← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بِمَا لا يَصِفُ الْبَشَرَةَ (١). وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالأَمَةِ، مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (٢)، ــ قلت: وقد جرى الفقهاء على اتخاذ هذا التعبير أعني «ستر العورة» وجعلوه من شروط صحة الصلاة، لكن لو عبروا عنه بقولهم «اتخاذ الزينة للصلاة» لكان أولى لأمور: الأول: لأن القرآن عبَّر به في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١)، فأمر الله باتخاذ الزينة عند كل صلاة. الثاني: أن قولهم ستر العورة لم يجئ في نصوص القرآن والسنة التعبير به فيما يتعلق بالصلاة. الثالث: أن قولهم ستر العورة يحصل فيه إشكال وهو أنه اشتبه على بعض الناس عورة الصلاة وعورة النظر واختلط عليهم الأمر ولم يفرقوا بين هذا وهذا. (١) قوله «بِمَا لا يَصِفُ الْبَشَرَةِ» أي يجب أن يكون ما تستر به العورة لا يصف البشرة، وهذا شرط لصحة الصلاة به، ووصف الشيء ذكر صفاته، فإن وصفها فلا يجزئ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك. (٢) قوله «وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالأَمَةِ، مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ» أما الرجل فالمراد به من بلغ سن العشر فما فوقها، سواء كان حرًّا أو عبدًا، فعورته من السرة إلى الركبة، وكذا الأمة. والعورة على أقسام ثلاثة: مخففة، ومغلظة، ومتوسطة. أولاً: العورة المخففة وهي عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنوات وهي=

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الفرجان فقط أي إذا ستر قبله ودبره فقد أجزأه الستر. ثانيًا: العورة المغلظة وهي عورة المرأة الحرة البالغة فكلها عورة إلا وجهها فإنه ليس بعورة في باب الصلاة وإن كان عورة في باب النظر، فلو صلت في بيتها لزمها أن تستر جميع بدنها حتى وإن لم يرها أحد. ثالثًا: العورة المتوسطة وحدها ما بين السرة والركبة ويدخل فيها الذكر من عشر سنين فصاعدًا، والحرة دون البلوغ والأمة ولو بالغة. وقوله «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ» هل السرة والركبة تدخلان في العورة فيجب سترها؟ على ثلاثة أقوال: المشهور من المذهب (١) أن السرة والركبة لا تدخلان فلا يجب سترهما، وهو اختيار شيخنا (٢) ﵀. والراجح أنهما داخلتان في العورة، وهي إحدى الروايتين في المذهب (٣). لكن هل يلزم المرأة أن تستر قدميها وكفيها في الصلاة؟ نقول: أما القدمان فالواجب على المرأة الحرة أن تسترهما في صلاتها، ويرى شيخ الإسلام (٤) أنه لا يلزم سترهما. وأما الكفان ففيها روايتان في المذهب (٥): الأولى: أنهما ليسا من العورة التي يجب سترها في الصلاة، والثانية: أنهما عورة. والأحوط أن لا ينكشف منها شيء من ذلك، وهذا هو الأظهر.

стр. 213

وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا (١). ــ (١) قوله «وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا» أي في الصلاة لقوله ﷺ : «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» (١)، لكن هذا مقيد بشرط عدم وجود الرجال الأجانب عندها. أما عند وجودهم فالواجب عليها ستر جميع بدنها، وليعلم أن كثيرًا من الناس لا يفرق بين العورة في الصلاة والعورة في باب النظر فيجعلهما شيئًا واحدًا وهذا غلط، فوجه المرأة ليس بعورة في الصلاة بل يكره للمرأة ستره إذا كانت تصلي وليس عندها رجال أجانب، أما في باب النظر فهو عورة؛ لأنه لا يجوز النظر إليه. ثم إنني أحب أن أنبه على أمر يدندن حوله بعض الناس وهو جواز كشف المرأة لوجهها، وجواز خروجها من بيتها واختلاطها بالرجال الأجانب كاشفة لوجهها، وهذه دعوة باطلة مخالفة لنصوص الشريعة التي جاءت بأمر المرأة بأن تستر بدنها مع حضرة الرجال الأجانب، وأنه لا يجوز لها أن تخرج من بيتها إلا وهي ساترة لجميع بدنها. ثم إنني أقول لهؤلاء القوم الذين يدعون إلى تهتك المرأة وكشف وجهها ومخالطة الرجال في العمل وغيره أنكم تتجاهلون ما يترتب على ذلك من الشر والفساد وتحويل بلاد المسلمين إلى أن تكون بلاد سفور، وتتجاهلون أيضًا النتائج السيئة التي حصلت للشعوب التي لم تأخذ بوجوب ستر وجه المرأة كيف كشف النساء الوجه والرقبة والنحر والرأس؟ وكيف كانت المرأة=

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =تخرج كاشفة وجهها مملوءًا بالتزين بالمكياج وغيره من المساحيق الموجبة للفتنة؟ . ومن هنا نقول لهؤلاء الذين ينادون بتحرير المرأة ويريدون بذلك خروجها على الصفة المذكورة آنفًا، نقول لهم: أن ما تدعون إليه هو ليس في الحقيقة تحرير بل هو تضليل، متى كان خروج المرأة متبرجة كاشفة لرأسها وشعرها وساقيها وذراعيها متى كان هذا تحريرًا؟ نعم هذا تحرر من الدين والخلق وما أوجبه الله على المرأة. ثم ليعلم هؤلاء أيضًا أن أضر فتنة على الرجال هن النساء ولذا يراد خراب مجتمعنا ويجاهد ليل نهار لإفساد هذا المجتمع، نسأل الله أن يحفظنا ويحفظ مجتمعنا من كيد الكافرين. - تنبيه: في حكم صلاة المرأة مع عدم الحجاب: نقول: إن كان عدم الحجاب أو التستر لأمور اختيارية، مثل: اتباع التقاليد والعادات فهو لا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون عدم الحجاب مقصورًا على الوجه والكفين فالصلاة صحيحة لكن مع الإثم إذا كان ذلك بحضرة الرجال الأجانب. الثانية: إذا كان الكشف وعدم التستر للساق والذراع أو شعر الرأس ونحو ذلك فلا يجوز لها أن تصلي على تلك الحال، وإن صلت فالصلاة باطلة وعليها الإثم ويجب عليها الإعادة.

стр. 215

وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ (١). وَمَنْ صَلَّى فِيْ ثَوْبٍ مَغْصُوْبٍ، أَوْ دَارٍ مَغْصُوْبَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ (٢). ــ (١) قوله «وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ» المقصود بأم الولد هي الأمة المملوكة التي جامعها سيدها فحملت منه فولدت وهي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها فإنها تعتق. وقوله «وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ» أي صار بعضها حرًّا وبعضها رقيقًا، قال المؤلف «كَالأَمَةِ» أي عورتها من السرة إلى الركبة؛ لأنها لا تزال في حكم المملوك. وقد اختلفت الروايات في المذهب (١) في هذه المسألة، فقد ذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في أم الولد تصلي كالحرة؛ لأنه انعقد لها سبب الحرية فلا يجوز لها أن تكشف إلا وجهها وكفيها في الصلاة. والرواية الثانية (٢) وهي المذهب كما ذكرنا أنها كالأمة عورتها في الصلاة من السرة إلى الركبة. والمعتق بعضها أيضًا هي على الخلاف المذكور آنفًا في أم الولد. والراجح أن أم الولد والمعتق بعضها كالأمة؛ لأن شرط الحرية الكاملة لم يتحقق، فلا بد من إتمام الشرط، وهذا هو اختيار شيخنا (٣) ﵀. (٢) قوله «وَمَنْ صَلَّى فِيْ ثَوْبٍ مَغْصُوْبٍ، أَوْ دَارٍ مَغْصُوْبَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ» قال أهل العلم لأنها قربة وهي منهي عنها على هذا الوجه، ثم إنه استعمل في شرط العبادة ما يحرم استعماله، وهذه هي إحدى الروايتين في المذهب (٤) =

стр. 216

وَلُبْسُ الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ: «هذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ، حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ» (١). ــ =وهي أحد قولي الشافعي (١)، وهي اختيار ابن قدامة في المغني (٢). والرواية الثانية في المذهب (٣) أنها تصح مع الإثم، وهذا هو الصحيح، وهو قول أبي حنيفة (٤)، ومالك (٥)، والقول الثاني للشافعي (٦)، وهواختيار شيخ الإسلام (٧) وشيخنا (٨) ﵀، وذلك لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها. (١) قوله «وَلُبْسُ الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ مُبَاحٌ» للنساء لكن لا يصل إلى حد الإسراف، فإن صار إلى حد الإسراف حرم (٢) قوله «لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ» الحاجة كالحكة والقمل والمرض «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ: «هذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ، حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ»، وهذا بإجماع أهل العلم، ولا بأس بلبس النساء للذهب المحلق خلافًا لمن قال بمنع ذلك. أما الساعة التي يلبسها الرجال وبها شيء من الذهب فإن كان الذهب قليلاً تابعًا فلا بأس بذلك عند بعض أهل العلم، وعندي الأولى بكل حال =

стр. 217

وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ (١)، ــ =الابتعاد عن ذلك. و المقصود بالحرير هنا هو الحرير الطبيعي دون الصناعي، فالطبيعي هو الذي يخرج من دودة القز وهوغال وناعم، ومن هنا حرم على الرجال؛ لأنه يشبه من بعض الوجوه الذهب لكونه مما يتحلى به، أما الحرير المخلوط بغيره فإن كان مما تساوى فيه الحرير بغيره فمحل خلاف، والصواب أن الأولى تركه، أما إذا كان أكثره غير حرير، فالصواب أنه حلال، وهذا هو اختيار شيخنا (١) ﵀. (١) قوله «وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ» لقوله ﷺ : «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٢)، فدل ذلك على وجوب تغطية العاتق، وهذا هو المذهب (٣) واختاره سماحة شيخنا ابن باز (٤) ﵀. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن تغطية العاتق في الصلاة سنة ليس بواجب لحديث جابر ﵁ لما صلى في ثوب قد اشتمل به قال ﷺ : «مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِيْ رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ يَعْنِيْ ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (٥)، وهذا هو الصواب وهو الذي اختاره ابن سعدي (٦) =

стр. 218

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، سَتَرَهَا (١)، فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيْعَهَا، سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ (٢)، ــ =ورجحه شيخنا (١) ﵀. فلو صلى الإنسان بشيء يستر ما بين سرته إلى ركبتيه صحت صلاته، لكن بشرط أن يتمكن حال صلاته من الإتيان به على الوجه المشروع، من اعتداله وسجوده وركوعه، ولا يبدو شيء من عورته حال ركوعه وسجوده، ولم يكن الملبوس ضيّقًا يصف حجم البدن، ولا خفيفًا يظهر معه لون البدن. - تنبيه: جاء في المذهب التفريق بين الفرض والنفل ووجوب وضع شيء على العاتق أثناء الصلاة، فقالوا بوجوبه في الفريضة وعدم وجوبه في النفل، وعلى الذي رجحناه من عدم الوجوب فليس لهذا التفريق وجود. (١) قوله «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، سَتَرَهَا» أي إذا لم يجد من الثياب ونحوها إلا ما يستر العورة سترها وترك العاتق؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة كما سبق. (٢) قوله «فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيْعَهَا، سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ» أي إذا لم يجد ما يستر جميع العورة وهي كما ذكرنا ما بين السرة والركبة، فإن الواجب عليه هنا أن يستر الفرجين وهما القبل والدبر، وذلك لأمرين: الأول: أنهما أغلظ العورة. والثاني: لأن الإجماع انعقد على أنهما عورة. فلو قدر أن شخصًا تعرض له قطاع الطرق فسلبوا منه ملابسه ولم يبق معه إلا منديل فقط، وهذا المنديل لا يكفي أن يستر جميع العورة، فالواجب=

стр. 219

فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا، سَتَرَ أَحَدَهُمَا (١). فَإِنْ عَدِمَ السِّتْرَ بِكُلِّ حَالِ، صَلَّى جَالِسًا يُوْمِئُ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا، جَازَ (٢). ــ =عليه في هذه الحالة أن يستر الفرجين لما سبق. (١) قوله «فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا، سَتَرَ أَحَدَهُمَا» اختلفت الرواية في المذهب (١) على أيهما يقدم في الستر في هذه الحالة؟ فقيل: يستر أحدهما كما ذكر المؤلف، وفي رواية أنه يستر القبل وهو أولى؛ لأنه أفحش من الدبر، وقيل العكس. (٢) قوله «فَإِنْ عَدِمَ السِّتْرَ بِكُلِّ حَالِ، صَلَّى جَالِسًا يُوْمِئُ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا، جَازَ» أي إن عدم المصلي ما يستر به عورته فإنه يصلي جالسًا ولو كان قادرًا على القيام، وذلك لأنه يمكن أن ينضم فيكون ما ينكشف من عورته أقل، وهذا هو المذهب (٢). والقول الثاني: أنه يجب عليه القيام مطلقًا ويركع ويسجد؛ لأن هذا ما يمكنه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣)، وقال أيضًا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤)، فأوجب الله القيام، أما ستر العورة فهنا يسقط لكونه معذورًا، وهذه هي إحدى الروايتين في المذهب (٥)، وهو قول مالك (٦) والشافعي (٧). والصواب أن يقال إن كان حوله أحد صلى قاعدًا، وإن لم يكن حوله أحد=

стр. 220

وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا، أَوْ مَكَانًا نَجِسًا، صَلَّى فِيْهِمَا، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ (١). ــ =أو كان في ظلمة أو هناك شخص لا يستحي من انكشاف عورته عنده كأن يكون أعمى أو مجنونًا فإنه يركع ويسجد؛ لأنه لا عذر له، وهذا هو أقرب الأقوال، وهو اختيار شيخنا (١) ﵀. (١) قوله «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا، أَوْ مَكَانًا نَجِسًا، صَلَّى فِيْهِمَا، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ» اختلفت الرواية في هذه المسألة، فالمذهب (٢) أنه تجب الإعادة إذا صلى في ثوب نجس، وفي رواية أخرى في المذهب (٣) وهي اختيار ابن قدامة (٤) كما ذكر أنه لا يعيد، ورواية أخرى يصلي عريانًا ولا يعيد وهو قول الشافعي (٥). والصحيح ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول مالك (٦)، واختاره شيخنا (٧) ﵀. والمذهب يفرق بين الصلاة في الثوب النجس والصلاة في المكان النجس، فالصلاة في المكان النجس لا إعادة لها بخلاف الصلاة في الثوب النجس، وذلك لأن الصلاة في المكان النجس قد يكون مكرهًا عليها بخلاف الثوب فليس مكرهًا على الصلاة فيه. والراجح أنه إن صلى في ثوب نجس لا يجد غيره أو صلى في مكان نجس وكان مكرهًا على الصلاة فيه فلا إعادة عليه.

стр. 221

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ فِيْ بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ، وَمَوْضِعِ صَلاتِهِ (١)، ــ (١) قوله «الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ فِيْ بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ، وَمَوْضِعِ صَلاتِهِ» هذه ثلاثة أمور وهي شرط لصحة الصلاة وهي: طهارة البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، وقد سبق بيان ذلك. فطهارة البدن دليلها أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان فقال «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِيْ كَبِيْرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِيْ بِالنَّمِيْمَةِ» (١)، وهذا دليل على وجوب التنزه من البول، وقوله ﷺ : «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (٢)، وغير ذلك من الأدلة التي جاءت في وجوب الاستنجاء والاستجمار. وأما طهارة الثوب فدليلها قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣)، وأيضًا قوله ﷺ «اقْرُصِيْهِ وَاغْسِلِيْهِ وَصَلِّي فِيْهِ» (٤)، وأيضًا قوله ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيْلَ أَتَانِيْ فَأَخْبَرَنِيْ أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ قَالَ أَذًى فَأَلْقَيْتُهُمَا فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ فَإِنْ رَأَى فِيْهِمَا قَذَرًا أَوْ قَالَ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» (٥)، وهذه الأدلة تدل على أنه لا يجوز استصحاب النجاسة في حال الصلاة.

стр. 222

إِلاَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا، كَيَسِيْرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ (١). وَإِنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا، أَوْ عَلِمَ بِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا، فَصَلاتُهُ صَحِيْحَةٌ (٢). ــ =وأما دليل المكان فقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ» (٢)، وأمره ﷺ أن يصب على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء يطهره، فيجب على المصلي أن يتطهر من هذه الأمور الثلاثة حال صلاته إلا ما استثني كما سيذكره المؤلف. (١) قوله «إِلاَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا، كَيَسِيْرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ» هذا هو المستثنى من النجاسات، وأفادنا المؤلف بقوله «الْمَعْفُوَّ عَنْهَا» أن هناك نجاسات غير معفو عنها كالبول والغائط، وهناك نجاسات معفو عنها، فمن النجاسات المعفو عنها يسير الدم ونحوه مثل المذي فيعفى عن يسيره فلا يجب تطهير ما أصابه مذي يسير مع أن المذي نجس، وكذلك المتولد من القيح والصديد على المذهب (٣)، وقد ذكرنا ذلك سابقًا في كتاب الطهارة. - تنبيه: يرى شيخ الإسلام (٤) أن جميع النجاسات معفو عنها إذا شق التحرز منها، وهذا هو الأقرب، وهو الموافق للقواعد الشرعية. (١) قوله «وَإِنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا، أَوْ عَلِمَ بِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا، فَصَلاتُهُ صَحِيْحَةٌ» هذه إحدى الروايتين في المذهب (٥)، وهو اختيار شيخ=

стр. 223

وَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الصَّلاةِ، أَزَالَهَا، وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ (١)، ــ =الإسلام ابن تيمية (١) واختاره شيخنا (٢) ﵀. لكن إن علم بها أثناء الصلاة هل يلزمه إزالة النجاسة؟ نقول: نعم، يجب عليه أن يزيل النجاسة، فلو تذكر أن ثوبه به نجاسة فالواجب عليه أن يغير الثوب النجس بثوب طاهر أو يغسل النجاسة، المهم أنه إذا تذكر يجب عليه إزالة النجاسة. والرواية الثانية (٣): من لم يعلم بالنجاسة أو علم بها ثم نسيها فعليه الإعادة، وهو قول الشافعي (٤)، وذهب مالك (٥) أنه يعيد ما دام الوقت باقيًا. لكن الراجح أنه لا إعادة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٦)، ولأن النبي ﷺ حينما صلى بنعلين فيهما قذر أخبره جبريل بذلك ولم يستأنف الصلاة، بل بقي في صلاته (٧)، وإذا لم يبطل هذا أول الصلاة فإنه لا يبطل بقية الصلاة. (١) قوله «وَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الصَّلاةِ، أَزَالَهَا، وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ» هذا على روايتين في المذهب (٨)، فعلى الرواية التي توجب الإعادة يجب عليه أن يقطع الصلاة ويزيل النجاسة ثم يبدأ الصلاة من جديد؛ لأن ما مضى من صلاته كان باطلاً، والرواية الثانية وهي الصحيحة وهي التي اختارها المؤلف أنه =

стр. 224

وَالأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ تَصِحُّ الصَّلاةُ فِيْهَا (١)، ــ =يبقى على صلاته إن أزالها، لكن بشرط أن لا تكون النجاسة حين إزالتها تحتاج إلى عمل كثير في الصلاة أو زمن طويل، فإن احتاجت لذلك بطلت. - تنبيهان: أولاً: إن حمل المصلي النجاسة كأن تكون معه قارورة فيها بول أو براز للتحليل مثلاً فإن صلاته لا تصح لأنه حامل للنجاسة. ثانيًا: من صلى وقد استخدم العطور والطهارة كالكلونيا ونحوها، هل تفسد صلاته بذلك؟ الصواب أنها لا تبطل صلاته بذلك، لكن الذي ينبغي أن لا يستخدم هذه العطور خروجًا من الخلاف وعملاً بالأحوط. (١) قوله «وَالأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ تَصِحُّ الصَّلاةُ فِيْهَا» إلا ما استثناه الدليل كما سيذكره المؤلف. ودليل كون الأرض كلها مسجدًا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : يَا رَسُوْلَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ» (١). وأيضًا حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيْتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِيْ» وفيه قوله ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوْرًا» (٢).

стр. 225

إِلاَّ الْمَقْبَرَةَ، وَالْحَمَّامَ، والْحُشَّ، وَأَعْطَانَ الإِبِلِ (١). ــ (١) قوله «إِلاَّ الْمَقْبَرَةَ، وَالْحَمَّامَ، والْحُشَّ، وَأَعْطَانَ الإِبِلِ» هذه الأربع المستثناة فلا تصح الصلاة فيها، وقد عد أصحاب المذهب عشرة مواضع وزادوا على الأربعة المذكورة هنا المزبلة والمجزرة وفارعة الطريق وظهر الكعبة والموضع المغصوب والموضع النجس. وقوله «إِلاَّ الْمَقْبَرَةَ» فلا تصح الصلاة فيها ونفي الصحة يقتضي الفساد، فالصلاة في المقبرة فاسدة، يجب على من صلى فيها الإعادة للصلاة ويحصل له الإثم إذا كان عالمًا بالنهي، ودليل النهي عن الصلاة فيها قوله ﷺ : «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» (١)، ومنها أيضًا قوله ﷺ : «لا تُصَلُّوْا إِلَى الْقُبُوْرِ وَلا تَجْلِسُوْا عَلَيْهَا» (٢)، ومنها أيضًا قوله ﷺ : «اجْعَلُوْا مِنْ صَلاتِكُمْ فِي بُيُوْتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوْهَا قُبُوْرًا» (٣)، ومن ذلك أيضًا قوله ﷺ : «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوْا قُبُوْرَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، وزاد مسلم «أَلا فَلا تَتَّخِذُوْا الْقُبُوْرَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلِكَ» (٤).

стр. 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = والأدلة في ذلك مستفيضة، وعلى ذلك فلا تصح الصلاة في المساجد التي فيها قبور ولا تصح الصلاة عند القبور ولا أمام القبور ولا خلفها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١) وسماحة شيخنا ابن باز (٢)، وهو اختيار شيخنا محمد العثيمين (٣) - رحم الله الجميع-، وهذا هو الصحيح. وخالف الحنفية (٤)، والمالكية (٥) في ذلك فقالوا بصحة الصلاة في هذه الأماكن إن كانت طاهرة، لكن الصواب الأول لما رجحنا لقوة الأدلة واستفاضتها بالنهي عن الصلاة في المقبرة. وقوله «وَالْحَمَّامَ» للنهي الذي ورد فيه كما في حديث أبي سعيد الخدري السابق وهو قوله: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ»، ولأن الحمام أيضًا مكان تنكشف فيه العورات، وليس المقصود بالحمام هنا المرحاض بل الحمام المغتسل الذي يقدم إليه الناس فيغتسلون فيه. وذهب الحنفية (٦) والمالكية (٧) إلى صحة الصلاة في الحمام، وقالوا بأن النهي محمول على الكراهة، والصواب بأنها لا تصح، وهو اختيار شيخ الإسلام (٨) وقول شيخنا (٩) ﵀.

стр. 227

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ (١)، ــ =وقوله «والْحُشَّ» هو المكان الذي يتخلى فيه الإنسان من البول أو الغائط وهو الكنيف، فلا تصح الصلاة فيه؛ لأنه نجس، ولأنه مأوى الشياطين فلا ينبغي أن تكون هذه الأماكن الخبيثة أماكن لعبادة الله تعالى. وقوله «وَأَعْطَانَ الإِبِلِ» لورود النهي عن الصلاة فيها، فعن جابر بن سمرة ﵁: أن رجلاً سأل رسول الله قال: «أُصَلِّيْ فِيْ مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أُصَلِّيْ فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لا» (١)، والأعطان جمع عطن، وقيل في تفسيرها: أنها مبارك الإبل مطلقًا، وقيل: ما تقيم فيه وتأوى إليه، وقيل: ما تبرك فيه عند صدورها من الماء أو انتظار الماء، والصواب أن أعطان الإبل شاملة لكل المذكور. واختلف الفقهاء في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، فقيل: لأنها خلقت من الشياطين كما جاء ذلك في مسند أحمد (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٣)، وقيل: لأن الإبل شديدة النفور وربما تنفر وهو يصلي فتؤذيه، وقيل: العلة هنا تعبدية. (١) قوله «الشَّرْطُ الْخَامِسُ: اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ» القبلة المراد بها الكعبة وسميت قبلة؛ لأن الناس يستقبلونها ويقصدونها حال صلاتهم، وهذا الشرط أجمع عليه أهل العلم لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤)، لكن استثني من ذلك الشرط ما ذكره المؤلف وهو =

стр. 228

إِلاَّ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيْ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ (١)، ــ =وهو صلاة النفل في السفر والعاجز عن استقبال القبلة. (١) قوله «إِلاَّ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيْ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ» هذا هو المستثنى الأول من شرط الاستقبال للقبلة، واشترط فيه المؤلف ثلاثة شروط: الأول: أن تكون الصلاة نافلة، فالفريضة يلزم لها استقبال القبلة كما سبق بيانه إلا في حالتين: الأولى: إذا كان عاجزًا عن الاستقبال لا يستطيع الحركة، كأن يكون مريضًا وليس هناك أحد يوجهه إلى القبلة، فهنا يصلي حيث كان وجهه، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). الحالة الثانية: الخائف، كأن يكون في الحرب، والحرب شديدة فيها كرّ وفرّ، فهنا يسقط عنه الاستقبال، أو يكون قد هرب من عدو ويخاف أن يأتيه فيغير جهة القبلة، فهنا يصلي حيث كان وجهه. لكن إذا كانت هذه الصلاة مما تجمع مع ما بعدها أو مع ما قبلها ويمكنه حال الجمع أن يستقبل القبلة فهنا الأولى له أن يجمعها مع الصلاة الأخرى جمع تقديم أو جمع تأخير، ما دام جمعها يمكنه من الإتيان بشرط استقبال القبلة. الشرط الثاني: أن يكون على راحلة، فلو كان مسافرًا كأن يكون راجلاً أحيانًا وراكبًا أحيانًا فيلزمه الاستقبال حال كونه راجلاً ولا يلزمه حال كونه على راحلته وهذا قول في المذهب (٣)، والصواب أنه لا يلزمه أيضًا استقبال=

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =القبلة حال كونه ماشيًا إذا كانت نافلة وكان مسافرًا، وهذا هو المذهب (١). الشرط الثالث: أن يكون مسافرًا، فغير المسافر يلزمه استقبال القبلة في النفل والفرض. وهنا نذكر بعض ال تنبيهات: أولاً: النازل في السفر يلزمه استقبال القبلة والسائر في الحضر يلزمه كذلك استقبال القبلة. ثانيًا: لا تجوز الفريضة للراكب السائر في السفر بدون استقبال القبلة إلا في الحال التي يتعذر فيها الاستقبال. ثالثًا: اختلف الفقهاء في السفر الذي يجوز أن يتنفل فيه على راحلته، فقيل يجوز أن يتنفل على راحلته إلى غير القبلة ولو كان السفر قصيرًا، وقيل لا يجوز التنفل على الراحلة إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، وهذا هو الصواب. رابعًا: هل يلزم المتنفل المسافر السائر أن يفتتح الصلاة متجهًا إلى القبلة؟ اختلفت الرواية في المذهب (٢) في هذه المسألة: فقيل بأنه يلزمه افتتاح الصلاة إلى الكعبة ثم يكون بعد ذلك حيث كان وجهه، وقيل بأنه لا يلزمه افتتاح الصلاة إلى الكعبة، وهذا هو الصواب، لكن الأفضل له افتتاح الصلاة متجهًا إلى القبلة، وهذا هو اختيار شيخنا (٣) ﵀. خامسًا: المسافر الذي يقود السيارة لا ينبغي له أن ينشغل بالنافلة عن القيادة؛ لأن انشغاله بالنافلة تشغله عن القيادة ويحصل بذلك هلاكه.

стр. 230

وَالْعَاجِزُ عَنِ الاِسْتِقْبَالِ؛ لِخَوْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَيُصَلِّيْ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ (١)، وَمَا عَدَاهُمَا (٢)، لا تَصِحُّ صَلاتُهُ إِلاَّ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ (٣). فَإِنْ كَانَ قَرِيْبًا مِنْهَا، لَزِمَتْهُ الصَّلاةُ إِلَى عَيْنِهَا (٤)، ــ (١) قوله «وَالْعَاجِزُ عَنِ الاِسْتِقْبَالِ؛ لِخَوْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَيُصَلِّيْ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ» قد ذكرنا ذلك آنفًا وقلنا أن العاجز عن الاستقبال لمرض يصلى حيث كان وجهه، وكذلك الخائف من عدو أو فوات رفقة أو ضياع مال أو حراسة ونحو ذلك فإنه يجوز له أن يصلي الفريضة إلى غير القبلة، دليل ذلك ما رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه ذكر صفة صلاة الخوف ثم قال: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالاً قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ مَالِكٌ قَالَ نَافِعٌ: لا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١). (٢) قوله «وَمَا عَدَاهُمَا» أي ما عدا المسافر والعاجز عن الإتيان بشرط الاستقبال. (٣) قوله «لا تَصِحُّ صَلاتُهُ إِلاَّ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ» وهذا بإجماع أهل العلم، وقد ذكرنا الأدلة على فرضية الاستقبال للقبلة. (٤) قوله «فَإِنْ كَانَ قَرِيْبًا مِنْهَا، لَزِمَتْهُ الصَّلاةُ إِلَى عَيْنِهَا» أي فإن كان قريبًا من الكعبة فيلزمه الصلاة إلى عينها لا إلى جهتها، ومن هنا ننبه على أمر يخطئ فيه الكثير ممن يصلون داخل المسجد الحرام فإنهم يميلون عن الكعبة يمينًا وشمالاً ولا يصيبون عينها وهذا خطأ، بل من صلى إلى غير عينها مع إمكانية الإصابة لعينها فيلزمه الإعادة.

стр. 231

وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا، فَإِلَى جِهَتِهَا (١). ــ =لكن إذا كان الإنسان قريبًا من الكعبة ولم يشاهدها لوجود أعمدة كثيرة أو صفوف ويشق عليه النظر إلى الكعبة، هل يأخذ حكم البعيد عنها فيصلي إلى جهتها مثلاً؟ اختلفت الرواية في المذهب (١)، فالصحيح من المذهب أنه يجتهد إلى عينها، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (٢) أنه يجتهد إلى عينها أو إلى جهتها، وذكر جماعة من الأصحاب أنه إن تعذر إصابة العين للقريب فحكمه حكم البعيد. والذي نرجحه أن إصابة عين الكعبة هو شرط للصلاة لمن قدر عليه. أما من كان قريبًا منها ولا يقدر على إصابة عين الكعبة كأن يحول بينه وبينها جدران، أو يكون خلف جبل فحكمه كالبعيد عنها. (١) قوله «وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا، فَإِلَى جِهَتِهَا» وهذا بإجماع أهل العلم، وعلى ذلك لو مال عن جهتها يمينًا وشمالاً فصلاته صحيحة؛ لقوله ﷺ لأهل المدينة «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» (٣). أما إن كان قريبًا منها فيلزمه إصابة عين الكعبة كما سبق، فلو انحرف يمينًا أو شمالاً ولو شيئًا يسيرًا فلا تصح صلاته.

стр. 232

وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي الْحَضَرِ، سَأَلَ وَاسْتَدَلَّ بِمَحَارِيْبِ الْمُسْلِمِيْنَ (١)، ــ (١) قوله «وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ فِي الْحَضَرِ، سَأَلَ وَاسْتَدَلَّ بِمَحَارِيْبِ الْمُسْلِمِيْنَ» أي من خفيت عليه القبلة عند إرادة الصلاة فالمشروع في حقه أمران: الأول: أن يسأل عن جهة القبلة، فإن أخبر بجهتها من قبل رجل أو امرأة عمل بما أخبر به، وذلك لأن أهل الأمصار يعلمون الجهات. الثاني: أن يستدل عليها بما في المساجد من محاريب المسلمين، وهذا باتفاق أهل العلم. لكن إن أخطأ المخبر أو كذبه أو علم فساد بناء المحراب هل يلزمه الإعادة؟ المشهور من المذهب (١) أنه يعيد، ورواية في المذهب (٢) أنه لا يعيد، وهذا هو الصواب؛ لأنه عمل ما يجب عليه العمل من سؤاله أو استدلاله بالمحاريب، والمذهب يرى أنه يعيد. لكن إن اجتهد في الحضر فصلى إلى غير القبلة دون سؤاله عن جهتها أو استدلاله بالمحاريب على الجهة، فهنا عليه الإعادة، والذي رجحه شيخنا (٣) أنه إن كان أهلاً للاجتهاد فأخطأ فليس عليه الإعادة؛ لأن الحضر والسفر كلاهما محل الاجتهاد. والراجح عندي هو المذهب؛ لأنه مفرط، ولأن الحضر ليس محلاً للاجتهاد، لكن إن لم يجد من يخبره بجهة القبلة وعدم المحاريب فهنا يعمل باجتهاده، =

стр. 233

فَإِنْ أَخْطَأَ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ (٢). ــ =فإن أخطأ فلا تجب عليه الإعادة؛ لأنه معذور. (١) قوله «فَإِنْ أَخْطَأَ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ» أي إن أخطأ في الحضر فصلى إلى غير القبلة فعليه الإعادة؛ لأنه لم يسأل ولم يستدل على جهة القبلة والحضر ليس محلاً للاجتهاد كما ذكرنا، وهذا هو المذهب، والراجح كما ذكرنا، ويرى شيخنا (١) أن الحضر والسفر محل للاجتهاد، فإن اجتهد في الحضر فلا إعادة عليه مطلقًا سواء أصاب أم لم يصب؛ لأنه فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فقد اتقى الله تعالى ما استطاع وليس عليه الإعادة؛ لأن الله لم يوجب عليه العبادة مرتين إذا أتى بها على الوجه المأمور به، لكن الذي نرجحه هو المذهب. والخلاصة في هذه المسألة أنه: أولاً: إن صلى باجتهاده في السفر فصلاته صحيحة سواء أخطأ أم أصاب. ثانيًا: إن صلى في الحضر باجتهاده فصلاته صحيحة إن أصاب وعليه الإعادة إن أخطأ. ثالثًا: إن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد فإن أخطأ أعاد وإن أصاب فالمذهب (٢) أنه يعيد. والصواب أنه إن أصاب فلا يعيد، وهو اختيار شيخنا (٣) ﵀.

стр. 234

وَإِنْ خَفِيَتْ فِي السَّفَرِ، اجْتَهَدَ، وَصَلَّى، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ (١). وَإِنِ اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (٢). ــ (١) قوله «وَإِنْ خَفِيَتْ فِي السَّفَرِ، اجْتَهَدَ، وَصَلَّى، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ» أي إن خفيت القبلة على المسافر فالمشروع في حقه أن يجتهد، ويكون ذلك من خلال النظر إلى علامات القبلة كالنجوم في الليل والشمس بالنهار وغير ذلك، فإن تبين أنه أخطأ القبلة فلا إعادة عليه؛ لأنه بذل ما يجب عليه. وفي رواية (١) في المذهب أنه يعيد، لكن الصواب أنه لا إعادة عليه كما ذكر المؤلف. (٢) قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ» المجتهد في جهة القبلة هو الذي يستطيع معرفة أدلتها، واختلاف المجتهدين كأن يقول أحدهما: القبلة هنا ويشير إلى الشمال، ويقول الآخر: بل القبلة هنا ويشير إلى الجنوب، قال المؤلف «لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ»، وعللوا لذلك أن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجب عليه أن يتبعه ويأتم به إذا كانت الصلاة جماعة ولا يضر الاختلاف هنا؛ لأن كلاً منهما يعتقد خطأ الآخر لاجتهاده ويعتقد صوابه بالنسبة لاجتهاد نفسه. وإن صلى كل منهما منفردًا لقناعته باجتهاده فلا حرج، لكن إن كان أحدهما أكثر علمًا فالواجب اتباعه. والأقرب للصواب أنه يجوز اتباع أحدهما الآخر في الائتمام مع اختلافهما في جهة القبلة، والتضاد هنا لا يمنع من الائتمام، كما لو كان أحدهما يعتقد أن لحم الإبل غير ناقض للوضوء، والآخر يعتقد أنه ناقض للوضوء فيجوز لأحدهما أن يأتم بالآخر.

стр. 235

وَيَتْبَعُ الأَعْمَى وَالْعَامِيُّ أَوْثَقَهُمَا فِيْ نَفْسِهِ (١). الشَّرْطُ السَّادِسُ: النِّيَّةُ لِلصَّلاةِ بِعَيْنِهَا (٢)، ــ (١) قوله «وَيَتْبَعُ الأَعْمَى وَالْعَامِيُّ أَوْثَقَهُمَا فِيْ نَفْسِهِ» يعني إن اجتهد مجتهدان فقال أحدهما: القبلة هاهنا وأشار إلى جهة الشمال، وقال الآخر: بل هنا وأشار إلى جهة الجنوب فالمشروع في حق الأعمى والعامي أن يقلد أوثقهما في نفسه، فإن تبع غير الأوثق مع وجود الأوثق فصلاته باطلة كالمتلاعب. (٢) قوله «الشَّرْطُ السَّادِسُ: النِّيَّةُ لِلصَّلاةِ بِعَيْنِهَا» هذا هو الشرط السادس من شروط الصلاة وهو النية، النية هي عزم القلب على فعل العبادة. وهذه النية غير النية التي يذكرها العلماء في باب العقائد التي هي الإخلاص، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، فنية الإخلاص لا يقبل العمل إلا بها، أما النية التي هنا فهي التي فيها الفرق بين العبادة والعادة، وهي التي يترتب عليها الفعل، وهي التي قال عنها ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». فقوله «النِّيَّةُ لِلصَّلاةِ بِعَيْنِهَا» أي فالواجب على من أراد الصلاة أن ينويها بقلبه، وأن ينويها بعينها إذا كانت معينة، مثل: الفجر أو الظهر أو العصر، فالواجب عليه أن ينوي الفجر والظهر والعصر وهكذا. وفي رواية في المذهب (٢) أنه لا يشترط تعيين النية بل يكفي أن ينوي فرض الوقت، كأن يكون قد توضأ للظهر ثم صلى وغاب عن ذهنه أنها الظهر فالصلاة صحيحة، وهذا هو الصواب؛ لأنه هو الذي يسع عمل الناس به=

стр. 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =فالكثير من الناس يتوضأ ويأتي للصلاة ويغيب عن ذهنه الفرض، وهذا هو اختيار شيخنا (١) ﵀. - ذكر بعض ال تنبيهات: أولاً: حالات تحول النية في الصلاة: أ - الانتقال من معين إلى معين لا يجوز، مثاله: من دخل في صلاة العصر، ثم تذكر أنه لم يصل الظهر، هل يجوز له أن يحول نيته إلى صلاة الظهر؟ الجواب: لا، لأنه انتقل من صلاة معينة إلى أخرى معينة، لكن استثنى العلماء حالة واحدة وهي: إن دخل لصلاة الجمعة وظن أن الإمام يصلي الركعة الأولى من الصلاة فتبين أن الإمام صلى ركعتين، فهنا يحولها المأموم ظهرًا، وهذه هي الحالة الوحيدة التي استثناها أهل العلم، فالمهم أنه لا يجوز الانتقال من معين إلى معين، ومن ذلك أيضًا سنة الوضوء إلى الراتبة أو من الضحى إلى سنة الفجر وهكذا. ب - الانتقال من معين إلى مطلق يجوز، مثاله: إنسان يصلي صلاة المغرب وحده منفردًا ورأى جماعة دخلوا لم يصلوا فحولها إلى نافلة فهنا يجوز، وكذلك من دخل ظنًّا أن الفريضة قد حان وقتها ثم تبين له أنه لم يؤذن لها فهنا يجعلها نافلة، وعلل الفقهاء لذلك أنه انتقل من الأعلى إلى الأدنى. ج - الانتقال من المطلق إلى المعين لا يجوز؛ لأنه انتقل من الأدنى إلى الأعلى، مثاله: إنسان يصلي نفلاً مطلقًا ثم تذكر أنه لم يصل فريضة، فهنا لا يجوز له أن ينتقل إلى هذه الفريضة؛ لأن الفريضة مرتبتها أعلى من النفل المطلق.

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثانيًا: نية الإمامة والائتمام: أ - المذهب (١) يشترط للجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، وفي رواية في المذهب (٢) أن المأموم يشترط أن ينوي حاله، أما الإمام فلا يشترط نية الإمامة إلا في الجمعة، وفي رواية بل يشترط في الفرض دون النفل. وذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤) إلى عدم اشتراط نية الإمام الإمامة لكنه يستحب، لكن اشترطوا نية الإمام في الجمعة والصلاة المعادة والمنذورة عند الشافعية. ب - إذا دخل إنسان المسجد فوجد رجلاً يصلي فريضة منفردا فوقف بجانبيه ليصلي معه جماعة فالمذهب (٥) أن صلاته المؤتم لا تصح لأنه نوى الائتمام بمن لم يكن إمامًا له وتصح صلاة الأول. وفي رواية (٦) في المذهب أنه يصل أن يأتم الإنسان بشخص لم ينو الإمامة، وهذا هو قول مالك (٧) واختاره شيخنا (٨) ﵀ وهو الصحيح. ج - من دخل في الصلاة منفردا ثم وجد جماعة أقيمت، هل يجوز له الانتقال من انفراده بالائتمام بالإمام؟ نقول: المذهب (٩) أنها لا تصح، =

стр. 238

وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَى التَّكْبِيْرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيْرِ، إِذَا لَمْ يَفْسَخْهَا (١). ــ =والقول الثاني في المذهب أنه يصح أن ينوي المنفرد الائتمام، وهذا هو اختيار شيخنا (١) وهو الصحيح. د - إذا انفرد مؤتم بلا عذر ، المذهب (٢) أنها لا تصح، وفي رواية (٣) أنها تصح، والصواب أنها لا تصح، إلا إذا كان له عذر. (١) قوله «وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَى التَّكْبِيْرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيْرِ، إِذَا لَمْ يَفْسَخْهَا» أي يجوز أن يقدم النية قبل تكبيرة الإحرام بزمن يسير، لكن بشرط أن يكون ذلك في الوقت، فلو نوى الصلاة قبل دخول وقتها ولو بزمن يسير فصلاته غير صحيحة، لكن الأولى أن تكون النية مصاحبة لتكبيرة الإحرام. وظاهر كلامه ﵀ أن الفصل لابد أن يكون يسيرًا، فلو طال الفصل لا تصح، وقال بعض أهل العلم بل تصح ما لم ينو فسخها كما ذكره المؤلف. والصواب أنه إن طال الزمن بحيث لم يطل عن الحد المألوف فصلاته صحيحة ما لم يفسخ النية، مثاله: رجل سمع الأذان فقام فتوضأ ليصلي ثم غابت عن خاطره لما أقيمت الصلاة فقام بدون نية جديدة فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يفسخ النية الأولى وحكمها مستصحب إلى الفعل. - تنبيهان: أولاً: هل التردد في النية يبطل العبادة؟ قولان في المذهب (٤): الأول: وهو المذهب أنها تبطل بالتردد، مثال ذلك: إذا سمع إنسان قارعًا=

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =يقرع الباب فتردد هل أقطع الصلاة أو استمر؟ فالمذهب أنها تبطل بتردده. القول الثاني في المذهب أنها لا تبطل؛ لأن الأصل بقاء النية. والصحيح: أنها لا تبطل إلا إذا عزم على القطع؛ لأن الأصل بقاء النية، وهذا اختيار شيخنا (١) ﵀. ثانيًا: إن عزم على أن يأتي بما هو مبطل للصلاة كأن يتكلم فيها مثلاً، أو عزم على أن يحدث فيها، هل تبطل؟ قولان: الأول: أنها تبطل؛ لأنه عزم على المفسد بقطع الصلاة، والعزم على قطع الصلاة يبطلها، والمذهب أنها لا تبطل على العزم على فعل يبطلها إلا إذا فعله؛ لأن البطلان متعلق بفعل المبطل ولم يوجد، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا (٢) ﵀.

стр. 240

بَابُ آدَابِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ (١) يُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ إِلَى الصَّلاةِ (٢) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ آدَابِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ» أي ما جاء من سنن يسن الإتيان بها لمن مشى إلى الصلاة، وكذلك ما جاء من مكروهات يكره فعلها لمن أتى إلى الصلاة. وهذه الآداب التي سيذكرها المؤلف ينبغي للمسلم أن يأتي بها، ففيها فضل عظيم، وهي عنوان على اهتمام المسلم بصلاته التي هي أحد أركان الإسلام الخمسة ومبانيه العظام. وهذا الباب قلّ أن يذكره الفقهاء في مؤلفاتهم مفردًا بهذا العنوان، لكنهم يدخلونه عادة في صفة الصلاة، وإن كان الإمام المجدد ﵀ أخذ هذا العنوان وأفرد به مسألة مستقلة في باب سماه: آداب المشي إلى الصلاة، وهو مما ينبغي للمبتدئين أن يهتموا بقراءته والاعتناء به، فهو من أفضل الكتب التي يبتدئ بها طالب العلم. (١) قوله «يُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ إِلَى الصَّلاةِ» أي دون الركوب؛ لورود نصوص السنة في فضل المشي إلى الصلاة. ومن ذلك ما رواه مسلم عن أبي بن كعب ﵁ قال: كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ قَالَ: مَا يَسُرُّنِيْ أَنَّ مَنْزِلِيْ إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّيْ أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِيْ مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِيْ =

стр. 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ» (١)، وأيضًا قوله ﷺ لبني سلمة «دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» (٢)، وقوله ﷺ : «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ وَالَّذِيْ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ» (٣)، وقوله ﷺ في يوم الجمعة: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ فَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» (٤)، فجعل المشي شرطًا لحصول الأجر، فالمشي إلى الصلاة هو السنة. - تنبيه: من سمع الإقامة للصلاة هل الأولى في حقه أن يركب لحصول فضل تكبيرة الإحرام أم الأفضل أن يمشي ليحصل على فضل المشي إلى الصلاة المذكور في قوله ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوْتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» (٥).

стр. 242

بِسَكِيْنَةٍ وَوَقَارٍ (١)، ــ =نقول: الأفضل له أن يمشي إليها؛ لقوله ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوْهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَلَكِنْ ائْتُوْهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» (١)، هذا هو الأفضل، لكن إن أراد أن يركب لإدراك السنن القبلية للصلاة ولا يحصل ذلك إلا بالركوب فهنا الأولى له أن يركب؛ لأن الأجر الحاصل بإدراك السنن القبلية أفضل من إدراك المشي إلى الصلاة. (١) قوله «بِسَكِيْنَةٍ وَوَقَارٍ» السكينة والوقار قيل بأن معناهما واحد وهما بمعنى التأني في الحركة والسير، وقيل بأن بينهما فرقًا وهو أن السكينة التأني في الحركة واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات، وقيل في معنى الوقار أيضًا الحلم والرزانة، فالمطلوب من الإنسان إذا أتى إلى الصلاة أن يأتيها بهاتين الصفتين، وقد جاءت نصوص السنة بالحث على ذلك، ومن ذلك قوله ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوْا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِيْنَةِ وَالْوَقَارِ وَلا تُسْرِعُوْا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» (٢). - تنبيهات: أولاً: إذا طمع المصلي أن يدرك تكبيرة الإحرام فلا بأس أن يسرع شيئًا يسيرًا ما لم تكن عجلة تقبح وقد جاء عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوات التكبيرة الأولى وطمعوا في إدراكها، أما الإسراع =

стр. 243

وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ (١)، وَلا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ (٢)، ــ =الشديد مطلقًا فيكره وإن فاته بعض الصلاة لنهي النبي ﷺ عنه. ثانيًا: هل يشرع الإسراع اليسير لمن فاته شيء من الصلاة ؟ الصواب أنه يكره لأن الإسراع اليسير إنما شُرع لإدراك التكبيرة الأولى لما جاء في فضل إدراكها، ولهذا كان الصحابة يسرعون أحيانًا لإدراكها، أما إذا فاتت فلا يشرع الإسراع مطلقًا، هذا ما ذكره شيخ الإسلام (١) ﵀. ثالثًا: من خشي فوات الجماعة أو الجمعة بالكلية لا يكره له الإسراع؛ لأن ذلك لا ينجبر إذا فات، ذكر ذلك أيضًا شيخ الإسلام (٢) ﵀. (١) قوله «وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ» أي يقارب الماشي إلى الصلاة بين خطاه لكي تكثر الخطا ويكون له زيادة أجر، قال ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيْئَةٌ» (٣). (٢) قوله «وَلا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ» التشبيك المنهي عنه، له ثلاث حالات: الأولى: التشبيك إذا خرج من البيت. الثانية: التشبيك إذا بقي في المسجد. الثالثة: التشبيك في الصلاة. فكل هذه لا تنبغي، بل هي مكروهة من حين الخروج من البيت إلى =

стр. 244

وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، الآيَاتُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١)، ــ =خروجه من المسجد بعد فراغه من صلاته، لكن بعضها آكد في النهي من بعض، فأشدها كراهة في الصلاة ثم يليها داخل المسجد وأخفها حين خروجه من بيته متوجهًا إلى المسجد، ودليل ذلك قوله ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِيْ صَلاةٍ» (١) و العلة في النهي عن التشبيك هو التشبه بالشيطان كما جاء ذلك فيما رواه أحمد وغيره عن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ فَإِنَّ التَّشْبِيْكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» (٢). (١) قوله «وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾» الحديث الوارد في ذلك ضعيف فلا يشرع الإتيان بهذا الذكر، لكن هناك ما هو صحيح في هذا الأمر، ومن ذلك قوله ﷺ : «إِذَا خَرَجَ =الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ هُدِيْتَ وَكُفِيْتَ وَوُقِيْتَ فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِيْنُ فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ» (٣).

стр. 245

وَيَقُوْلُ: «اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِيْنَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّيْ لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا، وَلا بَطَرًا، وَلا رِيَاءً، وَلا سُمْعَةً، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِيْ مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِيْ ذُنُوْبِيْ، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ إِلاَّ أَنْتَ» (١). ــ =وفي حديث أم سلمة أيضًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوْذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا» (١). ومن ذلك أيضًا «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِيْ قَلْبِيْ نُوْرًا وَفِيْ لِسَانِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ فِيْ سَمْعِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ فِي بَصَرِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِيْ نُوْرًا وَمِنْ أَمَامِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِيْ نُوْرًا وَمِنْ تَحْتِيْ نُوْرًا اللَّهُمَّ أَعْطِنِيْ نُوْرًا» (٢). ففي هذه الأحاديث كفاية عما ذكره المؤلف لضعفه. (١) قوله «وَيَقُوْلُ: «اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِيْنَ عَلَيْكَ، .. إلى آخره» (١) الحديث الوارد في ذلك أيضًا ضعيف، وقال البوصيري في سند هذا الحديث: هذا حديث مسلسل بالضعفاء، وضعفه النووي أيضًا في الأذكار (٣)، وكذلك شيخ الإسلام ﵀ في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، وذكرأنه إن كان من كلام النبي ﷺ فهو محمول على التوسل إلى الله بشفاعة من أذن الله=

стр. 246

فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ، لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا (١)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَأْتُوْهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَائْتُوْهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِيْنَةَ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ، فَأَتِمُّوْا». وَإِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوْبَةُ (٢) ــ =له بالشفاعة (١)، وما ذكرناه من الأحاديث السابقة فيه غنية عن هذا الحديث. ثمّ هذا يشعر بالتوسل بالمخلوقين وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بالنهي عن ذلك. (١) قوله «فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ، لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا» تقدم بيان هذه المسألة. (٢) قوله «وَإِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوْبَةُ» لقوله ﷺ : «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ» (٢)، وهذا إذا أقام المؤذن فلا يبتدئ المصلي بنافلة حال إقامة المؤذن للصلاة، لكن إذا أقيمت الصلاة والمصلي يصلي نافلة هل يقطعها ويدخل مع الإمام أم يتمها؟ محل خلاف بين أهل العلم: منهم من قال: يتمها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣) وحملوا النهي في قوله ﷺ «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ» يعني لا صلاة جديدة، فالصلاة التي هو فيها يتمها. والقول الثاني: أنه يقطعها مباشرة أخذًا بعموم لفظ الحديث، وذهب الحنابلة (٤) إلى أنه يتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة.

стр. 247

وَإِذَا أَتَى الْمَسْجِدَ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُوْلِ (١)، ــ =وتوسط بعض أهل العلم منهم الشيخان - رحمهما الله -، فقال سماحة شيخنا ابن باز (١) ﵀: إن كان لم يركع الركوع الثاني من النافلة قطعها وإن كان ركع الركوع الثاني أتمها؛ لأنه لم يبق من الصلاة إلا الشيء اليسير. وقال شيخنا (٢) ﵀: إن لم يبدأ بالركعة الثانية فليقطعها، وإن كان قد دخل في الركعة الثانية فليتمها خفيفة. ولاحظ الفرق بين رأي الشيخين - رحمهما الله - والذي تطمئن إليه النفس هو رأي سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ - تنبيه: إن علم أن الصلاة تقام قريبًا فهل يشرع في النافلة؟ ينبغي أن نعلم أن مراعاة الصلاة المكتوبة بحدودها أولى من سنة يمكن قضاؤها أو لا يمكن، فالذي يظهر أنه إن غلب على ظنه أن الصلاة ستقام فلا يشرع في النافلة بل لا يستحب له ذلك؛ لأن إدراك أول الصلاة مع الإمام وإجابة المؤذن للإقامة هو المشروع، وهذا هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵀. (١) قوله «وَإِذا أَتَى الْمَسْجِدَ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُوْلِ» وذلك لأنه ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله، وجاء في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵁ «أَنَّهُ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى» (٤). فالرجل اليمنى تقدم في الأشياء الطيبة واليسرى لما سوى ذلك، فكل ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل ودخول المسجد =

стр. 248

وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ (١)، اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ، وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» (٢)، ــ =وتقليم الأظفار وقص الشارب وغير ذلك فيستحب فيه تقديم اليمنى. - تنبيه: إذا جاء إلى المسجد وأراد أن يخلع نعله على باب المسجد فالمشروع في حقه أن يخلع اليسرى أولاً ويضعها على النعل، ثم يخلع اليمنى على النعل كذلك، ثم يدخل اليمنى ثم اليسرى ليكون مؤخرًا لليمنى في الخلع ومقدمًا لها في الدخول؛ لما ورد من البداية في لبس اليمنى للنعل وخلع اليسرى منه. (١) قوله «وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ» لورود ذلك في الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه كان إذا دخل المسجد قال: «بِسْمِ اللهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ» (١)، وإن زاد على ذلك قوله «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيْمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيْمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ» (٢)، فهذا حسن لوروده عن النبي ﷺ . (٢) قوله «اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ، وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» وهذا أيضًا ثابت من قوله ﷺ ، حيث كان يقول إذا دخل المسجد «اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» (٣). وإذا خرج يقول مثل ذلك إلا أنه يقول: «أَبْوَابَ فَضْلِكَ». والفرق بين كونه إذا دخل طلب من الله فتح أبواب الرحمة، وإذا خرج طلب =

стр. 249

وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى (١)، وَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقُوْلُ: «وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (٢). ــ = فتح أبواب الفضل؛ لأن المسجد هو محل رحمة الله تعالى ومغفرته فناسب أن يطلب من الله ذلك، لكنه لما انتهى من صلاته وأراد أن يخرج ولا غنى له عن ربه في فتح أبواب الرزق له ناسب أن يدعو بطلب فتح أبواب الفضل والرزق من الله تعالى. (١) قوله «وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى» لما ذكرناه من قوله ﷺ في حديث ابن عمر السابق الذي رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ولأن الرجل اليسرى عكس اليمنى فتقدم اليسرى عند دخول الحمام وعند التنزه من البول، فهي تستخدم للأشياء المستقذرة، بعكس اليمنى فتقدم للأشياء المستطابة تكريمًا وتشريفًا لها. (٢) قوله «وَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقُوْلُ: «وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» ، أي «بِسْمِ اللهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» للحديث الوارد في ذلك، وقد بيّنا الفرق بين قوله أبواب رحمتك وقوله أبواب فضلك. لم يذكر المؤلف في باب المشي إلى الصلاة تحية المسجد فنقول: لا يجوز للمسلم إذا دخل المسجد أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين؛ لقوله ﷺ : « ... فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» (١). واختلف الفقهاء في حكم تحية المسجد ، والصحيح أنها سنة وليست بواجبة. وإذا دخل المصلي يوم الجمعة والمؤذن يؤذن للصلاة هل يصلي تحية المسجد=

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =أم ينتظر حتى يفرغ المؤذن من الأذان ليحصل على أجر المتابعة له ثم يصلي؟ يرى شيخنا (١) ﵀ أنه يصلي تحية المسجد لأن سماع الخطبة واجب وإجابة النداء سنة، والواجب مقدم على السنة، ويرى سماحة شيخنا ابن باز (٢) ﵀ أنه يتابع المؤذن ثم يصلي. والذي يظهر أنه يختلف باختلاف الحال، فإن كان يستطيع أداء السنة قبل بدابة الخطبة فيصلي بكل حال، وإن كان لا يستطيع إتمام النافلة حتى بداية الخطبة فهنا يتأكد في حقه أن يصلي مراعاة لاستماع الخطبة.
следующие страницы →