. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وتبين المرأة منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، واستدلوا بحديث ابن عباس قال: «كَانَ الطَّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ. فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» (١).
ووجه الدلالة: أن عمر ﵁ جعل الثلاث بكلمة واحدة ثلاثاً وأقره على ذلك كثير من الصحابة ﵃، وهذا من أقوى الأدلة التي احتج بها أصحاب هذا القول، كما استدلوا بحديث فاطمة بنت قيس وفيه: «إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا» (٢)، وفي رواية في المسند أنه: «طَلَّقَهَا ثَلاثًا جَمِيعًا» (٣)، وكذلك حديث قصة لعان عويمر المتقدمة، هذا هو القول الأول في هذه المسألة.
القول الثاني: وهو أن الطلاق ثلاثاً بكلمة واحدة لا يقع، وهو ما ذهب إليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر, وعائشة، وعمر في أول خلافته، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس, وابن مسعود، وعلي ﵃ جميعاً (٤) , ومن التابعين عطاء, وطاووس, ومن أصحاب =
стр. 1892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=المذاهب الأخرى داود الظاهري (١) وأكثر أصحابه, وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك, وبعض أصحاب أحمد (٢)، واختار هذا القول شيخ الإسلام (٣) ابن تيمية كان يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عُذِّب من أجل القول بها هو وكثير من أتباعه.
ومنهم أيضاً - أي من قال بها - ابن القيم (٤) ﵀ الذي نصر هذا القول نصراً مؤزراً في كتابه «زاد المعاد» (٥)، «وإعلام الموقعين» (٦)، فقد أطال البحث فيها, واستعرض نصوصها, ورد على المخالفين بما يكفي ويشفى.
وممن قال بها من مشايخنا سماحة شيخنا بن باز ﵀ (٧)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٨)، واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عباس المتقدم فإنه نص صريح لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات فإنه يوضح الحال التي كانت على عهد النبي ﷺ ، وهي أن الطلاق الثلاث كان يعد واحدة, كما استدلوا بحديث عَنِ ابن عباس قال: طَلَّقَ رُكَانَةُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا فَسَأَلَهُ=
стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ ». قَالَ: طَلَّقْتُهَا ثَلاثًا فَقَالَ «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ». قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ» فَرَاجَعَهَا (١).
وهذا الحديث اختلف في صحته: فقد صححه بعض أهل العلم منهم الإمام أحمد، قال ابن قدامة «فأما حديث ركانة فإن أحمد ضعف إسناده فلذلك تركه» (٢) , قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل في غيره من الروايات» (٣).
قلت: وهذا القول أن الثلاث دفعة تقع واحدة قول قوي، وهو قول من سمينا من أهل العلم من مشايخنا، ومع ذلك فالمسألة ما زالت محل نظر وتأمل عندي.
أما استدلال الجمهور من أهل العلم بحديث ابن عباس فقد أجيب عليه بأنه حجة لمن قال بعدم وقوع الثلاث لأن هذا كان حاله ﷺ فيه، وكذا أبو بكر وغيره من الصحابة.
أما ما ورد عن عمر ﵁ في جعل الثلاث تقع فهو اجتهاد من اجتهاد الأئمة.
والظاهر أنه من باب التعزير العارض، وهو يختلف باختلاف الأزمنة=
стр. 1894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والأمكنة، ولا يستقر تشريعاً لازماً لا يتغير, بل المستقر هو التشريع الأصلي لهذه المسألة.
ثم إن القول بوقوع الثلاث واحدة فيه رحمة للمسلمين ورفق بهم, لاسيما في هذه الأزمنة التي يحصل فيها هذا كثيراً مع غلبة الجهل، وضعف الوازع الديني، وقلة الفقه والعلم بهذه المسألة العظيمة.
أما احتجاج الجمهور بحديث فاطمة بنت قيس بأن أبا حفص لم يوقع الثلاث دفعة واحدة, وإنما ورد في صحيح مسلم «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ»، وفي رواية «فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت من طلاقها» «فَأَرْسَلَ إِلَى امرأتِه فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ مِنْ طَلاقِهَا» لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فكلمة «جميعاً» التي وردت في رواية الإمام أحمد أراد بها تأكيد العدد, لا الاجتماع في آن واحد.
أما حديث لعان عويمر وزوجته فأجيب عنه بما يلي:
أولاً: أن هذا التطليق وقع بعد الحكم بفرقة اللعان فيكون الطلاق مؤكداً للبينونة, أو قاله على سبيل الغيرة والتوكيد لكلامه, وأن ما رماها به صدق، ويدل على ذلك قوله «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا»، فهو بمنزلة اليمين.
ثانياً: على اعتبار تسليم أن الطلاق وقع, ولكنه ﷺ أنفذ تطليقات عويمر على الوجه الذي كان معروفاً في عهده ﷺ من اعتبار الثلاث واحدة, ثم حرمها عليه تحريماً مؤبداً بدليل آخر الحديث: «فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي=
стр. 1895
وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه (١)،
ــ
=الْمُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» (١)، هذا ما ذكره ابن القيم في «الهدى»، «وإعلام الموقعين»، وكذا ذكره أهل العلم ممن ذهب إلى القول بعدم وقوع الطلاق إذا تلفظ به في كلمة واحدة أو كلمات متعاقبات، وهذا كلام نفيس ينبغي لطالب العلم أن يتأمله كثيراً.
(١) قوله «وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه»: أي ويحرم كذلك طلاق المرأة المدخول بها في حال حيضها أو في طهر حصل فيه جماع بها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، واللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ للتوقيت، والمعنى إذا أردتم طلاقهن فليكن في الوقت الذي تستقبل به عدتها المعينة, وهذا هو الطلاق المشروع.
فالطلاق المشروع إذاً هو ما اجتمع فيه أربعة أوصاف هي:
١ - أن يكون مرة واحدة بأن يقول: «أنت طالق ويسكت» , أو يقول: «أنت طالق مرة واحدة».
٢ - أن يكون في طهر؛ فإن طلقها حال حيضها أو نفاس فإنه لا يسمى طلاقاً شرعياً.
٣ - ألا يكون جامع في هذا الطهر.
стр. 1896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤ - أن يتركها حتى تنقضي عدتها, فإن قال لها أنت طالق, وشرعت في العدة, ثم بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة أيام، قال أنت طالق فهذا طلاق غير مشروع بل هو طلاق بدعي، والعلة في تحريم ذلك أن المرأة إذا طلقها في الحيض فإنها لا تعتد بالحيضة التي طلقها فيها، فحينئذ لا تبتدئ العدة بالطلاق في هذه الحال, فما يكون مطلقاً للعدة, وإذا طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فإنها لا تدري هل تكون عدتها بالإقراء أو بالحمل؟ فتبقى متحيرة فلا يكون مطلِّقاً لعدة متيقنة.
وأيضاً من العلل في تحريم الطلاق في الحيض: أن الحيض حال نفرة وزهد في الوطء، وقد يندم في زمان الطهر عند توقان النفس إلى الجماع.
وقيل: لئلا تطول العدة لأن ما بقى من تلك الحيضة لا تعتد به المرأة فتكون كالمعلقة لا معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من الزوج.
وقيل: بأن العلة هنا تعبدية لا يعقل معناها, ونسب هذا القول شيخ الإسلام إلى بعض المالكية (١)، أما الأدلة على ذلك فهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٢)، والأمر في الآية للوجوب.
ومن السنة حديث ابن عمر ﵄ قال: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ مُرْهُ=
стр. 1897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (١)، وجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ تغيظ لطلاق ابن عمر ﵁ حال الحيض, ولا يغضب ﷺ إلا لأمر محرم.
وقد نقل ابن المنذر، وابن قدامة (٢)، والنووي (٣)، وغيرهم الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم, قال شيخ الإسلام: «أن الطلاق في الحيض محرم بالكتاب والسنة والإجماع, فإنه لا يعلم في تحريمه نزاع وهو طلاق بدعة» (٤).
وقول المؤلف «المدخول بها»: فيه احتراز من غير المدخول بها، فيجوز طلاقها حائضاً وطاهراً لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٦)، وغير المدخول بها لا عدة لها. =
стр. 1898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ومع القول بالتحريم طلق في الحيض أو في طهر أصابها فيه، فهل يقع هذا النوع من الطلاق؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن طلاق الحائض أو في الطهر الذي جامعها فيه يقع، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة، واحتج هؤلاء بحديث ابن عمر ﵄ قال: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (١).
فقوله «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» دليل على وقوع الطلاق في الحيض, لأن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وأيضاً ظاهر رواية البخاري المتقدمة دليل واضح على أنها حسبت عليه تطليقه.
القول الثاني: أن الطلاق حال الحيض لا يقع, وهو قول الظاهرية (٢)، واختاره ابن عقيل (٣) , وشيخ الإسلام (٤)، ونصره ابن القيم (٥)، =
стр. 1899
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - أن الطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الله تعالى لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١).
وقد أخرج النسائي عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، قال «قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ»، قال السيوطي: «بضم القاف والباء, أي إقبالها وأولها حين يمكنها الدخول بها والشروع وذلك حال الطهر» (٣)، وعلى ذلك الطلاق في الحيض خلاف ما أمر الله تعالى، فهو طلاق محرم فيكون باطلاً لقوله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٤) , والقاعدة في ذلك: «أن ما أذن فيه الشارع من الطلاق يقع, وما لم يأذن فيه الشارع فهو لاغ غير نافذ» , ولم يكن هناك فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه.
٢ - ما ورد عن طريق ابن الزبير أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَدَّهَا ﷺ =
стр. 1900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=عَلَىَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ» (١) , وأجابوا على أدلة القول الأول بما يلي:
قوله «فليراجعها»: معناه إمساكها على حالها الأول, لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعاً, فهو ملغي والنكاح بحاله, والأولون حملوا الرجعة على المعنى الاصطلاحي.
أما استدلالهم بقوله «فحسبت عليه تطليقه»: ليس فيه دليل, لأنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ .
أما قوله «فلم يرها شيئاً»: فهو مرفوع صريح في عدم الوقوع.
والقول بأن هذا النوع من الطلاق، أعنى طلاق الحائض أو في طهر أصابها فيه لا يقع، وهو اختيار الشيخين رحمهما الله (٢).
وقد سبق أيضاً أنه اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وهو أيضاً فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة (٣).
ومع ذلك فالمسألة ما زالت محل نظر وبحث عندي، وما يرد فيها من المسائل الواقعية نحيله على سماحة المفتي والسلامة لا يعدلها شيء.
стр. 1901
لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيْضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا» (١)، وَالسُّنَّةُ فِيْ الطَّلاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (٢)،
ــ
(١) قوله «لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيْضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا» (١): هذا الحديث متفق عليه، وهو عمدة في كتاب الحيض، وقد سبق الإشارة إليه في ثنايا شرحنا.
(٢) قوله «وَالسُّنَّةُ فِيْ الطَّلاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا»: هذا هو طلاق السنة وصفته كما ذكر المؤلف أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه طلقة واحدة, ثم يدعها حتى تنقضي عدتها, لكن لو قال المؤلف ﵀ «في طهر لم يصبها فيه ولم يتبين حملها» لكان أولى لأنه إن تبين حملها جاز طلاقها, ولو كان قد جامعها لأنه يكون مطلقاً للعدة, وعلى هذا نقول بأن القيود التي يعتبر فيها الطلاق قد وافق السنة خمسة، وهي:
١ - أن يطلقها مرة واحدة. =
стр. 1902
فَمَتَى قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَهِيَ فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ (١)،
ــ
=٢ - أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
٣ - أن لا يطلقها وهي حائض أو نفساء.
٤ - تركها حتى تنقضي عدتها.
٥ - أن لا يتبين حملها.
- فائدة: المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً لا يجوز لها أن تخرج من بيت زوجها: بل الواجب أن تبقى في بيت الزوج خلافاً لما عليه واقع الناس اليوم وذلك لقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١)، فلا يجوز أن تخرج المطلقة طلاقاً رجعياً من بيت الزوج حتى تنقضي عدتها لأنها ما زالت زوجة.
بل قال أهل العلم ينبغي لها أن تتزين، وأن تتعرض له لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (٢)، أي ميلاً في قلب الزوج فيرجع عن طلاقه ويراجعها.
(١) قوله «فَمَتَى قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَهِيَ فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»: أي إذا قال لزوجته أنت طالق للسنة فقد علقه على ما سبق بيانه من الطلاق السني وهو الذي توفرت فيه القيود الخمسة السابقة, فإنه متى قال لزوجته ذلك «أنت طالق للسنة»، فإن الطلاق يقع لأنه=
стр. 1903
وَإِنْ كَانَتْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه أَوْ حَيْضٍ (١)، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الحَيْضَةِ (٢)، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ (٣)،
ــ
=قيده على أمر وقد تحقق.
(١) قوله «وَإِنْ كَانَتْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه أَوْ حَيْضٍ»: أي وإن كانت الطلقة التي قالها وهي قوله «طالق للسنة» إن كانت في طهر أصابها فيه أو حيض فإنها لم توافق الوصف في الطلاق السني، فهنا ماذا يكون؟ قال المؤلف.
(٢) قوله «لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الحَيْضَةِ»: أي لم تطلق المرأة إذا كان طلاقها غير موافق للسنة حتى تحيض ثم تطهر لأن طلاقها كان على صفة غير مشروعة فلم تطلق حتى تطهر فإذا طهرت من هذه الحيضة وقع عليها هذا الطلاق.
(٣) قوله «وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»: الطلاق البدعي هو ما فقد قيداً من القيود السابقة وهو نوعان: بدعي من جهة العدد, وبدعي من جهة الوصف, فالذي يكون من جهة العدد هو ما سبق ذكره أن يطلقها ثلاثاً دفعة واحدة كأنت طالق, أنت طالق, أنت طالق, أو يقول أنت طالق بالثلاث فهذا طلاق بدعي، وقد سبق الإشارة إليه.
وكذلك الطلاق البدعي الذي من جهة الوصف كأن يطلقها في حال =
стр. 1904
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيْبَهَا أَوْ تَحِيْضَ (١)، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُوْلِ بِهَا (٢)،
ــ
=الحيض أو في ظهر جامعها فيه وقد مر ذلك، لكن هل يقع الطلاق البدعي؟ سبق بيان ذلك مفصلاً.
(١) قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيْبَهَا أَوْ تَحِيْضَ»: أي وإن لم تكن الزوجة التي قام بطلاقها وقت قول الزوج أنت طالق للبدعة بأن كانت في طهر جامعها فيه أو في حال الحيض فإنها لم تطلق حتى يصيبها زوجها أو تحيض وذلك لأن الصفة التي علّق عليها الطلاق لا تتحقق إلا في هاتين الحالتين فلا يقع الطلاق إلا بوجود أحدهما.
(٢) قوله «فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُوْلِ بِهَا»: أي إن كانت المرأة غير مدخول بها فلا سنة لطلاقها ولا بدعة, فمتى قال لها: «أنت طالق للسنة»، أو «أنت طالق للبدعة»، فإنها تطلق لأنها لا تلزمها العدة في الطلاق لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) وهذه لا عدة لها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (٢)، فهذه لا عدة لها. فمتى تزوج الرجل امرأة وعقد عليها ولم يدخل بها ولم يخلو بها أيضاً، وبعد مضى شهر أو أكثر طلقها وهي حائض, فالطلاق ليس بحرام بل هو جائز ولا شيء عليه, لأن هذه المرأة لا عدة=
стр. 1905
وَالحَامِلُ الَّتِيْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا (١)، وَالآيِسَةُ وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ (٢)،
ــ
=لها تبقى بتطويلها أو الارتياب فيها.
(١) قوله «وَالحَامِلُ الَّتِيْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا»: أي وكذلك الحامل التي تبين حملها لا سنة ولا بدعة لطلاقها, لأنه إذا طلقت فقد طلقت لعدتها, لأن عدتها تكون بوضع حملها حتى ولو كانت تحيض لأن بعض النساء كما سبق في كتاب الحيض يحضن مع وجود الحمل عند بعض أهل العلم لا سيما إذا وافق حيضها مع الحمل عادتها وكان الدم النازل فيه مواصفات مطابقة لمواصفات دم الحيض من حيث اللون والرائحة وغير ذلك.
فهذه عدتها أيضاً تكون بوضع حملها، فإذا طلقت وهي حامل فلا نقول طلاق سنة ولا نقول طلاق بدعة لأنها طلقت للعدة, إذ أن عدتها تكون من حين طلاقها أي تبتدئ بها.
فالحاصل أنه متى قال للحامل أنت طالق للسنة أو أنت طالق للبدعة فتطلق في الحال كمن قال أنت طالق ولم يزد.
(٢) قوله «وَالآيِسَةُ وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ»: وهي التي انقطع عنها دم الحيض ولا ترجوا رجوعه, وهل هناك حد لسن الإياس؟
نقول: تقدم في باب الحيض أنه لا حد لسن الإياس على القول الصحيح، فمتى وجد الأذى يعني الحيض فهو حيض.
فهذه ليس لطلاقها سنة ولا بدعة فتطلق في الحال كسابقتها.
стр. 1906
وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ، فَلا سُنَّةَ لَهَا وَلا بِدْعَةَ (١)،
ــ
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: المرأة التي أزيل عنها الرحم فهذه لا سنة لطلاقها ولا بدعة، فمتى طلقها جاز حتى ولو كان قد جامعها, لأنها لا حيض لها حتى تعتد به.
- الفائدة الثانية: المرأة التي أمتنع حيضها لرضاع فإن لها سنة وبدعة, لأنها غير آيسة، فمتى فطمت ولدها وعاودها الحيض فهي غير آيسة فطلاقها له سنة وله بدعة, وكذلك المرأة التي ارتفع عنها الحيض لمرض أصابها لطلاقها سنة وبدعة.
(١) قوله «وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ، فَلا سُنَّةَ لَهَا وَلا بِدْعَةَ»: هذا هو النوع الرابع والأخير ممن ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة، وهي التي لم تحض، وهي الصغيرة التي لم يأتها الحيض، فلا يوصف طلاقها بسنة ولا بدعة, فيجوز طلاقها في جميع الأوقات لأن عدتها لا تطول لأي سبب، ولأنه لا ريبة لها ولا ولد يندم على فراقه.
فهؤلاء الأربع المذكورات آنفاً طلاقهن لا يوصف بكونه طلاقاً سنياً ولا طلاقاً بدعياً، فمتى قال لها: «أنت طالق» طلقت.
لكن لو قيل بأن طلاقهن سني من جهة وبدعي من جهة أخرى لكان هذا أضبط, فإنه يوصف بكونه طلاق سنة, لأنه طلاق جائز ليس بطلاق بدعة بالإجماع، هذا من جهة كونه طلاقاً سنياً.
أما من جهة كونه طلاقاً بدعياً فهو من جهة العدد, فلو طلق هؤلاء الأربع ثلاث طلقات متعاقبات كقوله لواحدة منهن أنت طالق, أنت طالق,=
стр. 1907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أنت طالق فهنا طلق للبدعة من جهة العدد لأنه سد على نفسه باب المراجعة.
فالصواب بلا شك أن البدعة العددية في طلاق هؤلاء الأربع ثابتة (١).
стр. 1908
بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِ»: نقول ألفاظ الطلاق قسمان صريحة وهي الألفاظ الموضوعة له التي لا تتحمل غيره وهي لفظ الطلاق وما تصرف منه من فعل ماضي, مثل: «طلقتك»، واسم فاعل مثل: «أنت طالق» , واسم المفعول مثل: «أنت مطلقة» دون المضارع، والأمر مثل: «أنت تطلقين أو اطلقي» , واسم الفاعل من الرباعي: «أنت مطلِّقة»، فهذه الألفاظ الثلاثة لا يقع بها الطلاق لأنها لا تدل على إيقاعه.
الثاني: ألفاظ كناية, وهي الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره كأن يقول لها: أنت خلية، وبرية، وبائن، وأنت حرة، أو اخرجي، أو ألحقي بأهلك، أو الباب يسع جملاً، أو الدار لها سبعة أبواب وهكذا.
و الفرق بين الألفاظ الصريحة وألفاظ الكناية أن الألفاظ الصريحة يقع بها الطلاق ولو لم ينوه، سواء كان جاداً أو هازلاً أو مازحاً لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ» (١)
أما ألفاظ الكناية فلا يقع بها الطلاق إلا إذا نواه نية مقارنة للفظة لأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وتحتمل غيره من المعاني، فلا تتعين للطلاق إلا=
стр. 1909
صَرِيْحُهُ: لَفْظُ الطَّلاقِ (١)، أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُكَ (٢)،
ــ
=بنية، فإذا لم ينوي الطلاق فلا يقع، وسيأتي في ثنايا شرحنا ما ذكرناه أنفاً.
- فائدة: قال الفقهاء: يمكن تقسيم ألفاظ الكناية في الطلاق إلى قسمين:
الأول: ظاهرة جلية: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة لأن معنى الطلاق فيها أظهر «كأنت برية»، أو «أنت خلية»، و «بائن»، ونحو ذلك.
الثاني: خفية: وهي الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة وألفاظها كثيرة نحو «ألحقي بأهلك»، «ولا حاجة لي فيك»، «واستبرئي»، «ولست لي بامرأة»، «واعتدي»، «واخرجي»، «وأنت حرة»، وغير ذلك.
(١) قوله «صَرِيْحُهُ: لَفْظُ الطَّلاقِ»: أي ألفاظ الطلاق الصريحة الذي لا يفهم منها غيره أي مالا تحتمل غير لفظ الطلاق ثلاثة ألفاظ، وهي كما قال المؤلف.
(٢) قوله «أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُكَ»: فهذه هي الألفاظ الثلاثة التي تتصرف من لفظ الطلاق، وهي:
١ - ما كان على اسم فاعل كقوله: «أنت طالق».
٢ - ما كان على اسم المفعول كقوله: «أنت مطلَّقة».
٣ - ما كان على فعل ماضي كقوله: «طلقتك»، وما سوى هذه الثلاثة لا يقع بها الطلاق لأنها لا تدل على وقوعه.
стр. 1910
وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ (١)، وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَحْتَمْلُ الطَّلاقَ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ»: أي وإن لم ينو الطلاق مثل لو قال لزوجته: «أنت طالق»، وما نوى شيئاً، ولا نوى الطلاق، وهو يعرف معنى ما يقوله فإنها تطلق، وذلك لأنه فراق معلق على لفظ فحصل به، هذا هو المشهور من المذهب.
وفي رواية أخرى عن الأمام أحمد أنه لا يقع إلا بنية، أو قرينة غضب، أو سؤالها، ونحوه.
والقول الأول هو الصواب، وعليه جمهور الفقهاء.
(٢) قوله «وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَحْتَمْلُ الطَّلاقَ»: أي وما عدا لفظ الطلاق فإنه يكون كناية لا يقع بها الطلاق إلا أن ينويه, لكن يقع بلفظ «السراح والفراق» لكونهما جاءا في القرآن بمعنى الطلاق في قوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (١)، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣).
فهذه الآيات صريحة في الطلاق لأنها وردت في القرآن بهذا المعنى أي بمعنى الطلاق.
و هل يعد التلفظ بها طلاقاً دون اعتبار النية ؟
نقول هذه المسألة على قولين (٤):
стр. 1911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: أن هذين اللفظين «السراح والفراق» لفظان صريحان في الطلاق فيقع بهما الطلاق دون اعتبار النية، فهما صريحان في الطلاق، فلو قال الرجل لزوجته «فارقيني»، أو «سرحتك»، فإن هذا طلاق ولا ينظر في ذلك إلى النية، وهذا ما صرح به بعض الحنابلة في كتبهم كما في «دليل الطالب» مثلاً، وهو قول المالكية (١).
القول الثاني: في المسألة وهو المذهب، واختارها شيخ الإسلام (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة (٣)، وقول للشافعي (٤) أن هذين اللفظين لا بد من اعتبار النية فيهما كغيرهما فلا يكونان صريحين فيه, كسائر الكنايات، قال شيخ الإسلام ﵀: «أما قولهم إن هذه الألفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس بصحيح كذلك، بل لفظ السراح والفراق في القرآن مستعمل في غير الطلاق» (٥).
قلت: وهذا هو الصواب، أي أن لفظتي السراح والفراق لا يكونان طلاقاً إلا أن ينويهما صاحبهما، فهما من ألفاظ الكناية وليسا من صريح الطلاق.
стр. 1912
فَكِنَايَةٌ لا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ (١)، فَلَوْ قِيْلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لا، يَنْوِيْ الكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ (٢)،
ــ
(١) قوله «فَكِنَايَةٌ لا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ»: أي ما عدا لفظ الطلاق وما يتصرف منه من الألفاظ التي سبق ذكرها فغيرها كناية لا يحصل بها الطلاق إلا أن ينويه، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
و هل جميع الكنايات تفتقر إلى نية لحصول الطلاق بها ؟
نقول في ذلك قولان في المذهب (١):
الأول: يتعين للطلاق بالكنايات النية لإرادته له، فإن لم ينو لم ينصرف اللفظ إلى الطلاق فلا يقع به لعموم قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢).
القول الثاني: أن الكناية الظاهرة يقع بها الطلاق من غير نية، واختار هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز، وقال القاضي إنه ظاهر كلام الإمام أحمد، ونسبه ابن قدامه للإمام مالك (٣) لأنها مستعملة في الطلاق فصارت كالصريح.
قلت: والصواب أن جميع الكنايات سواء كانت ظاهرة أو خفية لا يحصل بها الطلاق إلا أن ينويها، وسيأتي في كلام المؤلف بيان ذلك.
(٢) قوله «فَلَوْ قِيْلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لا، يَنْوِيْ الكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ»: أي فلو سئل ألك امرأة؟ فقال لا. فهذا فيه تفصيل: =
стр. 1913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=إن أراد الطلاق وقع, وإن أراد الكذب فلا يقع, لأن هذا خبر كاذب لا يقع به الطلاق, فإن لم يرد لا الطلاق ولا الكذب أي لم يرد شيئاً فأيضاً لا تطلق لأنها كناية تفتقر إلى نية.
فإن قيل: لماذا يقع به الطلاق مع النية؟
الجواب: لأنه كما سبق كناية، وهي محتملة للطلاق، فما دام أن اللفظ يحتمله ونواه فإنه يقع، فإن كان اللفظ لا يحتمل الطلاق ونوى به طلاقاً كأن يقول: «يا قصيرة, يا طويلة»، وقال نويت بكلامي هذا الطلاق فإنها لا تطلق لأن هذه الصيغ لا تحتمل الطلاق، فلا تطلق وإن نوى به طلاقاً.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: إذا كتب صريح طلاق امرأته بما يبين وقع وإن لم ينوه، لأنها صريحة فيه، مثل لو كتب: «امرأتي فلانة طالق»، فإنها تطلق، وقولنا «مما يبين احترازاً مما لو كتبه بما لا يبين»، مثل أن يكتب بأصبعه على جدار، أو على الماء، أو على الهواء فلانة - يعنى زوجته - طالق.
فظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا يقع، وفي قول آخر في المذهب أنه يقع، لأنه كتب حروف الطلاق أشبه كتابته بما يبين.
قال الفقهاء: فإن قال ما أردت إلا غم أهلي، أو تجويد خطي، أو إنما أردت أن أتعلم الكتابة وما أردت إلا ذلك فإنه يقبل منه ولا تطلق,=
стр. 1914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وظاهر كلام الإمام أحمد أنها تطلق لأن ذلك لا ينافي الوقوع فيغم أهله بوقوع الطلاق بها، والأول هو الأظهر، لكن ذلك مشروط بموافقة المرأة، فإن رضيت المرأة به، وإلا فالحاكم يلزمه بالطلاق.
فإن كانت القرينة تُكذِّب قوله فإنه لا اعتبار بقوله، فإن طلبت المرأة منه أن يطلقها فكتب لها «أنت طالق» ثم أدعى ما أردت إلا غمّ أهلي فإنه لا يقبل لأن القرينة تُكذب دعواه.
- الفائدة الثانية: إذا طلبت منه زوجته أن يطلقها، فكتب لها ما لم يكن ظاهره الطلاق كأن يكتب إذا اشتاقت امرأتي إليَّ فلتتفضل وأعطاها الورقة، فظنت أن هذا هو الطلاق, فلما مضت العدة قالت لأهلها إن زوجها طلقها، وظنوا أن ما كتبه في الورقة طلاقاً فلما فتحوها وجدوا هذا اللفظ فإنها لا تطلق مع وجود قرينة الطلاق لأن اللفظ لا يحتمل أن يكون طلاقاً فلم تطلق.
- الفائدة الثالثة: إذا قالت له زوجته طلقني فقال لها بعد يومين, فإذا مضى اليومان أو الثلاثة ولم يطلق، فما يكون شيئاً, لأن الوعد ليس إيقاعاً, وهذا يحصل من الناس كثيراً حيث يقول الرجل لزوجته اذهبي لأهلك وأنا أكتب ورقتك، أو سوف تلحقك ورقتك، ثم بعد ذلك لا يكتب الطلاق.
فإذا لم ينو الطلاق قي قوله اذهبي لأهلك فإنه يعتبر وعداً، إن كتبه فيما بعد وقع وإلا فلا.
стр. 1915
وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، طَلُقَتْ وَإِنْ نَوَى الكَذِبَ (١)،
ــ
- الفائدة الرابعة: إذا جاء إلى كاتب وقال له أكتب لي طلاق زوجتي فلانة, فهل تطلق بهذا القول أم لا حتى يكتب ؟
نقول إن كان يريد منه أن يكتب منه طلاقاً سابقاً وقع منه, فهنا وقع الطلاق بالكلام السابق, ويكون الأمر هنا للتوثيق فقط, أما إذا قال أكتب طلاق زوجتي, كوكيل له أن يطلقها الآن, فإنها لا تطلق حتى يكتبه, لأنه وكله في إيقاع الطلاق بالكتابة، ولم تحصل.
فنقول ما دام لم يكتب فلا يكون شيئاً، ولهذا لو قال له اكتب طلاق زوجتي فللكاتب أن يقول هل هي طاهر طهراً لم تمسها فيه؟ هل هي حائض؟ هل هي حامل؟ حتى يتبين الوقت الذي يحل فيه الطلاق ثم يكتب على حسبه، وله أيضاً أن يشير عليه، فيقول، انتظر فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١)(٢).
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، طَلُقَتْ وَإِنْ نَوَى الكَذِبَ»: أي إن قيل ألك امرأة؟ فقال طلقتها، أو طلقت ينوي بذلك الكذب فإنها تطلق وإن لم ينو، لأن نعم صريح في الجواب، والجواب الصريح للفظ الصريح صريح، بخلاف ما لو قال له ألك امرأة؟ فقال لا يريد الكذب كما سبق فإنها لا تطلق إن لم ينو به الطلاق، لأنه كناية تفتقر إلى نية، ولم توجد.
стр. 1916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- فائدة: في طلاق الهازل: الطلاق يقع من الجاد والهازل؛ فهم في الحكم سواء، والفرق بينهما أن الجاد قصد اللفظ والحكم، والهازل قصد اللفظ ولم يقصد الحكم، وقد اتفق الفقهاء على صحة طلاق الهازل - المازح - وهو من قصد اللفظ، ولم يرد ما يدل عليه حقيقة أو مجازاً وذلك لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ» (١)، ولأن الطلاق ذو خطر كبير باعتبار أن محله المرأة، وهي إنسان، والإنسان أكرم مخلوقات الله تعالى، فلا ينبغي أن يجري في أمره الهازل، ولأن الهازل قاصد للفظ الذي ربط به الشارع وقوع الطلاق فيقع الطلاق بوجوده مطلقاً.
وقال بعض الفقهاء: إن طلاق الهازل لا يقع لأنه لم يرده إنما أراد اللفظ فقط. والصواب: أنه يقع وهو قول عامة الفقهاء سواء كان جاداً أو هازلاً وذلك للحديث المتقدم ولما ذكره أهل العلم من الاستدلالات المتقدمة، ولأن القول بوقوعه فيه فائدة تربوية وهي كبح جماح المتلاعنين، فإذا علم الإنسان الذي يلعب بالطلاق وشبهه أنه مؤاخذ به فما يقدم عليه أبداً، والقول بأنه غير مؤاخذ به لا شك أنه يفتح باباً للناس أن يتخذوا آيات الله هزواً، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (٢). =
стр. 1917
وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَتْلَةٌ (١)،
ــ
=قال الإمام الخطابي (١) «اتفق عامة أهل العلم على أن صريح الطلاق إذا جرى على لسان الإنسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول كنت لاعباً أو هازلاً، أو لم أنو طلاقاً فإذا أتى بالطلاق بصريح لفظه مازحاً فإن طلاقه يقع».
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَتْلَةٌ»:
شرع المؤلف هنا في بيان القسم الأول من الكنايات وهي الكناية الظاهر، فبين بعض ألفاظها وبين حكمها، فبدأ «بالخَلِيَّة»، والخَلِيَّة من النساء: هي الخالية من الزوج، فإذا قال لها «أَنْتِ خَلِيَّةٌ» فيحتمل معنى الطلاق، وتحتمل معنى آخر، فإذا نوى الطلاق، فإن الطلاق يقع.
أو قال لها «أَوْ بَرِيَّةٌ»، البرية: معناها البراءة من النكاح، وهذا يقتضي الخلو من النكاح، فيفيد معنى الطلاق ويقع منه إذا نواه.
أو قال لها أنت «بَائِنٌ»، والبائن من البين: وهو الفراق أي منفصل أو مفارق لك.
أو قال لها أنت «بَتَّةٌ»، والبتة: من البتر، وهو القطع كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ (٢)، أي الأقطع، فيقال البتة أي مقطوعة من النكاح.
وكذلك إذا قال لها أنت «بَتْلَةٌ» البتلة من البتل، وهو قطع الوصل، =
стр. 1918
يَنْوِيْ طَلاقَهَا طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا (١)،
ــ
= ويقال منقطعة لذلك سميت مريم بالبتول لانقطاعها عن النكاح.
فهذه الصيغ كناية ظاهرة عن صريح الطلاق، وهذه الألفاظ ليست على سبيل الحصر وإنما هي على سبيل التمثيل.
(١) قوله «يَنْوِيْ طَلاقَهَا طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا»: بين المؤلف هنا الشرط والحكم في الكناية الظاهرة، فيشترط في وقوع الطلاق بالكناية على المذهب أن ينوي الطلاق بنية مقارنة اللفظ، فإن كانت النية تسبق اللفظ بزمن بعيد فلا يحصل بذلك الطلاق بل لابد أن تكون مقارنة له، أو قبله بزمن يسير، وإن كانت كذلك بعده فإنه لا يحصل بها الطلاق فيتعين للطلاق بالكناية إرادته له، فإن لم ينو لم ينصرف إلى الطلاق أي فلا يقع به شيء، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
وقوله «طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا»: أي يقع الطلاق باللفظ الظاهر بالكناية ثلاث طلقات، أي تبين منه المرأة, هذا إذا ما نوى، فإن نوى أقل من ذلك أي طلقة أو طلقتين فإن له ما نوى, وعلى ذلك إن نوى بقوله: «أنت خلية»، أو «أنت برية»، أو «أنت بائن»، وما أشبه ذلك وينوي واحدة فإنها لا تقع إلا واحدة، وإن نوى اثنتين تقع اثنتان.
والقول الآخر في المذهب (١): أنه يقع ثلاثاً وإن نوى واحدة.
والقول الثالث: أنها تقع واحدة إلا أن ينوى ثلاثاً، فإذا قال: «أنت خلية»، أو «أنت برية»، أو «أنت بائن»، ونحو ذلك من الألفاظ =
стр. 1919
وَمَا عَدَا هَذِهِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلاثاً (١)،
ــ
= السابقة فإنها تقع واحدة ما لم ينوي أكثر من ذلك.
واختار شيخنا ﵀ (١) أن الطلاق لا يقع بالكناية ظاهرة كانت أم خفية إلا واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك أي حتى لو نوى ثلاثاً لأن الطلاق لا يتكرر إلا بتكرره فعلاً، ولا يتكرر فعلاً إلا على زوجة غير مطلقة.
(١) قوله «وَمَا عَدَا هَذِهِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلاثاً»: أي وما عدا ألفاظ الكنايات الظاهرة فإنها لا تكون إلا واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً، وهذا فيه إشارة إلى الكنايات الخفية، والكنايات الخفية نحو اخرجي، واذهبي، وتجرعي، واعتدي، واستبرئي، واعتزلي، ولست لي بامرأة، والحقي بأهلك، وما أشبه ذلك، فهذه الألفاظ كناية خفية على المذهب.
فمتى قالها الزوج لزوجته إن نوى بها طلاقاً فلا تقع إلا طلقة واحدة، ما لم ينو أكثر, وهذا عكس الكناية الظاهرة فهي ثلاثاً إلا أن ينوي الأقل من الثلاث.
وذهب شيخنا ﵀ كما سبق أن جميع الكنايات لا تقع إلا واحدة سواء نواها أو لم ينوها، فكما أن الطلاق ثلاثاً لا يقع إلا واحدة، فكذلك هنا الكنايات لا تقع إلا واحدة.
стр. 1920
وَإِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً (١)، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»: أي لو خير زوجته فقال لها اختاري فخيرها أن تبقى معه زوجة، وبين أن يطلقها فاختارت الطلاق أي اختارت نفسها فإنه يقع طلقة واحدة.
ومع القول بوقوعه طلقة واحدة إلا إننا نقول بأنه لا ينبغي للرجل أن يقول للمرأة اختاري لنفسك، لأن المرأة كما هو معلوم ناقصة عقل ودين فقد تتعجل وتختار فراق الزوج وتحصل الفرقة ثم سرعان ما تندم المرأة ويندم الرجل.
ولذا جعل الله العصمة في هذه الأمور بيد الرجل وذلك لحسن تصرفه في الأمور خلاف المرأة.
فالحاصل: إن خيّر المرأة في الفراق أو البقاء فإن اختارت الفراق فلا يكون إلا طلقة واحدة.
وهل هي واحدة، رجعية أم هي بائنة؟
قلت: سيأتي الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.
(٢) قوله «وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ»: أي إن خيرها فاختارت البقاء معه لم يحصل بذلك طلاق ولا شيء لكن لا بد أن يكون ذلك في المجلس إلا أن يجعله لها فيما بعد كما سيذكر ذلك المؤلف.
стр. 1921
قَالَتْ عَائِشَةٌ ﵂: قَدْ خَيَّرَنا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، أَفَكَانَ طَلاقاً (١)،
ــ
(١) قوله «قَالَتْ عَائِشَةٌ ﵂: قَدْ خَيَّرَنا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، أَفَكَانَ طَلاقاً» (١): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم «فعَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنِ الْخِيَرَةِ فَقَالَتْ خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَفَكَانَ طَلاقًا قَالَ مَسْرُوقٌ لا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً، أَوْ مِئَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي».
هذا الحديث فيه دليل على أن من خيَّر زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق.
قال ابن حجر ﵀ (٢): «وبقول عائشة المذكور يقول جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهو أن من خيّر زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق.
لكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها هل يقع واحدة رجعية أو بائناً أو يقع ثلاثاً؟
وحكى الترمذي عن علي إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية.
وعن زيد بن ثابت إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة.
وعن عمر وابن مسعود إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنهما =
стр. 1922
وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إِلاَّ فِي الْمَجْلِسِ (١)،
ــ
= رجعية، وإن اختارت زوجها فلا شيء ... »، ثم ذكر أقوال أصحاب المذاهب في هذه المسألة.
والصواب عندي: أنها إن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة رجعية على الصحيح، وهو اختيار شيخنا (١).
فقد جاء عن علقمة قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَتْ: لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِكَ مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ فَقُلْتُ: إِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِنْ أَمْرِكِ بِيَدِكِ قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ طَلَّقْتُكَ ثَلاثًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُرَاهَا وَاحِدَةً وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا وَسَأَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ فَأَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَلَقِيَهُ فَسَأَلَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ فَعَلَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ يَعْمِدُونَ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ بِأَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ بِأَيْدِي النِّسَاءِ بِفِيهَا التُّرَابُ بِفِيهَا التُّرَابُ فَمَا قُلْتَ قَالَ قُلْتُ: أُرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَلَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَرَأَيْتُ أَنَّكَ لَمْ تُصِبْ» (٢).
(١) قوله «وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إِلاَّ فِي الْمَجْلِسِ»: أي إذا خيرها زوجها بين فراقه والبقاء معه، فإنها تختار في المجلس، فإما أن تختار نفسها فتطلق طلقة واحدة، أو تختار البقاء مع زوجها، أو أن تسكت فلا تختار فلا يقع شيئاً.
стр. 1923
إِلاَّ أَنْ يَجْعَلُهُ لَهَا فِيْمَا بَعْدَهُ (١)، وَإِنْ قالَ لَهَا: أَمْرُكَ بِيَدِكِ، أَوْ طَلِّقِيْ نَفْسَكِ، فَهُوَ فِيْ يَدِهَا (٢)،
ــ
=لكن لابد كما ذكرنا أن يكون ذلك في المجلس إلا أن يجعله فيما بعد كما سيأتي في كلام المؤلف.
ووجه كونه في المجلس لأنه يشبه الإيجاب والقبول، فكما أن الإيجاب والقبول في صيغ العقود لابد أن يكون على الفور فكذلك هنا. وفي رواية أخرى في المذهب (١) أنه على التراخي لحديث عائشة ﵂ لما خيّرها رسول الله ﷺ قال لها: «وَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» (٢).
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَجْعَلُهُ لَهَا فِيْمَا بَعْدَهُ»: كأن يقول لها اختاري لنفسك متى شئت فلا تختص بالمجلس وذلك لحديث عائشة المتقدم فإن النبي ﷺ خيّرها وأمرها أن تتروى وتستشير أبويها.
فالحاصل أن الاختيار الأصل فيه أنه لا يكون إلا في المجلس ما لم يزدها الزوج فيقول لها متى شئت اليوم أو بعد يومين، وهكذا.
(٢) قوله «وَإِنْ قالَ لَهَا: أَمْرُكَ بِيَدِكِ، أَوْ طَلِّقِيْ نَفْسَكِ، فَهُوَ فِيْ يَدِهَا»: أي إذا قال الرجل لزوجته أمرك بيدك، أو طلقي نفسك فهو في يدها، فكأنه وَكَّلها في تطليق نفسها، وهذا يجوز كتوكيل الأجنبي، وهذا بلا نزاع.
стр. 1924
حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ (١)،
ــ
(١) قوله «حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ»: أي حتى يفسخ الزوج الوكالة بالقول أو بالفعل فيقول مثلاً تراجعت عن الوكالة، أو يقول تراجعت عن قولي أمري بيدك أو طلقي نفسك، أو بالفعل بأن يطأ هذه الزوجة فإنه بالوطء تنفسخ الوكالة، وفي رواية أخرى في المذهب (١) أن الوطء لا يبطل خيارها لأنه قد يطأ مع عدم تراجعه عن تخييرها، وهذا هو الأقرب عندي.
ذكر بعض الفوائد الهامة على ما سبق:
- الفائدة الأولى: فيمن طلق بقلبه ولم ينطق ذلك بلسانه: من أضمر في نفسه أن يطلق زوجته فإنه لا يقع الطلاق لقوله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٢)، قال قتادة إذا طلق في نفسه فليس بشيء» (٣) وهذا الرجل حدث نفسه بالطلاق فلا يقع، ولأن الطلاق فسخ، والفسخ لابد أن يكون باللفظ كالعقد.
- الفائدة الثانية: من حرك به لسانه دون أن يتلفظ به لم يقع الطلاق على القول الصحيح بخلاف ما لو تلفظ به فإنه يقع منه.
- الفائدة الثالثة: من كان مصاباً بالوسواس وجرى لسانه بدون قصد كأن يقول زوجتي طالق فما يقع الطلاق، ولو أنه قصده فقال أريد أن أتخلص من هذا الوسواس فقال زوجتي طالق قاصداً له فإنها أيضاً لا تطلق، =
стр. 1925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=لأنه مغلق عليه، وقد ورد: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» (١).
- الفائدة الرابعة: لا يقع الطلاق من الزوج أو من وكيله إلا بتلفظ به ، فلو نواه بقلبه لم يقع حتى يتلفظ ويحرك به لسانه كما سبق في الفائدة الأولى، لكن يقع في حالتين دون تلفظه:
الأولى: إذا كتب صريح الطلاق كتابة تقرأ ونواه وقع، وإن لم ينوه فهذا محل خلاف هل يقع أم لا؟ وأكثر أهل العلم على وقوعه، وهو الراجح.
الثانية: يقع الطلاق من دون تلفظ بإشارة الأخرس المفهومة أنه طلق.
стр. 1926
بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْطِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْط»: أي ترتيب الطلاق على شيء يحصل في المستقبل «بإن وإحدى أخوتها»، أو على شيء حصل.
مثال ما سيحصل: يقول لها إن كلمت زيداً فأنت طالق ,أما ما يكون على شيء ماضي مثل أن يقول لها إن كنت قد كلمت زيداً فأنت طالق.
إذاً فالتعليق يكون على شيء قد مضى أو على شيء في المستقبل.
- فائدة: تعليق الطلاق بالشروط ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون شرطاً محضاً فيقع به الطلاق على كل حال, كأن يقول لها إن غربت الشمس فأنت طالق، فإذا غربت الشمس طلقت لأنه علقه على شيء محض.
القسم الثاني: أن يكون يميناً محضاً فلا يقع به الطلاق, وفيه كفارة يمين مثل أن يقول إن كلمت زيداً فامرأتي طالق, وهو يقصد الامتناع عن تكليم زيد، فهذا يمين محض، لأنه لا علاقة بين كلامه زيداً وتطليقه امرأته.
القسم الثالث: أن يكون محتملاً الشرط المحض واليمين المحض، كأن يقول لزوجته: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فهذا يحتمل أمرين:
الأول: الطلاق بمعنى أنه إذا خالفت أمره فخرجت فإن نفسه تطيب منها حينئذ يكون قد أراد طلاقها فهنا يكون طلاقاً.
الثاني: أن يكون مراده من ذلك تهديد المرأة ويريد أن يمنعها من الخروج مع رغبته فيها، فإذا خرجت في هذه الحال فإنها لا تطلق لأن هذا يراد =
стр. 1927
يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ (١)،
ــ
= به اليمين، وقد قال رسول الله ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١)، وجعل الله التحريم يميناً، لأن المحُرِّم يريد المنع أو الامتناع من الشيء، فدل هذا على أن ما قصد به الامتناع وإن لم يكن بصيغة القسم فإن حكمه حكم اليمين (٢).
(١) قوله «يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ»: أي يصح أن يعلق طلاقه على حصول أمر يختاره، وكذا عتقه كأن يقول: «إن خرجت من البيت فأنت طالق»، أو يقول: «إذا جاء شهر كذا فأنت طالق» , أو يقول: «إن لم أفعل كذا فعبدي حر»، أو «إن فعلت كذا فعبدي حر»، ونحو ذلك من التعليقات، فإنه يصح فيه الطلاق والعتق عند حصول ما علق عليه كما سبق. و هل يقع الطلاق أو العتق إذا تحقق ما علق عليه, سواء كان جارياً مجرى اليمين أم لا ؟
نقول: جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) على أنهم لا يفرقون بين ما كان جارياً مجرى اليمين أو لا، =
стр. 1928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فالكل عندهم سواء، أي سواء كان قصده من التعليق الطلاق أو التهديد أو البر أو عدمه عند إرادته التعليق.
القول الثاني: التفريق بين ما جرى مجرى اليمين وما لم يجر مجرى اليمين، فما كان مجراه مجرى يمين فإنه لا يقع، وما لم يجر مجراه فإنه يقع، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١)، وابن القيم (٢)، والشيخين (٣) ﵏، وهو الصواب.
وخلاصة الأمر هنا أن من علّق طلاقه على شيء لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يقصد عند تعليقه الطلاق لا غير كأن يقول لها إن خرجت من البيت فأنت طالق, أو إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق, أو إن جاء أقاربك إلى البيت فأنت طالق ونحو ذلك من الألفاظ ويقصد بذلك طلاقها فإنها تطلق.
الثانية: أن لا يقصد طلاقها، أو أن يقصد تخويفها وحثها على المنع وكان يكره وقوع الطلاق أو العتق عند حدوث ما علق عليه فإنه يكون يميناً, لأن تعليق الطلاق أو العتق على شرط كما في الأمثلة السابقة هو في حقيقته نوع من أنواع الأيمان, فيدخل في عموم قوله «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» (٤)، فمتى=
стр. 1929
بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ (١)،
ــ
= حصل ما حلف عليه فإنه يكون يميناً وعليه كفارة يمين ولا يجب عليه سوى ذلك.
(١) قوله «بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ»: أي وشرط صحة تعليق الطلاق أن يكون بعد نكاح أي لا يكون إلا بعد قيام الزوجية بين الحالف والمحلوف عليها عند التعليق.
فإن لم تكن زوجته عند التعليق فلا يصح كأن يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق ولم تكن زوجته، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول كتاب الطلاق.
وكذلك «الملك»: أي ويشترط في تعليق العتق الملك، أي يكون بعد ملك الرقيق، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في باب العتق.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: إذا علق طلاق امرأته على شرط, فهل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا ؟ مثاله: أن يقول لزوجته: «إن ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق» , يريد الطلاق لا اليمين, ثم بدا له أن يتنازل عن هذا, فهل له أن يتنازل أولا؟
الجواب: الجمهور يقولون: لا يمكن أن يتنازل, لأنه أخرج الطلاق من فيه على هذا الشرط, فلزم كما لو كان الطلاق منجزاً.
=وشيخ الإسلام يقول: إن هذا حق له فإذا أسقطه فلا حرج لأن =
стр. 1930
فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ (١)،
ــ
=الإنسان لا يبدو له أن ذهاب امرأته إلى أهلها يفسدها عليه, فيقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق»، ثم يتراجع ويسقط هذا (١).
- الفائدة الثانية: إن علق الطلاق على سبب تبين عدمه كأن يقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق» ظناً أن أهلها قد ركبوا دشاً وأنهم عاكفون عليه, فخشي على امرأته فقال لها ذلك، فهل تطلق إذا ذهبت؟
الجواب: لا تطلق لأنه قال ذلك بناءً على سبب تبين عدمه فلا حرج أن تذهب (٢).
(١) قوله «فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ»: سبق الإشارة إلى ذلك فلا يصح تعليق الطلاق هنا, لأن غير الزوج لا يملك ابتداء الطلاق, فلا يملك تعليقه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (٣)، فجعل الطلاق بعد النكاح.
وسبق أيضاً حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وَلا طَلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (٤).