أَوْ لا يَتَغَذَّى، يُرِيْدُ غِذَاءً بِعَيْنِهِ، اخْتَصَّتْ يَمِيْنُهُ بِهِ (١)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهِ، حَنِثَ بِكُلِّ مَا فِيْهِ مِنَّةٌ (٢)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَانتَفَعَ بِثَمَنِهِ، حَنِث (٣).
ــ
=فقال: والله لا أكلم رجلاً، ويقصد فلاناً بعينه؛ فهنا تنصرف يمينه إلى فلان الخاص.
(١) قوله «أَوْ لا يَتَغَذَّى، يُرِيْدُ غِذَاءً بِعَيْنِهِ، اخْتَصَّتْ يَمِيْنُهُ بِهِ»: أي أو قال: والله ما أتغدى، وهو يقصد غداءً مُعَيَّنًا؛ اختصت يمينه بذلك الغداء المعين، أو حلف على ترك شيء مطلقاً لكنه يقصد وقتاً معيناً: والله ما أفعل كذا، وهو يقصد خلال هذا الشهر فقط، أو خلال هذا اليوم، أو خلال هذا الأسبوع فتنصرف اليمين إلى ما نواه. فهذا هو القسم الأول الذي ينوي بالعام الخاصَّ.
القسم الثاني: أن ينوي بالخاصِّ العامَّ، ومثل له المؤلف بقوله:
(٢) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهِ، حَنِثَ بِكُلِّ مَا فِيْهِ مِنَّةٌ»: أي لو أن رجلاً قال لآخر: والله ما أشرب ماءً عندك ولو عطشت، لكنه أكل عنده، فهنا يحنث، لأنه لما قال: والله لا أشرب عندك ماءً ولو كنت شديد العطش، يريد بذلك قطع منته عليه، ولا فرق في هذا بين الأكلِ وبين الشرب، فهذا مثالٌ للخاصِّ الذي يُراد به العام.
(٣) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَانتَفَعَ بِثَمَنِهِ، حَنِث»: لأن مقصوده لما قال ذلك: قطع المنة، أي لا يريد منها أيَّ شيء، فإذا أخذه وباعه حنث في يمينه.
стр. 2207
وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، يُرِيْدُ أَنْ لا يَتَجَاوَزَهُ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ (١)، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَبِيْعَ ثَوْبَهُ إِلاَّ بِمِئَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ (٢). وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُرِيْدُ غَيْظَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِتَزْوِيْجٍ يَغِيْظُهَا (٣)، وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا، يُرِيْدُ تَأْلِيْمَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِضَرْبٍ يُؤْلِمُهَا (٤)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، يُرِيْدُ أَنْ لا يَتَجَاوَزَهُ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ»: لأنه إذا قضاه اليوم، لم يتجاوز غداً، فلا يحنث، لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد، فإذا قضاه قبله فقد قضاه قبل خروج الغد وزاده خيرا.
(٢) قوله «وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَبِيْعَ ثَوْبَهُ إِلاَّ بِمِئَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ»: لأن مقتضى يمينه أنه لا يبيعه بأقل من المئة، فلو باعه بأكثر منها فإنه لا يحنث، ولهذا قال المؤلف: «إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ».
(٣) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُرِيْدُ غَيْظَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِتَزْوِيْجٍ يَغِيْظُهَا»: مثل أن يقول: والله لأتزوجن يريد أن يغيظ زوجته، فإنه لم يبرَّ يمينه إلا إذا تزوج زواجًا يحصل به إغاظة المرأة، لأنه قصد ذلك.
(٤) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا، يُرِيْدُ تَأْلِيْمَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِضَرْبٍ يُؤْلِمُهَا»: كما لو حلف فقال: والله لأضربنك، ونوى بذلك الإيلام، فلا يكفي أن يضرب ضرباً بدون ألم.
стр. 2208
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهَا بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ (١)، فَإِنْ عَدِمَتِ النِّيَّةُ، رَجَعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِيْنِ وَمَا هَيَّجَهَا، فَيَقُوْمُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، لِدِلالَتِهِ عَلَيْهَا (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهَا بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ»: أي فلابد أن يضرب عشرة أسواط، لأنه لا يفهم من ضرب عشرة أسواط إلا عشر ضربات متفرقات فيجب أن تحمل اليمين عليه؛ وأما قول الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ (١) فإنه كان لأيوب خاصَّة، حتى يَبَرَّ بيمينه، ولم تُشرعْ في شرعه كفارةُ اليمين. أما في شرعنا، فإذا حلف الإنسان مثل هذا، فإنه يكفر كفارة يمين.
لكن لا يكون ضربا مُبَرِّحاً؛ لأن الضرب المبرح جاءت الشريعة بالنهي عنه فربما يكون معصيةٌ؛ فلا يبر به، وهذا هو المذهب.
قلت: والصواب أنه يبرّ لأن الله أباح لأيوب ﵇ ذلك، ودعوى تخصيص أيوب بذلك غير مسلَّم.
(٢) قوله «فَإِنْ عَدِمَتِ النِّيَّةُ، رَجَعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِيْنِ وَمَا هَيَّجَهَا، فَيَقُوْمُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، لِدِلالَتِهِ عَلَيْهَا»: هذه هي المرتبة الثانية؛ أي: إذا لم يكن للحالف نية، نرجع إلى سبب اليمين وما هيجها يعني: أثارها فتحمل اليمين عليه.: فلو أن إنساناً حلف، فقيل له: ماذا نويت؟ قال: والله ما أدري، أو أنه قال: نسيتُ؛ فهنا نرجع إلى السبب الذي هيج اليمين، فيقوم مقام=
стр. 2209
فَإِنْ عُدِمَ ذلِكَ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ (١)، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ، كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ (٢)،
ــ
=نيته للدلالة عليه.
مثاله: فلو أنه حصل بين شخص وآخر نزاعٌ فقال: والله لا أدخل هذه الدار بعد اليوم، ثم إن صاحب الدار باعها، ودخلها هذا الحالف، فهل يحنث أم لا؟ فهنا يقال للحالف: ماذا نويت؟ قال: والله ما أدري، أو: نسيت.
فنرجع إلى السبب الذي هَيَّجَ هذه اليمين، والسبب هو النزاع بينه وبين صاحب الدار، فنقول هذه اليمين إنما قصد بها أن لا يدخل هذه الدار التي صاحبها هذا الرجل. لكن إذا تغير المالك لها؛ فحينئذ زال السبب الذي لأجله حلف.
مثال آخر: لو قال: والله لا أكلم زيداً، لكونه سمع أنه يشرب الدخان، فتبين له أن زيداً رجل لا يشرب الدخان، فهنا نقول: لا حنث عليه؛ لأن السبب الذي جعله يحلف تبين عدمه.
(١) قوله «فَإِنْ عُدِمَ ذلِكَ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ»: هذه هي المرتبة الثالثة، فإذا لم يكن له نية، ولم يكن لليمين سبب، حملت على ظاهر اللفظ.
(٢) قوله «فَإِنْ كَانَ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ، كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ»: ظاهر اللفظ إما أن يكون الاسم له دلالة شرعية، أو دلالة عرفية، أو دلالة حقيقية؛ فيرجع أولا للعرف الشرعيِّ؛ كالصلاة والزكاة، فالصلاة دلالتها الشرعية=
стр. 2210
حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ، وَتَنَاوَلَتْ صَحِيْحَهُ (١)،
ــ
=معروفة: عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم. لكنَّ معناها وحقيقتها اللغوية الدعاء، فإذا حلف إنسان مثلاً على أن يصلي لله تعالى ركعتين فإننا نحمله على الصلاة بمعناها الشرعي، وليس بمدلولها اللغوي.
وهكذا إذا قال قائل: والله لأصلينَّ قبل أذان العشاء، ثم مدّ يديه إلى السماء وجعل يدعو حتى أذن العشاء، فقيل له: لماذا لم تصلِّ؟ قال: أنا صليت، فهنا إن كان ليس له نية ولا سبب، فإنه يحنث، لأن كلامه يحمل على المعنى الشرعي.
صحيح أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نحن المسلمين يحمل كلامنا على الأمر الشرعي وهكذا الزكاة، ولهذا قال المؤلف:
(١) قوله «حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ، وَتَنَاوَلَتْ صَحِيْحَهُ»: أي إن كان لا يوجد سبب ولا نية فيحمل يمينه على المعنى الشرعي مثل البيع، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والوقف، وأشياء كثيرة، هذه يختلف فيها الشرع واللغة، ولهذا نقول: الطهارة لغة كذا، وشرعاً كذا، الصلاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الزكاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الحج لغة كذا، وشرعاً كذا، البيع لغة كذا، وشرعاً كذا، فهذه الأشياء التي اختلف فيها الشرع واللغة، فإن الكلام يحمل على المعنى الشرعي عند إطلاقه.
стр. 2211
فَلَوْ حَلَفَ لا يَبِيْعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ (١)، إِلاَّ أَنْ يُضِيْفَهُ إِلَى مَالا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَالْحُرِّ وَالْخَمْرِ، فَتَتَنَاوَلَ يَمِيْنُهُ صُوْرَةَ الْبَيْع (٢)،
ــ
(١) قوله «فَلَوْ حَلَفَ لا يَبِيْعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ»: لأن البيع الفاسد لا اعتبار له في الشرع، وقد قلنا: بأن الدلالة تُحمل على الدلالة الشرعية، فلو قال: والله لا أبيع شيئاً فباع دخاناً فإنه لا يحنث، لأن هذا ليس بيعاً شرعيّاً، بل هو بيع فاسد باطل، أو باع خمراً، فإنه لا يحنث، أو باع حملاً في بطن فإنه لا يحنث، لأن هذا وإن سمي بيعاً في اللغة، لكنه في الشرع لا يسمى بيعاً فلا يحنث.
(٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يُضِيْفَهُ إِلَى مَالا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَالْحُرِّ وَالْخَمْرِ، فَتَتَنَاوَلَ يَمِيْنُهُ صُوْرَةَ الْبَيْع»: يعني كأن يقول: والله لا أبيع حرا، أو: والله لا أبيع خمرا، ثم يفعل ذلك؛ فإنه يحنث. فهذا من الناحية الشرعية ليس ببيع، لأنه فاسد، لكنه لم يأت به مطلقاً بل قيده بأمر تنتفي معه الصحة، حيث قال: والله لا أبيع الخمر، فإذا باعه حنث، وذلك لأنه لا يمكن أن توافق من الناحية الشرعية، لأن الخمر شرعاً لا يباع، فإذا تعذر حمله على الحقيقة والمعنى حملناه على الصورة، فنقول: بمجرد أن يبيع الخمر يحنث، ومثله إذا قال: والله لا أبيع الدخان فباعه، فإنه يحنث، لا لأنه بيع، ولكن لأنه صورة ما حلف عليه، ولو قال: والله لا أتعامل بربا، فذهب فتعامل بها فإنه يحنث، لأنه قيد اليمين بشيء يمنع الصحة، فيحمل على الصورة.
وقال بعض العلماء: إنه لا يحنث إذا باع ما يحرم بيعه، ولو قيده بما يمنع=
стр. 2212
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ وَكَانَ لَهُ عُرْفٌ فِي الْعَادَةِ، كَالرَّاوَيَةِ وَالظَّعِيْنَةِ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ (١)،
ــ
=الصحة، لوجود التناقض، لأن قوله: لا أبيع الخمر، كلمة «أبيع» تناقض الخمر، وعلى هذا فنقول: إن باع الخمر فليس ببيع، فمن نظر إلى الصورة حنَّثه، ومن نظر إلى الحقيقة لم يحنثه. والمسألة فيها قولان وعلى المذهب إنه يحنث بصورة العقد (١).
(١) قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ وَكَانَ لَهُ عُرْفٌ فِي الْعَادَةِ، كَالرَّاوَيَةِ وَالظَّعِيْنَةِ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ»: أي إذا لم يوجد عرف شرعي وهجرت الحقيقة اللغوية، فنرجع إلى العرفي ويتعلق اليمين بالعرف، ويحمل اللفظ على معناه العرفي، حتى وإن كان له في اللغة معنى، ولكنه هجر واشتهر بين الناس المعنى العرفي فإنه يقدم.
إذاً المراتب تُقدم على النحو التالي: الشرع، ثم العرف، ثم اللغة، لأن الناس يعاملون بنياتهم، ولا شك أن العامي إذا أطلق الكلمة فإنما يريد معناها العرفي، فالعامي لأنه لا يعرف اللغة العربية الفصحى، فيكون العرف مقدماً، لأنه هو المنوي ظاهراً، مثاله ما ذكره المؤلف هنا «الرَّاوية»، فهي تطلق في اللغة العربية على التي تحمل الماء، وهي البعير التي يسقى عليها، لكنه في العرف تطلق الرَّاوِية على المَزَادَةِ، وهي عبارة عن جلد يشق، ويؤتى بجلد آخر مثله، ويخاط بعضهما ببعض، فبدل ما كان قربةً واحدة يكون قربتين.
стр. 2213
فَلَوْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دَابَّةً، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيْرِ (١)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْفَارِسِيْ (٢)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ شِوَاءً، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ دُوْنَ غَيْرِهِ (٣)،
ــ
(١) قوله «فَلَوْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دَابَّةً، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيْرِ»: الدابة في اللغة: الاسم كل ما دب على الأرض، سواء كان له رجلان أو أربعة، أو كان مما يمشي على بطنه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (١)، فهذه الدابة تعم كل شيء.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢)، والدابة في العرف هي ذوات الأربع، وعلى عرف آخر الحمار خاصة، فإذا قال: والله ما ركبت دابة ما عشت فركب حماراً أو خيلاً أو بغالاً فإنه يحنث، لأنه هو الغالب وهو المعروف عند العامة.
(٢) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْفَارِسِيْ»: أي إن قال: والله ما شممت ريحاناً، فشم الورد والبنفسج والياسمين فإنه لا يحنث إلا بشمه الريحان الفارسي لأن الريحان في العرف اسم يختص، وهذا في زمن المؤلف أما في وقتنا الحاضر؛ فهذا يختلف من بيئة إلى أخرى.
(٣) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ شِوَاءً، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ دُوْنَ غَيْرِهِ»: أي إن قال: والله لا أكل شواءً، والشواء: هو اللحم المشوي في=
стр. 2214
وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ امْرَأَتَهُ، حَنِثَ بِجِمَاعِهَا (١)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ دَارًا، حَنِثَ بِدُخُوْلِهَا كَيْفَ مَا كَانَ (٢)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلا رَأْسًا وَلا بَيْضًا، فَيَمِيْنُهُ عَلَى كُلِّ لَحْمٍ وَرَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَبَيْضِهِ (٣)،
ــ
=عرف الناس فإنه لا يحنث إلا بأكله، فإن أكل بيضاً مشوياً فإنه لا يحنث.
(١) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ امْرَأَتَهُ، حَنِثَ بِجِمَاعِهَا»: مثل أن يقول: والله لا أطأ زوجتي، فذهب وجامعها، نقول له: حنثت، فإذا قال: كيف أحنث، والوطء أن أطأها بقدمي؟ ! نقول: لكن العرف غلب على اللغة.
(٢) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ دَارًا، حَنِثَ بِدُخُوْلِهَا كَيْفَ مَا كَانَ»: أي إذا قال: والله لا أطأ هذه الدار، ثم دخلها ولو محمولاً فإنه يحنث، لأن هذا هو معنى وطء الدار، وهذا مشهور في عرف الناس، يقول أحدهم: والله ما أطأ هذا المحل، والله ما أطأ دار فلان، والله ما أطأ دكان فلان، فيتعلق بدخوله.
(٣) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلا رَأْسًا وَلا بَيْضًا، فَيَمِيْنُهُ عَلَى كُلِّ لَحْمٍ وَرَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَبَيْضِهِ»: وذلك لأن اسم اللحم يتناول ذلك كله إلا أن يكون له نية عند العامة، فإن النية تنصرف إليه، فيقتصر على ما نواه, وفي قول آخر لا يحنث بأكل لحم السمك إلا أن ينويه بيمينه لأنه لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم فإنه لو أمر وكيله أن يشتري له لحما فاشترى سمكاً لم يلزمه ويصح أن ينفي عنه الاسم فيقول ما أكلت لحماً, وإنما أكلت سمكاً فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق كما لو حلف لا يقعد تحت سقف =
стр. 2215
وَالأُدْمُ كُلُّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ، مِنْ مَائِعٍ وَجَامِدٍ، كَاللَّحْمِ، وَالْبَيْضِ، وَالْمِلْحِ، وَالْجُبْنِ، وَالزَّيْتُوْنِ (١). وَإِنْ حَلَفَ لا يَسْكُنُ دَارًا، تَنَاوَلَ مَا يُسَمَّى سَكَنًا، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا بِهَا، فَأَقَامَ بِهَا بَعْدَ مَا أَمْكَنَهُ الْخُرُوْجُ مِنْهَا، حَنِثَ (٢)،
ــ
= لا يحنث بقعوده تحت السماء, وقد سماها الله تعالى سقفاً محفوظاً لأنه مجاز كذا ها هنا.
(١) قوله «وَالأُدْمُ كُلُّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ، مِنْ مَائِعٍ وَجَامِدٍ، كَاللَّحْمِ، وَالْبَيْضِ، وَالْمِلْحِ، وَالْجُبْنِ، وَالزَّيْتُوْنِ»: فلو حلف لا يأتدم، أو لا يأكل إدامًا، فإنه يحنث بما جرت العادة بأن يؤكل الخبز به هذا هو الأُدْم فكل ما يؤكل مع الخبز من مائع وجامد؛ كاللحم، والبيض، والملح، والزيتون، والجبن، والتمر فإنه يُسَمَّى إدامًا، وكذلك الخل ففي الحديث: «نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ» (١).
(٢) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَسْكُنُ دَارًا، تَنَاوَلَ مَا يُسَمَّى سَكَنًا، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا بِهَا، فَأَقَامَ بِهَا بَعْدَ مَا أَمْكَنَهُ الْخُرُوْجُ مِنْهَا، حَنِثَ»: أي إذا حلف أنه لا يسكن دارًا، فإن اليمين لا تنعقد على ما لا يسمى داراً كعش ونحوه، فإن كان المحلوف عليه يسمى داراً لزمه الخروج بنفسه وأهله ومتاعه المقصود، فإن أقام فوق زمن يمكنه الخروج فيه عادة ولم يخرج حنث، فإن لم يجد مسكناً أو أبت زوجته الخروج معه ولا يمكنه إجبارها فخرج وحده لم يحنث.
стр. 2216
وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ قُمَاشِهِ، أَوْ كَانَ لَيْلاً، فَأَقَامَ حَتَّى يَصْبَحَ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَقَامَ حَتَّى أَمِنَ، لَمْ يَحْنَثْ (١)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ قُمَاشِهِ، أَوْ كَانَ لَيْلاً، فَأَقَامَ حَتَّى يَصْبَحَ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَقَامَ حَتَّى أَمِنَ، لَمْ يَحْنَثْ»: أي إن حلف فقال: والله لا أسكن هذه الدار، وكان قد حلف ليلاً، أو أقام بها من أجل نقل متاعه فإنه يغتفر في مثل هذا الشيء اليسير.
لكن قوله: «أَوْ كَانَ لَيْلاً، فَأَقَامَ حَتَّى يَصْبَحَ»، هذا إذا كان الانتقال في الليل أمرا شاقًّا وصعباً، لكن في وقتنا الحاضر مع وجود الكهرباء، وتيسر وسائل النقل كذلك، فربما نقول إنه لو بقي ليلة، فإنه يحنث، لأن الليل أصبح كالنهار في كثير من المجتمعات في الوقت الحاضر، اللهم إلا أن يكون في وقتٍ متأخرٍ من الليل.
стр. 2217
بَابُ كَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ (١)
ــ
(١) قوله «بَابُ كَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ»: أي باب في الكفارة التي سببها اليمين.
والكفَّارة في اللغة: بتشديد الفاء مأخوذة من الكفر وهو الستر، لأنها تغطي الذنب وتستره، فهي اسم من كفَّر الله عنه الذنب، أي محاه عنه، وكأنه غطى عليه بالكفارة.
وفي الاصطلاح: قال النووي: «الكفارة من الكفر - بفتح الكاف - وهو الستر لأنها تستر الذنب وتذهبه، هذا أصلها، ثم استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك وإن لم يكن فيه إثم كالقتل خطأ وغيره» (١).
والأصل في مشروعية كفارة اليمين: الكتاب والسنة والإجماع.
فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٢).
وأما دلالة السنة: فمن ذلك حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (٣).
стр. 2218
وَكَفَّارَتُهَا: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِيْنَ (١)،
ــ
وأما الإجماع: «فقد أجمع المسلمون من عصر الرسول ﷺ إلى يومنا هذا على مشروعية الكفارة» (١).
- فائدة: الإطعام، والمطعم في الكفَّارات ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما قُدِّرَ فيه ما يُطعم ومن يُطعم ، وهو فدية الأذى؛ فإنها قد ورد تقديرها بنصف صاع، وأيضا أنها تكون للمساكين. ولذا جاء في الصحيحين في قصة كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ» (٢).
القسم الثاني: ما قُدِّرَ فيه ما يُطْعم دون مَنْ يُطْعم ، وهو زكاة الفطر؛ فإنها قد قُدِّرَتْ صاعا، ولم يقدر مَن يُطعم، ولهذا لو قسم هذا الصاع بين عدد من المساكين؛ أجزأ، ولو أنه أعطى مسكينا واحدا أكثر من صاع في زكاة الفطر، أجزأ.
القسم الثالث: قُدِّرَ فيه مَن يُطعم، ولم يُقدر ما يُطعم ، وهو كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان فيطعم المساكين، لكن مقداره لم يبين، ولم يحدد فيرجع في ذلك إلى العرف.
(١) قوله «وَكَفَّارَتُهَا: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِيْنَ»: شرع المؤلف في خصال كفارة اليمين فبدأ بالخصلة الأُولى وهي الإطعام وقد اتفق الفقهاء على وجوبه=
стр. 2219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=في كفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها على التخيير بينه وبين الكسوة وتحرير الرقبة، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام، لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١).
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: فيما يشترط في التكفير بالإطعام:
١ - التمليك: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أنه يشترط أن يكون الإطعام على وجه التمليك، ككل الواجبات المالية، فإذا قدم المكفر الطعام إلى الفقراء والمساكين على وجه الإباحة لم يجزئه.
واستدلوا بأن التكفير واجب مالي فلا بد أن يكون معلوم القدر ليتمكن الفقير من أخذه، والقول بالإباحة والتمكين لا يفيد ذلك، حيث إن الفقير قد يأخذ حقه كاملاً وقد لا يأخذه لا سيما وأن كل مسكين يختلف عن الآخر صغراً وكبراً، جوعا وشبعاً.
стр. 2220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذهب الحنفية (١) إلى إنه لا يشترط تمليك الطعام في الكفارات، بل الشرط هو التمكين، فيكفي عندهم دعوة المساكين إلى قوت يوم فإذا حضروا وتغدوا وتعشوا كان ذلك مجزئاً، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٢).
والإطعام في اللغة: اسم للتمكين من الطعام لا أن يمتلكه، والمسكنة الحاجة، فهو محتاج إلى أكل الطعام دون تملكه، وبقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٣)، والإطعام للأهل يكون على سبيل الإباحة لا على سبيل التملك.
والخلاصة: إن التمليك عند الحنفية ليس بشرط لجواز الإطعام، بل الشرط هو التمكين، فيكفي دعوة المساكين إلى قوت يوم: وهو غداء وعشاء، فإذا حضروا وتغدوا وتعشوا كان ذلك جائزاً.
وعند غير الحنفية: لا بد من التمليك بالفعل أخذاً.
قلت: والذي يظهر لي أنه إذا صنع طعاماً يكفي عشرة مساكين - غداء أو عشاءً - ثم دعاهم إليه جاز ذلك، لأن الله تعالى أطلق فقال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فإذا صنع طعاماً وتغدّوا، أو تعشوا فقد أطعمهم.
٢ - المقدار: وقد اختلف الفقهاء في المقدار الذي يتحقق به الإطعام. =
стр. 2221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فذهب الجمهور (١) إلى أنه يشترط أن يعطى كل مسكين مداً واحداً من غالب قوت البلد، ولا يجوز إخراج قيمة الطعام عملاً بنص الآية ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
وذهب الحنفية (٢) إلى أنه يشترط أن يعطى لكل مسكين مدان، أي نصف صاع من القمح أو صاع من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك من النقود أو من عروض التجارة، لأن المقصود دفع الحاجة، وذلك يمكن تحققه بالقيمة.
قلت: والذي يظهر لي أنه ليس هناك دليل يدل على القدر الذي يجب إخراجه في الإطعام، وما دام الشرع لم يقدِّر فيكون المرجع فيه إلى العادة والعرف فإن ما يسمى إطعاماً يكون مجزئاً، حتى الغداء أو العشاء.
٣ - الجنس: ذهب الحنفية (٣) إلى أن المجزئ في الإطعام هو البر، أو الشعير، أو التمر، دقيق كل واحد كأصله كيلاً، أي نصف صاع في دقيق البر، وصاع في دقيق الشعير، وقيل: المعتبر في الدقيق القيمة، لا الكيل، ويجوز إخراج القيمة من غير هذه الأصناف.
وذهب المالكية (٤) إلى أن الإطعام يكون من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن اقتاتوا غير القمح فما يعدله شبعًا لا كيلاً.
стр. 2222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وذهب الشافعية (١) إلى أن الإطعام يكون من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة، لأن الأبدان تقوم بها، ويشترط أن يكون من غالب قوت البلد.
وذهب الحنابلة (٢) إلى اشتراط أن يكون الإطعام من البر والشعير، ودقيقهما، والتمر والزبيب، ولا يجزئ غير ذلك، ولو كان قوت بلده إلا إذا عدمت تلك الأقوات.
قلت: والذي يظهر لي بعد عرض أقوال الفقهاء أن كل ما كان يؤكل كغداء أو عشاء بشرط أن يكون مما يؤكل في بلده يجوز التكفير به، دليل ذلك حديث أبي سعيد ﵁ عن صدقة الفطر: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» (٣).
ولهذا نرى أن إخراج المكرونة يجزئ في كفارة اليمين ما دامت قوتاً، ومن كان يرى أنه لابد من القدر أي اعتبار الوزن في كفارة اليمين فنقول، بأنها تعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز، أما إذا كانت كبيرة فتعتبر بالوزن.
- الفائدة الثانية: فيما يشترط في المستحقين للإطعام:
١ - أن لا يكون من تصرف إليه الكفارة ممن يلزم المكفر نفقته، كالأصول والفروع، لأن القصد إشعار المكفر بألم حين يخرج جزءًا من ماله =
стр. 2223
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُوْنَ أَهْلِيْكُمْ (١)، أَوْ كِسْوَتُهُمْ (٢)،
ــ
=كفارة عن الذنب الذي ارتكبه، وهذا المعنى لا يتحقق إذا أطعم من تلزمه نفقته.
٢ - أن يكونوا مسلمين، فلا يجوز عند الجمهور إطعام الكافر من الكفَّارات ذميًا كان أو حربيًا، وأجاز أبو حنيفة (١) إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفَّارات لعموم قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٢)، من غير تفرقة بين المؤمن وغيره، والصواب ما ذهب إليه الجمهور.
٣ - أن لا يكون هاشميًا، لأن الله تعالى جعل لهم ما يكفيهم من خمس الغنائم.
(١) قوله «مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُوْنَ أَهْلِيْكُمْ»: دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٣).
و«أوسط» بمعنى وسط، وليس بمعنى الأعلى، كما في قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» (٤)، فلو أوجبنا الأعلى لكنَّا أخذنا من كرائم الأموال.
(٢) قوله «أَوْ كِسْوَتُهُمْ»: هذه هي الخصلة الثانية من خصال كفارة اليمين،
أي: كسوة العشرة مساكين، سواء كانوا صغاراً أم كباراً، وسيأْتي في=
стр. 2224
أوْ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ (١)،
ــ
=كلام المؤلف ما تحصل به الكسوة.
- فائدة: اشترط الفقهاء للتكفير بالكسوة شروطاً على اختلافهم في بعضها، فمن ذلك:
١ - أن تكون الكسوة على سبيل التمليك.
٢ - أن تكون الكسوة بحيث يمكن الانتفاع بها، فلو كان الثوب قديماً أو جديداً، رقيقاً لا ينتفع به فإنه لا يجزئ.
٣ - أن تكون مما يسمى كسوة، فتجزئ الملاءة والجبة والقميص ونحو ذلك، ولا تجزئ العمامة ولا السراويل على الصحيح عند الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، لأن لابسها لا يسمى مكتسيًا عرفاً بل يسمى عرياناً خلافا للشافعية (٤) الذين أجازوا الكسوة بالعمامة والسراويل، لأنه يقع عليها اسم الكسوة.
٤ - أن يعطى للمرأة ثوباً ساتراً وخماراً يجزئها أن تصلي فيه.
قلت: وسيأْتي إن شاء الله تعالى مزيد إيضاح في كلام المؤلف عن ذلك.
(١) قوله «أَوْ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ»: هذه هي الخصلة الثالثة من الخصال التي تحصل بها الكفارة، وهي تحرير الرقبة يعني تخليصها من الرق.
وقد اشترط الفقهاء في الرقبة المجزئة في الكفارة ما يلي:
стр. 2225
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (١)،
ــ
١ - أن تكون مملوكة ملكا كاملا للمعتق، فلا يجوز إعتاق عبد مملوك للغير، كما لا يجوز للمكفر أن يعتق نصف عبد مشترك بينه وبين غيره.
٢ - أن تكون الرقبة كاملة الرق، فلا يجوز إعتاق المدبر، لأنه سيصبح حرًا بعد وفاة سيده، وكذلك أم الولد، أمَّا المكاتب فيجوز التكفير به عند الحنفية.
٣ - أن تكون الرقبة سليمة من العيوب المخلة بالعمل والكسب، فلا يجوز إعتاق مقطوع اليدين أو الرجلين أو أشلهما إلى غير ذلك.
٤ - أن تكون الرقبة مؤمنة، خلافاً للحنفية (١) حيث يرون جواز إعتاق الرقبة الكافرة في غير كفارة القتل.
(١) قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ»: هذه هي الخصلة الرابعة من خصال كفارة اليمين وهي الخصلة الأخيرة، فمن لم يجد ما يُطعم به، أو يكسو، أو يعتق، فإنه يصوم، لقوله تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢).
- فائدة: في الشروط المعتبرة لجواز الصيام في الكفارات:
١ - النية: فلا يجوز صوم الكفارة من غير نية من الليل لأنه صوم واجب.
٢ - التتَابع في الصوم: وقد اختلف الفقهاء في اشتراط التتابع في كفارة اليمين إذا كفر بالصوم: فذهب الحنفية (٣) وهو الأصح عند الحنابلة (٤)، =
стр. 2226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وهو قول للشافعية (١) إلى وجوب التتابع، للقراءة الشاذة لابن مسعود ﵁ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾، وقراءة ابن مسعود ﵁ حجَّة، قال النبي ﷺ : «من أراد أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (٢) يعني ابن مسعود؛ فقراءته إذا صحت عنه تكون ثابتة وحجَّة.
وذهب المالكية (٣)، وهو قول للشافعية (٤) إلى جواز صومها متتابعة أو متفرقة، وصومها متتابعة أفضل لأن الأمر بالصيام مطلق، فيبقى على إطلاقه، ولا يجوز تقييده إلا بدليل. أما قراءة ابن مسعود فهي قراءة شاذة، ولا يستدل بها لأنها ليست قرآناً، ولم تصح هنا حديثاً حتى تكون تفسيراً من النبي ﷺ للآية.
قلت: والراجح عندي أنه يتأكد التتابع في صيام كفارة اليمين على الصحيح، وقيل: التتابع فيها أفضل وأحوط، وهذا هو ما رجحته اللجنة الدائمة (٥)، واختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز (٦) ﵀.
стр. 2227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: لو لم يتمكن الإنسان من إيجاد العتق إلا بكلفة مادية أو مشقة بدنية فإنه يسقط عنه التكفير بالعتق ويلزمه الإطعام أو الكسوة ولا يجوز العدول عنهما إلى الصوم إلا عند عدم الاستطاعة.
فمثلاً لو أن رجلاً عنده مال وغني، طلب رقبةً فما وَجد، وطلب مساكين فما وجد، فقيل له: إن هناك مساكين في أقصى الشرق، وهو في المغرب الأقصى، فهذا غير واجد.
فالحاصل أن من لم يجد شيئاً يشتري به طعاماً، أو كسوة، أو رقبة أو عنده مال، ولكن لا يجد محلاً لهذا المال، بأن لم يجد رقبة في السوق، أو لا يجد فقراء يطعمهم ويكسوهم، وهذه المشكلة الآن قائمة، فكثيراً ما إذا قيل للناس: عليكم إطعام عشرة مساكين، يقولون: لا نجد فقراء، ولذا ينصحون بأن يطعموا العمالة المسلمة، فإذا أعطوهم من هذا الطعام ما يكفيهم غداءً، أو عشاء يوماً أو يومين، وكانوا عشرة مساكين مسلمين، فقد أجزأت الكفارة.
الفائدة الثانية: الصواب أنه لا يُعطى الكافر من كفارات اليمين: والدليل على أن الكافر لا يعطى من الكفارة القياس على الزكاة، فإن الكافر لا يعطى من الزكاة إلا إذا كان مؤلَّفاً، وقد سبق بيان ذلك فيما يشترط في المستحقين للإطعام.
стр. 2228
وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَقْدِيْمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَتَأْخِيْرِهَا عَنْهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ» (١)،
ــ
- الفائدة الثالثة: يغلط كثير من العوام، فيظنون أنهم مخيرون بين الصيام وبين بقية خصال الكفارة، فيصومون، مع قدرتهم على الإطعام أو الكسوة، والصيام في هذه الحالة لا يجزئهم ولا يبرئ ذمتهم عن كفارة اليمين؛ لأنه لا يجزئ إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق؛ فيجب التنبيه لمثل هذا الأمر.
(١) قوله «وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَقْدِيْمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَتَأْخِيْرِهَا عَنْهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ» (١): أي من وجب عليه التكفير بما ذكرناه فهو مخير بين أن يكفر قبل الحنث أو بعده.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: جواز التكفير قبل الحنث، وإليه ذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).=
стр. 2229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقيد الشافعية (١) جواز التكفير قبل الحنث بما إذا كفر بغير الصوم ولم يكن الحنث معصية.
القول الثاني: لا يجوز التكفير قبل الحنث، وإليه ذهب الحنفية (٢).
والراجح عندي هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ من أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها، كانت محللة لليمين، وإن أخرها، كانت مكفرة له.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٣).
وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أوجب الكفارة بإرادة الحنث لأن التقدير: إذا حلفتم فأردتم الحنث، كما أن ظاهر الآية يفيد أن الكفارة وجبت بنفس اليمين فيجوز التكفير قبل الحنث، لتكون الكفارة محللة لليمين.
ومن الأدلة أيضاً ما ذكره المؤلف وهو حديث «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ» (٤).
وجه الدلالة من الحديث: أنه صريح في تقديم الكفارة على الحنث، حيث أمر ﷺ بالتكفير عن اليمين، ثم عطف الإتيان بغير المحلوف عليه بثَمَّ التي تفيد الترتيب والتراخي، فدل هذا دلالة واضحة على إجزاء=
стр. 2230
وَيُجْزِئُهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا تَجُوْزُ الصَّلاةُ فِيْهِ، لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ (١)، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةَ مَسَاكِيْنَ، وَيَكْسُوَ خَمْسَةً (٢)،
ــ
=الكفارة قبل الحنث.
ومن الأدلة أيضاً القياس على كفارة الظهار والقتل بعد الجراح، فكما يجوز تقديم كفارة الظهار على العود، والقتل الخطأ بعد الجراح وقبل الموت كذلك يجوز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث، لأنه كفر بعد سببه فجاز.
(١) قوله «وَيُجْزِئُهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا تَجُوْزُ الصَّلاةُ فِيْهِ، لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ»: قال بعضهم: بقدر ما يجزئ في الصلاة، والصحيح أننا كما قلنا في الطعام نقول في الكسوة أي أن المرجع في ذلك إلى العرف، فإن الله تعالى لم يقيدها بشيء، وعلى هذا فأي شيء يطلق عليه كسوة يحصل به المقصود، فمثلاً عندنا في المملكة لو أن شخصاً كسا آخر إزاراً من السُّرة إلى الركبة فهذا لا يسمى كسوة، فهي في كل بلد بحسبه، ففي بلادنا الكسوة تكون درعاً، وهو الثوب، وغترة، وطاقية، أما السراويل فليست لازمة بل هي من كمال الكسوة.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، مع أن كسوة الأنثى غالباً أكثر من كسوة الرجل.
(٢) قوله «وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةَ مَسَاكِيْنَ، وَيَكْسُوَ خَمْسَةً»: أي لو أراد أن يطعم خمسة مساكين، ويكسو خمسة مساكين آخرين؛ فإن ذلك مجزئ في كفارة اليمين، أما لو كانوا هم نفس الخمسة؛ أطعمهم وكساهم=
стр. 2231
لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً، أَوْ كَسَاهُمْ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدَيْنِ، لَمْ يُجْزِئْهُ (١)، وَلا يُكَفِّرُ الْعَبْدُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ (٢)، وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ (٣)،
ــ
=فلا يجزئه، فلا بد من عشرة مساكين، كما سيأْتي.
(١) قوله «لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً، أَوْ كَسَاهُمْ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدَيْنِ، لَمْ يُجْزِئْهُ»: أي لو أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة مساكين، أو كساهم فهنا لا يجزئ، بينما لو أطعم خمسة، وكسا خمسة أجزأ، لكن لو أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة، أو كسا خمسة؛ فإن ذلك لا يجزئ، وذلك لأن مقصودهما مختلف ومتباين.
(٢) قوله «وَلا يُكَفِّرُ الْعَبْدُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ»: وذلك لأن العبد لا مال له، والعبد وما ملك لسيده؛ فلا يمكن أن يكفر بالإطعام، فينتقل إلى الصيام.
وهل إذا أذن له سيده في التكفير بالمال جاز؟ روايتان (١): إحداهما يجوز تكفيره به لأنه بإذن سيده يصير قادرا على التكفير بالمال فجاز له ذلك كالحر, والرواية الأخرى لا يجزيه لأنه لا يملك المال فيكون تكفيره بغير ماله فلم يصح كما لو أعتق الحر عبد غيره عن كفارته، وعلى الروايتين لا يلزمه التكفير بالمال, وإن أذن له سيده لأن فرضه الصيام فلم يلزمه غيره كما لو أذن موسر لحر معسر في التكفير من ماله.
(٣) قوله «وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ»: أي إذا لم يجد الإنسان ما يطعم به عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ فإنه يعدل =
стр. 2232
فَاضِلاً عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ (١)، وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيْعَ فِيْ ذلِكَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَأَثاثٍ، وَكُتُبٍ، وَآنِيَةٍ، وَبِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ (٢)،
ــ
= للصوم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (١). وقد سبق الإشارة إلى ذلك في بعض الفوائد وقلنا بأنه لا يجوز للمكفِّر أن يعدل إلى الصيام إلا إذا عجز عن إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإذا عجز عن الإطعام، والكسوة، وتحرير رقبة؛ فهنا يعدل إلى الصيام، أما كونه يريد أن يصوم ثلاثة أيام، وهو قادر على إطعام عشرة مساكين؛ فليس له ذلك.
(١) قوله «فَاضِلاً عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ»: أي لا بد أن يجد ما يطعم به عشرة مساكين فاضلاً عن مئونته؛ أي نفقته، وما يحتاج إليه، وكذلك نفقة عياله، وقضاء الدين الواجب عليه.
(٢) قوله «وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيْعَ فِيْ ذلِكَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَأَثاثٍ وَكُتُبٍ، وَآنِيَةٍ، وَبِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ»: وذلك لأن الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية وهذا من حوائجه الأصلية فلا يلزمه بيع شيء من ذلك لأنه يضر به كثيراً.
فمثلاً لو كان عنده سيارة، ولم يجد ما يطعم به عشرة مساكين؛ فهل له أن يعدل إلى الصيام أم نقول: يجب عليك أن تبيع سيارتك لأجل أن تكفر كفارة اليمين؟ =
стр. 2233
وَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ شُرُوْعِهِ فِيْ الصَّوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ عَنْهُ (١)، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ (٢).
ــ
=نقول: لا يجب عليه بيعها، والقاعدة في ذلك أن ما كان من حوائجه الأصلية فهي مقدمة على حقوق الله تعالى، فلا يجب عليه في الأشياء التي يحتاج إليها بيعها، بل له أن يعدل للصوم مباشرة.
(١) قوله «وَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ شُرُوْعِهِ فِيْ الصَّوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ عَنْهُ»: أي فلو أن إنساناً لم يجد ما يطعم به عشرة مساكين، أو يكسوهم، أو تحرير رقبة، وعدل للصوم، فلما بدأ في الصوم؛ أيسر وساق الله له رزقاً؛ فلا يلزمه الانتقال إلى الإطعام لأن الصيام بدل لا يبطل بالقدرة على المبدل فلم يلزمه الرجوع إلى المبدل بعد الشروع فيه.
(٢) قوله «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ»: أي إذا لم يجد المكفر في كفارة اليمين المساكين بكمال عددهم فإنه يردد على الموجودين منهم كل يوم حتى تتم عشرة، فلو قدِّر أنه لم يجد إلا مسكيناً واحداً فله أن يردد الإطعام عليه عشرة أيام، هذا بشرط ألاَّ يجد عشرة مساكين، لكن لو وجد عشرة مساكين، فلا بد من استيعاب العدد.
стр. 2234
كِتابُ الْجِنَاياتِ (١)
ــ
(١) قوله «كِتابُ الْجِنَاياتِ»: الجنايات: جمع جناية، وهي لغة: الاعتداء على النفس أو العرض أو المال أو البدن، فكل اعتداء على نفس، مثل القتل، أو الاعتداء على البدن؛ مثل قطع الأعضاء وبترها، والتشويه للخلقة بالوسم والكي ونحو ذلك، والاعتداء على المال بسرقته أو غصبه، والاعتداء على العرض بالقذف أو الزنا كل هذا يعتبر جناية في أصل اللغة، والعرب تسميه جناية؛ لما فيه من الإضرار والأذية وتعدي الحد، ومن فعل ذلك فقد جنى عاقبته؛ لأنه يجر على نفسه الشر، فمن جنى جناية، واعتدى على غيره، فإنه يجني من وراء ذلك العاقبة التي لا تحمد في دينه ودنياه.
واصطلاحاً: التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً، أو مالاً.
فهي في الاصطلاح أخص من معناها لغة، وذلك لأن علماء اصطلاح الفقه خصوا الجنايات: بالاعتداء على النفس والبدن، وأفردوا الاعتداء على المال والاعتداء على العرض بكتاب الحدود، فإذا قالوا: كتاب الجنايات؛ فمرادهم: الاعتداء على النفس بقتلها، وإزهاقها، والاعتداء على البدن - الذي هو أجزاء البدن - إما بقطع يد أو رجل، وإما أن يعمي بصر أو يضر بسمعه، أو نحو ذلك.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية القصاص: الحكمة في مشروعية=
стр. 2235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=القصاص أن الله خلق الخلق لعبادته، لكن من الناس من لا يستجيب لضعف عقيدته، فيحصل منه الاعتداء على الآخرين في أبدانهم أو أموالهم أو أعراضهم، فشرعت العقوبة في الدنيا لتمنع من اقتراف مثل ذلك، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).
- الفائدة الثانية: الحقوق قسمان:
الأول: حقوق بين العبد وربه: وأعظمها التوحيد والصلاة.
الثاني: حقوق بين العبد وغيره من الخلق، وأعظمها الدماء، فأول ما يحاسب عليه العبد في حقوق الله الصلاة، وأول ما يقضى فيه بين العباد الدماء.
- الفائدة الثالثة: القتل بغير حق من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله: ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ (٢)، وقال ﷺ «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَوْلُ الزُّورِ» (٣)، فقتل النفس بغير حق محرم بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (٤)، وحكم =
стр. 2236
القَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ (١):
ــ
= القاتل أنه فاسق، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ... ﴾ (١)، وهذا إذا لم يتب، فإن تاب توبة نصوحاً فتوبته مقبولة، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً .. ﴾ (٢).
(١) قوله «القَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ»: أي الجناية على النفس، وهي القتل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ، ففي القرآن ورد العمد والخطأ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أما السنة فقد جاءت بإثبات شبه العمد، كما في حديث أبي هريرة ﵁: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ =
стр. 2237
أَحَدُهَا: العَمْدُ الْمَحْضُ، وَهُوَ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِجُرْحٍ، أَوْ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ (١)،
ــ
= دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» (١).
(١) قوله «أَحَدُهَا: العَمْدُ الْمَحْضُ، وَهُوَ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِجُرْحٍ، أَوْ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ»: هذا هو تعريف قتل العمد.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف القتل العمد: فذهب الجمهور (٢) إلى أن القتل العمد هو الضرب بمحدد أو غير محدد، والمحدد هو ما يقطع، ويدخل في البدن كالسيف والسكين وأمثالهما مما يحدد ويجرح، وغير المحدد هو ما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله كحجر كبير، أو خشبة كبيرة أو بفعل كخنق أو حرق ونحو ذلك مما سيذكره المؤلف.
وذهب أبو حنيفة (٣) إلى أن القتل العمد هو أن يتعمد ضرب المقتول في أي موضع من جسده بآلة تفرق الأجزاء، كالسيف، والليطة «قِشرة القصب»، والمروة «بسكون الراء، الحجارة البيض البراقة، تقدح منها النار، وكانوا يذبحون بها لحدتها»، لأن العمد فعل القلب؛ لأنه القصد، ولا يوقف عليه إلا بدليله، وهو مباشرة الآلة الموجبة للقتل عادة، =
стр. 2238
كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ (١)، أَوْ يُكَرِّرُهُ بِصَغِيْرٍ (٢)، أَوْ إِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقٍ (٣)، أَوْ خَنْقِهِ أَوْ تَحْرِيْقِهِ، أَوْ تَغْرِيْقِهِ (٤)،
ــ
= وهذا بخلاف المثقل فليس القتل به عمداً عنده ﵀.
(١) قوله «كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ»: بدأَ المؤلف بذكر بعض الأوصاف التي يحصل بها قتل العمد فذكر من ذلك «كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ»، كمطرقة أو سندان أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة، أو يلقي عليه حائطاً أو صخرةٍ عظيمة أو ما أشبهه.
(٢) قوله «أَوْ يُكَرِّرُهُ بِصَغِيْرٍ»: أي أو يكرر ضربه بالشيء الصغير الذي يحصل القتل بتكرير الضرب به، ففيه القود، لأنه قتله بما يقتل مثله غالبا فأشبه الضرب بمثقل كبير.
(٣) قوله «أَوْ إِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقٍ»: أي أو يلقي المجني عليه من مكان مرتفع فيحصل قتله به كأن يلقيه من على رأس جبل أو حائط عال وما أشبه ذلك.
(٤) قوله «أَوْ خَنْقِهِ أَوْ تَحْرِيْقِهِ، أَوْ تَغْرِيْقِهِ»: كل هذه أوصاف لقتل العمد، فمتى حصل للمجني عليه شيء من ذلك فمات به كان القتل عمداً، كأن يجعل في عنقه خراطة، ثم يعلقه في خشبة أو شيء بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق ويموت، فهذا عمد سواء مات في الحال أو بقي زمناً، لأن هذا أشد أنواع الخنق، وكذا أن يخنقه وهو على الأرض بيديه أو بمنديل أو بحبل، أو شيء يضعه على فمه وأنفه، أو يضع يديه عليهما فيموت، فهذا إن فعل به ذلك مدة يموت في مثلها غالباً فمات فهو =
стр. 2239
أَوْ سَقْيِهِ سُمًّا (١)، أَوِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُوْرًا بِمَا يُوْجِبُ قَتْلَهُ (٢)، أَوِ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَنَحْوِ هَذَا (٣)،
ــ
= عمد فيه القصاص.
واشترط بعض الفقهاء شرطاً وهو ألا يمكنه التخلص لضعفه، فإن أمكنه التخلص فلا شيء على الجاني، وقيل: بل يضمنه بالدية إذا كان يمكنه التخلص منهما، لأنه جان بالإلقاء المفضي إلى الهلاك (١).
قلت: والصواب عندي أن فيه القصاص مطلقاً أذا حصل بذلك القتل.
(١) قوله «أَوْ سَقْيِهِ سُمًّا»: أي أو يسقيه قاتلاً أو يطعمه قاتلا فيموت به فهو عمد إذا كان مثله يقتل غالبا.
(٢) قوله «أَوِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُوْرًا بِمَا يُوْجِبُ قَتْلَهُ»: أي ومن القتل العمد أن يشهد على المجني عليه زوراً عند القاضي بما يوجب قتله، كأن يشهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فيقتل بشهادتهما ثم يرجعان ويعترفان بتعمد القتل فيجب عليهما القتل قصاصاً، لأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالباً فأشبه المكره.
(٣) قوله «أَوِ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَنَحْوِ هَذَا»: أي ومن القتل العمد أن يحكم الحاكم على رجل بالقتل ظلماً عالماً بذلك متعمداً قتله فيقتل ويعترف بذلك فيجب القصاص عليه.
- فائدة: إذا وضع رجل السحر لشخص حتى أثَّر فيه ومات، فإن هذا يكون قتلاً عمداً، لأن السحر يقتل مثله غالباً، ويجتمع في حق الساحر=
стр. 2240
قَاصِدًا (١)،
ــ
=سببان يقتل بهما:
الأول: قتله لحقِّ الله إذا لم نقل بكفره.
الثاني: قتله لحق أولياء المقتول، فهنا تعارض عندنا حقان؛ حق أولياء المقتول، وحق الله ، فأيهما يقدم؟
نقول: يقدم حق أولياء المقتول، فإذا قال أولياء المقتول: ما دام أن الرجل سيقتل فنحن نريد الدية فلهم ذلك، وإن قالوا: نريد أن نقتله ونشفي صدورنا منه فلهم ذلك.
وعلى هذا فنقول لأولياء المقتول بالسحر: إن شئتم أعطيناكم هذا الساحر فاقتلوه أنتم قصاصاً، وإن شئتم قَتَلَه وليُّ الأمر حداً، ولكم الدية.
(١) قوله «قَاصِدًا»: هذه هي الشروط التي يتحقق بها قتل العمد، فلابد من هذين الشرطين:
الأول قصد الجناية بالقتل: أي أن يكون الجاني قاصداً وهو أن يقتل ويزهق النفس المحرمة بنية، وإذا تخلفت النية فليس بعمد، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١)، فجعل قصد القلب للشيء عمداً، ومن هنا قالوا: لا يمكن أن يحكم بقتل العمد إلا إذا وجد قصد ونية للقتل، فلو أنه رمى ولم يقصد القتل، كأن يرمي صيداً وهو لا يقصد القتل، ومثاله أيضاً: المعلم يعذب طالباً =
стр. 2241
عَالِمًا بِكَوْنِ الْمَقْتُوْلِ آدَمِيًّا مَعْصُوْمًا، فَهَذَا يُخَيَّرُ الوَلِيُّ فِيْهِ بَيْنَ القَوَدِ وَالدِّيَّةِ (١)،
ــ
=ثم يموت الطالب، فهذا لم يقصد القتل وإنما قصد التأديب، فإذا أردنا أن نحكم بالعمد فلا بد من وجود نية للقتل.
وكذا يشترط في القاتل لوجوب القصاص عليه أن يكون مكلفاً، أي عاقلاً بالغاً عند القتل، فلا يجب القصاص على القاتل إذا كان صغيراً أو مجنوناً جنوناً مطبقاً عند القتل، وذلك لأنه ليس لغير المكلف قصد صحيح.
(١) قوله «عَالِمًا بِكَوْنِ الْمَقْتُوْلِ آدَمِيًّا مَعْصُوْمًا، فَهَذَا يُخَيَّرُ الوَلِيُّ فِيْهِ بَيْنَ القَوَدِ وَالدِّيَّةِ»: هذا هو الشرط الثاني الذي يتحقق به قتل العمد وهو أن يعلم كونه آدمياً.
فقوله «آدَمِيًّا»، خرج منه قتل الحيوان، فإذا قتل حيواناً فلا يوجب القصاص، فلو أنه رأى شيئاً فظن أنه حيوان أو ظبي أو وعل - كأن يكون في البرـ فرماه فوجده آدمياً، أو رأى شخصاً نائماً فظنه حيواناً - صيداً - فقتله، أو ظنه سبعاً مفترساً فقتله، فإنه لم يقصد آدمياً معصوم الدم، ولم يرد قتل الآدمي، وإنما أراد قتل السبع ليدافع عن نفسه، أو أراد قتل حيوان صيداً.
وخرج بقوله «مَعْصُوْمًا» غير معصوم الدم، كأن يكون حربياً، ففي الجهاد إذا قتل المسلم الكافر فإنه قتل غير معصوم، فلا يوجب هذا القتل قصاصاً عليه.
стр. 2242
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى (١)،
ــ
(١) قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى» (١): معنى كلامه ﷺ : أن الذي يُقتل ظلماً فإن أولياءه بالخيار، إما أن يأخذوا بالدية وإما أن يقتلوا القاتل، وليس لهم غير ذلك إلا إذا عفو عفواً مطلقاً بدون دية وبدون قصاص، وهذا أفضل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٣)، فأجرهم على الله.
وإذا طلبوا الحق فلهم الخيار بين أن يقتلوا ذلك القاتل وهو القصاص لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٤)، وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٥)، وإما أن يأخذوا الدية التي قدرت بأنها مائة من الإبل في ذلك الزمان، أو بقدرها من القيمة في هذا الزمان، وتقدر الآن بمائة ألف ريال؛ لأن كل بعير بألف ريال.
وليس لهم أن يقتلوا غير القاتل فإن هذا ظلم، فإذا هرب القاتل لم يقتلوا أخاه، أو يقتلوا قريبه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦)، =
стр. 2243
وَإِنْ صَالَحَ القَاتِلُ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَّةِ جَازَ (١)،
ــ
=فكون الجاني قريباً لهذا لا يلزم أن يكون جانياً، أو يكون مذنباً، بل الجناية تتعلق بالمعتدي، فهو الذي يؤخذ منه الحق دون غيره، وهذا هو حكم الله تعالى.
- فائدة: من الشروط أيضاً التي لابد من تحققها في قتل العمد: أن يقع القتل وأن يحصل، فلو أنه نوى وقصد المعصوم ولم يحصل القتل، فلا يجب القصاص.
فمثلاً: لو جاء رجل وهجم على شخص يريد أن يقتله عمداً عدواناً، وكان يعلم أن هذا الشخص معصوم الدم ومحرم النفس، فرماه بسلاحه فكسر رجله، فهو قاصد لقتل المعصوم، ولكن لم يقع القتل، فلا قصاص بالقتل، وإنما يقتص منه بمثل ما آذاه، والجروح قصاص، وينظر في الجرح هل مثله يمكن القصاص به أو لا؟ كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب القصاص.
إذاً: يشترط لقتل العمد وجود القصد، وأن يكون المقصود آدمياً معصوم الدم، وأن يقع القتل.
(١) قوله «وَإِنْ صَالَحَ القَاتِلُ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَّةِ جَازَ»: أي أنه إذا اختار القصاص، ثم إن القاتل وأهله قالوا لولي المقتول: لا تقتله، ونحن نعطيك بدل الدية ديتين، أو ثلاث ديات، أو أربعاً، أو عشراً، أو ما أردت، فهذا جائز.
وذهب بعض الفقهاء ومنهم ابن القيم ﵀ أنه ليس له إلاّ الدية فقط، =
стр. 2244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=واحتجوا لقولهم بقوله ﷺ : «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٌ - وَالْخَبْلُ عَرَجُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاثٍ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ فَإِنْ قَبِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا» (١)، فقوله «فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ»، أي: لا توافقوه، ولأن الشرع ما جعل له إلاّ هذا، أو هذا، فإمّا أن تقتص أو الدية.
قلت: والصواب ما ذهب إليه المؤلف لقوله ﷺ «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَهِىَ ثَلاثُونَ حِقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» (٢)، وذلك لتشديد القتل.
ولأنه عوض عن غير مال، فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه، كالصداق، وعوض الخلع.
- فائدة: قتل العمد فيه ثلاثة حقوق:
الأول: حق الله ، وهذا يسقط بالتوبة.
الثاني: حق أولياء المقتول ، ويسقط بتسليم نفسه لهم.
стр. 2245
الثَّانِيْ: شِبْهُ العَمْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِمَا لا يَقْتُلُهُ غَالِبًا (١)،
ــ
الثالث: حق المقتول ، وهذا لا يسقط؛ لأن المقتول قد قُتل وذهب، ولكن هل يؤخذ من حسنات القاتل، أو أن الله تعالى بفضله يتحمَّل عنه؟ الصواب: أن الله بفضله يتحمل عنه إذا علم صدق توبة هذا القاتل.
(١) قوله «الثَّانِيْ: شِبْهُ العَمْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِمَا لا يَقْتُلُهُ غَالِبًا»: هذا هو النوع الثاني من أنواع الجناية، وسمي شبه العمد لأنه قصد الضرب وأخطأ في القتل، ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ، فهو ليس عمداً محضاً، ولا خطأً محضاً، لكنه بينهما، وذلك لأن الجاني قصد الجناية لكن بشيء لا يقتل غالباً، فشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالباً، مثل ما لو ضرب إنساناً بالسوط، والعصا الصغيرة، فيؤدي إلى موته، وذلك لأن المعنى غير موجود في مثل هذه الأفعال؛ لأنها لا تقتل عادة، ويقصد به غير القتل، كالتأديب ونحوه، فكان شبه العمد، والجمهور (١) على ثبوت هذا النوع من أقسام القتل، وأنكر مالك (٢) في رواية شبه العمد، وقال: القتل إما عمد وإما خطأ لأنه ليس في كتاب الله تعالى إلا العمد والخطأ، وجعل شبه العمد في حكم العمد، وروي عنه أنه قال بشبه العمد.
قلت: والسُنَّة حجَّة على خلاف ما ذهب إليه الإمام مالك إذا ثبت ذلك عنه، فقد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ قال: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ قَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا =