتِهِ (١)، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهُ قِيْمَتُهُ (٢)، ــ (١) قوله «وَإِنْ خَالَعَهَا عَلى عَبْدٍ، فَخَرَجَ مَعِيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيْمَتِهِ»: هذه المسألة قد سبق ذكرها في كتاب البيوع وهي إذا ما اشترى الرجل سلعة فرآها معيبة هل يردها ويطلب القيمة التى اشتراها به, أم يمسكها ويطلب الأرش؟ وقد سبق الخلاف في هذه المسألة, وقلنا المذهب يرى جواز الأمرين، أي هو بالخيار بين رد السلعة وأخذ القيمة أو الإمساك بها مع الأرش, لكن الصواب كما سبق ليس له إلا الرد فقط أو الإمساك معيباً بلا أرش وذلك لأن المطالبة بالأرش معاوضة جديدة تحتاج إلى رضا الطرفين، والقاعدة الفقهية هنا ما قاله النبي ﷺ «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ» (١)، وهذا كما سبق هو الأظهر, وعلى ذلك نقول بأن الرجل ليس له الإمساك به مع طلب الأرش ليس له إلا طريق واحد أن يرده ويأخذ قيمته سليماً. (٢) قوله «وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهُ قِيْمَتُهُ»: أي وإن خرج هذا العبد - الذي خالعها الزوج به - خرج مغصوباً أو حراً فله قيمته وذلك لأن العوض الذي كان عليه الخلع فاسد، فهو لا يجوز له الإمساك بمغصوب ولا حر، فإذا فسد العوض وجب الانتقال إلى القيمة كالمغصوب، وهل يصح الخلع؟ =

стр. 1863

وَيَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ (١)، وَلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ، إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيْ الْمَالِ (٢)، ــ =مثال ذلك: قالت المرأة للرجل خالعني على هذه السيارة فبانت السيارة مستحقة مغصوبة, أو خالعني على هذا فبان خمراً , فهنا يكون العوض محرماً فيكون باطلاً، والباطل لا يصح عوضاً. فهل يصح العقد ويكون العوض في ذمة الزوجة أم للزوج أن يعود على العقد الذي هو بقاء الزوجة؟ نقول هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء: القول الأول: أن الخلع يكون صحيحاً في قول عامة أهل العلم وعليها أن ترد قيمة العوض. القول الثاني: أن العقد لا يبقى ويعود الحال إلى ما كان عليه. والصواب: ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول عامة أهل العلم؛ أي يكون الخلع صحيحاً وله قيمته. (١) قوله «وَيَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ»: أي يصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه, وهو كل مكلف مميز يعقل الطلاق, بأن يعلم أن النكاح يزول بالخلع وذلك بقياس الخلع على الطلاق في ذلك, بل في الخلع أولى لأنه في مقابل عوض, فإذا صح زوال النكاح بغير شيء كما في الطلاق, فمع وجود العوض يصح بطريق الأولى. (٢) قوله «وَلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ، إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيْ الْمَالِ»: فإن كانت هذه المرأة محجوراً عليها في مالها لسفه، أو جنون، أو صغر، =

стр. 1864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وطلبت من الزوج أن يخالعها فرضي ببذل المهر الذي بذله, فأعطته المهر الذي معها, ولكنها محجور عليها فهنا هل يصح هذا الخلع؟ قال المؤلف: بأن هذا لا يصح لأنها ليست أهلاً للتصرف فيه لكونها محجوراً عليها لكنه يقع طلاقاً رجعياً لأنه لم يسلم له العوض، وسواء أذن لها الولي أو لم يأذن لأنه ليس له الإذن في التبرعات وهذا تبرع, ولأنه بذل عوض في عقد معاوضة فلم يصح إلا ممن يصح تصرفه في المال كالبيع.

стр. 1865

كِتابُ الطَّلاقِ (١) ــ (١) قوله «كِتابُ الطَّلاقِ»: الطلاق في اللغة: التخلية، والإرسال، والترك، يقال: طَلَقَت الناقة بفتح اللام إذا سرحت حيث شاءت، وطلقت المرأة تَطْلُق طلاقاً، فهي طالق، وطالقة: إذا خُلِّيت من وثاق النكاح (١). أما في الشرع: فهو رفع قيد النكاح أو بعضه بلفظ مخصوص. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأُولى: في حكم مشروعية الطلاق: لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الطلاق، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (٣). وأما السنة: فحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ «طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» (٤). وأيضاً حديث ابن عمر ﵁ «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ=

стр. 1866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (١). أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على مشروعيته، فقد نقل غير واحد من أهل العلم ذلك منهم ابن حزم (٢)، وابن عبد البر (٣)، والموفق ﵀ (٤). - الفائدة الثانية: حكم الطلاق: ذكرنا أن الفقهاء اتفقوا على مشروعية الطلاق لكن اختلفوا في الحكم الأصلي للطلاق: فذهب الجمهور إلى أن الأصل فيه الإباحة، وقد يخرج عنها في أحوال. وذهب آخرون إلى أن الأصل فيه الحظر ويخرج عن الحظر في أحوال. لكن اتفقوا جميعاً على أن الطلاق تعتريه الأحكام التكليفية تبعاً لاختلاف حالات وقوعه، فمن ذلك: أولاً التحريم: ويكون تحريم الطلاق إذا كان في الحيض أو في طهر جامع الرجل فيه امرأته, وقد أجمع العلماء على تحريمه لمخالفة أمر الله تعالى=

стр. 1867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وسنة رسوله ﷺ ، وهو المسمى بالطلاق البدعي. ثانياً: المكروه: ويكون إذا لم يكن ثمة داع إليه, أي إذا كانت الحياة مستقرة ولم تكن هناك حاجة إليه, وذلك لما فيه من الإضرار بالزوجة من غير داع إليه, ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها, وقيل يحرم في هذه الحال، وهو رواية عن الأمام أحمد (١) , لأنه ضرر بنفسه وزوجته وأولاده وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه فكان حراماً كإتلاف المال لقول النبي ﷺ : «لا ضَرَر وَلا ضِرَارَ» (٢). ثالثاً: الواجب: ويكون واجباً في حالة الإيلاء مع مضى المدة وإباء الزوج الفيئة, وكذلك طلاق الحكمين في الشقاق إذا تعذر عليهما التوفيق بين الزوجين ورأيا الطلاق. رابعاً: المباح: ويكون عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة, أو سوء عشرتها وحصول الضرر بمعاشرتها. خامساً: المندوب: ويكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، وكذا في حالة عدم عفة المرأة، وفي حال الشقاق, وطلب المرأة الخلع=

стр. 1868

لا يَصِحُّ الطَّلاقُ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ (١)، ــ =لتزيل به الضرر عنها. - الفائدة الثالثة: الحكمة في مشروعية الطلاق: شرع الله تعالى لعباده النكاح لما فيه من مصالح دينيه ودنيويه, واقتضت حكمته أن يشرع لهم الطلاق تكميلاً لهذه النعمة, إذ قد تفسد الحال بين الزوجين بحيث تتعذر إقامة حدود الله بينهما في العلاقة الزوجية فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وضرراً مجرداً يلتزم فيه الزوج النفقة والسكن, وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة, فاقتضى ذلك أن شرع سبحانه ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه رحمة منه بعباده, ثم إنه سبحانه شرعه بعدد معين لحكمة لطيفه وذلك أن النفس البشرية ملولة وعجولة, وربما أظهرت عدم حاجته إلى المرأة حتى إذا وقع الطلاق حصل الندم وضاق الصدر وعيل الصبر, فالله تعالى جعله ثلاثاً ليجرب المرء نفسه في المرة الأولى, فإن استقرت نفسه أمكنه التدارك بالرجعة وأعطاه فرصة أخرى, حتى إذا طلق الثالثة حرَّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره ويصيبها معاقبة له بما فيه غيظه بمقتضى جبلة الفحولة بحكمته ولطفه تعالى بعباده. (١) قوله «لا يَصِحُّ الطَّلاقُ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ»: شرع المؤلف بذكر الشروط المعتبرة في الطلاق, فأول هذه الشروط: أن يكون الطلاق من زوج, فإذا طلق غير الزوج فلا يصح ولا يقع إلا من يقوم مقام الزوج كالوكيل مثلاً فلا بأس به، وقوله أيضاً «من زوج» فيه إشارة إلى أنه إذا طلق قبل الزواج فلا يصح, فلو قال لامرأة أنت =

стр. 1869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = طالق ثم تزوجها لا يقع هذا الطلاق, وكذا لو قال إن تزوجتك فأنت طالق لا يقع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (١)، وثم للترتيب, ولأنه لا يتصور طلاق بلا عقد, وكذلك لو قال لامرأته أي امرأة تزوجتها عليك فهي طالق ثم تزوج عليها فإنها لا تطلق لأنه طلق مالا يملكه, والأدلة على ذلك الآية السابقة, وأما من السنة فمنها حديث ابن عباس قال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؟ ! إِنَّمَا الطَّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» (٢). وأيضاً حديث: علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: «لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» (٣). وأيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلا طَلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلا=

стр. 1870

مُكَلَّفٍ (١)، ــ =عَتَاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (١)، فالحاصل أن غير الزوج لا يملك الطلاق قبل العقد على المرأة. (١) قوله «مُكَلَّفٍ»: هذا هو الشرط الثاني، وهو أن يكون الزوج مكلفاً، فإن كان غير مكلف فلا يصح منه الطلاق, والمكلف هو من اجتمع فيه وصفان: الأول: العقل. ... الثاني: البلوغ. فإذا طلَّق غير العاقل كالمجنون مثلاً فإنه لا يصح, وكذا لو طلق الصبي فإنه لا يقع. لكن هل يقع الطلاق من الصبي المميز ؟ أقول: سبق تعريف التمييز في كتاب الصلاة, وقلنا بأن سن المميز اختلف في تحديده الفقهاء: فقال بعضهم: بأن المميز من بلغ سن سبع سنين, وقال بعضهم: المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب. ومن هنا اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق من المميز: فالمذهب عند الحنابلة (٢) أن طلاق الصبي المميز - وهو الذي بلغ سبع سنين ودخل في الثامنة - يصح. =

стр. 1871

مُخْتَارٍ (١)، وَلا يَصِحُّ طَلاقُ الْمُكْرَهِ (٢)، ــ = وفي رواية أخرى في المذهب (١) أنه لا يصح منه حتى يبلغ, وفي رواية أخرى حتى يبلغ عشر سنين. والأقرب عندي في هذه المسألة: أن الصبي المميز إن كان يعقل معنى الطلاق بأنه إذا سئل عن معنى الطلاق, فقال الطلاق معناه أنني أخلى عني زوجتي ولا تبقى معي، فهنا تطلق لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، ومن لا يعقل الشيء لا يتوب. (١) قوله «مُخْتَارٍ»: هذا هو الشرط الثالث ممن يصح منه الطلاق، فلا بد أن يكون مختاراً, وهو أن يتلفظ بما يدل على الطلاق مختاراً غير مكره عليه, وذلك بأن يوجد الرضا والرغبة في حصول الطلاق، وسيأتي مزيد إيضاح فيما بعد لهذا. (٢) قوله «وَلا يَصِحُّ طَلاقُ الْمُكْرَهِ»: أي إذا أكره الإنسان على طلاق زوجته فإنه لا يصح ويدل على ذلك قوله ﷺ : «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» (٣)، والإغلاق: الغضب أو الإكراه. وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق المكره، ولا يخلو الإكراه من أن =

стр. 1872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = يكون بحق أو بغير حق. أولاً: إن كان بحق فإن الطلاق يقع بغير خلاف بين أهل العلم, وذلك نحو إكراه الحاكم المولِّى على الطلاق بعد التربص وعدم الفيئة وإكراهه الرجلين اللذين زوجهما وليان ولا يعلم السابق منهما على الطلاق ونحو ذلك, وكون وقوع الطلاق مع إكراهه عليه لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد إذا أُكره عليه, ولأنه إنما جاز إكراهه على الطلاق فلو لم يقع لم يحصل المقصود. ثانياً: وإن كان الإكراه بغير حق، فقد اختلف فيه الفقهاء على قولين: القول الأول: وهو قول الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) أن طلاق المكره لا يقع، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ١ - قوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٤). ٢ - حديث عائشة ﵂، وقوله: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» (٥)، والإغلاق هو الإكراه لأن المكره مغلق عليه في أمره =

стр. 1873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ومضيق عليه في تصرفه كما يغلق الباب على الإنسان. ٣ - وفي فتاوى اللجنة الدائمة ما يدل على ذلك، ومما جاء فيها «وأما قوله: بأنه أجبر على طلاقه زوجته من قبل أوليائها, فإن ثبت ذلك شرعاً وكان إجباره بطريقة يخشى على نفسه منها إن لم يجبهم إلى طلبهم فلا يقع طلاقه لعموم قوله ﷺ «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١). القول الثاني: ما ذهب إليه الحنفية (٢) وهو أن طلاق المكره يقع واستدلوا على ذلك: بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (٣)، وجه الدلالة من الآية أنه لم يفرق بين طلاق المكره وغيره. وأيضاً احتجوا بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٤). وأيضاً لبقاء الأهلية والخطاب مع الإكراه, ولأنه قصد إيقاع الطلاق في محل يملكه وهو منكوحته في حال أهليته فنفذ كطلاق غير المكره. =

стр. 1874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =والراجح من الأقوال: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن طلاق المكره لا يقع لقوة الأدلة عندهم. أما أدلة الحنفية فهي إما أدلة مجملة لها مخصص, أو أدلة ضعيفة لا يحتج بها. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: في الشروط المعتبرة في الإكراه: ١ - أن يكون الإكراه من قادر كسلطان أو من تغلب كاللص ونحوه. ٢ - أن يغلب على ظنه حصول ما هدده به إن لم يجبه إلى ما طلبه. ٣ - أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين، بخلاف الشتم والسب وأخذ المال اليسير ونحو ذلك, وهل يشترط أن ينال منه بعذاب أو عقاب ونحوه أم يكفي التهديد فقط؟ قولان: القول الأول: أنه لا يكون مكرهاً حتى ينال بشيء من العذاب كالضرب والخنق وعصر الساق ونحو ذلك. القول الثاني: أنه لا يشترط ذلك بل يكفي التهديد من قادر على حصول ما هدد به. - الفائدة الثانية: في حكم طلاق الغضبان: الطلاق في الغضب له أحوال ثلاث: الأولى: أن يكون الغضب يسيراً بحيث لا يؤثر على إرادة الشخص ولا اختياره فطلاقه صحيح واقع.

стр. 1875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثانية: أن يكون الغضب شديداً بحيث لا يدري ما يقول ولا يشعر به فهذا طلاقه لا يقع لأنه بمنزلة المجنون الذي لا يؤاخذ على أقواله. الثالثة: الغضب الشديد الذي يؤثر على إرادة الرجل فيجعله يتكلم بالكلام وكأنه مدفوع إليه, ثم ما يلبث أن يندم عليه بمجرد زوال الغضب, ولكنه لم يصل الشخص فيه إلى حد زوال الشعور والإدراك, وعدم التحكم في الأقوال والانفعال. فهذا النوع من الغضب اختلف العلماء في حكمه: فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقع لأن صاحبه له قصد صحيح, وهو يشعر بما يقول, ويعلم المرأة التي أوقع عليها الطلاق فلا عذر له. القول الثاني: أن طلاقه لا يقع لقوله ﷺ : «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» (١)، وهذا لا شك أنه مغلق عليه، فكأن أحداً أكرهه حتى طلق, وعلى هذا فيكون الطلاق غير واقع. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام (٢)، وابن القيم (٣)، والشيخين ﵏ (٤).

стр. 1876

وَلا زَائِلِ العَقْلِ، إِلاَّ السَّكْرَانَ (١)، ــ (١) قوله «وَلا زَائِلِ العَقْلِ، إِلاَّ السَّكْرَانَ»: زوال العقل يكون بأمور منها: النوم، والجنون، والإغماء، والسكر. فالنائم طلاقه لا يقع إن صدر منه, وكذا المجنون والمغمى عليه. أما السكران فقد ذكر المؤلف هنا أن طلاقه يقع. وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق السكران هل ينفذ طلاقه أم لا؟ على قولين: الأول ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أن طلاق السكران يقع واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ١ - ما روي عن النبي ﷺ قال: «كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٥). ٢ - أن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف. ٣ - أنه إيقاع للطلاق من مكلف غير مكره صادف ملكه فوجب أن يقع كطلاق الصاحي، ويدل على تكليفه أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة، وبهذا فارق المجنون.

стр. 1877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القول الثاني: أن طلاق السكران لا يقع، وقال به بعض الحنفية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، اختارها شيخ الإسلام (٤)، وابن القيم (٥)، وهو اختيار الشيخان (٦) رحمهما الله، واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٧)، وجه الدلالة أن الله جعل قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقوله, ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم، فهو غير مكلف لانعقاد الإجماع على أن من شرط التكليف العقل ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف, ولأنه مفقود الإرادة أشبه المكره، ولا فرق لزوال الشرط بمعصية ولا بغير معصية بدليل أن من كُسر ساقاه جاز له أن يصلي قاعداً, ولو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة ,ولو ضرب رأسه فجن سقط عنه التكليف. قلت: وهذا هو الراجح؛ فمن زال عقله بسكر فطلق زوجته فإن الطلاق على الصحيح من أقوال أهل العلم لا يقع.

стр. 1878

وَيَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ (١)، ــ (١) قوله «وَيَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ»: دليل ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (١)، فذكر الله تعالى ثلاث تطليقات. والزوجان لا يخلوان من ثلاث حالات: إما أن يكونا حرين, أو رقيقين, أو يكون أحدهما حراً, والآخر رقيقاً. أما الحران: فقد سبق ما يدل على أن الذي يملكه الزوج ثلاث تطليقات. وأما العبيد: فالمشهور عند أهل العلم أن الرقيق لا يملك إلا طلقتين وذلك لأن الرقيق على النصف من الحر, فعدة الأمة نصف عدة الحرة, وجلد الزاني في الإماء والعبيد على النصف من جلد الأحرار وهكذا, ولما كان الطلاق لا يمكن أن يتبعض أي لا يمكن قسمتها إلا بكسر فكان لا بد من جبر الكسر ومنحه تطليقتين، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن العبد له ثلاث تطليقات كالحر لعدم الأدلة قال شيخنا ﵀: «وهذا مذهب أهل الظاهر, وكان ابن القيم (٢) =

стр. 1879

سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً (١)، ــ =يميل إليه في زاد المعاد لأن النصوص عامة ولم يستثن الله تعالى منها شيئاً، ولأن وقوع الطلاق من الحر والعبد على حد سواء, كل منهم يطلق راغباً أو راهباً, وكل منهم له تعلق بالمرأة, والآثار المرفوعة في ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة, والآثار الموقوفة عن الصحابة ﵃ متضاربة مختلفة, فتطرح وتبقى على العموم» (١). (١) قوله «سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً»: نقول ذكرنا فيما سبق أن الزوجين لا يخلوان من ثلاث حالات: الأولى: أن يكونا حرين. الثانية: أو أن يكونا رقيقين. الثالثة: أو يكون أحدهما حراً والأخر رقيقاً. ومراد المؤلف هنا هو النوع الأخير, أي سواءً كان تحتهما حرة أو أمة وهذا القسم الأخير إما أن يكون الزوج حراً والمرأة رقيقة, أو الزوجة حرة والزوج رقيق, وهل يمكن للعبد أن يتزوج حرة؟ نقول: نعم؛ ويكون كالحر تماماً، وبدون شروط. و هل المعتبر في عدد الطلاق بحسب الأزواج دون النظر إلى كونهم أحراراً أو أرقاء ؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: =

стр. 1880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =فذهب جمهور أهل العلم من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو المروي عن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وإسحاق، وابن المنذر، وغيرهم (٤) إلى أن عدد الطلاق معتبر بالزوج, فإن كان حراً فإنه يملك على زوجته ثلاث تطليقات ولو كانت أمة, وإن كان الزوج عبداً فإنه يملك تطليقتين لا غير ولو كانت زوجته حرة, فإن طلقها الثانية بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. واستدلوا على ذلك بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «طَلاقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ، وَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَتَزَوَّجُ الْحُرَّةُ عَلَى الأَمَةِ، وَلا تُزَوَّجُ الأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» (٥). وأيضاً ورد عن عمر ﵁ أنه قال: «يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا» (٦) , وأيضاً قالوا لأن الرجل هو المخاطب بالطلاق فهو المعتبر به، ولأن الطلاق خالص حق الزوج, وهو فيما يختلف بالحرية والرق اتفاقاً فكان الاختلاف به. =

стр. 1881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وذهب الحنفية (١) إلى أن الطلاق معتبر بالنساء, فإن كانت الزوجة حرة فطلاقها ثلاث ولو كان زوجها عبداً, وإن كانت الزوجة أمة فطلاقها اثنتان وإن كان زوجها حراً, وهذا مروي عن علي وابن مسعود, والحسن، وابن سيرين وغيرهم (٢)، واحتجوا بحديث «طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان» (٣) , ولأن المرأة محل الطلاق فهو معتبر كالعدة. ورجَّح بعض المحققين أن العبد كالحر في هذه المسألة، وهي رواية عن الإمام أحمد (٤). قال في الإنصاف: «وهو قول قوي في النظر» (٥)، واختار هذه الرواية ابن القيم (٦) في الزاد. ومن أوجه الأدلة أن الآيات التي جاءت في ذلك عامة لم تخصص الحر عن العبد بشيء في هذا الباب، أعنى باب ما يختلف به عدد الطلاق بين الحر والعبد, فتحمل الآيات على الإطلاق, ثم الأحاديث التي جاءت=

стр. 1882

فَمَنِ اسْتَوْفى عَدَدَ طَلاقِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (١)، نِكَاحًا صَحِيْحًا، وَيَطَأَهَا (٢)، ــ =في هذا الباب ضعيفة لا يحتج بها أي لا تقوم بها حجة, والآثار الموقوفة عن الصحابة ﵃ متضاربة مختلفة فتطرح وتبقى على العموم. قلت: ولعل هذا هو الذي يفهم ترجيحه من كلام شيخنا (١) ﵀، والله أعلم. (١) قوله «فَمَنِ اسْتَوْفى عَدَدَ طَلاقِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»: أي متى استوفى الحر عدد طلاقه وهي الثلاث كما سبق, وكذلك العبد على قول الجمهور متى استوفى عدد طلاقه وهي اثنتان على رأيهم فإن المرأة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .... ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ .. ﴾ (٢). (٢) قوله «نِكَاحًا صَحِيْحًا، وَيَطَأَهَا»: هذا فيه احتراز من النكاح الفاسد. وقوله «وَيَطَأَهَا»، هذا شرط لكي تحل لمطلقها الأول، فلا يكفي أن يعقد عليها فلابد من الوطء, وهذا فيه إشارة إلى أن نكاح المحلل لا يصح، وأنه لا يحصل به المقصود. فلابد من توفر الشروط التي تحصل بها الرجعة إلى مطلقها الأول ، وهى ثلاثة شروط:

стр. 1883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول: النكاح: دليل ذلك قوله: ﴿ .. حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (١)، فقد نفى حل المرأة لمطلقها ثلاثاً, وحد النفي إلى غاية التزوج بزوج آخر, والحكم المحدد بغاية لا ينتهي قبل وجود الغاية, فلا تنتهي الحرمة قبل التزوج وعلى هذا لو وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة فإنها لا تحل للزوج الأول لعدم النكاح. الثاني: صحة النكاح كما قال المؤلف, فيشترط في النكاح من الثاني أن يكون النكاح صحيحاً, ولا تحل للأول إذا كان النكاح فاسداً حتى لو دخل بها, لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة فلا تحل للزوج الأول بهذا النكاح. الثالث: الوطء في الفرج: وهذا ما قاله المؤلف، وهو مذهب جمهور الفقهاء (٢)، أي لا بد من أن يطأها الزوج الثاني في الفرج, فلو وطئها دونه أو وطئها في الدبر لم تحل للأول لأن النبي ﷺ كما سيأتي في حديث رفاعة علق الحل على ذوق العُسيلة منهما, ولا يحصل ذوق العُسيلة إلا بالوطء وفي الفرج، وهذا هو الصحيح. وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج, لأن أحكام الوطء تتعلق به, وذلك بشرط الانتشار لأن الحكم يتعلق بذوق العُسيلة, ولا تحصل من=

стр. 1884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =غير الانتشار، وهل يشترط الإنزال؟ الصواب: أنه لا يشترط الإنزال، ولم يشترطه إلا الحسن البصري (١) , وهل إذا وقع الوطء في وقت غير مباح كحيض أو نفاس هل يحصل به التحليل؟ اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب أبو حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، إلى أن الوطء في هذا يُحل المرأة لزوجها الأول, أي إن وقع في وقت غير مباح كالحيض والنفاس, وذهب المالكية (٤)، والحنابلة (٥) إلى أنه يشترط أن يكون الوطء في وقت مباح أي وقت حلال, لأن الوطء غير المباح حرام لحق الله تعالى, فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدة، وعلى ذلك لا تحل لزوجها الأول إذا جامعها الثاني في صوم، أو حج، أو حيض، أو نفاس، أو اعتكاف. - فائدة: في حكم الزواج بشرط التحليل: يحصل كثيراً أن بعض الناس يطلق زوجته ثلاثاً, ثم لما لم يجد حلاً من إرجاعها فينكحها لزوج أخر بشرط التحليل له، وهذا يقع كثيراً عند بعض الناس، وإن كان في المملكة قليلاً لكنه في بعض البلدان الأخرى كثيراً، فما صحة هذا العمل؟ نقول: من تزوج امرأة مطلقة ثلاثاً بشرط صريح العقد على أن يحلها=

стр. 1885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = لزوجها الأول فهو حرام عند جمهور الفقهاء (١). وذهب الحنفية إلى أنه مكروه كراهة تحريم، واحتجوا جميعاً بقول النبي ﷺ : «لعن الله المحَلَلَ والمُحَلَّلَ له» (٢)، وقال أيضاً «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (٣)، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، وهل يحصل به التحليل؟ ذكرنا سابقاً بأن من شروط كون المرأة تحل لزوجها الأول أن يكون النكاح صحيحاً, وهذا النوع من النكاح مع اشتماله على جميع شروطه إلا أنه أشتمل على شرط يفسده وهو النكاح بشرط الإحلال، فهو معنى النكاح المؤقت, وقد سبق أن النكاح المؤقت فاسد فلا يقع به التحليل، وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور كما سبق. =

стр. 1886

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وذهب الحنفية (١) إلى صحة النكاح وأنه يحصل به التحليل للأول، فمتى انتهت عدتها من الثاني جاز للأول أن يتزوجها، لكن يكره للأول والثاني ما حصل من هذا الشرط أي شرط التحليل فقط لكنه يكون آثماً, وليس الوطء عبادة حتى نقول لا يصح مع التحريم, كالصلاة في الأرض المغصوبة, وإنما الوطء شرط للحل, وهذا القول أصح، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (٢). - فائدة: في هدم عدد طلقات الزواج الأول بالزواج الثاني: نقول اتفق الفقهاء على أن المرأة إذا نكحت زوجاً آخر فوطئها أنها تعود إلى الأول بهدم جميع الطلقات للأول, أي كأنه لم يطلق, هذا إذا كان قد طلقها ثلاثاً ثم نكحت زوجاً أخر. لكن اختلفوا في الزواج الثاني هل يهدم ما دون الثلاث؟ كما لو تزوجت قبل الطلقة الثالثة ثم طلقت منه ثم رجعت إلى زوجها الأول هل ترجع إليه بما عليه منها من عدد طلقات؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب جمهورهم (٣) إلى أنه لا يهدم, لأن هذا شيء يخص الثالثة بالشرع فلا يهدم ما دونها. =

стр. 1887

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لاِمْرَأَةِ رِفَاعَةَ «لَعَلَّكِ تُرِيْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِيْ إِلى رِفَاعَةَ. لا، حَتَّى تَذُوْقِيْ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوْقَ عُسَيْلَتَكِ» (١)، ــ =وذهب أبو حنيفة (١) إلى أنه يهدم ما دون الثلاث, لأنه لما هدم الثلاث فهو أحرى أن يهدم ما دونها. قلت: والراجح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو اختيار شيخنا (٢) ﵀، لأن نكاح الزوج الثاني إذا كان الزوج الأول لم يطلق ثلاثاً لا أثر له، لأنها تحل لزوجها الأول سواء تزوجت أم لم تتزوج. (١) قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لاِمْرَأَةِ رِفَاعَة «لَعَلَّكِ تُرِيْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِيْ إِلى رِفَاعَةَ. لا، حَتَّى تَذُوْقِيْ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوْقَ عُسَيْلَتَكِ» (٣): هذا الحديث متفق عليه من حديث عائشة ﵁ حيث قالت: «جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ - إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ». =

стр. 1888

وَلا يَحِلُّ جَمْعُ الثَّلاثِ (١)، ــ =وفي هذا الحديث بعض الفوائد منها: ١ - أن المراد ببت الطلاق هنا الطلقة الأخيرة من الثلاث كما بينته الرواية الأخرى «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ». ٢ - أنه لا يحل بعد هذه الثلاث أن تنكح زوجها الذي بت طلاقها إلا بعد أن تتزوج غيره, ويطأها الزوج الثاني، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً. ٣ - المراد بالعُسيلة في هذا الحديث اللذة الحاصلة بتغيب الحشفة ولو لم يحصل إنزال مني كما سبق بيانه. ٤ - أنه لا بأس من التصريح بالأشياء التي يستحي منها للحاجة فقد أقرها النبي ﷺ على ذلك, وتبسم من كلامها. ٥ - حسن خلق النبي ﷺ , وطيب نفسه. (١) قوله «وَلا يَحِلُّ جَمْعُ الثَّلاثِ»: أي يحرم أن يجمع ثلاث طلقات جملة واحدة كأن يقول: «أنت طالق ثلاثاً» ,أو يقول: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» في زمن واحد فإنه لا فرق بين الصورتين، ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ (١). وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة أعني, هل يحرم أن يجمع الرجل الطلاق في جملة واحدة أم يحل؟ فذهب جمهور الفقهاء كما نقله عنهم شيخ الإسلام (٢) إلى أن هذا =

стр. 1889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الطلاق محرم, فإن طلقها ثلاثاً بفم واحد ومتعاقبات فإنه يكون طلاقاً محرماً, واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١)، وجه الدلالة من الآية أن الطلاق المأمور به ما كان في استقبال العدة, والطلاق التابع لطلاق آخر من غير رجعة بينهما لا تستقبل به العدة, فلا يكون مأموراً به. وقد دلت السنة على أن من عمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد, فعلى هذا يكون الطلاق المتتابع طلاقاً محرماً. ٢ - ما ورد عن مخرقة من بكير, عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ»، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا أَقْتُلُهُ» (٢). القول الثاني: أن طلاق الثلاث بهذه الكيفية المذكورة سابقاً لا يحرم إيقاع الثلاث به، بل العدد كله جائز, إلا أن الأولى هو التفريق، وهذه رواية=

стр. 1890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =قديمة عن الإمام أحمد (١) , وهو مذهب الشافعية (٢)، وابن حزم (٣) , واستدل أصحاب هذا القول بأن الآيات في الطلاق جاءت عامة، وبقضية عويمر العجلاني مع امرأته وفيها قوله: «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ » (٤). فالشاهد أنه طلقها ثلاثاً عند رسول الله ﷺ ، ولو كان ذلك حراماً لنهاه عن ذلك ليعلم هو ومن حضره. والصحيح: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول, أي يحرم أن يجمع ثلاث طلقات جملة واحدة كأن يقول: «أنت طالق ثلاثاً» ,أو يقول: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»، في زمن واحد. وإذا قلنا بأن هذا الطلاق محرم فهل يقع الطلاق أم لا يقع؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء، أي اختلفوا فيمن أوقع الطلاق الثلاث دفعه واحدة, أو أوقعها بكلمات ثلاث لم يتخللها رجعة, واختلفوا في ذلك اختلافاً طويلاً: فذهب جمهور الفقهاء منهم الأئمة الأربعة (٥) أنه يقع الطلاق بذلك=

стр. 1891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وتبين المرأة منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، واستدلوا بحديث ابن عباس قال: «كَانَ الطَّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ. فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» (١). ووجه الدلالة: أن عمر ﵁ جعل الثلاث بكلمة واحدة ثلاثاً وأقره على ذلك كثير من الصحابة ﵃، وهذا من أقوى الأدلة التي احتج بها أصحاب هذا القول، كما استدلوا بحديث فاطمة بنت قيس وفيه: «إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا» (٢)، وفي رواية في المسند أنه: «طَلَّقَهَا ثَلاثًا جَمِيعًا» (٣)، وكذلك حديث قصة لعان عويمر المتقدمة، هذا هو القول الأول في هذه المسألة. القول الثاني: وهو أن الطلاق ثلاثاً بكلمة واحدة لا يقع، وهو ما ذهب إليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر, وعائشة، وعمر في أول خلافته، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس, وابن مسعود، وعلي ﵃ جميعاً (٤) , ومن التابعين عطاء, وطاووس, ومن أصحاب =

стр. 1892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =المذاهب الأخرى داود الظاهري (١) وأكثر أصحابه, وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك, وبعض أصحاب أحمد (٢)، واختار هذا القول شيخ الإسلام (٣) ابن تيمية كان يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عُذِّب من أجل القول بها هو وكثير من أتباعه. ومنهم أيضاً - أي من قال بها - ابن القيم (٤) ﵀ الذي نصر هذا القول نصراً مؤزراً في كتابه «زاد المعاد» (٥)، «وإعلام الموقعين» (٦)، فقد أطال البحث فيها, واستعرض نصوصها, ورد على المخالفين بما يكفي ويشفى. وممن قال بها من مشايخنا سماحة شيخنا بن باز ﵀ (٧)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٨)، واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عباس المتقدم فإنه نص صريح لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات فإنه يوضح الحال التي كانت على عهد النبي ﷺ ، وهي أن الطلاق الثلاث كان يعد واحدة, كما استدلوا بحديث عَنِ ابن عباس قال: طَلَّقَ رُكَانَةُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا فَسَأَلَهُ=

стр. 1893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ ». قَالَ: طَلَّقْتُهَا ثَلاثًا فَقَالَ «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ». قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ» فَرَاجَعَهَا (١). وهذا الحديث اختلف في صحته: فقد صححه بعض أهل العلم منهم الإمام أحمد، قال ابن قدامة «فأما حديث ركانة فإن أحمد ضعف إسناده فلذلك تركه» (٢) , قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل في غيره من الروايات» (٣). قلت: وهذا القول أن الثلاث دفعة تقع واحدة قول قوي، وهو قول من سمينا من أهل العلم من مشايخنا، ومع ذلك فالمسألة ما زالت محل نظر وتأمل عندي. أما استدلال الجمهور من أهل العلم بحديث ابن عباس فقد أجيب عليه بأنه حجة لمن قال بعدم وقوع الثلاث لأن هذا كان حاله ﷺ فيه، وكذا أبو بكر وغيره من الصحابة. أما ما ورد عن عمر ﵁ في جعل الثلاث تقع فهو اجتهاد من اجتهاد الأئمة. والظاهر أنه من باب التعزير العارض، وهو يختلف باختلاف الأزمنة=

стр. 1894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =والأمكنة، ولا يستقر تشريعاً لازماً لا يتغير, بل المستقر هو التشريع الأصلي لهذه المسألة. ثم إن القول بوقوع الثلاث واحدة فيه رحمة للمسلمين ورفق بهم, لاسيما في هذه الأزمنة التي يحصل فيها هذا كثيراً مع غلبة الجهل، وضعف الوازع الديني، وقلة الفقه والعلم بهذه المسألة العظيمة. أما احتجاج الجمهور بحديث فاطمة بنت قيس بأن أبا حفص لم يوقع الثلاث دفعة واحدة, وإنما ورد في صحيح مسلم «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ»، وفي رواية «فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت من طلاقها» «فَأَرْسَلَ إِلَى امرأتِه فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ مِنْ طَلاقِهَا» لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فكلمة «جميعاً» التي وردت في رواية الإمام أحمد أراد بها تأكيد العدد, لا الاجتماع في آن واحد. أما حديث لعان عويمر وزوجته فأجيب عنه بما يلي: أولاً: أن هذا التطليق وقع بعد الحكم بفرقة اللعان فيكون الطلاق مؤكداً للبينونة, أو قاله على سبيل الغيرة والتوكيد لكلامه, وأن ما رماها به صدق، ويدل على ذلك قوله «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا»، فهو بمنزلة اليمين. ثانياً: على اعتبار تسليم أن الطلاق وقع, ولكنه ﷺ أنفذ تطليقات عويمر على الوجه الذي كان معروفاً في عهده ﷺ من اعتبار الثلاث واحدة, ثم حرمها عليه تحريماً مؤبداً بدليل آخر الحديث: «فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي=

стр. 1895

وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه (١)، ــ =الْمُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» (١)، هذا ما ذكره ابن القيم في «الهدى»، «وإعلام الموقعين»، وكذا ذكره أهل العلم ممن ذهب إلى القول بعدم وقوع الطلاق إذا تلفظ به في كلمة واحدة أو كلمات متعاقبات، وهذا كلام نفيس ينبغي لطالب العلم أن يتأمله كثيراً. (١) قوله «وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه»: أي ويحرم كذلك طلاق المرأة المدخول بها في حال حيضها أو في طهر حصل فيه جماع بها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، واللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ للتوقيت، والمعنى إذا أردتم طلاقهن فليكن في الوقت الذي تستقبل به عدتها المعينة, وهذا هو الطلاق المشروع. فالطلاق المشروع إذاً هو ما اجتمع فيه أربعة أوصاف هي: ١ - أن يكون مرة واحدة بأن يقول: «أنت طالق ويسكت» , أو يقول: «أنت طالق مرة واحدة». ٢ - أن يكون في طهر؛ فإن طلقها حال حيضها أو نفاس فإنه لا يسمى طلاقاً شرعياً. ٣ - ألا يكون جامع في هذا الطهر.
следующие страницы →