← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ، لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا (١)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَأْتُوْهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَائْتُوْهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِيْنَةَ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ، فَأَتِمُّوْا». وَإِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوْبَةُ (٢) ــ =له بالشفاعة (١)، وما ذكرناه من الأحاديث السابقة فيه غنية عن هذا الحديث. ثمّ هذا يشعر بالتوسل بالمخلوقين وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بالنهي عن ذلك. (١) قوله «فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ، لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا» تقدم بيان هذه المسألة. (٢) قوله «وَإِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوْبَةُ» لقوله ﷺ : «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ» (٢)، وهذا إذا أقام المؤذن فلا يبتدئ المصلي بنافلة حال إقامة المؤذن للصلاة، لكن إذا أقيمت الصلاة والمصلي يصلي نافلة هل يقطعها ويدخل مع الإمام أم يتمها؟ محل خلاف بين أهل العلم: منهم من قال: يتمها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣) وحملوا النهي في قوله ﷺ «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ» يعني لا صلاة جديدة، فالصلاة التي هو فيها يتمها. والقول الثاني: أنه يقطعها مباشرة أخذًا بعموم لفظ الحديث، وذهب الحنابلة (٤) إلى أنه يتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة.

стр. 247

وَإِذَا أَتَى الْمَسْجِدَ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُوْلِ (١)، ــ =وتوسط بعض أهل العلم منهم الشيخان - رحمهما الله -، فقال سماحة شيخنا ابن باز (١) ﵀: إن كان لم يركع الركوع الثاني من النافلة قطعها وإن كان ركع الركوع الثاني أتمها؛ لأنه لم يبق من الصلاة إلا الشيء اليسير. وقال شيخنا (٢) ﵀: إن لم يبدأ بالركعة الثانية فليقطعها، وإن كان قد دخل في الركعة الثانية فليتمها خفيفة. ولاحظ الفرق بين رأي الشيخين - رحمهما الله - والذي تطمئن إليه النفس هو رأي سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ - تنبيه: إن علم أن الصلاة تقام قريبًا فهل يشرع في النافلة؟ ينبغي أن نعلم أن مراعاة الصلاة المكتوبة بحدودها أولى من سنة يمكن قضاؤها أو لا يمكن، فالذي يظهر أنه إن غلب على ظنه أن الصلاة ستقام فلا يشرع في النافلة بل لا يستحب له ذلك؛ لأن إدراك أول الصلاة مع الإمام وإجابة المؤذن للإقامة هو المشروع، وهذا هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵀. (١) قوله «وَإِذا أَتَى الْمَسْجِدَ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُوْلِ» وذلك لأنه ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله، وجاء في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵁ «أَنَّهُ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى» (٤). فالرجل اليمنى تقدم في الأشياء الطيبة واليسرى لما سوى ذلك، فكل ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل ودخول المسجد =

стр. 248

وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ (١)، اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ، وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» (٢)، ــ =وتقليم الأظفار وقص الشارب وغير ذلك فيستحب فيه تقديم اليمنى. - تنبيه: إذا جاء إلى المسجد وأراد أن يخلع نعله على باب المسجد فالمشروع في حقه أن يخلع اليسرى أولاً ويضعها على النعل، ثم يخلع اليمنى على النعل كذلك، ثم يدخل اليمنى ثم اليسرى ليكون مؤخرًا لليمنى في الخلع ومقدمًا لها في الدخول؛ لما ورد من البداية في لبس اليمنى للنعل وخلع اليسرى منه. (١) قوله «وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ» لورود ذلك في الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه كان إذا دخل المسجد قال: «بِسْمِ اللهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ» (١)، وإن زاد على ذلك قوله «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيْمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيْمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ» (٢)، فهذا حسن لوروده عن النبي ﷺ . (٢) قوله «اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ، وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» وهذا أيضًا ثابت من قوله ﷺ ، حيث كان يقول إذا دخل المسجد «اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» (٣). وإذا خرج يقول مثل ذلك إلا أنه يقول: «أَبْوَابَ فَضْلِكَ». والفرق بين كونه إذا دخل طلب من الله فتح أبواب الرحمة، وإذا خرج طلب =

стр. 249

وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى (١)، وَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقُوْلُ: «وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (٢). ــ = فتح أبواب الفضل؛ لأن المسجد هو محل رحمة الله تعالى ومغفرته فناسب أن يطلب من الله ذلك، لكنه لما انتهى من صلاته وأراد أن يخرج ولا غنى له عن ربه في فتح أبواب الرزق له ناسب أن يدعو بطلب فتح أبواب الفضل والرزق من الله تعالى. (١) قوله «وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى» لما ذكرناه من قوله ﷺ في حديث ابن عمر السابق الذي رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ولأن الرجل اليسرى عكس اليمنى فتقدم اليسرى عند دخول الحمام وعند التنزه من البول، فهي تستخدم للأشياء المستقذرة، بعكس اليمنى فتقدم للأشياء المستطابة تكريمًا وتشريفًا لها. (٢) قوله «وَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقُوْلُ: «وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» ، أي «بِسْمِ اللهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» للحديث الوارد في ذلك، وقد بيّنا الفرق بين قوله أبواب رحمتك وقوله أبواب فضلك. لم يذكر المؤلف في باب المشي إلى الصلاة تحية المسجد فنقول: لا يجوز للمسلم إذا دخل المسجد أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين؛ لقوله ﷺ : « ... فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» (١). واختلف الفقهاء في حكم تحية المسجد ، والصحيح أنها سنة وليست بواجبة. وإذا دخل المصلي يوم الجمعة والمؤذن يؤذن للصلاة هل يصلي تحية المسجد=

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =أم ينتظر حتى يفرغ المؤذن من الأذان ليحصل على أجر المتابعة له ثم يصلي؟ يرى شيخنا (١) ﵀ أنه يصلي تحية المسجد لأن سماع الخطبة واجب وإجابة النداء سنة، والواجب مقدم على السنة، ويرى سماحة شيخنا ابن باز (٢) ﵀ أنه يتابع المؤذن ثم يصلي. والذي يظهر أنه يختلف باختلاف الحال، فإن كان يستطيع أداء السنة قبل بدابة الخطبة فيصلي بكل حال، وإن كان لا يستطيع إتمام النافلة حتى بداية الخطبة فهنا يتأكد في حقه أن يصلي مراعاة لاستماع الخطبة.

стр. 251

بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ (١). وَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ (٢)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ» أي الكيفية التي تكون عليها الصلاة، وهذا الباب هو لب كتاب الصلاة، وكم يحتاجه المسلم وتحتاجه المسلمة. (٢) قوله «وَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ» اجتمع في كلام المؤلف ركنان من أركان الصلاة: الركن الأول القيام فيها، والركن الثاني التكبير لها، فالقيام فيها ركن من أركان الصلاة، قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، وقال ﷺ لعمران بن حصين «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (٢)، فمتى استطاع المصلي أن يصلي قائمًا وجب عليه ذلك، فإن صلى جالسًا مع القدرة على القيام فلا تصح صلاته، هذا بالنسبة للفريضة، أما النافلة فيجوز للمصلي أن يصليها قاعدًا مع القدرة على القيام، لكن يكون الأجر فيها على النصف من أجر القائم. أما الركن الثاني فهو تكبيرة الإحرام وهي قول المصلي «اللهُ أَكْبَرُ» لا يجزئ غيرها، وهذا هو قول جمهور أهل العلم من المالكية (٣) والشافعية (٤)، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). فلا يجزئ المصلي أن يقول غيرها، وقال أبو حنيفة (٦) تنعقد الصلاة بكل لفظ يقتضي التعظيم.

стр. 252

يَجْهَرُ بِهَا الإِمَامُ (١) ــ =والصواب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوله ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطَّهُوْرُ وَتَحْرِيْمُهَا التَّكْبِيْرُ وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ» (١)، ولقوله ﷺ للمسيء صلاته «ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (٢). وهذا أيضًا ثابت من فعله ﷺ ومن فعل الصحابة ﵃ من بعده، ولم يثبت عنه ﷺ خلاف ذلك، فدل على أنه لا يجزئ غيرها، فلو قال المصلي: (الله الأجلّ)، أو (الله أجلّ)، أو (الله أعظم) ونحو ذلك فلا تنعقد صلاته. - تنبيه: هل يلزم حين تكبيره أن يسمع نفسه؟ المذهب (٣) أنه يشترط أن يسمع نفسه، فلو نطق بدون أن يسمع نفسه فلا عبرة بهذا النطق. وذهب شيخنا (٤) ﵀ أنه لا يشترط أن يسمع نفسه، بل متى تأكد المصلي من خروج الحروف من مخارجها ولم يسمع نفسه فإنه يجزئه ذلك، هذا إذا كان مأمومًا أو منفردًا، أما الإمام فالجهر بالتكبير والتسميع ونحو ذلك واجب كما سيذكره المؤلف. (١) قوله «يَجْهَرُ بِهَا الإِمَامُ» أي بتكبيرة الإحرام، وهذا واجب - أي الجهر بالتكبير - لأنه لا تتم متابعة الإمام إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو=

стр. 253

وَبِسَائِرِ التَّكْبِيْرِ (١)، لِيُسْمِعَ مَنْ خَلْفَهُ (٢)، وَيُخْفِيْهِ غَيْرُهُ (٣)، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيْرِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (٤)، ــ =واجب. (١) قوله «وَبِسَائِرِ التَّكْبِيْرِ» أي يجهر الإمام بتكبيرة الإحرام وبتكبيرات الانتقال من الركوع والسجود والرفع منه وغير ذلك مما جاء فيه التكبير، لكن هل يجهر الإمام بالتكبير عند قراءة آية فيها سجدة؟ الصواب أنه يكبر لسجود التلاوة، ويسجد وكذلك عند الرفع منه، وهو قول الشيخين (١)، دليل ذلك أنه ﷺ كان يكبر في الصلاة لكل رفع وخفض وهذا منه. (٢) قوله «لِيُسْمِعَ مَنْ خَلْفَهُ» لأن هذا هو الغاية من الجهر بالتكبير ولأن هذا كان من فعله ﷺ . (٣) قوله «وَيُخْفِيْهِ غَيْرُهُ» لأنه لا حاجة في جهر المأموم بالتكبير، ولأن في الجهر بالتكبير وغيره في حق المأموم والمنفرد تشويشًا على غيرهم، أما في حق المبلغ عن الإمام كما فعل أبو بكر ﵁ في مرض رسول الله ﷺ حيث كان النبي ﷺ يصلي بالناس وكان أبو بكر يسمع الناس التكبير فهذا جائز للحاجة، أما عند عدم الحاجة فلا يشرع ذلك بل لم يستحبه أحد من العلماء. (٤) قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيْرِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ» رفع اليدين في الصلاة سنة، لكن إلى أين يرفعهما؟ قال المؤلف إلى حذو منكبيه، وورد أيضًا إلى فروع أذنيه كما سيذكره المؤلف وهذا وارد من فعله ﷺ كما جاء في ذلك حديث ابن عمر ﵁، ولذلك من رفع يديه إلى أقل من المنكبين كما يفعله =

стр. 254

أَوْ إِلَى فُرُوْعِ أُذُنَيْهِ (١)، ــ =بعض الناس يرفعون أيديهم إلى سرتهم أو إلى أقل منها أو إلى أدنى من المنكبين فهؤلاء لم يطبقوا السنة، وهذا يحصل من الناس الذين لم يفهموا هديه ﷺ في الصلاة، دليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُوْنَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِيْنَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوْعِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ وَيَقُوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» (١). - تنبيه: يخطئ كثير من الناس ممن يأتون إلى صلاة الجماعة فيجد الإمام راكعًا فتراه يركض ليلحق الركوع مع الإمام ثم يكبر تكبيرة الإحرام في أثناء ركوعه أو لا يكبر أصلاً تكبيرة الإحرام بل يكبر للركوع، فهذا صلاته غير صحيحة لأمرين: الأول: أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام بل كبر للركوع فقط وتكبيرة الإحرام ركن. الثاني: لأنه لم يكبر للإحرام واقفًا. فالمشروع في حقه أنه يكبر للإحرام واقفًا ثم إن استطاع أن يكبر التكبيرة الثانية أي التكبير للركوع فهذا حسن وإن لم يستطع فالقاعدة الشرعية أن التكبيرة الصغرى تدخل في الكبرى، فتكبيرة الركوع تدخل في تكبيرة الإحرام. (١) قوله «أَوْ إِلَى فُرُوْعِ أُذُنَيْهِ» أي أعلى الأذن، وهذا ثابت من حديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: «كَانَ ﷺ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ فَقَالَ =

стр. 255

وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ (١)، وَيَجْعَلُ نَظَرَهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُوْدِهِ (٢)، ــ =سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ» (١)، وتكون اليدين حال الرفع مضمومة وممدودة الأصابع لثبوت ذلك عنه ﷺ . (١) قوله «وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ» أي لا يجعلهما على صدره، وهذا محل خلاف بين الفقهاء، والأفضل أنه يجعلهما على صدره؛ لورود ذلك في حديث وائل بن حجر ﵁. وقال مالك (٢) في رواية رواها عنه أصحابه: يكره وضع اليمنى على اليسرى في الفريضة دون النافلة. والصحيح أنه يسن فعل ذلك، وهو قول أبي حنيفة (٣) والشافعي (٤)، وهي الرواية الصحيحة عن الإمام مالك (٥). وكيفية وضع اليمنى على اليسرى لها ثلاث صور: الأولى: أن يقبض اليمنى باليسرى، والثانية: أن يبسط اليمنى على اليسرى، والثالثة: أن يكون ساعد اليمنى على ساعد اليسرى، وكل هذا ورد عن النبي ﷺ . (٢) قوله «وَيَجْعَلُ نَظَرَهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُوْدِهِ» أي يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده أثناء صلاته؛ لأنه أقرب للخشوع، ولأن هذا فعل أصحاب النبي ﷺ . قال محمد بن سيرين: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم إلى =

стр. 256

ثُمَّ يَقُوْلُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلهَ غَيْرُكَ» (١)، ــ =السماء في الصلاة، فلما نزلت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١) خفضوا أبصارهم إلى مواضع سجودهم. وقال بعض أهل العلم: بل ينظر المصلي تلقاء وجهه إلا إذا كان جالسًا فإنه ينظر إلى يده حيث يشير عند الدعاء. وقال بعضهم (٢): بل ينظر المأموم إلى إمامه ليتحقق من متابعته. وقال شيخنا (٣) ﵀: الأمر واسع ينظر الإنسان إلى ما هو أخشع له إلا في الجلوس فإنه يرمي ببصره إلى إصبعه حيث تكون الإشارة. والصواب: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم وهو أنه ينظر إلى موضع سجوده في الصلاة إلا في الجلوس فإنه ينظر إلى يده. (١) قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ» هذا هو دعاء الاستفتاح وهو ثابت في السنن وغيرها، والحديث فيه مقال، لكن بمجموع طرقه يرتقي إلى الصحة، لكن هناك استفتاحات أخرى وردت في صحيحي البخاري ومسلم، فمن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ فَقُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللَّهِ بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمِّيْ أَرَأَيْتَ سُكُوْتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيْرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُوْلُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِيْ وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ =

стр. 257

ثُمَّ يَقُوْلُ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (١)، ــ =بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِيْ مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِيْ مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» (١)، وكان عمر ﵁ يدعو بالدعاء الأول، لكن على الإنسان أن يستفتح بهذا تارة وبهذا تارة ليأتي بالسنن كلها، وليكون ذلك إحياء للسنة، ولأن ذلك فيه حضور للقلب، فإن الإنسان إذا التزم شيئًا معينًا صار عادة له، فإذا نوَّع استحضر القلب وخشع. وقوله «سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» فيه تنزيه الله تعالى وثناء عليه، وقوله «وَتَبَارَكَ اسْمُكَ» أي أن في اسمك البركة، وقوله «وَتَعَالَى جَدُّكَ» أي ارتفع، وجدك بمعنى سلطانك، والمعنى عظَّمتك عظمة عظيمة مرتفعة لا تشابهها أي عظمة. وقوله «وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ» أي لا معبود بحق سواك، والمعني الإجمالي لهذا الدعاء أنه لكمال صفاتك يا إلهي لا معبود بحق إلا أنت ولا إله غيرك. (١) قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ» وإن شاء قال: «أَعُوْذُ بِاللَّهِ السَّمِيْعِ الْعَلِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» أو يقول: «أَعُوْذُ بِاللهِ السَّمِيْعِ الْعَلِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ». فكل هذا جائز المهم أن يأتي بالاستعاذة.

стр. 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =واختلف الفقهاء فيها، فالجمهور على أنه يتعوذ في الصلاة مطلقًا، وقال مالك (١): لا يتعوذ في المكتوبة. والصواب ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في الاستعاذة مطلقًا في الفريضة والنافلة. وهل الاستعاذة واجبة أم مستحبة؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢)، فأمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن، وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها مستحبة، وهذا هو الصواب. لكن هل الاستعاذة للصلاة أم لقراءة القرآن ؟ الاستعاذة للقراءة، إذ لو كانت للصلاة لكان مقامها بعد تكبيرة الإحرام أو قبلها، ولذا كان من هدي ﷺ أنه يستعيذ قبل القراءة، وفائدة الاستعاذة ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المرء وهو يتلوا كتاب الله تعالى، وبهذا يحصل التدبر. ومعنى الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام بالله تعالى لأنه هو الملاذ. - تنبيه: هل الاستعاذة في كل ركعة في الصلاة، أم في الركعة الأولى فقط؟ نقول: المذهب (٣) أن الاستعاذة تكون في الركعة الأولى فقط؛ لأن القراءة في الصلاة قراءة واحدة ليس لكل ركعة قراءة منفردة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تكون في كل ركعة لكل قراءة، وهي رواية في المذهب (٤).

стр. 259

ثُمَّ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ (١)، وَلا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ ﵁: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِـ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ» (*) (٢)، ــ = والذي يظهر أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتكون الاستعاذة لما شكى إليه عثمان بن أبي العاص أن الشيطان حال بينه وبين صلاته فقال رسول الله ﷺ : «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاثًا» (١). (١) قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ» أي يستحب له الإتيان بالبسملة بعد الاستعاذة، وهذا هو قول الحنيفة (٢)، وقال المالكية (٣): لا يقرأ بالبسملة في الفريضة، وعند الشافعية (٤): الأظهر وجوب قراءتها لأنها آية من الفاتحة، والصواب استحباب الإتيان بها. لكن هل يجهر بها في الصلاة أم لا يجهر بها؟ سيذكر ذلك المؤلف. (٢) قوله «وَلا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ ﵁: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ» وكذا التعوذ والاستفتاح أي لا يجهرون بالبسملة في الصلاة، وهذا =

стр. 260

ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ (١)، ــ =قول الحنفية (١) أيضًا، وذهب الشافعية (٢) إلى الجهر في الصلاة، والصحيح المذهب أي أنه لا يجهر بها؛ لحديث أنس المتقدم، وهو متفق عليه وهو حجة في محل النزاع، لكن إن جهر بها تأليفًا لقلوب قوم مذهبهم الجهر بها، فقال شيخنا (٣) ﵀: أرجو أن لا يكون به بأس. - تنبيه: اختلف أهل العلم هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ فالجمهور على أنها ليست بآية من الفاتحة، وهي جزء من آية من سورة النمل إجماعًا، وآية فاصلة بين كل سورتين. وذهب الشافعية (٤) إلى أن البسملة آية من الفاتحة. والصواب أن البسملة ليست آية من الفاتحة؛ لما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِيْ وَبَيْنَ عَبْدِيْ نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِيْ مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي ... » (٥). الشاهد أنه لم يذكر البسملة في هذا الحديث فدل على أنها ليست منها. (١) قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ» هذا هو الركن الثالث من أركان الصلاة، فالركن الأول والثاني كما قلنا: القيام وتكبيرة الإحرام، ودليل ركنية الفاتحة قوله ﷺ

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١)، وقوله: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلاًثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» (٢)، وقوله: «فَلا تَفْعَلُوْا إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٣). فلابد من قراءة الفاتحة في الصلاة فمتى تركها المصلي إمامًا أو منفردًا بطلت صلاته. وقال الحنفية (٤): تصح الصلاة بغير الفاتحة لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٥) فلم يشترط الفاتحة له في صلاته. والصحيح أن الفاتحة ركن في الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها وذلك في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فقد اختلف الفقهاء في وجوب الفاتحة عليه، فذهب الحنفية (٦) إلى أن المأموم لا يقرأ مطلقاً خلف الإمام سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية. وذهب المالكية (٧) والحنابلة (٨) إلى أنه لا تجب قراءتها على المأموم في الصلاة مطلقاً سرية كانت أو جهرية، بل يستحب ذلك، =

стр. 262

وَلا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا (١)، ــ =وفي رواية عن الإمام أحمد (١) أنها تجب في الصلاة السرية دون الجهرية، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (٢). وذهب الشافعية (٣) إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة مطلقاً سرية كانت أو جهرية لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٤)، وأيضاً قوله ﷺ : «لا تجزاء صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب» (٥). فهذا حاصل ما ذهب إليه فقهاء المذاهب في قراءة الفاتحة على المأموم. أما الشيخين (٦) فقالوا بوجوبها مطلقاً في حق المأموم، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» (٧) وهم بذلك موافقون لمذهب الشافعية. والذي أميل إليه: أن قراءة الفاتحة تجب على الإمام والمأموم فيما يسر فيه الإمام، أما ما يجهر به فلا تجب عليه، وهذا هو اختيار العلامة بن سعدي (٨) ﵀. (١) قوله «وَلا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» الضمير هنا عائد على الفاتحة أي لا صلاة لمن يقرأ بها، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك.

стр. 263

إِلاَّ الْمَأْمُوْمُ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ (١)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيْ سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَمَا لا يَجْهَرُ فِيْهِ (٢)، ثُمَّ يَقْرَأُ سُوْرَةً تَكُوْنُ فِيْ الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (٣)، ــ (١) قوله «إِلاَّ الْمَأْمُوْمُ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» سبق بيان قول الفقهاء مع بيان الراجح. (٢) قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيْ سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَمَا لا يَجْهَرُ فِيْهِ» استثنى المؤلف حالتين يستحب للمأموم فيها أن يقرأ بفاتحة الكتاب: الحالة الأولى: في سكتات الإمام، وليس للإمام إلا سكتتان: السكتة الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، والسكتة الثانية عند الانتهاء من القراءة في الصلاة، فهذه هي السكتات التي جاءت بها السنة، أما بعد الفراغ من الفاتحة فليست هناك سكتة، وقال بعض الفقهاء: إن سكت ليتمكن المأموم من قراءة الفاتحة فلا حرج. الحالة الثانية: في ما لا يجهر فيه المأموم، أي في الصلاة السرية وهي الظهر والعصر، وكذا في الركعة الأخيرة من المغرب والركعتين الأخيرتين من العشاء، وهذا هو المذهب، أي يستحب للمأموم أن يقرأ بالفاتحة فيما لا يجهر فيه إمامه، والصواب كما ذكرنا أنه تجب فيما يسر فيه الإمام، وتسقط عن المأموم فيما يجهر فيه الإمام. (٣) قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ سُوْرَةً تَكُوْنُ فِيْ الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ» المفصل يبدأ من سورة «ق» إلى سورة «الناس»، والمفصل منه ما هو طوال وأواسط وقصار، فطوال المفصل تبدأ من سورة «ق» إلى سورة «النبأ»، وأواسط المفصل تبدأ من سورة «النبأ» إلى سورة «الضحى»، وقصار المفصل من سورة «الضحى» إلى سورة «الناس».

стр. 264

وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ (١)، ــ =فالسنة أن يقرأ المصلي في الصبح من طوال المفصل أي من «ق» أو «الذاريات» أو «الطور» أو «النجم» ونحو ذلك. لكن ما الحكمة من أن صلاة الصبح تكون من طوال المفصل؟ نقول: قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)، فعبر الله عن صلاة الفجر بالقرآن إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون القرآن مستوعبًا لأكثرها، وهذا كان فعله ﷺ فكانت صلاة الصبح يطيل فيها القراءة ما لا يطيل في غيرها، فكان يقرأ بها ما بين الستين إلى المائة. (١) قوله «وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ» أي من قصار المفصل يعني من «الضحى» إلى «الناس»، قال أبو هريرة ﵁: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلاةً بِرَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلانٍ كَانَ يُطِيْلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ» (٢)، لكن لا بأس أن يطيل أحيانًا في المغرب كما فعل ﷺ ، فقرأ فيها بـ «الأعراف» وبـ «المرسلات» (٣)، ولا بأس أن يقصر أحيانًا في الفجر كما قرأ ﷺ بـ «الزلزلة» (٤).

стр. 265

وَفِيْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ (١). وَيَجْهَرُ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِيْ الصُّبْحِ وَالأُوْلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (٢)، وَيُسِرُّ فِيْمَا عَدَا ذلِكَ (٣). ــ (١) قوله «وَفِيْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ» أي في الظهر والعصر والعشاء يستحب أن يقرأ فيها من أوسط المفصل، وهو كما قلنا من «النبأ» إلى «الضحى»، دليل ذلك أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فَإِنَّهُ يُصَلِّيْ وَرَاءَكَ الْكَبِيْرُ وَالضَّعِيْفُ وَذُو الْحَاجَةِ» (١)، لكن إن قرأ في كل ما ذكرنا بما يعادل طوال المفصل أو أوسطه أو قصاره فلا حرج. (٢) قوله «وَيَجْهَرُ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِيْ الصُّبْحِ وَالأُوْلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» هذا هو الثابت من فعله ﷺ ، وفعل خلفائه من بعده، وأجمعت الأمة على ذلك. (٣) قوله «وَيُسِرُّ فِيْمَا عَدَا ذلِكَ» أي يسر فيما عدا ما ذكره المؤلف، لكن لو رفع صوته بالقراءة أحيانًا فلا بأس بل هذا سنة؛ لأن رسول الله ﷺ كان يرفع صوته بالقراءة أحيانًا يسمع أصحابه إياها. وخلاصة الأمر هنا: أن الجهر بالقراءة في مواضع الجهر والإسرار فيها في مواضع الإسرار أمر مجمع على استحبابه، فإن جهر في مواضع الإسرار وأسرّ في مواضع الجهر فقد ترك السنة وصحت صلاته، لكن إن نسي الإمام فجهر=

стр. 266

ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ (١)، ــ =في مواضع الإسرار ثم ذكر في أثناء قراءته بنى على قراءته، أما إن نسي فأسرّ في موضع الجهر روايتان في المذهب (١): إحداهما أنه يمضي في قراءته، والثانية: يستأنف القراءة جهرًا على طريق الاختيار لا على طريق الوجوب، وهذا هو الصواب، أما المأموم فلا يشرع له الجهر بالقراءة، وما نراه من بعض الناس أنه يجهر بالقراءة أحيانًا وهو مأموم فهذا خلاف السنة. - تنبيه: من فاته بعض الصلاة فقام ليقضيها، هل يجهر بالقراءة فيما يشرع فيه الجهر؟ الصواب أنه مخير في ذلك، إن شاء جهر وإن شاء أسرّ، لكن يجهر بقدر أن يسمع نفسه حتى لا يشوش على غيره. (١) قوله «ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ» التكبير هنا واجب للركوع وهو ثابت من فعله ﷺ كما جاء في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُوْمُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُوْلُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (٢). أما الركوع فهو ركن في الصلاة لا تتم صلاة العبد إلا به فلا يسقط سهوًا ولا جهلاً، والركوع هو الانحناء، والانحناء في الظَّهر، والمقصود به تعظيم الله، ولذلك قال ﷺ : «فَأَمَّا الرُّكُوْعُ فَعَظِّمُوْا فِيْهِ الرَّبَّ » (٣)، لكن متى =

стр. 267

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ (١)، ــ =يكون محل التكبير للركوع؟ الجواب: يكون التكبير بين القيام وبين الركوع، ولهذا من كبر قبل الركوع أو بعد الركوع فقد أخطأ، ولهذا قال بعض الفقهاء (١) ﵏: لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي أو أتمه بعد أن يصل إلى الركوع فإنه لا يجزئه، وعللوا لذلك بأن التكبير محله بين الركنين، فإن أدخله في الركن الأول لم يصح، وإن أدخله في الركن الثاني لم يصح، والصواب أنه يجزئه لكنه خلاف الأولى. (١) قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ» أي عند تكبيره للركوع يرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه كما سبق، ودليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوْعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ» (٢) ويكون محل الرفع عند ابتداء تكبيره وانتهاؤه عند انتهائه. ورفع اليدين عند التكبير للركوع قال به الشافعي (٣) ومالك (٤) في إحدى الروايتين عنه، وخالف أبوحنيفة (٥) والمالكية (٦) فقالوا: لا يرفع إلا في تكبيرة الافتتاح. والراجح أنه يرفع لصريح الأدلة التي جاءت في صحيح البخاري ومسلم، أنه =

стр. 268

ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ (١)، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ (٢)، ــ = كان ﷺ يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه كما في حديث ابن عمر ﵄ السابق. (٢) قوله «ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ» هذه هي صفة الركوع، فأول هذه الصفة: (أ) أن يضع يديه على ركبتيه، وهذا ثابت من فعله ﷺ ، وهو قول الأئمة الأربعة، وذهب بعض السلف إلى التطبيق أي أن يجعل المصلي إحدى كفيه على الأخرى ثم يجعلها بين ركبتيه إذا ركع، والصحيح ما ذهب إليه الأئمة وهو أن يضع المصلي يديه على ركبتيه، أما ما ذهب إليه بعض السلف فهذا كان أول الإسلام ثم نسخ، دليل ذلك ما جاء في الصحيح من حديث مصعب بن سعد قال: «صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِيْ فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِيْ أَبِيْ وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِيْنَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيْنَا عَلَى الرُّكَبِ» (١). (ب) أن يفرج أصابعه، فلا يجعلها مضمومة كما يفعله البعض بل يجعلها مفرجة كأنه قابض على ركبتيه، وهذا ثابت من فعله ﷺ . (٢) قوله «وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ» هذا هو الأمر الثالث في صفة الركوع، وهي أن يمد ظهره فيجعله حال ركوعه مستويًا، فلا يقوس ظهره ولا يهصره حتى ينزل وسطه ولا ينزل مقدم ظهره، وإنا لنعجب حين نرى بعض الناس من الأئمة وغيرهم لا يطبقون هذه السنة، بل تراهم إما أن ينزل مقدم ظهره أو يرفعه بحيث لا =

стр. 269

وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ (١)، ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ، ثَلاثًا (٢)، ــ =يكون مستويًا، وهذا خلاف السنة، قالت عائشة ﵂: « .. وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذلِكَ .. » (١). وقال وابصة ابن معبد ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيْ فَكَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لاسْتَقَرَّ» (٢). (١) قوله «وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ» أي يجعل رأسه حيال ظهره حال ركوعه، وهذا هو الأمر الرابع في صفة الركوع، ودليله حديث عائشة السابق، فمتى جاء المصلي بهذه الأمور الأربعة فقد قام بأداء السنة في ركوعه. وهناك أمر لم يذكره المؤلف وهو أن يجافي بين يديه حال ركوعه أي يفرج يديه عن جنبه، لكن هذه السنة مشروطة بعدم أذية من يصلي بجانبه، فإن كان في أداء هذه السنة أذية للغير فلا يشرع فعلها؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يفعل سنة يؤذي بها غيره. وما ذكره المؤلف ﵀ هو صفة الركوع المستحبة، لكن الواجب من الركوع هو أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام. والمشهور من المذهب (٣) أن الركوع الواجب هو أن ينحني بحيث يمكن أن يمس ركبتيه بيديه إذا كان وسطًا. (٢) قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ، ثَلاثًا» اختلف الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود، هل هو واجب أم مستحب؟ فالمذهب (٤) على أنه واجب، وهو قول=

стр. 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (١) وشيخنا محمد العثيمين (٢) - رحمهما الله - وهو الذي نرجحه، وذهب الأئمة الثلاثة (٣) إلى استحباب ذلك في الركوع والسجود. وقوله «ثَلاثًا» هذا على سبيل الاستحباب، وإلا فالواجب في التسبيح للركوع مرة واحدة، وما زاد على ذلك فمستحب، لكن إن جاء المصلي بأي صفة أخرى من التسبيح كقوله: «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ» (٤)، أو «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ» (٥)، أو قال «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (٦)، ونحو ذلك مما جاءت به السنة، هل يجزئه عن قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ»؟ المذهب: لا يجزئه ذلك، بل لابد أن يأتي بقول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» لأن هذا هو الذكر المنصوص عليه فالواجب الإتيان به، وإن زاد فحسن، والصواب أنه إن جاء بأي ذكر مما جاءت به السنة أجزأه ذلك؛ لأن المهم حصول ذكر حال الركوع سواء جاء بقول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» أو جاء بغيره من أنواع التسبيح الأخرى.

стр. 271

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (١)، ــ (١) قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وهذا للإمام والمنفرد، وهذا الذكر واجب في المذهب (١)، وذهب الأئمة الثلاثة (٢) إلى مشروعيته لا وجوبه، والصحيح أنه واجب؛ لقوله ﷺ : «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (٣). وجاء في صفة صلاته أنه كان يقول «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ حيث قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُوْمُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِيْنَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُوْلُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (٤)، وجاء عنه أنه قال: «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٥). لكن هل يقول المأموم كما يقول الإمام والمنفرد «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أم يكفيه أن يقول: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»؟ محل خلاف بين الفقهاء، فقد ذهب الصنعاني (٦) وغيره إلى أنه لابد من قوله «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» لأنه هو ذكر القيام من الركوع. والصواب: أنه لا يلزم المأموم الإتيان بقول «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» لقوله ﷺ =

стр. 272

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ (١)، ــ = «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وهذا هو اختيار شيخنا (١) ﵀. ومعنى «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أي استجاب الله تعالى لمن أثنى عليه. (١) قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ» أي يرفعها كرفعه لتكبيرة الإحرام، وكذا تكبيره للركوع؛ لما جاء ذلك في حديث ابن عمر السابق، ولم يذكر المؤلف أين يضع المصلي يديه بعد الرفع من الركوع ، والصواب أن يضعها على صدره لا يرسلها، وهذا هو الذي يقتضيه حديث سهل بن سعد ﵁ قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ» (٢)، هذا هو الصحيح، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٣) وشيخنا محمد العثيمين (٤) - رحمهما الله -، وذهب الإمام أحمد (٥) إلى التخيير بين وضع اليمنى على اليسرى وبين إرسالها، لكن الصواب ما ذكرناه للحديث المتقدم. تنبيه: لا تجعل مسألة إرسال اليد أو قبضها بعد الركوع قضية يتخاصم فيها المسلم مع أخيه المسلم، فإنه للأسف نرى بعض المسلمين يهجر بعضهم بعضًا بسببها، وهذا ناتج عن الجهل وقلة العلم، بل الذي ينبغي أن يعلم أن هذه المسألة من قبيل السنن لا من قبيل الواجبات، فكون الرجل يصلى =

стр. 273

فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (١)، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (*) (٢) ــ =مرسلاً ولم يقبض يديه قبل الركوع أو بعده فصلاته صحيحة وإن ترك الأفضل في الصلاة فلا ينبغي لأحد أن يهجر أخاه ويحصل بينهم فرقة ونزاع في هذه المسألة وغيرها، وقد رأينا في بعض البلاد الإسلامية أموراً عجيبة حول هذه المسألة. (١) قوله «فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قَالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» أي متى اعتدل المصلي قائمًا من الركوع قال: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وهذه هي إحدى الصفات التي جاءت بها السنة. وقد ورد في ذلك أربع صفات: الأولى: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والثانية: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، والثالثة: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والرابعة: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». وكل هذه الصفات جاءت في أحاديث صحيحة، وكل واحدة منها مجزئة، لكن الأفضل أن يقول هذه أحيانًا وهذه أحيانًا، والقاعدة في ذلك «أن العبادات التي جاءت على وجوه متنوعة فالأفضل فعلها على هذه الوجوه». (٢) قوله «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» أي يستحب الزيادة على قوله «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» أن يقول هذا الذكر وهذا ثابت عن النبي ﷺ . و معنى قوله «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ» أي أنه سبحانه محمود على كل مخلوق يخلقه وعلى كل فعل يفعله، فمن المعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كلها من خلق الله فيكون الحمد مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن =

стр. 274

وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُوْمُ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (*) (١). ثُمَّ يَخِرُّ سَاجِدًا مُكَبِّرًا (٢) ــ =المخلوقات تملئ السماوات والأرض. وقوله «وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» أي ما سوى السماء والأرض مما لا نعلمه، وقيل في تفسيرها ما يشاؤه سبحانه بعد فناء السماء والأرض. وإن زاد على الذكر «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (١) فهذا حسن لوروده عن النبي ﷺ . (١) قوله «وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُوْمُ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» إن كان مراده أن لا يقول «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» بل يقتصر على قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فهذا صحيح، وقد ذكرنا ذلك سابقًا وقلنا بأن المأموم المشروع في حقه أن يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ولا يلزمه الإتيان بـ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وله أن يأتي بأي صفة من الصفات الأربع المذكورة آنفًا. وإن كان مراده أن لا يقول: «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ .. » و «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ .. » وغير ذلك من الأذكار المشروعة بعد قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فالصواب أنه يستحب الإتيان بها للإمام والمأموم والمنفرد. (٢) قوله «ثُمَّ يَخِرُّ سَاجِدًا مُكَبِّرًا» ثم أداة عطف تفيد الترتيب والتراخي، إذًا فما هو مقدار الاعتدال بعد الركوع؟ الجواب: يكون بمقدار الركوع تقريبًا كما جاء في حديث البراء بن عازب ﵁ حيث قال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ =

стр. 275

وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ (١)، وَيَكُوْنُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثَمَّ كَفَّاهُ (٢)، ــ =فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوْعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيْمِ وَالاِنْصِرَافِ قَرِيْبًا مِنَ السَّوَاءِ» (١)، إذًا فالسنة الواردة في القيام بعد الركوع الإطالة في هذا الركن، بخلاف ما يفعله البعض من تخفيف هذا الركن، بل وصل الحد عند البعض أنه لا يطمئن في هذا الركن وهذا غلط عظيم. وقوله «مُكَبِّرًا» أي يكبر حين هويه للسجود. (١) قوله «وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ» أي لا يرفع يديه عند سجوده، وذلك لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم وفيه «وَلا يَفْعَلُ ذلِكَ فِي السُّجُوْدِ» (٢)، وهذا هو الصحيح، بخلاف ما ذهب إليه بعض العلماء أنه يشرع للمصلي أن يرفع يديه في كل خفض ورفع واستدل لذلك بحديث أنه ﷺ «كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيْ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (٣)، وقد أجاب ابن القيم (٤) على هذا الحديث بأنه وهم من الراوي والصواب أنه ﷺ «كَانَ يُكَبِّرُ فِيْ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (٥)، وأيضًا حديث ابن عمر المتقدم صريح بعدم الرفع عند السجود وهو مقدم على الحديث الضعيف. (٢) قوله «وَيَكُوْنُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثَمَّ كَفَّاهُ» اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف أن السنة عند=

стр. 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =السجود وضع الركبتين قبل اليدين حين الهوى إلى السجود، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، والشافعية (٣)، وهو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٤)، وشيخنا محمد العثيمين (٥) - رحمهما الله -، ودليل ذلك حديث وائل بن حجر ﵁ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (٦). القول الثاني: وهو قول المالكية (٧)، وإحدى الروايتين عند أحمد (٨)، وهو قول أصحاب الحديث: أن المصلي الأفضل له عند سجوده وضع اليدين قبل الركبتين، واحتجوا لذلك بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيْرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» (٩)، وأيضًا احتجوا بتبويب البخاري لذلك حيث قال: «باب يهوي بالتكبير حين سجد=

стр. 277

ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ (١)، ــ =وقال نافع: وكان ابن عمر ﵄ يضع يديه قبل ركبتيه»، وفي رواية «كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه ويقول كان النبي ﷺ يفعل ذلك»، وقال الأوزاعي: «أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم». والذي يظهر أن الأمر في ذلك واسع فمن رأى أن السنة تقديم الركبتين فعل، ومن رأى أن السنة تقديم اليدين فعل، لكن القول الأول أصرح دليلاً، وقد نصره العلامة ابن القيم في زاد المعاد (١) وغيره، وبيَّن أنَّ في الحديث انقلاب. (١) قوله «ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ» وذلك لأنهما من أعضاء السجود السبعة؛ لقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ» (٢). لكن هل يجب السجود على الجبهة والأنف ؟ الصحيح أنه يجب السجود عليهما، وهو المذهب (٣)، وقول مالك (٤) في رواية عنه وذلك للحديث المذكور، وذهب أبو حنيفة (٥)، وهو قول عن مالك (٦) إلى أن السجود على الأنف لا يجب.

стр. 278

وَيُجَافِيْ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ (١)، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ (٢)، وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (٣). ــ (١) قوله «وَيُجَافِيْ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ» وهذا سنة؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بحينة: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» (١)، لكن يستثنى من ذلك إذا كان في صلاة جماعة وخشي أن يؤذي غيره بهذه المجافاة، فهنا لا يستحب له فعلها؛ لأن أقل أحوالها الكراهة لما يحصل فيها من تشويش على من بجانبه. (٢) قوله «وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ» أي يستحب أن يجافي بين بطنه وفخذيه؛ لقوله ﷺ : «اعْتَدِلُوْا فِي السُّجُوْدِ وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (٢)، ولا يحصل الاعتدال إلا إذا جافى بالعضدين عن الجنبين، وبالبطن عن الفخذين، وبالفخذين عن الساقين. لكن ليس معنى ذلك أن يمد ظهره حتى يقرب من الانبطاح كما يفعله البعض، بل هذا بدعة لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا غيرهم من سلف الأمة، لكن الذي ورد أنه يمد ظهره في الركوع فقط، أما في السجود فالسنة أن يرتفع ببطنه ولا يمده. (٣) قوله «وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» هذا هو المذهب (٣)، وهو قول الشافعي (٤)، وقيل: بل يجعلها حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر عند مسلم=

стр. 279

وَيَكُوْنُ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ (١)، ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلاثًا (٢)، ــ =أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ» (١)، وفي رواية عند أحمد « ... ثُمَّ سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ» (٢). وقال شيخنا (٣): يكون موضع اليدين على حذاء المنكبين، وإن شاء قدمهما وجعلهما على حذاء الجبهة أو فروع الأذنين؛ لأن هذا جاءت به السنة. ويستحب أن يضع المصلي راحتيه على الأرض مبسوطتين مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض مستقبلاً بهما القبلة. (١) قوله «وَيَكُوْنُ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ» مستقبلاً بهما القبلة، لكن هل يفرق بين القدمين أثناء سجوده أم يضم بعضهما إلى بعض؟ المذهب (٤) أنه يفرق بينهما، وقال بعض أهل العلم: بل يجمعها مضمومتين يعني يرص القدمين بعضهما ببعض، وهذا هو قول شيخنا، واحتجوا لذلك بحديث عائشة أن النبي ﷺ كان «رَاصًّا عَقِبَيْهِ» (٥). (٢) قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلاثًا» والكلام هنا كالكلام عند قوله ﵀ «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ»، فقول المصلي «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» واجب في الصلاة والمجزئ منه مرة واحدة، وذهب الأئمة الثلاثة (٦) إلى أن هذا التسبيح=

стр. 280

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (١)، ــ = في الصلاة سنة ليس بواجب، والصحيح أن التسبيح واجب في الصلاة. - تنبيهان: أولاً: إذا جاء بتسبيح غير المذكور كأن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ» (١) أو قال: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (٢) ونحو ذلك، هل يجزئه؟ المذهب أن الواجب من التسبيح أن يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» وإن زاد على هذا الذكر فحسن، والصواب كما ذكرنا أنه يأتي بأي نوع من أنواع التسبيحات المذكورة. ثانيًا: المذهب (٣): لا تستحب الزيادة على قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» في الفرض، وفي التطوع روايتان، والصحيح أن الزيادة على قول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ االأَعْلَى» مشروعة بل مستحبة؛ لورود ذلك عن النبي ﷺ . (١) قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا» ودليله حديث أبي هريرة ﵁ السابق وفيه «إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ» (٤)، وهذا التكبير واجب في الصلاة كما ذكرنا ذلك سابقًا، وذهب جمهور أهل العلم على أن جميع التكبيرات سنة =

стр. 281

وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى (١) ــ = تكبيرة الإحرام فهي فرض. (١) قوله «وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى» هذه هي صفة الجلوس بين السجدتين، فالسنة أن يجلس بين السجدتين مفترشًا، وصفة الافتراش كما ذكره المؤلف هي أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى، ودليل ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى» (١)، وأيضًا جاء في حديث أبي حميد الساعديّ ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ حيث قال: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِيْ مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلاً ثُمَّ أَهْوَى سَاجِدًا» (٢)، لكن إن فرش قدميه وجلس على عقبيه، المذهب (٣) أنه يكره ذلك، وبالكراهة قال الحنفية (٤) والمالكية (٥)، وقال الشافعية (٦) وهو رواية المذهب (٧) أنه لا يكره بل من السنة فعل ذلك، واحتجوا لذلك بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: «من السنة أن يمس عقبك=

стр. 282

وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ (١)، ــ =إليتيك» (١)، وقال طاووس: «قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ » (٢) وهناك صفة أخرى جاءت عن ابن عباس ﵄ أيضًا وهي: أن ينصب المصلي قدميه ويجلس على عقبيه. فالمذهب (٣) أن هذه الصفة والتي قبلها ليست من السنة. والصواب أن يقال: كل ما جاء عن النبي ﷺ بأحاديث صحيحة يعد سنة، لكن لا يواظب الإنسان على فعله، بل يفعله أحيانًا لبيان الجواز وإحياء للسنة، فيشرع للمصلي أن يفرش كلتا رجليه أحيانًا أو ينصبها ويجلس عليها أحيانًا، لكن يكون ذلك بين السجدتين كما ذكر ذلك بعض أهل العلم، أما في الجلوس للتشهد فالسنة أن يفرش اليسرى وينصب اليمنى. (١) قوله «وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ» أي يثني أصابع اليمنى ويجعلها نحو القبلة؛ لورود ذلك في صفة صلاة النبي ﷺ . - تنبيه: أين يجعل المصلي يديه حال الجلوس بين السجدتين وكيف تكونان؟ نقول: هناك صفتان في وضع اليدين حال الجلوس بين السجدتين: الصفة الأولى: أن يضع يديه على فخذيه وأطراف أصابعه عند ركبتيه. والصفة الثانية: أن يضع يديه على ركبتيه، فيضع اليد اليمنى على الركبة=

стр. 283

وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا (١)، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى (٢)، ــ =واليد اليسرى على الركبة يلقمها الركبة كأنه قابض لها. أما عن كيفية اليدين في حال وضعهما على الركبة في الصلاة فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فجمهور الفقهاء أن اليدين اليمنى واليسرى تكونان مبسوطتي الأصابع موجهة إلى القبلة، وذهب ابن القيم (١) واختاره شيخنا (٢) ﵀ أن السنة في ذلك أن تكون اليد اليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع موجهة إلى القبلة، أما اليمنى فالسنة أن يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام على البنصر الوسطى ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء. (١) قوله «وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا» وهذا الذكر واجب في الصلاة والمجزئ مرة واحدة، والمستحب الإتيان به ثلاثًا، وبوجوبه قال الحنابلة (٣)، وذهب الجمهور إلى أن ذلك سنة وليس بواجب، وإن زاد المصلي على ذلك فقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِيْ وَارْحَمْنِيْ وَاجْبُرْنِيْ وَارْفَعْنِيْ وَارْزُقْنِيْ وَاهْدِنِيْ» (٤)؛ لوروده عن النبي ﷺ فحسن. (٢) قوله «ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى» أي كالسجدة الأولى في الأقوال والأفعال، فيقول فيها كما قال في السجدة الأولى «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ»، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ =

стр. 284

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (١)، وَيَنْهَضُ قَائِمًا (٢)، ــ =اغْفِرْ لِيْ»، «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» ونحو ذلك. (١) قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا» والتكبير هنا واجب كما ذكرنا لحديث أبي هريرة ﵁ السابق بخلاف قول الجمهور بسنيتها. (٢) قوله «وَيَنْهَضُ قَائِمًا» أي بلا جلوس للاستراحة وهذا هو المذهب (١)، وذهب الشافعية (٢) إلى أن الجلوس للاستراحة سنة مطلقًا، سواء احتاج الإنسان إليه أم لم يحتج، وهذا هو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٣) ﵀، وهو قول أكثر أهل الحديث، واستدلوا لذلك بحديث مالك بن الحويرث الليثي ﵁ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِيْ وِتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» (٤)، وفي رواية «جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ قَامَ» (٥). وذهب شيخنا محمد العثيمين (٦) ﵀ إلى قول وسط في هذه المسألة فقال: إن كان المصلي يحتاج إلى الجلوس أي لا يستطيع أن ينهض بدون جلوس فيجلس تعبدًا، وإن كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس، وهو قول صاحب المغني، واختاره ابن القيم، وهذا هو الراجح. - تنبيه: إذا كان الإمام لا يجلس للاستراحة، فهل يشرع للمأموم أن يجلس =

стр. 285

فَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالأُوْلى (١). ــ =لها إذا كان يرى أنها سنة؟ الجواب: متابعة الإمام أفضل؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (١)، ولقوله ﷺ : «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوْا» (٢)، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، فدل ذلك على أن الأفضل في حق المأموم ألا يتأخر عن الإمام ولو يسيرًا. (١) قوله «فَيُصَلِّيْ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى» أي يصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الركعة الأولى، قال ﷺ للمسيء صلاته: «ثُمَّ افْعَلْ ذلِكَ فِيْ صَلاتِكَ كُلِّهَا» (٣)، لكن الركعة الثانية تخلو من النية وتكبيرة الإحرام والاستفتاح؛ لأن هذه من خصائص الركعة الأولى. - تنبيه: هل يستعيذ عند القراءة في الركعة الثانية ؟ قلنا: إن ذلك محل خلاف، فإحدى الروايتين عن أحمد (٤) وهي المذهب: أنه لا يستعيذ إلا في الأولى، والرواية الثانية عن أحمد (٥) وهو قول الشافعي (٦) ﵀ أنه يستعيذ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٧) فيقتضي ذلك تكرار الاستعاذة عند تكرار القراءة، لكن الصواب الأول كما رجحنا=
следующие страницы →