وَلا شُرْبُ الخَمْرِ مِنْ عَطَشٍ، وَيُبَاحُ دَفْعُ الغُصَّةِ بِهَا، إِذا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا غَيْرَهَا (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا شُرْبُ الخَمْرِ مِنْ عَطَشٍ، وَيُبَاحُ دَفْعُ الغُصَّةِ بِهَا، إِذا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا غَيْرَهَا»: أي ولو اضطر إلى شرب الخمر فلا يشرب، لأن الخمر لا يغني من العطش، بل يزيد العطش، ومع ذلك إذا اضطر إليه بحيث تندفع ضرورته بتناوله حل له الخمر، ومثَّل المؤلف لذلك برجل غصَّ بلقمةٍ ولم يكن عنده إلا كأس خمر، فله أن يتناول ما يدفع اللقمة فقط ثم يمسك، لأنه هنا تندفع به الضرورة، أما غيرها فلا تندفع به الضرورة.
стр. 2172
بَابُ النَّذْرِ (١)
ــ
(١) قوله «بَابُ النَّذْرِ»: النذر لغةً: هو النحب، وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحباً واجباً، يقال: نذر على نفسه لله كذا، ينذر، وينذر نذراً ونذوراً، كما يقال: أنذر وأنذر نذراً، إذا أوجبت على نفسك شيئا تبرعاً، من عبادةٍ أو صدقةٍ، أو غير ذلك (١).
والنذر في الاصطلاح: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع.
وقد اختلف الفقهاء في حكم النذر:
فقال الحنفية (٢): النذر في الطاعات مباح، سواء أكان مطلقاً أم معلقاً على شرط.
ورأى المالكية (٣) أن النذر المطلق مندوب، وهو ما ليس بمعلق على شيء ولا مكرر بتكرر الأيام كنذر صوم كل يوم خميس، وهو ما أوجبه على نفسه شكراً لله تعالى على نعمة وقعت، كمن شفى الله مريضه أو رزق ولداً أو زوجة، فنذر. أما المكرر كنذر صوم كل يوم خميس فمكروه، وأما المعلق مثل إن شفى الله مريضي فعلي صدقة، ففي كراهته وإباحته تردد، فقال الباجي بالكراهة، وقال ابن رشد بالإباحة (٤).=
стр. 2173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقال الشافعية (١)، والحنابلة (٢): إنه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، فلا يستحب بدليل قوله ﷺ : «إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٣)، وفي لفظ: «إِنَّهُ لا يَأْتِى بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» ولأن النذر لو كان مستحباً لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه، لكن مع هذا من نذر طاعة لله لزمه الوفاء بها.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٤)، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٥)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦)، والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله ، والعقود: العهود.
وأما السنة: فقوله ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» (٧)، فقوله «فليطعه» تفيد الإيجاب.
وهذا هو الصواب عندي.
стр. 2174
مَنْ نَذَرَ طَاعَةً، لَزِمَ فِعْلُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيْعَ اللهِ، فَلْيُطِعْهُ» (١)،
ــ
(١) قوله «مَنْ نَذَرَ طَاعَةً، لَزِمَ فِعْلُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيْعَ اللهِ، فَلْيُطِعْهُ» (١): أي متى نذر الإنسان نذر طاعة فعليه أن يوفي بنذره.
- فائدة: ينقسم النذر إلى خمسة أقسام:
أحدها: النذر المطلق، مثل أن يقول: لله علىَّ نذر، ولم يسم شيء؛ فيلزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقاً أو معلقاً؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٢)، فدل هذا الحديث على وجوب الكفارة إذا لم يسم ما نذر لله .
الثاني: نذر اللجاج والغضب ، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب؛ كما لو قال: إن كلمتك، أو: إن لم أخبر بك، أو: إن لم يكن هذا الخبر صحيحاً، أو: إن كان كذبا، فعلي الحج أو العتق ونحو ذلك، فهذا النذر يخير بين فعل ما نذره أو كفارة يمين، لحديث: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٣).=
стр. 2175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=و الثالث: نذر المباح ، كما لو نذر أن يلبث ثوبه أو يركب دابته فحكمه أنه يخير بين فعله وبين كفارة يمين إن لم يفعله؛ كالقسم الثاني.
والصحيح أنه لا شيء عليه في نذر المباح؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ، وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (١).
الرابع: نذر المعصية ، كنذر شرب الخمر وصوم أيام الحيض ويوم النحر؛ فلا يجوز الوفاء بهذا النذر؛ لقول النبي ﷺ : «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» (٢)، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية، لأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال.
ومن نذر المعصية كالنذر للقبور أو لأهل القبور، وهو شرك أكبر كما سبق، ويكفِّر عن هذا النذر كفارة يمين عند بعض أهل العلم، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم انعقاد نذر المعصية، وأنه لا يلزمه به كفارة، وهو رواية عن أحمد (٣) ومذهب مالك (٤)، والشافعي (٥)، =
стр. 2176
فَإِنْ كَانَ لا يُطِيْقُ مَا نَذَرَ، كَشَيْخٍ نَذَرَ صِيَامًا لا يُطِيْقُهُ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيْقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ» (١)،
ــ
=واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وقال: «ومن أسرج قبرًا أو مقبرة أو جبلاً أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو المضافين إلى ذلك المكان، لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعاً، ويصرف في المصالح؛ ما لم يعلم ربه ... » انتهى.
الخامس: نذر التبرر ، وهو نذر الطاعة؛ كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه، سواء كان مطلقا «أي: غير معلَّق على حصول شرط»؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم ... ، أو معلقاً على حصول شرط، كقوله: إن شفى الله مرضي؛ فلله عليَّ كذا، فإذا وجد الشرط؛ لزمه الوفاء به؛ لقوله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»، ولقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٣)، والله أعلم.
(١) قوله «فَإِنْ كَانَ لا يُطِيْقُ مَا نَذَرَ، كَشَيْخٍ نَذَرَ صِيَامًا لا يُطِيْقُهُ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيْقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ» (٤): أي من نذر أن يطيع الله تعالى وجب عليه أن يفي بنذره=
стр. 2177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= طبقاً لما نذر إن استطاع، وإن لم يستطع فعل ما نذر فعليه كفارة يمين وهي «إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، أو صيام ثلاثة أيام» كمن نذر صياماً ونحوه ثم عجز عن القيام بها لكبر أو مرض، وهذا محمول على ما إذا كان لا يرجى زوال عجزه كمريض السرطان مثلاً أو مريض السكر وغير ذلك من الأمراض التي لم يصل الطب إلى علاجها، فإن كان يرجى زوال المرض أو نحوه انتظر زواله ثم وفَّى بما نذره.
والعجز عن الوفاء بالنذر لم يخل من خمسة أحوال:
أحدها: أن يعجز عجزاً لا يرجى زواله لكبر أو مرض غير مرجو الزوال أو غيره فعليه كفارة يمين لا غير لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيته فقال: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ» (١)، ولأن النذر كاليمين إلا فيما لا يطيق وسواء كان عاجزاً وقت النذر أو تجدد العجز لأنهما سواء في فوات النذر، وفي رواية عن الإمام أحمد (٢) فيمن نذر صوماً فعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه: أنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، اختاره الخرقي لأنه صوم وجد سبب إيجابه عيناً فأشبه صوم رمضان.
стр. 2178
وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، لَمْ يَجْزِهِ إِلاَّ الْمَشْيُ فِيْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (١)،
ــ
=الثاني: أن يعجز عجزاً مرجو الزوال نحو المرض، فإذا كان النذر غير مؤقت أخره حتى يزول العارض ثم يأتي به، وإن كان مؤقتاً كصوم شهر معين فإذا زال العجز قضاه لأنه صوم واجب يلزمه قضاؤه كرمضان وعليه كفارة اليمين لأن النذر كاليمين وفي رواية: لا كفارة عليه لأن المنذور محمول على المشروع ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه كفارة كذا هاهنا.
الثالث: أن يمنعه الشرع من الوفاء بنذره مثل أن يصادف عيدا أو حيضاً.
الرابع: أن يصادفه النذر مجنوناً فلا شيء عليه لأنه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر أشبه ما لو فاته
الخامس: أن يموت فإن كان كذلك قبل وقت النذر فلا شيء عليه لأنه خرج عن أهلية التكليف، وإن كان بعده أو كان النذر غير مؤقت فعل ذلك وليه، لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (١).
(١) قوله «وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، لَمْ يَجْزِهِ إِلاَّ الْمَشْيُ فِيْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ»: وذلك لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي للحج أو العمرة، فإذا لم ينو شيئاً معينا بهذا النذر؛ فإنه ينصرف إلى المشي للحج والعمرة.
стр. 2179
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، رَكِبَ وَكَفَّرَ (١)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، رَكِبَ وَكَفَّرَ»: وفي رواية عن الإمام أحمد أنه يلزمه دم لما روى ابن عباس: «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِىَ إِلَى الْبَيْتِ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِىَ هَدْيًا»، ولأنه أخل بواجب في الإحرام فلزمه هدي كتارك الإحرام من الميقات، وعن ابن عمر يحج من قابل.
والأظهر عندي أنه لا يلزمه سوى الكفارة لحديث عقبة بن عامر المتقدم قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيته فقال: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ» (١).
أما الرواية الثانية التي فيها «تَرْكَبَ وَتُهْدِىَ هَدْيًا»، فهي ضعيفة لا تقوم بها الحجة.
فإن لم يعجز عن المشي لكن عليه مشقة.
مثال ذلك: إنسان في الرياض، ونذر أن يحج البيت ماشياً، أو أن يعتمر ماشياً والمسافة كما تعلمون من الرياض إلى مكة تقارب ألف كيلو مترا، فهذا عليه مشقة كبيرة.
فهنا الصحيح أنه لا يلزمه أن يفي بنذره، وإنما يكفر كفارة يمين، لأن النذر الذي فيه مشقة غير معتادة، فإنه يكفر كفارة يمين، كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ المتقدم.
стр. 2180
وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا، فَعَجَزَ عَنِ التَّتَابُعِ، صَامَ مُتَفَرِّقًا، وَكَفَّرَ (١)، وَإِنْ تَرَكَ التَّتَابُعَ لِعُذْرٍ فِيْ أَثْنَائِهِ، خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالتَّكْفِيْرِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا، فَعَجَزَ عَنِ التَّتَابُعِ، صَامَ مُتَفَرِّقًا، وَكَفَّرَ»: كأن يقول إن حصل لي كذا، فلله عليّ نذر أن أصوم أربعة أشهر متتابعة، ثم يعجز عن التتابع؛ فيصوم أربعة أشهر متفرقة، ويكفر كفارة يمين عن ترك التتابع.
(٢) قوله «وَإِنْ تَرَكَ التَّتَابُعَ لِعُذْرٍ فِيْ أَثْنَائِهِ، خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالتَّكْفِيْرِ»: أي إن نذر أن يصوم عشرة أيام مثلاً، ثم حصل له عذر من مرض، أو كانت الناذرة امرأة حاضت مثلاً فانقطع التتابع لهذا العذر، فهنا هو مخير بين أن يُكمل ويكفر كفارة يمين لعدم قدرته على الوفاء بالنذر على الوجه الذي نذره، وبين أن يستأنف «أي يعيد» ما نذره من صوم ولا شيء عليه لأنه أتى بما نذره على وجهه، وهذا هو المذهب (١)، وفي رواية أخرى في المذهب (٢) أنه إن أفطر لعذر كمرض أو حيض أو نفاس فإنه يبني على ما مضى من صيامه وقضي ما أفطر ولا كفارة عليه لأنه أفطر لعذر، والمنذور محمول على المشروع، وهذا هو قول مالك (٣)، والشافعي (٤) وهو الراجح.
стр. 2181
وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ (١). وَإِنْ نَذَرَ مُعَيَّنًا، فَأَفْطَرَ فِيْ بَعْضِهِ، أَتَمَّهُ وَقَضَى، وَكَفَّرَ بِكُلِّ حَالٍ (٢)، وَمَنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِيْ تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا (٣)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ»: أي من نذر صياماً متتابعاً وترك التتابع لغير عذر فالواجب عليه أن يعيد المنذور ولا كفارة عليه لأنه أتى بالنذر على وجهه، لكن بالقيد الذي ذكرناه وهو ما لم يشق عليه مشقة غير معتادة، فإن شق عليه مشقة غير معتادة لم يلزمه استئنافه، ولزمه أن يكفر كفارة يمين، كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ المتقدم
(٢) قوله «وَإِنْ نَذَرَ مُعَيَّنًا، فَأَفْطَرَ فِيْ بَعْضِهِ، أَتَمَّهُ وَقَضَى، وَكَفَّرَ بِكُلِّ حَالٍ»: أي وإن نذر أن يصوم أياماً معينة كأن يصوم الخمسة عشر يوماً الأول من شهر شعبان في هذا العام فأفطر في بعضها أتم ما بقي منها وقضى ما أفطره وكفر كفارة يمين، لفوات محل النذر ولا يمكنه تدارك النقص الذي حصل في أدائه، فوجب عليه كفارة يمين عن هذا النقص.
(٣) قوله «وَمَنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِيْ تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا»: يعني إن نذر عتق رقبة، فهي التي تجزئ عن الواجب، أي الرقبة المؤمنة الخالية من العيوب المانعة من العمل وهي التي تجزئ في الكفارة لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع والواجب بأصل الشرع كذلك، وفي وجه آخر تجزئه أي رقبة كانت صحيحة أو معيبة مسلمة أو كافرة لأن الاسم يتناول جميع ذلك ولأن المطلق يحمل على معهود الشرع وهو الواجب في الكفارة.
стр. 2182
وَلا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ (١)، وَلا مُبَاحٍ (٢)، وَلا فِيْمَا قَصَدَ بِهِ الْيَمِيْنَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «لا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ وَلا فِيْ مَا لا يَمْلِكُ الْعَبْدُ». وَقَالَ: «لا نَذْرَ إِلاَّ فِيْ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى» (٣)،
ــ
(١) قوله «وَلا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ»: سبق بيان ذلك في أنواع النذر
(٢) قوله: «وَلا مُبَاحٍ» أي ولا يكون النذر في المباح كمن نذر أن يلبس ثوبه أو أن يركب دابته، وقد اختلفت الرواية في المذهب في انعقاد النذر المباح ففي رواية وهي قول الجمهور أنه لا ينعقد، وليس عليه كفارة لعدم انعقاده، ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نَذْرَ إِلاَّ فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ » (١)، والرواية الثانية: أن النذر المباح ينعقد، ويخير الناذر بين الوفاء به والكفارة لحديث عقبة ابن عامر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» (٢)، فيدخل في عموم الحديث النذر المباح.
(٣) قوله «وَلا فِيْمَا قَصَدَ بِهِ الْيَمِيْنَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «لا نَذْرَ فِيْ مَعْصِيَةٍ وَلا فِيْ مَا لا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» (٣)، وَقَالَ: «لا نَذْرَ إِلاَّ فِيْ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى» (٤): هذا ما يسمى بنذر اللجاج والغضب، وقد أخذ الفقهاء هذا المسمى من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والله لأن يَلِجَّ أحدُكم في يمينه في أهله آثَمُ له عند الله من أن يُعْطِي كفارته التي=
стр. 2183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=افترض الله عليه» (١).
فقوله: «والله لئن يَلِجَّ»، يَلِجَّ: من اللجاج، واللجاج معناه التَّمادي في الأمر ولو بعد تَبَيُّنِ الخطأ، هذا هو المقصود باللجاج.
ومعنى الحديث لأن يقيم على ترك الحنث؛ فإن استمراره على ترك الحنث، وإلحاق الضرر بأهله بذلك آثم له عند الله من أن يحنث وَيُكَفِّر كفارة يمين.
حكمه: اختلف الفقهاء فيما يلزم الناذر في هذا النوع من أنواع النذور.
القول الأول: أنه يتخير بين الوفاء بما نذر، أو يكفر عنه كفارة يمين إذا وجد الشرط.
وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة (٢)، وهو اختيار النووي (٣) من الشافعية، وإليه رجع أبو حنيفة (٤).
واستدلوا لذلك بأدلة منها: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٥)، وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ =
стр. 2184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الْيَمِينِ» (١)، ووجه الدلالة أن هذا النذر كاليمين فيترتب على تحقق الشرط أن يخير الناذر فيه بين الوفاء بما نذر، أو بالكفارة كاليمين بالله تعالى، فقد جعل الحديث كفارة هذا النذر ككفارة اليمين.
ولأن نذر اللجاج والغضب يشبه النذر من حيث إنه التزام قربة، ويشبه اليمين من حيث إن مقصوده مقصود اليمين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما من حيث موجبهما، ولا سبيل كذلك إلى تعطيلهما، فتعين التخيير.
ثم إن تخيير الناذر في هذا النوع من النذر بين الوفاء والتكفير أجمع للصفتين معاً، فإن اعتبر نذرا خرج الناذر عن العهدة باختيار الوفاء به، وإن اعتبر يميناً خرج عن العهدة باختيار التكفير عنه، فيخرج عن العهدة بكل حال منهما.
القول الثاني: أن الناذر يلزمه الوفاء بما سمي في هذا النذر، وهذا هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة (٢)، وقول جمهور أصحابه، ومشهور مذهب المالكية (٣)، وهو قول في مذهب الشافعية (٤)، واستدلوا لقولهم بما يلي:
стр. 2185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (٢)، وجه الدلالة من الآيتين أنهما أفادتا وجوب الوفاء بالنذر مطلقاً من غير فصل بين النذر المطلق أو النذر المعلق على شرط، كما أفادت إثم من لم يف به.
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» (٣)، وعن ابن عمر عن أبيه ﵄ قال: نذرت نذراً في الجاهلية فسألت النبي ﷺ بعدما أسلمت فأمرني أن أوفي بنذري» (٤)، ووجه الدلالة في هذه الأحاديث أنها أفادت وجوب الوفاء بالنذر إن كان في طاعة الله تعالى، ونذر اللجاج من هذا القبيل، فيجب الوفاء به.
وقالوا أيضاً: إن الوفاء بالنذر هو فعل ما تناوله النذر وليس الكفارة، لأن الأصل اعتبار التصرف على الوجه الذي أوقعه المتصرف تنجيزاً كان أو تعليقاً بشرط، والمتصرف أوقعه نذراً عليه عند وجود الشرط، وهو إيجاب الطاعة المذكورة لا إيجاب الكفارة.
كما قالوا: إن الناذر قد التزم عبادة في مقابلة شرط، فتلزمه عند وجود=
стр. 2186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=هذا الشرط.
القول الثالث: أن الناذر تلزمه كفارة يمين، فيخرج عن نذره هذا بالكفارة، وهذا هو قول بعض المالكية (١)، وقول في المذهب الشافعي (٢) استظهره بعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، واستدلوا بأدلة منها:
قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٤)، وجه الدلالة من الآية أن نذر اللجاج بمفهومه السابق يمين، لأن اليمين بغير الله تعالى شرط وجزاء، ونذر اللجاج كذلك، فتجب فيه عند تحقق الشرط كفارة يمين.
وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» (٥). وعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٦). =
стр. 2187
وَإِنْ جَمَعَ فِي النَّذْرِ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ وَحْدَهَا (١)؛
ــ
=وجه الدلالة منهما أن الحديثين أفادا أن نذر اللجاج والغضب تجزئ فيه كفارة اليمين، ولا يلزم الناذر أن يفي به، قالوا: حديث عقبة يفيد وجوب الكفارة في النذر إن لم يف به الناذر، ولا كفارة واجبة في نذر التبرر جزماً، فتعين حمل النذر الموجب للكفارة في الحديث على نذر اللجاج.
وقالوا أيضاً: إن نذر اللجاج والغضب في معنى اليمين بالله تعالى، لأن المقصود من اليمين بالله تعالى الامتناع عن المحلوف عليه أو تحصيله خوفاً من لزوم الحنث، وذلك موجود في هذا النذر، لأن الناذر إن قال: إن فعلت كذا فعلي حجة، فقد قصد الامتناع من تحصيل الشرط، وإن قال: إن لم أفعل كذا فعلي حجة فقد قصد تحصيل الشرط، وكل ذلك خوفا من الحنث، فكان هذا النذر في معنى اليمين بالله تعالى، فلزم الناذر كفارة عند الحنث.
قلت: وبعد عرض أقوال أهل الفقهاء في حكم هذا النوع من النذور الذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو اختيار شيخنا رحمهما الله (١).
(١) قوله «وَإِنْ جَمَعَ فِي النَّذْرِ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ وَحْدَهَا»: أي وإن جمع بين نذر مباح أو نذر معصية، ونذر طاعة، فيجب عليه أن يفي بالطاعة، وأما المباحة، فهو مخير بين أن يأتي بها، وبين أن يتركها إلا أن يكون في ذلك تعذيباً له ومشقة عليه كما سبق، فهنا =
стр. 2188
لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَبْصَرَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ رَجُلاً قائِمًا فِيْ الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوْا: أَبُوْ إِسْرَائِيْلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُوْمَ فِيْ الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُوْمَ، فَقَالَ: «مُرُوْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (١). وَإِنْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ (٢)،
ــ
= لا ينبغي له أن يأتي بها، وإنما يكفر كفارة يمين عن هذا النذر، وأما نذر المعصية فلا يجوز له الوفاء به وعليه كفارة يمين على القول الراجح من أقوال أهل العلم كما سبق.
(١) قوله «لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَبْصَرَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ رَجُلاً قائِمًا فِيْ الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوْا: أَبُوْ إِسْرَائِيْلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُوْمَ فِيْ الشَّمْسِ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُوْمَ، فَقَالَ: «مُرُوْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (١): هذا الحديث رواه البخاري، وفيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله فلا ينعقد به النذر فإنه ﷺ أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه، وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل.
(٢) قول «وَإِنْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»: سبق بيان هذا النوع من النذور، وهو ما يسمى بالنذر المطلق، وقلنا فيه كفارة يمين لقول النبي ﷺ في حديث عقبة بن عامر ﵁: «كفارة النذر إذا لم يُسمَّ كفارة يمين» (٢).
стр. 2189
كِتَابُ الأَيْمَانِ (١)
ــ
(١) قوله «كِتَابُ الأَيْمَان»: الأَيْمَانِ: بفتح الهمزة جمع يمين، وهي مؤنثة وتذكر. وتجمع أيضاً على «أيمن»، ومن معاني اليمين لغة: القوة والقسم، والبركة، واليد اليمنى، والجهة اليمنى.
أما في الشرع، فهي توكيد حكم بذكر معظم على وجه مخصوص.
ووجه كونه تأكيداً: أن هذا الحالف كأنه يقول: بمقدار ما في نفسي من تعظيم هذا المحلوف به، أنا أؤكد لك هذا الشيء.
وقولنا: «بصيغة مخصوصة» أي: لا بكل صيغة، فلو قلنا مثلاً: الله أكبر قدم زيدٌ، فقد قرنته بذكر معظم، لكن ليست بصيغة القسم، فلا يكون قسماً.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: قد تكون اليمين محرمة، أو واجبة، أو مستحبة، أو مكروهة: فتكون واجبة إذا كان المقصود بها إثبات الحق، لذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقسم في ثلاثة أمور:
أن يقسم على أن البعث حق، وعلى أن القرآن حق، وعلى أن الساعة ستأتي، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٢). =
стр. 2190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (١)، فإذا كان يتوقف إثبات الحق وطمأنينة المخاطَب على اليمين، فاليمين واجبة.
وكذلك تجب اليمين في دعوى عند الحاكم ليُدفع بها الظلم، مثل لو ادعى رجل على مال يتيم دعوى باطلة، وتوجه اليمين على الولي، فهنا تجب اليمين دفعاً للظلم الذي يحصل على مال هذا اليتيم.
وتكون اليمين محرمة إذا كانت على فعل محرم، أو ترك واجب، مثل لو قال رجل: والله لا أصلي مع الجماعة، ومثل لو قال: والله ليشربن الخمر.
وتكون مستحبة إذا توقف عليها فعل مستحب مثل لو قال: والله لأصلين قيام الليل، أو لأصومن الخميس من كل أُسبوع.
وتكون مكروهة إذا توقف عليها فعل مكروه، كالحلف عند البيع والشراء.
- الفائدة الثانية: الأصل في الأيمان أنه لا ينبغي الإكثار منها: لقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢): أي لا تكثروا الأيمان، وهذا أولى، وأسلم للإنسان، وأبرأ لذمته، فإن الإكثار من الحلف مظنةٌ للزلل، وللوقوع في الكذب، وربما حنث في يمينه ولم يستطع الوفاء بما حنث، =
стр. 2191
وَمَنْ حَلَفَ أَلاَّ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ، أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ فِيْ وَقْتٍ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ فِيْهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (١)،
ــ
= ثم إن كثرة الحلف أمارة من أمارات النفاق فقد ذكر الله تعالى عن المنافقين أنهم يكثرون من الحلف، ويكثرون من الأيمان قال الله : ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقال أيضاً: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣).
والآيات في هذا كثيرة، والتي تصف النفاق والمنافقين بأنهم يكثرون من الحلف، ويكثرون من الأيمان الكاذبة، ولهذا ينبغي أن لا يكثر الإنسان من الحلف، ولا يحلف حتى وإن كان صادقاً إلا عند الحاجة إلى الحلف، أما عند عدم الحاجة؛ فلا يحلف.
(١) قوله «وَمَنْ حَلَفَ أَلاَّ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ، أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ فِيْ وَقْتٍ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ فِيْهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ»: هذه هي اليمين المنعقدة، وهي أن يحلف على أن يفعل شيئاً في المستقبل فإن فعله فلا كفارة، وإن شاء ألا يفعله فله تركه وعليه الكفارة، وكذا إذا حلف أن لا يفعل فله أن يفعل وعليه كفارة، ويشترط لهذه اليمين ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة ، بأن يقصد الحالف عقدها على=
стр. 2192
إِلاَّ أَنْ يَقُوْلَ: إِنْ شَاءَ اللهُ مُتَّصِلاً بِيَمِيْنِهِ (١)،
ــ
=أمر مستقبل ممكن. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ (١)، فدلت الآية على أن الكفارة لا تجب إلا في الأيمان المنعقدة.
ولا يكون العقد إلا في المستقبل من الزمان دون الماضي، لعدم إمكان البر والحنث فيه، فإن حلف على أمرٍ ماضٍ كاذباً متعمدًا، فهي اليمين الغموس، لأنها تغمسه في الإثم، ثم في النار، ولا كفارة فيها على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنها أعظم من أن تكفر، وهي من الكبائر، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً إن شاء الله.
الشرط الثاني: أن يحلف مختارًا ، فإن حلف مكرهاً، لم تنعقد يمينه، لقوله ﷺ : «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢)، فدل على أن المكره على الحلف معفو عنه.
الشرط الثالث: أن يحنث فيها ، ومعنى الحنث: أن يحلف على فعل الشيء ولا يفعله، أو أن يحلف على ترك شيء ويفعله فيخالف الشيء الذي قد حلف عليه، فيقال إنه قد حنث في يمينه، وإذا حنث في يمينه؛ فيترتب عليه كفارة يمين، ولهذا قال: «فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ».
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَقُوْلَ: إِنْ شَاءَ اللهُ مُتَّصِلاً بِيَمِيْنِهِ»: أي وإن استثنى في يمينه، كما لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لم يحنث في يمينه إذا نقضها، =
стр. 2193
أَوْ يَفْعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (١)، وَلا كَفَّارَةَ فِي الْحَلْفِ عَلَى مَاضٍ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوْ ظَنَّهُ كَمَا حَلَفَ، فَلَمْ يَكُنْ (٢)،
ــ
=بشرط أن يقصد الاستثناء متصلاً باليمين لفظا أو حكما؛ لقوله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» (١)، فإن لم يقصد الاستثناء، بل قصد بقوله: إن شاء الله: مجرد التبرك بهذا اللفظ، لا التعليق، أو لم يقل: إن شاء الله؛ إلا بعد مضي وقت انتهاء التلفظ باليمين، من غير عذر، لم ينفعه هذا الاستثناء، وقيل: ينفعه الاستثناء، وإن لم يرده إلا بعد الفراغ من اليمين، حتى لو قال له بعض الحاضرين: قل إن شاء الله؛ فقال: إن شاء الله نفعه. قال شيخ الإسلام: وهو الصواب.
(١) قوله «أَوْ يَفْعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ»: سبق أن ذكرنا أنه يشترط في اليمين المنعقدة أن يكون الحالف مختارًا ذاكرًا ليمينه، فإذا حنث ناسياً ليمينه أو مكرهاً، فلا كفارة عليه، لأنه لا إثم عليه، لقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢).
(٢) قوله «وَلا كَفَّارَةَ فِي الْحَلْفِ عَلَى مَاضٍ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوْ ظَنَّهُ كَمَا حَلَفَ، فَلَمْ يَكُنْ»: سبق أن ذكرنا أنه يشترط في اليمين المعقودة أن تكون على أمر مستقبل، أي أن يُنشئ يمينا لأمر في المستقبل؛ كأن يقول: =
стр. 2194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= والله لأفعلن كذا، لكن إذا حلف عن أمر ماض، فهنا لا يخلو إما أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً، فلا إشكال، وإن كان كاذبا؛ فهذه هي التي تسمى باليمين الغموس وهي الكاذبة عمدا في الماضي أو الحال أو الاستقبال، سواء أكانت على النفي أم على الإثبات كأن يقول: والله ما فعلت كذا، وهو يعلم أنه فعله، أو: والله لقد فعلت كذا، وهو يعلم أنه لم يفعله، أو: والله ما لك علي دين، وهو يعلم أن للمخاطب ديناً عليه، أو: والله لا أموت أبداً، وهل تجب فيها الكفارة؟
نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
القول الأول: أنه لا كفارة فيها، وكل ما يجب إنما هو التوبة، ورد الحقوق إلى أهلها إن كان هناك حقوق، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، واستدلوا على عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس بما يأتي:
أولاً: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، فلم يوجب الله تعالى فيها كفارة بل بين فيها ما أعده في الآخرة لمن ارتكبها فهي أعظم من أن تكفر.
ثانياً: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ=
стр. 2195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ» (١). وجه الاستدلال بالحديث: أن النبي ﷺ أثبت أن حكم اليمين الغموس أن الله تعالى يوم القيامة يغضب على صاحبها، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النص الوارد في الحديث.
ثالثاً: عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَبَهْتُ الْمُؤْمِنِ وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَيَمِينٌ صَبْرٌ يَقْطَعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» (٢).
القول الثاني: أن فيها الكفارة، وهذا مذهب الشافعية (٣)، ورواية في مذهب أحمد (٤) ذكرها شيخ الإسلام، احتج القائلون بوجوب الكفارة في اليمين الغموس بأنها مكسوبة معقودة، إذ الكسب فعل القلب، والعقد: العزم، ولا شك أن من أقدم على الحلف بالله تعالى كاذباً متعمداً فهو فاعل بقلبه وعازم ومصمم، فهو مؤاخذ.
وقد أجمل الله المؤاخذة في سورة البقرة فقال: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ=
стр. 2196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=حَلِيمٌ﴾ (١)، وفصلها في سورة المائدة، فقال: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)، على أن اليمين الغموس أحق بالتكفير من سائر الأيمان المعقودة، لأن ظاهر الآيتين، ينطبق عليها من غير تقدير، فإن الله جعل المؤاخذة في سورة البقرة على الكسب بالقلب، وفي سورة المائدة على تعقيد الأيمان وإرادتها، وهذا منطبق أعظم انطباق على اليمين الغموس، لأنها حانثة من حين إرادتها والنطق بها، فالمؤاخذة مقارنة لها، بخلاف سائر الأيمان المعقودة، فإنه لا مؤاخذة عليها إلا عند الحنث فيها، فهي محتاجة في تطبيق الآيتين عليها إلى تقدير، بأن يقال إن المعنى: ولكن يؤاخذكم بالحنث فيما كسبت قلوبكم، وبالحنث في أيمانكم المعقودة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، معناه: إذا حلفتم وحنثتم.
القول الثالث: التفصيل، وقد أوضحه المالكية (٣) بناء على توسعهم في معناها، فقالوا: من حلف على ما هو متردد فيه أو معتقد خلافه فلا كفارة عليه إن كان ماضياً، سواء أكان موافقا للواقع أم مخالفاً، وعليه=
стр. 2197
وَلا فِيْ اليَمِيْنِ الجَارِيَةِ عَلى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ فْيْ عَرْضِ حَدِيْثِهِ: لا وَاللهِ، وَبَلى اوَاللهِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)،
ــ
=الكفارة إن كان حاضراً أو مستقبلاً وكان في الحالين مخالفاً للواقع.
والراجح من الأقوال: هو القول الأول، أي أنه لا تجب الكفارة في اليمين الغموس، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (١).
(١) قوله «وَلا فِيْ اليَمِيْنِ الجَارِيَةِ عَلى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ فْيْ عَرْضِ حَدِيْثِهِ: لا وَاللهِ، وَبَلاوَاللهِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢)»: وهي اليمين التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصد لمعناها، كقولهم «لا والله»، «وبلى والله» سواء أكان ذلك في الماضي أم الحال أم المستقبل، وكذلك من حلف على ماض كاذباً جاهلاً صدق نفسه، أو ظانًّا صدق نفسه، فتبين خلافه لا تنعقد يمينه بل هي لغو.
وهذا هو القول الصحيح في تعريفها من أقوال الفقهاء دليل ذلك ما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: أنزلت هذه الآية ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، في قول الرجل: لا والله، وبلى والله» (٣).
قال الشوكاني: «إن القرآن الكريم قد دل على عدم المؤاخذة في يمين=
стр. 2198
وَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِلاَّ فِي الْيَمِيْنِ بِاللهِ تَعَالَى، أَوِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، كَعِلْمِهِ، وَكَلامِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَمِيْثَاقِهِ، وَأَمَانَتِهِ (١)،
ــ
=اللغو، وذلك يعم الإثم والكفارة، فلا يجبان، والمتوجه الرجوع في معرفة معنى اللغو إلى اللغة العربية، وأهل عصره ﷺ أعرف الناس بمعاني كتاب الله تعالى؛ لأنهم مع كونهم من أهل اللغة قد كانوا من أهل الشرع ومن المشاهدين للرسول ﷺ والحاضرين في أيام النزول، فإذا صح عن أحدهم تفسير لم يعارضه ما يرجح عليه أو يساويه وجب الرجوع إليه، وإن لم يوافق ما نقله أئمة اللغة في معنى ذلك اللفظ، لأنه يمكن أن يكون المعنى الذي نقله إليه شرعياً لا لغوياً، والشرعي مقدم على اللغوي كما تقرر في الأصول، فكان الحق فيما نحن بصدده، هو أن اللغو ما قالته عائشة ﵂» (١).
(١) قوله «وَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِلاَّ فِي الْيَمِيْنِ بِاللهِ تَعَالَى، أَوِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، كَعِلْمِهِ، وَكَلامِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَمِيْثَاقِهِ، وَأَمَانَتِهِ»: هذا أيضاً أحد الشروط الذي يجب توافرها في اليمين المعقودة، وهو أن اليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين التي يحلف فيها باسم الله أو بصفة من صفاته، كأن يقول: والله، أو: ووجه الله، أو: وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته ورحمته، أو وعهده، أو: إرادته، أو: بالقرآن، أو بالمصحف، فلو حلف بغير الله، فإن هذه =
стр. 2199
إِلاَّ فِي النَّذْرِ الَّذِيْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِيْنُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ (١)،
ــ
= لا تكون يميناً منعقدة، لأنه يمين غير شرعي، وما ليس بشرعي لا يترتب عليه أثره، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١)، وكل ما خالف الشرع فإنه لا أثر له.
- فائدة: لا خلاف بين الفقهاء في أن الحلف بغير الله تعالى لا تجب بالحنث فيه كفارة ، إلا ما روي عن أكثر الحنابلة من وجوب الكفارة على من حنث في الحلف برسول الله ﷺ لأنه أحد شطري الشهادتين اللتين يصير بهما الكافر مسلماً.
وعن بعضهم: أن الحلف بسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تجب بالحنث فيه الكفارة أيضاً، لكن الأشهر في مذهبهم أنه لا كفارة بالحنث في الحلف بنبينا وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢).
(١) قوله «إِلاَّ فِي النَّذْرِ الَّذِيْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِيْنُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»: أي إلا إذا أخرج النذر مخرج اليمين، كأن يمنع نفسه أو غيره به شيئاً أو يحنث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيداً فعلي الحج أو صدقة مالي أو صوم شهر، فهذا يمين حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وكفارة يمين, ويسمى هذا نذر اللجاج والغضب، وقد سبق حكمه في باب النذر.
стр. 2200
وَلَوْ حَلَفَ بِهَذَا كُلِّهِ (١)، وَالْقُرْآنِ جَمِيْعِهِ فَحَنِثَ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَلَوْ حَلَفَ بِهَذَا كُلِّهِ»: أي ولو حلف فقال: اقسم بالله، وعزة الله وقدرته وعظمته وعلمه، وغير ذلك مما سبق فحنث في يمينه فلا يلزمه إلا كفارة واحدة لأنها يمين واحدة.
(٢) قوله «وَالْقُرْآنِ جَمِيْعِهِ فَحَنِثَ»: أي وكذلك لو حلف بالقرآن فحنث في يمينه فلا يلزمه إلا كفارة واحدة لأنها يمين واحدة، ولأن الحلف بصفات الله، وتكرار اليمين بها لا يوجب أكثر من كفارة، وهذا هو الصحيح عندي.
وفي رواية عن الإمام أحمد (١): بكل آية كفارة. لأن ذلك يروى عن مجاهد، وهو أحد تلاميذ ابن مسعود قال «من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين صبر فمن شاء بر ومن شاء فجر» رواه الاثرم. قال أحمد: ما أعلم شيئا يدفعه. قال في الكافي (٢): «ويحتمل أن ذلك ندب غير واجب، لأنه قال: عليه بكل آية كفارة يمين، فإن لم يمكنه، فعليه كفارة يمين. ورده إلى كفارة واحدة عند العجز دليل على أن الزائد عليها غير واجب».
والحلف على القرآن أو المصحف يمين باتفاق العلماء من مالكية (٣)، وشافعية (٤)، وحنابلة (٥)، وكذا عند الحنفية على ما رجحه الكمال ابن=
стр. 2201
أَوْ كَرَّرَ الْيَمِيْنَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ (١)، أَوْ حَلَفَ عَلَى أَشْيَاءَ بِيَمِيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ (٢)،
ــ
=الهمام، والعيني (١)، وبجواز الحلف به أفتت اللجنة الدائمة (٢) وذلك لأن القرآن كلام الله، وكلام الله - تعالى - صفة من صفاته، ولأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه: وهو القرآن، فإنه ما بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين إلا أن يريد بقوله
«المصحف» الورق أو الجلد أو النقوش. وقد كان الحنفية يرون أن الحلف بالقرآن أو المصحف ليس يميناً، لأنه حلف بغير الله تعالى، ولكن بما أن القرآن كلام الله فهو من صفاته تعالى، لذا قال ابن الهمام: «ولا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف، فيكون يميناً» (٣)، وقال العيني: «وعندي أن المصحف يمين، لا سيما في زماننا» (٤).
(١) قوله «أَوْ كَرَّرَ الْيَمِيْنَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ»: أي إن كرر اليمين على شيء واحد كأن يقول: والله لا أفعل، ثم بعد فترة قال: والله لا أفعل كذا على ما حلف عليه سابقاً، ثم بعد فترة أخرى قال مثل ذلك فهنا لا يلزمه إلا كفارة واحدة، ما دام أنه كرر اليمين قبل أن يكفر.
(٢) قوله «أَوْ حَلَفَ عَلَى أَشْيَاءَ بِيَمِيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ»: أي وكذلك إذا حلف على أشياء مختلفة كأن يقول، والله لا آكل، ولا =
стр. 2202
وَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَشْيَاءَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَتُهَا (١)،
ــ
=أشرب، ولا ألبس فإنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة إذا حنث.
(١) قوله «وَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَشْيَاءَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَتُهَا»: يعني إذا حلف على أشياء مختلفة: والله لا أكلت، وقال: والله لا شربت، وقال: والله لا لبست؛ والله لا أبيع هذه السيارة، والله لا أركب هذه السيارة فحنث في يمينه فأكل، أو شرب، أو لبس، أو باع، أو ركب فعليه لكل بواحدة كفارة يمين.
والفرق بين هذه المسألة، والمسألة السابقة أن المسألة السابقة يمين واحدة، لأنه قال: لا أكلت، ولا شربت، ولا لبست، لكن هنا حلف أيماناً على أشياء، قال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست، والله ما أبيع، فإذا حنث في الجميع؛ فتجب لكل واحدة كفارة.
وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو الأظهر عندي، وهو اختيار شيخنا (١) ﵀. وذلك لعموم الآية: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٢) وهذه أيمان متعددة فيلزمه كفارات بعددها، كما لو قتل المحرم صيداً كعشر حمامات، فالموجَب واحد وهو مثل ما قتل من النعم، فيلزمه عشر شياه، فهذا مثله، لأن السبب متعدد، وكل يمين مستقلة بنفسها.
وقيل لا يلزمه إلا كفارة واحدة ما دام أنه لم يكفر قياساً على ما إذا تعددت الأحداث، فلا يلزمه إلا وضوء واحد، كرجل نام، وتغوط، وبال، وخرجت منه ريح، وأكل لحم إبل، فهذه خمسة أحداث، ويلزمه =
стр. 2203
وَمَنْ تَأَوَّلَ فِيْ يَمِيْنِهِ، فَلَهُ تَأْوِيْلُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ ظَالِمًا، فَلا يَنْفَعُهُ تَأْوِيْلُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (١)،
ــ
= الوضوء مرة واحدة، والأظهر عندي كما سبق هو قول الجمهور.
(١) قوله «وَمَنْ تَأَوَّلَ فِيْ يَمِيْنِهِ، فَلَهُ تَأْوِيْلُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ ظَالِمًا، فَلا يَنْفَعُهُ تَأْوِيْلُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (١): التَّأوُّل في اليمين: هو أن يقصد بيمينه أمراً آخر يخالف ظاهر اللفظ، ولكن اللفظ يحتمله، مثل أن يقول والله هذا أخي، ويريد أُخوة الإسلام، أو يقول والله فلان ما هو بموجود يريد محلاً معيناً، وحكم هذا التَّأوُّل أنه لا بأسَ به في اليمين إلا أن يكون ظالماً، كما ذكر المؤلف فلا ينفعه تأويله؛ لقول رسول الله ﷺ «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»، وقد قسم العلماء التَّأوُّلَ في اليمين إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الحالف مظلوماً، فله أنْ يتأولَ في يمينه، وذلك لأجل أن يدفع الظلم عن نفسه، فإذا كان مظلوماً فلا بأس بالتَّأوُّلِ به، دليل ذلك ما جاء عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي فخلى سبيله فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، قال: «صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» (٢).
стр. 2204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم الثاني: أن يكون الحالفُ ظالماً، كأن يستحلفه الحاكم على حق غيره فهنا لا ينفعه تأويله، وتنصرف اليمين إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف، وهذا معنى قول المؤلف: «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ ظَالِمًا، فَلا يَنْفَعُهُ تَأْوِيْلُهُ»، والدليل على ذلك ما ذكره المؤلف، وهو قول النبي ﷺ : «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (١)، ولأنه لو قيل بأن التأويل ينفع، لضاعت الحقوق، ولأدى ذلك إلى جحد الحقوق، فكل إنسان عند القاضي إذا طَلَبَ منه القاضي أن يحلف؛ فسوف يَتَأَوَّلُ في يمينه، ويكون التأويلُ وسيلةً إلى إبطالِ الحقوقِ.
القسم الثالث: أن لا يكون ظالماً، ولا مظلوماً، فلا بأس أن يتأول ، وخاصة إذا احتاج إلى هذا التأويل، ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يمزح مع أصحابه، ولكنه لا يقول إلا حقًّا، كما في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: «إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ»، فقال: يا رسول الله، ما أَصنع بولد النَّاقة؟ فقال رسول الله ﷺ : «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلاَّ النُّوقُ» (٢). لكن لا ينبغي للإنسان أن يُكثرَ من التَّأوُّلِ، لأنه قد يُساء به الظنُّ، وتهتز الثقة به، إذا كان معروفاً بكثرة التَّأوُّل.
стр. 2205
بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ (١)
وَيُرْجَعُ فِيْهَا إِلَى النِّيَّةِ (٢)، فِيْمَا مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ (٣)، فَإِذَا حَلَفَ لا يُكَلِّمَ رَجُلاً، يُرِيْدُ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ (٤)،
ــ
(١) قوله «بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ»: أي باب جامع أحكام الأيمان، وهذا الباب يبحث فيه على أي شيء ينزل القسم، هل على العرف، أو على اللغة، أو على النية، أو على السبب؟
(٢) قوله «وَيُرْجَعُ فِيْهَا إِلَى النِّيَّةِ»: هذه هي المرتبة الأُولى؛ أي يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ (١)، ووجه الدلالة من الآية أنه إذا رُجِع إلى النية في أصل اليمين، فلأن يرجع إليها في المراد باليمين من باب أولى.
ومن السنة قول النبي ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢).
(٣) قوله «فِيْمَا مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ»: أما إذا كان اللفظ لا يحتمل؛ فاليمين لا تنصرف للمنع؛ لأنها نية مجردة لا يحتملها اللفظ فأشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين؛ فلا بد إذن من أن يكون اللفظ تحتمله النية، أما المخالف لظاهر اللفظ؛ فإنه يتنوع أنواعًا:
الأول: أن ينوي بالأمر العامِّ الخاصَّ، ومَثَّلَ له المؤلف بقوله:
(٤) قوله «فَإِذَا حَلَفَ لا يُكَلِّمَ رَجُلاً، يُرِيْدُ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ»: أي إذا حلف=
стр. 2206
أَوْ لا يَتَغَذَّى، يُرِيْدُ غِذَاءً بِعَيْنِهِ، اخْتَصَّتْ يَمِيْنُهُ بِهِ (١)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهِ، حَنِثَ بِكُلِّ مَا فِيْهِ مِنَّةٌ (٢)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَانتَفَعَ بِثَمَنِهِ، حَنِث (٣).
ــ
=فقال: والله لا أكلم رجلاً، ويقصد فلاناً بعينه؛ فهنا تنصرف يمينه إلى فلان الخاص.
(١) قوله «أَوْ لا يَتَغَذَّى، يُرِيْدُ غِذَاءً بِعَيْنِهِ، اخْتَصَّتْ يَمِيْنُهُ بِهِ»: أي أو قال: والله ما أتغدى، وهو يقصد غداءً مُعَيَّنًا؛ اختصت يمينه بذلك الغداء المعين، أو حلف على ترك شيء مطلقاً لكنه يقصد وقتاً معيناً: والله ما أفعل كذا، وهو يقصد خلال هذا الشهر فقط، أو خلال هذا اليوم، أو خلال هذا الأسبوع فتنصرف اليمين إلى ما نواه. فهذا هو القسم الأول الذي ينوي بالعام الخاصَّ.
القسم الثاني: أن ينوي بالخاصِّ العامَّ، ومثل له المؤلف بقوله:
(٢) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهِ، حَنِثَ بِكُلِّ مَا فِيْهِ مِنَّةٌ»: أي لو أن رجلاً قال لآخر: والله ما أشرب ماءً عندك ولو عطشت، لكنه أكل عنده، فهنا يحنث، لأنه لما قال: والله لا أشرب عندك ماءً ولو كنت شديد العطش، يريد بذلك قطع منته عليه، ولا فرق في هذا بين الأكلِ وبين الشرب، فهذا مثالٌ للخاصِّ الذي يُراد به العام.
(٣) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَانتَفَعَ بِثَمَنِهِ، حَنِث»: لأن مقصوده لما قال ذلك: قطع المنة، أي لا يريد منها أيَّ شيء، فإذا أخذه وباعه حنث في يمينه.
стр. 2207
وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، يُرِيْدُ أَنْ لا يَتَجَاوَزَهُ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ (١)، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَبِيْعَ ثَوْبَهُ إِلاَّ بِمِئَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ (٢). وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُرِيْدُ غَيْظَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِتَزْوِيْجٍ يَغِيْظُهَا (٣)، وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا، يُرِيْدُ تَأْلِيْمَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِضَرْبٍ يُؤْلِمُهَا (٤)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، يُرِيْدُ أَنْ لا يَتَجَاوَزَهُ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ»: لأنه إذا قضاه اليوم، لم يتجاوز غداً، فلا يحنث، لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد، فإذا قضاه قبله فقد قضاه قبل خروج الغد وزاده خيرا.
(٢) قوله «وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَبِيْعَ ثَوْبَهُ إِلاَّ بِمِئَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ»: لأن مقتضى يمينه أنه لا يبيعه بأقل من المئة، فلو باعه بأكثر منها فإنه لا يحنث، ولهذا قال المؤلف: «إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ».
(٣) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُرِيْدُ غَيْظَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِتَزْوِيْجٍ يَغِيْظُهَا»: مثل أن يقول: والله لأتزوجن يريد أن يغيظ زوجته، فإنه لم يبرَّ يمينه إلا إذا تزوج زواجًا يحصل به إغاظة المرأة، لأنه قصد ذلك.
(٤) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا، يُرِيْدُ تَأْلِيْمَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِضَرْبٍ يُؤْلِمُهَا»: كما لو حلف فقال: والله لأضربنك، ونوى بذلك الإيلام، فلا يكفي أن يضرب ضرباً بدون ألم.
стр. 2208
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهَا بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ (١)، فَإِنْ عَدِمَتِ النِّيَّةُ، رَجَعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِيْنِ وَمَا هَيَّجَهَا، فَيَقُوْمُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، لِدِلالَتِهِ عَلَيْهَا (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهَا بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ»: أي فلابد أن يضرب عشرة أسواط، لأنه لا يفهم من ضرب عشرة أسواط إلا عشر ضربات متفرقات فيجب أن تحمل اليمين عليه؛ وأما قول الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ (١) فإنه كان لأيوب خاصَّة، حتى يَبَرَّ بيمينه، ولم تُشرعْ في شرعه كفارةُ اليمين. أما في شرعنا، فإذا حلف الإنسان مثل هذا، فإنه يكفر كفارة يمين.
لكن لا يكون ضربا مُبَرِّحاً؛ لأن الضرب المبرح جاءت الشريعة بالنهي عنه فربما يكون معصيةٌ؛ فلا يبر به، وهذا هو المذهب.
قلت: والصواب أنه يبرّ لأن الله أباح لأيوب ﵇ ذلك، ودعوى تخصيص أيوب بذلك غير مسلَّم.
(٢) قوله «فَإِنْ عَدِمَتِ النِّيَّةُ، رَجَعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِيْنِ وَمَا هَيَّجَهَا، فَيَقُوْمُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، لِدِلالَتِهِ عَلَيْهَا»: هذه هي المرتبة الثانية؛ أي: إذا لم يكن للحالف نية، نرجع إلى سبب اليمين وما هيجها يعني: أثارها فتحمل اليمين عليه.: فلو أن إنساناً حلف، فقيل له: ماذا نويت؟ قال: والله ما أدري، أو أنه قال: نسيتُ؛ فهنا نرجع إلى السبب الذي هيج اليمين، فيقوم مقام=
стр. 2209
فَإِنْ عُدِمَ ذلِكَ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ (١)، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ، كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ (٢)،
ــ
=نيته للدلالة عليه.
مثاله: فلو أنه حصل بين شخص وآخر نزاعٌ فقال: والله لا أدخل هذه الدار بعد اليوم، ثم إن صاحب الدار باعها، ودخلها هذا الحالف، فهل يحنث أم لا؟ فهنا يقال للحالف: ماذا نويت؟ قال: والله ما أدري، أو: نسيت.
فنرجع إلى السبب الذي هَيَّجَ هذه اليمين، والسبب هو النزاع بينه وبين صاحب الدار، فنقول هذه اليمين إنما قصد بها أن لا يدخل هذه الدار التي صاحبها هذا الرجل. لكن إذا تغير المالك لها؛ فحينئذ زال السبب الذي لأجله حلف.
مثال آخر: لو قال: والله لا أكلم زيداً، لكونه سمع أنه يشرب الدخان، فتبين له أن زيداً رجل لا يشرب الدخان، فهنا نقول: لا حنث عليه؛ لأن السبب الذي جعله يحلف تبين عدمه.
(١) قوله «فَإِنْ عُدِمَ ذلِكَ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ»: هذه هي المرتبة الثالثة، فإذا لم يكن له نية، ولم يكن لليمين سبب، حملت على ظاهر اللفظ.
(٢) قوله «فَإِنْ كَانَ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ، كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ»: ظاهر اللفظ إما أن يكون الاسم له دلالة شرعية، أو دلالة عرفية، أو دلالة حقيقية؛ فيرجع أولا للعرف الشرعيِّ؛ كالصلاة والزكاة، فالصلاة دلالتها الشرعية=
стр. 2210
حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ، وَتَنَاوَلَتْ صَحِيْحَهُ (١)،
ــ
=معروفة: عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم. لكنَّ معناها وحقيقتها اللغوية الدعاء، فإذا حلف إنسان مثلاً على أن يصلي لله تعالى ركعتين فإننا نحمله على الصلاة بمعناها الشرعي، وليس بمدلولها اللغوي.
وهكذا إذا قال قائل: والله لأصلينَّ قبل أذان العشاء، ثم مدّ يديه إلى السماء وجعل يدعو حتى أذن العشاء، فقيل له: لماذا لم تصلِّ؟ قال: أنا صليت، فهنا إن كان ليس له نية ولا سبب، فإنه يحنث، لأن كلامه يحمل على المعنى الشرعي.
صحيح أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نحن المسلمين يحمل كلامنا على الأمر الشرعي وهكذا الزكاة، ولهذا قال المؤلف:
(١) قوله «حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ، وَتَنَاوَلَتْ صَحِيْحَهُ»: أي إن كان لا يوجد سبب ولا نية فيحمل يمينه على المعنى الشرعي مثل البيع، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والوقف، وأشياء كثيرة، هذه يختلف فيها الشرع واللغة، ولهذا نقول: الطهارة لغة كذا، وشرعاً كذا، الصلاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الزكاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الحج لغة كذا، وشرعاً كذا، البيع لغة كذا، وشرعاً كذا، فهذه الأشياء التي اختلف فيها الشرع واللغة، فإن الكلام يحمل على المعنى الشرعي عند إطلاقه.